← Тараджим

Тараджим · id 123662

شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون داعية السلفية

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (229 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تاريخ وفاة السلطان أحمد فإن المولى علي يكون قد جاء قسنطينة قبل ١٠٢٧ والمهم الآن هو أن الفكون قال عن هذا الشيخ القاضي إن له فيه محبة وصداقة حتى لقد أخبره ذات مرة أنه لم يترك أصحابه وينزل عنده إلا تعظيما له. ولا شك أن هذا مبالغة أدبية فقط من المولى علي، ولكن الفكون رآها أمرا يفاخر به ويسجله في التاريخ. ورغم أن علاقة الفكون بعلماء المغرب الأقصى تبدو قوية منذ معرفته بالشيوخ محمد التواتي وأحمد الفاسي ومحمد السوسي، وكذلك مراسلته مع بعضهم في فاس بشأن ما وقع له مع الفاسي المذكور، فإن من أشهر من ترك لنا أخبارا عن الفكون هو أبو سالم العياشي صاحب الرحلة الشهيرة. فقد عرفه معرفة وثيقة وحج معه سنة ١٠٦٤ عندما كبر الفكون وتغيرت بعض آرائه في الناس والحياة، وتراسل معه بعد ذلك، وحج مع ابنه في المرة الثانية، واطلع على كتبه واستفاد منها، وروى عن تلميذه الثعالبي. إذن فالعياشي مصدر هام من مصادر حياة الفكون. ونحن لا ندري رأي الفكون في العياشي، ولكن نعرف أن حديث العياشي ومراسلاته معه كانت بشأن الانتماء إلى طريقة الفكون وأخذ العلم عنه. وقد وصفه العياشي عندئذ بأنه كان في غاية الانقباض والانزواء عن الخلق، ومجانبا لعلوم أهل الرسوم (علوم الظاهر) بعد أنه كان إماما فيها (١) ولعل العياشي كان يردد في الحقيقة رواية الثعالبي (تلميذ الفكون) عن شيخه. وهذه هي

стр. 107

عبارة الثعالبي في (كنز الرواة) عن شيخه الفكون (انجمع باخره عن الناس ولزم العزلة والعكوف على العبادة وتهذيب النفس) (١). ولا يمكننا أن نتتبع كل مراسلات الفكون أثناء حياته فهي حياة طويلة وخصبة كما عرفنا وقد شاع أمره في عصره حتى قدره بعضهم لعلمه وصلاحه، وقدره آخرون لزهده وتصوفه، وقدره آخرون لسياسته وحكمته. وهكذا تعددت جوانب حياته كما تعددت وجهات نظر الناس فيه، كما سنعرف. ٣ - مذهبه الصوفي وموقفه من البدع رغم نقد الفكون لمتصوفة عصره فإنه كان شخصيا من المتصوفين، وكان في الواقع شاذليا زروقيا. وهو لا يخفي ذلك أو ينكره بل يعلنه في غاية الصراحة. وكان يسير على مقتضى تعاليم الطريقة الشاذلية والطريقة الزروقية في آرائه وسلوكه. وقد تأثر بهذه التعاليم، كما سنرى، من عدة مصادر. المصدر الأول: إنه أخذ عن والده عن جده عن عمر الوزان، الذي قال عنه الفكون أنه دعوة من دعوات الشيخ أحمد زروق. وبين ذلك بأن الشيخ زروق كان يتردد على قسنطينة وكان والد الوزان يعمل جابيا للضرائب بباب المدينة. فكان يعفي الشيخ زروق من الدفع. وقد جاء الشيخ زروق ذات مرة فلم يجد ذلك الرجل فسأل عنه فقيل له إنه يقيم وليمة بمناسبة ميلاد ولد له، فذهب إليه زروق وحمل الولد (عمر الوزان) في كفه وأخذ يدور

стр. 108

به الغرفة وهو يتمتم له بكلام صوفي وأدعية، مفادها أن عمر الوزان سيكون من أهل العلم والصلاح في قومه. وقد فهم الناس من ذلك أن الوزان رجل (خاص) لأنه دعوة من دعوات الشيخ أحمد زروق. وعندما ترجم الفكون للوزان ذكر أنه قد تحول من كتب الصوفية والوعظ إلى الحديث الشريف، ووعد الفكون بكتابة تأليف في كرامات الوزان. إذن فالفكون من المنتسبين إلى مدرسة الوزان التي هي مدرسة الإمام أحمد زروق، وقد ورث هذا الانتماء عن والده عن جده كما ذكرنا. المصدر الثاني: أنه قرأ على الشيخ يحيى الأوراسي، كما عرفنا. وكان الأوراسي قد أخذ الطريقة الزروقية عن شيخه طاهر بن زيان الزواوي عن أحمد زروق عن عبد الرحمن الثعالبي. وكان زروق قد أقام مدة في كل من بجاية وقسنطينة وترك هناك تلاميذ ونشر تعاليمه الشاذلية المنقحة. وتخبرنا بعض الروايات أن الفكون قد لبس الخرقة الصوفية الزروقية - الشاذلية على يد شيخه يحيى الأوراسي عن طاهر بن زيان المذكور عن أحمد زروق الصغير عن والده عن محمد بن يوسف السنوسي إلخ (١). المصدر الثالث: أن الفكون درس القصيدة القدسية لعبد الرحمن الأخضري وهي القصيدة التي تذكر أحوال المتصوفين في القرن العاشر الهجري (١٦ م) وتنحى عليهم اللجوء إلى الخرافة والشعوذة، وتدعو إلى التمسك بالعلم ونبذ

стр. 109

البدعة والعمل بالكتاب والسنة، والجمع بين علمي الظاهر والباطن جمعا صحيحا واضحا. وكان الأخضري من تلاميذ محمد بن علي الخروبي الذي هو من تلاميذ الشيخ أحمد زروق. وكان الفكون قد أعجب إعجابا شديدا بالقدسية حتى أنه كاد يذكرها كاملة في كتابه (منشور الهداية) مستشهدا بأبياتها من حين لآخر إذ تنجده آراء الأخضري في الأحوال المشابهة التي كان يعرضها الفكون في وقته (بينهما حوالي قرن حسب بعض الروايات). ومن إعجابه بالأخضري أنه شرح له أيضا عملا في آداب الدين والمعاملات سماه (الدرر على المختصر)، كما سنعرف. كما أورد رسالة مطولة لأحمد زروق محتجا بها رادا بها على أدعياء التصوف في وقته (١). وقد تكون هناك مصادر أخرى لا نعلمها الآن عن تأثر أو أخذ الفكون بالطريقة الزروفية الشاذلية. فالذين تحدثوا عنه كالثعالبي والعياشي لم يذكروا أنه أخذ إجازة من أحد رجال الصوفية في المشرق، ولم يشيروا إلى أنه تتلمذ لأحد هناك، كما كان يفعل جل العلماء في وقته بالعكس لقد وجدنا الفكون ثائرا على علماء المشرق إذ يعتبرهم متساهلين في العلم ولا يرعون حرمة المساجد، ومتساهلين في مسائل الحلال والحرام، كالدخان. كما وجدناه متشددا في منح الإجازات لغيره خلافا لعادة علماء ذلك العصر. وهذا العياشي يذكر أنه عندما حج معه سنة ١٠٦٤ طلب منه الانخراط في سلك طريقته (الزروقية) فلم يكتب له

стр. 110

الفكون ذلك كتابة وإنما اكتفى بقوله له (إني أقول لك كما قال الإمام الشاذلي، ﵁: لك ما لنا من الخدمة، وعليك ما علينا من الرحمة). وهذا في الواقع تهرب من إعطاء الإجازة والرضى المكتوب بالدخول في الطريقة. وقد تحرج العياشي من ذلك وقنع، كما قال، بهذه الكلمة حتى لا يثقل على الشيخ: (قنعت منه. بالكلمة التي قالها لي لما علمت حاله، وخشيت أن أثقل عليه وأكلفه ما لا تطيب به نفسه، فإنه. من أهل القلوب (١). ولعل نفس الموقف وقفه الفكون مع تلميذه الآخر عيسى الثعالبي. فقد ذكر هذا في فهرسه المسمى (كنز الرواة) أنه أخذ عن شيخه الفكون بعض كتب الحديث، وحصل منه على الإجازة فيها. ومن جهة أخرى عرض عليه الثعالبي الوظيفة الزروقية كما عرض عليه حزب البحر لأبي الحسن الشاذلي وكلاهما عمل يضم مبادىء الطريقتين الأصلية (الشاذلية) والفرعية (الزروقية) - وقد لقن الفكون الذكر للثعالبي على عادة الصوفية، ولكنه اكتفى هنا بكلمة الإخلاص (سورة الإخلاص؟) ثم ألبسه الخرقة الصوفية قائلا له: (خالدة تالدة لا تباع ولا توهب). هكذا روى الثعالبي عن شيخه الفكون. ونحن وإن كنا لا نشك في نسبة الفكون للطريقة الزروقية نكاد نشك في تلقين الفكون له الذكر وإلباسه الخرقة على النحو الذي حدث. فقد عرفنا من كتابات الفكون أنه من طينة أخرى، وأنه عاتب معاصريه، على هذا الأسلوب، فكيف يمارسه هو؟!

