تآليفه
ألف الفكون مجموعة من الكتب والكتيبات التي يسميها تقاييد أو رسائل. وقد ألفها جميعا فيما يبدو قبل توليه وظائف أبيه إلا أقلها كما سنعرف. وموضوعاته متنوعة فيها الاجتماعي مثل منشور الهداية ومحدد السنان، وفيها اللغوي والنحوي مثل فتح اللطيف وشرح شواهد أبي يعلى، ومنها الأدبي مثل ديوانه وقصائده الأخرى، ونحو ذلك. وهو من أكثر معاصريه تأليفا وأهمية وتنوعا، إذا استثنينا ربما أحمد المقري. ونلاحظ أن بعض أعماله تقع في مجلد وبعضها لا يتجاوز الكراسة أو الاثنتين. وسنسلك مع إنتاجه هنا الطريقة الآتية. سنورد قائمة أعماله كما وردت في المصادر أو كما اطلعنا عليها، ثم نشرع في تحليل ما تمكنا من الاطلاع عليه منها، ولا سيما: منشور الهداية ومحدد السنان. وسنورد معها تواريخ تأليفها إذا عرفناه حتى يتعرف القارىء على تطور فكر الفكون واهتماماته. كما سنذكر معها المصدر الذي وجدت فيه أو أشار إليها ومناسبتها. وهذه هي قائمة إنتاج الفكون:
стр. 142
١ - (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية)، ألفه بعد ١٠٤٥ وقد اطلعنا عليه وسنخصه بالتحليل بعد قليل.
٢ - (محدد السنان في نحور إخوان الدخان)، انتهى منه سنة ١٠٢٥، وقد اطلعنا عليه أيضا، وسنعود إليه بالتحليل.
٣ - (ديوان شعر في المديح النبوي، انتهى منه سنة ١٠٣١، وسنعود إليه بالحديث.
٤ - (تقييد) ذكر فيه مرضه سنة ١٠٢٥ - ١٠٢٨، وأشار إليه في منشور الهداية قائلا عن المرض (وتلونه وعدم ثبات مجيئه على صفة واحدة، هو الذي أوجب تقييده في غير هذا) - منشور الهداية، ص ٢٤٣.
٥ - (شافية الأمراض لمن التجأ إلى الله بلا اعتراض) أو (العدة في عقب الفرج بعد الشدة)، نظم له ذكره في منشور الهداية، ص ٢٤٤، موضحا أنه غير الديوان المذكور، وهو توسل بالرسول، (ص)، وبأصحابه والتابعين والفقهاء والأولياء، أوله:
بك اللهم مبدي الخلق طرا توسلي ... وفي كل أزماني عليك معولي
٦ - (مجموعة خطب)، أشار إليها في منشور الهداية عند الحديث عن الخطبة التي كتبها لأحد معاصريه (وهو أحمد بن باديس) قائلا عنها وهي (مذكورة مع جملة الخطب التي ألفتها في غير هذا)، ص ٢٥٣.
стр. 143
٧ - (سربال الردة في جعل السبعين لرواة الإقراء عدة)، وهو كراسة في واقعة وقعت له مع أحد معاصريه، وهو حميدة (أحمد) بن حسن الغربي، المتوفى سنة ١٠٣٠ أشار إليه في منشور الهداية، ص ٥٥.وقال إن (سببها مذكور فيها، فمن أراده فلينظره منها) دون أن يوضحه.
٨ - (تقييد) في كرامات الشيخ عمر الوزان. أشار إليه في منشور الهداية، غير أنه لم يذكر أنه ألفه وإنما تمنى على الله أن يقوم بذلك.
٩ - (نظم الدرر على شرح المختصر)، ويقصد به الشرح الذي وضعه على مختصر الشيخ عبد الرحمن الأخضري (يسميه عبد الرحمن بن صغير). أشار إلى ذلك في صفحة ١٧ و٥٠ من منشور الهداية. وكان عبد اللطيف المسبح هو الذي وضع الشرح الأول على مختصر الأخضري، ولكن الفكون لم يعجبه ذلك، وتولى هو ذلك بنفسه. وليس واضحا ما إذا كان الفكون قد قام بعمل شرح كله من عنده أو أنه أضاف فقط تعاليق على شرح المسبح، فهو يقول إنه نبه في عمله هذا على (فوائد فيه لم توجد في المطولات، ونكت حسان قل أن تلقى في غيره، وتنبيهات أخذناها من فحوى خطابه وفروع كملنا بها ما لم يفصح به كلامه). وأشار إليه أيضا في (محدد السنان)، ص ٧، عند حديثه عن محمد السوسي المغربي بقوله (وهو صاحب الوقائع التي نقلنا بعضها عند الكلام عليها في تأليفنا المسمى بالدرر في شرح مختصر الشيح الصالح أبي زيد عبد الرحمن بن صغير ....)
стр. 144
وواضح أن (نظم الدرر) قد ألفه قبل (محدد السنان)، أي قبل سنة ١٠٢٥. وكان السوسي قد توفي سنة ١٠٢٣. وهو مرة يسميه (نظم الدرر) ومرة (الدرر) فقط كما لاحظنا.
١٠ - (تقييد في مسألة حبس)، يقع في كراسة. وأثار إليه وإلى مناسبته في منشور الهداية، ص ٤١. وقد أخبر عن مناسبة هذا التأليف أن الشيخ يحيى بن محجوبة الذي كان من جيل جده ووالده عزم على فسخ حبس (وقف) تقربا لقائد قسنطينة عندئذ، محمد بن فرحات. فنازعه والد الفكون والشيخ التواتي وغيرهما في ذلك ولكنه لم يقبل منهم. فألف الفكون تأليفه المذكور، ولكنه لم يخبرنا ما إذا كان قد انتصر على ابن محجوبة فلم يفسخ الحبس أم لا.
وتفصيل الموضوع أن رجلا يدعى ابن ميمون قد حبس حبسا وسماه باسم الصدقة وعقبه. وكانت لابن ميمون هذا بنت من بنات العقب في عصمة والد الفكون (يقول عنها: عجوزة للوالد) فنازعه والده، محمد الفكون، بأنه حبس لا يفسخ ولا يوهنه قوله بتلا بتا ولكن ابن محجوبة أصر على فسخه. (وجلب على ذلك ظواهر لم يفهم باطنها ومهمه بعباراته ولقلقته ..) وكان معه أتباع لا يعرفون إلا الانقياد وليس لهم باع في العلم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عقدوا للمسألة مجلسا بالجامع الأعظم (وصال إذ ذاك في المحفل) (يعني ابن محجوبة). وجاؤوه بأجوبة فقهاء أهل العصر، ومنهم الشيخ محمد التواني فقال ابن محجوبة أنه لا يعرف التواتي هذا، وصار أتباعه يسخرون من
стр. 145
الشيخ المذكور (١) وحضر محمد الفكون هذا المجلس وحاجج ابن محجوبة بما له من علم وبراهين ولكن ابن محجوبة فاجأه بأن ما جاء به ما هو إلا مغالطة (فانزعج الوالد وطلب مني الخروج إليه في المحفل).
وبالفعل خرج مترجمنا إلى ابن محجوبة في المجلس المنعقد بالجامع الأعظم ودار بينهما ما دفعه إلى كتابة تأليفه الذي نحن بصدده، والذي يسميه أيضا (تقييدي في المسألة، الكراسة المشتهرة عند أهل البلد)، وبعد أن انتهى من تأليفها طلبها منه ابن محجوبة فأطلعه عليها جد الفكون من جهة الأم، وهو عندئذ محمد بن قاسم بن محمد الشريف، مزوار الشرفاء، ويخبرنا الفكون أن ابن محجوبة قد أذعن لما جاء في التقييد وكان من المنصفين. ويبدو من هذه الخاتمة أن الحبس لم يفسخ، وأن الفضل في ذلك يعود إلى قوة الحجج التي أوردها مترجمنا الفكون في المجلس ثم ضمنها هذا التقييد.
١١ - (سلاح الذليل في دفع الباغي المستطيل)، قصيدة أولها:
بأسمائك اللهم أبدي توسلا ... فحقق رجائي يا إلهي تفضلا
أشار إليها في منشور الهداية، ص ٢٤١. ونسخها منه تلميذه محمد وارث الهاروني المتيجي، واعتمد عليها في دفع ظلم عمه الذي اشتكى منه للفكون. كما استنسخها منه المغاربة. (فهي
стр. 146
شهيرة بينهم) (وهو يطلق كلمة الغرب والمغرب على إقليم الجزائر ووهران والمغرب الأقصى). وكان قد نظمها في الشيخ محمد بن نعمون.
١٢ - شرح مخارج الحروف من الشاطبية (في القراءات؟) ذكره له العياشي في رحلته ٢٠٦/ ٢، وعيسى الثعالبي، تلميذ الفكون، في (كنز الرواة).
