← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

١ - تمهيد كانت الخلافة الاسلامية بالقرن الخامس لبني العباس ببغداد وبني عبيد بمصر. وكان خلفاء الاسرتين معا مستضعفين وقوادهم وامراؤهم عليهم مستبدين. وكان مغرب آل زيري تعبث ببواديه العرب وتغير على سواحله سفائن النرمان، ومغرب الملثمين في دعة وهناء لا يخشى عليه أدنى خطر داخلي أو خارجي. وفي أواخر هذا القرن ولد بهرغة هن جبال درن محمد بن عبد الله تومرت. ونشأ فقيرا طالبا للعلم. فأخذ بعض المبادئ بوطنه وارتحل سنة ٥٠٠ الى الاندلس فدخل قرطبة. ثم ارتحل الى المهدية. وأخذ عن المازري ثم انتقل الى الاسكندرية ثم بغداد، ولازم الغزالي ثلاث سنوات، ولقي غيره من جلة العلماء وفحول النظار فاستفاد علوما جمة، ومهر في الحديث والاصول والجدل، وأخذ بعقائد الاشعري واضاف اليها من عقائد الشيعة الامامية القول بالامام المعصوم. درس ابن تومرت في رحلته هذه حالة المسلمين السياسية فعرف ضعفها ولا سيما بالمشرق، ورأى ان الخلافة الاسلامية في خطر فحدثته نفسه- وكان بعيد الهمة- بانشاء خلافة بالمغرب تجمع شمل أهله على الاقل. وبهذه النية توجه نحو وطنه. في غرة ربيع الاول سنة ٥١٠ قفل الى المغرب وعرج في قفوله

стр. 667

على العواصم العلمية والسياسية كمصر وطرابلس والمهدية وتونس وقسنطنة وبجاية وتلمسان وفاس ومراكش، وحيثما حل درس العلم وامر بالمعروف وغير المنكر بيده، فعرض نفسه مرارا للخطر، ولكنه كان يحسن الخلاص، وبهت العلماء من فصاحته ودهش الامراء من جراءته ومال اليه العامة لديانته، فما غادر مدينة إلا وترك بها سمعة واسعة وانصارا عديدين. نزل بقسنطينة على الفقيه عبد الرحمن الميلي وغيره وببجاية في مسجد الريحانة، وأمه ابراهيم بن محمد الميلي وغيره من الفقهاء، ثم خشي سطوة العزيز بن المنصور، فخرج الى ملالة ضيعة لبني ورياغل على فرسخ من بجاية، فأقام بها مدة، وهنالك جمعه القدر بعبد المؤمن بن علي الكومي، فأعجب بذكائه، واعجب عبد المؤمن بعلمه فصحبه وخرجا فيمن معهما الى متيجة فوانشريس فتلمسان، وبلغوا هرغة سنة ٥١٤. وصحب ابن تومرت من تونس ابو بكر بن علي الصنهاجي المدعو بالبيدق وكتب في كتابه أخبار المهدي عن طريقه من تونس الى هرغة نحو عشرين صفحة، فصل فيها أخباره وحوادثه. وكان ابن تومرت يعرف في طريقه بالفقيه السوسي وأخذ يشيع أنه الامام المهدي المنتظر، فصار يعرف بالامام المعصوم. حتى اذا بايعه المصامدة دعي المهدي. استهوى ابن تومرت المصادمة بمكايده وسحرهم بعذوبة لفظه فقد كان فصيحا في العربية والبربرية حتى صاروا يستغيثون به في شدائدهم ويتبركون بذكره على موائدهم، قال ابن قنفذ في الفارسية ما ملخصه:

стр. 668

" داره بجبل هنتاتة يتبرك الآن بالدخول اليها، ودخلتها انا لهذا الوجه سنة ٧٦٣ وأماكن جلوسه بالجبل معلومة لا يمر بها راكب الا نزل " اهـ. فصل ابن تومرت علمه وعمله بمقدار غايته السياسية فاختار عقيدة الاشعري وهي خلاف عقائد أهل المغرب يومئذ، ليجد سبيلا الى الطعن في عقائدهم، وأشهر ذكره بانتحاله تغيير المنكر في طريقه. وانتسب في آل البيت واعتقد عصمة الامام ليمهد لدعواه انه المهدي المنتظر. وتظاهر بالزهد والصلاح كي تقبل العامة مكائده وحيله باسم الكرامات. درس ابن تومرت بمصموده وألف ونشر الدعاة لبيعته فبويع في رمضان سنة ٥١٥ تحت شجرة خرنوب بعدما خطب في الناس وذكر المهدي وانه يظهر من المغرب الاقصى وان نسبه كنسبه واسمه كاسمه وفعله كفعله وعرف الناس بما يكون عليهم في القيام بدعوته من الارزاء والمحن. فالتزموا ذلك. وسماهم الموحدين وكفر المرابطين ولقبهم المجسمين وحاربهم بسيفه وقلمه م، حتى توفي على ما حققه ابن أبي زرع وغيره فيما رمضان سنة ٢٤ وكانت ولادته سنة ٤٧٤ وقيل ٨٤ وقيل ٨٦ وقيل ٩١ ولم يترك خلفا لانه لم يتزوج وله تآليف لطيفة جمع بعضها وطبع بالجزائر سنة ١٣٢١ هـ وجمع البيدق بعض رسائله طبعت مع كتابه أخبار المهدي. واستيعاب أخبار ابن تومرت ودرسها بصفة فنية يستدعي تآليف مستقلة. فانه قد احدث انقلابا عاما بالمغرب في السياسة والعلم والدين ولم يكن كسائر الانقلابات البربرية الناشئة من أسباب قومية ومنافسات بين القبائل القوية. ولا نتيجة لها غير سقوط دولة وقيام أخرى. ودولة الموحدين تشبه دولة المرابطين من حيث ابتناؤهما على دعوة

стр. 669

دينية. ولكن الفرق بينهما كالفرق بين مؤسيسهما عبد الله بن ويس وابن تومرت فلم يكن عبد الله بن ويس في علم ابن تومرت ولا دهائه ولكن كان أطهر منه عقيدة وأصفى سريرة. ولم تكن دولة المرابطين في قوة دولة الموحدين ولا حسن ادارتها ولا اتساع معارفها ولكن كانت أعف عن الدماء وارفق بالرعية. ٢ - تأسيس الدولة الموحدية المؤمنية ابن تومرت هو مؤسس هذه الدولة وكان يؤثر من اتباعه عشرة ويقرب من بينهم عبد المؤمن بن علي الكومي. فلما توفي قدم العشرة من بينهم ابا علي عمر الصنهاجي. وبعد أيام سلمها لعبد المؤمن قائلا أنه الذي أشار به المهدي. فبايعوه سرا. وكتموا موت المهدي عن العامة وموهوا عليهم بانه مريض وصار عبد المؤمن يتقدم اليهم بالاوامر على لسان المهدي حتى ركنوا اليه فأعلنوا بيعته للعامة سنة ٢٦ واختاروه لغربته فيهم فهو أقرب الى العدل. حكى ابن أبي زرع انه لما مات المهدي تشوق كل واحد من العشرة الى الخلافة، وكانوا من قبائل شتى، فتنافسوا وتحاسدوا ثم تآمروا. وخافوا افتراق الكلمة فاتفقوا على عبد المؤمن لكونه غريبا بينهم مع ما كانوا يرونه من ميل المهدي اليه اهـ. أخذ عبد المؤمن في فتح المغرب. ففتحه في ثلاث كرات: الاولى فتح فيها مغرب المرابطين وأقام محاربا لهم سبع سنوات ومسكنه الجبال وطاولهم هذه المدة كلها ليحفط بها قوة رجاله ويضعف الدولة بكثرة النفقات وقلة ما تقبضه من المغارم حتى تختل طاعة الجند وتسأم الرعية، وذلك ما وقع.

стр. 670

الثانية فتح فيها بجاية. ولم يعلن عليها الحرب ولا طاولها بل إستعان عليها بالدسائس ولم يتريث في السير اليها، ولولا ذلك ما نحج في فتحها ذلك النجاح. الثالثة فتح فيها المهدية استعد لفتحها ثلاث سنوات حفر فيها الآبار على طول الطريق وأمر بحفظ الزرع في سنابله وخرج اليها في صفر سنة ٥٤ في جيوش جرارة واساطيل محاذية له بحرا، وسار سيرا في غاية النظام وكمال العدة. ولم يسرع في سيره فبلغ تونس أواخر جمادى الثانية، فاحتلها وتقدم الى المهدية، فحاصرها حتى فتحها بوم عاشوراء سنة ٥٥٥ وانما سلك في فتحه المهدية غير مسلكيه في فتح بجاية وحرب المرابطين لانه ليس بافريقية يومئذ دولة فاشتد أذى النرمان للمسلمين. ووفد عليه جمع منهم بمراكش يستنصرونه، فوعدهم النصرة ولكن تريث في تنفيذ وعده كي تقوى في الناس الغيرة الدينية بما يتكرر عليهم من معرات العدو ويستيقنوا أن لا ناصر لهم غير عبد المؤمن فلا يعترضون سبيله يوما ما، ولكي يجمع هو قوته فيدهش بها القبائل التى يمر بها عربية وبربرية فلا تحدث نفسها بالثورة عليه. وذلك ما وقع، فقد كان الناس ينضمون الى جيشه حيثما حل ففي كل مرحلة يزداد جمعه، وما فتح المهدية وطرد النرمان حتى أتاه رؤساء المدن طائعين. وهكذا تم لعبد المؤمن فتح المغرب. ودخلت في طاعته جزيرة الاندلس فكانت مملكته تنتهي شرقا الى التراب المصري شرقي طرابلس حيث سويقه بني مضكود، وغربا الى البحر المحيط، وجنوبا الى الصحراء وشمالا الى البحر الابيض وتجاوزه الى الاندلس فشملها من الجزائر الشرقية الى أشبونة. وقد استعد عبد المؤمن لاخراج الامر من المصامدة الى قبيلته

