← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أميرها عبد القوي بن العباس، فاعتقله بتونس، ثم من عليه استئلافا له. وبهذا الفتح جاور أبو زكريا بني عبد الواد. فضاعف الرشيد خليفة مراكش احسانه ليغمراسن واتحفه بأنواع الهدايا، فخلصت موته له وأصبح شجا في حلق التوسع الحفصي وعقبه كأداء في سبيل الخطة التي رسمها أبو زكريا لفتح مراكش. وفي سنة ٣٩ وفد على ابي زكرياء عبد القوي التوجيني وبعض بنو منديل المغراويين، واستحثوه لحرب يغمراسن، فسرحهم امامه لاحتشاد زناتة واحلافهم من زغبة. وجمع هو جموعه عربا وبربرا. فبلغت فرسانه اربعة وستون الفا. وخرج في شوال. فوافته زغبة بزاغر. ووجه من مليانة الى يغمراسن يطلب بيعته فابى، فنزل على تلمسان آخر المحرم سنة ٤٠ وعجز يغمراسن عن دفاع ذلك الجيش العرمرم، فخرج في أهله وذويه وخاصته من باب العقبة، وأجلى الموحدين من سبيله، ولحق بالصحراء. ودخل ابو زكريا تلمسان في ربيع الاول وقبض ايدي الجند عن النهب. وعرض ولايتها على شيوخ الموحدين وكبراء زناتة، فتدافعوها خشية مق يغمراسن. وجاءته الرسل ببيعة يغمراسن ومظاهرته له على بني عبد المؤمن على أن يترك له تلمسان، فقبل مسرورا، وأوفد يغمراسن أمه سوط النساء لاحكام العقد. فتمت السلم على يدها بعود ابنها الى تلمسان مستقلا بماليتها ومعانا بجباية بعض أعمال افريقية مبلغها السنوي مائه الف دينار. ولكي يحافظ أبو زكرياء على خضوع يغمراسن اقام في قفولة من منافسيه عبد القوي التوجيني والعباس المغراوي ومنصور المليكشي ملوكا مناهضين وولى المستنصر بمليانة محمد بن منديل المغراوي سنة ٥٩ بعدما فتحها من يد ابي علي بن أحمد الملياني الثائر بها، ثم خرج

стр. 772

المستنصر الى المسيلة سنة ٦٤ فوفد عليه محمد بن عبد القوي التوجيني مجددا طاعته، فنصب له فساطيط القطن والكتان وجنب له جياد الخيل بمراكبها المذهبة ولجمها المحلاة وأكثر من المال والظهر والكراع والسلاح واقطعه جباية مقرة واوماش. وبقيت عبد الواد على مبايعتها للحفصيين، وفي باطنها ما فيه لتقديتهم أعداءها مغراوة وتوجين عليها، ففي سنة ٦٦٦ فرت رياح أمام المستنصر الى عبد الواد. فأعانوها على استرجاع وطنها، ورددوا الغاراث على توجين ومغراوة. ففتحوا مليانة سنة ٦٨ ولمدية سنة ٨٧ واستولوا على مواطنهم تدريجا. فلحق اعيانهم ببجاية وتونس، وكان منهم جند هو شوكة الجيش الحفصي، وما اتى القرن الثامن حتى انحصرت شوكة زناتة في عبد الواد ومرين. فاما مرين فقد خشيت من مبايعة يغمراسن لابي زكريا سنة ٤٠ ان يظاهره عليها، فبعثت له بالطاعة وبيعة ما تفتحه من المدن ووعدته العون على فتح مراكش وامدها المستنصر لما توجهت الى مراكش بالمال والخيل والسلاح، فلما فتحتها خطبت له بها زمنا، ثم استغلظ ملكها فقطعت الدعوة الحفصية، وبقي بين الدولتين مهاداة وروابط ودية، وتأكدت بالمصاهرة، ففي سنة ٧٣٠ اوفد ابو يحي ابو بكر ابنه ابا زكرياء وشيخ الموحدين عبد الله بن تافراقين على ابي سعيد سلطان مرين مستنجدا به على ابي تاشفين الاول، فوعده المظاهرة. وخطب فاطمة شقيقة ابي زكرياء لابنه ابي الحسن. فزفت اليه سنة ٣١ وقتلت في وواقعة طريف سنة ٤١ فخطب ابو الحسن بعدها لنفسه اختها شقيقة الفضل سنة ٤٦ وزفت اليه سنة ٤٧. واضعف الحفصيين الثورات والفتن والحت عليهم عبد الواد بالغارات. فتحركت مرين لنصرة الحفصيين حتى اذا غلبت على تلمسان وحاورت الحفصيين اربى اضرارها بهم على عبد الواد. ففي سنة ٦٩٩

стр. 773

كانت واقعة جبل الزان بين مرين وابي زكريا المنتخب انهزم فيها. ومات بها خلق كثير حتى سمي المعترك "مرسى الرؤوس". وفي سنة ٧٠١ خرج أبو يحي أخو السلطان يوسف المريني الى بجاية. فضايقها. وبلغ تاقرارت من وطن سدويكش. وخشي أبو عصيدة على ممالكه. فصانع السلطان يوسف. وأوفد عليه رسله سنة ٧٠٣ لتجديد عهد الصلة بين الدولتين. واقتفى أثره خالد أمير بجاية. وأوفد رسله أيضا سنة ٧٠٤ فانقبضت مرين يومئذ عن بجاية الى سنة ٤٨ حيث استولى ابو الحسن على تونس ومحا الدولة الحفصية. ثم ثار عليه العرب بافريقية وابنه ابو عنان بالمغرب. فاضطر لتسليم الممالك الحفصية فعادت الى أهلها سنة ٧٥٠. وفي سنة ٥٣ ملك أبو عنان تلمسان. ونزل لمدية فوفد عليه أمير بجاية أبو عبد الله محمد. وكانت بينهما صداقة منذ كان في منفاه بندرومة. فشكا اليه سوء طاعة جنده وبطانته وامتناع رعيته من الجباية، فكلف ابو عنان من يزين له النزول عن بجاية واستبدال بعض ولايات المغرب بها، فتنازل عنها لابي عنان على ان يلي مكناسة فلم يف له بعهده. وبامتلاك أبي عنان بجاية فتح باب شر على قسنطينة فوالى عليها غاراته الى ان اشتد مرضه بفاس وظن وزراؤه هلاكه منه. فكتبوا الى عبد الله الياباني سنة ٥٧ بالاقلاع عن قسنطينة وارجف بموت السلطان فأحرق عبد الله مجانيقه. وارتحل لا يلوي على شيء، وكان القائد موسى بن ابراهيم بوادي القطن. فسرح اليه ابو العباس أحمد أمير قسنطينة أخاه زكريا. فبيته في ذي الحجة وقتل طائفة من اركان جيشه، وأبل ابو عنان من مرضه، فآسفته هذه الواقعة، وخرج بنفسه الى قسنطينة، فاستولى عليها، وفتحت قواده تونس، وخرج سلطانها

стр. 774

ابراهيم الثاني، فجمع جموعه، وقصد ابا عنان، فبلغ فحص تبسة، ولكن مرين تسللت الى مغربها، فاضطر ابو عنان الى العهود، فانكفأ ابراهيم الى تونس، وطرد منها مرين، وكل ذلك سنة ٥٨ وأعاد ابو عنان جيوشه الى افريقية سنة ٥٩ فلم تتجاوز عمل بونة، وبعد موته خرجت مرين من الممالك الحفصية، فلم تطأها بعد، وعادت الكرة للحفصيين، فطمع سلطانهم عزوز سنة ٨٢٧ في فاس حتى دافعه صاحبها عبد الحق ببيعته. واما عبد الواد فقد أغضبها الحفصيون بتقوية مغراوة وتوجين عليها وأطمعها الجوار في ممالكهم، فأخذت تدبر لهم الثورات وتردد عليهم الغارات حتى ملكت عليهم كثيرا من أعمال بجاية، وطمعت في فتح بجاية نفسها، وحافظت أولا على الدعاء لهم حتى والى ابو عصيدة السلطان يوسف وهو محاصر لها بتلمسان. فقطع ابو زيان الاول دعوتهم الى ان دخل السلطان عزوز تلمسان سنة ٨٢٧ فبايعه صاحبها. وفي سنة ٦٧٧ قدم ابراهيم بن ابي زكرياء الاول من الاندلس طالبا للخلافة بتونس، فنزل على يغمراسن، فبايعه ووعده المظاهرة على شأنه، وخطب منه ابنته لابنه عثمان، فزفت اليه من تونس سنة ٨١ ولما قتل ايام الدعي فر ابنه ابو زكريا الى صهره عثمان، فأكرم مثواه، ثم بويع بتونس عمر الاول، فوفد على ابي زكريا من حرضه على الثورة عليه، فلم يأذن له صهره عثمان. فتظاهر ذات يوم بالصيد. ولحق بالعرب الذين أعانوه على امتلاك بجاية. وأصبح يغير على تونس. فاستاء عثمان. وجدد بيعته لابي حفص عمر فطلب منه اشغال ابي زكريا عنه بالغارة على بجاية. فحاصرها عثمان سنة ٨٦ سبعة أيام، فاضطر أبو زكريا لترك افريقية. واقلعت جيوش عثمان الى تلمسان. فلما ولي ابو عصيدة أجلب على ابي زكريا. فتوسل الى عثمان بالصهر. وعقد معه سلما. وتفرغ لدفاع ابي عصيدة.