١٣ - (شرح على إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة) لا نؤكد أنه ألفه، ولكنه وعد به صاحبه أحمد المقري في رسالة بعثها إليه سنة ١٠٣٨ ومعروف أن (إضاءة الدجنة) من تأليف أحمد المقري وهي في علم الكلام. انظر رسالة الفكون للمقري في (نفح الطيب) ٣/ ٢٣٨.
١٤ - (فتح اللطيف في شرح أرجوزة المكودي في التصريف). ألفه سنة ١٠٤٨ ذكره له العياشي في الرحلة ٢/ ٢٠٦، والثعالبي في
стр. 147
(كنز الرواة)، وسماه فيه (البسط والتعريف)، وقد اطلعنا على نسخة من هذا الكتاب وسنعود لوصفها بعد قليل.
١٥ - (فتح المالك) أشار إليه عدة مرات في كتابه (فتح اللطيف) مما يدل على أنه ألفه قبل سنة ١٠٤٨ والظاهر أنه شرح على لامية ابن مالك في التصريف، وهو يذكر صاحب اللامية أحيانا باسم صاحب (التسهيل)، وهو يحيل قارىء (فتح اللطيف) عليه فيقول: عليك به، فقد ذكرت فيه كذا وكذا من المباحث.
ولم يشر العياشي أو الثعالبي إلى هذا الكتاب، فيما نعلم.
١٦ - (شرح على شواهد الشريف بن يعلى علي الجرومية) التزم فيه عقب كل شاهد ذكر حديث مناسب للشاهد معنى وإعرابا، وقد أشار إلى وجود هذا الكتاب كل من العياشي والثعالبي في المصدر المذكور آنفا. ولم يشر إليه الفكون نفسه فيما لدينا من كتبه وآخرها (فتح اللطيف) الذي ألفه سنت ١٠٤٨ فيكون من الراجح أن شرحه على (شواهد الشريف بن يعلى) قد ألف بعد هذا التاريخ.
١٧ - (فتح الهادي في شرح جمل المجرادي) ولم يذكره الفكون في كتبه التي بين أيدينا فيما نعلم، مما يرجح أنه قد يكون ألفه أيضا بعد ١٠٤٨ وهو تاريخ لكتاب نعرفه له. ولكن (شرح الجمل) ذكره كل من الثعالبي والعياشي في المصدر المذكور، دون عبارة (فتح الهادي)، كما ذكره فايسات على أنه (شرح على جمل المجرادي).
هذه أسماء ما وجدنا له من مؤلفات ذكرها بنفسه أو نسبها إليه
стр. 148
تلاميذه كالعياشي والثعالبي. وقد يكون له غيرها من القصائد والرسائل والتقاييد والكتب. ولذلك نجد عبارة الثعالبي توحي بذلك فيقول بعد أن ذكر مؤلفاته (وله غير ذلك). وقد اطلعنا نحن على الكتب التالية، واستفدنا منها وصورنا بعضها، أو اطلعنا على نصيب منها (مثل ديوانه)، مما يمكننا من وصفه للقراء. وعسى أن تكشف الأيام عن بقية كتب الفكون أو بعضها لنعرف منها شخصيته وآراءه واهتماماته بطريقة أوضح وأوفى، وسنعرض لوصف هذه الكتب حسب تاريخ تأليفها:
١ - محدد السنان، سنة ١٠٢٥.
٢ - الديوان، سنة ١٠٣١.
٣ - منشور الهداية، بعد ١٠٤٥.
٤ - فتح اللطيف، سنة ١٠٤٨.
١ - محدد السنان في نحور إخوان الدخان
موضوع هذا الكتاب، كما يدل العنوان، هو بيان الحكم الشرعي في تناول الدخان، أو التدخين كما نقول اليوم، فهل هو حرام يجب تجنبه أو حلال يمكن تعاطيه. وليس الفكون أول من تناول هذا الموضوع ولا آخرا فقد خاض فيه الخائضون قبله وبعده من الفقهاء والصوفية والأدباء، مشارقة ومغاربه، ولم ينتهوا فيه إلى رأي واحد. وممن كتب عنه من الجزائريين في عصر الفكون، أحمد المقري، صاحب (نفح الطيب)، ومحمد بن سليمان صاحب (كعبة الطائفين)، ومحمد بن رأس العين الشاعر المعروف. ولكن الفكون كان أكثرهم جرأة ووضوحا وثورة على
стр. 149
تناول الدخان حتى أنه جعل عنوان كتابه يوحي بذلك فسدد سيفه البتار إلى رقاب متعاطيه، واعتبر ذلك من الجهاد في سبيل الله.
وهذا الكتاب من أوائل ما ألف الفكون. فهو يعود إلى سنة ١٠٢٥. ويبدو أن الأيدي تناولته بالنسخ منذ تأليفه، ومع ذلك لم تصل إلينا منه نسخة كاملة صحيحة. والذي وصل إلينا منه نسخة نسخها حاج مغربي يسمى محمد بن عبد الرحمن الحسني التادلي سنة ١١٧٨، أي أكثر من قرن بعد وفاة المؤلف. ومع ذلك فقد أحسن التادلي بكتابة هذه النسخة إذ لولاها لما عرفنا حجم الكتاب ولا طريقة صاحبه ولا محتواه كاملا ولكن الحاج التادلي شكا أنه إنما نسخه من نسخة محرفة ومصحفة وفي بلاد بعيدة عن موطنه وفي ظرف خاص هو وقت الرجوع من الحج. وهذه الأسباب جعلت نسخته تبدو ناقصة، ومع ذلك فما دامت الوحيدة الموجودة، فيما نعلم، فهي مهمة للغاية.
ومن حسن الحظ أننا حصلنا على صورة عن نسخة الحاج التادلي من كتاب (محدد السنان) بعد جهد جهيد ومحاولات مضنية. فقد كنا عرفنا عن وجودها بالمكتبة الملكية بالرباط، تحت رقم ٦٢٢٩. ومن الذين أشاروا إلى وجودها هناك الباحث المغريى المدقق محمد المنونى في بحث له ألقاه بتونس عام ١٩٧٤، بمناسبة انعقاد المؤتمر الأول لتاريخ المغرب العربي وحضارته (١) وحاولت الحصول على صورة من
стр. 150
الكتاب ولكن تطور العلاقات بين الجزائر والمغرب حال دون تحقيق ذلك. وظلت النية معقودة والعزم متوفرا إلى أن حقق لنا الأخ الدكتور عبد الجليل التميمي هذه الأمنية وقدم لنا صورة منه مأخوذة عن نسخة المحاج التادلي المذكورة (١) وقد درسناها وأخذنا منها معلومات جديدة عن حياة الفكون وحياة مدينة قسنطينة في أوائل القرن الحادي عشر. وها نحن نقدم ذلك إلى القراء.
يذكر الفكون في نهاية كتابه أنه انتهى من (محدد السنان) يوم الجمعة أواسط شهر رجب من عام خمسة وعشرين بعد الألف (١٠٢٥). ولكنه يوضح أنه لم يعمل فيه النظر بعد وإنه إنما صاغه الصياغة الأولى فقط، أو كما نقول اليوم إنما هو في شكل مسودة لم تنقح. وهذه عبارته (هذا آخر ما رمت جمعه، وأردت من المولى العالم بالخنيات نفعه. ووافق الفراغ منه مسودة من غير تصحيح ولا إعادة نظر على يد مصنفه وكاتبه عبد الكريم بن محمد ابن عبد الكريم الفكون التميمي نسبا). ويبدو أن الفكون لم يعد أبدا إلى كتابه فينقحه ويصححه، أو أنه فعل ولكن النسخة التي وصلت منه إلى الحاج التادلي هي تلك التي لم تنقح ولم تصحح. لماذا؟ لأن الحاج التادلي قد اعترف أنه إنما نقل نسخته عن نسخة فيها تحريف وتصحيف، ولكنه لم يذكر أنها كانت بخط مؤلفها أو نسخة أخرى منقولة عن نسخة المؤلف غير
стр. 151
المصححة، والمهم الآن أن الحاج التادلي أخبرنا بوقت ومكان نسخته وحالتها، فقال: (ووافق الفراغ منه، كما وجد من التصحيف والتحريف في بعض مواضعه، في مدينة تطرابلس (كذا) سنة رجوعنا من حجة الفريضة. يوم الأحد سابع وعشرين رمضان عام ١١٧٨ (هكذا بالرقم ثمانية) تسعة (هكذا) وسبعين بعد المائة والألف، على يد كاتبه لنفسه ولمن شاء الله بعده، محمد بن عبد الرحمن الحسني نسبا التادلي دارا ومنشأ) (١).
