هذا مع الجهل وشغل البال ... والاضطرار واضطراب الحال
إذ علق الفكون على ذلك بقوله: «وإذا كان هذا في زمنه (زمن المكودي) ومنار العلم منصوب، وعن آراء الجاهلين برشق نبال البراهين محجوب، فكيف بزماننا الذي فاض فيه عباب الجهل والدعوى، وطلعت كواكب البدع والأهوى (كذا)، فلا ترى إلا مدعيا في العلم أعلى منصته، ومرتقيا في شامخ التربية أرفع فتته، جعلوا الطريقتين (العلم والتصوف) شباكا لتحصيل الدنيا منصوبة، وحبالات لجمعها بأوتاد حبها مضروبة، وما نظروا إلى عاقبة الأمر وعقابه، والوقوف بين يدي العالم بالخفيات ودقة حسابه، وأسأل الله العافية، وصلاح حال الأمة.
(وقد ذكرنا في تأليفنا (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية) من حال الصنفين، ودعوى الفريقين، ما يكتحل بأثمده أهل الكمال، ويروى من عذب فراته أهل الفضل والإفضال، والبر بتأليفه أردت، وإرشاد الأمة ونصحها قصدت. وهو، وإن رمقتني من أجله العيون، وانعقدت على بغضي القلوب وأكثرت الشؤون، فذلك، ولله الحمد، مما يسرني في الحال والمآل، ويقوي رجائي أن يكون في عدة في عظيم الأهوال، لوعد رب العالمين، ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾.» (١)
فالرجل أراد بكتابه إصلاح حال الأمة الإسلامية وحالة مجتمعه الذي طغت عليه الضلالات. وهو يعتبر ذلك جهادا في سبيل
стр. 177
الله، كما كرر ذلك أكثر من مرة. وهو لا يبالي ببغض المبغضين، ولا بحقد الحاقدين عليه من أجله، لأن له من تأليفه هدفا أسمى وغاية حسنى.
٤ - فتح اللطيف
ليس كتاب (فتح اللطيف) من أهم كتب الفكون، ولكنه مع ذلك جدير بالدراسة لعدة أسباب. فهو الكتاب الوحيد الذي اطلعنا عليه له في علم الصرف الذي برع فيه هو وعلم النحو.
وهو أيضا كتاب مدحه بعض العلماء من أمثال العياشي والقادري، على أنه أفضل من غيره في بابه. ثم إنه كتاب فيه أخبار لا علاقة لها بعلم الصرف ولكن بحياة المؤلف وظروفه النفسية والوظيفية، وتاريخ تأليف (منشور الهداية) وردود فعل أهل العصر نحو هذا الكتاب.
إذن فإن دراسة (فتح اللطيف) مهمة من تلك النواحي جميعها. ألفه الفكون في أوائل صفر سنة ١٠٤٨، وهو آخر تاريخ وجدناه على مؤلفاته، بحيث لا نعرف أنه ألف عملا آخر بعد هذا التاريخ (١) وكان آنذاك قد بلغ سن الستين من عمره. وقد اعتذر في مقدمته بأنه كان منشغلا بالحج وضروراته، (بحال تشتت بال، ومنابذة القراءة والإقراء خصوصا على كل حال، جامعا همتي لأخذ أسباب السفر والارتحال، إلى العودة لزيارة حرم الله وأفضل من
стр. 178
تشد إلى زيارته الرحال ..) ولم يشر الفكون إلى ثورة ابن الصخري التي اندلعت سنة قبل ذلك (١٠٤٧) وإنما اكتفى بالإشارة إلى الاستعداد لأمور الحج. ونحن نعلم أن الفكون قد أصبح في هذا التاريخ على ما نعتقد، أميرا لركب الحج الجزائري كله، ولكنه لم يفصح عن ذلك. وعبارة (إلى العودة) مهمة في هذا السياق. لأنه لم يخبرنا في أي مصدر آخر أنه كان قد حج، وما دام والده قد توفي قبل ذلك بحوالي ثلاث سنوات (١٠٤٥) فإن المفهوم أن الفكون قد قاد ركب الحج سنة ١٠٤٦ وسنة ١٠٤٧ وها هو (يعود) إلى ذلك سنة ١٠٤٨ منشغلا بذلك عن كل الأمور بما فيها القراءة والإقراء والتأليف. وها نحن أيضا نكتشف أمورا أخرى من هذا النص: فالفكون أخذ ينشغل بأمور الحج حتى لم يعد يجد وقتا للإقراء (التدريس) على الخصوص، ولعل هذا ما يؤكد كلام الثعالبي السابق من أن شيخه الفكون قد تخلى عن التدريس. ولكن الفكون لا يرجع ذلك إلى العبادة والزهد (وعدم إخلاص النية ..) كما قال الثعالبي وإنما يرجعه إلى الاشتغال بالحج الذي يقتضي التغيب شهورا طويلة لم يعد يسمح للفكون بالتدريس واستقبال الطلبة كما كان الحال في السنين الماضية.
وهناك نقطة أخرى نستشفها من مقدمة الفكون في (فتح اللطيف) وهي أنه ألف الكتاب بطلب من بعض الطلبة الذين حثوه على وضع تأليف لهم على منظومة المكودي في التصريف.
ورغم أن هذه عبارة تقليدية من المؤلفين إذ يجعلون الدافع على التأليف أن هناك صاحبا أو شخصا لا يستطيعون رد طلبه أو طلبة
стр. 179
أو نحو ذلك. غير أن اعتذار الفكون بأمور الحج يجعله صادقا فيما ذهب إليه، ومع ذلك استجاب لطلب طالبيه فألف لهم هذا العمل. ولذلك كرر اعتذاره لهم بأنه سوده ولم يبيضه لأنه لا يجد وقتا لذلك، وأنه لم ينقحه ويراجعه كما يجب، وطلب من القراء ومن أولئك الطلبة أن يغفروا له هذا النقص، إن وجد، وأن يقوموا هم بتصحيحه ما دام هو قد وضع لهم الإطار العام والمعلومات الأساسية.