стр. 671

وبنيه فجمع ثلات الاف ولد كأنهم أبناء ليلة واحدة جمعهم من المصادمة وغيرهم. وأخذهم يحفظ كتاب الله وحفظ الموطأ وكتاب ابن تومرت ورباهم على ركوب الخيل والرمي والسباحة ببحيرة صنعها خارج بستانه بمراكش. وكانت نفقتهم وخيلهم من عنده. فلما أكمل تأديبهم على ما اراد عزل بهم أشياخ الموحدين. وقال لهم العلماء أولى منكم. فسلموا لهم الامر. وظهر من أبنائه ثلاثة عشر ولدا على تلك الصفات. فأشار عليه أشياخ الموحدين بتقديمهم للاعمال. فتظاهر بالامتناع حتى ألحوا عليه فولاهم على الاقاليم. وذلك سنة ٥٤٩ وفيها عهد بالامر من بعده لابنه محمد بعد ما دس الى رؤساء من العرب كان قد أحسن اليهم ان يطلبوا منه ولاية العهد لاحد أبنائه. وكان ولي عهده أبا حفص عمر الهنتاني جد الحفصيين. فلما طلبوا منه ذلك أنكر عليهم. وشعر ابو حفص بسر القضية. فخشي على نفسه وخلعها من ولاية العهد. وفيها ثار عليه عبد العزيز وعيسى اخوا المهدي لما رأياه من تقديم أبنائه. وكان هو بسلا وهما بفاس. فلحقا بمراكش. ودخلاها وقتلا نائبه بها. فارسل أثرهما وتوجه نحو مراكش. فقتلا وقتل كل من شاركهم في الثورة. وفي سنة ٥٥٧ قدم على عبد المؤمن قومه كومية في أربعين الف فارس. وكان هو الذي استقدمهم تم تجاهل سبب قدومهم تسكينا للمصامدة وتمويها عليهم وقرب موته عزل ابنه محمدا من ولاية العهد. وجملها لابنه يوسف فلها مات لم يبايع يوسف ابو حفص الهنتاني الى سنة ٥٦٣ ويومئذ تلقب يوسف بأمير المؤمنين لما تم له الامر بمبايعة أبي حفص. وهكذا تأسست دولة الموحدين واخرج عبد المؤمن الامر من شيوخ مصمودة الى ابنائه وكانت عاصمتهم مراكش ولم يعرف المغرب

стр. 672

قبل عبد المؤمن وبنيه ولا بعدهم دولة أحسن ادارة ولا أرقى معارف وحضارة من دولتهم. ٣ - الحكومة الموحدية المؤمنية الدولة الموحدية المؤمنية مستقلة استقلالا تاما. وهي أول دولة بربرية غير خارجية ادعت الخلافة. وكانت أهلا لها اذ لم يكن بنو العباس ولا بنو عبيد يومئذ شيئا مذكورا. وتوسلوا لها من حيث النسب بدعوى ابن تومرت النسب في آل البيت وانتساب عبد المؤمن الى قيس بن مضر وتعلقه بآل البيت من جهة بعض جداته. وحكومتها مقيدة بالكتاب والسنة من غير انتماء الى مذهب خاص. ورئيسها خليفة يدعى أمير المؤمنين ومنهم من تلقب بالالقاب كالمنصور والناصر. وكان الخليفة يعين بالعهد اليه من سلفه. ثم سار أيام انحطاط الدولة يدعي الخلافة دعوى ويتغلب عليها بالقوة. ولكنها انحصرت في بني عبد المؤمن على كل حال. ويساعد الخليفة ولاة بالاعمال الواسعة ووزراء مختلفو النفوذ وكتاب متفاوتو الدرجات حسب مهماتهم وللخليفة وولاته مجالس شورية يلقب أهلها الشيوخ من أهل العلم والدين ولا يكونون من غير الموحدين. وقد أخذت الحكومة أنظمتها الادارية من دولتي صنهاجة وزادتها اتقانا ودقة. والقضاء يختار له العلماء المجتهدون وأماثل المقلدين للامامين مالك والشافعي وهو مستقل عن الادارة. والناس أمامه سواء لا فرق بين أمير وسوقة. والمالية تجمع من الزكوات وخراج الاراضي الدولية واخماس الغنائم ليس فيها مكس ولا جور قال ابن ابي زرع:

стр. 673

" أمر عبد المؤمن بعد فتح المهدية بتكسير الارض فكسرت من برقة الى نول من بلاد السوس الاقصى بالفراسخ والاميال طولا وعرضا فاسقط من التكسبر الثلث في الجبال والشعراء والانهار والسباخ والطرقات والخروق. وقسط الخراج على ما بقي وألزم كل قبيلة قسطها من الزرع والورق. وهو أول من أحدث ذلك في المغرب" اهـ. وكانت المالية وافية بمارف الدولة من انشاء البنايات العامة كدور الحكومة والمساجد والقناطر والمستشفيات، ومن عطاء الجنود والموظفين وجوائز الشعراء والعلماء. وللحكومة جيش من الموحدين ومرتزقة العرب والبربر عدا ما هو مفروض على القبائل من الجنود، ويبلغ ايام الحرب اربعمائة ألف فارس عدا المشاة، وبلغ جيش الناصر الذي خرج به الى الاندلس مليون من الفرسان والمشاة من سائر الاقسام العسكرية غير المرتزقة. ولها أسطول ورثته من صنهاجة وزادت فيه وعنيت بصنع الاسلحة والمجانيق والرعادات وانشأ عبد المؤمن سنة ٥٥٧ اربعمائة قطعة فرقها على سواحل المغرب والاندلس. وكان يضرب له كل يوم عشرة قناطير من السهام. وللجيش طبول ورايات. فاذا أريد النفير ضرب كبر مستدير الشكل دوره خمس عشرة ذراعا من خشب أخضر اللون مذهب. يضرب فيه ثلاث ضربات فيرتحل الناس. يسمع على مسيرة نصف يوم من مكان مرتفع. يتقدم الامير نحو مائة فارس ويأتي وراءه مدبرو دولته ثم بقية الناس حسب مراتبهم. ويصحب الجيش الصناع وأصحاب الحرف وكل ما يحتاج اليه في السفر حتى كانهم مقيمون. ومرتبة الموحدين في الجيش ومناصب الحكومة أعلى الرتب.

стр. 674

وهم أنفسهم درجات لا يتعدى صنف مرتبته سفرا وحضرا. وذكر صاحب المعجب القبائل التي تلقب بالموحدين ورتبهم حسب درجاتهم هكذا: هرغة ثم كومية ثم أهل تينمل ثم هنتاتة ثم قنقيسة ثم قدميوة ثم من استجاب للموحدين من قبائل صنهاجة ثم بعض بطون هسكورة، قال: " فهذه جملة قبائل الموحدين المستحقين لهذا الاسم عندهم والذين يأخذون العطاء وتجمعهم الجيوش وينفرون في البعوث. وغير هؤلاء القبائل من المصامدة رعية" اهـ. وانما خصت هذه القبائل باسم الموحدين لكونها لبت الدعوة قبل فتح مراكش، ورتبوا في الدرجات حسب ترتبهم في اجابة الدعوة. وكانت الحكومة حافظة لممالكها حامية لثغورها تعاهد من سالمها وتحارب من حاربها لا تنقض عهدا ولا تخلف وعدا، ارتبطت مع جمهورية جنوة بمعاهدة تجارية، واختلف حالها مع ملوك المسيحية بالاندلس سلما وحربا، يعاهدونها اذا ضعفوا وان وجدوا فرصة نقضوا العهد، وكانت مسالمة لاصحاب صقلية، قال صاحب المعجب: "كان صاحب صقلية يؤدي اتاوة لابي يعقوب، واتصلت اليه منه ذخائر لم يكن عند ملك مثلها " اهـ. وكانت الحالة الداخلية على غاية من الاطمئنان، فكثرت الاموال وتأمنت الطرق وصلح أمر الناس في البادية والحاضرة وعم الامن والرخاء وكانت الظعينة تخرج من بلاد نول الى برقة وحدها لا ترى في سفرها ما يؤذيها، كل هذا بعدل بني عبد المؤمن وحسن سياستهم. وبعد الناصر ولي ابنه المنتصر صبيا، فتحكم في الدولة الحاشية،

стр. 675

واختلت الدولة حتى ظهرت زناتة على مرسح السياسة وطمع الحفصيون في عرش بني عبد المؤمن، فتغيرت الاحوال بما أدى الى سقوط هذه الدولة. وكانت للدولة سكتها دنانير ودراهم وانصاف درهم وارباعه واثمانه والخراريب، والدرهم المؤمني نصف درهم الزكاة، وكان مربعا، يكتب على السكة اسم المهدي حتى ولي المأمون بن المنصور ودخل مراكش سنة ٦٢٧ فدور الدرهم وقطع منه اسم المهدي. ٤ - عبد المؤمن وبنوه كان عبد المؤمن وبنوه أهل علم وأدب ولهم عناية بالجهاد. قد صرفوا قواهم لحماية الاندلس حتى ان المنصور لما حضرته الوفاة جمع بنيه والموحدين وقال لهم: "اوصيكم بالايتام واليتيمة؟ قيل له وما الايتام واليتيمة؟ قال اليتيمة الاندلس والايتام أهلها. انه ليس في نفوسنا شيء أعظم من همها، ولو مد الله في أجلنا لم نتوان في جهاد كفارها حتى نعيدها دار اسلام. فاياكم والغفلة عما يصلحها من تشييد اسوار وحماية ثور وتربية الاجناد وتوفير الرعية". وكانت العلامة السلطانية عندهم (الحمد لله وحده) يكتبها الخليفة بيده بخط غليظ في رأس الرسالة أو المنشور. وفي ذلك تقول حفصة الاندلسينة تخاطب عبد المؤمن: يا سيد الناس يا من ... يؤمل الناس رفده امنن علي بطرس ... يكون للدهر عده تخط يمناك فيه ... (الحمد لله وحده) وكان بنو عبد المؤمن يعرفون بالسادة لا ينعت بالسيد لعهدهم سواهم.

