← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بنواحي شلف شمالا شرقيا من غليزان ثم خربت فأمر عبد المؤمن ببنائها قال ابن ابي زرع: "وسبب بنائه اياها انه لما طالت بالموحدين الاقامة بالمشرق والتغرب عن أوطانهم وأولادهم عزمت طائفة منهم على اغتيال عبد المؤمن إذا نام في خبائه فأعلمه شيخ بنبئهم وقال له دعني أبت على فراشك فان فعلوا كنت فداءك فبات على فراشه فقتل، فلما صلى عبد المؤمن الصبح افتقده فوجده مقتولا. فحمله بين يدي مسيره على ناقة لا مقودها أحد، فلما بركت دفنه في مبركها وبنيت عليه قبة وبني بازاء القبة جامعها، ثم أمر ببناء المدينة حول المسجد، وترك بالمدينة عشرة من كل قبيلة من قبائل المغرب، فقبر الشيخ هناك معظم عند أهل تلك البلاد يزار الى اليوم " اهـ. وذكر الدمشقي من أهل القرن الحادي عشر في أخبار الدول مدينة البطحاء فقال: "مدينة عظيمة ببلاد الغرب في وطأة من الارض وتسمى مدينة السدرة وبها أنهار كثيرة " اهـ. وقال ابن أبي زرع يذكر أبا يوسف المنصور: "وحصن البلاد وضبط الثغور وبنى المساجد والمدارس في بلاد افريقية والمغرب والاندلس وبنى المارستانات للمرضى والمجانين وأجرى المرتبات على الفقهاء والطلبة على قدر مراتبهم وطبقاتهم وأجرى الانفاق على أهل المارستانات والجذمى والعميان في جميع عمله وبنى الصوامع والقناطر والجباب للماء واتخذ عليها المنارات وبنى المنازل من سوس الاقصى الى سويقة بني مضكود " اهـ. وكان السادة من بني عبد المؤمن ولاة بجاية وتلمسان يعنون بالبناء والغراسة عناية الملوك، قال ابن خلدون يذكر ابا الربيع سليمان ابن عبد الله بن عبد المؤمن والي بجاية: "وهو الذي جدد الرفيع

стр. 702

والبديع من رياضها وكان بنو حماد شيدوهما من قبل، فاصابهما الخراب " اهـ. واذا كانت الحكومة عادلة حافظة للامن معنية بالاقتصاد والعمران مقيمة للحضارة فالامة تكون في ذلك أنشط ما يكون والبلاد أبهج ما يرى. ١١ - العلوم والآداب لم يدع الموحدون الخلافة حتى نهضوا بما نهض به قبلهم العباسيون والفاطميون من نشر العلوم الاسلامية والفلسفية تفسيرا وحديثا وفقها وكلاما ومنطقا ورياضة وسياسة مدنية ومنزلية وخلقية وغير ذلك من كل ما عرف ببغداد والقاهرة قبل، وامتاز عصرهم العلمي على ما قبله بالاتقان والدقة وعلى ما بعده بعدم الجمود والاقتصار على الموجود. ولقد كانت العلوم الطبيعية والانظار الفلسفية مرغوبا عنها بالمغرب خصوصا أيام المرابطين الذين حكموا الفقهاء في دولتهم فارهقوا المفكرين خشية منهم على تعاليم، الإسلام، ولما جاء الموحدون وكان خلفاؤهم مشاركين في كل العلوم أحسنوا تمييز ما ينافي الدين منها مما لا ينافيه. فحافظوا على جوهر الدين بنشر أصوله العقلية والنقلية وتركوا للعقول حريتها تجري طلقة العنان في ميادين البحث والاستنتاج، ونشطوا أهل العلم قاطبة بادرار الرزق عليهم وشمولهم بعنايتهم وخالطوهم في مجالسهم، وأنشأوا المدارس وكفوا طلبتها مؤنة الاسترزاق وكان يعقوب المنصور يقول:

стр. 703

"يا معشر الموحدين أنتم قبائل فمن نابه أمر منكم فزع الى قبيلته، وهؤلاء الطلبة لا قبيل لهم إلا أنا، فمهما نابهم أمر فأنا ملجأهم وإلي فزعهم وإلي ينتسبون". قال صاحب المعجب: فاه المنصور بهذا لما بلغه حسدهم للطلبة على موضعهم منه وتقريبه اياهم وخلوته بهم. وأظتك إذا صدقت البحث وأجدت النظر لا تجد عصرا تآخت فيه الفلسفة والشريعة كعصر الدولة المؤمنية، فهذا الحفيد ابن رشد أعظم فلاسفة الاسلام تجده ايضا من أعاظم حفظة الشريعة ناهيك بكتابه بداية المجتهد، وكان مقربا لدى المنصور. فلم يحرم الناس مواهبه وكثر تلاميذه، وكان منهم أبو عبد الله محمد بن سحنون الكومي الندرومي من قرية ندرومة. شملت هذه النهضة العلوم والآداب والصنائع والحرف، فساعدت على انشاء مدنية ان لم تكن أعلى المدنيات فمن أعلاها، قال الشريف الغرناطي في شرح مقصورة حازم. "ويتعلق بذكر الهالة ما حكاه أبو عبد الله بن عياش كاتب المنصور أبي يوسف يعقوب، قال كان لابي بكر بن مجير وفادة على المنصور في كل سنة. فصادف في احدى وفاداته عليه فراغ المنصور من احداث المقصورة التي كان احدثها بجامعة المتصلة بقصره في حضرة مراكش، وقد وضعت على حركات هندسية ترفع بها لخروجه وتخفض لدخوله، وقد انشده الشعراء في ذلك، فلم يزيدوا على شكره وتجزيته الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره، ولم يتصدوا لوصف الحال فانشد ابن مجير قصيدته التي أولها: أعلمتني القى عصا التسيار ... في بلدة ليست بدار قراري

стр. 704

واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها: طورا تكون بما حوته محيطة ... فكأنها سور من الاسوار وتكون طورا عنهمو مخوءة ... فكأنها سر من الاسرار وكأنما علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار فاذا أحسنت بالامام يزورها ... في قومه قامت الى الزوار يبدو فتبدر ثم تخفى بعده ... كتكون الهالات للاقمار قال المقري: "وقد بطلت حركات هذه القصورة الآن وبقيت آثارها حسبما شاهدته سنة عشر وألف". وكان شاعر بني عبد المؤمن من قسنطينة ابا علي حسن بن علي بن عمر الفقون. قال عبد القادر الراشدي: "وبنو الفقون من قرية فقونة بأوراس ولم يتحرر لي نسبهم " وفد على خلفائهم بمراكش ونظم رحلته في قصيدة ذكرها العبدري في رحلته والمقري في نفح الطيب، وامتدح الناصر بن المنصور بقصيدة بليغة لما نزل بقسنطينة سنة ٦٠١ وكان كثر الوفادة على السادة من ولاة بجاية، وله ديوان شعر كان موجودا بأيدي الناس. وكانت بجاية يومئذ عاصمة المغرب علما وأدبا لا يفوقها إلا مراكش عاصمة الخلافة، ولابي العباس الغبريني جزء في علمائها وادبائها طبع بالجزائر، وهو متداول بين الناس. ١٢ - الاعتقادات والمذاهب الفقهية كان مبنى اعتقاد المسلمين في الإله على الكتاب وصحيح السنة. يثبتون له من الصفات ما أثبتاه وينزهونه عما نزهاه عنه، ثم ظهرت بعد ترجمة كتب اليونان وغيرهم أيام العباسيين طريقتا النظر والرياضة

стр. 705

لمعرفة الله، وطريقة الرياضة نفرد لها فصلا بعنوان التصوف. وطريقة النظر والاستدلال بالطبيعيات على الإلهيات مع التقيد بالدين هي المسماة كلاما وأهلها متكلمين. نكر أهل السنة طريقة الكلام، وسموا أهلها معتزلة حتى جاء أبو الحسن الاشعري، فقرأ على أبي علي الجبائي المعتزلي، ولازمه الى الاربعين من عمره، ثم اعتزل الاعتزال ونصر السنة بطريقة الكلام نفسها، وألف كتبا كثيرة منها تفسيره المسمى المختزن في خمسمائة مجلد، وكانت منه نسخة واحدة بدار الخلافة. فبذل الصاحب بن عباد- وكان يميل الى الاعتزال- لخازن المكتبة عشرة آلاف دينار ليحرقها " فاحترق ذلك التفسير فيما احترق من الكتب، وكانت وفاة الاشعري ببغداد سنة ٣٢٤. وانقسم أهل السنة الى سلفيين يؤمنون بآيات وأحاديث الصفات كما جاءت ولا يعتمدون على الكلام، والى أشاعرة يعتمدون على الكلام ويؤولون بعض آيات وأحاديث الصفات. وكان أهل المغرب سلفيين حتى رحل ابن تومرت الى المشرق وعزم على احداث انقلاب بالمغرب سياسي علمي ديني. فأخذ بطريقة الاشعري ونصرها وسمى المرابطين السلفيين "مجسمين " وتم انقلابه على يد عبد المؤمن، فتم انتصار الاشاعرة بالمغرب. واحتجبت السلفية بسقوط دولة صنهاجة، فلم ينصرها بعدهم إلا أفراد قليلون من أهل العلم في أزمنة مختلفة، ولشيخ قسنطينة في القرن الثاني عشر عبد القادر الراشدي أبيات في الانتصار للسلفيين طالعها: خبرا عني المؤول اني ... كافر بالذي قضته العقول ومنذ أعلن المعز بن باديس مذهب مالك أصبح هو مذهب أهل السنة بالمغرب. وزاده المرابطون تأييدا. فكان لا يقطع أمر في