стр. 111

ولكن الأوصاف التي أوردها كل من العياشي والثعالبي له صحيحة في نظرنا لأنها تنطبق تماما مع ما عرفنا عنه من كتاباته. وعبارة العياشي في ذلك أن الفكون كان منقبضا، منزويا عن الناس، مترددا على الحرمين الشريفين رغم كبر السن. وعبارة الثعالبي في ذلك أطول وأوضح وهي: جمع الله له بين العلم والعمل إلى كمال الزهد والورع والتعفف عن الناس، وعدم التأثر بكلام الناس حتى استوى عنده المدح والذم، مع المجانبة للطلبة (العلماء) وأهل الولايات الدنيوية وقلة المبالاة بهم وعدم الاهتمام بما يهدى إليه. بل يضيف الثعالبي قوله فيه أنه (انجمع بآخره عن الناس ولزم العزلة والعكوف على العبادة وتهذيب النفس) (١) وقد مر بنا أن الثعالبي حكى عن شيخه أنه لم يكترث بوالي مصر وعلمائها وأعيانها عندما خرجوا لملاقاته ومهاداته والتبرك به (فما استفزه شيء من ذلك، ولا اكترث به ولم يقبل منه (أي من الباشا) دينارا ولا درهما). وكان الفكون لا ينكر التصوف، ولكن يرى أن أهل عصره انحدروا به إلى الدرك الأقل وأساؤوا فهمه، وحولوه إلى (حضرة) فيها الرقص والموسيقى والإنشاد وغيرها من البدع والمنكرات، كما استغلوه في سلب العامة أموالها وتخدير عقولها وتعطيل الأعمال التي أمر الله بها، ومن ثمة الوهن الذي أصاب المسلمين. ولذلك كان يكثر من الاستشهاد من آثار المتصوفة الأقدمين كالبسطامي والطرطوشي وإبراهيم الشاطبي والغزالي

стр. 112

ومحمد بن الحاج وإبراهيم بن أدهم، بالإضافة إلى الأخضري وزروق والوزان. فثورة الفكون إذن ليست على التصوف في حد ذاته ولكن على سوء فهمه واستغلاله، وليست على المتصوفة عموما ولكن على الدجالين المتعوذين أو (أدعياء الولاية) كما يسميهم، أولئك الذين اتخذوا تلاميذ من النساء والرجال، ونصبوا أنفسهم لإعطاء العهد وتلقين الأوراد، وكانوا يخالطون الظلمة والمفسدين، ويدخلون على النساء في بيوتهن، واستشهد لذلك بالشيخ بوكلب الذي تعلق بامرأة وتعلقت به حتى أنها كانت تبيت عنده وحملت منه فقالت إن الأولياء أعطوها له، كما استشهد بالشيخ بلقاسم الحيدوسي الذي كان يجتمع بالنساء غيبة وحضورا. ويفهم من كلام من ترجموا للفكون، خصوصا الثعالبي والعياشي (١) أنه قد مر بتجربة جعلته (يتحول) من علوم أهل الظاهر إلى علوم أهل الباطن. وكان هذا التحول عندهم مدحا لا ذما، لأن علوم أهل التصوف أصبحت في القرن الحادي عشر أولى وأجدر بالدراسة والاهتمام من علوم أهل الظاهر. ما الذي جعل الفكون يتحول هذا التحول الخطير؟ لا أحد يذكر السبب. لقد عرفناه عقلانيا ينتقد البدع والخرافات وينكر استخدام الروحانيات والحضرات ونحوها. وعندما تحدث عن الشيخ

стр. 113

الوزان مدحه من أنه تحول من دراسة كتب التصوف إلى كتب الحديث. وتخصص هو في دراسة النحو والصرف، وهما من العلوم العقلية. ومدح جده بأنه كان يعتني بالبيان ويدرس سعد الدين التفتزاني ويؤلف فيه. إذن كيف تغيرت حالة الفكون فأصبح يقول عن هذه العلوم قرأناها لله وتركناها لله؟ وهل صحيح أنه تحول كذلك؟ إن آخر كتاب ألفه في علم الصرف يعود تاريخه إلى سنة ١٠٤٨ (١) ولا نعرف أنه ألف كتابا آخر بعد هذا التاريخ، وكان عمره حينذاك ستين سنة. وفي هذا التاريخ كان أيضا متوليا وظائف والده الشرعية وأضاف عليها إمارة ركب الحج ولقب شيخ الإسلام. فهل تقدم السن وتوليه الوظائف المذكورة جعلته يتحول هذا التحول الخطير؟ قد يكون ذلك. ولكن عبارات، المترجمين في ذلك، متناقضة وغامضة، فبعضهم، كالعياشي، ينسب إليه أنه تحول من علوم الظاهر إلى علوم الباطن وبعضهم، كالثعالبي، ينسب إليه أنه فقط توقف عن ممارسة التدريس الذي كان قد قضى فيه شطرا كبيرا من حياته. ونرجح نحن رواية الثعالبي لا رواية العياشي. فقد يكون الفكون توقف عن التدريس، لكبر سنه وكثرة وظائفه وثقلها. ولكن تبرير ذلك التوقف كما ذكره الثعالبي لا نسلم به أيضا، فهو يقول عن الفكون: وكان إذا ليم على ترك التدريس يقول: علم طلبناه لله وتركناه لله. وإلى هنا يمكن أن يكون ما نسبه الثعالبي للفكون

стр. 114

صحيحا. فقد يكون الفكون قد تعاطى التدريس زمنا ثم تخلى عنه لمآرب أخرى أهم وأخطر وهي كما لاحظنا تلك الوظائف الجديدة والمهمات السياسية والدينية التي تقلدها. ولكن مقالة الثعالبي غير ذلك. فهو يفسر كلام الفكون السابق بقوله: (يعني لفساد الزمان وعدم إخلاص النية في طلب العلم). هذا كلام لا يمكن في نظرنا أن يصدق على الفكون الذي كان يعتبر القيام بالتدريس والنهي عن المنكر ومحاربة البدع والآفات، جهادا يقوم به في سبيل الله. والغريب أن العياشي الذي عرف الفكون شخصيا والتقى بولده وتتلمذ على الثعالبي، تلميذ الفكون، يردد تقريبا نفس العبارة التي نسبها الثعالبي للفكون وهي (علم طلبناه لله وتركناه لله) ولكن في مقام آخر. لقد ذكرها في مقام التصوف لا في مقام التدريس، فالفكون في نظر العياشي تحول من علم الظاهر إلى علم الباطن قائلا أن الفكون إذا سئل عن علوم أهل الرسوم (علوم الظاهر) يقول: (قرأتها لله وتركتها لله). فأنت ترى أن العبارة واحدة، ولكن العياشي استعملها بشأن تخلي الفكون عن العلوم العقلية والتوجه إلى التصوف أو علوم أهل الحقيقة، بينما استعمل الثعالبي نفس العبارة بشأن تخلي الفكون عن التدريس. ويبدو لنا أن المؤلفين الإثنين انطلقا من قناعات شخصية. فالثعالبي كان يجمع بين علوم الظاهر وعلوم الباطن وكان كما يقول مترجموه محبوبا من أهل الشريعة وأهل الحقيقة على السواء، فلم يمدح، بل لم يذكر حتى عابرا، تخلى الفكون عن العلوم العقلية لأنه لا يرى ذلك شيئا يستحق المدح والتنويه وكان العياشي، وهو من