стр. 676

ولد عبد المؤمن بقرية تاقرا من ساحل تلمسان على ثلاثة أميال من مرسي هنين سنة ٤٨٧. وكان والده علي فخارا يعمل النوافيخ، وقيل كان قاضيا. وليس لقبيلته كومية شأن. ونشأ هو فقيرا طالبا للعلم فارتحل الى بجاية. فا تفق ان كان ابن تومرت قد أخرج منها الى ملالة، ووجد له ذكرا، فقصده. والفى بغيته لديه فصحبه واستفاد علمه ثم أستغل جهوده في تأسيس هذه الدولة. وكان عبد المؤمن أبيض مشربا بحمرة تام القد اجدع تبلغ وفرته شحمة أذنيه أكحل العينين ازج الحاجبين قويم الانف عريضه فصيحا فقيها جدليا اصوليا محدثا اماما في النحو والادب والقراءة ذاكرا للتاريخ وأيام الناس مشاركا في كثير من العلوم الدينية والدنيوية حازما سياسيا مقداما سري الهمة حسن السيرة سخيا مقربا لاهل العلم والادب منفقا لبضاعتهم. وتوفي عبد المؤمن وترك ستة عشر ذكرا وبنتين. فخلفه منهم ابو يعقوب يوسف. وسار بسيرة ابيه. وأجاز الى الاندلس مجاهدا. وتوفي بها شهيدا. وعني بالعمران وبناء القناطر والمساجد والمستشفيات. وكان له أطباء وفقهاء يجالسونه. وكان يشببه أباه خلقا وخلقا عاقلا ورعا مباشرا أمور المملكة بنفسه. وكان من كتابه أبو الفضل بن طاهر البجائي من أهل العلم والفضل والدين والتقى كان كاتبا بليغا مترسلا. وكتب بعده المنصور ثم الناصر. وترك أبو يعقوب ثمانية عشر ذكرا. خلفه منهم يعقوب المنصور. أقام العدل وارجع الولاة والعمال الى أحكام القضاة. وكانت له بالاندأس وقعة الأراك على النصارى سنة ١٩٤ وكان كأبيه وجده علما ودينا وسياسة كثير التواضع يشهد جنائز الفقهاء والصلحاء.

стр. 677

وترك من الذكور اربعة عشر. ولي الخلافة منهم ثلاثة الناصر والعادل والمأمون وخلفه منهم محمد الناصر أمه بنت أبي اسحق بن الخليفة عبد المؤمن، وفي أيامه عظم أمر ابن غانية بافريقية، فولي عليها أبا محمد عبد الواحد بن ابي حفص، وكان ذلك مبتدأ الدولة الحفصية، ثم كانت عليه واقعة العقاب بالاندلس سنة ٦٠٩ وكان غليظ الحجاب لا تكاد تصله الامور، وذلك سبب ضعف الدولة. وعهد الى ابنه بوسف المنتصر، فخلفه وهو دون البلوغ، وقام بالدولة الحاشية من الموحدين، واوقعوا بني عبد المؤمن في فتنة التنافس على الملك وصاروا لهم كالاتراك لبني العباس، ولم يخرج المنتصر من مراكش حتى توفي. وقد ظهرت زناتة على مسرح السياسة. وخلفه أخو جده عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن، قدمه الموحدون على كراهية منه لكبر سنه وظهور الاستبداد على الخليفة، وكان صالحا فاضلا ورعا ولم يستقم له الامر غير شهرين، وقام عليه العادل ابن أخيه. فخلع وقتل، وكان أول مخلوع ومقتول في هذه الدولة. وأبو محمد عبد الله العادل هو ابن المنصور، تغلب على الخلافة ثم قتله الموحدون وبايعوا ابن أخيه يحي المعتصم ابن الناصر، واضطربت أموره لصغره واختلال الدولة، فانتقل الى تينملل سنة ٢٦ فدخل عمه المأمون مراكش سنة ٢٣ وبقي يحي بتينملل محاربا للمأمون وابنه الرشيد حتى قتل سنة ٦٣٣. تغلب على مراكش ابو العلاء ادريس المأمون بن المنصور، وأعلن لعن المهدي، وقتل كثيرا من شيوخ الموحدين العابثين بالخلافة، وسعى في اصلاح الدولة، ولكن عاجلته المنية فمات ولم يحقق أمنيته.

стр. 678

وخلفه ابنه ابو محمد عبد الواحد الرشيد وهو في سن الرابعة عشرة. فكانت خلافته قوة لمنافسي دولته، ولما مات خلفه أخوه أبو الحسن علي الملقب بالسعيد وبالمعتصم، وكان بطلا مقداما بعيد الهمة، لكنه جاء بعد استفحال الداء، وقتل في حربه مع يغمراسن ابن زيان. وخلفه ابو حفص عمر المرتضى بن اسحق بن يوسف بن عبد المؤمن، وقتله ابن عبه ابو دبوس ادريس الواثق بن ابي عبد الله ابن عمر بن عبد المؤمن، واستولى مكانه حتى دخل عليه بنو مرين وقتلوه في المحرم سنة ٦٦٨. وبه انقرض أمر بني عبد المؤمن رغم محاولتهم لارجاع سلطانهم، فقد فر الموحدون من مراكش الى جبل تينملل وبايعوا اسحق أخا المرتضى، فقبض عليه سنة ٦٧٤ وجيء به الى يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين، فقتل في جملة من ابنائه وذوي قرابته، وفي سنة ٧٠٥ ظهر بافريقية عثمان بن ابي دبوس كان بطرابلس، فاستقدمه أحمد بن أبي الليل شيخ الكعوب من سليم، وبايعه واجلب به الى تونس، فقبض عليهما وأودعا السجن، وفي آخر سنة ٧٤٨ بايع العرب أحمد بن عثمان بن ابي دبوس وكان خياطا بتوزر، واجلبوا به على تونس، ثم خذلوه سنة ٤٩ وسلموه لابي الحسن المريني المستولي يومئذ على تونس فاعتقله. وانقطع أمل بني عبد المؤمن في احياء دولتهم.

стр. 679

عبد المؤمن وبنوه الخليفة ... الولاية هـ ... م عبد المؤمن بن علي ... ٥٢٤ ... ١١٣٠ ابنه يوسف ... ٥٥٨ ... ١١٦٣ ابنه يعقوب المنصور ... ٥٨٠ ... ١١٨٤ ابنه محمد الناصر ... ٥٩٥ ... ١١٩٩ ابنه يوسف المنتصر ... ٦١٠ ... ١٢١٣ عبد الواحد بن يوسف ابن عبد المؤمن ... ٦٢٠ ... ١٢٢٤ عبد الله العادل بن المنصور ... ٦٢١ ... ١٢٢٤ يحي المعتصم ابن الناصر ... ٦٢٤ ... ١٢٢٧ ادريس المأمون ابن المنصور ... ٦٢٧ ... ١٢٣٠ ابنه عبد الواحد الرشيد ... ٦٣٠ ... ١٢٣٢ اخوه علي السعيد ... ٦٤٠ ... ١٢٤٢ عمر المرتضى بن اسحق ... ٦٤٦ ... ١٢٤٨ ادريس لواثق ... ٦٦٥ ... ١٢٦٦ سقوط الدولة ... ٦٦٨ ... ١٢٦٩ نقود الدولة المومنية ١٦ - نقود عبد المؤمن بن علي ١٧ - نقود يوسف بن عبد المؤمن ضرب ببجاية. ١٨ - نقود يعقوب المنصور ١٩ - نقود عمر المرتضى

стр. 680

٥ - ولاة الجزائر المؤمنية كانت الجزائر المؤمنية مقسمة الى ولايتين كبيرتين: ولاية تلمسان من ملوية غربا الى نهر مينة شرقا، وولاية بجاية الى حدود عمالة قسنطينة اليوم شرقا فقد ذكر صاحب المعجب من مدنها قالمة بلفظ قالم تحريفا. وفتحت مدينة الكاف في غزوة المهدية. فيظهر انها تابعة لولاية تونس وربما تبع الزاب ولاية تونس وكان للولاة وزراء وكتاب ومجالس شورى من شيوخ الموحدين. ولي تلمسان لما فتحت سليمان بن محمد وانودين الهنتاني وقيل عمه يوسف وولي بجاية لما فتحت طلبة من الموحدين، وفي سنة ٤٩ بعث عبد المؤمن على تلمسان ابنه ابا حفص عمر واستوزر له ابا محمد عبد الحق بن وانودين، واستكتب له أبا الحسن عبد الملك ابن عياش القرطبي، وبحث على بجاية ابنه ابا محمد عبد الله واستوزر له أبا سعيد يخلف بن الحسن، واستكتب له أبا العباس بن مضاء. ولما ولي الخليفة يوسف امتنع من بيعته أخوه عبد الله ببجاية، ثم أتاه مبايعا سنة ٥٩ فعفا عنه ووصله واحسن اليه، ثم مات. وفي سنة ٦١ ولى الخليفة يوسف أخاه زكرياء ببجاية، وأمره بتفقد أحوال افريقية ورفع مظالمها وقطع طغاتها، وتوفي بالطاعون في مراكش سنة ٧١. وفي سنة ٧٦ ولى يوسف على بجاية أخاه ابا موسى عيسى، ثم ولى بعده ابن أخيه السيد أبا الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن، فلم يزل بها حتى استولى عليها علي بن غانية سنة ٨٠ ثم ولي تلمسان. وفي سنة ٥٥٥ استقدم عبد المؤمن ابنه ابا حفص من تلمسان، ثم استوزره أخوه يوسف، ومات سنة ٧٥ وولي على تلمسان السيد