стр. 706

مملكتهم الا بمشورة الفقهاء المالكيين فعظم شأنهم ونفقت كتب المذهب. قال صاحب المعجب: "وكثر العمل بكتب المذهب ونبذ ما سواها حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسوله (ص) فلم يكن أحد من مشاهير ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء. ودان الناس بتكفير من يخوض في علم الكلام. وقرر الفقهاء عند علي بن يوسف بن تاشفين تقبيحه وكراهة السلف له وانه بدعة في الدين، وربما أدى الى اختلال في العقائد فكان يكتب عنه في كل وقت بالتشديد في نبذه وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه، وأمر باحراق كتب ابي حامد الغزالي لما دخلت المغرب، وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال الى من وجد عنده شيء منها واشتد الامر في ذلك " اهـ. ولم يكن يومئذ بالمغرب غير مذهب مالك وربما كان من أهل الاندلس من أخد بمذهب الشافعي أو أبي سليمان داوود امام أهل الظاهر. وولادته سنة ٢٠٢ ووفاته سنة ٢٧٠ وأظهر من أيد مذهبه بالاندلس ابن حزم المتوفي سنة ٤٥٦. وعكست دولة الموحدين كل ما كان أيام المرابطين، ففي سنة ٥٥٠ بنى عبد المؤمن المساجد وأصلحها وحرق كتب الفروع ورد الناس الى قراءة الحديث ثم جاء حفيده المنصور فجرد كتب الفقه من الآيات والاحاديث، ثم حرقها، فاحرقت مدونة سحنون ونوادر ابن أبي زيد ومختصرة وتهذيب البرادعي وواضحة بن حبيب وغيرها. ومنع الاشتغال بعلم الرأي وأمر جماعة من المحدثين بجمع أحاديث من الموطأ والصحيحين والترمذي وأبي داوود والنسائي والبزار وابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي فجمعوا منها أحاديث في الصلاة وما يتعلق بها فكان يملي هذا المجموع بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه. فانتشر

стр. 707

في جميع المغرب وحفظه العامة والخاصة. وجعل لمن حفظه جعلا من كسي وأموال. قال صاحب المعجب: وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وازالته من المغرب مرة واحدة وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث. وكان هذا مقصد أبيه وجده إلا أنهما لم يظهراه وأظهره هو" اهـ. قال ابن الاثير: "واستقضى يعقوب المنصور آخر أيامه الشافعية على بعض البلاد. ومال اليهم " اهـ. ١٣ - التصوف والصوفية كان ﵊ مجتهدا في العبادة حتى ورمت قدماه. ولكنه نهى من أراد من أصحابه الانقطاع للعبادة. وصح عنه "ان الله لا يمل حتى تملوا" وظهر بعده بالبصرة وغيرها نساك بالغوا في التعبد ونقلت عنهم حكايات غريبة في التواجد لسماع القرآن فأنكر عليهم الصحابة وعلماء التابعين. فال ابن تيمية في رسالته الصوفية والفقراء: "والمنكرون لهم مأخذان. منهم من ظن ذلك تكلفا وتصنعا. يذكر عن محمد بن سيرين انه قال ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على أحدهم وهو على حائط. فان خر فهو صادق ومنهم من أنكر ذلك لانه رآه بدعة مخالفة لما عرف من هدي الصحابة كما نقل عن اسماء وابنها عبد الله " اهـ. ثم ظهر على مرسح السياسة غلاة الشيعة الامامية والاسماعيلية والقرامطة. فلما غمرتهم القوة العباسية تدثروا بالزهد والنسك.

стр. 708

ونشروا دعاتهم في البلاد لاصطياد غفل العوام باشراك سداها التدجيل بالغلو في العبادة والمبالغة في تعظيم آل البيت ونسبة الكرامات اليهم. وبهذا تأسست دولة بني عبيد الذين كان منهم من ادعى الالوهية أو أدعيت له. هذه صورة مصغرة لحياة المسلمين الدينية والسياسية في القرن الثاني. قال السهروردي: "ولم يعرف اسم التصوف الى المائتين من الهجرة" اهـ. ولا يعرف بالضبط تاريخ ظهور التصوف ولا واضعه ولا أول صوفي. وقد قيل ان الصوفي منسوب الى صوفة الذين كانوا يجيزون بالحجاج في الجاهلية. وأول من سمي منهم صوفة هو الغوث ابن مر بن ادبن طابخة بن الياس بن مضر، ويزيفه انه لم يعرف اسم الصوفية لطائفة من العباد ذات شعار خاص لا في الجاهلية ولا زمن الصحابة والتابعين، وهناك أقوال في توجيه لفظ الصوفي، نقضها القشيري في رسالته، وقال: "لا يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق والا ظهر انه كاللقب " اهـ. ولم يوجه القشيري تلقيبهم بهذا اللقب. فكأنه اعترف بأنه لا أصل له في العربية. وهو الحق، فان التصوف معرب تيو صوفية (THEOSOPHIE) وهو لفظ يوناني مركب من تيوص بمعنى الإله وصوفية بمعنى الحكمة. وهي طريقة رياضية لمعرفة الله، يزعم أهلها مناجاته ووحيه اليهم ونيلهم منه عرفانا ومننا خاصة وانه يتجلى لهم في الكون أو الطبيعة حتى يمتز جوابه ومذهبهم وحدة الوجود، ولمريديهم درجات في السلوك الى هذه الغاية. هذا هو التصوف الذي عرفه اليونان والهنود قديما، ثم استقت منه المسيحية حتى اذا انتشرت باروبا غطته فتنوسي بها الى أن أحياه بالتآليف العديدة سبينوزا بروخ اليهودي المتوفي بمدينة لاهاي سنة ١٠٨٨ (١٦٧٧ م) فصار التصوف معروفا اليوم بأروبا.

стр. 709

ودخلت لفظة التصوف اليونانية الى العربية لما ترجمت كتب اليونان والهند في الدور العباسي لا سيما أيام المأمون، وكان ذلك العصر عصر اختلاف ديني واضطراب سياسي، فأخذ من التصوف كل فريق حسب استعداده وصوره بما يلائم غايته، واختلفت قواعد التصوف ونظمه باختلاف جنسية المتصوف وعصره ومصره وميله إذ العمدة فيه الرياضة وما يرد على صاحبها أثناءها من خواطر والهامات، فليس له ضابط يضبطه ولا قانون يسيطر عليه. وكان من الصوفية من يعتمد على الرياضة وحدها ومنهم من يقيدها بالدين، فتعددت مذاهبهم الى سنيين ومبتدعين ومارقين من الدين يقولون بالوحدة المطلقة أو الاتحاد المطلق أو الحلول المطلق أو الحلول الخاص، ولهم في تصوير مذاهبهم عبارات غامضة واشارات بعيدة، فربما يجمع قارئي كلامهم بين الايمان والكفر وهو لا يشعر، فيصير كمن قال: عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وانا اعتقدت جميع ما اعتقدوه وكان سيد الصوفية السنيين ابو القاسم الجنيد المتوفي سنة ٢٩٧ يقول: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول ﵊ " وقال: "من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحايث لا يقتدى به في هذا الامر لان علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة". وقد استعمل غلاة الشيعة بعض الصوفية في مقاصدهم السياسية، فألف منهم جماعه في القرن الرابع رسائل سموها " رسائل اخوان الصفا " وبثوا فيها من الكفر والضلالات والاستخفاف بالشريعة ما يعلم بمطالعتها، وقالوا انهم جمعوها من كلام الخلصاء الصوفية. وذكر ابن خلدون في المقدمة امتزاج التصوف والشيعة الامامية،

стр. 710

فقال: "ثم أن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم الى الحلول والوحدة. وملؤا الصحف منه مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره، وتبعهم ابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الاسرائيلي في قصائدهم. "وكان سلفهم مخالطين للاسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وألهية الأيمة مذهبا لم يعرف لأولهم، فاشرب كل من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم، وتشابهت عقائدهم". "وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين يزعمون انه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله، ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان، وقد أشار الى ذلك ابن سينا في كتاب الاشارات في فصول التصوف منها .. وهو بعينه ما تقوله الرافضة، ثم قالوا بترتيب وجود الابدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء، ثم انهم أسندوا لباس خرقة التصوف الى علي (رض) وهو من هذا المعنى ايضا، وإلا فعلي (رض) لم يختص من بين الصحابة بتخلية ولا طريقة في لباس ولا حال " اهـ. وتصوف ابن سينا انما هو تصوف يوناني مأخوذ عن ارسطاطليس، قال القفطي متكلما عن مترجمي كتب ارسطاطليس: " وأقرب الجماعة حالا في تفهيم مقاصده في كلامه الفارابي ابو نصر وابن سينا، فانهما دققا وحققا فحملا علمه على الوجه المقصود واعذبا منه لو ارده مذهبه المورود، ووافقاه على شيء من أصوله فكفرا بكفره " اهـ. ثم قال في الكلام على الالهيات: "وقد قرب من ارسطاليس في قوله فيها الفارابي وابن سينا " اهـ. وقد استمال الصوفية العامة بظواهرهم فمالت اليهم لتقريبهم لها