стр. 775

واشتد طلب عبد الواد لبجاية ايام ابي حمو الاول وابنه ابي تاشفين. وانتهى ايام أبي حمو الثاني. ففي سنة ٧٠٩ استخلف خالد الاول على بجاية عبد الرحمن بن خلوف. فحاربه ابو حمو. واستولى على دلس سنة ١٢. وارسل اليه سنة ٧١٠ صاحب قسنطينة ابو بكر مولاه سعيد بن يخلف في اتصال اليد على ابن الخلوف. تم قتله ابو بكر ودخل بجاية. فوفد على ابي حمو صنهاجة واولاد سباع بن يحي مغرين له بابي بكر. فادعى عليه انه شرط بجاية لنفسه لما وفد عليه مولاه سعيد. وجهز الجيوش لحصارها. ثم جاوزها ففتحوا جبل ابن ثابت سنة ١٣ وبلغوا بونة. وحاصروا قسنطينة. وشيدوا في قفولهم حصنا بأصفون لحصار بجاية. فهدمه ابو بكر سنة ١٤. وأعاد غارته سنة ١٥ لكن ثورة ابن عمه محمد بن يوسف بن يغمراسن اضطرته الى استرجاع جنوده. فشغل بها حتى هلك. ووصل ابو بكر يده بمحمد بن يوسف وسوغه سهام يغمراسن بافريقبة. ثم قتله ابو تاشفين الاول سنة ١٩ وتفرغ للغارة على بجاية وما وراءها شرقا كل عام فيما بين سنتي ١٩ - ٣٢ وابتنى في طريقها على واديها الحصون. وشغل ابا بكر باطماع ذوي قرابته في ملك تونس. فأسس حصن بكر سنة ٢١ ونزل عليه أبو ضربة سنة ٣٢ طامعا في استرجاع ملكه. فجهزه بما يحتاج اليه. فهزمه ابو بكر برغيس بين بونة وقسنطينة. فعاد الى تلمسان وبها مات. ثم نزل عليه ابراهيم بن ابي بكر بن عبد الرحمن الحفصي سنة ٢٤ فاعانه ايضا بالجنود والقواد وانحصر منهم ابو بكر في قسنطينة. فدخل ابراهيم تونس في رجب سنة ٢٥ واقلعت عبد الواد عن قسنطينة فخرج ابو بكر واسترجع تونس في شوال. وفي سنة ٢٦ اختط بخميس تيكلات حصنا أعظم من حصن بكر واقرب منه الى بجاية. وسماه تيمززدكت

стр. 776

باسم الحصن الذي قتل عليه الخليفة السعيد سنة ٦٤٦ وشحنه بالرجال والاقوات والذخائر. وقصدته جيوش أبي بكر سنة ٢٧ فانهزمت شر هزيمة. وبنى سنة ٢٩ حصنا آخر بالياقوتة قبالة بجاية. وسرح سنة ٣٠ محمد بن ابي بكر بن ابي عمران الحفصي لامتلاك تونس. فهزم ابا بكر بالرياش من ناحية مرماجنة. ودخل تونس في صفر. ونجا ابو بكر الى بونة. وركب البحر الى بجاية، واوفد ابنه ابا زكريا على ابي سعيد المريني. فوعده الاعانة. ولكن ابا بكر استعاد تونس في رجب ثم توفي ابو سعيد وخلفه ابنه ابو الحسن. فخاطب ابا تاشفين في الاقلاع عن بجاية. فرد شفاعته فنهض اليه سنة ٣٢ ونزل بتسالة وبعث المدد في البحر الى بجاية. وجاء ابو بكر من تونس وسرح السرايا من بجاية لتخريب الحصون المقامة لحصارها وقد انقبضت عنها الحامية الى تلمسان، فخربها وغنم ذخائرها وزحف الى المسيلة موطن اولاد سباع شيعة عبد الواد. فخرب أسوارها. وقفل الى تونس في شوال ولم يجتمع بابي الحسن الذي شغل عن تلمسان بثورة أخيه أبي علي. ولما استولى أبو عنان على تلمسان سنة ٥٣ نجا ابو حمو الثاني الى تونس وصحب ابراهيم الثاني واعانه على اخراج مرين من ميلة وجبل بني ثابت في شوال سنة ٥٨ ثم استقر ابراهيم ببجاية وملك أبو حمو تلمسان ففر بعض مغراوة الى ابراهيم وحماهم من ابي حمو فساء ما بينهما فاغار ابو حمو على بجاية سنة ٦٣ وفتح تدلس وحمزة وبني حسن ثم جهز أبا عبد الله أمير بجاية الاقدم سنة ٦٤ ففتح بجاية سنة ٦٥ ونكر جميل أبي حمو وهو يومئذ مشغول بالفتن. فاخرج قائده من تدلس فسرح اليه جنده سنة ٦٦ فعجزوا عن فتحها. ولكن الامير محمدا جدبه ابن عمه أحمد صاحب قسنطينة من خلفه وأغار على عمله. فاضطر الى موالاة أبي حمو وأعاد له تدلس. وزوج منه

стр. 777

ابنته، فزفت اليه سنة ٦٧ وفيها قتل أحمد الأمير محمدا وملك بجاية. فتظاهر أبو حمو بالانتصار الى صهره وخرج الى حربه في جموع من قبائل بعضها منحرف عنه. وكان مع الامير أحمد أبو زيان بن عم ابي حمو. فأثاره عليه. ومالت اليه مرضى القلوب. فانهزم ابو حمو شر هزيمة خامس ذي الحجة. وشغل بثورة ابن عمه. فلم يطأ جيشه تراب بجاية بعد. وضعفت زناتة آخر القرن الثامن. فعادت الكرة للحفصيين. وفر ابو حمو من ابنه ابي تاشفين وطلب من قائد اسطول بجاية النزول. فأنزله ببستان الرفيع سنة ٨٩ وجاء الامر من الخليفة احمد الاول محاربه بالامس باكرامه وامداده على استرجاع ملكه من ابنه. فاسترجعه سنة ٩٠ وفتح عزوز تلمسان سنة ٨٢٧ وولى بها محمد بن ابي تاشفين الثاني. فقطع بيعته من بعد. فحاربه واعان عليه عمه عبد الواحد فاخرجه من تلمسان سنة ٣١ ثم قتل الامير محمد عمه سنة ٣٣ فخرج اليه عزوز سنة ٣٤ ففتحها وولى بها أحمد بن ابي حمو. ونقل معه الامير محمدا. فاعتقله بقصبة تونس الى أن توفي ونقض أحمد بيعته فخرج اليه سنة ٣٧ ولكنه توفي أثناء سيره بولجة السدرة حيث عين الزال قرب وانشريس. فعاد جيشه بشلوة. وفي ايام ابي عمر عثمان تكررت الهدايا بينه وبين صاحبي فاس وتلمسان. ثم تغلب على تلمسان محمد المتوكل سنة ٦٦ فخرج اليه ابو عمر. وعاد ببيعته. ثم تقضها ووصل يده باعداء ابي عمر من الذواودة وبني سيلين. فخرج اليه أبو عمر سنة ٧٠ وخضعت له في طريقه المدن والبوادي. وبلغ تلمسان في ربيع الثاني سنة ٧١ وبعد قتال شديد عاد المتوكل الى الطاعة وأنكح ابنته دون خطبة حافد السلطان ابا زكريا يحي بن محمد المسعود وقفل السلطان الى تونس في شعبان. وضعفت بعده الدولة الحفصية فلم يكن بين الحفصيين والزيانيين ولاء ولا عداء الى

стр. 778

أن ملك الاتراك الجزائر. فعادت بين الدولتين المحتضرتين مخاطبات في الاتحاد على الاتراك لم تأت بثمرة. والاخبار التي قصصناها تدل على أن عظمة زناتة اضرت بالحفصيين وعظمة الحفصيين أضرت بزناتة وان قوتيهما لم تجتمعا في عصر واحد. ولعل السر في ذلك أن افريقية الشمالية لا تحتمل اكثر من دولة واحدة، ولا تصلح الا بادارة قوية متحدة مثل الادارة المؤمنية. ٦ - سقوط الدولة الحفصية عرفت الدولة الحفصية في حياتها دور الصعود والعظمة الى خلع الواثق. ثم دور الاضطراب والفتن الى خلافة أحمد الاول. ثم دور الانتعاش الى موت ابي عمر عثمان. ثم دور الاحتضار الى قبض الاتراك على محمد السادس. ومن غرائب الاتفاق ان الدولة العثمانية التي حلت محل الحفصيين انتهت ايضا بخلع محمد السادس وحيد الدين. وليس لخلفاء هذا الدور الاخير كبير نفوذ بالجزائر. وكان من امرائهم بقسنطينة عبد العزيز. وعلى عهده احتلت اسبانيا بجاية ودلس والجزائر سنة ٩١٥ (١٥١٠ م) من غير مقاومة حفصية. وانتقل عبد العزيز الى قلعة بني عباس لمضايقة بجاية. وبها توفي سنة ٩٦٦ وهي قلعة حصينة جنوبها سهل مجانة الغني وتهيمن على الطرق الرابطة بين بجاية وقسنطينة والجزائر. وقلعة بني حماد بعيدة عنها الى الجنوب الشرقي من برج بوعريريج. وهي في الشمال الغربي منه. وقد غلط صاحب تحفة الزائر. فظنها اياها. وفي سنة ٩١٩ ملكت اسبانيا جيجل. والامير الحفصي يومئذ بقسنطينة ابو بكر. وفي سنة ٤١ تنازل الحسن لها عن بونة. فتم خروج الجزائر من ايدي الحفصيين، ومدتهم بها