وقد امتدح الفكون علم الصرف واعتبره (من أعظم ما ينطوي عليه الجنان، ويتعاهده اللسان، ويسر بمعرفته الإنسان). وقال عن خطته في كتابه هذا أنه اقتصر على (فك اللفظ وإبانة المعنى) وأنه لم يسلك طريقة الإسهاب والطول في جلب النقول والشواهد، ولم يغص في المعاني كما كان يرغب لضيق الوقت وانشغال البال الذي أشار إليه. أما طريقة الشرح فلا نعتقد أن الفكون قد جاء فيها بجديد أيضا لهو يحلل أبيات منظومة المكودي بيتا بيتا، ويشرح اللفظ وينبه على المعنى فيها ثم إعرابها ومع هذا الاختصار وهذا التقليد في الشرح، فإن العياشي، وقد تبعه القادري، يقول عنه كلاما يدل على استجادته وتفضيله على غيره ممن كتبوا حول نفس الموضوع، وهو شرح أرجوزة المكودي.
فبعد أن أورد العياشي عبارات الفكون الواردة في المقدمة وهي (الحمد لله الذي أجرى تصاريف المقادير بواسطة أمثلة الأفعال، وأوضح بيان افتقارها إليه بتغير حالاتها من حركة وصحة واعتلال، ونوع أشكال عين وجودها إلى ضم الانضمام إليه،
стр. 180
وكسر الانكسار لديه، وفتح الانفتاح في مشاهدة العظمة والجلال.) قال (العياشي): (ولا يخفى عليك ما اشتمل عليه هذا المطلع من براعة الافتتاح ولطيف الإشارة إلى أنواع الإعراب والتصريف). وقد قارن العياشي بين شرح الفكون وشرح عبد الله المرابط الدلائي على أرجوزة المكودي المذكورة فوجد أن شرح الفكون (أوسع نقلا وأكثر بحثا وأتم تحريرا) رغم أن الفكون يقول في مقدمة كتابه إنه اقتصر فقط على فك الألفاظ وتوضيح المعاني وإنه لم يلجأ إلى الطول والعمق في البحث. ويضيف العياشي عبارات في منتهى المدح للكتاب ولصاحبه أيضا وطريقته في التأليف على العموم فيقول: (وهو مجلد أجاد فيه غاية الإجادة، وأحسن كل الإحسان، وأعطى النقل والبحث فيه حقهما، ولم يهمل شيئا مما يقتضيه لفظ المشروح ومعناه إلا تكلم عليه، وأجاد، كما هو شأنه في تآليفه (١).
عرفنا إذن دافع ومقدمة وطريقة الفكون في كتابه هذا. كما عرفنا حجمه. أما عنوانه فإن الفكون نفسه قد سماه (فتح اللطيف، في شرح أرجوزة المكودي (٢) في التصريف). أما العياشي فلم يذكر له عنوانا وإنما قال إن للفكون شرحا على أرجوزة المكودي في التصريف. وأما تلميذه (الفكون) الثعالبي فقد أخبرنا بعنوان جديد لهذا الكتاب وهو (البسط والتعريف) قائلا
стр. 181
إن من تصانيف الفكون شرحه على المكودي في التصريف الذي سماه (البسط والتعريف) (١) ونحن على كل حال نميل إلى العنوان المذكور في النسخ التي اطلعنا عليها منه والتي فيها عبارة المؤلف (وسميته فتح اللطيف ..) ولا نعتقد أن يكون الناسخ البجائي قد تصرف في عنوان الكتاب ونسب ذلك إلى المؤلف نفسه. أما عبارة الثعالبي فتبقى في حاجة إلى تبرير، وقد تكون اجتهادا منه فقط بعد أن نسي عنوان الكتاب. وعلى أية حال فإن بعض المؤلفين كانوا يضعون لمؤلفاتهم أكثر من عنوان. وهل يمكننا أن نقول إن الفكون قد أتيح له تبييض نسخته بعد ذلك وغير عنوانها إلى ما ذكره الثعالبي؟ ربما.
وهناك فائدتان أخريان نجدهما في (فتح اللطيف). أولاهما أن الفكون يشير فيه إلى كتاب آخر له يسمى (فتح المالك)، وقال إنه ذكر فيه نبذة من علم الصرف. وقد ذكره أكثر من مرة، وأخبر أنه أجاب فيه عن كلام صاحب التسهيل. ويبدو لنا من هذه المعلومات الضئيلة أن (فتح المالك) هذا كتاب في علم النحو تناول فيه الفكون أحد أعمال ابن مالك. وعلم النحو هو الذي برع فيه الفكون بالدرجة الأولى وأحبه، كما ذكر ذلك بنفسه في ترجمته لمحمد بن راشد الزواوي ومحمد التواتي المغربي ومهما كان الأمر فإن (فتح المالك) مؤلف قبل (فتح اللطيف) أي قبل ١٠٤٨، ولكننا لا نعرف متى كان ذلك بالضبط. ومن المحتمل أن يكون ذلك بعد (منشور الهداية) لأنه لو كان قد ألفه قبله لذكره
стр. 182
فيه، وهو غير مذكور. وقد رجحنا أن يكون تاريخ تأليف (منشور الهداية) حوالي سنة ١٠٤٦.
أما الفائدة الثانية التي نجنيها من (فتح اللطيف) فهي حديث الفكون عن صنعة التأليف في عصره. فقد أبدى رأيا جديرا بالتمعن في عصر كسد فيه سوق التأليف وضعفت طرائق البحث والتعمق والاستنباط، حتى أصبح كل من جمع مادة وحطب بليل يسمى مؤلفا والمهم أن القراء في كل عصرهم الذين يميزون بين المؤلف المدقق المستقل الشخصية وبين المؤلف الحاطب بالليل. ولنستمع إلى قول الفكون في ذلك والذي لا نجده إلا في كتابه (فتح اللطيف): (التأليف هو جمع تحقيق لا جمع كتابة وتدوين، إذ ما كان بهذه المثابة ليس فيه سوى تسويد الصحف، كما هو شأن كثير ممن يتعاطى التأليف في هذا الزمان وقبيله. وما علموا أنه من صنف استهدف، فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء استقذف، مع ما فيه من فضيحة العاجل والآجل، فهي مصيبة (١).