стр. 711

طريق السعادة بالرياضة التي هي على العامة أيسر من العلم، وباعتقاد أن شيوخهم يحملون عنهم تقصيرهم في الدين، فكان للصوفية فيهم تعوذ اضطر الامراء الجائرين الى خدمتهم وعلماء السوء إلى تأييدهم من غير فرق بين سني وغيره، فأصبح التصوف مطلقا هو لب الدين في عقد العامة ومغفلي العلماء، ويرحم الله القائل: وهل أفسد الدين الا الملوك ... واحبار سوء ورهبانها وقد ضج العلماء الناصحون والصوفية السنيون من أعمال عامة الصوفية واضلالهم للعامة، قال القشيري من أهل القرن الخامس في صوفية عصره: "ثم اعلموا رحمكم الله ان المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ولم يبق في زمننا هذا منهم الا أثرهم: اما الخيام فانها كخيامهم ... وارى نساء الحي غير نسائها زاد الورع وطوي بساطه، واشتد الطمع وقوي رباطه، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة فعدوا قلة المبالات بالدين أوثق ذريعة ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ودانوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام، واستخفوا باداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا في ميدان الغفلات وركنوا الى اتباع الشهوات وقلة المبالات بتعاطي المحظورات والارتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان". " ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال حتى أشاروا الى أعلى الحقائق والاحوال وادعوا أنهم تحرروا عن رق الاغلال وتحققوا بحقائق الوصال وانهم قائمون بالحق تجري عليهم أحكامه وهم محو وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم، وانهم كوشفوا باسرار الاحدية واختطفوا عنهم بالكلية وزالت عنهم أحكام البشرية

стр. 712

وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم اذا نطقوا والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا بل صرفوا " اهـ. ولابي حيان النحوي المتوفي سنة ٧٤٥ في صوفية عصره: حلبت الدهر أشطره زمانا ... وأغناني العيان عن السؤال فما ابصرت من خل وفي ... ولا ألفيت مشكور الخلال ذئاب في ثياب قد تبدت ... لرائيها باشكال الرجال ومن يك يدعي منهم صلاحا ... فزنديق تغلغل في الضلال ترى الجهال تتبعه وترضى ... مشاركة بأهل أو بمال فينهب مالهم ويصيب منهم ... نساءهمو بمقبوج الفعال ويأخذ حاله زورا فيرمي ... عمامته ويهرب في الرمال ويجرود التيوس وراء رجس ... تقرمط في العقيدة روالمقال ولشيخ الاسلام أحمد بن تيمية المتوفي سنة ٧٢٨ رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور أجاب بها عن استفتاء رفع اليه ونصه: " ما تقول السادة العلماء أيمة الدين وعلماء المسلمين رضوان الله عليهم أجمعين بمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور في مرض به أو بفرسه أو بعيره يطلب ازالة ذلك المرض ويقول يا سيدي أنا في جيرتك أنا في حسبك: فلان ظلمني فلان قصد أذيتي. ويقول ان المقبور يكون واسطة بينه وبين الله تعالى، وفيمن ينذر للمساجد والزوايا والمشائخ حيهم وميتهم، الدراهم والابل والغنم والشمع والزيت وغير ذلك: يقول ان سلم ولدي فللشيخ علي كذا وكذا وامثال ذلك وفيمن يستغيث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع وفيمن يجيء الى شيخه ويستلم القبر ويمرغ وجهه عليه ويمسح القبر بيديه ويمسح بهما وجهه وأمثال ذلك، وفيمن يقصده بحاجته ويقول يا فلان ببركتك أو يقول قضيت حاجتي ببركة الله وبركة

стр. 713

الشيخ، وفيمن يعمل السماع ويجيء الى القبر فيكشف ويحيط وجهه بين يدي شيخه ساجدا، وفيمن قال ان ثم قطبا غوثا جامعا في الوجود. افتونا مأجورين وأبسطوا القول في ذلك " اهـ. ومما يستغرب اتفاق عالمين جزائريين وحجازي في القرن الحادي عشر على وصف صوفية زمانهما بوصف واحد، قال الاخضري الجزائري " اهـ. وظهرت في هذه البلاد طائفة البلع والازدراد وقال شهاب الدين المرشدي المكي الحجازي: صوفية العصر والاوان صوفية العصر والاواني قال محشي شيخ الاسلام زكرياء على الرسالة القشيرية الشيخ مصطفى محمد العروسي من أهل القرن الثالث عشر في عقيدة له: " اني بذلا للنصيحة أحذرك من متابعة مشائخ هذا الوقت ممن لا يثمر الاجتماع بهم خلاف المقت اذ هم قطاع طريق الله على عباده وأعداء الاولياء الداعين الى سبيل ارشاده حيث لا همة لهم الا جمع العرض الفاني ولا سعي لهم الا في تجريد القاضي والداني أزاحهم الله من جميع البلاد وأراح منهم الدواب والعباد .. فعليك يا أخي في مثل هذا الوقت بخاصة نفسك وتباعد عمن بهم تزيد قاذورات رجسك، وتابع هدى سيد المرسلين وامام كل النبيئين والمرسلين فكافيك التمسك بالقرآن والتنسك على طريق سيد ولد عدنان ولا تغرنك - لو فرض- خوارق العادات فانها كما تكون للكرامة توجد لقصد الاهانة، فهذه وصيتي اليك قد ذكرتها شفقة عليك دعاني الى ذكرها رعاية المقام فتقبلها ومني عليك السلام " اهـ. وقد أطلنا خلاف عادتنا في هذا الموضوع، ولكنا في الحقيقة قد

стр. 714

بالغنا في الايجاز فانه موضوع طويل عريض، وله بحياة المسلمين الدينية والسياسية ارتباط قوي، فلا يجدر بالمؤرخ اهماله وان لم يسعه استقصاؤه. وقد عرفت الجزائر التصوف زمن بني عبيد، لكن العلماء انكروا عليهم وكفروهم حتى قال محمد بن عمار الكلاعي الميروقي يوصي ابنه من قصيدة: وطاعة من اليه الامر فالزم ... وان جاروا وكانوا مسلمينا فان كفروا ككفر بني عبيد ... فلا تسكن ديار الكافرينا فلم يكن يومئذ بالمغرب شأن للصوفية الى أن جاءت الدولة المؤمنية ونشرت المعارف ونصرت الفلسفة، فظهر من الصوفية رجال ذوو علم طار صيتهم في الآفاق ولكن لقوة نفوذ الدولة لم يتغلبوا على العامة حتى سقطت وخلفتها دول تنازع امراؤها أمرهم بينهم فضعف سلطانهم، وعلت كلمة الصوفية فمثلوا أدوارهم مع العامة وكان ذلك مبتدأ انحطاط الجزائر والمغرب دينيا وسياسيا. ومن مشاهير الصوفية الذين عرفتهم الجزائر أبو مدين شعيب الاندلسي دفين تلمسان المتوفي سنة ٥٩١ (أو) ٥٩٤ قرأ بفاس على ابن حرزهم وغيره وأخذ التصوف عن أبي يعزى وتعرف في عرفة بالشيخ عبد القادر الجيلاني وأخذ عنه واستوطن بجاية فكان يقرئ بها رسالة القشيري وغيرها، وكثر أتباعه فاستقدمه يعقوب المنصور الى مراكش فلما بلغ تلمسان توفي بها ودفن برابطة العباد، وضريحه مشهور يتبرك به. ومن كلامه " بفساد العامة تظهر ولاة الجور وبفساد الخاصة تظهر دجاجلة الدين الفتانون " وقال: "احذر محبة المبتدعين فهو أبقى على دينك، واحذر محبة النساء فهو أبقى على قلبك".

стр. 715

ومنهم محي الدين بن عربي الاندلسي دفين دمشق المتوفي سنة ٦٣٨ وكان ظاهري المذهب في العبادات باطني النظر في الاعتقادات يميل في فلسفته الى الغموض، ومن آرائه: "التثليث أساس الوجود، ومع ان الله في اعتقادنا فرد فاول عدد فردي ثلاثة لا واحد". ومنهم ابو الحسن الشاذلي نسبة الى شاذلة قرية بتونس قيل انها مرناق، وتوفي بارض الحجاز سنة ٦٥٥ والناس فيه بين مادح وقادح، وله أوراد واذكار انتشرت في الناس غربا وشرقا، وتفرع من طريقته طرق كثيرة، ويلقب اتباعه با لدراويش وبالفقراء، والدرويش كلمة فارسية معناها القانع أو الفقير. ومن كلامه: "اذا عارض كشفك الكتاب والسنة فتمسك بهما ودع كشفك، فان الله قد ضمن فيهما العصمة ولم يضمنها في الكشف". ومنهم عبد الحق بن سبعين المتوفي سنة ٦٦٩ سكن بجاية مدة وأقرأ بها ثم لحق بالمشرق وجاور بمكة، وعن قطب الدين القسطلاني انه ظهر في المائة السابعة من المفاسد العظام ثلاث: مذهب ابن سبعين وتملك التتر للعراق واستعمال الحشيشة حكاه في نفح الطيب وذكر أيضا: "ان الامير ابا عبد الله بن هود من أمراء الاندلس أرسل سفيرا عنه الى البابا برومة ابا طالب بن سبعين أخا عبد الحق فقال له البابا ان أخاك ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه " وارى أن هذه الشهادة ان لم تدل على مواصلة سرية بين البابا وعبد الحق تدل على قرب مذهبه من المسيحية. ومن كلامه في أبي مدين: "شعيب عبد عمل ونحن عبيد حضرة". هذا وقد اتخذ دجاجلة الصوفية الانتساب الى سني صوفي عظيم سببا للارتزاق وخلبوا عقول العوام بالظواهر والدواعي. وغمروها

стр. 716

بالخرافات والاضاليل فأوردوها موارد الردى وصدوها عن سبل الهدى، ولله عبد الحق الاشبيلي استاذ بجاية اذ يقول: لا يخدعنك عن دين الهدى نفر ... لم يرزقوا في التماس الحق تأييدا عمي القلوب عروا عن كل فائدة ... لأنهم كفروا بالله تقليدا ١٤ - سقوط الدولة المؤمنية كان الاولون من خلفاء هذه الدولة يباشرون أمور المملكة بأنفسهم ويطالعون أخبار حكامهم ولا سيما المنصور. فقد قال عنه صاحب المعجب ما ملخصه: " وكان يقعد للناس عامة ولا يحجب عنه صغير ولا كبير حتى قضى بين رجلين في نصف درهم. ثم قعد للناس في أيام مخصوصة لمسائل مخصوصة. وكان قاضيه يجلس حيث يسمع حكمه في جميع القضايا، ليس بينهما غير ستر من ألواح وكان يدخل عليه أمناء الاسواق وأشياخ الحضر مرتين في الشهر يسألهم عن أسواقهم وأسعارهم وحكامهم. واذا وفد عليه أهل بلد فأول ما يسألهم عنه عمالهم وقضاتهم وولاتهم، ويحذرهم كتمان الشهادة، وقد يتلو قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين " اهـ. بهذا استقامت أمورهم، فلما ولي الناصر تغيرت الحالة بعض التغير ففوض الشؤن لوزيره أبي سعيد بن جامع الذي لم يكن نبيه البيت في الموحدين، فاستهان بشيوخهم حتى فر من بساط الناصر من يعتمد عليه منهم. وفي سنة ٦٠٧ خرج الناصر لغزو الاندلس بعدما استنفر الناس