стр. 115

المغرب الأقصى الذي ازدهرت فيه الطرق الصوفية عندئذ، ميالا إلى التصوف فمدح الفكون على كونه تحول من ظاهري إلى باطني (بعدما كان إماما) في علوم اللغة والشريعة (وله تأليف يشهد له بالتقدم) فيها. والخلاصة أن الفكون عاش حياته على مرحلتين. المرحلة الأولى (وهي الأطول والأثمر) كرسها للعلم تلقيا وتدريسا وتأليفا. وكان أحب العلوم إليه علم النحو وما يتصل به من صرف وبلاغة ولغة. ولكنه لم يكن خلال هذه المرحلة متخليا أبدا عن مبادىء الطريقة الزروقية التي تعلم العلم والعمل، وتزكي الصلاح وتنفي البدع والخرافات، وتحض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١) أما المرحلة الثانية من حياته، فقد قضاها في القيام بوظائف الجامع الكبير (الأعظم) من إمامة وخطابة وفتوى ورعاية للأحباس. كما كان يتردد على الحرمين الشريفين أميرا لركب حج الجزائر باعتباره شيخا للإسلام أو الشخصية الدينية الأولى في البلاد. ومع تقدم السن ومتطلبات الوظائف المذكورة وكثرة اتصالاته بالناس (ولاة وعلماء وصلحاء وعامة - جزائريين وغيرهم) ظهر الفكون وكأنه لا وقت له للتدريس ولا للقيام بالتأليف في العلوم التي طالما فاق فيها أهل عصره أو كان (إماما) فيها كما

стр. 116

يقول العياشي، بل ظهر وكأنه شخص تخلى تماما عن هذه العلوم (علوم الظاهر والمعقول) إلى الزهد والتصوف. وقد كان ذوق العصر طبعا يحبذ الفكون في مرحلته الثانية وينفر منه في مرحلته الأولى. وبعد فما أجمل كلام الفكون نفسه وهو يفرق بين المتصوف الحقيقي و (المتصوف) الدجال، إذ يقول: (والميزان الأعدل في ذلك أن تنظر إلى المرء وما هو عليه من الطريق القويم والصراط المستقيم في اتباع السنة، قولا وفعلا وعملا، فما كان فهو ممن يجب الاعتقاد فيه وما لا فلا (١) ولا يهم بعد ذلك إن درس كل العلوم أو بعضها. ولعل هذه النقطة ستزداد وضوحا في الفقرة التالية. ٤ - بين النحو والأدب عرفنا أن الفكون درس مختلف العلوم المعروفة في عصره، ولكنه اختص منها بعلم النحو. ويبدو أن المشتغلين بهذا العلم عندئذ قليلون لأنه علم صعب وأساتذته غير متوفرين، ولأنه يعتبر عند المعاصرين من العلوم التي تبعد الإنسان عن الله، وهم إنما يدرسون علوم الفقه والتصوف والكلام ونحوها ولكن اختيار الفكون لهذا العلم كان محض صدفة. فهو يخبرنا حكاية عن جده هي أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة ومفادها أنه رأى في المنام جده عبد الكريم الفكون يناوله ورقة قائلا له: اقرأ، فلما

стр. 117

تأملها وجد فيها جملة بخط أصفر اللون تقرأ هكذا: كان فعل ماض أو ما معناه. وعندما استيقظ من نومه فهم أن ذلك إذن من جده له في الاشتغال بعلم النحو. (فاشتغلت به فحصلت لي فيه ملكة، والحمد لله، وذلك من بركته) (١)، وهذا في الواقع هو ما يمكن أن نعتبره الدافع الأسطوري لاشتغاله بعلم النحو دون سائر العلوم. أما الدافع الواقعي فهو تأثير الشيخين: محمد بن راشد الزواوي، ومحمد التواتي عليه. وكثيرا ما يقلد التلميذ شيخه، وكثيرا ما يتأثر الطالب بشخصية أستاذه فيتعلق حتى بالعلم الذي يدرسه. ولا بد أن يكون هناك استعداد فطري لذلك ولا يكفي فيه مجرد التأثر أو التقليد. وقد كان الفكون ممن توفر فيهم الاستعداد الفطري لدراسة النحو، فهو تلميذ نجيب طليق اللسان، من أسرة علمية تتوفر على مكتبة ضخمة. وكان لا ينقصه الطموح، فقد كان يرى والده متوليا وظائف الخطابة والإمامة بالجامع الأعظم في قسنطينة، وهي وظائف تقتضي البيان وطلاقة اللسان والذكاء. وكان يعرف أن جده يشتغل أيضا بالبيان وألف فيه وفضل تدريسه دون غيره. فلماذا لا يشتغل هو بالنحو ويبز فيه أقرانه ويلفت إليه نظر أساتذته ويؤلف فيه وينعي على علماء عصره عدم معرفتهم بالقواعد العربية، وعيي ألسنتهم في الخطابة، وخرس أقلامهم في الكتابة، ويصبح هو المجلى بينهم وهو فارس الميدان؟ وكان للتحدي كذلك دور في تعلق الفكون بالنحو. وهناك

стр. 118

خبران في هذا المعنى يوضحان لنا أنه كان عليه أن يجيب متحديه فلم يجد الجواب فخجل وانحشر وضاقت به الدنيا، ولكنه عصر فكره إلى أن استطاع إنقاذ نفسه ولو بعد حين، ولو بعد مراجعة الكتب والشواهد والأساتذة. الخبر الأول أنه كان ذات يوم عائدا من الكتاب (المدرسة) فمر على جماعة من العلماء فيهم الشيخ إبراهيم الفلاري التونسي الذي كان (يدعي معرفة النحو يستطيل به على أهل قسنطينة)، ويدعي أن له فيه اليد الطولى، فسأله الفلاري عن الجامع بين قوله تعالى: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾، وقول الشاعر: كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها ويقول الفكون أنه لم يعرف الجواب عن هذه المسألة لقلة زاده وصغر سنه، فسكت وتضاءل أمام الفلاري وجماعته، واشتد به الخجل، حتى صار الفلاري يؤنبه على (جهله) بالنحو والقواعد. فذهب الفكون إلى داره منكسف البال حزينا، ولكنه لم يستسلم، فأخذ ينظر في مكتبة والده لعله يجد الجواب الشافي الذي يسكت به هذا المتطاول. أخذ الفكون إذن ينظر ما قال ابن هشام في شواهده وقواعده، فإذا هو أمام هذا البيت: إن هند المليحة الحسناء ... وأي من أضمرت لخل وفاء وكان ابن هشام قد فسر هذا البيت واستخرج معناه وأعربه.

стр. 119

وشعر الفكون بأنه قد وجد ضالته وأن لديه سلاحا يفل به لسان الفلاري. فحفظ البيت واستظهر ما قيل فيه، وأسرع إلى المجلس المذكور، ولكن ليس في نفس اليوم. وعند حضوره سأله الفلاري الإجابة ووبخه بعدم معرفته أي شيء وتطاول عليه من جديد. ولكن الفكون طلب منه أن يجيبه هو أولا عن معنى البيت (إن هند إلخ). وإعرابه. فبهت الفلاري (واحمر واصفر وألجم) ولم يحر جوابا، واكتشف أمره بين أصحاب المجلس، وأخذ يتضاءل في نفسه. هذه حادثة كثيرا ما تقع للتلاميذ الصغار، وكثيرا ما يبنون عليها أمورا كثيرة تتعلق بمستقبلهم، بل تكون طريقا لاكتشاف أنفسهم وما خلقهم الله له. وفد تكون نية الفلاري، وهو شيخ من شيوخ الزيتونة ومفتي معروف في قومه وممن يدل بنفسه في علم النحو ولا يعارضه أحد في تونس - كما يقول الفكون - قد تكون نيته حسنة عندما طرح السؤال على التلميذ الفكون، وقد يكون قصد تحديه وإحراجه حتى يدفعه إلى البحث والعلم دفعا، وذلك طريق من طرق التربية، ولكن الفكون فهم غير ذلك، فهم أن الشيخ كان يتحداه ويقلل من شخصه وعلمه في أعين مواطنيه، وأنه لو لم يرد التحدي لبقي القوم ينظرون إليه بازدراء بل لوصل الأمر إلى عائلته وسمعتها بين الناس. والمهم الآن هو أن الفكون اندفع يراجع ابن هشام ويحفظ الشواهد النحوية ويتقن الإعراب ويحفظ أقوال النحاة، وهذا بالضبط هو علم النحو الذي أصبح فيه علما من الأعلام، بل علم الأعلام في عصره. أما الخبر الثاني أو الحادثة الثانية فأقل شأنا فيما يبدو، ولكنها