ترى هل في نظرك أن الفكون استعطف أو استقذف بتآليفه؟
أما نحن فنراه قد استهدف فاستعطف وإن جلب إليه، كما قال، نقمة بعض معاصريه وسخطهم عليه. ولكن أليس ذلك هو مصير كل مصلح وكل زعيم؟!
стр. 183
الفصل الرابع
النصوص
أ - النثر
- مقدمة كتاب (منشور الهداية).
- مقدمة كتاب (محدد السنان).
- رسالة الفكون إلى أحمد المقري.
- رسالة تاج العارفين إلى الفكون.
- رسالة الفكون إلى تاج العارفين.
ب - الشعر
- أربع قصائد من ديوان الفكون في المدح النبوي.
- مساجلة شعرية بين الفكون ومحمد السوسي المغربي.
- قصدة الفكون في أعيان قسنطينة.
- وثائق أخرى
- أربع وثائق عن تولية الفكون إمارة ركب الحج وغيرها.
стр. 184
أ - النثر
١ - مقدمة كتاب (منشور الهداية)
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.
الحمد لله الذي فتح بصائر أوليائه بأنوار الهداية، ونشر عليهم ألوية القبول لما سبقت لهم سابقة العناية، وأقامهم بين عباده لردع من جلب عليه الشيطان بخيل الغواية، وكلفهم قمعه بمرهفات الألسن والإبنة مع العجز عن سواهما مما هو أبلغ في كتبه وقطع دابره غاية، كي يرجع على عقبه مما تسربل به من مسح المعاصي لا إلى نهاية، وتلك سيرته ما أظهر بدعيا إلا طمس وجوده بشهاب حجج أهل المعرفة والدراية، وأطفأ حرارة أنفاسه برياح براهين من جعلهم شمسا ستضيء بنورها أهل الغباوة والعماية.
والصلاة على سيدنا محمد، مصطفاه ومختاره ومجتباه، هدى به أعينا عمياء، وقلوبا غلفا وآذانا صماء، فأوضح الطريقة، ونصح الخليقة. وعلى آله وأصحابه الذين انتهجوا منهجه، وقفوا
стр. 185
محجته، فأشادوا الدين وقمعوا الضالين؛ وعلى التابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فلما رأيت الزمان بأهله تعثر، وسفائن النجات (كذا) من أمواج البدع تتكسر، وسحائب الجهل قد أظلت، وأسواق العلم قد كسدت، فصار الجاهل رئيسا، والعالم في منزلة يدعى من أجلها خسيسا، وصاحب أهل الطريقة قد أصبح وأعلام الزندقة على رأسه لائحة، وروائع السلب والطرد من المولى عليه فائحة، إلا أنهم، أعني الطائفتين، تمسكوا من دنياهم بمناصب شرعية، وحالات كانت قدما للسادة الصوفية، فموهوا على العامة بأسماء ذهبت مسمياتها، وأوصاف تلاشت أهلها منذ زمان وأعصارها، لبسوا بانتحالهم لها على أهل العصر إنهم من أهلها، فما راقبوا المولى أن يعاجلهم، ولا خافوا فجأة الموت فما بعدها أن تصادمهم، لولا حلم من سبقت رحمته غضبه، فاغتروا وما نظروا، واستهونوا وما استبصروا، كل ذلك والمولى يمهل لهم، ويجري أسباب المنى كيف ما أحبوا على نحو إرادتهم، فزادوا به تمردا وطغيانا، وأظهروا به أن لهم نصيبا وافرا ولعمري لقد نالوا به حرمانا وخسرانا، وربما صارت الطائفة البدعية مقطعا للحقوق وقسما يقسم بهم في البر والعقوق. والطائفة الأخرى سطرت أناملهم في قراطيس ما يوهم من لم يرهم ممن يأتي في غابر الزمن أنهم من حزب العلماء ومن مشايخهم الأعلين.
كل ذلك والقلب مني يتقطع غيرة على حزب الله العلماء أن ينسب جماعة الجهلة المعاندين الضالين المضلين لهم أو يذكروا
стр. 186
في معرضهم، وغيرة على جناب السادة الأولياء الصوفية أن تكون أراذل العامة وأنذال الحمقى المغرورين أن يتسموا بأسمائهم أو يظن بهم اللحوق بآثارهم، ولم آل في التنفير من كلتا الطائفتين والتحذير منهم في كل زمان وأوان، وبين كل صالح من الإخوان، إلى أن أحسست لسان القول قد انطلق بنسبة ما لا يليق ذكره من أفواههم، فشرح الله صدري في أن اعتكف على تقييد يبدي عوارهم ويفضح أسرارهم، ويكون وسيلة إلى الله في الدنيا والأخرى، لأني غرت على دائرة الكمال من أهل حضرته، ودببت (كذا) جهدي باللسان والبنان على أهل صفوته، فلا جرم وإن كنت متلوثا بالخطايا والأوزار، وممن أحمل عدة من القبائح آناء الليل والنهار، أن أرجوا (كذا) من الله المغفرة.
فهذا الجهاد الذي هو أحسن من السيف في نحور أعداء الله وناهيك بهم أعداء، نسخوا شرع سيدنا ومولانا محمد - (ص) - بآرائهم المسطرة بأقلامهم في سجلاتهم، وأحلوا الرشى بأفعالهم والتمدح بها والعكوف على طلبها والاعتناء بأخذها في أنديتهم فهي عندهم من أرفع المكاسب وأسنى المطالب.
والطائفة الأخرى أعلنوا بأن سابق الأقدار منوطة بإرادتهم، وتأثيرات الأكوان صادرة عن اختياراتهم، فزادت بهم العامة شغبا إلى شغبهم وتشويشا دخل القلوب فما أعظمه وأصعبه. واتخذت أتباعهم ألقابا لهم باسم الشيخوخة، والتحذير من أن يغاضوا أو يغتاضوا فصارت العامة تجانبهم ولا تحط بساحتهم.