стр. 717

عامة، وأساء ابن جامع التدبير، وأوغر صدور بعض العظماء، فكانت وقعة العقاب على المسلمين سنة ٦٠٩ فني فيها أكثر رجال الدولة وذهبت الحامية من البلدان وانحرف قواد الاندلس عن بني عبد المؤمن ثم ظهر الخلاف بينهم انفسهم، وتواثبوا على عرش مراكش، فاختلت الدولة. وفي سنة ٦١٠ صعد بنو مرين الى تلول المغرب الاقصى، فملكوا بواديه وأعلنوا حرب بني عبد المؤمن سنة ٦١٣ واقتطع عنهم ابو زكرياء الحفصي ولايتي تونس وبجاية سنة ٢٨ وثبت يغمراسن بن زيان والي تلمسان على ولايتهم حتى أخضعه أبو زكرياء سنة ٦٤٠. وفي سنة ٦١٠ صعد بنو مرين الى تلول المغرب الاقصى، فملكوا واجفل امامه بنو مرين، ووفد عليه يغمراسن ابن زيان في ألف فارس من قومه، فبايعه بفاس وخلع عليه السعيد وأمره باستئصال مرين وأمده بالاموال والرجال، فخرج اليهم يغمراسن حتى ألحقهم بكرت، ثم عاد الى فاس فقيل له انك مغدور، فغادر فاسا هو وقومه وسالم بني مرين، وبعث اليه السعيد بالامان، فامتنع خشية الغدر. وفي سنة ٤٥ خرج السعيد من مراكش لاخضاع المستبدين عليه من بني مرين وبني عبد الواد وبني ابي حفص، وحشد أمما كثيرة، وبلغ تازا في المحرم سنة ٤٦ فأرسل اليه أمير مرين ابو يحي ابو بكر ابن عبد الحق ببيعته، وعرض عليه العود الى مراكش وانه يكفيه أمر يغمراسن، وكان السعيد شهما حازما يقظا بعيد الهمة، فشكر لابي يحي خدمته، وأمره بامداده وتوجه نحو تلمسان. وخرج يغمراسن في أهله وقومه الى قلعة تامززدكت قبلة وجدة فاعتصم بها وأوفد وزيره الفقيه عبدون على السعيد بالطاعة والاعتذار عن تخلفه، فابى السعيد الا حضوره، فامتنع يغمراسن خشية على

стр. 718

نفسه فقصد السعيد القلعة وأحاط بها ثلاثة أيام وفي الرابع ركب حين القيلولة يبحث عن عورة يأخذ منها القلعة فبصر به فارس من بني عبد الواد كان يحرس القوم، فطعنه وكبه عن فرسه، وكان يغمراسن وابن عمه يعقوب بن جابر قريبين منه، معرفا السعيد وانقض القوم من الشعاب على مواليه. وبلغ النبأ المحلة فتفرقوا ايدي سبا وذلك في صفر سنة ٤٦. وبادر يغمراسن الى السعيد وهو يجود بنفسه فحياه وفداه واقسم له على البراءة من دمه فلما قضى حمله الى العباد ودفنه وارسل مع حرمه واخته من اوصلهن الى مأمنهن، وانتهى أمر بني عبد المؤمن من تلمسان ثم قضى عليهم بنو مرين بدخولهم مراكش سنة ٦٨. وكانت مدة هذه الدولة بولاية بجاية من سنة ٥٤٧ الى سنة ٦٢٨ وبولاية تلمسان من سنة ٥٣٩ الى سنة ٦٤٦ ومدتها منذ مبايعة المهدي بتينملل الى القبض على اسحق ابن اسحق بن يوسف بن عبد المؤمن بتينملل من سنة ٥١٥ الى سنة ٦٧٤. ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام

стр. 719

الباب الخامس في أحوال العرب لعهد الحفصيين والزيانيين والمرينييين

стр. 720

١ - تمهيد استكان العرب بعد ثورة ابن غانية لقوة الدولة التي عرفت كيف تسوسهم. لكن الحفصيين نواب بني عبد المؤمن بتونس استقلوا عنهم. وحنو الى وطنهم. فطمعوا في فتح مراكش. ولم يقووا على تحقيق أمانيهم الا بمعاضدة زناتة. فعاضدتهم وهي تسر حسوا في ارتغاء. وكانت النتيجة سقوط الدولة المؤمنية وقيام ثلاث دول مكانها هم الحفصيون والزيانيون والمرينيون. لم تعترف هذه الدول بعضها لبعض بالاستقلال. فاستمرت الحروب بينهن. وربما وقعت الحرب بين الامراء المرشحين للملك في الدولة الواحدة. وتقاربت قواتهم الحربيه والسياسية فلم ينحسم النزاع. وكان ملوك تلك الدول في حاجة الى العرب لكن اضطربت سياستهم معهم. فاذا كانت الحرب واحتاجوا الهم أقطعوهم الاراضي الواسعة وجباية القبائل المستضعفة ونفحوهم بالهدايا والاموال وقربوهم بالصهر والاستشارة. واذا استغنوا عنهم بالسلم قلبوا لهم ظهر المجن وحاولوا تجريدهم من امتيازاتهم. فلم يعدم العرب في الامراء المرشحين للملك والملوك الطامعين في التوسع ما يعينهم على احداث ثورة للاحتفاظ بامتيازاتهم.

стр. 721

وكان العرب يحسنون الاستفادة في أمثال هذه الظروف لتقوية حريتهم وتوسيع مجالات تنقلهم في الشمال والجنوب وكانوا يفترقون حسب افتراق مصالحهم على الدول والملوك. ونتج عن هذه السياسة ضعف الدول وفقد الامن وقلة الانتاج واستحكام العداوة بين القبائل وطمع اسبانيا في امتلاك المغرب، ولولا قيام الدولة التركية بأساطيلها في وجوه الدول الاروبية للحق المغرب بالاندلس وصقلية. على أن عوامل الافتراق التي غرست في هذا الدور لم تزل تنخر جسمنا الى اليوم. والمسؤل عن هذه النتائج السيئة هم الحفصيون الذين أسقطوا الدولة المؤمنية حامية الاندلس وآسية العرب. ثم عجزوا عن حفظ المغرب وتوحيده. ثم اضطربت سياستهم مع العرب وقووا أغراضهم في الحياة البدوية بدلا من تمدينهم وتهذيبهم. والعرب بداة لا غرض لهم في الملك. فليس عليهم ضمان في هذه النتائج السياسية التي هي خاصة الملك. ولعلنا بهذا الفصل وضعنا أساس البحث للناقد البصير في قواعد ابن خلدون الاجتماعية التي وضعها على حساب العرب البداة دون الحفصيين الملوك الذين كان ريشه منهم هواه معهم. يعرف ذلك من عرف حياته ودقق النظر في أساليب تاريخه. فأدرك الفرق بين أسلوبه في الدولة الحفصية وأسلوبه في غيرها. حتى انه أجهد نفسه في تصحيح نسب ابن تومرت في آل البيت ونسب الحفصيين في آل عمر بن الخطاب (رض) مع أنه انكر انسابا هي أقوى من هذين النسبين والكمال لله.

стр. 722

٢ - رياح والاثبج وسليم كانت قبيلة عوف بن سليم تجاور رياحا على حدود عمالة قسنطينة، وتبلغ ناجعتها نواحي بونة، ولها بطنان هما مرداس وعلاق، ومن علاق حصن ويحي ومن حصن حكيم وبنو عدي، ومن يحي العكوب، ومن العكوب أولاد مهلهل وأولاد ابي الليل، ومن أولاد ابي الليل الاعشاش. وكان ابو زكرياء الحفصي اصطنع عوفا على رياح فاخرجتهم الى عمالة قسنطينة، وجازتها الدولة على ذلك بالتضريب في بطونها، حتى لا يستبدوا عليها فكان المغلوبون من عوف ينزلون على رياح للاجلاب على الدولة، واستقرت رئاسة عوف في أولاد مهلهل وأولاد أبي الليل، وتنازعوا أمرهم بينهم وأصبح حال الدولة بينهم حال القائل: رضى هذا يحرك سخط هدي. وحكيم كانوا يحالفون تارة أولاد مهلهل وأخرى أقتالهم، واشتهر من شيوح حكيم أبو زيد بن عمر بن يعقوب وابنه خليفة ومحمد ابن مسكين وخليفة ابن أخيه، وكان منهم أول القرن التاسع الشيخ المرابط أحمد إن أبي صعنونة بن عبد الله بن مسكين. وكان بمقرة بيوت من دباب ومرداس، أوقع بهم المستنصر سنة ٦٥١ واعتقل منهم بالمهدية رحاب بن محمود وابنه في آخرين. وأقطع الحفصيون كرفة بادس والزاب الشرقي وجباية أوراس الشرقي، ليوقعوا رياحا بين نارين، فلم تفعل كرفة أكثر من المحافظة على اقطاعها، ولم يجدوا في بقيه بطون الاثبج من يقدر على مقاومة رياح، وإن بقيت في بعضهم رئاسة. قال ابن خلدون: "ورئاسة أولاد وشاح من دريد لعهدنا منقسمة