стр. 120

مع ذلك ذات عواقب على الفكون في اختياره علم النحو دون غيره. يقول إنه كان ذات يوم يدرس مع الطلبة في مدرسة العائلة، وكان من بين الطلبة أحمد بن خليفة الزواوي. فسأل هذا الفكون عن إعراب هذه الجملة (عرفت زيدا، أبو من هو؟) فتوقف الفكون وتلعثم، وكان صغير السن بين أولئك الطلاب الشيوخ وإنما حضر معهم لأنهم كانوا في مدرستهم، وكان الشيخ صاحب الدرس هو محمد بن راشد الزواوي وكذلك الشيخ محمد التواتي ولذلك أخبر (خجلت من ذلك وأعربت بعضه) ولم ينجده إلا شيخه ابن راشد إذ لقنه بقية الجواب. ولا نعتقد أن الفكون يروي هذا الخبر لكي يقنعنا بتعلقه بالنحو وامتيازه فيه، وإنما يذكر ذلك في نظرنا لكي يطلعنا على البواعث التي كانت وراء اختياره، وهي بواعث كما ترى في شكل إيحاءات ودلالات أكثر منها بواعث صريحة مباشرة، كتوجيه الآباء وكبار الأخوة وبعض المعلمين الجاهلين بقواعد علم النفس. ومهما كان الأمر فإن الذي أثر حقيقة على الفكون وجعله يميل إلى علم النحو ويحبه ويبرع فيه هما شيخاه محمد بن راشد ومحمد التواتي فعندما جاء الأول منهما للدراسة في قسنطينة كان الفكون ما يزال في حداثة سنه (ربما لم يتجاوز الثانية عشر)، إذ يقول أنه لم يكن قد جمع القرآن بعد أو جمعه لتوه. وقد اختاره الزواوي لتسميع الحاضرين في درسه وقراءة نص الدرس من كتاب المرادي في النحو، وكان ذلك لفصاحة لسانه ووضوح صوته وسرعة تعرفه على الخط ومكان الوقف. وهذا هو تعبيره (وكنت لفصاحة لساني أمسك له الكتاب وأقرأه عليه

стр. 121

للمناظرة، لسرعة إخراجي للخط وعدم توقفي فيه. فمن أجل ذلك اعتمدني لإقراء الكتاب). وأما فهم مسائل المرادي وإدراك قواعد الإعراب ونحو ذلك فما يزال الفكون بعيدا عنها ولكنه لازم ابن راشد على ذلك النحو، وكان يجد لذة وغبطة في مواصلة هذه المهمة ويحضر مناظرة ابن راشد للحاضرين، ويقرأ له أيضا من الكتاب المسألة التي يناظر بها، ويتفاعل مع شعر الشواهد ويستحسن معانيها وأخذ الفكون يجد بالتدرج ذوقه وقد صقل، واستطاب علم النحو دون غيره، وشجعه ابن راشد فكان يخصه بلفتة ويقرر له المسألة وحده بعد أن يخلص من تقريرها للتلاميذ الآخرين. وكان يحثه أيضا على حضور دروس الشيخ محمد التواتي التي ما جاء هو (ابن راشد) من زواوة إلا لحضورها. ويخبرنا الفكون أنه لم يكن يحضر دروس التواتي من قبل. بل كان ينفر منه، ثم هو لا يعرفه كل المعرفة وإنما كان يسمع عنه من الطلبة. ولكن بنصيحة ابن راشد صار الفكون يحضر دروس التواتي، وأحس كأن الله ألقى احترامه في قلبه بعد أن كان ينفر منه، وكبر ذلك الاحترام عنده حتى صار يرى التواتي كالأسد يزأر بعلم النحو في حلقة الدرس وكأن الطلبة الحائطين به أشبال. وكان الفكون في بداية أمره يجلس في آخر الحلقة بعيدا عن نظر الشيخ، كما كان التواتي لا يعيره أي اهتمام. وكان من عادة التواتي أنه يتضايق من سؤال السائلين الواردين على درسه خشية أن يكون هدفهم تعجيزه فقط أو مشاكسته. وشكا الفكون ذات مرة لابن راشد مما أحس به من جفاء الشيخ معه، ولكن ابن

стр. 122

راشد نصحه بمواصلة الحضور وعدم السؤال، كما كان يحس أن الدرس كان أقوى منه وأن معاني الشيح وإيراداته واحتجاجاته أبعد من فهمه. وكان الدرس، كما سبق، يجري في مدرسة آل الفكون، وكانت تقع مناظرات بين ابن راشد والتواتي يحضرها التلاميذ ومن بينهم الفكون ويعجبون بذلك. وكان بين الشيخين خلاف في الرأي يؤدي أحيانا إلى اختلاف في النتائح. فهذا ابن راشد كان يعتمد على كتاب ابن بابشاذ على الجمل، بينما كان التواتي يعتمد على سراج التسهيل. (فلم يتواردا على مورد واحد) كما يقول الفكون. وكانت في طبع التواتي حدة تؤدي به إلى سب ابن راشد أحيانا والثورة عليه. بل (كان لا يحتمل البحث ولا يرضاه ويضيق ذرعا، وجعل قوة علمه حفظ ما يلقيه لأصحابه) وظل الفكون غير معروف للتواتي إلى أن غاب مسمع الشيخ فأشار عليه ابن راشد بإعطاء الكتاب للفكون وعندئذ اكتشفه التواتي، فصيحا فطنا عارفا بالخط واضح الصوت فقربه إليه وجعل منه تلميذا ناجحا في النحو (١).

стр. 123

وقبل الشروع في حضور دروس الشيخين المذكورين، كان الفكون قد بدأ في دراسة النحو. وكانت الأجرومية هي مفتاح هذه الدراسة، فقرأها وحده وربما حفظها عن ظهر قلب، ثم قرأها بعدة شروح منها شرح خالد الأزهري (القطر؟) ثم شرح جبريل، وكان ذلك على يد الشيخ سليمان القشي النقاوسي. ولكن الفكون لم يجد لذة في ذلك ولم يستطع فهم مبادىء النحو التي تضمنتها الأجرومية ولا الشرحان المذكوران ولا دروس شيخه القشي. ولم يزد على ترديد العبارات المملة غير المفهومة عنده، وهي معرفة رفع الفاعل ونصب المفعول وخفض المجرور (ولا أستطيع أحسن الفرق بين ذلك وما لابسه من جهة المعنى، حتى حصل لي بداية الفتح الإلهي). ولا شك أن معظم علماء عصره كانوا يكتفون بترديد تلك القوالب دون الطموح إلى فهم ملابسات المعنى كما فعل الفكون. وكان الفكون يعالج الشعر أيضا ويتذوقه ويحكم على جيده وسقيمه. وقد ترك لنا ديوانا في المديح النبوي ومجموعة من القصائد المتفرقة في أغراض شتى وكلها تدل على متانة نظمه وقوة تعبيره وحذقه لصناعة هذا الفن، رغم أن مسحة الوعظ والتعليم بادية على شعره. كما أنه عالج ما يمكن أن نسميه بالنقد الأدبي فقد كان ينقد شعر غيره، ويقول عن هذا إنه أحسن القول وعن ذاك إنه هابط المعنى وكان يعرف من يستعمل الشعر للمدح السياسي والتقرب من الولاة مثل أحمد الفاسي ومحمد السوسي وأحمد المقري، ومن يستعمل الشعر الصوفي مثل محمد ساسي البوني، ومن يستعمل الشعر الاجتماعي الخفيف

стр. 124

مثل أحمد العطار الذي يقول عنه إنه كان يثير الضحك بشعره، وهكذا. وقد نظم الفكون ديوانه في المديح النبوي في مناسبة شخصية وهي إصابته بمرض ألزمه الفراش مدة طويلة. أما قصائده الأخرى فكان يضمنها رسائله إلى من يتراسل معهم مثل قصيدته المضمنة في رسالته إلى أحمد المقري، وقصيدته المضمنة في رسالته إلى محمد تاج العارفين العثماني التونسي، أو كان يرد بها على شعراء مدحوه مثل قصيدته في الرد على محمد السوسي. وله نوع آخر من القصائد وهو ما يبث فيه شكواه من بعض المعاصرين الذين سببوا له ضيقا وكادوا له مثل قصيدته التي قالها في الدعاء على ابن نعمون وسماها (سلاح الذليل في دفع الباغي المستطيل)، وقد يبث في شعره نصحه لأهل بلدته مثل قصيدته في حضر قسنطينة، وهكذا. أشار الفكون إلى ديوانه في عدة مناسبات، ولكنه لم يذكر نماذج من شعره فيه، ولم نعرف طريقته وأسلوبه في هذا الديوان إلا من خلال وصف العياشي له. والعياشي يعتبر مصدرا هاما عن هذا الديوان ما دام الآن مفقودا. فهو قد عرف صاحبه عن كثب ورأى الديوان كاملا عند ولد الفكون أثناء الحج، ونقل حوالي مائة بيت منه في رحلته، وتحدث عن مناسبته وموضوعه وترتيبه على حروف المعجم والتزامه فيه أن يبدأ كل سطر بحرف من حروف: (إلهي بحق الممدوح اشفني، آمين). فإذا جمعت حروف هذه العبارة وجدتها خمسة وعشرين حرفا، وفي كل حرف