стр. 681

ابو عمران موسى بن عبد المؤمن سنة ٥٦، ووفد على أخيه يوسف بمراكش هو وصاحب بجاية ابو زكرياء في وجوه أهل افريقية من العرب وغيرهم، وكان دخولهم مراكش سنة ٦٤ فكان يوما مشهودا، ثم نهض الخليفة الى غزو الاندلس سنة ٦٦ فاستخلف على مراكش أخاه ابا عمران وبها توفي بالطاعون سنة ٧١. ثم ولي تلمسان السيد أبو الحسن علي بن عمر بن عبد المؤمن، وقدم عليه أخوه أبو زيد من افريقية فارا من ابن غانية فتنبه لتحصين بلاده ورم أسوارها ثم عاد أبو زيد لحرب ابن غانية بأمر ابن عمه المنصور فخلص بجاية، ونزلها، ثم استقدمه المنصور منها، وولى مكانه أخاه السيد أبا عبد الله بن عمر. ثم خرج المنصور نفسه لحرب ابن غانية. وفي سنة ٥٨٤ قفل المنصور الى مراكش، فعقد لأبي زيد على تونس ولاخيه ابي الحسن على بجاية. فأقام بها الى أيام الناصر، ولم يغن في دفاع ابن غانية، وكان مولعا بالادب والطرب، فعزل عنها. وله نفس عالية زكية وحكايات في الجود برمكية، ومن شعره قوله يخاطب المنصور في قضاء ديونه: وجوه الاماني بكم مسفره ... وضاحكة لي مستبشرة ولي أمل فيكم صادق ... قريب عسى الله ان يسره علي ديون وتصحيفها ... وعندكم الجود والمغفره وولي تلمسان بعد انتقال أبي الحسن الى بجاية السيد ابو الربيع ابن عبد الله بن عبد المؤمن، وتوفي هو وابو الحسن سنة ٦٠٤ فولى الناصر بتلمسان السيد ابا عمران موسى بن يوسف بن عبد

стр. 682

المؤمن سنة ٦٠٥ وقتل في حرب ابن غانية، فولى الناصر مكانه ابا زيد ابن يوجان، وعزله المنتصر بابي سعيد بن المنصور. وممن ولي ببجاية بعد ابي الحسن ابن يغمور، فلما أفضى الامر الى العادل عزله بيحي بن الاطلس التينمللي، وفي سنة ٦٢٤ بايع أهل الأندلس ادريس المأمون باشبيلية قال ابن خلدون: وبايعه صاحب تلمسان محمد بن ابي زيد بن يوجان وصاحب سبتة ابا موسى بن المنصور وصاحب بجاية ابن أخيه ابن الاطاس، وفي بعض نسخه ابن اخته ابن الاطامي. وفي سنة ٢٧ خلع أبو زكرياء الحفصي طاعة المأمون فعقد المأمون على بجاية للسيد ابي عمران بن محمد بن يعقوب المنصور، وفي سنة ٢٨ فتح ابو زكرياء قسنطينة وبجاية، واعتقل السيد ابا عمران، وثقفه بتونس، فانقرضت كلمة بني عبد المؤمن من عمل بجاية، وقامت بها دعوة الحفصيين. وكان المأمون قد ولي على تلمسان أخاه السيد ابا سعيد، وكان مغفلا ضعيف التدبير، ومعه الحسن بن حبون الكومي عاملا على الوطن، فغلب على ابي سعيد واغراه ببني عبد الواد. فقبض على طائفة من مشيختهم، وشفع فيهم ابراهيم ابن اسمعيل بن علان زعيم الجند اللمتوني بتلمسان، فردت شفاعته، فقام بدعوة ابن غانية، واغتال الحسن بن حبون وثقف السيد ابا سعيد، وسرح مشيخة بني عبد الواد. ونكروه فقتلوا ابراهيم ابن اسميل ودخلوا تلمسان بدعوة المأمون، واستمرت ولايتها في مشيختهم حتى استقل بها يغمراسن بن زيان. وهكذا خرجت الجزائر من يد السادة بني عبد المؤمن الى الحفصيين وبني عبد الواد، فكانت ولايتهم بها نحو ثمانين سنة.

стр. 683

٦ - ثورة ابن غانية كان علي بن يحي المسوفي مقربا لدى يوسف بن تاشفين أمير المرابطين. فزوجه امرأة من أهل بيته تسمى غانية. فولدت له محمدا ويحي. وعقد علي بن يوسف لمحمد على الجزائر الشرقية سنة ٥٢٠ فنزل ميورقة. ولما هلك خلفه ابنه اسحق. وسقطت أيامه دولة المرابطين. ووفدت عليه فلولهم. فاحسن اليهم. وغني بالغزو. واستمر على الدعاء لبني العباس. واغفل الموحدون شأنه. واستشهد سنة ٥٧٩ وترك ابناء منهم علي خليفته من بعده ويحي. وفي ربيع الاخير من هذه السنة استشهد بالاندلس أمير الموحدين يوسف بن عبد المؤمن. هنالك أراد أبناء غانية احياء دولة المرابطين بالمغرب واعادة الدعوى العباسية اليه. واتفق معهم أهل بجاية من الحماديين وغيرهم على دلك. وظنوا كلمة الموحدين تختلف فيمن يخلف يوسف لكثرة ابناء عبد المؤمن ولعل في المصامدة من يدعو الى نفسه. وأمير الجزائر الشرقية من ابناء غانية يومئذ علي بن اسحق المعروف بالميورقي لكونه يقطن ميورقة. وما زال لفظ الميورقي معروفا لدى العوام ببعض جهاتنا الجنوبية الا انهم يقولون المورقي بحذف الياء. خرج علي بن اسحق من ميورقة في اثنتين وثلاثين قطعة ومعه بعض اخوته منهم يحي. وحمل اسطوله نحو مائتي فارس من الملثمين وأربعة آلاف راجل. فأرسى على بجاية يوم الجمعة من شعبان سنة ٥٨٠ ودخلها وقت الصلاة من غير قتال. والناس آمنون. ووالي المدينة السيد سليمان بن عبد الله خارجها بايميلول. ولم يترك بها حامية للامن من طروق العدو. لما دخل علي بن اسحق قصد الجامع الاعظم وأدار به الخيل

стр. 684

والرجال. فمن بايعه خلى سبيله ومن أبى قتله. وألفى بها والي تونس السيد أبا موسى بن عبد المؤمن. فاعتقله. وكان والي القلعة قاصدا مراكش. فبلغه الخبر وهو بمتيجة. فعاد لمظاهرة السيد سليمان. وقصدا استرجاع بجاية. فاجتمع من الموحدين ثلاثماية فارس ومن العرب وقبائل تلك الجهات نحو ألف فارس. واجتمع الى الميورقي نحو ألف فارس. وتقابل الجمعان. فانخزل من كان مع الموحدين الى الميورقي. فانهزم السيد سليمان الى تلمسان. وغنم الميورقي أمواله وأبنيته. استألف علي بن اسحق العرب بالمالى، واستخلف اخوه يحي ببجاية وخرج لافتتاح ولايتها. ففتح الجزائر ومليانة ومازونة والقلعة. وتوجه الى قسنطينة فحاصرها وقطع الماء عن أهلها حتى أغاثهم الله بمطر غزير فكسر واديها سده. وبلغ المنصور بن يوسف خبر بجاية وهو قافل من الاندلس فارسل عسكرا في البر لنظر السيد أبي زيد بن عمر بن عبد المؤمن، وبعث الاساطيل في البحر يقودها أحمد الصقلي وعقد عليها لابي محمد ابن ابراهيم بن جامع، فاسترجعوا ما استولى عليه الميورقي من البلدان. ونزلوا على بجاية في صفر سنة ٨١ بجنود لا قبل ليحي بها، ففر ومن معه من الملثمين. ولحقوا بعلي وهو محاصر لقسنطينة. فكانت مدتهم ببجاية سبعة أشهر خطبوا فيها لبني العباس. وخطيبهم ابو محمد عبد الحق الاشبيلي الذائع الصيت. عسكر السيد أبو زيد بتبكلات من ظاهر بجاية واطلق عمه ابا موسى من معتقله. ثم رحل اثر ابن غانية. فأجلاه عن قسنطينة واتبعه الى نقاوس ومقرة، ودخل علي بن اسحق الصحراء. وملك قفصة واستقر بها، واستقر ابو زيد ببجاية.

стр. 685

ثم ظهر غزي الصنهاجي في جموع هن الملثمين والعرب وتغلب على أشير. فسرح اليهم السيد أبو زيد ابنه عمر ومعه غانم بن مردنيش فأوقع بجموع غزي وقتله ونصب رأسه ببجاية. وغرب أبو زيد بني حمدون الى سلا لاتهامهم بتأييد ابن غانية. ثم استقدم المنصور أبا زيد من بجاية. واجتمع الى ابن غانية بافريقية جموع العرب من رياح وغيرهم. وانضاف اليه قراقوش بمن هنالك من الاتراك. وبايعوا علي بن اسحق. ولقبوه أمير المسلمين فجدد رسوم الملك واتخذ الآلة. وأوفد الى بغداد ابنه وكاتبه عبد البر بن فرسان بالبيعة وطلب المدد. فأمر الخليفة عماله بمصر والشام بمدده. فعظم سلطان علي بن غانية واستولى على افريقية وانزل بأهلها وعمرانها بلاء لم ينزل بها أيام دخول الهلاليين ذكر تفصيله ابن الاثير وأهم المنصور أمره فخرج بجموعه الى افريقية سنة ٨٣ وكانت بينه وبين ابن غانية وقائع غير فاصلة .. ثم عاد الى مراكش سنة ٨٤ ومات في هذه السنة علي بن غانية بنفزاوة من ناحية الجريد. فخلفه أخوه يحي. ونقل الحرب الى المغرب بعد سنة ٥٩٧. خرج من بجاية واليها السيد ابو الحسن في جيش عظيم للقاء يحي. قال صاحب المعجب: "لم أر للموحدين جيشا أضخم منه ولا أكثر سلاحا ولا أحسن عدة. وفيه من أعيانهم وشيوخهم جملة وافرة " اهـ. التقى الجمعان قرب قسنطينة من ناحية بجاية. فانهزم الموحدون الى بجاية في حال سيئة. وتوجه يحي الى بسكرة. فدخلها ومثل بأهلها. وسجن عاملها أبا الحسن بن أبي يعلى. ثم ملك تبسة. وبايعه أهل بونة. وعاد الى المهدية.