وقد استعمل الحاج التادلي العبارات التقليدية المحفوظة في وصف صاحب (محدد السنان) فقال في بداية النسخة بعد البسملة والتصلية: (قال الشيخ الإمام العالم العلامة الورع الحافظ الفاضل العارف الرباني، الفرد الصمداني، البركة سيدي عبد الكريم الفكون رحمه الله تعالى ورضي عنه). ونحن لا ندري من أين جاء الحاج التادلي بهذه الأوصاف للفكون الذي عرفناه إماما وعالما وعلامة بالفعل، وورعا وحافظا وفاضلا بالواقع، ولكننا لم نعرفه عارفا ربانيا ولا فردا صمدانيا ولا بركة، ذلك أن هذه عبارات معروفة عند الصوفية الغارقين في التصوف الذي أنكره الفكون نفسه. فهل كان الحاج التادلي قد اطلع على أمور من حياة الفكون لم نطلع عليها أو أنه كان ينقل عن العياشي والثعالبي اللذين أخبرا معا أن الفكون قد (تحول) من العلم إلى
стр. 152
الصوف ومن التدريس إلى الانزواء عن الناس؟ إننا نرجح الرأي الثاني. ونحن قد نبهنا إلى أننا نشك في فهم العياشي والثعالبي لسلوك الفكون منذ توليه وظائف أبيه وإمارة ركب الحج وتلقيبه بشيخ الإسلام (١).
والحاج التادلي ليس أول من اطلع على (محدد السنان) ولكنه أول من نسخه (لنفسه ولمن شاء الله بعده). فقد اطلع عليه أيضا العياشي صاحب الرحلة قبل ذلك بقرن، ولخصه تلخيصا في بضع صفحات في رحلته. وأخبرنا عن عنوانه وموضوعه وطريقة صاحبه في تأليفه وأهم الأجوبة والمناقشات التي تضمنها، وخلاصة التعليلات التي استند عليها الفكون في تحريم الدخان (٢) والغريب وأن الورثلاني الذي حج في نفس الوقت الذي حج فيه التادلي تقريبا لم يشر إلى (محدد السنان)، ولم ينقل عنه رغم أنه كان من الصوفية. ولعل في مكتبات عائلات قسنطينة نسخة أخرى منه. ذلك أن العياشي عندما لخصه إنما فعل ذلك من المخطوطات التي كان ولد المؤلف يحملها معه إلى الحج.
وإذا كان العياشي قد صرح بأنه إنما أخذ عن مخطوطات المؤلف التي كانت عند ولده، ولم يشر إلى التصحيف والتحريف فيها،
стр. 153
فإن الحاج التادلي لم يذكر أصل النسخة التي نقل عنها. ومهما كان الأمر فإن ما نستنتجه من ذلك هو تعدد نسخ (محدد السنان) ووجودها بالجزائر وبغيرها.
افتتح الفكون كتابه هذا ببيان الدافع الذي دفعه لكتابته، فقال إن تناول الدخان قد شاع أمره بين العامة والخاصة، وأن العامة تقلد في ذلك كبراء البلد، وأن بعض العلماء أفتوا بحليته ولم يعتبروه مسكرا ولا مضرا، فأقبل عليه الناس لما يجدون فيه من النشوة والراحة. وكان هو يراقب ذلك فيحز في نفسه وليس له من سلاح سوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان. فإذا به يصبح عدوا لمن نهاهم، اتخذوه هزوءا وهجره أصحابه، فلم يسعه إلا الصمت وتغيير المنكر بالقلب. ولكن كتابات المؤلفين في الموضوع والمفتين فيه حركته لتدوين رأيه أيضا والرد على من تجرأ بالقول بحلية الدخان رغم وضوح ضرره في نظره. ومن نتائج بحثه وردوده وأمثلته خرج (محدد السنان).
معظم العلماء الذين ذكرهم قائلين بإباحة الدخان كانوا في نظر الفكون متساهلين في الدين أو خادمين لأصحاب السلطة، ولم يكونوا يراعون أحكام الشرع ومصلحة الأمة. فهذا مفتي القيروان إنما أفتى بإباحة الدخان لأنه (خدم به حضرة أمير إقليمه آنذاك). واتهم الشيخ علي الأجهوري المصري (الذي كان الدافع الأساسي إلى كتابة محدد السنان) بالتساهل في أحكام الشريعة وتعاطيه الدخان. ونفس التهمة وجهها لمفتي القيروان الذي قال إنه أضر بفعله أكثر مما أضر بقوله. واتهم علماء المشرق عموما
стр. 154
بالتساهل في أمور الدين وعدم احترام المساجد ومجاراة الولاة والعامة، ونحو ذلك. وكما وجد الفكون هذا الصنف من العلماء القائلين بإباحة الدخان وجد آخرين منهم يحرمونه ولذلك انتصر بهم على الأولين واستشهد بأقوالهم. ومنهم إبراهيم اللقاني المصري وخالد الزواهي (؟) مفتي مكة المكرمة، ومفتي اسطانبول محمد بن سعد الدين، وبعض علماء المغرب وتونس، مثل محمد السوسي (١) وأبي الغيث القشاش وعبد الله بن حسون.
ورغم أننا سنسوق مقدمة هذا الكتاب في الفصل الخاص بالنصوص فإننا نذكر هنا بعض عبارات المقدمة التي قدم بها الفكون كتابه: (أما بعد، فقد دهت بلية وقعت بالبلاد، وسرى سمها في الحاضر والباد، وانتحلت مذهبا في الأقطار، وتوارثته عن سلفتها الأشرار، وتذرع لارتكابها بأكابر الأغمار، لما توهموا الإباحة، إنها لا تعمي الأبصار) (٢) أما خطته في هذا الكتاب فتتلخص في أنه بعد المقدمة المذكورة أوضح أن اجتناب شرب
стр. 155
الدخان يقوم على مباحث ثلاثة: الأول اجتنابه من حيث ذاته، والثاني في تحريمه من حيث صفته، والثالث في تحريمه من حيث عوارضه. وقد أكثر من النقود عن الأيمة السابقين القائلين بتحريم تناول الدخان وناقش بالمنطق آراء المخالفين واستند في كثير من آرائه على مشاهدات الواقع المعاصر وعلى أحداث جرت في زمنه أو سمع عنها، ثم انتهى إلى تحريم التدخين. وقد أنهى الكتاب بخاتمة في أحوال خاصة بلدة قسنطينة وما هم عليه. نقصد بـ (الخاصة) أعيان الحضر. وهذه الخاتمة مهمة في حد ذاتها لأنها قطعة من الحياة الاجتماعية للمدينة وأهلها. وقد ضمنها القصيدة التي ذكرناها له والتي ذم فيها بعض المظاهر السلبية لهؤلاء الحضر كاعتمادهم على المراتب والأنساب والشرف وميلهم إلى الجهل والكسل والتواكل.
ويمكن تلخيص الفوائد التي يجدها القارىء، في (محدد السنان) في هذه النقط:
١ - حديث المؤلف عن شيوع تناول الدخان بكثرة في الجزائر في عصره، معتبرا ذلك (بلية) و (معضلة) و (سما).
٢ - واقعة الجراد بقسنطينة سنة ١٠٢٣ التي فصل آثارها الاقتصادية والاجتماعية ودور الدخان في الموضوع (١).
٣ - ذهاب وفد من علماء الجزائر إلى اسطانبول برئاسة المفتي
стр. 156
سليمان الأوراري وما دار بينه وبين مفتي اسطانبول محمد بن سعد الدين حول الدخان.
٤ - حالة العلم في قسنطينة ولا سيما أثناء حديث الفكون عن الشيخ محمد السوسي المغربي هناك. والمساجلة الشعرية التي جرت بينه وبين السوسي.
٥ - قصيدة الفكون في حضر قسنطينة والأحوال الاجتماعية في هذه المدينة، سيما تناول الدخان وسماع الموسيقى إلخ.
وهكذا يكون (محدد السنان) مصدرا هاما من مصادر الحياة الاجتماعية بقسنطينة خلال القرن السابع عشر (١١ هـ).
٢ - ديوان الفكون
لو جمعنا القصائد التي نظمها الفكون في المدح النبوي بمناسبة مرضه لتجاوزت سبعمائة بيت. وهذا عدد كاف لنسمي هذه المجموعة ديوانا أما شعره الذي قاله في التوسل والمساجلة والوعظ والرثاء ونحو ذلك فغير داخل في هذه الدراسة هنا، وقد أشرنا إليه فيما مضى. ولم يسم الفكون شعره في المديح النبوي ديوانا وإنما سماه قصائد، أما الذي أطلق عليه اسم الديوان فهو العياشي.