وأما النكير عليهم فأربابه في قعر حفير وربما زاد في إفصاح
стр. 187
أحوالهم، والحمل على بثها وإبدائها ما أحدثوه من أن من مات منهم بنوا عليه وشيدوا بناءات وجعلوا عليهم قبابا من العود وألواحا منقوشة بأسمائهم، وما اختاروا لهم من الألقاب التي لا تصلح لهم، وهي من أوصاف سادتنا العلماء العاملين والصلحاء الفاضلين، الكاملين، وصيروا ذلك لغابر الدهر بحيث إنهم لبسوا على العامة في الحيات (كذا)، وعلى من سيكون بعد الممات، فعظم الباعث على النصح بهذا التقييد والفارق لكل ذي رأي سديد. ورتبته على ثلاثة فصول وخاتمة.
الفصل الأول: في من لقيناه من العلماء والصلحاء المقتدى بهم ومن قبل زمنهم، ممن نقلت إلينا أحوالهم وصفاتهم تواترا، أردنا التنبيه عليهم وذكر ما كانوا عليه وزمانهم وتواريخ وفاتهم.
الفصل الثاني: في المتشبهين بالعلماء وهم الذين قصدنا بهذا التقييد إيضاح أحوالهم.
والفصل الثالث: في المبتدعة الدجاجلة الكذابين على طريق الصرفية المرضية.
والخاتمة: في إخوان العصر وما هم عليه.
وسميته منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية.
٢ - مقدمة كتاب (محدد السنان)
الحمد لله الذي شرف من عباده من قيض له وازعا يكفيه عما حرمه، وأهلهم لحلول بره ولطفه عندما تحلوا بطاعته وشكروا
стр. 188
نعمه، هم القوم لا يشقى جليسهم، ولا يستوحش أنيسهم، فما أسعد قربهم وما أعظمه، أحمده حمد من علم أنه الله الذي لا إله إلا هو يستعطف بها فضله ويدفع نقمه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ما وارحمه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم أنال فيه ثوابه وكرمه.
أما بعد، فقد دهمت بلية وقعت في البلاد، وسرى سمها في الحاضر والباد. وانتحلت مذهبا في الأقطار، وتوارثته عن سفلتها الأشرار، وتدرع لارتكابها بأكابر الأغمار، لما توهموا الإباحة إنها لا تعمى الأبصار؛ ولم يزل في قلبي منها نكد، وأشهر الإنكار على الأب والولد، فكأني أصيح في فيفا. وأنادي ذوية قفراء:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تناد
اتخذ القول مني هزؤا ولعبا، ورميت عن قوس البعاد من واصل أو صحبا، فأمسكت عنان المقال، وناديت في الضمير: يا لله والآل. ولم أزل بين نكد البال وكف اللسان أروم إبداء ما في الجنان، ببستان البنان. ثم أقول لست من فرسان هذا الشأن، إلى أن حرك مني الباعث أجوبة لبعض أهل الزمان، ممن لا يراقب مولاه، ولا يبالى بما اكتسبته يداه، بإباحة شربه وتناوله، والتنكيت على منكره وعاذله، فلهج به من هو على شاكلته، وأذاعه بناحيته وغير ناحيته، وما درا (كذا) أنه ممن ضل وضل، وغشي وأعل، على أنه وأمثاله ممن أخبر به الصادق المصدوق بوجوده آخر الأزمان، حين انقراض العلم وخراب الأوطان، فغرى مني ما أجد من ألم المصاب؛ وقلت إن لم أرمهم بشهاب
стр. 189
المعروف لم آمن من المولى العتاب، وما علي بعده من جاهل غمر، أومن حاسد حبر.
فبينما أنا في مجاري الأقدار، نابذا حلة الأحجار، متعرضا لأوان الكلام من فراغ البال، واستواء الحال، اطلعت على جواب في القضيه لبعض أهل مصر وغيرهم من العلماء، والصلحاء النخباء، فتأنست النفس بعد استيحاشها وانبسطت بعد انكماشها، واستعنت بالله على تبيين الحق في المسألة. وتوضيح الصواب في هذه المعضلة، بعد إيراد الأجوبة (١) له نظما ونثرا، وتتبعي في الجواب الأول منها سطرا سطرا. وبعد الفراغ إن شاء الله أذيله بما عليه أحوال أبناء الزمان، وأذكر من مساويهم ما هو في غاية النصح للإخوان، ولذا سميته (بمحدد السنان في نحور إخوان الدخان) (*).
٣ - رسالة من الفكون إلى أحمد المقري
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على من أنزل عليه في القرآن ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وآله وصحبه وسلم أفضل التسليم، من مدنس الازار، المتسربل بسرابيل الخطايا والأوزار، الراجي للتنصل منه رحمة العزيز الغفار، عبد الله عبد الكريم بن محمد الفكون، أصلح الله بالتقوى حاله! وبلغه من متابعة السنة
стр. 190
النبوية آماله! إلى الشيخ الشهير، الصدر النحرير، ذي الفهم الثاقب والحفظ الغزير، الأحب في الله المؤاخي من أجله سيدي أبي العباس أحمد المقري، أحمد الله عاقبتي وعاقبته! وأسبل على الجميع عافيته!
أما بعد فإني أحمد الله إليك، وأصلي على نبيه سيدنا محمد (ص)، ولا أريد إلا صالح الدعاء وطلبه منكم، فإني أحوج الناس إليه، وأشدهم في ظني إلحاحا عليه، لما تحققت من أحوال نفسي الأمارة، واستنبطت من دخيلائها المثابرة على حب الدنيا الغرارة، كأنها عميت عن الأهوال، التي أشابت رؤوس الأطفال، وقطعت أعناق كمل الرجال، فتراها في لجج هواها خائضة، وفي ميدان شهواتها راكضة، طغت في غيها وما لانت، وجمحت فما انقادت ولا استقامت، فويلي ثم ويلي من يوم تبرز فيه القبائح، وتنشر الفضائح، ومنادي العدل قائم بين العالمين، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين، فالله أسأل حسن الألطاف، والستر عما ارتكبناه من التعدي والإسراف، وأن يجعلنا من أهل الحمى العظيم، وممن يحشر تحت لواء خلاصته الكريم، سيدنا ومولانا وشفيعنا النبي الرؤوف الرحيم.