стр. 723

بين سحيم بن كثير بن جماعة بن وشاح، وأحمد بن خليفة بن رشاش ابن وشاح ورئاسة أولاد مبارك بن عابد منقسمة ايضا بين نجاح بن محمد بن منصور بن عبيد بن مبارك، وعبد الله بن أحمد بن عنان ابن منصور " اهـ. وكان شيخ محيا من العمور في القرن الثامن عامر بن أبي يحي ابن محيا حج ولقي بمصر يوسف الكوراني شيخ الصوفية، فلقن طريقه وحمل عليها قومه وعني بتأمين السبل فحارب النضر جيرانه لافسا دهم. فاغتالوه. وفي عصره كان شيخ أولاد زكرير يغمور بن موسى بن ابي زيد ابن زكرير فكان يناهضه في شرفه، ولكن عامرا اسود منه لمعه بين مشيختي القبيلة والطريقة. وكانت عياض تتولى جباية جيرانها من البربر لصاحب بجاية وأكثر الاثبج عجزوا عن الظعن وأقاموا بالمدن وانضوى تحت لواء رياح الضحاك ولطيف والعمور الشرقيون. غلبت رياح أولا على منطقتي الهضاب والصحراء من عمالة قسنطينة الى زاغز من عمالة الجزائر. وعنوا بالفلاحة وتربية المواشي، فأثروا وكثروا واعتزوا على الدولة، الحفصية لبعدهم عن عاصمتها، واصبحوا مأمنا لكل مسخوط من الدولة وعونا لكل ثائر يخطب الملك. وكانت لهم امتيازات واقطاعات منحهم اياها ملوك أعانوهم على تبوأ العرش أو على حمايته من ثائر عليه حتى ان الذواودة كان لهم بقسنطينة عطاء معلوم مرتب على مراتبهم علاوة على ما بأيديهم من البلاد وما لهم من خفارات، وكانوا معفين من الضرائب وكان هذا مما يضر بمالية الدولة.

стр. 724

وكانت الحكومة اذا آنست من نفسها القوة انتقمت منهم على اعانتهم لثائر أو نقصتهم عطاءهم أو منعتهم اياه، فلم يعدموا في ملوك زناتة أو أمراء البيت الحفصي قائدا للثورة، وهكذا استمرت حياة رياح والحفصيين. واختلفت أيامهم سلما وحربا، ولم تزد رياحا الايام إلا قوة. وكانت بطانة الحفصيين يستعملون نفوذهم مع رياح وغيرها في مصالحهم الخاصة وحسب أهوائهم، فربما دعوا القبيلة اليوم الى طاعة ملك ودعوها غدا الى حربه، وهذا عبد الرحمن بن خلدون كان مع الحفصيين فدعا رياحا لطاعتهم ثم فارقهم. فدعاها لابي حمو الثاني سنة ٧٦٩ ثم حملها على حربه ومحالفة عدوه عبد العزيز بن أبي الحسن سنة ٧٧٢. ومع هذا التلاعب الذي لم يسلم منه فيلسوفنا نراه يؤنب العرب ان جرؤا على الدولة. وكانت بطون رياح تبعا للذواودة الذين كان منهم مسعود بن سلطان وأخوه عساكر ومحمد بن مسعود. واستمرت الرئالسة في أولاد مسعود. ومال عنهم ابناء عساكر للدولة سنة ٦٦٦ فولى المستنصر رئاستهم مهدي بن عساكر ثم ابنه ماضي ثم موسى ابن ماضي. واقطعتهم الدولة نقاوس، وحالفتهم عياض. ولكن غمرهم اولاد مسعود. وكان محمد بن مسعود مع يحي بن غانية وتوفي بعد وفاته. فخلفه ابنه موسى. وكان عظيم الصيت معتزا اعلى الدولة. ووفد على أبي زكرياء لما نزل بباغاية سنة ٤٧ فبايعه. وتوفي أيام المستنصر. فخلفه ابنه شبل. واستطال على الدولة. وبايع أبا القاسم بن عبد الرحمن ابن الامير عبد الواحد سنة ٦٦١ وقد نزل عليه بنقاوس. وخرج اليه المستنصر سنة ٦٤ فبلغ المسيلة. واعجزه. فعاد الى تونس. وأمر عامل بجاية أبا هلال باستئلافه.

стр. 725

وخرج المستنصر سنة ٦٦٦ فعسكر بالحضنة على ثنايا الزاب ازاء جموع رياح. وترددت الرسل بين شبل وابي هلال. فأقنعه بحسن عاقبة الوفادة على السلطان. فقدم هو وأخوه يحي وسباع بن يحي ابن دريد بن مسعود وطلحة بن ميمون بن دريد وحداد بن مولاهم ابن خنفر بن مسعود ودريد بن تازير شيخ أولاد نابت من كرفة. فضرب المستنصر أعناق هؤلاء الامراء. وصلب أشلاءهم بزرايا قرب نقاوس حيث بايعوا ابن عمه ابا القاسم. وأجفلت رياح والعساكر أثرها تنهبها حتى قطعت وادي جدي، فرجعت العساكر، ولحق أولاد يحي بن دريد بيغمراسن ابن زيان، وبنو محمد بن مسعود بيعقوب بن عبد الحق فأكرموهم ووصلوهم بالمال والخيل والابل والكراع. وعادت رياح فغلبت على ورقلة ووادي ريغ، وتقدموا الى الزاب فهزموا عامله عثمان بن محمد بن عتو، ثم قتلوه بقطاوة، وملكوا أوراس أيضا، وقتلوا موسى بن ماضي، وأخذوا الحضنة، واضطرت الدولة الى مهادتنهم، فاقطعهم السلطان ابو اسحق أخو المستنصر ما غلبوا عليه. ونشأ سباع بن شبل في كفالة عمه مولاهم بن موسى، ورأس على قومه واقطعته الدولة المسيلة، وتربى علي بن سباع في حجر عمه طلحة بن يحي وصارت اليه المسيلة وبقيت في عقبة، وكانت مقره في اقطاع أحمد بن محمد بن مسعود وخلف سباع بن شبل ابنه عثمان العاكر، وخلف علي بن سباع ابنه سليمان فتنازعا رئاسة قومهما، وافترق أولاد مسعود الى فرقتين أولاد محمد وأولاد سباع بن يحي وافترقت عليهم رياح فكان سعيد مع أولاد محمد، ومسلم والاخضر مع أولاد سباع، واقتسموا المواطن بورقلة وريغ والزاب والحضنة والتلول، فكان لاولاد سباع المسيلة وجبال عياض ومتنان ووانوغة

стр. 726

ونواحي بجاية، ولاولاد محمد مقرة والزاب الاوسط ونواحي قسنطينة، وكانت طولقة والزاب الغربي بينهم. فتقاتلوا عليه حتى اختص به أولاد سباع. ولكن مواطن أولاد محمد أخصب وأوسع وسيادتهم أعظم وعددهم أكثر. ثم افترقت رئاسة اولاد سباع بين علي وعثمان ابني سباع بن يحي وعثمان هذا هو الذي وفد سنة ٧٠١ على السلطان يوسف وهو محاصر لتلمسان وحرضه على ملك بجاية. وخلف علي بن سباع ابنه سليمان ثم ابنا سليمان عطية ويوسف ثم عثمان بن يوسف الذي أخذ بطاعة ابي عنان المريني، ويرادف أولاد سليمان أخوتهم أولاد يحي أخي سليمان. وانتقلت رئاسة أولاد محمد الى أولاد أحمد بن عمر صاحب مقرة، فتولاها أبو يحيى بن أحمد الى أن هلك أوائل المائة الثامنة، فخلفه أخوه علي، وكان أعظم أمراء رياح، وخلفه ابنه يعقوب، وطالت مدته، حتى توفي سنة ٧٩٠ بنقاوس ودفن ببسكرة واشتهر من ابنائه صولة ومحمد. وكان يعقوب بن علي أعظم أمراء رياح من سبقه منهم ومن لحقه. له ولوع بالفلاحة والعمران، اختط قرية فرفار قرب طولقة، ونزل عليه بها ابن خلدون في وفادته على سلطان تونس سنة ٧٨٠ وله أملاك بطولقة ونقاوس والصحراء والتل، وله رغبة في السلم، وكثيرا ما يصلح بين أمراء الحفصيين أو بين الامراء والرعايا، ونزل عليه الامير أبو يحي زكرياء لما ثار عله أخيه سنة ٧٥٩ واصهر اليه في ابنة اخيه سعيد فانكحه اياها. وكان يعقوب قد بايع ابا الحسن المريني. وفد عليه في زحفه على تونس بأرض بني حسن قرب البرواقية، وذهب معه أخوه ابو دينار