وبفضل العياشي بقيت لما نماذج من هذا الديوان. فهو الذي نقل منه حوالي مائة بيت في رحلته. ولا نعلم أن هناك غيرها الآن (والباقي حوالي ٦٠٠ بيت) (١) والفكون نفسه يذكر لنا مناسبة هذا
стр. 157
الديوان، وهو مرضه، وطريقته فيه. فقد رتبه على حروف الهجاء مضمنا كل حرف من الحروف حروفا تقرأ من أول كل بيت في الحرف، فإذا جمعتها إلى بعضها تؤلف لك (اللهم اشفني بجاه محمد، آمين) (١) أما عبارة العياشي في ذلك فهي (ومن تآليفه. ديوانه في مدح النبي، (ص)، المرتب على حروف المعجم، وكتب عليه مما يمدح به عند الغمة وساعة الغياهب المدلهمة، والتزم (فيه) أن يجعل قصيدة مثلها أبياتا (٢) ولا شك أن كلام العياشي واضح، ولعله أوضح من كلام الفكون في وصف طريقة ترتيب الديوان. فهذه حروف المعجم خمسة وعشرون حرفا. وفي كل حرف منها قصيدة من خمسة وعشرين بيتا، وفي أول سطور كل قصيدة خمسة وعشرون حرفا إذا جمعتها إلى بعضها تعطيك جملة خاصة هي عند الفكون (اللهم اشفني بجاه محمد، آمين) وعند العياشي هي (إلهي بحق الممدوح اشفني، آمين). فأي من هاتين الجملتين أصح؟ هل نأخذ بكلام المؤلف (الناظم) أو نأخذ بكلام الناقل الواصف؟ وهل الصحيح: اللهم اشفني. أو إلهي بحق الممدوح.؟ أو كلاهما صحيح؟ لقد رجعنا إلى القصائد التي نقلها العياشي من هذا الديوان فإذا الحروف الصحيحة من أول كل سطر فيها هي قوله هو (إلهي بحق الممدوح.)، واستخرجنا منها فعلا خمسة
стр. 158
وعشرين حرفا بهذا المعنى. ولكن جملة الفكون (اللهم بجاه محمد.) لا تنطبق أبدا، وهذه حروف جملة العياشي:
ا - ل - ا - هـ - ي / ب - ح - ق / ا - ل - م - م - د - و - ح / ا - ش - ف - ن - ي / ا - ا - م - ي - ن/
الجملة ٢٥ حرفا (مع عدم مراعاة التضعيف في - بحق -).
وهذه حروف جملة الفكون:
ا - ل - ل - ا - هـ - م / ا - ش - ف - ن - ي / ب. ج - ا - هـ / م - ح - م - م - د / ا - ا - م - ي - ن/
الجملة ٢٥ حرفا مع عدم مراعاة التضعيف في ميم (اللهم).
ولا يوجد بيت في القصائد التي اطلعنا عليها يبدأ بحرف (جيم). ولذلك فنحن نرجح ما ذهب إليه العياشي ونستبعد ما ذكره الفكون عن ترتيب كل قصيدة لأن الواقع ينفيه. ونعتقد أن الفكون كان يشير إلى المعنى الذي قصده وليس الانطباق الفعلي لحروف الجملة التي جاء بها على ما التزم فيه بالقصائد. وإذا أردت أن تستخدم هذه المعلومات بنفسك فعليك أن ترجع إلى النماذج المذكورة في آخر هذا الكتاب. فنحن من أجل ذلك نقلناها عن العياشي، ومن أجل أنها القصائد الباقية من هذا الديوان الذي يعتبر في حكم المفقود.
وأنت إذا عدت إلى شعر الفكون في هذا الديوان فإنك تجده متين اللفظ جزل العبارة، ولكن معانيه معروفة ومستهلكة. فهو يتوسل بالنبي، (ص)، إلى الله ليشفيه من مرضه الشاذ. وهو أيضا
стр. 159
يستعمل نفس المعاني بل أحيانا نفس الألفاظ التي تجدها عند أي شاعر من شعراء المديح النبوي، كأوصاف الرسول، (ص)، ومراحل حياته وجهاده وفضائله ومواقفه ومعجزاته ونحو ذلك. يضاف إلى ذلك هذا (الالتزام) الذي ألزم به الفكون نفسه من جعل عدد قصائده لا تزيد ولا تنقص عن حروف الهجاء، ومن جعل كل قصيدة لا تزيد ولا تنقص عن خمسة وعشرين بيتا، ومن جعل الحروف الأولى في كل قصيدة هي الحروف الموجودة في جملة (إلهي بحق الممدوح اشفني، آمين)، فليس هناك مثلا بيت يبدأ بحرف الجيم ولا الخاء ولا التاء إلخ. في جميع القصائد. وهذا تكلف قد يناقض الصدق، وهو على كل حال تكلف يناقض الشعر.
فإذا تجاوزنا عن المعتاد في قصائد المديح النبوي وجدنا الفكون ينهي قصائده التي بين أيدينا بالتوسل وطلب الشفاء، ويصف حالته العليلة. فهو يقول في آخر قصيدة قافية الهمزة:
أيا خير خلق الله أنهيت قصتي ... إليك فإن الجسم بالسقم يرزأ
أنلني المنى من جود طولك إنني ... على ظمأ من منهل العذب أملأ
منادي الشفا مما به الجسم مبتلى ... تشفع فذو الآلام ينجو ويبرأ
يمين جرت من ناظم عن تيقن ... بان لك جاها ليس داعيه يخسأ
стр. 160
نظمت وقد أهديت أبغي الرضى غدا ... وما هو في الأبيات للصدر مبدأ
وفي آخر قافية الباء يقول الفكون، وهو دائما يتحدث عن جسمه وعلته وعن استغاثته بالرسول، (ص):
ينادي عليل الجسم غوثا بباكم ... فيشفى كما الأسقام عن ذاك تسلب
نهضت بمدحي مستغيثا وطالبا ... فلاحا وما في أول الشطر يجلب
أما من قافية اللام فنقتطف هذه الأبيات التي يخاطب فيها الفكون (نخبة لم يخلق الله مثلها) ويقصد بذلك الرسول، (ص)، وفي هذه الأبيات يلاحظ بعض المعاني الصوفية والألفاظ الروحانية كقوله (كي يذهب الشكل) و (أنت لي طبيب ومنك الطب) إلخ:
أيا نخبة لم يخلق الله مثلها ... جنيت وبالأوزار ينهكني الثقل
أتيت ذليلا خائفا بابك الذي ... به أمن المذعور وانقشع المحل
محلك غوث والعليل به التجأ ... تريح من الآلام كي يذهب الشكل
يحن طبيب للمصاب وأنت لي ... طبيب ومنك الطب إذ ما بدا السؤل
стр. 161
نسائلك التخليص من كل عاهة ... وفوز الرضى والسؤل من مبدأ يجل
ولعل العياشي أراد أن يطلعنا أيضا على آخر القصائد في الديوان وهي قافية الياء. وقد افتتحها الفكون بقوله مخاطبا الرسول، (ص).
مدحتك والتقصير شأني وشيمتي ... وقد خفت من ربي إذا جئته حيا
دعاني الصبا للهو حتى إفاقتي ... مقاما تراني قد خبئت به السعيا
ولعت بآثامي زمان شبيبتي ... وحملة ما الأهواء ما حسنت رأيا
اغثني إذا ما الموت أحكم سكرتي ... بحضرتك الحسناء تصلح لي الوصيا
وها أنت ترى أن هذا الشعر ليس فيه جديد، إلا أن قائله هو الفكون، ويمكن أن يقوله كل من كان قادرا على النظم. غير أن الرجل كان يعاني مرضا خطيرا، وكان يقضي وقته في التفكر في الآخرة واقتراب الأجل، وبدل أن يموت كمدا وغما أخذ يدعو الله الثناء ويتوسل في ذلك بالنبي، (ص)، ويعاني نظم الشعر كما كان يعاني آلام المرض، ولعل نظم هذا الشعر قد ساعده على تخفيف آلام المرض والتفكر فيه دائما. والبحر الطويل الذي نظمت به هذه القصائد (والظاهر أن كل الديوان منظوم بهذا
стр. 162
البحر) يساعد على النفس الطويل ومد الآهات بالتأوه والشكوى ويساعد على بث الآلام وجر الحزن. وقد عرفنا أن مرضه قد طال عليه ولم يعرف له سببا ولا علاجا. قال إنه ظل سنة لا ينام أبدا، وسنة لا يغشاه النوم إلا قليلا، وأخذ يخف عليه المرض في السنة الثالثة فعاد ينام نوما عميقا ولكن غير عادي. ووصفه بأنه مرض متلون وغير ثابت، وأنه قد جعل جنبه الأيسر يختلج وأصبح من جرائه يتصبب عرقا في كل آن. وكان ذلك كما عرفنا في منتصف الثلاثينات من عمره (بين ١٠٢٥ - ١٠٢٨).