ولنكف من القلم عنانه، لما أرجو من أجله ثواب الله سبحانه، وقد اتصل بيدي جوابكم، أطال الله في العلم بقاءكم، فرأيت من عذوبة ألفاظكم، وبلاغة خطابكم، ما يذهل من العلماء فحولها، وينيلها لدى الجو لسماعه سؤلها ومأمولها، بيد ما فيه من أوصاف
стр. 191
من أمره قاصر، وعن الطاعة والاجتهاد فاتر، وأصدق قول فيه عند مخبره ومرآه، أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، لكن يجازيكم المولى بحسن النية، البلوغ في بحبوحة الجنان غاية الأمنية.
وقد ذيلتم ذلك بأبيات أنا أقل من أن أوصف بمثلها، على أني غير قائم بفرضها ونفلها، فالله تعالى يمدكم بمعونته، ويجعلكم من أهل مناجاته في حضرته، ويسقينا من كاسات القرب ما نتمتع منه بلذيذ منادمته، وقد ساعد البنان الجنان، في إجابتكم بوزنها وقافيتها، والعذر لي أنني لست من أهل هذا الشأن، والاعتراف بأنني جبان وأي جبان، والكمال لكم في الرضا والقبول، والكريم يغضي عن عورات الأحمق الجهول، وظننا، حققه الله تعالى، أن نجعل على منظومتكم الكلامية يعني (إضاءة الدجنة) (١) تقييدا، أرجو من الله توفيقا وتسديدا، بحسب قدري لا على قدركم، وعلى مثل فكري القاصر لا على عظيم فكركم، وإن ساعد الأوان، وقضي بتيسيره رب الزمان، فآتي به إن شاء الله الآجل معي لأنني بالأشواق، إلى حضرة راكب البراق، ومخترق السبع الطباق، وكنت عازما على أن أبعث لكم من الأبيات أكثر من الواقع، إلا أن الرفقة أعجلت، وصادفتني أيام موت قعيدة البيت، فلم يتيسر عاجلا إلا ما ذكر، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل:
стр. 192
يا نخبة الدهر في الدراية ... علما تعاضده الرواية
لا زلت بحرا بكل فن ... يروي به الطالبون غاية
لقد تصدرت في المعالي ... كما تعاليت في العناية
من فيك تستنظم المعاني ... بلغت في حسنها النهاية
رقاك مولاك كل مرقى ... تحوي به القرب والولاية
أعجوبة ما لها نظير ... في الحفظ والفهم والهداية
يا أحمد المقري دامت ... بشراك تصحبها الرعاية
بجاه خير العباد طرا ... والآل والصحب والنقاية
صلى عليه الإله تترى ... نكفي بها الشر والغواية
وأختم كتابي بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله (ص)،
وكتب بغاية عجلة يوم السبت سابع أو ثامن رجب، من عام ثمانية وثلاثين وألف للهجرة على صاحبها الصلاة والسلام!
стр. 193
٤ - رسالة تاج العارفين إلى الفكون
وكتب رسالة يخاطب بها الشيخ سيدي عبد الكريم فكون، نصها (*):
الحمد لله الذي أطلع شمس الطلعة الفكونية من الأفق الغربي ويا عجبا من طلوعها أمانا للعالم. وجمع فيها ما افترق من أشتات العلوم في كل نحرير عالم. وأزاح بها سحب الأشكال، وأراح بها من سحب الجهالة المخدرة لوجوه المعاني والأشكال، وقيدها شوارد العلوم، وقرن بها على طريقة التحقيق بين المنطوق والمفهوم.
أحمده حمد من رغب الله في استصواب الصواب، وأشكره شكر من علم أن شكره سبحانه، هو غاية المرغوب والثواب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد محقق في إيمانه، مخلص في عرفانه وإيقانه. ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله الذي أوتي من الكلم جوامعه، وعمر به من كل سئل (كذا) صوامعه وجوامعه اللهم صل وسلم عليه وعلى آله أولي الجد والتحقيق، وأصحابه خير صحب وأكرم فريق، ما ذر شارق وشرق غارب، وسكب هاطل وهطل ساكب.
وبعد، فسلام يسابق النسيم، ويجاري برقته نفاسة النسيم، يصافح الروض فيكسب من نشره ويفاوح الأزهار فلا تجد أذكى من نشره، يسترق العنبر من عبيره، ويسترق المسك لفوته عنه في كثرة الشم وتكريره، كما قلت:
стр. 194
أهدي إليك سلاما ... يفاوح الند نشره
يلقاك من كل فج ... إذ تلقاك بشره
أهديه إلى السيد الفقيه العالم العلم النزيه، النحرير المتقن الوجيه، من لنا إلى حبه ركون، سيدي عبد الكريم الفكون، كان الله له في الحركات والسكون. هذا واعلم أيها الصديق الحميم، أذاقنا الله وإياك برد الرضى والتسليم. إني رفقته والخجل في الوجنات يبدي حمرته، والوجل يظهر تارة صفرته في منزل به خيام المخال (١) أسئل (كذا) الله أن يجعل الإسعاد بها لا من المحال (٢) وقد تفاءلنا باسمه جابر، وقد طاب منه مشربه الرائق الزاهر، منزل جبر الله به القلوب، ويسر كل مرغوب ومطلوب، من إصلاح الله بين عباده، ورد سيف المعاند والمكائد في إغماده.
وموجبه أوجب الله لكم السعادة، ويسر لكم أسباب الحسنى وزيادة، إن السيد الفقيه المشارك الوجيه، سيدي أبي العباس أحمد بن الحاجة، جعل الله حسناته في أسواق القبول رائجة، هو ومن معه من السادات الفقهاء الأعيان شنفوا أسماع الفقير، بما لا يسعه وقع لسان القلم وإملائه على الطرس والسطير، من محاسن أخباركم التي تراءت لنا منهم بكل وجه جميل، وكرروا علينا عائدما في البردين والمقيل. وقد قلت في ذلك:
стр. 195
شغفت بكم لما تشنف مسمعي ... وعشق الفتى بالمسمع مرتبة أخرى
لا جرم كاتبناكم وأيدي الأشواق تتلقف حبات القلوب. وقد شب عمرها عن الطوق وكفى أن علم ذلك علام الغيوب. وأعلمكم أني لا أنساكم من الدعاء كما أطلب ذلك منكم، لا سيما بإصلاح الدعاء بظاهر الغيب مستجاب، والحابب في الله في هذا الزمان الصعب من العجب العجاب، ولا تنسانا من مكاتباتكم مع الواردين، كما أنها ترد إليكم منا مع الصادرين. سقاكم الله رحيق الود في كاسات الإخلاص، وأورد صحائفكم مبيضة الوجوه مع زمرة صحائف الإخلاص، ومن معنا من الجماعة / وهم سيدي محمد العامري وسـ (بياض في بقية السطر) الله يهدون إليكم أطيب. ويحـ (بياض في بقية السطر) وخلواتكم وجلواتكم ومعاده عليكم منا ورحمة (بياض). العبد العاجز الفقير المذنب الجاني محمد تاج العـ (بياض) بتاريخ أوائل قعدة الحرام من عام ١٠٣٧ - سبعة وثلاثين و (بياض) (*)
٥ - رسالة الفكون إلى تاج العارفين
عنه (١) الشيخ سيدي عبد الكريم فكون الجزيري (كذا)، نصه:
стр. 196
الحمد لله.