стр. 686

قوي أمر يحي الميورقي. وحاصر قسنطينة. فجهز له ابو الحسن عسكرا حفظها. فارتحل يحي الى حصار بجاية. وكان المدد يأتيه من ميورقة. كأجاز الناصر أساطيله اليها من مدينة الجزائر سنة ٩٨ فاستولوا عليها سنة ٩٩. وفي سنة ٦١٠ توجه الناصر نفسه الى افريقية. ولم يبق بها للموحدين غير قسنطينة وبجاية. فأجلى يحي الى جبل دمر واسترجع البلاد لطاعته. وعقد على افريقية لابي محمد بن ابي حفص سنة ٦٠٣ وقفل الى مراكش، فخرج عليه يحي بوادي شلف في جيش عظيم من العرب وصنهاجة وزناتة قتقاتلا قتالا شديدا، ثم انهزم الميورقي، وشرق، فلقيه أبو محمد بن ابي حفص بنواحي تبسة، فهزمه أيضا الى الصحراء وذلك سنة ٦٠٤. وبعدما استجمع يحي قواه نهض الى المغرب يغير ويسبي ويخرب حتى بلغ سجلماسة وتقدم الى المغرب الاوسط، فخرج اليه والى تلمسان السيد ابو عمران. وكان اللقاء على تاهرت. فقتل ابو عمران وغنم عسكره، وشرق يحي بالغنائم فاستنقذها منه والي تونس، وفتك به فتكا ذهب بقوته، فأخذت ثورته في الضعف، وذلك سنة ٦٠٦. وفي سنة ١٨ توفي أبو محمد بن أبي حفص فولى مكانه السيد أبو العلاء ادريس بن يونس بن عبد المؤمن، وطارد يحي بن غانية، فلحق بالزاب ونزل بسكرة، فاتبعه ابو العلاء ابنه ابا زيد، فأجلاه عنها. انتقل يحي الى المغرب الاوسط وانقسمت زناتة عليه وعلى الموحدين فكانت بينهم وقائع، قتل في بعضها أمير مغراوة منديل بن عبد الرحمن بمتيجة سنة ٦٢٢ ودخل يحي بعدها الجزائر، ولكن نجمه في أفول.

стр. 687

وفي سنة ٢٤ كاقن والي تونس عبد الله بن أبي محمد بن أبي حفص فبلغه أن يحي بن غانية دخل بجاية عنوة، وتخطاها الى دلس وعاث في تلك النواحي فاخذ السير حتى دخل بجاية وسكن أحوالها، وسار الى متيجة فمليانة، فبلغه أن يحي قصد سجلماسة، فاناكفأ الى تونس. وفي سنة ٢٥ تولى تونس أبو زكرياء أخو عبد الله المتقدم. وهو جد الملوك الحفصيين. فصرف عزمه لاستئصال حركة ابن غانية. فشرده عن الزاب وورقلة. وانزل الحامية باطراف البلاد. فلم يزل يحي شريدا الى ان هلك سنة ٦٣١ بوادي شلف وقيل بالزاب. دامت ثورة ابن غانية نصف قرن. ولم يجن الوطن منها غير الخراب. فقد خرب كثيرا من قصور الصحراء بوادي ريغ وغيره. وخربت تاهرت وقصر عجيسة وزرقة والخضراء وشلف ومتيجة وحمزة ومرسى الدجاج والجعبات والقلعة. ولقد كان بنو غانية يرومون احياء سلطانهم بالمغرب فلم ينجحوا لقوة الموحدين وجدهم. ولكن نتج عن ثورتهم تخريب كثير من المدن وشغل الموحدين عن موالاة الجهاد بالاندلس واضعاف دولة بني عبد المؤمن وظهور الحفصيين. وكان علي ويحي ابنا غانية آيتين في علو الهمة والاقدام على العظام والغناء في مواقف الحرب. وكان كاتبهما عباد البر بن فرسان الغساني مثلهما شجاعة واقداما. وهو أديب بارع. ومن شعره يخاطب يحي بن غانية. اجبنا ورمحي ناصري وحسامي ... وعجزا وعزمي قائدي وامامي؟ ولي منك بطاش اليدين غضنفر ... يحارب عن اشباله ويحاميى

стр. 688

ألاغنياني بالصهيل فانه ... سماعي ورقراق الدماء مدامي! وحطا على الرمضاء رحلي فانها ... مهادي وخفاق البنود خيامي! ٧ - العرب في الدولة المؤمنية وجد العرب بغيتهم في الدولة الصنهاجية لضعفها. فلما قدم عبد المؤمن لفتع بجاية وفد عليه بالجزائر أميران منهم أحدهما أبو الخليل ابن كسلان أمير الاثبج وفي بعض نسخ ابن خلدون أبو الجليل بن شاكر. وثانيهما حباس بن مشيفر أمير جشم فتلقاهما بالمبرة وعقد لهما على قومهما. ومضى لفتح بجاية. ولما فتحها خشوا على حريتهم منه فحاربوه مع صنهاجة وقتلوا صهره عبد الله بن وانودين. ثم اجتمعوا بظاهر باجة، فوضعوا ما بينهم من ترات. ودعتهم المصلحة المشتركة الى الاتحاد على اخراج عبد المؤمن من البلاد قبل ان يرسخ نفوذه فيها وجمعوا نساءهم وأموالهم. وارتحلوا لحرب عبد المؤمن ليكون لقاؤهم أصدق وقدمهم في الميدان أثبت. وهؤلاء العرب هم الاثبج ورياح وزغبة وقرة. وأمير رياح يومئذ محرز بن زياد بن فادغ احدى بطون بني علي. ومن الامراء سواه جبارة بن كامل وحسن بن ثعلب وعيسى بن حسن. وأرسل اليهم رجار صاحب صقلية يحرض عليهم انجاده اياهم بخمسة آلاف فارس من النصارى. فأجابوه يشكرون له صنيعه وانهم في غنى عن نجدته اذ لا يستعان بكافر على مسلم. وبلغ عبد المؤمن خبرهم. وكان ببجاية على ما قال البيذق وهو شامد لهذا الفتح ووقائعه فخرج للقائهم عبد الله بن عبد المؤمن.

стр. 689

وأمده أبوه بالرجال فبلغ جيشه أكثر من ثلاثين ألف فارس. وانضاف اليهم من أمراء العرب ديفل بن ميمون. التقى الجمعان بناحية سطيف، قال البيذق سنة ٤٦ وقال ابن الاثير في صفر سنة ٤٨ فتاخر الموحدون حتى حل العرب ببن جبال. فمالوا عليهم وهم على غير أهبة. واشتد القتال ثلاثة أيام. ثم انهزم العرب في اليوم الرابع. وتبعهم الموحدون الى ناحية تبسة. قال ابن الاثير: "وترك العرب جميع ما لهم من أهل ومال وأثاث ونعم فقسم عبد المؤمن جميع الاموال على العسكر. وترك النساء والاولاد. ووكل بهم من يحفظهم ويقوم بحوائجهم. ولما وصلوا معه مراكش أنزلهم المساكن الفسيحة وأجرى لهم النفقات الواسعة. وأمر ابنه محمدا ان يكاتب أمراء العرب ويعلمهم أن نساءهم وأولادهم تحت الحفط والصيانة. وأنه قد بذل لهم الامان والكرامة. فوفدوا عليه بمراكش. ورد عليهم نساءهم وأولادهم وأعطاهم أموالا جزيلة. فاسترق قلوبهم بذلك. وأقاموا عنده. وكان بهم حفيا. واستعان بهم على ولاية ابنه محمد للعهد " اهـ. وقال البيدق: "ترك عبد المؤمن من غنائم العرب وسبيها بفاس ومكناسة وسلا. وحمل معه الى مراكش سلاطينهم وعيالهم. وهم ديفل بن ميموق وحباس بن الرومية وابن الزحامس وابن زيان وأبو قطرن وأبو عرفة والقائد بن معرف. ثم من عليهم ورد عليهم عيالهم وأعطاهم المال وصرفهم الى بلادهم. وذلك سنة ٥٤٧ " اهـ. وأرى أن الامراء الذين نقلهم عبد المؤمن معه غير الذين كاتبهم جمعا بين الروايتين فان الواقعة عظيمة جدا لجمع كل من الفريقين قوته فيها. فلا يستوفيها ابن الاثير- وان كان مؤرخا بصيرا- لبعده عنها ولا يستوفيها البيذق- وان كان حاضرا- لغفلته.

стр. 690

ولما عاد عبد المؤمن الى المشرق وفتح المهدية أحضر أمراء العرب واحلفهم في مصحف عثمان (رض) على السمع والطاعة والسير معه للجهاد بالاندلس. واستصحب منهم في عوده فلما قرب من وهران طلبه عرب افريقية في الرجوع الى حللهم. فاسعفهم. ونقل منهم الى المغرب الفا من كل قبيلة بعيالاتهم. وكانت نيته اخلاء افريقية من العرب ونقلهم الى المغرب والاندلس ليبعدهم عن الصحراء ويقربهم من عاصمته ويشغلهم بالجهاد. وفي سنة ٥٨ خرج عبد المؤمن من مراكش يريد الجواز الى الاندلس. فندب عرب بجاية الى الجهاد برسالة ختمها بأبيات من نظمه وهي: أقيموا الى العلياء هوج الرواحل ... وقودوا الى الهيجاء جرد الصواهل وقوموا لنصر الدين قومة ثائر ... وشدوا على الاعداء شدة صائل فما العز الا ظهر أجرد سابح ... يفوت الصبا في شدة المتواصل وابيض ما ثاور كان فرنده ... على الماء منسوج وليس بسائل بني العم من عليا هلال بن عامر ... وما جمعت من باسل وابن باسل تعالوا فقد شدت الى الغزو نية ... عواقبها منصورة بالاوائل هي الغزوة الغراء والموعد الذي ... تنجز من بعد المدى المتطاول بها يفتح الدنيا بها يبلغ المنى ... بها ينصف التحقيق من كل باطل أهبنا بكم للخير والله حسبنا ... وحسبكم والله أعدل عادل فما هبنا الاصلاح جميعكم ... وتسريحكم في ظل أخضر هاطل وتسويغكم نعمى ترف ظلالها ... عليكم بخير عاجل غير آجل فلا تتوانوا فالبدار عنيمة ... وللمدلج الساري صفاء المناهل قال صاحب المعجب: "فاستجاب له منهم جمع ضخم فانزل بعضهم نواحي قرطبة وبعضهم نواحي أشبيلية. وأقاموا هنالك.