ويخبرنا العياشي أن الفكون قد انتهى من نظم ديوانه سنة ١٠٣١، أي بعد أن خف عنه المرض وأخذت غيومه تنقشع، ولعله كان قد بدأه أثناء المرض واستمر فيه حتى انتهى منه في تلك السنة. ويخبرنا العياشي أيضا أن الديوان الذي نقل عنه كان بخط الفكون نفسه وأنه نقل عن النسخة التي كانت عند ولده أثناء لقائه معه في حجته سنة ١٠٧٤ وكان محمد، ولد الفكون، هو أمير ركب حج الجزائر في تلك السنة خلفا لوالده الذي توفي سنة ١٠٧٣ بالطاعون. ومن المناسب أن ننقل عبارة العياشي بهذا الصدد لأنها ذات مدلول خاص (وبآخرها (أي القصائد)، بخطه، تم بحمد الله وحسن عونه هذا المديح، في المصطفى المليح الفصيح، في ليلة الجمعة وقت العشاء منها ليلة ثلاثة وعشرين من جمادي الأخيرة من سنة واحد وثلاثين وألف، عرفنا الله خيره وكفانا شره، بجاه رسول الله وأصحابه وأوليائه، وأسأله بحرمة المديح والجاه أن يعجل بالشفاء الذي لا سقم معه ويتحف بالمطلوب، وما هو لي فيه مرغوب، إنه سميع مجيب، مع عقب
стр. 163
صالح. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (١) وقد حقق الله للفكون الأملين معا فزال عنه المرض وصلح عقبه إذ تولى ابنه محمد وظائفه بعد وفاته، كما عرفنا.
٣ - منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية
يعتبر (منشور الهداية) أفضل ما ألف الفكون، بل أفضل الكتب المؤلفة في العهد العثماني بالجرائر. فهو ليس كتاب تراجم بالمعنى المتعارف عليه لدى كتاب التراجم، وليس تخليدا لملك أو أمير أو باشا كما فعل بعض كتاب ذلك العصر، وليس كتابا في التصوف وأحوال الدراويش والانهزامية التي ألف فيها أيضا بعض مثقفي تلك الفترة. ولكنه كتاب في النقد الاجتماعي والنقد السياسي والنقد الديني، وهو أيضا كتاب عن أحوال الناس وزعمائهم السياسيين والمثقفين والدينيين، وعن علاقات هؤلاء جميعا بعضهم ببعض. إنه وثيقة حية هامة عن حالة ذلك العصر، وهو يصلح أن يكون نموذجا لما كان شائعا في العالم الإسلامي كله عندئذ، لأن ما فيه من وصف الأحوال والعلاقات والأفكار ليس خاصا بالجرائر. وقد تكون الكتب الأخرى التي ألفها الفكون في النحو والصرف والحبس، وحتى كتابه عن تحريم التدخين، وديوانه في المدح النبوي - كلها قد فاتها الوقت وأصبحت تدرس كأعمال مضى عليها الزمن، أما (منشور الهداية) فإنه الكتاب الوحيد الذي سيظل في نظرنا حيا خالدا لعمق أفكار
стр. 164
صاحبه فيه واحتوائه على المعلومات الاجتماعية والإنسانية التي قل من تعرض لها من قبل بتلك الطريقة.
لم يؤرخ الفكون الانتهاء من تأليف (منشور الهداية) ولكن يغلب على الظن أنه قد ألفه بعد سنة ١٠٤٥ لأنه تحدث فيه عن وفاة والده التي وقعت في تلك السنة. ولا نجده قد ذكر تاريخا آخر بعد هذه السنة. والمعروف أنه تولى هو وظائف أبيه بعد وفاته وزاد عليها إمارة ركب الحج ولقب مشيخة الإسلام. والمعروف أيضا أن ثورة ابن الصخري قد وقعت سنة ١٠٤٧، وهي الثورة التي لا تجد لها ذكرا في (منشور الهداية) رغم تعرضه لثورات وأحداث أقل منها شأنا. ولذلك فنحن نرجح أن يكون (منشور الهداية، قد ألف بين ١٠٤٥ و١٠٤٧ وهل يمكن إذن أن نقول إن تاريخ تأليفه هو سنة ١٠٤٦؟ ذلك أقرب الاحتمالات في نظرنا.
ولكن الأمر المحير هو أن الفكون ضمن كتابه حديثا عن أشخاص كانوا أحياء زمن التأليف، كما يفهم من صيغة الحديث، مثل حديثه عن أحمد المقري، بينما نعلم من مصادر أخرى أن هؤلاء الأشخاص قد توفوا قبل ذلك التاريخ المحتمل لتأليف الكتاب. فالمقري مثلا توفي سنة ١٠٤١، بينما لا يشير الفكون إلى هذه الوفاة، ويبقى حديثه عنه في الكتاب بصيغة الحي. وهناك نماذج أخرى على ذلك، مثل إيراد مراسلاته مع عالمي تونس إبراهيم الغرياني ومحمد تاج العارفين، الواقعة سنة ١٠٣٧. فيبقى لدينا احتمالان آخران هما: أن الفكون ألف الكتاب فعلا حوالي سنة ١٠٤٦، ولكنه ضمنه وثائق المراسلات القديمة بتواريخها المتقدمة، أو أنه كان قد بدأ في تأليف الكتاب في تاريخ سابق قد
стр. 165
يكون من ١٠٣٣ وظل يزيد عليه ويعمل فيه إلى سنة ١٠٤٦ (١) غير أننا ما نزال نميل إلى الاحتمال الأول، وهو أنه ألف الكتاب سنة ١٠٤٦ وضم إليه وثائق متقدمة وأخبارا بصيغها القديمة.
ورغم أهمية الكتاب في نظرنا فليس له نسخ كثيرة. وبعد البحث والجهد توصلنا إلى وجود نسختين مصورتين منه دون أن نعرف أو نطلع على الأصل. النسخة المصورة الأولى رأيناها في المكتبة الوطنية - بالجنائز، وكان قد قدمها لها الشيخ المهدي البوعبدلي. والنسخة المصورة الثانية هي نسخة الشيخ عبد المجيد بن حبة، التي تفضل بإرسالها إلي للاطلاع عليها بواسطة الأستاذ أحمد بن السائح. وأثناء المقارنة بين نسخة المكتبة الوطنية ونسخة الشيخ البوعبدلي، ونسخة الشيخ ابن حبة وجدتهما متماثلتين وترجعان إلى أصل واحد. وقد أخبرني الأستاذ ابن السائح بأن الشيخ ابن حبة يعتقد أن نسخته ونسخة الشيخ البوعبدلي مصورتان عن النسخة الأصلية التي يملكها الشيخ فيصل العابد بباتنة. وقد استفدت من مقابلة النسختين المذكورتين، فقد كانت نسخة الشيخ البوعبدلي ناقصة صفحة العنوان وبعض الصفحات الداخلية التي أكملها الشيخ بخط يده، أما نسخة الشيخ ابن حبة فهي كاملة التصوير، ولذلك أكملت منها الناقص في النسخة الأولى. وأعدتها إلى صاحبها شاكرا. أما
стр. 166
النقص المشترك مثل بعض البياض وسوء كتابة بعض الكلمات الخ، فقد بقي كما هو.
إذن هناك أصل (لمنشور الهداية) عند السيد فيصل العابد. ولكن هل هو نسخة المؤلف الأصلية أو نسخة عنها؟ ذلك ما لا تعرفه الآن. غير أننا نعتقد أن للكتاب أكثر من نسخة لأنه يهم كثيرا من العائلات وكثيرا من الناس. وقد علمنا أن الشيخ أبا القاسم الحفناوي صاحب (تعريف الخلف) قد أخذ منه أوائل هذا القرن تراجم وأخبار بعض الأشخاص (١) فمن أي نسخة كان ينقل الحفناوي؟ وأين هي الآن؟ ومن جهة أخرى اطلع السيد فايسات على مقتطفات من (منشور الهداية) في القرن الماضي وضمنها كتابه عن تاريخ قسنطينة، وساه هناك نوعا من المذكرات عن رجال وحوادث العصر، وتأسف على أنه لم يتمكن من الاطلاع على الكتاب كله رغم محاولاته المضنية والتي دامت، كما قال، سنتين، مع الذين (يملكون) الكتاب (٢) ونعتقد أن السيد ميرسييه فد يكون اطلع على (منشور الهداية) أيضا واستفاد منه في كتابه عن تاريخ قسنطينة. وعندما سألنا الشيخ البوعبدلي عن مصدر النسخة التي كان الحفناوي قد نقل عنها، أخبرنا أن كل ما يعرفه عن الموضوع هو أن الحفناوي تلقى من الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني بعض التراجم من (منشور
стр. 167
الهداية) فضمنها كتابه (تعريف الخلف) دون أن يكون قد اطلع على الكتاب نفسه (١) والواقع أننا غير يائسين من وجود نسخة أخرى، على الأقل منه، لنستفيد منها في التحقيق الذي عزمنا على القيام به إن شاء الله.