أشرف من تشرق شجرة آل عثمان نورا يتلألأ وأولى على القاصي والداني من سحائب غيثها سحا يتوالى، فأحيى به البلاد، وأنعم على العباد يمينا وشمالا، وجملها بجمال، أدان له كل جمال إلا من اكتسى منه جمالا، وكملها من علا الكمال ما اضمحل به كمال، إلا ما أنالته نوالا وإفضالا، فأثمرت من سنا ثمارها ما جعل للدين تاجا، وللمعارف معراجا، وللمكارم بحرا لجاجا، واكتسى ثوب العز جلالة وإجلالا، فجمع من أزهار الأدب وورد الفقه وشقائق الكلام ونسمين الحكمة وعظا وأمثالا فلله درها من نخبة انتخبت أوصاف المعالي، فحلت من حلاها الرائقة الجواهر واللآلىء، ما استغنى به أهل القطر حالا ومآلا، فسبحان من سنى به بدرا في أفق الكمال عم نوره، وفشا سودده (كذا) وظهوره، وأوضح ما كان من الشبل إغفالا، وفتح من العويص اقفالا، أحمده ، وأشكره شكرا استزيد به نعما وافرة، واستدفع به مكرا ووبالا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﷻ أن يكتسب من مدح الخلق جلالا، وأشهد أن سيدنا محمدا - (ص) - عبده ورسوله أعلا (كذا) الخلق كمالا، وأفصحهم لسانا، وأصدقهم مقالا. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أكرم بهم صحبا وآلا، وسلم عليه وعليهم ووالى.
أما بعد، فهذه تحية حلا نحرها، وغلا طيبها وعطرها، أهديت إلى محل اللوذعي النبيه، العالم العلامة الوجيه، نحرير زمانه، وتاج وقته وأوانه، من أثار من وهج الحب لله ما كان في القلب دفين، سيدي محمد تاج العارفين:
стр. 197
أهدي إليك تحية ... أزكى من الورد رائح
تلقاك في كل نادي ... وأنت غاد ورائح
هذا وقد وصلني من عائد صلتك ما أحيي موات الأفكار، وجلا مرآت (كذا) الصدر من أغيار الأغيار، فنهض إذ ذاك لسان الشكر وما ونى ونآ (كذا)، وإن لم أقض ما وجب، خفت على نفسي العنا (كذا)، فترنم وقال، لما سحب ذيل المقال /
(بياض لسطر كامل)
(بداية السطر بياض). الصدر من ودكم ذكرا
(بداية السطر بياض.) وخسفت أقمارها، ومطامع أقوام.
(بداية السطر بياض.) وغردت من وحشها أطيارها، وبقية كؤس (كذا).
(بداية الطر بياض.) وتلاشى مهرجان غدوها ورواحها، إلا
نفثة مصدور، تحركت لريا نشرها المنشور، ولولا طعن عوالي العذال، لا استشعرت ثوب الجبن في معرك النزال، ولتصاممت عند مقارع الأبطال، وحيثما كانت دعواهم نزال نزال، اللهم إلا رسائل تستكشف عمياء الحال، وتعود إلى الموصول بعائد السؤال، وخالص الدعاء الصالح بالرفيق في الأقوال والأفعال.
وقد آن أن أبدي لكم ما كتمه الضمير من لوعات الشوق إلى نادي الجمع والاجتماع، والانتعاش بتلكم الربوع التي علمت ومباني السمع والأسماع، حتى إذ هبت نسائم الوصل من جانب
стр. 198
محاسن تلك الديار، وتنعمت نغمات رنات أوتار الأسطار، الكاشفة عن مخدرات بنات الأفكار، وكشف محياها من هو أهل لحمل من استوى (١) عليه من الأسرار، من الأحباء لله الأخيار، لا جرم إن زال قذا الحدقة ووافق شن طبقة أبدا (كذا) اللسان، ما رمقه البنان، وإن كنت لست من فرسان هذا الشأن، وممن يقعقع له بالشنان، فبادر مغتنما وتنضا مجيبا ومسلما، مع السؤال الأتم عليكم، وعلى من لاذ بكم، وصالح الدعاء وحلبه مع الوصاية بما هو معهود مني لكل محب متباعدا ودنا بمراقبة المولى سرا وعلانية، والوقوف ببابه تعالى رغبة ورهبانية، مع ادخار صالح الأعمال ليوم الافتقار، والوقوف بين يدي الملك الجبار، الذي لا تخفاه خافية، فما أعظم مصيبة من كان عمله عليه لا له، وما أشد حسرة من انسلخ من حلل هديه إلى سرابيل سعيه التي جعت (كذا) جزاه ووباله، فيا لها من رزية ما أشنعها، ومن بلية ما أدهاها وما أفضعها (كذا) ونداء الحق ينادي ﴿اليوم تجزون بما كنتم تعملون أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾. جعلنا الله وإياكم ممن تلقاه المولى بالرضى والرضوان، ومتعه بالنظر إلى وجهه الجميل في بحبوحة الجنان، في كل وقت وأوان.