стр. 691

وزاد فيهم ابو يعقوب وابو يوسف فكثروا. وانتشر من نسلهم في تلك المواضع خلق كثير. وعددهم الآن وهو سنة ٦٢١ نحو خمسة آلاف فارس سوى الرجالة. وهم من زغبة ورياح وجشم وغيرهم" اهـ. وفي سنة ٧٧ وفد على يوسف بمراكش أمير رياح أبو سرحان مسعود بن سلطان في جيش عظيم من وجوه قومه برسم الخدمة. وظهر ببعض نواحي افريقية مفسدون من العرب. فخرج اليهم والي تونس السيد أبو موسى بن عبد المؤمن في الجند وأولياء الدولة من العرب وغيرهم. فانهزم جيشه. وأسره العرب. وتفاوض معه أبو يعقوب أمير المؤمنين في فدائه. فتقرر الفداء بستة وثلاثين ألف مثقال. ورأى أبو يعقوب ان هذا المال مما يقويهم على فسادهم. فضربوا لهم دنانير من الصفر مموهة. وخرج أبو موسى من أسرهم. وتوجه الى مراكش. فلما كان ببجاية دخلها ابن غانية وأسره أيضا. ولما كانت ثورة ابن غانية إنضم اليها جشم ورياح وجمهور الاثبج. وانحازت زغبة الى الموحدين. ودافعت ابن غانية عن المغرب الاوسط، فاقطع الموحدون بني يزيد منهم أرض حمزة. واستظهروا بهم على صنهاجة وزواوة. ثم دفعوهم لاقتضاء جباية تلك النواحي. ولما خرج المنصور الى افريقية راجعت طاعته جشم ورياح وبعض القبائل. فنقل منهم الى المغرب قبائل رياح وجشم وقرة والعاصم ومقدم. وبقيت احياء من رياح أميرهم عساكر ابن سلطان الذوادي لما بلاه المنصور من حسن طاعتهم. وحوالي سنة ٩٠ فر من المغرب أمير رياح مسعود ابن سلطان الذوادي الملقب بالبلط لشدته وصلابته. ولحق بافريقية. واجتمع

стр. 692

اليه بنو اخيه عساكر. ووصل يده بابن غانية. ثم هلك فخلفه ابنه محمد. وكان رئيسا عظيما. فلم يزل يجلب مع ابن غانية على الموحدين. وقتل ابنه عبد الله سنة ٦٦٠ في بعض المعارك وابن عمه حركات بن ابي الشيخ ابن عساكر وأمير من قرة. وإجتمع الى محمد ابن مسعود طواعن من الضحاك ولطيف. وصار يتقلب بجموعه ما بين القيروان والجريد الى الزاب والحضنة. حتى هلك يحي بن غانية. واستغلظ سلطان الحفصيين. ٨ - البربر في الدولة المؤمنية قضى الموحدون على صنهاجة. وحاولت الثورة عليهم واتحدت مع ابن غانية. ولكنها لم تفلح. ويظهر أن كتامة ايدتهم. فان قسنطينة هي المدينة الوحيدة التي لم يحتلها ابن غانية. ولم نعلم انه جاوزها شمالا الى نواحي ميلة، وكان أولاد علاوة بن سواق رؤساء سدويكش موالين للموحدين، وكان أبو بكر جد بني ثابت من بني تليلان هو الذي فرض المغرم للموحدين على أهله بجبلهم المعترض ما بين القل وقسنطينة، ولم يزل بنو تليلان وسدويكش على ولائهم حتى أفضى الامر الى الحفصيين. وولهاصة المغرب اندرجت في كومية وولهاصة عنابة ربما كان منها بعض الخلاف، فقد اعترضت سنة ٦٢٣ أبا زكرياء مؤسس الدولة الحفصية وهو ذاهب الى تونس، وجهه أخوه عبد الله أمامه لما وليها، فأوقع بهم. وهوارة تبسة كان لها شأن في ثورة ابن غانية وأميرهم يومئذ حناش بن ونيفن، وأوقع بهم سنة ٦٢٤ والي تونس عبد الله بن عبد الواحد بن ابي حفص بفحص ابة. واعتقل مشائخهم، وانفذهم الى المهدية.

стр. 693

وكان بنو ومانو هم السابقين الى عبد المؤمن ثم وفد عليه بعد واقعة منداس وهو محاصر لوهران سيد الناس بن أمير الناس الشيخ بني يلومي وحمامة بن مطهر شيخ بني عبد الواد وعطية الحيو بن مناد ابن العباس بن دافلئن المنكوشي شيخ بني توجين، ثم خالف بنو يلومي. وتحصنوا بالجعبات، فأخضعتهم العساكر. ونقلوا منهم الى المغرب، وهلك سيد الناس بمراكش ايام عبد المؤمن، ثم هلك بنو ماخوخ، فضعف أمر بني ومانو وبني يلومي، واستعلى عليهم بنو توجين وبنو عبد الواد، فتفرقوا أوزاعا في زناتة. ومغراوة شلف من ورسيفان وغيرهم استقاموا على الطاعة. وذهب ملك اخوالهم بني خزرون ين فلفول من طرابلس سنة ٥٤٠ فلحق بهم عبد الصمد بن محمد بن خليفة بن ورابن سعيد بن خزرون ابن فلفول، وتزوج منهم وكثر ولده، وعرف حافده ابو ناس بن عبد الصمد بن وارجيع بن عبد الصمد بالعبادة والفضل، فتزوج من بنات ماخوخ وولدت له عبد الرحمن، فكان أجل اخوته بنسبه وخؤولته، وسودته مغراوة. فكان السادة من بني عبد المؤمن يمرون به في ذهابهم الى افريقية وايابهم منها، فيحسن خدمتهم في مقامهم لديه، وينقلبون بالثناء عليه، فنال صيتا عند الخلفاء، واسلم له بعض السادة منهم ذخيرة وظهرا، فاكتسب ثروة. واستركب من قومه واستكثر من عصابته. ولما هلك خلفه ابنه منديل وحافظ على ولاء بني عبد المؤمن وحضر معهم غزوة الاراك سنة ٥٩١ واخضع لهم وانشريس ولمدية. واجلب على متيجة. ولقي بها يحي بن غانية. فانهنرمت عنه مغراوة. وقتل هو صبرا سنة ٦٢٢ وصلب شلوه بالجزائر. وترك ابناء خلفه أكبرهم العباس، وظهرت ايامه دولة الحفصيين. فأخذ بدعوتها منافسة لبني عبد الواد.

стр. 694

وبنو توجين صدقوا في ولاء الدولة، وكانت بين شيخهم عطية الحيو وشيخ عبد الواد عدوى بن يكنمن من بني القاسم حروب شداد، واستمرت بين القبيلتين الى ما بعد سقوط الدولة المؤمنية. ولما هلك عطية خلفه ابنه العباس وكان دليل المنصور الى تلمسان في قفوله الى مراكش سنة ٥٨٤، واجلب بقومه على ضواحي المغرب الاوسط. ثم نقض طاعة الموحدين فدس عليه والي تلمسان أبو زيد ابن يوجان من اغتاله سنة ٦٠٧ فخلفه ابنه عبد القوي، وكان قد حضر ببني توجين وقعة الأراك ولما ظهرت دولة الحفصيين أخذ بدعوتها مشاقة لبني عبد الواد. وبنو راشد كانوا أحلافا لبني عبد الواد يوالون من والاهم ويعادون من عادوهم، ورئاستهم في بني عمران منهم لابراهيم بن عمران، وخالف عليه أخوه ونزمار الى أن هلك فخلفه ابنه مقاتل، فقتل عمه ابراهيم، وخلف ابراهيم ابنه ونزمار، وكان معاصرا ليغمراسن ابن زيان، وطال عمره الى أن هلك سنة ٦٩٠. وبنو عبد الواد كانوا أصدق زناتة ولاء للموحدين، ورئاستهم في بني القاسم، فكان منهم لعهد عبد المؤمن عدوي بن يكنيمن وعبد الحق بن منغفاد بفتحتين فسكون وحمامة بن مطهر. واقطعم الموحدون جزاء اخلاصهم بلاد بني ومانو وبني يلومي، وحدثت الفتنة بين بني طاع الله وبني كمي من بطونهم، فقتل كندوز من بني كمي زيان بن ثابت كبير بني طاع الله، فخلفه ابن عمه جابر بن يوسف، وقتله كندوز في بعض حروبهم، وبعث برأسه الى يغراسن ابن زيان القتيل فلحق عبد الله بن كندوز في قومه بتونس أيام أبي زكرياء الحفصي. وكان جابر ابن يوسف قد حضر ببني عبد الواد وقعة الاراك،