عندما اطلعت على (منشور الهداية) أول مرة منذ أكثر من عشر سنوات، اندهشت لأهميته وسجلت في مذكراتي عنه على الفور ما يلي (مخطوط ترجم فيه (الفكون) لشيوخه من العلماء الصالحين ومن عاصرهم ممن ادعى الولاية والعلم واتصل بالأمراء ورام الدنيا. وترجم كذلك فيه لبعض تلاميذه وأصحابه. وفيه تراجم لوالده وجده وأحمد المقري وبعض عائلات قسنطينة، مثل المسبح والموهوب وابن باديس والحركاتي، وابن نعمون، وابن ثلجون، وغيرهم. وهو في الواقع (كتاب) عن تراجم علماء قسنطينة في القرنين العاشر والحادي عشر، مع ذكر بعض وفياتهم، والكتاب يحتوي على ٢٩٤ صفحة، والغالب أنه بخط المؤلف وخطه جيد. وفيه استطرادات وأخبار هامة عن الكتب والسياسة والأحوال الاجتماعية والعلمية). والواقع أنني ما أزال على نفس الرأي اليوم. فالكتاب، كما أشرنا في البداية، وثيقة لا غنى عنها لدارس الحياة السياسية والاجتماعية والدينية في القرنين العاشر والحادي عشر (١٦، ١٧ م) بل إن أهميته تمتد إلى وقتنا الحاضر لأن معظم العائلات والأفكار والاتجاهات والزوايا التي ذكرها ما تزال موجودة بيننا.
стр. 168
أحصينا ما فيه من تراجم فوجدناها حوالي ثمانين ترجمة. ولكننا نبادر إلى القول إن الفكون لا يترجم للأشخاص بالطريقة المعتادة من ذكر الميلاد والوفاة والشيوخ والوظائف والتلاميذ والتآليف والكرامات والمناقب ونحو ذلك. إنه لا يتبع هذه الطريقة على الإطلاق، بل إنه يتناول أحوال الأشخاص فيصفهم فيما كانوا عليه، في نظره، من الصلاح أو الطلاح، ويتحدث عن نشاطهم الاجتماعي وعلاقاتهم مع بعضهم ومع السلطة ومع الناس، ويخبر عن عقائدهم وأطماعهم وتنافسهم في الخير والشر، وعن قوتهم وضعفهم أمام المغريات السياسية والمالية والشيطانية، وعن نشاطهم العلمي إذا كانوا من العلماء وعن نشاطهم الصوفي إذا كانوا من المتصوفة، وعن مغامراتهم إذا كانوا من المغامرين، وهكذا. فالفكون إذن لا يترجم لأهل القرنين السابقين ولكنه يسجل عنهم انطباعاته وانطباعات من عرفوهم إذا كان لم يرهم، وكثيرا ما يترك مكان الوفيات بياضا، أما تواريخ الميلاد فقليلا ما تذكر، لأن ذلك لم يكن هدفه أصلا.
وقد اختلفت هذه الانطباعات طولا وقصرا وعمقا. فبعض أحاديثه تطول وتتعمق حتى تصل عدة صفحات، وبعض أحاديثه تكون من القصر بحيث لا تتجاوز السطور. ولكنه مع ذلك يضع فيها من المعاني ما يكفي لمجلد , وقد يستطرد فيدمج الحديث عن شخص ما أثناء الحديث عن شخصية رئيسية أخرى. وقد يذكر مجموعة من الأخبار في الخبر الأساسي. وقد يصرح حتى كأنه يرمي هدفه بسهامه النارية، وقد يكتفي بالتلميح حتى كأنه يقول لنا عليكم بإكمال الباقي وفهم الواقع وربط الحالات
стр. 169
ببعضها. وهو في أحاديثه هذه لا ينطلق من مصلحة ذاتية إلا قليلا. ولكنه ينطلق من المصلحة العامة، كالغيرة على الدين والأخلاق والعقل البشري. وهو يبكي هبوط أحوال المسلمين وانتشار الشعوذة بينهم وفساد الدين على أيدي زعمائهم وشيوع الرشوة لدى أرباب السلطة والقضاة والعلماء والدراويش، وقلة الأمن في المدينة وفي الريف. وهو يتحسر أثناء تراجمه كلها تقريبا على فساد الخاصة ورقاد العامة، وهو الموضوع الرئيسي الذي يكاد يتكرر في كل صفحة من صفحات الكتاب. ونحن وإن كنا سنورد نص مقدمة هذا الكتاب في قسم النصوص، فإننا نسوق عبارته هنا في الباعث على تأليفه، فليتأمل القارىء معنا هذا النص وليتذكر أن روح النص موجودة في كل ثنايا الكتاب كما أشرنا:
(أما بعد، فلما رأيت الزمان بأهله تعثر، وسفائن النجات (كذا) من أمواج البدع تتكسر، وسحائب الجهل قد أظلت، وأسواق العلم قد كسدت، فصار الجاهل رئيسا، والعالم في منزلة يدعي من أجلها خسيسا، وصاحب أهل الطريقة قد أصبح وأعلام الزندقة على رأسه لائحة، وروائح السلب والطرد من المولى عليه فائحة، إلا أنهم، أعني الطائفتين، تمسكوا من دنياهم بمناصب شرعية، وحالات كانت قدما للسادة الصوفية، فموهوا على العامة بأسماء ذهبت مسمياتها، وأوصاف تلاشت أهلها منذ زمان وأعصارها، لبسوا بانتحالهم لها على أهل العصر إنهم من أهلها. كل ذلك والقلب مني يتقطع غيرة على حزب الله العلماء أن ينسب جماعة الجهلة المعاندين الضالين المضلين لهم
стр. 170
أو يذكروا في معرضهم، وغيرة على جناب السادة الأولياء الصوفية أن تكون أراذل العامة وأنذال الحمقى المغرورين أن يتسموا بأسمائهم أو يظن هم اللحوق بآثارهم. ولم آل في التنفير من كلتا الطائفتين والتحذير منهم في كل زمان وأوان، وبين كل صالح من الإخوان، إلى أن أحسست لسان القول قد أنطق بنسبة ما لا يليق ذكره من أفواههم، فشرح الله صدري في أن اعتكف على تقييد يبدي عوارهم ونفضح أسرارهم، ونكون وسيله إلى الله في الدنيا والأخرى. فهذا الجهاد الذي من أحد من السيف في نحور أعداء الله، وناهيك بهم أعداء. فعظم الباعث على النصح بهذا التقييد ..) (١).
إن الفكون يتحدمث دائما عن حزبين متميزين متصارعين في عصره، وهما من يسميهما: حزب الله وحزب الشيطان. وأحيانا يسمى ذلك طائفة الخير وطائفة الشر. وطائفة الشر هذه ذات شقين: شق يضم أدعياء العلماء الذين (سطرت أناملهم في قراطيس السجلات ما يوهم من لم يرهم ممن يأتي في غابر الزمن إنهم من حزب العلماء ومن مشايخهم الأعلين)، وشق يضم (الطائفة البدعية) التي أصبحت (مقطعا للحقوق، وقسما يقسم بهم في البر والعقوق. وأعلنوا بأن سابق الأقدار منوطة بإرادتهم. واتخذت أتباعهم ألقابا لهم باسم الشيخوخة والتحذير من أن يغاضوا أو يغتاضوا هل رأيت إذن أن الفكون كان يحمل علم الجهاد في ليل مظلم من الجهل والبدعة
стр. 171
والفساد الأخلاقي والسياسي؟ وهل رأيت أن دافعه لتأليف كتابه كان الغيرة على حزب الله من العلماء العاملين والصلحاء السلفيين؟ وهل رأيت أنه حمل رايته ضد أولئك الزنادقة أعداء الله وحزب الشيطان الذين انحرفوا عن الدين باتخاذ الألقاب الرئاسية والكهنوت الصوفي وربطوا مصالحهم بمصالح الحكام الفاسدين؟ وأين دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من هذه الثورة التي أعلنها عبد الكريم الفكون قبله بأكثر من قرن؟ اقرأ معي إن شئت قول الفكون عن المبتدعة في زمانه: (وربما زاد في إفصاح أحوالهم. إن من مات منهم بنوا عليه وشيدوا بناءات، وجعلوا عليهم قبابا من العود وألواحا منقوشة بأسمائهم وما اختاروا لهم من الألقاب التي لا تصلح لهم).