ولنكف العنان، لما سأذكره لكم الآن، وهو إنما (كذا) اتحفتموه من در نظامكم، المسفرة عن فصاحة خطابكم، احتوى على أن سبب الإتحاف هو ما شنف مسامعكم من سنيي الأوصاف فحذار حذار، هذه لفتة قرار، بلى أنا سن في أثواب الزور
стр. 199
أتقلب، وكم من حليم غره مني برقي الخلب، فصفاتي لا تسلم سلعتها من الغش، ولا يحصل نفقاتها إلا برذيلة النجش، وهلا إذا كان السبب اقتناص الأخوة بالنية، والصالحة التي يرجحن أن تكون صنفتها في العقبا (كذا) رابحة فنية، المرء أبلغ من عمله، ولا عليه من إصلاح المواخي أو خلله. وقد كان بيني وبين صهركم الشيخ الصالح سيدي أبي الغيث (١)، وإن كان هو يكتب بلغيث فله فيه وجه أدبي وحري، ﵀ وغفر له، وبلغه من سني الدرجات ما أمله، من الإخاء لله والمحبة فيه ما أرجوا (كذا) أن نكون بها في القيامة من الفائزين، وأن تنزلنا المنزلة العليا في عليين، وأن نكون بها فما يراء الأهل بجنة كالدون العار في الأفق، حسبما ورد عن سيد المرسلين - (ص) - إلى يوم الدين.
ولعلك تصغر ولا تشعر، بما كان بين جدكم سيدي أبي بكر وبين الوالد من تكرار الود بالمراسلات، والحث من الجانبين على صالح الدعاء في الخلوات والجلوات. فوصلت الآن من انقطع بموت الجد واستصرم، والبادي أكرم. وحمدت الله لكم على ما أحييته برسالتكم من دارس الرفات، وما ذللتم بخطابكم من حزن الموات خصوصا في زمن طلع فيه نجم الأشرار، وأفلت نيرات الأبرار، وكسدت أسواق العلماء الأخيار. فالتسليم لله الواحد القهار.
جعلنا الله وإياكم ممن حملته على بساط القرب يد العناية، وتوج في الدارين بتاج أهل الحب والولاية، وسقانا من كأس
стр. 200
الصفا ما شربه أهل الصدق والوفا والهداية. وسلم لنا على السادة الفقهاء الأخيار الذين هم فلان وفلان (وهم الذين ذكر أسماءهم في رسالته المذكورة) (١) وأطلب لي منهم صالح الدعاء ونحن لا ننسى جميعكم من إخلاص الدعاء والتعريف. والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وأختم الكتاب بالصلاة والسلام على أفضل من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وآله والأصحاب.
انتهى.
стр. 201
ب - الشعر
حرف الهمزة
أبدرا بدت في الخافقين سعوده ... ونورا به الأكوان أضحت تلألأ
له في العلى أعلى العلى رتبة وفي ... مراقي ذرى العرفان قدما مبوأ
أضاء وجود الكائنات ببعثه ... وطلعته الغرا من الشمس أضوأ
هو الغيث أحيا الأرض بعد مماتها ... وخاتم كل الرسل ثمت مبدأ
يرى ذا لواء الحمد في الحشر إذ غدا ... فكينا وفي الأحوال للخلق ملجأ
بمولده للأرض فخر على السما ... وحق لها بالفخر وهو المنبأ
حوى ليلة المعراج كل فضيلة ... وأم بها نعم الإمام المبرأ
стр. 202
قرير لعين عاد بالسؤل والمنى ... وتوجه المولى بما هو أهنأ
أتم له بالفرض أشرف خلعة ... وأخدفه الأفلاك والحجب توطأ
له المعجزات الغر أسطع نورها ... وأرفعها قدرا من الدهر يقرأ
مكين أمين صادق القول مرتضي ... به القلب يجلى عنه ما كان يصدأ
مآثره محمودة فوق ما أتى ... به من بديع الذكر للعرف ينشأ
دعا فاستجاب في المعاد ادخارها ... أراح بها كلا فللجمع تخبأ
وكم له من آي كريم شهيره ... أصابعه أروت إذا الجيش يظمأ
حنين لجذع وانقياد لدوحة ... كما قمر قد شق نافيه يسنأ
إشارة كف عندما الشمس فاخرت ... قضى طمسها بالضوء لا به يعبأ
شكا جمل أشكا والضب إذ لجا ... بذعر فنال الأمن والذعر مرزأ
فلله كم قد حاز من معجز وكم ... له من سنيي القدر والله يكلأ
стр. 203
نبي له الجاه العظيم فمن أتى ... حماه نجا والهون لا عنه يطرأ
ينادي الحمى يا من يلوذ ببابنا ... له الأمن والأوصاب تشفى ويهنأ
أيا خير خلق الله أنهيت قصتي ... إليك فإن الجسم بالقسم يرزأ
أنلني المنى من جود طولك أنني ... على ظمإ من منهل العذب أملأ
منادي الشفا مما به الجسم مبتلى ... تشفع فذو الآلام ينجو ويبرأ
يمين جرت من ناظم عن تيقن ... فإن لك جاها ليس داعيه يخسأ
نظمت وقد أهديت أبغي الرضى غدا ... وما هو في الأبيات للصدر مبدأ
حرف الباء
أحبتنا إني كلفت بحب من ... له العز قدما والرسالة منصب
لدى نوره الأنوار تخبو وكيف لا ... ومنه استمدت والشواهد تكتب
أيا سيدا فاق النبيئين كلها ... وبدر له فوق المراتب مرتب
стр. 204
هديت نفوسا بعد ما ضل سعيها ... ومولدك الأسنى به القلب يطرب
يفوح ذكاء المسك من ريحك التي ... بها طابت الأكوان والريح أطيب
بطلعتك الغراء أشرقت الدنا ... وأضحى عن الإشراك للباس مرهب
حللت من العرفان كل محلة ... بذا كانت الأرسال تنبي وتخطب
فرأت سطور السر لما سريت إذ ... تقدمت عن جبريل تدني وتقرب
أتاك الندا يا أفضل الخلق أقبلن ... فكنت كقاب القوس بل أنت أقرب