стр. 779

ما بين سنتي ٦٢٨ - ٩٤١ ثلاث عشرة وثلاثمائة سنة. ومدتهم بتونس ما بين سنتي ٦٢٧ - ٩٨١ اربع وخمسون وثلاثمائة. وعلة سقوط دولتهم امتناع بداة العرب والبربر من الجباية، وقلة اهتمام الخلفاء بالدولة، وانقطاعهم الى لذاتهم الشخصية، ووقوعهم بين دولتين عظيمتين هما اسبانيا غربا والعثمانيون شرقا. ورائد العثمانيين الى المغرب هو بربروس، كان معنيا بغزو مراكب النصارى البحرية ومدائنهم الساحلية، واعجبه موقع تونس، فاستمال صاحبها محمد بن الحسن بالهدايا ومنحه خمس الغنائم، ونزل عليه. ولحق به أخوه خير الدين، وكثرت أمواله وجنوده فهاجم بجاية وبقية السواحل التي ملكتها اسبانيا، وسر به الحفصيون والامة، فوصل يده بابي بكر وعبد العزيز أميري قسنطينة والقلعة واستدعته كتامة لاسترجاع جيجل، فملكها سنة ٢٠ واتخذها مركز حركته ثم ملك الجزائر سنة ٢٢ وبعث بفتحها الى السلطان سليم العثماني، فولاه بها، وكان ذلك أول قدم للدولة العثمانية بالجزائر، واغضب صنيع بربروس الحفصيين، فوصلوا ايديهم بملوك تلمسان واستمالوا أحمد بن القاضي أعظم زعماء البربر يومئذ، ولم تفدهم هذه السياسة غير التشويش على الاتراك وتعطيل هجومهم على تونس. وهنا نلخص عن القيرواني والدمشقي ما بين حياة الخلفاء المتأخرين وموقفهم بين الاتراك والاسبان قال القيرواني ما ملخصه: " لما ولي يحي بن محمد المسعود جاءته بيعة بلد العناب وقابس وصفاقس، ودانت له البلاد، وخرج أكثرها عن محمد بن اخيه، وملك الاتراك الجزائر واضطربت على ابنه الحسن البلاد، وخرجت عنه سوسة والقيروان، وملك الاتراك قسنطينة ودخلوا عليه تونس سنة ٩٣٥ فاحتمى بملك اسبانيا، فأخرجهم عنه سنة ٤١ واستقدمت

стр. 780

بطانة ابنه أحمد علي باشا الجزائر، فملك تونس سنة ٧٧ واستنجد أحمد اسبانيا، فاشترطت عليه شروطا اباها. وقبلها أخوه محمد، فأدخلوه تونس وفر عنها الأتراك ثانية الى أن قدم الوزير سنان باشا من الأستانة في ربيع الأول سنة ٨١ واجتمع اليه الاتراك والعرب والبربر من الجزائر وتونس وطرابلس، ففتح برج الاسبان بحلق الوادي سادس جمادى الأولى ثم قلعة البستيون المتحكمة في تونس في الخامس والعشرين منه " اهـ. وقال الدمشقي في أخبار الدول ما خلاصته: "كان محمد بن الحسن مشتغلا باللهو والخمر مهملا لأمور الملك، وترك خمسة واربعين ذكرا، خلفه منهم الحسن فقتل أخوته لم ينج منهم الا الرشيد وعبد المؤمن لغيبتهما، واشتغل بالخمور والفجور وجمع حوله أكثر من أربعمائة أمرد، فمالت عنه الأمة الى الرشيد. " ولجأ الرشيد الى خير الدين صاحب الجزائر. واستعان به على حرب أخيه. فشكاه الحسن الى سلطانه سليمان. فاستقدمه، وأمره باستصحاب الرشيد ليمسكه عنده. ولكن خير الدين لما وفد عليه زين له امتلاك تونس ليتمكن من التحكم في البحر، وعرفه سخط الامة على الحسن. فاذن له. " وجاء خير الدين تونس. فكاد أهلها بانه آتى بالرشيد. فملك المدينة. وفر الحسن الى اخواله من العرب. ثم شعروا بالمكيدة. فأغار الحسن على تونس من غير طائل. ثم لحق بملك اسبانيا مستنجدا. فاستقبحت الامة فعل الحسن. واخلصت لخير الدين. ولكن قوة اسبانيا كانت فوق الطوق. فانهزم خير الدين بعد حروب. ودخل ملك اسبانيا والحسن تونس حوالي سنة ٤٠ ثم عاد الملك بنفائس الذخائر. وكثر عدد الاسبان بتونس، وابتنوا مدينة مسورة، وتضرر بهم عامة المسلمين.

стр. 781

"وثارت القيروان على الحسن. فخرج لاخمادها. فقدم الناس بعده ولده حميدة (أحمد) ولحق هو باسبانيا. واتى منها بعمارة حاصرت تونس. وبعد حروب انتصر حميدة. وأسر اباه. ثم تغيرت سيرته. فمد عينه الى الحريم، وجمع حوله أكثر من ثلاثمائة بنت، فنكرته الامة، وانتظرت خروجه لقتال العرب فاستقدمت علي باشا الجزائر. فاستولى على تونس في شوال سنة ٧٨ (في غيره ٧٧ (. " واستنجد حميدة اسبانيا. فأنجدته. وفتحت تونس، لكنها ولت مكانه أخاه محمدا صورة من غير مال ولا رجال. والامر كله للاسبان، وعاود الاتراك غزو تونس، فنزلوا عليها في ربيع الاول سنة ٨٢ (في غيره ٨١) وبعد حروب شداد استولوا على تونس، وأسروا قائدها الاسباني وبعثوا بالسلطان محمد الى الاستانة فانتهى به أمر الحفصيين " اهـ.

стр. 782

الباب السابع في دولة بني مرين

стр. 783

١ - بنو مرين بنو مرين قوم بداة كانوا أعزاء على الدولة المؤمنية. ودخل بهم كبيرهم عبد الحق بن محيو تل المغرب الاقصى سنة ٦١٠ على حين ضعف الدولة، وأعلن الحرب عليها سنة ١٣ وقتل سنة ١٤ فخلفه ابنه عثمان، وتغلب على الضواحي وكثير من القبائل، واغتيل سنة ٣٧ فخلفه أخوه أبو معرف محمد، وقتل في حرب الدولة سنة ٤٢ فخلفه أخوه أبو يحي ابو بكر، فبايع أبا زكريا الحفصي. واستولى على فاس. ومات سنة ٥٦ فخلفه ابنه عمر. وخلع سنة ٥٧ وبويع عمه يعقوب ابن عبد الحق. ففتح مراكش سنة ٦٨ وتلقب بامير المسلمين. فكان هو أول ملوك هذه الدولة المرينية. واصبح لقبه شعار ملوكها. وكانت مملكة بني مرين تشتمل على المغرب الاقصى وجهات من الاندلس الاسلامية غير تابعة لبني الاحمر ملوك غرناطة. وعاصمتها فاس. وعني الملوك الاولون برفاهيتها وسعادتها، فأقاموا العدل ورفعوا المكوس. وأعانهم غنى المملكة الطبيعي واتصالها بالاندلسيين العريقين في التمدن. وللحكومة علاقات ودية ومهاداة مع دول مصر والسودان وتونس ولكن جوارها لدولتي تلمسان وغرناطة كان يحدث لها معهما مشاكل. وقربها من تلمسان جعل ايام السلم معها قليلة وكان بغرناطة جيش عظيم

стр. 784

من مجاهدي زناتة يرأسه بنو عبد الحق من مرين. فربما تحكمت في دولة فاس. بما لديها من القرابة المرشحين للملك. واقتفت الحكومة آثار الدول قبلها في النظم الادارية والقضائية والمالية والحربية. وأيامها ظهر البارود. واستعمله يعقوب بن عبد الحق في حصار سجلماسة سنة ٦٧٢ وصنع لابنه يوسف في حصاره تلمسان سنة ٦٩٧ قوسا عظيمة بعيدة النزع توقر على احد عشر بغلا. سموها قوس الزيار. ولم يزل ملوك هذه الدولة عظاما حتى هلك ابو عنان منهم. فاختلفت حال من بعده قوة وضعفا. وربما تغلب على الامر الوزراء، وقدموا الملك الصبيان صورة. وربما استقل عن صاحب فاس بعض منازعيه بسجلماسة ومراكش، فاختلت الاحوال واعتلت الدولة حتى افضى الامر الى عبد الحق بن ابي سعيد عثمان فاقصى عن الحكومة بني وطاس. وولى رئاسة دولته هارون اليهودي وساء أثره في المسلمين فثاروا به وبسلطانه، وقتلوهما سنة ٨٦٩ (١٤٦٥ م) وبايعوا محمد بن علي الادريسي، فانقرضت بذلك دولة بني عبد الحق، واومض برق الخلافة الادريسية، لكنه كان خلبا. فان محمدا الشيخ الوطاسي استولى على فاس سنة ٨٧٦ وأعاد اليها ملك بني مرين. فلم يزل الامر للوطاسيين الى أن تغلب على فاس محمد الشيخ السعدي سنة ٩٦١) ١٥٥٤ م) فانقرضت دولة مرين. وخلفتها دولة السعديين. ولو دامت الدولات كانوا كغيرهم ... رعايا .. ولكن ما لهن دوام