إن هذا الكلام، بل هذه الجملة، لم تعجب، بدون شك، علماء ولا متصوفة عصر الفكون، وبالطبع لم تعجب أيضا علماء ولا متصوفة ما بعد عصره لأن الأمور قد زادت سوءا بعده كما هو معروف. فالجهل عم وانتشر، وغطى السهل والوعر، والدروشة (وحاشا التصوف) والتدجيل فاض بحرهما وطما زبدهما. ولأمر ما أهمل العياشي ذكر (منشور الهداية) حين عدد كتب الفكون، بينما أطال في النقل من ديوانه في المديح النبوي كما عرفنا، ووصف كتابه في شرح أرجوزة المكودي في التصريف، بل ولخص في عدة صفحات من رحلته كتاب الفكون عن تحريم التدخين. أما الثعالبي فقد اكتفى بقوله وله تأليف في حوادث فقراء الوقت والرد عليهم. وما هو، كما رأيت، في (فقراء) الوقت الذين يعني بهم الثعالبي المتصوفة. فالكتاب كما نعلم لا يتحدث
стр. 172
إلا جزئيا عن هؤلاء الفقراء أو المتصوفة، ولكون دقيقين، لا يتحدث إلا عن صنف منهم. ويبدو أن الشيخين: العياشي والثعالبي، لم يطلعا أبدا على كتاب (منشور الهداية) وإنما سمعا عنه من فقراء الوقت أنفسهم، ومن غيرهم، أولئك الذين صدمهم الفكون بكتابه وكشف عوارهم وفضح أسرارهم، كما قال، فتألبوا عليه وأسروا له البغضاء ورموه بألسنة حداد (١).
ومهما كان الأمر فإن الفكون قد رتب كتابه على هذا النحو: مقدمة ذكر فيها الدافع الذي دفعه لتأليفه كما سبقت الإشارة. ثم ثلاثة فصول وخاتمة. أما الفصل الأول فجعل عنوانه (في من لقيناه من العلماء والصلحاء المقتدى بهم ومن قبل زمنهم ممن نقلت إلينا أحوالهم وصفاتهم تواترا، أردنا التنبيه عليهم وذكر ما كانوا عليه وزمانهم وتواريخ وفاتهم). وهذا الفصل، رغم طول عنوانه، قصير نسبيا. وقد ذكر فيه بعض أفراد عائلته أمثال يحيى الفكون وقاسم الفكون وجده عبد الكريم الفكون ووالده محمد الفكون وجده لأمه محمد بن قاسم الشريف. كما ذكر فيه عمر الوزان، ويحيى الأوراسي، ومحمد العطار، وأحمد الغربي، ومحمد الكماد، وعلي بن يحيى الياوراري، وأحمد بن تكفه، ومحمد بن حسن، وعبد اللطيف المسبح، وأحمد (حميدة)
стр. 173
المسبح، وبركات المسبح، وعلي المرواني، وعلي الغربي، وأبو القاسم العطار، وأحمد بن باديس، وبركات بن سعيد، وشيخاه محمد التواتي وسليمان القشي النقاوسي، وعبد العزيز النفاتي، ومحمد الفاسي. ولم يذكر تواريخ الوفاة، كما قال، إلا لعدد قليل منهم. أما البقية فأماكن التواريخ لوفاتهم ظلت بيضاء في النسخة التي بين أيدينا. وكان المفروض أن يذكر تواريخ الوفاة لأن هؤلاء متقدمون عليه أو توفوا أثناء حياته. أما الذين سيتحدث عنهم في الفصلين الباقيين والخاتمة فكانوا معاصرين له ومعظمهم كانوا أحياء عند تأليف الكتاب.
أما الفصل الثاني فقد جعل عنوانه: (في المتشبهين بالعلماء، وهم الذين قصدنا بهذا التقييد إيضاح أحوالهم). ومن أجل ذلك كان هذا الفصل أطول من سابقه لأن الفكون أخذ يعالج ما قصده في الكتاب. وقد تحدث فيه عن مجموعة من الناس لا يتسع الأمر الآن لذكر أسمائهم جميعا. ونود أن نوضح ما جاء في صفحة ٣٥ من المخطوط حين بداية الحديث عنهم ما أضافه الفكون نفسه من بيان لما سبق وهو قوله (فيمن تعاطى المنصب الشرعي لادعائه العلم، وهم كل من ادعى ما لا يصح له من خطة وتدريس وغيرهما). وهو يقصد بالمنصب وبالخطة الوظائف الرسمية كالقضاء والفتوى. وقد افتتح هذا الفصل بالحديث عن يحيى بن محجوبة الذي كان متوليا رئاسة الفتوى، وهو الذي أخبر عنه أنه كان كبير السن ومن معاصري جده، وأنه فصل في خلاف مع والده (والد الفكون) حول مسألة حبس في مجلس بالجامع الكبير، مما أزعج الوالد حتى أنه طلب من ابنه
стр. 174
(المؤلف) أن يخرج هو للرد على ابن محجوبة، كما سبق. وعد من هذا الفصل أيضا جده لأمه، محمد بن قاسم الشريف، الذي كان متوليا وظيفة مزوار الشرفاء. وقد تصدر أيضا للفتوى. ويحيى بن باديس، وأحمد الجزيري، وأحمد الغربي، ومحمد السوسي المغربي، ومحمد بن نعمون، وعبد اللطيف بن سعيد، وغيرهم.
ويأتي بعد ذلك الفصل الثالث الذي جعل عنوانه (في المبتدعة الدجاجلة الكذابين على طريق الصوفية المرضية) ومما يذكر أن الفكون أضاف على صفحة ١١٠ من المخطوط حيث عنوان الفصل الثالث، هذا العنوان الإضافي (فيمن ادعى الولاية من الدجاجلة). وهو نفس المعنى ولكنه فيه بعض التصرف. وقد ابتدأ بأحدهم وهو قاسم بن أم هانىء، وأخبر أنه افتتح به الفصل (لعظم مفسدته بين الخلق وشهرة بدعته وقوتها) وبالطبع أطال فيه الحديث أيضا وذكر منهم أيضا أحمد بوعكاز، ومحمد الحاج الصحراوي والشيخ طراد، وسيدي الجليس، وعبد الملك السناني، وعلي العابد الشابي، إلخ. ومن الغريب أن الفكون وضع الشيخ محمد ساسي البوني ضمن هؤلاء الدجاجلة، لترحيبه بالشيخ المغربي علي خنجل واتخاذه الحضرة وجعله مستحما سماه (حمام أهل الصفا) إلخ. وقد أطال في الحديث عنه وعن أمره الخرافي.
وأخيرا تم الخاتمة التي قال إنه اختار لها عنوانا هو (في إخوان العصر وما هم عليه)، ولكنه في صفحة ٢٣٤ من المخطوط يغير العنوان قليلا فيصبح (في ذكر من أردنا ذكره من الأصحاب والأحباب). ويقصد بهؤلاء من كان معاصرا له أو ندا،
стр. 175
وله معه مراسلات واتصالات شخصية. ولكن هؤلاء لم يسلموا من نقده اللاذع أيضا، وقد جمع في هؤلاء الأصحاب بعض المنتمين للعلماء والمنتمين للمتصوفة أيضا. فنجد الشيخ بلغيث الذي تحول في تونس من العلم إلى التصوف. ونجد الموهوب بن محمد الزواوي، ومحمد وارث الهاروني المتيجي، وعلي بن عثمان الشريف الزواوي، وأحمد بن الحاجة الميلى، ومحمد بن باديس، ومحمد بن ناجي، وأحمد المقري الذي أطال في الحديث عنه ونقده. ثم عددا من التونسيين (مثل إبراهيم الغرياني، وتاج العارفين)، والمولى علي العثماني، وغيرهم.
ولنلاحظ أن أكثر من عدهم أصحابا وأحبابا كانوا من خارج فسنطينة.
ولكن تبقى أهمية كتاب (منشور الهداية) في أنه ليس كتاب تراجم بالمعنى التقليدي ففيه لمسات إنسانية وأخبار طريفة وآراء شخصية أيضا. كما أن فيه نماذج من حياة وأخبار العلماء خارج قسنطينة سواء كانوا من القطر الجزائري أو من البلدان الإسلامية الأخرى المجاورة والبعيدة. وفيه أوصاف لأحداث وقعت بين العلماء والحكام سواء في قسنطينة أو في الجزائر، ووصف لبعض الثورات، وقضايا الأمن العام في الريف، ودور الزوايا، وتقاليد تلقى العلم، وأخبار الكتب. وما يلاحظ عليه أن الفكون لم يشر، ولو لحادثة واحدة فيما نعلم، عن وجود الأجانب أو النصارى في قسنطينة أو غيرها من أنحاء الجزائر.