стр. 125

قصيده من خمسة وعشرين بيتا أيضا. والقصائد التي ذكرها العياشي من هذا الديوان تمثل حروف الهمزة، والباء، واللام، والياء. وسنورد هذه القصائد في آخر الكتاب. والملاحظ أن الفكون قد انتهى منه سنة ١٠٣١ وكان المرض قد هاجمه حوالي سنة ١٠٢٥ ثم أخذ يخف عنه سنة ١٠٢٨. أما قصائده الأخرى فنحاول إيراد بعضها في آخر الكتاب لأنها تعكس وجهات نظره في الناس والحياة، ولأنها تمثل جزءا من إنتاجه الأدبي أيضا، كما أن فيها أخبارا عن حياته الخاصة وطموحاته كتشوقه إلى الحجاز في قصيدته التي رد بها على محمد السوسي، ومثل حملته على فساد أخلاق بعض أهالي قسنطينة. وقد سبقت الإشارة إلى هاتين القصيدتين. ونود أن نلاحظ أن مساجلته مع السوسي توضح رأيه فيه، إذ قال عنه إنه يراه أجل من أوراقه (١)، وفي قصيدته يقول الفكون في وصفه: تردى بببل واكتسى ثوب فخره ... له من قريض الشعر درع مفضض وقال عن السوسي أيضا أنه كان يمدح بشعره الأمراء، ومع ذلك لمح بأنه قد يفوقه في الشعر أيضا إذ قال عن القصيدتين

стр. 126

(والفرق بينهما يعرفه أهله) أي النقاد. فنحن نحس أن الفكون يريد أن يقول إن النقاد الذين يطلعون على قصيدته وقصيدة السوسي سيحكمون بتفوقه هو عليه. والحق أننا لا ندعي أن نكون نحن هؤلاء النقاد أو حتى منهم، ولكننا نحس بأن قصيدة الفكون أجود وأعمق، وقد افتخر فيها بأنه صاحب مكانة في الشعر ولكن قومه جهلوه وحسدوه. وما دمنا في مقام النقد فلنذكر أن الفكون نفسه يظهر أحيانا في مظهر الناقد أيضا. فقد كان كثيرا ما يقول إن فلانا كان يتعاطى الشعر وهو ليس منه. فهذا علي ابن داود الصنهاجي كان في نظر الفكون (يدعي الفصاحة وتقويم الشعر، وليس كما يدعي). وقال عن أحمد العطار: (وربما يتعرض للشعر ليأتى بما هو ضحكة للضاحكين. وربما جعل في جانبي قصائد مدح). ٥ - موقفه من قضايا عصره تعرضنا إلى موقف الفكون من ثورة ابن الصخري وبعض الأحداث المشابهة التي مرت بها بلاده، وعرفنا رأيه في حضر قسنطينة وما كانوا عليه مما يراه هو عيبا يجب التخلص منه كالتفاخر بالأجداد والشرف والتواكل ونبذ العلم كما عرفنا رأيه في بعض شيوخه وتلاميذه، وفى بعض عائلته كأبيه وجده. وقد بقي علينا أن نتتبع مواقفه من قضايا العصر عموما لنعرف رأيه فيها وحكمه عليها وما نريده (بالقضايا) أمر شائك ليس من السهل تحديده ولكن يبدو لنا أن رأي الفكون في علماء وأولياء ودراويش الوقت، وكذلك ولاة رئاسة الوقت، أمر تجدر معرفته. ولعلنا

стр. 127

نتحدث أيضا عن خصومه وحكمه عليهم، وكيف يرى البدعة وكيف يحدد مفهوم العالم، والحاكم، والدجال، القاضي، واللص، ونحو ذلك. وكيف يرى الحالة الاجتماعية في بلاده. من أقوال الفكون: (من أعان ظالما سلطه عليه). وهو يقصد بالظالم الحاكم غير العادل أو الحاكم الجائر الذي لا يرعى حرمة الله ولا يرحم الرعية. ويشير بذلك إلى أدعياء العلماء وأدعياء الولاية الذين يتقربون إلى الحكام الظلمة لمساعدتهم على ظلمهم بتسخير علمهم من أجلهم أو تسخير تصوفهم لهم لينالوا بذلك حظوة ومالا وقد عاشت قسنطينة في عهده على هذا النموذج، وكتابه مشحون بذكر الناس الذين تولوا مناصب شرعية ومخزنية (رسمية) وهم ليسوا أهلا لها، وقد حصلوا عليها بالرشوة وطرق الحرام، ومن أجل ذلك دخلوا السجون وذاقوا المنافى وتعرضوا للموت. كما يمتلىء كتابه بالحديث عن أولئك الأولياء والدراويش الذين جعلوا معارفهم الصوفية في خدمة الحكام الظلمة واللصوص ليفوزوا منهم بالمال وحرية الشعوذة والنصب والاحتيال. والأمثلة على ذلك أكثر مما تذكر. والفكون فيما نعلم قد صمت عن مدح الحكام العثمانيين في قسنطينة. ولكنه أيصا لا يرفضهم أو يؤيد الثورة ضدهم. وتسميتهم في كتابه متنوعة، فهم مرة (العجم)، ومرة (الترك) ومرة (العسكر)، أو السلطة، أو دار الإمارة. وقد يعرض بهم فيقول الحكام الظلمة. وقد يعرض بالظالم عموما فيتحدث عن فلان وارتكابه أمورا لا ترضي الله ورسوله فيقول عنه (لو كان في زمن

стр. 128

محتسب لله لكان له معه شأن وأي شأن!). تعريضا بنوم عين السلطة وغفلتها عن مثل هذا. وكثيرا ما ذكر تبادل الرشوة بين الحكام وسوء السلوك والاعتداء. وقد نظر بعين العطف إلى ثورة شيخه يحيى الأوراسي ضد هؤلاء الحكام، وأبدى عاطفة الأسف على مقتله غدرا. وكرر النكير على تواطىء السلطة المحلية مع من يسميهم: اللصوص والحرابة في الأرياف، ومن يسميهم أهل نوادي الفساد والخنا والخمور والدخان ونحوها في المدينة. وهو يقول عن تبادل المصالح بين بعض الأدعياء والحكام واستعمال سلاح الفرقة والتحالف والشرذمة: فلان يعطي الأمراء الجباية والخراج ليعينوه على الفريق الآخر الذي هو عدو له، أو يقول عن عالمين متنافسين: انحاز كل منهما إلى وال من الولاة يعتضد به على صاحبه، فكلما أقبلت دولة أحدهما أدبرت دولة الآخر. وقد يذكر أن فلانا كان يمتهن نفسه ويخدم الولاة ويعظمهم ويواليهم ويعطيهم الرشى وقد يصف أحدهم بأنه قد تعددت محنه في دار الإمارة وكثرت سجونه، وكثيرا ما يفر من الأوامر الواردة في الانتقام منه، وقد أغرم مرارا. وقد أشاد الفكون بموقف جده عندما أصر على مقتل اليهودي المختاري الذي كان، رغم إسلامه، قد سب الرسول، (ص)، ولم يبال (أي جده) بمعارضة كل من كانوا في المجلس بما فيهم الوالي والعسكر والقضاة. وكان للفكون أحكام خاصة على (علماء) وأدعياء الولاية في عصره. ونود أن نسوق جملة من هذه الأحكام التي تعكس في نظرنا مقاييسه في العلم وأهله وفي الوظائف الشرعية وفي المستوى العلمي الشائع عندئذ. ولكننا نبادر إلى القول بأنه كان،

стр. 129

كمعظم علماء وكتاب كل عصر، غير راض بالحالة العلمية التي عليها بلاده بل العالم الإسلامي بأسره. فقد كان يرى شيوع الجهل والانحطاط الأخلاقي وموت الضمير في معظم من خالط وما رأى. وهذه بعض الجمل التي توضح ذلك: فلان له بله في طريقة الدنيا. فلان سجن في مال أو مغرم من دار الأمارة أو له علاقة بالولاة. فلان اعتراه خبل في عقله آخر عمره أفضى إلى سجنه. فلان لا باع له في العلم غير أن شهرة أسلافه أورثته المنصب. فلان من أهل عصره الذين لا باع لهم في العلم إلا التشبه بالمناصب. فلان يداعب الكبار والصغار ويحب التهاتر. فلان مات في السجن عن مغرم لوالي قسنطينة. فلان قرأ على فلان إلا أنه لم يتقن ما قرأ عليه. فلان له فصاحة القلم دون اللسان. فلان يطرز فتواه بحكايات ونقول وتوجيهات حتى يظنها الظان أنها صواب. فلان كان يأخذ الأجر على فتواه. فلان اعتراه بعض النقص في إدراكه ويقال أن ذلك من أجل أكله حشيشة البلادر ولم يتقن صنعته. فلان كان كثير البحث عن الكنوز واستخدام الروحانيات. فلان شكت منه العامة وقلته الخاصة. فلان كان أمي الخطاب والكتابة لا يعرف طريق الخط ولا يحسن الوسم غير عارف بالهجاء. فلان كان عامي القلم والفكر لا يعرف ما يصلح به وضوءه وصلاته فلان يده منطلقة بالأخذ من أهل البادية وأهل البلد طعاما وعينا إلخ. ورغم نقد الفكون لأفراد من عائلة ابن باديس بالذات بنفس هذا الأسلوب الذي سقناه فإنه قال في جملتهم هذه العبارة الهامة: (وناهيك بهم من دار إصلاح وعلم وعمل وكيف