стр. 785

بنو عبد الحق الملك ... هـ ...... م يعقوب بن عبد الحق ابنه يوسف ... ٦٥٧ ... ١٢٥٩ عامر بن عبد الله يوسف ٦٨٥ ... ١٢٨٦ أخوه سليمان ٧٠٦ ... ١٣٠٧ عثمان بن يعقوب بن ... ٧٠٨ ... ١٣٠٨ عبد الحق ... ٧١٠ ... ١٣١٠ ابنه ابو الحسن علي ... ٧٣١ ... ١٣٣١ ابنه ابو عنان فارس ... ٧٤٩ ... ١٣٤٨ ابنه ابو بكر السعيد ٧٥٩ ... ١٣٥٨ عمه ابرهيم بن ابي الحسن ... ٧٦٠ ... ١٣٥٩ أخوه تاشفين ... ٧٦٢ ... ١٣٦١ ابو زيان محمد بن يعقوب بن ابي الحسن ٧٦٣ ... ١٣٦١ عبد العزيز بن ابي الحسن ... ٧٦٨ ... ١٣٦٦ ابنه ابو زيان محمد الثاني ... ٧٧٤ ... ١٣٧٢ احمد بن ابرهيم بن ابي الحسن ... ٧٧٦ ... ١٣٧٤ موسى بن ابي عنان ٧٨٦ ... ١٣٨٤ ابو زيان الثالث بن احمد ... ٧٨٨ ... ١٣٨٦ أبو زيان الرابع بن أبي الفضل بن ابي الحسن ٧٨٨ ... ١٣٨٦ عود احمد بن ابرهيم ٧٨٩ ... ١٣٨٧ ابنه عبد العزيز الثان ... ٧٩٦ ... ١٣٩٣ اخوه أبو عامر عبد الله ... ٧٩٩ ... ١٣٩٦ أخوهما عثمان الثاني ... ٨٠٠ ... ١٣٩٨ ابنه عبد الحق ... ٨٢٣ ... ١٣٢٠ السقوط ... ٨٦٩ ... ١٤٦٥ بنو وطاس محمد الشيخ بن ابي زكر يا ... ٨٧٦ ... ١٤٧٢ ابنه محمد البرتقالي ... ٩١٠ ... ١٥٤٠ اخوه أبو حسون علي ... ٩٣١ ... ١٥٢٥ احمد بن محمد البرتقالي ... ٩٣٢ ... ١٥٢٦ الاستيلاء السعدي الاول ... ٩٥٦ ... ١٥٤٩ عود ابي حسون ... ٩٦١ ... ١٥٥٤ ٢٠ - نقد مضروب بتامسان في أحد وجهيه اسم " أمير المؤمنين ابو الربيع سليمان " وفي الآخر "المتوكل على الله أمير المسلمين ابو عبد الله محمد".

стр. 786

٢ - بنو مرين بالجزائر الضغائن بين مرين وعبد الواد قديمة، ناشئة عن الجوار في الوطن ثم في الملك وعن المنافسة في الاستقلال برئاسة زناتة، فكثرت الحروب بينهما، وكان ملك مرين أعظم، فكان الفوز لهم غالبا، فلما احتضر يغمراسن اوصى خلفه بمسالمة مرين والتوسع في مملكة الحفصيين، لكن مرين التي لا يرضيها مقاسمة عبد الواد لها رئاسة زناتة كانت تتجنى عليهم تارة بانهم آووا ثائرا عليها، ولم يكن يومئذ تسليم المجرمين السياسيين من الحقوق المقررة بين الدول، وأخرى بأنهم ردوا شفاعتها في مجرم سياسي من رعاياهم أو في تخلية سبيل الممالك الحفصية، فلم يكن في اماكان عبد الواد ارضاؤها، وكانت أيام السلم بينهما هي أيام اشتغالهما بفتن داخلية. وقعت بين يغمراسهن وابي يحي واقعتا اسلي قرب وجدة سنة ٦٤٨ وابي سليط سنة ٥٥ ثم وقعت بينه وبين يعقوب واقعه ناحية تازا سنة ٥٧ واصطلحا سنة ٥٨ ثم تحاربا بوادي تلاغ قرب ملوية سنة ٦٦٦ وعزم يعقوب بعدها على فتح تلمسان، فتهيأ له يغمراسن، فمال الى الصلح، لكن يغمراسن كتب اليه: فلا صلح حتى نروي السيف والقنا ... وتأخذب الواد منكم بثارها وأشفي غليلي من مرين التي طغت ... بسبي غوانيها وقتل خيارها فكانت بينهما واقعة اسلي سنة ٧٠ انتصر فيها يعقوب، وحاصر تلمسان ثلاثة أيام وثلاثة أشهر، ووفد عليه محمد بن عبد القوي التوجيني، فاختلفت أيدي مرين وتوجين على العيث في ساحة تلمسان،

стр. 787

ثم أقلعوا عنها، وانعقد الصلح بين الفريقين سنة ٧٣ وانتقم يغمراسن من توجين. ثم ان يعقوب عزم على الجواز الى الاندلس، فارسل الى يغمراسن في تأكيد الصلح رسالة منها هذان البيتان: فلتترك الناس الى جهادهم ... مؤملين في حمى بلادهم واقعد ولا تنهض الى توجين ... فانها في العهد مع مرين فأحفظ يغمراسن حمايته لتوجين وهي من رعيته. ونقض الصلح. فكانت بينهما واقعة الملعب سنة ٨٠ والملعب ميدان لعب الخيل باحواز تلمسان. وانهزم يغمراسن فانحصر بتلمسان أياما. وشاركت توجين مرين ايضا في اعمال الفساد، ثم عاد كل الى مقره. وانتقم يغمراسن من توجين. وتوفي، واوصى ابنه عثمان بمسالمة مرين، فعقد السلم مع يعقوب سنة ٨٤. ثم آوى عثمان بعض الثوار على يوسف بن يعقوب، فخرج يوسف سنة ٨٩ الى تلمسان، وحاصرها ستة عشر يوما اصابت فيها ايدي الجيش نواحيها بالنهب والتخريب، ووفد ثابت بن منديل المغراوي على يوسف سنة ٩٤ مستصرخا به على عثمان، فارسل اليه بالشفاعة فيه، فردها عثمان، وخرج يوسف منتقما منه سنة ٩٥ فحاصر ندرومة اربعين يوما، ثم حاصر تلمسان سنة ٩٦ اياما ثم نصب عليها قوس الزيار في رجب سنة ٩٧ وحاصرها سنة أشهر، وانزل جيوشه بوجدة للغارة على مملكة تلمسان. وفي رجب سنة ٩٨ خضعت ندرومة لبني مرين لاضرار غارات العسكر بها وفي شعبان نزل يوسف على تلمسان، واقام محاصرا لها الى ان قتله احد خصيانه في ذي القعدة سنة ٧٠٦. وأعظم آفات الملوك عبيدها وملكت مرين في هذه المدة كل مملكة تلمسان ما عدا المدينة

стр. 788

ودخلت جيوشها مملكة بجاية، فملكت ندرومة وهنين سنة ٩٨ ووهران ومستغانم ومزغران وتنس ومليانة سنة ٩٩ والقصبات وبرشك وشرشال ووانشريس ومازونة والبطحاء وتامزقدت سنة ٧٠٠ وتفرقينت ولمدية سنة ٧٠٣ ولما قتل يعقوب رغب في الملك كل من أخيه ابي يحي وابنه ابي سالم وحافده ابي ثابت عامر، فراسل عامر بني عبد الواد في تخلية ممالكهم على ان يؤيدوه، ففعلوا، وتم له الامر، ووفى لهم بالعهد، وبقيت السلم بين الدولتين الى أن نقضها ابو سعيد عثمان، فأغار سنة ٧١٤ على تلمسان وبلغ الملعب، وعاثت جيوشه في الجهات قتلا ونهبا، وفتحوا معاقل بني يزناسن ثم عادوا الى فاس. واستولت مرين من بعد على تلمسان ست مرات وعلى الجزائر الحفصية مرتين وتداخلت بعد ابي حمو الثاني في أمر العرش ونصبت حمايتها على المستعينين بها على الملك، ثم ضعفت عن ذلك حتى انها احتمت بالدولة الحفصية. ولم تجن الجزائر من تداخل مرين في أمرها غير تخريب قصور ونسف عمران الى تعطيل حركة الانتاج وسير الاقتصاد الى افساد الرعايا ونشر الفوضى الى اضعاف الحكومة الشرعية وشغلها عن ترقية ممالكها. وقد ترك يوسف بن يعقوب وابو الحسن ابن أخيه بالجزائر آثارا، منها ابتناء قصبة لمدية سنة ٧٠٤ ومنها تأسيس المنصورة سنة ٧٠٠ حيث المعسكر المحاصر لتلمسان، بني اولا قصر السلطان بمضرب قبابه وبازائه جامع كبير ومنارة عظيمة على رأسها تفافيح من ذهب بسبعمائة دينار، وادير على القصر والجامع سور وابتنى الناس حوله المنازل والقصور وغرسوا البساتين وأجروا المياه وادير على ذلك سور سنة ٧٠٢ فكانت مصرا من أعظم الامصار عمرانا ونفاق أسواق، ذات حمامات وخانات ومارستان، وخربها من بعد بنو عبد الواد وطمسوا معالها.

стр. 789

ومنها البرج الاحمر وبرج المرسى بوهران بناهما ابو الحسن سنة ٧٤٨ وبني في حصاره لتلمسات مدينة غربيها سماها ايضا المنصور. وخربت ايضا وبقي بعض آثاره المدهشة. وما هدمت مرين من المجتمع الجزائري لا تجبره أمثال تلك البناءات قال تعالى- ومن أصدق من الله قيلا-: ﴿ان الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلكيفعلون﴾. ـ[صورة]ـ (ش ٤١) داخل الجامع الأعظم في تلمسان

стр. 790

ـ[صورة]ـ (ش ٤٢) الجامع الأعظم في تلمسان. ـ[صورة]ـ (ش ٤٣) ضريح السلطان في تلمسان.