стр. 727

سليمان الى المغرب حتى مات. فوفد على ابنه ابي عنان واكرمه، وطلب منه تسهيل السبيل لفتح تونس، فلما زحف اليها ابو عنان بايعه يعقوب، واخوه سليمان، وخالفهما اخوهما ميمون الى ولاء الحفصيين. ثم رأى يعقوب محاولة ابي عنان لانتزاع امتيازاتهم فنبذ طاعته سنة ٥٨ وخالفه إليه ميمون، ورام ابو عنان ارضاء يعقوب او القبض عليه، فلم يقدر على أكثر من تخريب قصوره بالصحراء والتل. ثم حج يعقوب وعاد فالفى قومه في حرب مع أمير قسنطينة ابراهيم بن السلطان ابي العباس لمحاولته نزع امتيازاتهم، فسعى في الصلح وطلب من ابراهيم انصاف العرب فأعرض عنه فاعتزل يعقوب الحرب وتوفي فخلفه ابنه محمد وفرق عنه ابراهيم كلمة رياح وحاربه فانهزم، فلما أصحر محمد جد ابراهيم في حماية التلول عنه واضطره الى المصيف في الزاب سنة ٩٢ ثم هجم على التل في السنة التالية، ومات الامير ابراهيم وتفرقت جموعه فتقدم محمد بن يعقوب الى نواحي قسنطينة ونادى بالامان فأمنت الطرق وصلحت أحوال الرعايا. وبعث الى السلطان ابي العباس بطاعته. وفي سنة ٩٦ ولي قسنطينة ابو بكر بن ابي العباس وعكف على لذاته وأساءت بطانته الادارة فانقضت رياح على الدولة وقتلوا في بعض حروبهم معها قائد قسنطينة جا الخبر سنة ٨٣٣. وكان كبير الذواودة سنة ٣٨ عيسى بن محمد، وكلمته مع السلطان محمد الرابع المنتصر مسموعة، ومن معاصريه سباع بن محمد ولعله أخوه وبينهما اختلاف ومن شيوخ الذواودة منتصف هذا القرن التاسع أحمد بن علي، ومنهم نصر بن صولة ولا ادري أصولة هذا هو ابن يعقوب بن علي أم غيره؟ وآخر كلمة في تاريخ دولتي الموحدين للزركشي قوله: "وفي

стр. 728

أواسط المحرم من عام ٨٨٢ ورد على السلطان نصر بن صولة شيخ الذواودة طالبا للعفو فعفا عنه وانصرف الى أهله بعد الاحسان خديما" اهـ. ٣ - رياح والاصلاح كان القرن السابع الذي سقطت فيه الدولة المؤمنية مبدأ انحطاط عام، فكثر الملوك وتزاحمهم وتحاربهم. ووجدت الرعايا سبيلا إلى الفوضى. والولاة سبيلا الى الجور. وفشت المنكرات وأخيفت الطرقات. وفي أوائل القرن الثامن ضهر من رياح ثم من رحمان رجل يدعى سعادة كانت أمه من الصالحات ونشأ هو على اعمبادة والزهد وارتحل الى المغرب فصحب ابا اسحق التسولي شيخ الفقهاء الصالحين يومئذ وعاد الى قومه بفقه صحيح وورع وافر ونزل طولقة. وانذر عشيرته وبث دعوته فأجابه خلق كثير بالزاب وريغ وكثير من البلدان. فلقبهم السنية. ومن مشاهير مريديه من أولاد مسعود ابو يحي بن أحمد وعطية ابن سليمان وحسن بن سلامة من أولاد طلحة بن يحي بن دريد، ومن أولاد عساكر عيسى بن يحي بن ادريس، ومن زغبة هجرس بن علي اليزيدي ورجالات من العطاف. استظهر سعادة بهؤلاء الامراء واتباعهم على تأمين السبل وتغيير المنكر واحياء السنة، ودعا منصور بن مزني أمير الزاب الى اعفاء الرعية من المغرم والمكس وسائر الظلامات، فهم بقتله. ولكن حال دونه مريدوه. وبايعوه على اقامة السنة والموت دونه. وأعد منصور سعادة ثائرا فاستعد لحربه واستنجد أمير بجاية

стр. 729

خالد بن أبي زكرياء المنتخب واستمال اليه بعض رياح فمال اليه علي ابن أحمد منافسة لاخيه ابي يحي، وسليمان بن علي منافسة لعطية ابن سليمان وخشي سعادة من الاقامة في طولقة، فابتنى بضواحيها زاوية انتقل اليها بمريديه. ثم زحف سعادة الى بسكرة سنة ٧٠٣ وسنة ٧٠٤ وحاصر بها منصورا فامتنعت عليه أولا وثانيا. وانحدرت رياح الى مشاتيها سنة ٧٠٥ فبقي في قل من مريديه. ومع ذلك حاصر مليلي، فصبحه بها منصور في جند الدولة ورياح وبعد جولة استشهد سعادة. نعي سعادة الى السنية بمشاتيهم. فصعدوا الى الزاب برئاسة ابي يحي بن احمد وزحفوا الى بسكرة مررا. وقطعوا نخيلها وأحرقوا عمال الدولة بالنار فصرخ منصور في أوليائه من الذواودة فلبوه وعقد على الجند لابنه علي ومعه علي بن أحمد على رياح. وكانت المعركة بالصحراء سنة ١٣ فقتل علي بن منصور. واسر علي بن أحمد. فأطلقه عيسى بن يحي لمكان أخيه، وعظم أمر السنية بعد هذا الانتصار. ثم هلك ابو يحي وعيسى، ت يحي وكاد أمر السنية ينحل فاتفقوا على استدعاء عالم يقيم لهم أمر الدين ويجمع كلمتهم واختاروا الفقيه أبا عبد الله محمد بن الازرق من فقهاء مقرة. أخذ على ابي محمد الزواوي كبير شيوخ بجاية. فارتحل اليهم. ونزل على حسن بن سلامة. ووالاهم ابو تاشفين الاول اضعافا للحفصيين الذين كان معهم في حرب. فصار يبعث اليهم بالهدايا ويخص عالمهم ابن الازرق بجائزة معلومة كل سنة. وخلا وجه رياح لعلي بن أحمد بموت أخيه. فقاتل هؤلاء السنية مرارا ثم هلك حسن بن سلامة. واستدعى ابن مزني الفقيه ابن الازرق لقضاء بسكرة ليقضي على دعوة سعادة. فأجابه. وطويت صحيفة السنية.

стр. 730

وبعد حين غاضب علي بن أحمد ابن مزني. فأحيا هذه الدعوة، وحاصر بسكرة سنة ٤٠ وأقام عليها اشهرا، ثم عاد الى موالاة ابن مزني، وهكذا حاولت اصلاح المجتمع رياح. فذهبت مساعيها لاختلافها أدراج الرياح. وكفى سعادة سعادة انه ادى الواجب وفاز بالشهادة. قال ابن خلدون: "وبقي من عقب سعادة في زاويتة بنون وحفدة يوجب لهم ابن مزني رعاية، وتعرف لهم أعراب الفلاة من رياح حقا في اجارة من يجيرونه من أهل السابلة وبقي هؤلاء الذواودة ينزع بعضهم احيانا الى اقامة هذه الدعوة. فيأخذون بها أنفسهم غير متصفين من الدين والتعمق في الورع بما يناسبها ويقضي حقها. بل يجعلونها ذريعة لأحذ الزكاة من الرعايا ويتظاهرون بتغيير المنكر يسرون بذلك حسوا في ارتغاء فينحل أمرهم لذلك وتخفق مساعيهم ويتنازعون على ما يحصل بايديهم ويفترقون على غير شيء" اهـ. ٤ - امارة بني مزني ببسكرة كانت قاعدة الزاب الحفصي مقرة من أرض الحضنة. فكانت بسكرة تابعة لها ومشيختها لبني رمان منذ سقوط الدولة الحمادية. وكان بنو مزني بقرية حياس قربها. وملكوا بها جنات النخيل والثمار بمياهها. وانتقلوا اليها. وشارك كبارهم في مجالس شوراها. فاستنكف منهم بنو رمان. وتلاحوا بالكلام، وانتهى أمرهم الى سلطان تونس فمال مع بني رمان لقدمهم، ولكن النزاع لم يفصل واصلتوا سيوفهم، وتقاتلوا في سكك بسكرة. وفي سنة ٦٥١ دعا ابو اسحق لنفسه مغاضبا لاخيه المستنصر فبايعته رياح بنقاوس وزحفوا به الى بسكرة فبايعه من مشيختها فضل

стр. 731

ابن علي بن أحمد بن الحسين بن علي بن مزني وابى أهلها موافقته، وعزموا على قتله فخرج الى ابي اسحق الذي لم يتم أمره واجاز معه الى الاندلس حتى توفي المستنصر وعاد مع ابي اسحق الى تونس. وبنو مزني ينتسبون الى مازن بن فزارة قال ابن خلدون: "والذي تلقيته عن نسابة الهلاليين أنهم بنو مزنة بن ديفل بن محيا بن جرير من فصائل لطيف. وهو الصحيح فان أهل الزاب كلهم من أفاريق الاثبج عجزوا عن الظعن ونزلوا قراه على من كان بها قبلهم من زناتة وطوالع الفتح. وانما نزعوا عن نسب الاثبج لما صاروا اليه من المغرم والوضائع " اهـ. وفي سنة ٧٨ ملك ابو اسحق تونس وجازى فضلا عن صحبته اياه بولاية الزاب فنزل بسكرة وخضع له بنو رمان ظاهرا. وحالفوا أولاد جرير. واغروهم بقتل فضل وتناول الامر من يده وهم يومئذ بقرية ماشاش قرب بسكرة ولهم اختلاط مع أهلها بالنسب والصهر فقتلوه ظاهر البلد سنة ٨٣ وانتقلوا الى بسكرة فنبذ لهم بنو رمان عهدهم لعامين من حلفهم، فلم تسعهم المدينة ولا قرية ماشاش لقربها فتفرقوا في وادي ريغ واستبد بنو رمان ببسكرة وتغلبت رياح على الزاب. وكان منصور بن فضل لما قتل ابوه بتونس فخشي بنو رمان غائلته. وسعوا به لدى السلطان ابي حفص فاعتقله الى ان تمكن من الفرار ولحق بأوراس فنزل على الشبه من كرفة خير منزل. ثم لحق ببجاية سنة ٩٢ وابو زكريا بن ابي اسحق يومئذ مستقل بها والزاب في طاعة صاحب تونس فتقرب اليه منصور واستظهر به على ولاية الزاب على ان يحول دعوته اليه كما فعل أبوه مع أبيه من قبل فسرحه سنة ٩٣ بالجنود الى بسكرة واستبعد بنو رمان صاحبهم بتونس فوفدوا على ابي زكرياء مبايعين خائفين من منصور فامنهم وجعل