стр. 130

وصاحب السينية (١) وشرح مختصر ابن هشام (٢) ينبيك عمالها من كمال المعرفة والفطنة. ويقال إنه اجتمع فيهم أربعون كلهم صاحب منصب، حازوا المناصب الشرعية ببلدهم والمخزنية) (٣). إذا كان الفكون متحفظا من كل الوظائف الرسمية فإنه يبدو أكثر تحفظا من وظيفة القضاء خصوصا، ذلك أن هذه الوظيفة تجعل صاحبها في خدمة الحاكم، إذ هي من الوظائف السياسية - الدينية، كما أنها وسيلة للحصول على الثروة بحق وبغير حق، وطريق إلى غضب الله لمن كان لا يخشى الله في أحكامه. وطالما كان انحراف القضاة مدعاة للظلم الذي هو علامة الخراب في أية أمة. وقد ترجم الفكون لعدد ممن تولوا القضاء في قسنطينة وهم ليسوا أهلا له. وكثيرا ما يذكر أنه كان ينصح بعضهم بالتخلي عنه. وعندما ذكر بعض أقاربه الذين تولوا القضاء في العهد العثماني لم يمدحهم بل كان صريحا لدرجة أنه ذكر أن وظيفتهم أورثتهم مشاكل مع ولاة الأمر. ومن أقاربه الذين فعلوا ذلك جده قاسم بن يحيى الفكون (توفي سنة ٩٦٥ هـ). ومما حدث عنه بهذه المناسبة أن لقاسم المذكور أخا سئل عند وفاته أن يدفن إلى جانب أخيه قاسم فأبى قائلا إن أخاه كان قاضيا وهو

стр. 131

لا يحب الدفن إلى جانب من تولى القضاء (١) والمعروف أن قاسم الفكون تولى القضاء غالبا بعد اعتذار عمر الوزان عن قبوله. والغريب أن مترجمنا الفكون لا يذكر اعتذار الوزان هذا. هاجم الفكون البدع واعتبرها من سيئات عصره، واعتبر المبتدعة ضالين مضلين. وأعجب بالعلماء العاملين والمتصوفة الذين اتبعوا السنة وابتعدوا عن البدعة. وأشاد بالأخضري لنظمه قصيدة في الطعن على علي الغراب (بحامة قسنطينة) والأحسن جد قاسم ابن أم هانىء. وكان (أي الأخضري) (يظهر التكبر كثيرا على مثل هؤلاء، وجعل قصيدة فيهم وفي نظائرهم من بدعة زمانه) (٢) واعتبر الفكون البدعة وسيلة التجأ إليها بعض أدعياء التصوف للوصول إلى المال وسلب العامة والتلصص والتدجيل باسم الدين والتصوف. ويقول عن (الحضرة) التي هي في نظره بدعة منكرة: إنها (لعبة يتخذونها، يراؤون بها الناس ولا يستخفون من الله، بها يأكلون ومنها يتمولون، وعليها في قضاء أوطارهم يعولون، يجتمعون لذكر المولى، ﷻ ، فيغيرون اسمه، ويشطحون ويرقصون، وربما يتضاربون، فتراهم ككلاب نابحة، ولعابهم كمياه طافحة، وأنفاسهم كنيران نافحة. أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) (٣) وكثيرا

стр. 132

ما يستشهد الفكون بأحمد زروق والأخضري وابن عربي وابن البنا السرقسطي ومحمد بن مرزوق التلمساني وأبي القاسم العبدوسي. وتأسف الفكون على هبوط حالة العلم في بلاده في عصره واكتفاء الناس بالقليل منه، بل لقد عم الجهل في نظره وعزف الناس عن المعرفة والبحث والتلقي، وقنعوا بالخراقة والبدعة واستخدام الروحانيات والسحر وخطوط الرمل. وقد عاب الفكون على قومه ذلك ونادى بنبذ الخرافة والبدعة كما نادى بالعودة إلى السنة والعمل بالعلم وتحكيم العقل واليقظة لمعرفة الدين وحاجات الدنيا. وقد علق الفكون على قول المكودي في أرجوزته: هذا مع الجهل وشغل البال ... والاضطرار واضطراب الحال قائلا: (وإذا كان هذا في زمنه ومنار العلم منصوب، وعن آراء الجاهلين برشق نبال البراهين محجوب، فكيف بزماننا الذي فاض فيه عباب الجهل والدعوى، وطلعت كواكب البدع والأهوى (كذا) فلا ترى إلا مدعيا في العلم أعلى منصته، ومرتقيا في شامخ التربية أرفع قنته، جعلوا الطريقتين شباكا لتحصيل الدنيا منصوبة، وحبالات لجمعها بأوتاد حبها مضروبة، وما نظروا إلى عاقبة الأمر وعقابه، والوقوف بين يدي العالم بالخافيات ودقة حسابه) (١).

стр. 133

وقد جعل الفكون قصيدة خاصة في آخر كتابه (محدد السنان) وصف فيها حالة أهل قسنطينة عندئذ وما كانوا عليه من الجهل في نظره ومن التفاخر بالشرف والجدود، ومنابذة العلم والعلماء، والتباهي بالمراتب والرياسات. ولم يكتب هذه القصيدة، كما قال، إلا بعد ما (ضاق الصدر حين حاج الجنان، فانطلق اللسان بما كتبه الجنان). ومما جاء فيها: ألا فاحذر أناسا ند تبرا ... إله العرش منهم والملائكة وأبعدهم من الخيرات كلا ... وأصلاهم جحيما ذات حالك هم القوم الأراذل قد تسموا ... بجنس في الخليفة لا يشارك وقالوا نحن أحضار بدار ... نعم صدقوا ولكن في المهالك (١) وهناك قضية هامة شغلت الفكون وهي تناول الدخان في وقته. وكان استعمال شرب الدخان، قد شاع أمره بين المشرق والمغرب، واختلف فيه علماء الوقت هل هو حرام أم حلال، وبمعنى آخر هل هو مسكر من المسكرات فيجب تجنبه أو هو غير مسكر فيباح تعاطيه. وقد احتج كل فريق بحجج وبراهين، ولكن

стр. 134

ظلت المسافة بعيدة بينهم، فلم يصلوا إلى اتفاق. وممن أفتى في المشرق بحليته علي الأجهوري المصري. وكان جوابه وجواب غيره في الموضوع دافعا للفكون لكتابة تأليف سماه (محدد السنان في نحور إخوان الدخان). وسنتناول نحن هذا الكتاب في الفصل القادم، ولكن يكفي الآن أن نقول إن مؤلفه قد راعه إقبال أهل بلده على تعاطي الدخان، خصوصا أعيانهم وكبراءهم. وكان هو ينكر عليهم ذلك بشدة، ولكن بدون فائدة. واكتفى بتغيير ذلك بقلبه ثم عزم على التأليف المذكور لبيان مساوىء أهل الزمان ومحض النصح للإخوان. والمهم أن نلاحظ الآن أن الفكون حكم بتحريم الدخان لذاته وصفته وعوارضه. واستدل على ذلك بأقوال القائلين بالتحريم أمثال أبي الغيث القشاش (تونس) وعبد الله بن حسون (المغرب)، ومحمد السوسي (١). ويعرض الفكون لمثل هذه القضايا المعاصرة أورثه خصومة أهل العصر طبعا فكلامه كان لا يرضي الولاة ولا يرضي أنصاف العلماء ولا أدعياء المتصوفة ولا أعيان البلاد. فلا غرابة أن يقول عن ردود فعلهم جميعا عندما ألف كتابه (منشور الهداية): (وهو وإن رمقتني من أجله العيون، وانعقدت على بغضي القلوب وأكثرت الشؤون، فذاك، ولله الحمد، مما يسرني في الحال