стр. 791

٣ - استيلاء أبي الحسن على الجزائر كان أبو تاشفين الاول يكثر الاغارة على الممالك الحفصية ويحاول فتح بجاية. فخشيت مرين عاقبة تغلبه على الحفصيين. واوفد ابو يحي ابو بكر الحفصي وفد على أبي سعيد المريني مستغيثا سنة ٧٣٠ فتظاهرا على أبي تاشفين. وأحكما التظاهر بالتصاهر. وعزما على استئصال دولة عبد الواد. ومات أبو سعيد دون أمنية. وخلفه ابنه أبو الحسن فخاطب ابا تاشفين في الرجوع الى حدود مملكته القديمة وتسليم ما تغلب عليه لصاحب تونس. فأبى ونهض ابو الحسن الى تلمسان. فجاوزها الى تسالة. ونزل هنالك في شعبان سنة ٣٢ واغارت أساطيله على السواحل. وارسل الى أبي يحي في الملاقاة وجمع قوة الدولتين على فتح تلمسان. فاسترجع ابو يحي ممالكه ولم يتقدم إلى تلمسان. واثار أبو تاشفين ابا علي أمير سجلماسة على أخيه الحسن. فارتحل ابو الحسن لاطفاء ثورته. وفي سنة ٣٥ عاد ابو الحسن الى تلمسان. فحاصر وجدة. واستولى على ندرومة وهنين. ونزل تسالة وبايعته توجين ومغراوة وانبثت سراياه في الجهات. فاخضعت له سنة ٣٦ وهران وتنس ومليانة والجزائر ولمدية ووانشريس وشلف وسائر المغرب الاوسط. فولى بها العمال. وتوجه لحصار تلمسان. فخندق على معسكره وابتنى المنصورة لسكناه وسكنى جيوشه. وبعد وقائع تمكن من فتح تلمسان. فدخلها في رمضاتن سنة ٣٧ ونزل بالجامع. وقبض أيدي الجند عن الفساد ورفع القتل عن بني عبد الواد. واستلحقهم بجيشه. وابقاهم على مراتبهم. وفرض لهم العطاء. فاذعنوا وصدورهم تكاد تميز من الحقد. وبلغ أبا الحسن ان ابا يحيى وافد عليه للتهنئة. فلاقاه سنة ٣٨

стр. 792

الى متيجة وطال مقامه بها حتى مرض. وحذر أبا يحي وزراؤه من هذه الوفادة. فانقبض عنها. وظن عبد الرحمن يعقوب بن ابي الحسن ان اباه هالك. فتوثب على الامر منافسة لاخيه ابي مالك. فتدارك ابو الحسن الامر، وفر ابنه الى موسى بن ابي الفضل أمير بني يزيد بسهل حمزة. فرده عليه، وحبس بوجدة. ثم قتل سنة ٧٤٢ وأيس أبو الحسن من وفادة ابي يحي. فعاد الى منصورته. وكان بنو عامر منحرفين عن الطاعة لمكان سويد منافسيهم. ففر اليهم ابن هيدور جازر الى عمد الرحمن، وادعى انه هو، فبايعه شيخهم صغير بن عامر، وزحف به على لمدية، فهزم قائدها، وجهز ابو الحسن ونزمار بن عريف في قومه سويد. فقضى على الثورة. ولحق ابن هيدور الدعي بزواوة فافتضح. فانتقل الى الذواودة فبعث ابو يحي الحفصي خدمة لابي الحسن الى يعقوب ابن علي من كشف له أمر الدعي. فأشخصه الى أبي الحسن سنة ٤٠ وهو يومئذ بسبتة. فقطعه من خلاف. وهلك سنة ٦٨. وعني ابو الحسن بالجهاد وفي نفسه تشوقا الى امتلاك تونس. وانما أقعده عنها مكان صهره ابي يحي. ففي سنة ٧٤٧ مات ابو يحي، وتغلب على الامر ابنه عمر، وقتل أخاه أحمد ولي العهد، فتعلق ابو الحسن بهذا السبب، وعقد على تلمسان والمغرب الاوسط لابنه ابي عنان، وفوض اليه ادارتها، وفصل منها في صفر سنة ٤٨ فأتته بوهران بيعات أمراء الجريد وجربة وقابس وطرابلس، ووفد عليه بارض بني حسن من نواحي البرواقية اعيان الجزائر ويعقوب ابن علي الذوادي ومنصور بن مزني، فولى على جباية الجزائر مسعود ابن ابرهيم اليرنياني من طبقة الوزراء، وتلقاه بساحة بجاية أميرها محمد لما لم يجد نصيرا، فنقله عزيزا مكرما الى ندرومة واوصى ابنه ابا عنان بالاحسان اليه.

стр. 793

دخل ابو الحسن بجاية، فوضع عن أهلها ربع المغرم وولى عليها محمد بن النوار من طبقة الوزراء، وترك له حامية، وتقدم الى قسنطينة، فتلقاه أميرها ابو زيد في أخوته مبايعين. فنقلهم الى وجدة. واقطعهم جبايتها، وولى على قسنطينة محمد بن العباس. وانزل ممه بني عسكر. واقر صهره الفضل على بونة. وتقدم الى تونس فملكها وأقام بها الى شوال سنة ٥٠ وفي هذه المدة اجتمع له ملك المغرب. ولم يجتمع لاحد بعد بني عبد المؤمن غيره. وفي محرم سنة ٤٩ هزم العرب ابا الحسن على القيروان هزيمة منكرة. وكان بعسكره بنو عبد الواد وتوجين ومغراوة. فكانت لهم يد في جر الهزيمة عليه لسلبه اياهم ملكهم. وارجف بموته. فدعا ابنه ابو عنان لنفسه وثار عليه صهره الفضل بن ابي يحي الذي أقره على بونة وكان الفضل يرى أنه سينزل له عن ملك تونس، ولا يغتصبه عرش سلفه، فاستولى على قسنطينة وبجاية، واخرج منها مرين واخذ يجلب على تونس. وارتحل ابو عنان الى فاس، وترك على تلمسان عثمان بن جرار من أولاد طاع الله من بني عبد الواد، واجتمع بظاهر تونس بنو عبد الواد، فبايعوا عثمان بن عبد الرحمن. وتحالفوا مع مغراوة وتوجين، وهدروا ما بينهم من دماء، وارتحلوا في زهاء خمسمائة فارس الى مواطنهم، فقتلوا عمال مرين، ودعا عثمان بن جرار لنفسه. فنكر الناس دعوته لكونه لا سلف له في الملك، فكان ذلك مما أعان عثمان ابن عبد الرحمن عليه، فغلبه على تلمسان. ودخلها في جمادى الثانية سنة ٤٩ وقتله غريقا. وعقد سلما مع ابي عنان على أن يمنع اباه عنه. ولم يبق بعد واقحة القيروان على بيعة ابي الحسن غير مدينة

стр. 794

الجزائر ووهران ووانشريس. فسرح اليها ابنه الناصر مع يعقوب بن علي وعريف بن يحي. فاطاعته حصين والعطاف والديالم وسويد. وتجهوا نحو منداس. فلقيهم الزعيم بقومه عبد الواد. وقد أمده ابو عنان بالمال والرجال. فانهزم الناصر على وادي ورك من أرض العطاف آخر ربيع الاول سنة ٥٠ وانقلب الى تونس. وخضع العرب للزعيم فتوجه الى وهران. وقد امتنع بها قائدها عبو بن سعيد بن اجانا حتى مات وخلفه أخوه علي. فدخلها الزعيم عنوة في جمادى الاولى. وعفا عن علي. وفي شوال خرج ابو الحسن الى الجزائر بحرا. وترك بتونس ابنه ابا الفضل فغرق اسطوله بساحل زواوة. ونجا في بعض رجاله عراة الى جزيرة. فأدركه بعض اجفانه. ولحق بالجزائر. وامد ابو عنان ابا ثابت الزعيم. فخرج في ربيع الاول سنة ٥١ الى منداس والسرسو وتيطري وحمزة. فاخضعها. وقفل فدخل تلمسان في رجب. ونهض أبو الحسن بعد قفوله. وامامه ابنه الناصر. فاستولى على لمدية ومليانة وتيمزوغت. فاتحدت مغراوة مع عبد الواد. وتكفل الزعيم بلقاء ابي الحسن وعلي بن راشد المغراوي بلقاء الناصر. فالتقى الجمعان بتيغر متين عند شدبونة من وطن شلف في شعبان. فقتل الناصر. ونجا ابو الحسن الى جبل العمور. وأصحر الى سجلماسة. واستولى الزعيم على الجزائر سنة ٥٢ وصرف من بها من مرين الى فاس. وهكذا عادت الجزائر الى اربابها. ٤ - استيلاء أبي عنان على الجزائر لم يتنازل ابو عنان لأبيه بعد تحقق حياته خشية أن يحرمه ولاية عهده فوصل يده بأمراء تلمسان وبجاية وقسنطينة ليكونوا سدا

стр. 795

دون نفوذ ابيه اليه فلم يخلص اليه الا وهو مهيض الجناح. ولكنه شغل به حتى مات سنة ٥٢ فاستقام له الامر. واستعد لاسترجاع ما استولى عليه أبوه. ففي سنة ٥٣ زحف الى تلمسان. وكان ابو دينار سليمان بن علي الذوادي مع أبيه ووفد عليه بعد وفاته. فسرحه بين يديه لحشد رياح. وخرج عثمان من تلمسان بجموعه، فكان اللقاء بسهل انكاد في جمادى الاولى، فانهزم بنو عبد الواد. وأسر ابو عنان سلطانهم عثمان، وقتله لما احتل بتلمسان، ونجا اخوه ابو ثابت من المعركة. فاحتمل الحرم وما خف من الذخيرة. ونزل بشلف على مغراوة، وأخذ في الحشد، فسرح له ابو عنان وزيره فارس بن ميمون. فكانت على شلف معركة شديدة في رجب، ثم هزم الوزير ابا ثابت واستولى على معسكره بما فيه من نساء وأموال ودواب، وقصد الجزائر، فخضعت له، وذهب ابو ثابت في فل من أصحابه مشرقا، وجاء ابو عنان الى لمدية، فأرسل الى أمير بجاية يترصده فقبض عليه وعلى ابي زيان ابن اخيه عثمان ووزيرهم يحي بن داود. وبعثهم الى ابي عنان. فقتلهما في رمضان بتلمسان. واستحيا ابا زيان وانتهت الدولة الثانية لبني عبد الواد. فكانت حياتها على يد أبي حمو الذي نجا الى تونس. ووفد محمد بن يحي أمير بجاية في شعبان على ابي عناد بلمدية لما بينهما من قديم الود. وطمع ان يعينه على تعنت رعيته. فاشار اليه بتسليم بجاية اليه. فأعين للملأ تسليمه. وكتب الى عامله ببجاية بتمكين عمال أبي عنان منها ولسان حاله يقول مكره اخاك! وكان الصنهاجيون أهل الشوكة ببجاية. فولى ابو عنان بها عمر بن علي الوطاسي. وبنو وطاس بنتسبون الى يوسفه بن تاشفين