стр. 732

احكامهم الى قائد عسكره وكتب الى منصور بالعفو عنهم ففتحوا أبواب المدينة لمنصور وعسكر بجاية وبعد ان ثبتت قدم منصور في بسكرة أجلى بني رمان عنها كما أجلوا قبل أولاد جرير. وكما تدين تدان. اعجبت حكومة بجاية بصدق طاعة منصور وحسن ادارته. فأضافت له ورقلة ووادي ريغ والحضنة وجبل أوراس، وبقيت كذلك لخلفه فامارة بني مزني تمتد من ورقلة جنوبا الى المسيلة ونقاوس شمالا ومن الدوسن غربا الى بادس شرقا، ودخلت مواطن عياض وسدويكش في هذه الامارة ايام منصور خاصة. ولهذه الامارة مواصلات تجارية مع أهالي السودان وما حولها من الاوطان ولتوسطها بين الصحراء والتل جمعت بين خواصهما: تجد فيها النخيل والزيتون والابل والبقر وتحسن بها تربية المواشي وفلاحة الحبوب والثمار. فكان أهلها أغنياء، وامراؤها تشبه ثروتهم ثروة الملوك. قال العياشي في رحلته: "وبسكرة من أعظم المدن وأجمعها لمنافع كثيرة مع توفر اسباب العمران فيها، قد جمعت بين التل والصحراء ذات نخيل كثير وزرع كثيف وزيتون ناعم وكتان جيد وماء جار في نواحيها وارحاء متعددة تطحن بالماء ومزارع حناء الى غير ذلك، وبالجملة ما رأيت في البلاد التي سلكتها شرقا وغربا أحسن منها ولا أحصن ولا أجمع لاسباب المعاش " اهـ. وذكر ان عام ستين والف كان عام وباء وانه مات به في بسكرة نحو من سبعين الف نفس، وهذا يرشد الى مبلغ عمرانها بعد بني مزني بأكثر من قرنين ونصف قاست فيها الوانا من الشر وضروبا من الفتن فكيف يكون عمرانها ايام سعادتها وهنائها تحت بني مزني؟

стр. 733

احسن بنو مزني سياسة الرعية، وعاشوا مع رياح احسن مما عاش معهم الحفصيون، حتى ان ثورة سعادة لم تشمل رياحا أجمعين. وكان مع بني مزني علي بن أحمد ثم نافسهم لاستئثارهم بمال الجباية دونه، فثار عليهم متدثرا بالسنية، ولكن يوسف بن منصور استمال ابنه يعقوب وابن عمه سليمان بن علي بن سباع، وأنزلهما معه ببسكرة وأنكح أخته يعقوب، ثم انعقدت السلم بين يوسف بن مزني وعلي ابن أحمد حوالي سنة ٤٠ فلم تنقض بعد. وكانت بطانة أمراء الحفصيين ببجاية تحسد بني مزني على هنائهم وثروة امارتهم، فتسعى بهم لدى الامراء، وكان بنو مزني يطفئون تلك السعايات بتوفير الجباية للامراء واتحاف بطانتهم بالهدايا، وربما لم ينجح هذا الدواء فيضطر بنو مزني الى نصب أحد الحفصيين المملك ومبايعته ضد الأمير السابق أو الى موالاة ملوك زناتة أهل تلمسان وفاس. ففي أيام ابي البقاء بن ابي زكرياء فر يحي بن خالد بن السلطان ابي اسحق الى منصور بن مزني وقد فسد ما بينه وبين ابي البقاء فبايعه واجلب به على قسنطينة، ووسوس ليحي بعض حاشيته في منصور فعزم على نكبته اذا تم أمره وشعر به منصور فنبذه، وراجع طاعة ابي البقاء وخاب سعي يحي، فنزل على منصور. وأقام تحت جرايته وحرسه مرصدا للعواقب الى أن مات سنة ٧٢١ فكان ابن اللحياني يصانع منصورا من أجله بالجوائز واقطعه من املاك السلطان بضواحي تونس أملاكا ورثها عنه بنوه. ودعا منصور لابي تاشفين الاول أيام ابي بكر أخي ابي البقاء، وترددت اليه العساكر. فأعجزها. وبقي على ذلك الى أن خلفه ابنه عبد الواحد، فلم يلبث ان غاضبه عامل بجاية محمد بن ابي الحسين

стр. 734

ابن سيد الناس فدعا لصاحب تلمسان ونازلته عساكر بجاية مرارا من غير طائل. ثم انعقد بينهما صهر وسلم. ووالى يوسف بن منصور ابا الحسن المريني لما ملك تلمسان. واقتصر مع الحفصيين على دفع الجباية لهم ثم تحرك ابو الحسن لفتح تونس، فوفد عليه في جموع الذواودة بارض بني حسن. وذهب اليه سنة ٤٩ بجبايته واجتمع بقسنطينة مع عمال المغرب بجبايتهم ووفدي صاحبي السودان والاندلس بهداياهم. وبلغتهم نكبة ابي الحسن. فهم بهم القسنطينيون واجارهم يعقوب بن علي وانزلهم يوسف بسكرة وكفاهم مهماتهم شهورا. وأقام على ولائه لابي الحسن حتى هلك. وملك ابنه ابو عنان تلمسان، فبايعه وامده في فتح قسنطينة سنة ٥٤ ودله على الطريق في اتباعه يعقوب بن علي. وانزله بعساكره ظاهر بسكرة ثلاثا أغرب في ضيافتهم على كثرتهم بما تحدث الناس به دهرا. وقدم اليه جبايته قناطر ذهبا. فخلع عليه ابو عنان وأجزل صلته. ثم اوفد عليه ابنه احمد سنة ٥٩ بهدية فيها عتاق الخيل وفاره الرقيق. وتوفي ابو عنان فاتحفه خلفه بتحف ملوكية، وانقطعت الطرق بالثورات فخفره صغير بن عامر شيخ بني عامر حتى أبلغه مأمنه. واجلى ابو حمو الثاني ابا زيان محمد بن عثمان الثاني عن مملكته سنة ٧٨ فنزل على صاحب توزر يحي بن يملول واتحد يحي وأحمد بن يوسف على استغلاله ضد الحفصيين، فراسل احمد ابا حمو بكف ابي زيان عنه واشغاله هو للحفصيين بالاجلاب على مملكتهم ثم طرد الحفصيون يحي بن يملول فلحق ببسكرة ومعه ابو زياد فاوفد أحمد بن يوسف على ابي حمو يعقوب بن علي سنة ٨٢ لاستنجاز وعده في حرب الحفصيين، ومات يحي بن يملول وترك صبيا، فسرحه أحمد لاسترجاع توزر فلم يقدر أبو حمو على أكثر من امداده بالمال.

стр. 735

وخرج سلطان تونس ابو العباس لحرب أحمد بن يوسف، فسعى يعقوب بن علي في السلم، وحمل أحمد على الطاعة. وارسل الى السلطان بالشفاعة. وسرحوا أبا زيان الى قسنطينة ايذانا بنفض أيديهم من أبي حمو. وبلغت رسل أحمد بهديتهم وطاعة ابا العباس أول سنة ٨٣ وهو معسكر بساح تبسة فاعرض عن حربه. ثم مرض بعدها في الطاعة. فخرج اليه سنة ٨٦ ومعه سليم، ومر بتبسة وجنوب أوراس وتهودا، وانضم اليه أولاد سباع بن شبل وأنفت بقية رياح من دخول سليم مواطنها. وتناوش الفريقان القتال. وانتبذ عنهم يعقوب ساعيا في الصلح فتم باقلاع السلطان عن بسكرة وبذل أحمد له طاعته وجبايته. وقويت الدولة الحفصية بضعف دولتي زناتة. وقطعت عنها كل المستبدين. ولم يبق الا بنو مزني. فخرج اليهم السلطان ابو فارس بن ابي العباس سنة ٨٠٤ وتلوم اياما ببئر الكاهنة. ثم دخل بسكرة يوم السبت سابع جمادى الثانية. وولى عليها من قواده وحمل معه أحمد بن يوسف الى تونس. فانتهت امارة بني مزني. وقد عاشت هذه الامارة نحوا من قرن ونصف تخللها بنو رمان بين فضل بن علي وابنه منصور. ولم يعرف الزاب الى اليوم عصرا كعصرها هناء ورغادة عيش لما كان عليه بنو مزني من حسن التدبير والادارة، فقد أحسنوا معاملة الذواودة، فاستعانوا بهم. وعرفوا ما بالبلاط الحفصي من دسائس فوصلوا أيديهم بزناتة التي لولا تطاحن دولتيها حتى ضعفتا ما سقطت هذه الامارة في دور اكتهالها. ومما يحسن ختم هذا الفصل به ابيات للسان الدين بن الخطيب بعث بها أثناء رسالة لابن خلدون وهو مقيم على أحمد بن يوسف. وهي: من أنكر غيثا منشؤه ... في الارض وليس بمخلفها

стр. 736

فبنان بني مزني مزن ... تنهل بلطف مصرفها مزن مذ حل ببسكرة ... يوما نطقت بمصحفها شكرت حتى بعبارتها ... وبمعناها وباحرفها ضحكت بابي العباس من الا ... يام ثنايا زخرفها وتنكرت الدنيا حتى ... عرفت منه بمعرفها وهذا جدول امراء بني مزني الامبر ... الولاية ... هـ ... م فضل بن علي ... ٦٧٨ ... ١٢٧٩ ابنه منصور ... ٦٩٣ ... ١٢٩٤ ابنه عبد الواحد ... ٧٢٥ ... ١٣٢٥ اخوه يوسف منصور ... ٧٢٩ ... ١٣٢٩ ابنه أحمد ... ٧٦٧ ... ١٣٦٥ النهاية ... ٨٠٤ ... ١٤٠٢ ٥ - رئاسة الثعالبة بمتيجة واخبار المعقل كان الثعالبة مستضفين عاجزين عن الترحال. فاستقروا بالتل، وتغلبت عليهم توجين ايام كانوا بتيطري ذا مليكش وولاة الجزائر لما انتقلوا الى متيجة أواخر القرن السابع. وأدوا المغارم لدول الحفصيين والمرينيين الذين تداولوا ملك متيجة والجزائر. وبقوا غفلا من حلف القبائل واقطاع الدول الى أن نشأ فيهم سالم بن ابراهيم. وكان رئيس الثعالبة سباع بن ثعلب بن علي ومر به ابن تومرت فأكرمه فكان اذا وفد على خلفاء الموحدين وضعوا على عمامته دينارا عظيما إكراما له. واستمرت الرئاسة في عقبه. فكانت أولا لبني يعقوب ابن سباع ثم لبني محمد بن سباع.