стр. 135

والمآل، ويقوي رجائي أن يكون لي عدة في عظيم الأهوال، لوعد رب العالمين، ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ (١)، وهو هنا لا يحدد نوع الخصوم ولكن يظهر لنا أنهم هم الذين شنع عليهم في أفعالهم الصوفية والدنيوية وهم الذين يسميهم حزب الشيطان، وهم أيضا جماعات النوادي التي كانت مراكز للمفاسد، والمتلصصة والحرابة الذين كانوا يعيشون في ظلام الريف وفي غفلة أو تغافل من السلطة. ومن خصومه الذين ذكرهم بالاسم: محمد بن نعمون، وأحمد الميلي، وأحمد الغربي، وأحمد الفاسي، وعاشور الفكيرين (القسنطيني)، الخ. وابن نعمون في الواقع كان من عائلة معروفة وكانت لها قرابة مع عائلة الفكون حتى كانت بينهم مواريث، ويذكر الفكون أن أسلافه قد تخلوا عن زاويتهم إلى آل نعمون. ولكن وقعت بين الفكون ومحمد بن نعمون (الذي كان موظفا لدى السلطة) أمور جعلت الفكون يشعر بالضيق منه حتى التجأ إلى الله في الدعاء عليه بأخذه أخذ عزيز مقتدر. فقال عنه كان (يترصد لي في كل حالاتي الدوائر ما يرجع عقباها عليه، ويجتمع نكالها في الدنيا والآخرة لديه، غير أني أعطيه الأذن الصماء، وأكله إلى القادر الجبار القائم بالأرض والسماء، وأرجو منه أن يهدم مناره،. وابن نعمون هذا هو الذي قال فيه الفكون عبارته السابقة (لو كان في زمن محتسب لله لكان له معه شأن وأي شأن!) (٢).

стр. 136

أما أحمد الميلي فقد خاصمه لأن والد الفكون كان قد قدم الميلي للصلاة نيابة عنه، وعندما بلغ الفكون الابن سن الرشد قدمه والده للصلاة نيابة عنه بدل أحمد الميلي فغضب هذا لأنه حرم مالا وقيمة، وظل يخاصم الفكون الابن حتى نبغ هذا في العلم ونضج جسمه وعقله واعترف له، كما يقول الفكون، بالتقدم وجثا أمامه كما يجثو الصبي للمعلم. وكان عاشور الفكيرين في الواقع من تلاميذ الفكون، ولا ندري ما الذي جعله ينضم إلى خصومه من حضر المدينة (الناقمين عني قولا وفعلا)، فهل هذا مجرد إحساس من الفكون؟ إنه لم يذكر وقائع معينة تثبت خصومة عاشور له كما فعل مع الآخرين. ولكن أحمد الفاسي هجا الفكون بالشعر وباللسان وتقول عليه الأقاويل وانضم إلى خصومه الذين يسميهم الفكون (الأشرار) و (جماعة نادي الشرب) أولئك الذين رمقوه (كلهم بعين البغضاء، مع ما انطوت عليه بواطنهم من الحقد علي، والتعرض لإذايتي بما أمكنهم ولم يمكنهم إلا بأن هجاني (أي الفاسي) لأهل مجلسه) وقد فكر الفكون في الرد على الفاسي بهجاء مثل هجائه ولكن منعه، كما قال، مانع الدين والتقوى. ومن ثم يظهر لك أن حياة الفكون لم تكن كلها نعمة وبركة ورضى وسعادة. فقد كان يتعرض للأذى والنقد والكيد والهجاءمن خصوم كثيرين، وعلى رأسهم دعاة الفساد الاجتماعي والصائدون في الماء العكر من الحضر والعلماء والدراويش والولاة، وجميعهم كانت لهم مصالح في بقاء ما كان على ما كان وعدم تسليط الأضواء على أفعالهم وعقائدهم ومجونهم

стр. 137

وتلاعبهم، بل ولا يريدون التذكير بأحكام الدين ولا الوعظ بالكتاب والسنة، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ذلك، في نظرهم، تشويش عليهم وكشف لهم ومنغصة تعكر صفو حياتهم. ولعل الفكون لم يتمتع بشيء من الهيبة والتجلة إلا بعد توليه وظائف أبيه وإمارة الحج ومشيخة الإسلام. وقد تكون تلك الهيبة والتجلة خوفا منه لأنه كان صارما في حكمه متصلبا في دينه حيا في ضميره. ولا ندري إلى أي مدى استطاع الفكون أن يطبق في مرحلة حياته الثانية ما كان يدعو إليه نظريا في مرحلة حياته الأولى. ومهما كان الأمر فلدينا رأيان من معاصريه يصفانه وصفا يجعلنا نعتقد أنه وصف صادق. الأول رأي أحمد المقري الذي وصف الفكون قبل توليه الوظائف المذكورة (لأن المقري توفي سنة ١٠٤١) اوالثاني رأي الثعالبي الذي يبدو أنه عرف الفكون في حياته بقسنطينة والمشرق، أي بعد أن تولى تلك، الوظائف. يقول عنه المقري: (علم قسنطينة وصالحها وكبيرها ومفتيها، سلالة العلماء الأكابر، ووارث المجد كابرا عن كابر، المؤلف العلامة ..) وفي مكان آخر قال عنه: (عالم المغرب الأوسط غير مدافع، وله سلف ذوو شهرة، ولهم في الأدب الباع المديد، غير أن المذكور (يعني الفكون) مائل إلى التصوف، ونعم ما فعل!) (١). أما عيسى الثعالبي فيصفه بقوله: (رئيس علوم اللسان، وفخر

стр. 138

المنابر إذا خطب، ولسان المحابر إذا شعر أو كتب) وقال عنه إنه برع في فنون العربية من نحو وصرف وبلاغة ولغة، مع المشاركة التامة في الأصلين والفقه والحديث والتصوف وغير ذلك. كما قال فيه الثعالبي (انتهت إليه رياسة العلم في بلاده تدريسا وإفتاء وتصنيفا). وأخبر عنه أيضا أن الله جمع له بين العلم والعمل به، إلى كمال الزهد والورع والتعفف عن الناس. وعدم التأثر بكلام الناس حتى استوى عنده المدح والذم، مع المجانبة للطلبة وأهل الولايات الدنيوية وقلة المبالاة بهم وعدم الاهتمام بما يهدى إليه. وقد عرفنا أن الفكون لم يكترث بما قدم له باشا مصر من هدايا ومال. ونعتقد أن نفس الموقف كان يقفه مع جميع الولاة. ولعل وصف الثعالبي للفكون في أنه قد استوى عنده المدح والذم يصدق عليه في المرحلة الثانية من حياته. أما في المرحلة الأولى فقد عرفنا أنه كان يتأثر ويحس وكان أحيانا يدعو على خصمه، وكان يتألم أحيانا ولكنه كان في كل ذلك يحس بالرضى الداخلي لأنه مبشر بما بشر الله به المجاهدين في سبيله. وقد لاحظ أحد المؤرخين الأجانب أن الفكون كان الوحيد الذي نقد عصره، وإن مستوى العلم قد هبط بعده (١). وقبل أن نختم هذه النقطة نود أن نلاحظ أن الفكون لم يسلم في نظرنا من الخرافة ومن سيطرة العقائد المعاصرة. ذلك أنه طالما ذكر أشياء تبدو لنا اليوم غير عقلية، وهي لا تنسجم مع ما كان يدعو إليه من تحكيم العقل واتباع الكتاب والسنة ونبذ البدع.

стр. 139

فقد ذكر عددا من المرائي المنامية وتحدث عن كرامات رجال التصوف وأظهر التصديق لها والإيمان بها، في حين أنكر ما كان (يدعيه) الآخرون من كرامات وخيالات، ويعتبر ذلك خبالا في العقل وتصورات وروحانيات إلخ. وقد قص علينا أنه مال إلى علم النحو بعدما رأى جده في المنام يقدم إليه ورقة فيها (كان فعل ماضي) أو نحو ذلك. وصدق من قال له إنه رأى في بعض الكتب إن اسم الرسول، (ص)، في الجنة عبد الكريم وظنه (تبشيرا لي بموافقة اسمي لاسم هذا النبي الكريم) (١)، وقال إن كرامات الأولياء مما يجب الإيمان بها، وأخبر أنه نوى كتابة تأليف عن كرامات الشيخ عمر الوزان. ولذلك قلنا أن الفكون لم يستطع أن يتخلص من روح العصر رغم عقلانيته في نقده لأحوال الناس ودعوته الصريحة لنبذ البدع والتمسك بالكتاب والسنة وتدريسه علم النحو.