стр. 796

الصنهاجي. فلم ينخدع الصنهاجيون لهذه المجاملة السياسية. وثاروا بالعامل ومن معه من مرين لكن أعيان بجاية خشوا ابا عنان. فاستدعوا عامله بتدلس يحي بن عمر الونكلسني ليقوم بأمرهم ريثما يولي عليهم ابو عنان. بلغ الخبر ابا عنان. فانهض حاجبه محمد بن أبي عمر في خمسة آلاف فارس في ذي الحجة. وقصدت صنهاجة الى لقاء الحاجب ببني حسن. ثم خامت عن اللقاء ولحق أثافي الفتنة منها بقسنطينة فتونس. ولقي مشيخة بجاية الحاجب بتكلات. فأشخص أهل الظنة منهم الى ابي عنان بتلمسان. ودخل بجاية في المحرم سنة ٥٤ وسكن الاحوال. ووفد عليه يوسف بن مزني والذواودة. ورجع بمن وفد عليه من العرب الى تلمسان في جمادى الاولى. قال ابن خلدون: " وكنت يومئذ في جملتهم. وقد خلع علي الحاجب وحملني واجزل صلتي وضرب لي الفساطيط. فجلس السلطان للوفد واعترض ما جنب له من الجياد والهدية. وكان يوما مشهودا. ثم أسنى جوائز الوفد. واختص يوسف بن مزني ويعقوب بن علي بمزيد البر والكرامة. وائتمرهم في شأن افريقية ومنازلة قسنطينة وانصرف الحاجب بي وبالوفد لاول شعبان " اهـ. واطلق السلطان يد الحاجب في المال والجيش، وولاه حرب قسنطينة وانزل معه موسى بهن ابرهيم اليرنياني من طبقة الوزراء بقرية بني ورار تحت نظره وفي سنة ٥٥ هزم الحاجب أمير قسنطينة. وانتهى الى ميلة. فترك بها موسى بن ابرهيم. وتقلب في عمله حتى بلغ المسيلة وهلك ببجاية فاتح سنة ٥٦ فنقل الى تلمسان. وكان حميد السيرة. وجمع له ابو عنان قبل ولاية بجاية بين العلامة والقيادة والحجابة والسفارة وديوان الجند والحساب والقهرمة وسائر

стр. 797

ألقاب دولته وخصوصيات داره. وأصله تميمي كان سلفه بالمهدية. وانتقلوا الى تونس وتقلبوا في وظائف الدولة. ثم ساءت أحوالهم. فخرج ابوه الى القل. واتصل بالحاجب ابن غمر بالاعجام. فاستعمله في شهادة الديوان بتدلس. ثم لحق بأبي حمو. فاستعمله على قضاء تلمسان الى أن ملكها أبو الحسن. فعزله وعهد اليه بتأديب ابي عنان فنشأ ابنه محمد هذا مع ابي عنان. وكان ذلك سبب نعمته. وولي بجاية بعد ابن ابي عمر الوزير عبد الله بن علي بن سعيد الياباني. فلما كانت وقعة وادي القطن على موسى بن ابرهيم اتهمه بالتقصير في امداده. فعزله ابو عنان واعتقله. وولى مكانه يحي بن ميمون بن أمصمود. وخرج بنفسه الى قسنطينة. ففتحها سنة ٥٨ وولى عليها منصور بن خلوف الياياني المريني. وبايعته بونة. وفتح جيشه تونس في رمضان. فطمع في اللحاق بها شأن ابيه. لكنه لم يحسن سياسة العرب وأراد ارتهان ابنائهم على الطاعة وانتزاع اقطاعاتهم، فخالف عليه يعقوب بن علي، وخشيت مرين ان يلحقها معه في دخول افريقية ما لحقها مع ابيه قبل، فانفضت من حوله واضطر الى الرجوع بعدما تم استيلاؤه على الجزائر وكادت قدمه تثبت بتونس وبقية المغرب. فدخل فاسا في ذي الحجة. ومات بها في السنة التالية. وكان ابو عنان كثيرا ما ينزل بتلمسان. وولى عليها ابنه محمدا المهدي فأخرجه منها ابو حمو الثاني سنة ٦٠ واخرج ابراهيم الثاني الحفصي مرين من بجاية بمساعدة أبي حمو ويعقوب بن علي سنة ٦١ وافضى أمر مرين الى أبي سالم ابراهيم. فنفض يده من هذه الممالك. وكتب الى منصور بن خلوف والى قسنطينة بتسليمها الى ابي العباس احمد الحفصي، فسلمها له في رمضان سنة ٦١ فتم أخراج مرين من

стр. 798

الجزائر بعدما استولت على تلمسان سبع سنوات وعلى بجاية ثمانيا وعلى قسنطينة وبونة ثلاثا. ٥ - الاستيلاءات الاخيرة على تلمسان لما توفي ابو عنان بويع ابنه السعيد طفلا خماسيا مستبدا عليه. فثارت لبيعته قلاقل شغلت مرين عن تلمسان وانتهت بتغلب ابي سالم ابراهيم على الامر. وعامل درعة يومئذ عبد الله إن مسلم الزردالي. فخشي ابا سالم لانه كان مخلصا لاخيه ابي عنان وتحيل في إشخاص أخيهما ابي الفضل اليه لما ثار عليه. فقتله سنة ٧٥ واحتمل أهله وذخائره. ولحق بابي حمو في شوال سنة ٦٠ لقديم حلف بينه وبين عبد الواد، ونقل أو لياءه عرب المعقل الى صحراء تلمسان، فنبذوا مرين وحالفوا عبد الواد. وساء ذلك أبا سالم، فطلب من أبي حمو اسلام الزردالي ورجع المعقل الى مغربه، فأبى، فزحف اليه في رجب سنة ٦٤ وبعد حرب شديدة دخل ابو سالم تلمسا ن سادس شعبان، فاجلب ابو حمو على قرسيف وانكاد. فعاد ابو سالم لحفظ مملكته، وترك تلمسان لابي زيان الفتى من بني عبد الواد وهواه مع مرين لانه نشأ في نعمتهم، فعاد اليها ابو حمو ودخلها ثامن رمصان، وفر منه ابو زيان، وانعقدت السلم بين الممكلتين، فكانت مدة هذا الاستيلاء شهرا وأياما. ولما ملك عبد العزيز أحيا قضية المعقل الذين استكثر بهم ابو حمو واستعان بهم على سويد، فلم يجد لدى ابو حمو اذنا صاغية، ثم وفد عليه أهل الجزائر وسويد ساخطين على ابي حمو لجبره اياهم على اداء المغرم، فتقوى عزمه، وزحف الى تلمسان آخر سنة ٧١

стр. 799

ومال اليه ذوو عبيد الله، فلما يسع أبا حمو الا الفرار، ودخل عبد العزيز تلمسان في المحرم سنة ٧٢ واستولى على مملكة عبد الواد، وفرق العمال في الجهات، وانتزع من العرب اقطاعاتهم، فثاروا عليه في كل ناحية، واضطرهم المغرب الاوسط نارا، فاضطر سنة ٧٣ لامضاء اقطاعات العرب، وأخرج الجنود لاخضاع بقية الثوار من مغراوة وحصين وغيرهم، وأقام بتلمسان حتى توفي بها سنه ٧٤ فنقل شلوه الى فاس، وبويع ابنه. فولى على تلمسان ابراهيم بن ابي تاشفين الاول كان مكفولا لمرين منذ مقتل أبيه، واستدعى ابا حمو أولياؤه من منتبذة بتيقوارارين، وردوا ابراهيم على عقبه الى فاس، ودخل أبو حمو تلمسان في جمادى الاولى، فكانت مدة هذا الاستيلاء عامين وأشهرا. وفي سنة ٧٦ انقسمت دولة مرين بين أحمد بن أبي سالم بفاس وابن عمه عبد الرحمن بمراكش، ثم كانت بينهما حروب، فمال ابو حمو الى صاحب مراكش لبعده عن جوار مملكته، وأراد أن يرغم أحمد على الافراج عنه سنة ٨٤ فاجلب بجموع العرب وزناتة على مملكة فاس، وقام بدفاعه ونزمار بن عريف وعامل فاس، ثم ورد الخبر بفتح مراكش منتصف السنة، فانقبض ابو حمو الى تلمسان وعاد احمد بن ابي سالم من مراكش، فاخرج ابا حمو من تلمسان سنة ٨٥ وهدم قصور الملك بها. وكان الغني بالله بن الاحمر صاحب غرناطة وليا لابي حمو، ولديه كثير من بني عبد الحق المرشحين للملك، فكان يمنع أبا العباس أحمد من حرب تلمسان متى هم بها. فلما فتح مراكش ظن قوته لا يؤثر فيها بن الاحمر. وأجلى أبا حمو فانتقم منه بن الاحمر بتسريح موسى بن ابي عنان لفاس، واعانه على شأنه، فغادر ابو العباس تلمسان أوائل سنة ٨٦ ولكن موسى ابن عمه قد سبقه الى فاس وعاد طريده

стр. 800

موسى ابو حمو الى تلمسان. واصبج السالب مسلوبا، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وكانت مدة هذا الاستيلاء نحو سنة. ثم عاد ابو العباس الى ملك فاس. وأعان ابا تاشفين الثاني على قتل ابيه ابي حمو. وسجن لديه أخاه ابا زيان ليهدده به وقت الحاجة. وتوفي أبو تاشفين سنة ٩٥ فملك ابو العباس تلمسان، وأقام بها ابنه عبد العزيز لاخضاع ممالكها، بعض سنة، وتوفي أبوه سنة ٩٦ وبويع مكانه. فعاد الى فاس. وأطلق من السجن ابا زيان. فملك تلمسان. ولم تدخل الراية المرينية الجزائر بعد. وهكذا كان القرن الثامن قرن عراك بين مرين وعبد الواد. وانتهى بضعفهما معا، وجروا معهم في الضعف دولة غرناطة اذ كانت تستمد منهم عسكريا وماليا وادبيا. فتقوى عليها الاسبان حتى قضى عليها سنة ٨٩٧ واشتدت وطأته على سواحل المغرب أجمع. وما ذلك الا لاهمال العمل بمثل قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.