стр. 695

وفي أيام المأمون ابتدأ خلاف بني عبد الواد، فقد كان والي تلمسان السيد أبا سعيد عثمان فاغراه عامله الحسن بن حبون الكومي ببني عبد الواد لما رآه من تغلبهم على الضاحية، فاعتقل مشيختهم، وسعي في خلاصهم ابراهيم بن اسماعيل بن علان زعيم الجند من لمتونة بتلمسان، فاغتال الحسن بن حبوف وأطلق مشيخة بني عبد الواد ثم بدا له في الفتك بهم فدعاهم لحضور وليمة، وفطن لقصده جابر بن يوسف، ففتك به، ودخل المدينة بدعوة المأمون، فكتب له المأمون بولايتها، ثم خرج لاخضاع ندرومة، فقتل في حصارها سنة ٢٢٩ فخلفه ابنه الحسن ستة أشهر، وتخلى لعمه عثمان ابن يوسف، ولم يحسن السيرة فاخرجته الرعية سنة ٣٤ وقدموا مكانه ابن عمه ابا عزة زكران بن زيان ومنهم من يسميه زيدان، فشاقه بنو مطهر وأحلافهم بنو راشد، فكانت بينهم حروب هلك فيها أبو عزة سنة ٣٣ فخلفه أخوه يغمراسن ابن زيان، ولم بزالوا آخذين بدعوة بني عبد المؤمن حتى أساء منهم السعيد الظن يغمراسن فنهض لحربه سنة ٤٥ فقنله يغمراسن واستقل بالامر واورث بنيه دولة عظمى. وبنو مرين كانوا معادين للموحدين، ففروا بعد واقعة منداس الى الصحراء وبلغ اميرهم المخضب بن عسكر خروج الغنائم من تلمسان الى تينملل سنة ٥٤٥ فنهض لاخذها في خمسمائة فارس من قومه، فاستنجد عبد المؤمن أولياءه من زناتة. وكتب الى عبد الحق ابن منغفاد، فخرج في خمسمائة فارس من قومه. ولقي بني مرين بفحص مسون، وقد احتازوا الغنائم، فاستنقذها منهم، وقتل المخضب. ورأس مرين بعد المخضب ابو بكر بن حمامة، وتوفي سنة ٥٦١ فخلفه ابنه محيو. وحضر بقومه وقعة الاراك فجرح بها ومات بالزاب في صفر سنة ٩٢ فخلفه ابنه عبد الحق ودخل بقومه المغرب سنة ٦١٠

стр. 696

على حين ضعف بني عبد المؤمن فحاربهم هو وبنوه حتى استولوا على مراكش وأسسوا الدولة المرينية. وهكذا قضى عبد المؤمن وبنوه على صنهاجة وأحيوا زناتة. فكانت هي القاضية عليهم ولا ايثار بالمعالي. ٩ - المسيحية والاسرائلية كان المسيحيون والاسرائليون بالمغرب من عناصر أجنبية عنه ومن بقي من البربر بعد الاسلام متمسكا باحدى الديانتين تنوسي أصله وصار معدودا من الاجانب. وكانوا يتمتعون بحرية واسعة حتى ظهرت دولة الموحدين. وكانت الحروب الصليبية يومئذ بالمشرق قائمة على ساق وادعى الموحدون الخلافة. فلعل عبد املؤمن رأى أن يجعل المغرب كجزيرة االعرب لا يجتمع فيه دينان حفظا لمركز الخافة من الدسائس الاجنبية. قال القفطي في كتابه أخبار العلماء باخبار الحكماء: "نادى عبد المؤمن في ممالكه باخراج اليهود والنصارى. وقدر لهم مدة. ومن أسلم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم ومن بقي على ملته ولم يخرج بعد الاجل فهو في حكم السلطان مستهلك النفس والمال فخرج المخفون وبقي من ثقل ظهره وشح بأهله وماله. فاسر الكفر وأظهر الاسلام والتزم شعاره وجزئياته من صلاة وقراءة" اهـ. قال ذوماس: "وبتوالي الايام اندمج المسيحيون في عموم جيرانهم المسلمين " اهـ. ويظهر أن اليهود لكثرتهم لم يدمجوا في غيرهم. وكان أبو يوسف المنصور يقول: "لو صح عندي اسلامهم

стр. 697

لتركتهم يختلطون بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم. ولو صح عندي كفرهم لقنلت رجالهم وسبيت ذراريهم وجعلت أموالهم فيأ للمسلمين ولكني متردد في أمرهم. ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني، منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة. انما اليهود عندنا يظهرون الاسلام ويصلون في المساجد ويقرئون أولادهم القرآن جارين على ملتنا وسنتنا، والله أعلم بما تكنه صدورهم وتحويه بيوتهم " اهـ. نقله صاحب المعجب. وقال: "وفي آخر أيام ابي يوسف أمر أن يتميز يهود المغرب بلباس يختصون به. وذلك ثياب كحلية واكمام مفرطة السعة تصل الى قريب من أقدامهم، وبدلا من العمائم كلوتات على أشنع صورة كأنها البراديع تبلغ الى تحت آذانهم فشاع هذا الزي في جميع يهود المغرب ولم يزالوا كذلك لى أن غيره أبو عبد الله الناصر بعد أن توسلوا اليه بكل وسيلة واستشفعوا بكل من يظنون ان شفاعته تنفعهم فأمرهم أبو عبد الله بلبسان ثياب صفر وعمائم صفر، فهم على هذا الزي الى وقتنا هذا وهو سنة ٦٢١ " اهـ. وقد صار الحفصيون يميزون ايضا اليهود بلباس ويسمونه الشكلة، ولم يعد المسيحيون الى المغرب حتى بايع أهل مراكش المأمون وهو باشبيلية سنة ٦٢٤ فلما توجه الى العاصمة بلغه أنهم نكثوا بيعته فاستعان بالمسيحيين، وجلبهم من الاندلس. وشرط لهم حرية دينهم وأن يبني لهم كنيسة بمراكش نفسها. قال ذوماس: "وفي أيام ابناء المنصور كان رجال الطرق الكاثوليكية أمثال الفرنسيسكان والدومنيكان يتجولون في المغرب بكل حرية ويعاملون معاملة حسنة ويغشون مجتمعات التجار الاوربيين

стр. 698

ويؤدون هناك وظائفهم الدينية من عقد نكاح ووعظ ويزورون أسرى المسيحيين ويحملون لهم الاعانات وعبارات التسلية وربما اضطروا لاتباع زي أهل البلاد فسمح لهم البابا هنوريوس الثالث سنة ٦٢٦ (١٢٢٩ م) بتغيير لباسهم واطالة لحاهم ما داموا في المغرب (وكانت عادتهم حلق اللحي والشوارب) وارسل من جاء بعد هنوريوس من البابوات رسائل الشكر لأمراء الموحدين على حسن معاملتهم للمسيحيين الذين كثر عددهم حتى وضع على رأسههم قس من رتبة افيك سنة ٦٣٠ (١٢٣٣ م) اهـ كلامه. ١٠ - الاقتصاد والعمران والحضارة لم تعرف الجزائر في حياتها ايام أمن وعدل كأيام عبد المؤمن وبنيه فنشطت لذلك الحركة الاقتصادية الداخلية، وربط العرب بقوافلهم التجارية بين الجهات الشمالية والجنوبية وقوي اتصال المغرب بالمشرق تجاريا برا وبحرا ونظمت التجارة الاروبية مع المغرب تنظيما دوليا وكانت في الدرجة الثانية بالنسبة لتجارة المشرق. عقد عبد المؤمن معاهدة تجارية مع دول أوربا وكانت جمهورية جنوة انشطها تجارة فعقدت مع عبد المؤمن معاهدتها التجارية سنة ٥٤٨ (١١٥٣ م) ثم أوفدت سنة ٥٥٥ (١١٦٠ م) قنصلها أطوبون من أسرة كاملة الشهيرة فقابله عمال عبد المؤمن بالاجلال أينما حل حتى قابل عبد المؤمن وأمضى معه معاهدة تضمن حرية التجارة لرعايا جنوة برا وبحرا على أن يأخذ عن البضائع الواردة الى بجاية العشر والواردة الى غيرها ثمانية من مائة. وأسست جنوة اثر هذه المعاهدة شركات خاصة للتجارة بالمغرب. وكان ببجاية قناصل للدول التجارية لحفظ حقوق رعايا دولتهم

стр. 699

ـ[صورة زخرفة البوابة]ـ

стр. 700

وكاتب خاص لضبط حساب تجار دولته وتقديمه للديوانة المؤمنية. ومراسي الجزائر الجارية العظمى يومئذ هي هنين مرسى تلمسان وطريقها الى الاندلس خربها شرلكان. ويليها شرقا المرسى الكبير فوهران فارزيو فمزغران فمستغانم فتنس فشرشال فالجزائر فبجاية فجيجل فالقل فاستورة قرب السكيكدة فبونة. وكان تجار أروبا يستوردون من المغرب الزيت والصوف والشب وريش النعام والأدم ومواد الدباغة النباتية والشمع والزبيب وسائر الفواكه الجافة ويصدرون إليه الملف وسائر الاقمشة والذهب والفضة والنحاس وسائر لملعادن قطعا ومصنوعة أواني وأدوات منزلية كالمرجل والابر والسكين والناس اليوم من قبيلتنا وجيرانهم يسمون السكين "الجنوي". ولكي تتصور ما بلغته الثروة الجزائرية اجمالا استحضر ان دولتها المؤمنية كانت لا تعرف جورا ولا يدخل خزينتها إلا مال الزكوات وخراج الارضين وما تفرضه على السلع الاجنبية ومع ذلك كانت ماليتها وافية بشؤونها ولم يشك جنودها نقصا في المرتب أو تأخرا في قبضه على كثرتهم وانتصابهم في سائر المدن حاميات وانتقالهم حينا فحينا الى الاندلس مجاهدين أو الى افريقية للثورات مسكنين. ولقد حافظت الدولة المؤمنية على ما قبلها من عمران وحضارة واربت على من تقدمها فيهما غير أن عنايتها بالاندلس والمغرب الاقصى أكثر من عنايتها ببقية المغرب وكانت ولاية تلمسان قد قلدت في حضارتها الاندلس أيام المرابطين ثم تلتها ولاية بجاية أيام الموحدين. وفي سنة ٥٤٠ أمر عبد المؤمن ببناء أسوار تاقرا مسقط رأسه وأعلى الاسوار وحصن المدينة وبنى جامعها. وفي سنة ٥٥٥ عاد من فتح المهدية فمر بالبطحاء وكانت مدينة