стр. 140

الفصل الثالث تآليفه - محدد السنان في نحور إخوان الدخان. - ديوان الفكون. - منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية. - فتح اللطيف (في الصرف).

стр. 141

تآليفه ألف الفكون مجموعة من الكتب والكتيبات التي يسميها تقاييد أو رسائل. وقد ألفها جميعا فيما يبدو قبل توليه وظائف أبيه إلا أقلها كما سنعرف. وموضوعاته متنوعة فيها الاجتماعي مثل منشور الهداية ومحدد السنان، وفيها اللغوي والنحوي مثل فتح اللطيف وشرح شواهد أبي يعلى، ومنها الأدبي مثل ديوانه وقصائده الأخرى، ونحو ذلك. وهو من أكثر معاصريه تأليفا وأهمية وتنوعا، إذا استثنينا ربما أحمد المقري. ونلاحظ أن بعض أعماله تقع في مجلد وبعضها لا يتجاوز الكراسة أو الاثنتين. وسنسلك مع إنتاجه هنا الطريقة الآتية. سنورد قائمة أعماله كما وردت في المصادر أو كما اطلعنا عليها، ثم نشرع في تحليل ما تمكنا من الاطلاع عليه منها، ولا سيما: منشور الهداية ومحدد السنان. وسنورد معها تواريخ تأليفها إذا عرفناه حتى يتعرف القارىء على تطور فكر الفكون واهتماماته. كما سنذكر معها المصدر الذي وجدت فيه أو أشار إليها ومناسبتها. وهذه هي قائمة إنتاج الفكون:

стр. 142

١ - (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية)، ألفه بعد ١٠٤٥ وقد اطلعنا عليه وسنخصه بالتحليل بعد قليل. ٢ - (محدد السنان في نحور إخوان الدخان)، انتهى منه سنة ١٠٢٥، وقد اطلعنا عليه أيضا، وسنعود إليه بالتحليل. ٣ - (ديوان شعر في المديح النبوي، انتهى منه سنة ١٠٣١، وسنعود إليه بالحديث. ٤ - (تقييد) ذكر فيه مرضه سنة ١٠٢٥ - ١٠٢٨، وأشار إليه في منشور الهداية قائلا عن المرض (وتلونه وعدم ثبات مجيئه على صفة واحدة، هو الذي أوجب تقييده في غير هذا) - منشور الهداية، ص ٢٤٣. ٥ - (شافية الأمراض لمن التجأ إلى الله بلا اعتراض) أو (العدة في عقب الفرج بعد الشدة)، نظم له ذكره في منشور الهداية، ص ٢٤٤، موضحا أنه غير الديوان المذكور، وهو توسل بالرسول، (ص)، وبأصحابه والتابعين والفقهاء والأولياء، أوله: بك اللهم مبدي الخلق طرا توسلي ... وفي كل أزماني عليك معولي ٦ - (مجموعة خطب)، أشار إليها في منشور الهداية عند الحديث عن الخطبة التي كتبها لأحد معاصريه (وهو أحمد بن باديس) قائلا عنها وهي (مذكورة مع جملة الخطب التي ألفتها في غير هذا)، ص ٢٥٣.

стр. 143

٧ - (سربال الردة في جعل السبعين لرواة الإقراء عدة)، وهو كراسة في واقعة وقعت له مع أحد معاصريه، وهو حميدة (أحمد) بن حسن الغربي، المتوفى سنة ١٠٣٠ أشار إليه في منشور الهداية، ص ٥٥.وقال إن (سببها مذكور فيها، فمن أراده فلينظره منها) دون أن يوضحه. ٨ - (تقييد) في كرامات الشيخ عمر الوزان. أشار إليه في منشور الهداية، غير أنه لم يذكر أنه ألفه وإنما تمنى على الله أن يقوم بذلك. ٩ - (نظم الدرر على شرح المختصر)، ويقصد به الشرح الذي وضعه على مختصر الشيخ عبد الرحمن الأخضري (يسميه عبد الرحمن بن صغير). أشار إلى ذلك في صفحة ١٧ و٥٠ من منشور الهداية. وكان عبد اللطيف المسبح هو الذي وضع الشرح الأول على مختصر الأخضري، ولكن الفكون لم يعجبه ذلك، وتولى هو ذلك بنفسه. وليس واضحا ما إذا كان الفكون قد قام بعمل شرح كله من عنده أو أنه أضاف فقط تعاليق على شرح المسبح، فهو يقول إنه نبه في عمله هذا على (فوائد فيه لم توجد في المطولات، ونكت حسان قل أن تلقى في غيره، وتنبيهات أخذناها من فحوى خطابه وفروع كملنا بها ما لم يفصح به كلامه). وأشار إليه أيضا في (محدد السنان)، ص ٧، عند حديثه عن محمد السوسي المغربي بقوله (وهو صاحب الوقائع التي نقلنا بعضها عند الكلام عليها في تأليفنا المسمى بالدرر في شرح مختصر الشيح الصالح أبي زيد عبد الرحمن بن صغير ....)

стр. 144

وواضح أن (نظم الدرر) قد ألفه قبل (محدد السنان)، أي قبل سنة ١٠٢٥. وكان السوسي قد توفي سنة ١٠٢٣. وهو مرة يسميه (نظم الدرر) ومرة (الدرر) فقط كما لاحظنا. ١٠ - (تقييد في مسألة حبس)، يقع في كراسة. وأثار إليه وإلى مناسبته في منشور الهداية، ص ٤١. وقد أخبر عن مناسبة هذا التأليف أن الشيخ يحيى بن محجوبة الذي كان من جيل جده ووالده عزم على فسخ حبس (وقف) تقربا لقائد قسنطينة عندئذ، محمد بن فرحات. فنازعه والد الفكون والشيخ التواتي وغيرهما في ذلك ولكنه لم يقبل منهم. فألف الفكون تأليفه المذكور، ولكنه لم يخبرنا ما إذا كان قد انتصر على ابن محجوبة فلم يفسخ الحبس أم لا. وتفصيل الموضوع أن رجلا يدعى ابن ميمون قد حبس حبسا وسماه باسم الصدقة وعقبه. وكانت لابن ميمون هذا بنت من بنات العقب في عصمة والد الفكون (يقول عنها: عجوزة للوالد) فنازعه والده، محمد الفكون، بأنه حبس لا يفسخ ولا يوهنه قوله بتلا بتا ولكن ابن محجوبة أصر على فسخه. (وجلب على ذلك ظواهر لم يفهم باطنها ومهمه بعباراته ولقلقته ..) وكان معه أتباع لا يعرفون إلا الانقياد وليس لهم باع في العلم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عقدوا للمسألة مجلسا بالجامع الأعظم (وصال إذ ذاك في المحفل) (يعني ابن محجوبة). وجاؤوه بأجوبة فقهاء أهل العصر، ومنهم الشيخ محمد التواني فقال ابن محجوبة أنه لا يعرف التواتي هذا، وصار أتباعه يسخرون من

стр. 145

الشيخ المذكور (١) وحضر محمد الفكون هذا المجلس وحاجج ابن محجوبة بما له من علم وبراهين ولكن ابن محجوبة فاجأه بأن ما جاء به ما هو إلا مغالطة (فانزعج الوالد وطلب مني الخروج إليه في المحفل). وبالفعل خرج مترجمنا إلى ابن محجوبة في المجلس المنعقد بالجامع الأعظم ودار بينهما ما دفعه إلى كتابة تأليفه الذي نحن بصدده، والذي يسميه أيضا (تقييدي في المسألة، الكراسة المشتهرة عند أهل البلد)، وبعد أن انتهى من تأليفها طلبها منه ابن محجوبة فأطلعه عليها جد الفكون من جهة الأم، وهو عندئذ محمد بن قاسم بن محمد الشريف، مزوار الشرفاء، ويخبرنا الفكون أن ابن محجوبة قد أذعن لما جاء في التقييد وكان من المنصفين. ويبدو من هذه الخاتمة أن الحبس لم يفسخ، وأن الفضل في ذلك يعود إلى قوة الحجج التي أوردها مترجمنا الفكون في المجلس ثم ضمنها هذا التقييد. ١١ - (سلاح الذليل في دفع الباغي المستطيل)، قصيدة أولها: بأسمائك اللهم أبدي توسلا ... فحقق رجائي يا إلهي تفضلا أشار إليها في منشور الهداية، ص ٢٤١. ونسخها منه تلميذه محمد وارث الهاروني المتيجي، واعتمد عليها في دفع ظلم عمه الذي اشتكى منه للفكون. كما استنسخها منه المغاربة. (فهي
следующие страницы →