стр. 801

الباب الثامن في دولة بني زيان

стр. 802

١ - تأسيس الدولة الزيانية هذه الدولة تضاف الى عبد الواد الذين بسيوفهم قامت وبابطالهم حميت، وتنسب الى زيان بن ثابت بن محمد من بني طاع الله لان ملوكها من عقبة. وبنو طاع الله من بطون بني القاسم من عبد الواد. وزعموا ان القاسم هذا هو ابن ادريس او ابن محمد بن ادريس او ابن محمد بن عبد الله أو محمد ابي القاسم بن ادريس وفي بني محمد ابن سليمان الذين كانوا بتلمسان القاسم بن محمد أيضا. قال ابن خلدون: وهو أشبه بهذه الدعوى من القاسم بن ادريس. ولقد كان بنو عبد الواد اجلاس خيل وابطال هيجاء يرون المعالي منوطة بالعوالي لا يخنعون الى مناهض ولا تكسر من شبانهم الشدائد. يغالبون النوائب ويصابرون الخطوب. وبمثل هذه الاخلاق أسسوا دولتهم. وبها حافظوا على حياتها رغم ضيق المملكة واتساع مطامع جيرانهم الاقوياء من مرين وبني ابي حفص. وكان دخول عبد الواد تلمسان امرة جابر بن يوسف منهم. فناب امرأؤهم بها عن خلفاء مراكش حتى ولي يغمراسن بن زيان سنة ٦٣٣ فأحسن سياسة قومه وأحلافهم من زغبة وبني راشد، وجمع كلمتهم، فاشتد ساعده وتوطد أمره. فاتخذ ابهة الملك وشعاره من جند وتولية عمال ولم يبق لخليفة مراكش الا الدعاء على المنابر وتقلد العهد من يده تأنيسا للعامة ومرضاة للاكفاء من قومه. فكان يغمراسن أول ملوك هذه الدولة. وقد قاست من الحروب الخارجية والفتن الداخلية ما قصصنا بعضه في البابين قبل هذا وسنقص منه في هذا الباب، وان تعجب فعجب حياتها مع تلك الحروب المبيرة حتى سقطت مع منافسيها المرينيين والحفصيين.

стр. 803

٢ - المملكة الزيانية مملكة آل زيان الاصلية هي مواطن عبد الواد واحلافهم بني راشد الممتدة طولا من البحر الى الصحراء وعرضا من ناحية وادي مينة، وجبال سعيدة حيث يجاورون توجين ومغراوة الى ملوية وفيقيق حيث يجاورون مرين واحلافها. وملكوا سجلماسة بين سنتي ٦٢ - ٦٧٣ وغلبت مرين على وجدة، فاستقرت الحدود بين الدولتين على تاوريرت بجانبها الغربي عامل مرين وبالشرقي عامل بني زيان. ثم يمر خط الحدود جنوب وجدة الى فيقيق وتيقورارين جنوبا والى غربي ندرومة شمالا. فيشمل مواطن ذوي عبيد الله غربي حدود الجزائر الحديثة. ثم ملكوا مواطن توجين ومغراوة وفتحوا الجزائر ودلس سنة ٧١٢ وبلغوا تيكلات قرب بجاية. ومنها يذهب الخط جنوب جرجرة الى البويرة الى دلس شمالا. ويمر مصحرا شرقي حمزة والمسيلة ومزاب الى تيقورارين. وبهذه المملكة من قبائل العرب المعقل وزغبة وأولاد سباع بن يحي من رياح، وتقدمت أخبارهم في الباب الخامس، ومن قبائل البربر التي كان لها ظهور قوي أو ضعيف مطغرة وكومية وبنو راشد وهوارة وتوجين ومغراوة. وقبائل المملكة الشرقية أقوى وأكثر خلافا لكثرة جبالهم ويسر مسالك الصحراء عليهم وضعف دولة الحفصيين المجاورة لهم وبعد عاصمتهم عنهم بخلاف أهل المملكة الغربية فان خلافهم على آل زيان يدخلهم في قبضة مرين الاشداء، فضعفوا لذلك وقلت ثوراتهم. أما مطغرة فكان رئيسهم في الدولة المؤمنية خليفة. وله على ساحل البحر حصن تاونت كان مؤسسا من قبله، فقد ذكره البكري

стр. 804

بقوله: "وهو على ساحل ترنانا في جبل منيف. به معدن الأثمد، ويحيط به البحر من ثلاث جهات، وله مرتقى وعر من شرقيه لا يطمع فيه أحد، وله بساتين وشجر كثير وأهله من البربر يعرفون ببني منصور" اهـ. وبقيت الرئاسة في عقبة وبايع هرون بن موسى بن خليفة يعقوب ابن عبد الحق وتغلب على ندرومة. فاسترجعها منه يغمراسن وغلبه على تاونت. ثم تغلب يعقوب بن عبد الحق على ندرومة واعاد الهيا هرون. فاستبد بها. وقطع دعوة الدولتين منها خمس سنين حتى غلبه يغمراسن سنة ٧٢ فلحق بيعقوب بن عبد الحق وأجار الى الاندلس واستشهد هنالك. وخلفه على مطغرة أخوه تاشفين. وهلك سنة ٧٠٣ وبقيت الرئاسة في عقبة. هذا ما حدث به عبد الرحمن بن خلدون. وقال أخوه يحي: في ربيع الاول سنة ٩٨ شرق عثمان الاول الى توجين وأطال المغيب في تدويخ بلادهم. فخلع زكريا بن يخلفتن المطغري قائده بندرومة طاعته. وبايع لمرين. فاضطرمت أرجاء حضرته نار فتنة. فأخذ السير الى تلمسان. وكان أثر ذلك الحصار الطويل. وأما كومية فقد بقيت منهم بعد الدولة المؤمنية علالة في بني عابد قوم عبد المؤمن متخدة مع ولهاسة. كان من رؤسائهم ابراهيم بن عبد الملك، نسبه ابن خلدون مرة الى ولهاصة وأخرى الى بني عابد، وكان آخذا بدعوة ابي الحسن بعد تغلبه على تلمسان، فلما وقعت عليه واقعة القيروان واشتد الهرج في الاوطان حدثته نفسه باحياء الدعوة المؤمنية، فدعا لنفسه، وأضرم بلاد كومية وسواحل تلمسان نار فتنة، وعاد آل زيان الى تلمسان فخرج اليه ابو ثابت الزعيم عاشر رجب سنة ٧٤٩ فاقتحم هنين وندرومة وأسره واعتقله

стр. 805

بتلمسان حتى قتل. وكانت هنين فرضة تلمسان المعتبرة حتى خربها شرلكان، قال البكري ما خلاصته: " حصن هنين على مرسى جيد مقصود، وهو أكثر حصون ساحل تلمسان بساتين وضروب ثمر، تسكنه كومية، وبينها وبين ندرومة ثلاثة عشر ميلا، يفصل بينهما جبل تاجرا، وندرومة في طرف الجبل، غربيها وشمالها بسائط طيبة ومزارع، وبينها وبين البحر عشرة أميال، وهي مسورة جليلة بها نهر وبساتين فيها من جميع الثمار،) اهـ. وأما بنو راشد فكانوا أحلافا لعبد الواد، وربما نبذوا عهدهم، وكانت رئااستهم لعهد يغمراسهن لونزمار بن ابراهيم بن عمران، وهلك سنة ٦٩٠ فخلفه غانم بن محمد بن ابراهيم، ثم موسى بن يحي بن ونزمار، ثم ابو يحي بن موسى بن عبد الرحمن بن ونزمار، وكان أيام تغلب ابي الحسن على تلمسان، ونقله في رؤساء زناتة الى المغرب الاقصى. فمات هنالك وخلفه ابنه زيان. وملك أبو حمو الثاني تلمسان. فوفد عليه. واتهمه بمشايعة مرين. فحبسه بوهران. وفر منها بعد مدة الى مرين وتظاهر بالاخلاص لابي حمو. فأعاده. وولاه على قومه. ثم اعتقله حتى قتله سنة ٧٦٨ وبه انقرضت رئاسة بني راشد. وكانت في مواطنهم مدينتا معسكر وايفكان. والمعسكر اليوم من المدن الشهيرة. وذكره الادريسي في النزهة بقوله: "قرية عظيمة لها أنهار وثمار". اهـ. ويقال أنها كانت معسكرا للايمة الرستميين واتخذها بنو زيان معسكرا للاجلاب على توجين. ولم يعتنوا بتمدينها حتى مصرها الاتراك. وايفكان ويقال ايضا فكان جنوب المعسكر. قال البكري: "كانت سوقا لزناتة. فمدنها يعلى بن محمد بن صالح اليفرني.