وبعد، فليس أفضل عند الانتهاء من هذه الدراسة لكتاب (منشور الهداية) من قول مؤلفه فيه عندما تحدث عن قول المكودي:
стр. 176
هذا مع الجهل وشغل البال ... والاضطرار واضطراب الحال
إذ علق الفكون على ذلك بقوله: «وإذا كان هذا في زمنه (زمن المكودي) ومنار العلم منصوب، وعن آراء الجاهلين برشق نبال البراهين محجوب، فكيف بزماننا الذي فاض فيه عباب الجهل والدعوى، وطلعت كواكب البدع والأهوى (كذا)، فلا ترى إلا مدعيا في العلم أعلى منصته، ومرتقيا في شامخ التربية أرفع فتته، جعلوا الطريقتين (العلم والتصوف) شباكا لتحصيل الدنيا منصوبة، وحبالات لجمعها بأوتاد حبها مضروبة، وما نظروا إلى عاقبة الأمر وعقابه، والوقوف بين يدي العالم بالخفيات ودقة حسابه، وأسأل الله العافية، وصلاح حال الأمة.
(وقد ذكرنا في تأليفنا (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية) من حال الصنفين، ودعوى الفريقين، ما يكتحل بأثمده أهل الكمال، ويروى من عذب فراته أهل الفضل والإفضال، والبر بتأليفه أردت، وإرشاد الأمة ونصحها قصدت. وهو، وإن رمقتني من أجله العيون، وانعقدت على بغضي القلوب وأكثرت الشؤون، فذلك، ولله الحمد، مما يسرني في الحال والمآل، ويقوي رجائي أن يكون في عدة في عظيم الأهوال، لوعد رب العالمين، ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾.» (١)
فالرجل أراد بكتابه إصلاح حال الأمة الإسلامية وحالة مجتمعه الذي طغت عليه الضلالات. وهو يعتبر ذلك جهادا في سبيل
стр. 177
الله، كما كرر ذلك أكثر من مرة. وهو لا يبالي ببغض المبغضين، ولا بحقد الحاقدين عليه من أجله، لأن له من تأليفه هدفا أسمى وغاية حسنى.
٤ - فتح اللطيف
ليس كتاب (فتح اللطيف) من أهم كتب الفكون، ولكنه مع ذلك جدير بالدراسة لعدة أسباب. فهو الكتاب الوحيد الذي اطلعنا عليه له في علم الصرف الذي برع فيه هو وعلم النحو.
وهو أيضا كتاب مدحه بعض العلماء من أمثال العياشي والقادري، على أنه أفضل من غيره في بابه. ثم إنه كتاب فيه أخبار لا علاقة لها بعلم الصرف ولكن بحياة المؤلف وظروفه النفسية والوظيفية، وتاريخ تأليف (منشور الهداية) وردود فعل أهل العصر نحو هذا الكتاب.
إذن فإن دراسة (فتح اللطيف) مهمة من تلك النواحي جميعها. ألفه الفكون في أوائل صفر سنة ١٠٤٨، وهو آخر تاريخ وجدناه على مؤلفاته، بحيث لا نعرف أنه ألف عملا آخر بعد هذا التاريخ (١) وكان آنذاك قد بلغ سن الستين من عمره. وقد اعتذر في مقدمته بأنه كان منشغلا بالحج وضروراته، (بحال تشتت بال، ومنابذة القراءة والإقراء خصوصا على كل حال، جامعا همتي لأخذ أسباب السفر والارتحال، إلى العودة لزيارة حرم الله وأفضل من
стр. 178
تشد إلى زيارته الرحال ..) ولم يشر الفكون إلى ثورة ابن الصخري التي اندلعت سنة قبل ذلك (١٠٤٧) وإنما اكتفى بالإشارة إلى الاستعداد لأمور الحج. ونحن نعلم أن الفكون قد أصبح في هذا التاريخ على ما نعتقد، أميرا لركب الحج الجزائري كله، ولكنه لم يفصح عن ذلك. وعبارة (إلى العودة) مهمة في هذا السياق. لأنه لم يخبرنا في أي مصدر آخر أنه كان قد حج، وما دام والده قد توفي قبل ذلك بحوالي ثلاث سنوات (١٠٤٥) فإن المفهوم أن الفكون قد قاد ركب الحج سنة ١٠٤٦ وسنة ١٠٤٧ وها هو (يعود) إلى ذلك سنة ١٠٤٨ منشغلا بذلك عن كل الأمور بما فيها القراءة والإقراء والتأليف. وها نحن أيضا نكتشف أمورا أخرى من هذا النص: فالفكون أخذ ينشغل بأمور الحج حتى لم يعد يجد وقتا للإقراء (التدريس) على الخصوص، ولعل هذا ما يؤكد كلام الثعالبي السابق من أن شيخه الفكون قد تخلى عن التدريس. ولكن الفكون لا يرجع ذلك إلى العبادة والزهد (وعدم إخلاص النية ..) كما قال الثعالبي وإنما يرجعه إلى الاشتغال بالحج الذي يقتضي التغيب شهورا طويلة لم يعد يسمح للفكون بالتدريس واستقبال الطلبة كما كان الحال في السنين الماضية.
وهناك نقطة أخرى نستشفها من مقدمة الفكون في (فتح اللطيف) وهي أنه ألف الكتاب بطلب من بعض الطلبة الذين حثوه على وضع تأليف لهم على منظومة المكودي في التصريف.
ورغم أن هذه عبارة تقليدية من المؤلفين إذ يجعلون الدافع على التأليف أن هناك صاحبا أو شخصا لا يستطيعون رد طلبه أو طلبة
стр. 179
أو نحو ذلك. غير أن اعتذار الفكون بأمور الحج يجعله صادقا فيما ذهب إليه، ومع ذلك استجاب لطلب طالبيه فألف لهم هذا العمل. ولذلك كرر اعتذاره لهم بأنه سوده ولم يبيضه لأنه لا يجد وقتا لذلك، وأنه لم ينقحه ويراجعه كما يجب، وطلب من القراء ومن أولئك الطلبة أن يغفروا له هذا النقص، إن وجد، وأن يقوموا هم بتصحيحه ما دام هو قد وضع لهم الإطار العام والمعلومات الأساسية.
وقد امتدح الفكون علم الصرف واعتبره (من أعظم ما ينطوي عليه الجنان، ويتعاهده اللسان، ويسر بمعرفته الإنسان). وقال عن خطته في كتابه هذا أنه اقتصر على (فك اللفظ وإبانة المعنى) وأنه لم يسلك طريقة الإسهاب والطول في جلب النقول والشواهد، ولم يغص في المعاني كما كان يرغب لضيق الوقت وانشغال البال الذي أشار إليه. أما طريقة الشرح فلا نعتقد أن الفكون قد جاء فيها بجديد أيضا لهو يحلل أبيات منظومة المكودي بيتا بيتا، ويشرح اللفظ وينبه على المعنى فيها ثم إعرابها ومع هذا الاختصار وهذا التقليد في الشرح، فإن العياشي، وقد تبعه القادري، يقول عنه كلاما يدل على استجادته وتفضيله على غيره ممن كتبوا حول نفس الموضوع، وهو شرح أرجوزة المكودي.
فبعد أن أورد العياشي عبارات الفكون الواردة في المقدمة وهي (الحمد لله الذي أجرى تصاريف المقادير بواسطة أمثلة الأفعال، وأوضح بيان افتقارها إليه بتغير حالاتها من حركة وصحة واعتلال، ونوع أشكال عين وجودها إلى ضم الانضمام إليه،
стр. 180
وكسر الانكسار لديه، وفتح الانفتاح في مشاهدة العظمة والجلال.) قال (العياشي): (ولا يخفى عليك ما اشتمل عليه هذا المطلع من براعة الافتتاح ولطيف الإشارة إلى أنواع الإعراب والتصريف). وقد قارن العياشي بين شرح الفكون وشرح عبد الله المرابط الدلائي على أرجوزة المكودي المذكورة فوجد أن شرح الفكون (أوسع نقلا وأكثر بحثا وأتم تحريرا) رغم أن الفكون يقول في مقدمة كتابه إنه اقتصر فقط على فك الألفاظ وتوضيح المعاني وإنه لم يلجأ إلى الطول والعمق في البحث. ويضيف العياشي عبارات في منتهى المدح للكتاب ولصاحبه أيضا وطريقته في التأليف على العموم فيقول: (وهو مجلد أجاد فيه غاية الإجادة، وأحسن كل الإحسان، وأعطى النقل والبحث فيه حقهما، ولم يهمل شيئا مما يقتضيه لفظ المشروح ومعناه إلا تكلم عليه، وأجاد، كما هو شأنه في تآليفه (١).
عرفنا إذن دافع ومقدمة وطريقة الفكون في كتابه هذا. كما عرفنا حجمه. أما عنوانه فإن الفكون نفسه قد سماه (فتح اللطيف، في شرح أرجوزة المكودي (٢) في التصريف). أما العياشي فلم يذكر له عنوانا وإنما قال إن للفكون شرحا على أرجوزة المكودي في التصريف. وأما تلميذه (الفكون) الثعالبي فقد أخبرنا بعنوان جديد لهذا الكتاب وهو (البسط والتعريف) قائلا