стр. 701

بنواحي شلف شمالا شرقيا من غليزان ثم خربت فأمر عبد المؤمن ببنائها قال ابن ابي زرع: "وسبب بنائه اياها انه لما طالت بالموحدين الاقامة بالمشرق والتغرب عن أوطانهم وأولادهم عزمت طائفة منهم على اغتيال عبد المؤمن إذا نام في خبائه فأعلمه شيخ بنبئهم وقال له دعني أبت على فراشك فان فعلوا كنت فداءك فبات على فراشه فقتل، فلما صلى عبد المؤمن الصبح افتقده فوجده مقتولا. فحمله بين يدي مسيره على ناقة لا مقودها أحد، فلما بركت دفنه في مبركها وبنيت عليه قبة وبني بازاء القبة جامعها، ثم أمر ببناء المدينة حول المسجد، وترك بالمدينة عشرة من كل قبيلة من قبائل المغرب، فقبر الشيخ هناك معظم عند أهل تلك البلاد يزار الى اليوم " اهـ. وذكر الدمشقي من أهل القرن الحادي عشر في أخبار الدول مدينة البطحاء فقال: "مدينة عظيمة ببلاد الغرب في وطأة من الارض وتسمى مدينة السدرة وبها أنهار كثيرة " اهـ. وقال ابن أبي زرع يذكر أبا يوسف المنصور: "وحصن البلاد وضبط الثغور وبنى المساجد والمدارس في بلاد افريقية والمغرب والاندلس وبنى المارستانات للمرضى والمجانين وأجرى المرتبات على الفقهاء والطلبة على قدر مراتبهم وطبقاتهم وأجرى الانفاق على أهل المارستانات والجذمى والعميان في جميع عمله وبنى الصوامع والقناطر والجباب للماء واتخذ عليها المنارات وبنى المنازل من سوس الاقصى الى سويقة بني مضكود " اهـ. وكان السادة من بني عبد المؤمن ولاة بجاية وتلمسان يعنون بالبناء والغراسة عناية الملوك، قال ابن خلدون يذكر ابا الربيع سليمان ابن عبد الله بن عبد المؤمن والي بجاية: "وهو الذي جدد الرفيع

стр. 702

والبديع من رياضها وكان بنو حماد شيدوهما من قبل، فاصابهما الخراب " اهـ. واذا كانت الحكومة عادلة حافظة للامن معنية بالاقتصاد والعمران مقيمة للحضارة فالامة تكون في ذلك أنشط ما يكون والبلاد أبهج ما يرى. ١١ - العلوم والآداب لم يدع الموحدون الخلافة حتى نهضوا بما نهض به قبلهم العباسيون والفاطميون من نشر العلوم الاسلامية والفلسفية تفسيرا وحديثا وفقها وكلاما ومنطقا ورياضة وسياسة مدنية ومنزلية وخلقية وغير ذلك من كل ما عرف ببغداد والقاهرة قبل، وامتاز عصرهم العلمي على ما قبله بالاتقان والدقة وعلى ما بعده بعدم الجمود والاقتصار على الموجود. ولقد كانت العلوم الطبيعية والانظار الفلسفية مرغوبا عنها بالمغرب خصوصا أيام المرابطين الذين حكموا الفقهاء في دولتهم فارهقوا المفكرين خشية منهم على تعاليم، الإسلام، ولما جاء الموحدون وكان خلفاؤهم مشاركين في كل العلوم أحسنوا تمييز ما ينافي الدين منها مما لا ينافيه. فحافظوا على جوهر الدين بنشر أصوله العقلية والنقلية وتركوا للعقول حريتها تجري طلقة العنان في ميادين البحث والاستنتاج، ونشطوا أهل العلم قاطبة بادرار الرزق عليهم وشمولهم بعنايتهم وخالطوهم في مجالسهم، وأنشأوا المدارس وكفوا طلبتها مؤنة الاسترزاق وكان يعقوب المنصور يقول:

стр. 703

"يا معشر الموحدين أنتم قبائل فمن نابه أمر منكم فزع الى قبيلته، وهؤلاء الطلبة لا قبيل لهم إلا أنا، فمهما نابهم أمر فأنا ملجأهم وإلي فزعهم وإلي ينتسبون". قال صاحب المعجب: فاه المنصور بهذا لما بلغه حسدهم للطلبة على موضعهم منه وتقريبه اياهم وخلوته بهم. وأظتك إذا صدقت البحث وأجدت النظر لا تجد عصرا تآخت فيه الفلسفة والشريعة كعصر الدولة المؤمنية، فهذا الحفيد ابن رشد أعظم فلاسفة الاسلام تجده ايضا من أعاظم حفظة الشريعة ناهيك بكتابه بداية المجتهد، وكان مقربا لدى المنصور. فلم يحرم الناس مواهبه وكثر تلاميذه، وكان منهم أبو عبد الله محمد بن سحنون الكومي الندرومي من قرية ندرومة. شملت هذه النهضة العلوم والآداب والصنائع والحرف، فساعدت على انشاء مدنية ان لم تكن أعلى المدنيات فمن أعلاها، قال الشريف الغرناطي في شرح مقصورة حازم. "ويتعلق بذكر الهالة ما حكاه أبو عبد الله بن عياش كاتب المنصور أبي يوسف يعقوب، قال كان لابي بكر بن مجير وفادة على المنصور في كل سنة. فصادف في احدى وفاداته عليه فراغ المنصور من احداث المقصورة التي كان احدثها بجامعة المتصلة بقصره في حضرة مراكش، وقد وضعت على حركات هندسية ترفع بها لخروجه وتخفض لدخوله، وقد انشده الشعراء في ذلك، فلم يزيدوا على شكره وتجزيته الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره، ولم يتصدوا لوصف الحال فانشد ابن مجير قصيدته التي أولها: أعلمتني القى عصا التسيار ... في بلدة ليست بدار قراري

стр. 704

واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها: طورا تكون بما حوته محيطة ... فكأنها سور من الاسوار وتكون طورا عنهمو مخوءة ... فكأنها سر من الاسرار وكأنما علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار فاذا أحسنت بالامام يزورها ... في قومه قامت الى الزوار يبدو فتبدر ثم تخفى بعده ... كتكون الهالات للاقمار قال المقري: "وقد بطلت حركات هذه القصورة الآن وبقيت آثارها حسبما شاهدته سنة عشر وألف". وكان شاعر بني عبد المؤمن من قسنطينة ابا علي حسن بن علي بن عمر الفقون. قال عبد القادر الراشدي: "وبنو الفقون من قرية فقونة بأوراس ولم يتحرر لي نسبهم " وفد على خلفائهم بمراكش ونظم رحلته في قصيدة ذكرها العبدري في رحلته والمقري في نفح الطيب، وامتدح الناصر بن المنصور بقصيدة بليغة لما نزل بقسنطينة سنة ٦٠١ وكان كثر الوفادة على السادة من ولاة بجاية، وله ديوان شعر كان موجودا بأيدي الناس. وكانت بجاية يومئذ عاصمة المغرب علما وأدبا لا يفوقها إلا مراكش عاصمة الخلافة، ولابي العباس الغبريني جزء في علمائها وادبائها طبع بالجزائر، وهو متداول بين الناس. ١٢ - الاعتقادات والمذاهب الفقهية كان مبنى اعتقاد المسلمين في الإله على الكتاب وصحيح السنة. يثبتون له من الصفات ما أثبتاه وينزهونه عما نزهاه عنه، ثم ظهرت بعد ترجمة كتب اليونان وغيرهم أيام العباسيين طريقتا النظر والرياضة

стр. 705

لمعرفة الله، وطريقة الرياضة نفرد لها فصلا بعنوان التصوف. وطريقة النظر والاستدلال بالطبيعيات على الإلهيات مع التقيد بالدين هي المسماة كلاما وأهلها متكلمين. نكر أهل السنة طريقة الكلام، وسموا أهلها معتزلة حتى جاء أبو الحسن الاشعري، فقرأ على أبي علي الجبائي المعتزلي، ولازمه الى الاربعين من عمره، ثم اعتزل الاعتزال ونصر السنة بطريقة الكلام نفسها، وألف كتبا كثيرة منها تفسيره المسمى المختزن في خمسمائة مجلد، وكانت منه نسخة واحدة بدار الخلافة. فبذل الصاحب بن عباد- وكان يميل الى الاعتزال- لخازن المكتبة عشرة آلاف دينار ليحرقها " فاحترق ذلك التفسير فيما احترق من الكتب، وكانت وفاة الاشعري ببغداد سنة ٣٢٤. وانقسم أهل السنة الى سلفيين يؤمنون بآيات وأحاديث الصفات كما جاءت ولا يعتمدون على الكلام، والى أشاعرة يعتمدون على الكلام ويؤولون بعض آيات وأحاديث الصفات. وكان أهل المغرب سلفيين حتى رحل ابن تومرت الى المشرق وعزم على احداث انقلاب بالمغرب سياسي علمي ديني. فأخذ بطريقة الاشعري ونصرها وسمى المرابطين السلفيين "مجسمين " وتم انقلابه على يد عبد المؤمن، فتم انتصار الاشاعرة بالمغرب. واحتجبت السلفية بسقوط دولة صنهاجة، فلم ينصرها بعدهم إلا أفراد قليلون من أهل العلم في أزمنة مختلفة، ولشيخ قسنطينة في القرن الثاني عشر عبد القادر الراشدي أبيات في الانتصار للسلفيين طالعها: خبرا عني المؤول اني ... كافر بالذي قضته العقول ومنذ أعلن المعز بن باديس مذهب مالك أصبح هو مذهب أهل السنة بالمغرب. وزاده المرابطون تأييدا. فكان لا يقطع أمر في
следующие страницы →