стр. 806

وكان ابتداء تأسيسه لها سنة ٣٣٨ وارتحل اليها أهل المعسكر من أهل تاهرت ويلل وشاطئي بني واطيل ووهران وقصر الفلوس. فعمرت وتمدنت وعظمت. وهي في سفح جبل اوشيلاس. وهو بجوفيها ذو شعراء غامضة وقبليها نهر سيره ينبعث من عيون شرقيها، عليه الارحاء والبساتين من كلتي ضفتيه، وغربي فكان اسفل بساتينها مجمع وادي سيرة ووادي سي ووادي هنت. وعلى المدينة سور طوب، وبها جامع وحمام وفنادق" اهـ. ولعل لفظ من في قوله من أهل تاهرت محرف عن الواو. واما هوارة فكانت رئاستهم في بني اسحق. واختص كبيرهم محمد بن اسحق القلعة المعروفة بقلعة هوارة. ومات. فخلفه اخوه حيون. وصارت في عقبة ووالوا آل زيان. فاستعمل منهم ابو حمو الاول يوسف بن حيون على توجين سنة ٧١٥ الى أن خلفه على توجين ابنه يعقوب امرة أبي تاشفين الاول. ثم غلب ابو الحسن على تلمسان، فاستعمل عبد الرحمن بن يعقوب على قبيله ثم عبد الرحمن ابن يوسف. ثم ابنه محمدا. ثم تلاشت هوارة. وخف ساكن القلعة فانقرض بيت بني اسحق. واما مغراوة وتوجين فكانوا مناهضين للدولة. وتكررت فتنهم حتى إن ابا حمو موسى الاول اقام سنة ٧١١ لحربهم بوادي نهل من شلف. وابتنى هنالك قصره المعروف باسمه قرب مازونة. وهو المعروف اليوم بعمي موسى. وكانت مدينة الجزائر للحفصيين. ويدير أمرها مشيخة من أهلها. فنبذوا دعوتهم سنة ٦٦٩ ونازلتهم العساكر مرارا. فامتنعوا عليهم. ثم فتحوها سنة ٧٤ واعتقل مشيختها بتونس حتى سرحهم الواثق ثم قطعوا دعوتهم ثانيا حوالي سنة ٩٨ واستبد بها محمد بن

стр. 807

علان. وبايع بني مرين لما نزلوا على تلمسان في الحصار الطويل. ونازلته عساكر بجاية مرارا. فامتنع عليهم حتى فتحها ابو حمو الاول سنة ٧١٢ ونقل ابن علان الى تلمسان. وعادت للحفصيين سنة ٨١٣ ثم فتحها عبد الواحد بن ابي حمو. وتغلب عليها المستعين حافد ابي تاشفين سنة ٨٤٢ واستقل بها عن تلمسان. وقتله أهلها سنة ٤٣ وأدار شؤونها مشيختهم يرأسهم الشيخ عبد الرحمن الثعالبي حتى توفي سنة ٧٥ وصار أمرها الى أولاد سالم بن ابرهيم من الثعالبة وكان منهم سالم التومي الذي خضع مضطرا الى الاسبان لما ملكوا بجاية. فلما ظهر عروج بربروس بجيجل استنجده. فانجده، ودخل الجزائر سنة ٩٢٢ وندم سالم على استدعائه. فغدر به عروج وتغدى به قبل ان يتعشى هو به، فقتله وفتك برؤساء الثعالبة تمكينا لسلطته، ومن ذلك الحين أصبحت الجزائر تركية. وكانت الجزائر تدعى جزائر بني مزغنة اضافة الى أهلها من صنهاجة، قال البكري: "وهي مدينة جليلة قديمة ذات آثار وأزاج محكمة تدل على انها كانت دار مملكة للاول وصحن دار الملعب فيها مفروش بحجارة ملونة صغيرة مثل الفسيفساء فيها صور الحيوان باحكم عمل لم يغيرها تعاقب القرون. ولها أسواق ومسجد جامع. وكانت بها كنيسة عظيمة. بقي منها جدار مدير من الشرق الى الغرب مفصص كثير النقوش والصور وهو اليوم قبلة الشريعة للعيدين " اهـ. ٣ - عاصمة المملكة الزيانية عاصمة هذه المملكة هي تلمسان بكسرتين فسكون، علم زناتى مركب من تلم بمعنى تجمع وسان بمعنى اثنين يعنون انها تجمع بين اثنين التل والصحراء وهي في سفح جبل بني ورنيد المار جنوبها،

стр. 808

ويسمى قبالتها بالصخرتين، ينحدر منه نهر سطفسيف المار شرقيها. الى ان يلتقي بنهر يسر ثم بنهر تافنا. وتنحدر منه أيضا ساقية النصراني، وعلى الساقية والنهر مبان وجنات وارحاء. وبقرب المدينة عينا الفوارة وام يحي يدخل ماؤها اليها. ويجري الى الدور والحمامات والخانات وغير ذلك. وحولها فحوص أشهرها العباد حيث ضريح ابي مدين الشهير، وكان قرية كبيرة ذات مساجد ومدارس وخانات، ثم تراجعت عمارتها حتى اضمحلت في العهد الفرنسي. وتلمسان مدينتان احداهما قديمة تعرف بأقادير أسسها بنو يفرن قبل الاسلام والثانية احدثها يوسف بن تاشفين سنة ٤٧٤ بمعسكره المحاصر لاقادير، وسماها تاقرارت باسم المعسكر في لسانهم وفي عهد الادريسي صاحب النزهة كانتا يفصل بينهما سور، ويحيط بهما سور حصين متقن الوثاقة. وقد عني البكري بوصف تلمسان القديمة وما بساحلها من سهول وحصون ومراسي، نقتصر من ذلك على قوله ملخصا: "هي قاعدة المغرب الاوسط ودار مملكة زناتة وموسطة قبائل البربر ومقصد تجار الآفاق، لها أسواق ومساجد ومسجد جامع وأشجار وأنهار، وكان الاول قد جلبوا اليها ماء من عيون تسمى لوريط بينها وبين المدينة ستة أميال. ولها خمسة أبواب، في القبلة باب الحمام وباب وهب وباب الخوخة، وفي الشرق باب العقبة، وفي الغرب باب ابي قرة، وفيها للاول آثار قديمة، وأكثر ما يوجد الركاز بتلك الآثار، وبها بقية من النصارى الى وقتنا هذا، ولهم بها كنيسة معمورة" اهـ. ولم تزل تلمسان منذ الفتح الاسلامي عاصمة مملكة معتنى بعمارتها وتحصينها ولا سيما ايام الموحدين وفتنة ابن غانية حتى

стр. 809

اقتعد كرسيها آل زيان. فشادوا بها القصور الجميلة. واغترسوا الرياض والبساتين، وأجروا خلالها المياه، وبلغ من عمرانها ان عد برجيص المسيحي في كتابه "تلمسان" من المساجد التي شاهدها قائمة في هذا العصر الفرنسي أحدا وستين مسجدا. قال عبد الرحمن بن خلدون: "فأصبحت أعظم أمصار المغرب، ونفقت بها أسواق العلوم والصنائع. وضاهت أمصار الدول الاسلامية والقواعد الخلافية " اهـ. وقال العبدري في رحلته: "تلمسان مدينة كبيرة سهلية جبلية جميلة المنظر مقسومة باثنتين بينهما سور. ولها جامع عجيب مليح متسع، وبها أسواق قائمة، وأهلها ذوو ليانة ولا بأس باخلاقهم وبظاهرها في سند الجبل موضع يعرف بالعباد هو مدفن الصالحين وأهل الخير .. والدائر بالبلد كله مغروس بالكرم وانواع الثمار. وسوره من اوثق الاسوار وأصحها، وبه حمامات نظيفة. أشهرها حمام العالية قل ان يرى له نظير، وبالجملة هي ذات منظر ومخبر وانظار متسعة ومبانيها مرتفعة" اهـ. وقال يحي بن خلدون ما خلاصته: "خمسة أبواب، قبلة باب الجياد وشرقا باب العقبة وشمالا باب الحلوى وباب القرمدين وغربا باب كشوط، وهي مؤلفة من مدينتين ضمهما الآن سور واحد. أحدهما أقادير والاخرى. تاقرارت. وهي الآن أكبر وأشهر من الأولى. والجامع الاعظم وقصور الملك ونفيس العقار بها والناس اليها أميل وبها أشد عناية " اهـ. وذكرها ابو الفداء في تقويم البلدان، فقال ان لها ثلاثة عشر بابا وهو معاصر لآل زيان لكنه بعيد عنها، وقد عارضه يحي كاتب حكومتها.

стр. 810

وقد اختلفت على تلمسان أيدي الحفصيين ومرين والاسبان فطمسوا كثيرا من معالمها واعفوا معظم آثارها، وأشار الى علة ذلك لسان الدين بن الخطيب في وصفه لها بقوله: " تلمسان مدينة جمعت بين الصحراء والريف، ووضعت في موضع شريف. كأنها ملك على رأسه تاجه وحواليه من الدوحات حشمه واعلاجه. عبادها يدها، وكهفها كفها، وزينتها زيانها، وعينها أعيانها، هواها المقصور بها فريد، وهواؤها الممدود صحيح عتيد، وماؤها برود صريد حجبتها ايدي القدرة عن الجنوب، فلا تحول بها ولا شحوب، خزانة زرع، ومسرح ضرع، فواكهها عديدة الانواع، ومتاجرها فريدة الانتفاع، وبرانسها رقاق رفاع، الا أنها بسبب حب الملوك مطمعة للملوك ومن أجل جمعها الصيد في جوف الفرا، مغلوبة للامراء أهلها ليست عندهم الراحة الا فيما قبضت عليه الراحة، ولا فلاحة، الا لمن أقام رسم الفلاحة، ليس بها لسع العقارب الا فيما بين الاقارب، ولا شطارة الا فيمن ارتكب الخطارة " اهـ. وللادباء في وصفها ومدحها نثرا ونظما ما لا يسعه ديوان، ومن أطولهم في ذلك باعا وابرعهم تصويرا واصدقهم وصفا شاعرها النازح عنها الى غرناطة محمد بن خميس، قال في مطلع قصيدة طويلة جدا: تلمسان لو ان الزمان بها يسخو ... منى النفس لا دار السلام ولا الكرخ ٤ - الحكومة الزيانية ومشاهير من رجالها الدولة الزيانية مستقلة داخليا وخارجيا غير انها لم تدع أولا الخلافة، فكانت تدعو لدولتي الموحدين الى سنة ٧٠٣ واودعت الخلافة الى سنة ٧٩١ فأصبحت تدعو لمرين، ثم تمشت حسب الظروف: تعلن
следующие страницы →