стр. 737

ولما ملك ابو الحسن المريني تلمسان ولى عليهم ابا الحملات بن عايد بن ثابت بن محمد بن سباع، وهلك بالطاعون سنة ٧٤٩ فخلفه ابراهيم بن نصر بن حنيش بن ابي حميد بن ثابت، وهلك ايام ابي عنان، فخلفه ابنه سالم، واستولى على تلمسان بعد ابي عنان ابو حمو الثاني. وفي ذي الحجة سنة ٧٦٧ ثار أبو زيان محمد بن عثمان الثاني على ابن عمه أبي حمو، وبايعه حصين وملك سنة ٦٨ مليانة ولمدية، ووالي الجزائر يومئذ علي بن غالب من بيوتاتها، ونفر أهلها من السلطان أبي حمو. فاستبد بها، وساعدت هذه الظروف سالم بن ابراهيم على وضع ذل المغرم عن عاتق قومه، فوصل يده بابي زيان، ووسوس لاهل الجزائر ان واليهم يريد الدعاء لابي حمو، فثاروا به. وأخرجه سالم الى حيه وعجل له بحينه واستبد بالجزائر داعيا لابي زيان. وخرج أبو حمو سنة ٧١ الى متيجة فاخضع الثعالبة وأخذ منهم جباية السنوات الماضية، وامتنعت عليه الجزائر ثم ملك عليه عبد العزيز سلطان مرين تلمسان سنة ٧٢ وطرد ابا زيان ووضع على الثعالبة مغارم ثقيلة، ثم مات سنة ٧٤ وعاد أبو حمو الى تلمسان وابو زيان الى تيطوي. وفي سنة ٧٦ سعى محمد بن عريف شيخ سويد في اطفاء هذه الفتنة، فتم الامر بخروج أبي زيان الى رياح واداء أبي حمو له اتاوة سنوية ت واوفد على أبي حمو سالم بن ابراهيم وشيوخ حصين واعيان الجزائر، فأمنهم وعادوا الى طاعته وبقي سالم على رئاسته بالجزائر ومتيجة وعمال ابي حمو تستيوفي منه الجباية. وكل ينتظر الفرصة لشفاء صدره من الآخر. وفي سنة ٧٨ تآمر سالم ومرضى القلوب على ابي حمو،

стр. 738

واستقدموا ابا زيان فغلب أبو حمو على الثورة وطلب سالم الامن لنفسه على مفارقة ابي زيان فمنحه اياه، وخرج أبو زيان الى الجريد وعاد ابو حمو الى تلمسان مضمرا الفتك بسالم لكثرة تلاعبه بالعهود، فلما كان فصل الشتاء وانحدرت العرب الذين يخشاهم ابو حمو الى مشاتيهم نهض الى متيجة، فاجفلت امامه الثعالبة الى رؤس الجبال، وبعث سالم ابناءه وأولياءه الى الجزائر وتحصن هو بجبل بني خليل، ثم نزل كثير من الثعالبة الى أبي حمو مستأمنين، وانتقل سالم الى بني ميسرة من جبال صنهاجة وبعث أخاه ثابتا الى أبي حمو فاقتضى منه العهد ونزل الى ابنه ابي تاشفين أواخر رمضان، فتقبض عليه أبو حمو ولم يراع عهده ولا ذمة ابنه، واستولى على الجزائر وقفل الى تلمسان فقتل سالما في شوال وتتبع اخوانه وقبيلته بالقتل والسبي والنهب حتى دثروا، ثم قتل الاتراك منهم لاول استيلائهم على الجزائر مقتلة عظيمة ضاعفته ضعفهم. واذا لم يظهر من الثعالبة امراء عظام فاكفاهم فخرا عبد الرحمن الثعالبي دفين الجزائر وعالم القرن التاسع، وأبو مهدي عيسى عالم القرن الحادي عشر، ولعل الشيخ عبد الرحمن من فرع محمد بن سباع ولكن الناس يرفعون نسبه الى علي بن ابي طالب (رض) كأنهم لم يكتفوا بشرف العلم. وقد حكى الاخباريون ان الشيخ محمد المقري التلمساني كان يحضر مجلس السلطان ابي عنان فاذا دخل مزوار الشرفاء قام له السلطان فمن دونه الا المقري فقال له المزوار ذات يوم ما لك لا تقوم لي مثل السلطان اكراما لجدي فأجابه اما شرفي فمحقق بالعلم الذي ابثه، واما شرفك فمن لنا بصحته بعد مضي أكثر من سبعة قرون؟ ولو تحققناه لاقمنا هذا السلطان من مجلسه واجلسناك مكانه! وبقية المعقل غير الثعالية ذوو كثرة وانتجاع، ومواطنهم بين

стр. 739

زناتة فكانوا أحلافا لهم، وأكثر انجياشهم الى مرين، وكان المنبات من ذوي منصور أحلافا ليغمراسن بن زيان، وذوو عبيد الله محاربين له، ثم خضع الخراج منهم لبني عبد الواد اذ كانت مواطنهم في مملكتهم فأدوا لهم الخراج وعسكروا معهم. ولما أخذت الدولة في الضعف منحت الخراج خفارة وجدة وندرومة وبني يزناسن ومديونة وبني سنوس. ثم اقطعتهم اياها. فتملكوها. وتملكوا ايضا هنين ووضعوا على المجيز منها الى تلمسان ضريبة فصارت جباية معظم مملكة تلمسان الغريبة لهم. ولما تملك ابو الحسن المريني تلمسان استخدم ذوي عبيد الله، وانتزع منهم كثيرا من أملاكهم بالصحراء فثار عليه شيخهم يعقوب بن يغمور بن عبد الملك من العثامنة، ولكن لم يفعل أكثر من تشرده بالصحراء وولي مكانه منصور بن يعقوب بن عبد الملك ثم ابنه رحو، ولما عادت تلمسان لبني عبد الواد صدق يعقوب بن يغمور في ولائهم، ورأس على قومه ومات فخلفه ابنه طلحة، وكان لرحو مقامات في خدمة ابي حمو الثاني. فولاه رئاسة قومه. وجعل طلحة رديفه، ويظهر ان رئاسة الخراج مغمورة برئاسة عامر وسويد من زغبة. ٦ - زغبة تمتد مواطن زغبة غربي مواطن رياح على جنوب عمالتي الجزائر ووهران وتقدموا مع احلافهم بني بادين الى التل أواخر الدولة المؤمنية، ونقل يغمراسن بن زيان بني عامر من نواحي زاغز الى جنوب تلمسان أشجاء للمعقل الذين كثر عيشهم هنالك. وتبعت حميان بني عامر، وصارت في عدادهم ثم خشي يغمراسن على دولته من زغبة

стр. 740

فحجرهم بالصحراء وأذلهم بالمغرم والعساكرة في جنده. واستمروا على ضعفهم المالي والسياسي مدة عظمة دولة تلمسان. وكانت بين قبائل زناتة حروب خاضت زغبة غمارها توسلا الى دخول التل، فلما تمكن الضعف من بني عبد الواد ايام ابي حمو الثاني نزل ابو زيان ابن جبل تيطري سنة ٧٦٧ وقام بدعوته حصين وسويد وبعض بني عامر، وكاد يتغلب على تلمسان ودامت ثورته نحو اثنتي عشرة سنة توالت فيها على ابي حمو الهزائم وتغلبت زغبة على كثير من التلول، ولم تنجل هذه الغمرة عن ابي حمو الا باقطاعه زغبة كل ما تغلب ضعليه أعداؤه منها او طمع فيه أولياؤه. تقوت زغبة بهذه الاقطاعات ووضعت عنها ذل المغرم وجبت من في أراضيها من البربر وحرمت عروة لضعفها من الاقطاع، وقعدت حصين واكثر بني يزيد عن الضعن. ولزغبة حروب مع جيرانها فكانت بين بني يزيد والذواودة حروب وتغلبت الذواودة على الدهوس. فاستنجد بنو يزيد بعامر وهم يومئذ جوبهم فانجدوهم، وأخرجوا رياحا عنهم. ففرض لهم أبو بكر بن زغلي رئيس بني يزيد على قومه الف غرارة من الحبوب يأخذونها كل سنة وعرفت هذه الضريبة بالغرارة وكانت حروب ايضا بين عروة وجيرانهم من العمور ومسلم وسعيد، وبين سويد وبني عامر مع جيرانهم من المعقل وكانت فتن بين بطون زغبة المتجاورين. وتنقلت رئاسة بني يزيد في كثير من بطونهم ثم استقرت في بني زغلي. فوليهم زيان بن زغلي ثم أخوه ديفل ثم أخوهما ابو بكر ثم ابناء ساسي فمعتوق ثم موسى بن ابي الفضل بن زغلي كان ايام ابي الحسن المريني، ثم أخوه أحمد ثم اخوهما علي ثم ابو الليل بن موسى وتوفي سنة ٧٩١ فخلفه ابنه.
следующие страницы →