لك البغية العظمى فسل تعط وأرغبن ... ألجنا لك الأكوان إذ فيه ترغب
منحناك قربا لا لغيرك مطمع ... إليه وأعطيناك ما أنت تطلب
هناك سراح الطرف متع تطولا ... أزلنا عن الأبصار ما كان يحجب
دنوت وحيدا إذ دعيت لحضرة ... بها الأين والآثار تفنى وتذهب
وتوجت يا محبوب تاج كرامة ... وبالكأس من بحر المعارف تشرب
стр. 205
حظيت لما حليت من خلعة البها ... وطوقت فرضا بالمهابة يرقب
أتيت كلام الله بعد تردد ... إليه بتخفيف لما كان يصعب
شكرت له إذ ما ومالك دعوة ... بقدر الحياء والجلالة أرهب
فنزهت في الفردوس نفسا بهية ... وفي ملكوت الله طرا تقلب
نهضت لهذا السر في بعض ليلة ... رجعت من المسرى وما الليل يذهب
يروم العدا التنقيص عند سماعها ... فما كان إلا والبراهين تضرب
أتى العير بالتصديق مرأى ومخبرا ... وفي المسجد الأقصا دليل يرتب
أيا مالك الأوصاف فقت الورى فما ... به خصك المولى من الذكر أعجب
معالم دين الله قد سطرت به ... وأنباء صدق والأماثل تقرب
ينادي عليل الجسم غوثا ببابكم ... فيشفى كما الأسقام عن ذاك تسلب
نهضت، بمدحي مستغيثا وطالبا ... فلاحا وما في أول السطر يجلب
стр. 206
حرف اللام
أعيني جودا بالدموع تأسفا ... لصب نحيل الجسم زايله عقل
لدا غصني لفح من الحب فانتجت ... محاسن وجه ذاب إذ بقي الشكل
أذاعت شهود الوجد كامن دفقه ... فأضحى المحيا كاسفا ضاء من قبل
حللت لنيران النوائس أضلع ... فيا ليت كان الوصل وانتضم الشمل
يبيت من الأشواق قلبي معذبا ... كملدوغ رقطـ أو تناصله النبل
بناظر عيني لاح ساطع نوره ... على روضة الخضراء حيث بدا الوصل
حوت غبة لم يخلق الله مثلها ... ولا شابهته الأنبياء ولا الرسل
نداه بها مسك يفوح لنا شذا ... وغرته الأنوار كلا بها تجلو
أتت به أخبار مضت كتب بها ... هواتف صدق بان من وصفها الفضل
لمولده الأسنى تدلت كواكب ... وحفت به الأفلاك وازدحم الحفل
стр. 207
مزاياه عند الوضع جاءت شهيرة ... فقد حضرته العين لما انقضى الحمل
مكارمه إذ ذاك أبدت فضائلا ... لذا جاء مسرورا بكحل الهدى كحل
دنت شرفا للهاشمي محمد ... ملائكة تسعى بخدمته تعلو
وقد صانه الرحمان من كشف سوءة ... توالد مختونا فليس له مثل
حوى الطست والإبريق أيدي ملائك ... كما حوت المنديل من مندس تجلو
أزالوا من المنديل خاتم صدقه ... به ختموا ظهرا فقد كمل النبل
شريف المحيا غسله قد بدا إذا ... بماء من الإبريق نائله جزل
فألقوا عليه جفنة خوف أن يرى ... بسبق لجد إذ تلاحظه الأهل
نزيد بأملاك له الطرف نزهت ... لدى ملكوت الله والسر لم يخل
يجوبون أقطارا وقد كتبوا اسمه ... على ورق الأشجار والشيم القفل
أيا نخبة لم يخلق الله مثلها ... جنيت وبالأوزار ينهكني الثقل
стр. 208
أتيت ذليلا خائفا بابك الذي ... به أمن المذعور وانقشع المحل
محلك غوث والعليل به التجأ ... تريح من الآلام كي يذهب الشكل
يحن طبيب للمصاب وأنت لي ... طبيب ومنك الطب إذ ما بدا السؤل
نسائلك التخليص من كل عاهة ... وفوز الرضى والسؤل من مبدأ يجلو
حرف الياء
أيا باهر الإشراق يا غاية المنى ... ومن حاز في تشريفه الرتبة العليا
لوجهك يا بدر الكمال تلؤلؤ ... وغيث به الأكوان إذ ما بدا تحيا
أزحت ظلام الشرك بالطلعة التي ... أضاءت كما أوليت من نورها هديا
هداك صراط مستقيم من اقتفى ... مراشده استهدى وقد جانب الغيا
ينجى من العاهات معتصما به ... وقد جاء بالبشرى كما يدفع الخزيا
به فاز من قد فاز يا خير مرشد ... لذا ورث الفردوس إذ ورث الوحيا
стр. 209
حوى كل علم سابقا ومؤخرا ... وأهدى إلى من قد يناضله العيا
قوارعه من نظمه قدت الحشا ... فما وجدوا طعنا ولا أظهروا أليا
أيا من سما فوق السماوات والعلا ... وجاوز كل الحجب يرقى إلى البغيا
وقد جئت يا ذخري وكنزي وعدتي ... ليوم تعاد الخلق فيه كما هيا
حصينا من الزلات ضارع غلة ... توالت على من نابذ الكفر والخزيا
مدحتك والتقصير شأني وشيمتي ... وقد خفت من ربي إذا جئته حيا
دعاني الصبا للهو حتى أقامني ... مقاما تراني قد خبئت به السعيا
ولعت بأاء مي زمان شبيبتي ... وحملتها الأهواء ما حسنت رأيا
حللت محل الجود والفضل ابتغي ... نوالا يريح الذنب كي يكسب المحيا
أغثني إذا ما الموت أحكم سكرتي ... فحضرتك الحسناء تصلح لي الوصيا
شفاعتك العليا أراعى بمحشري ... لتستر زلاتي وتسقط لي البغيا
стр. 210
فظني جميل فيك يا أكرم الورى ... عطاء أبث جزلا كما تحسن الرعيا
نريد جوار الخلد معك وفي الدنا ... فلا تحرمني ما به مصلحتي تحيا
يحقق آمالي ويدفع كربتي ... مديحك يا مختار أكرم به ريا
أما والذي أحيا بك الكون إنني ... ببابك راج ما تلبثت في الدنيا
ألم يك للمهدي جزاء يسره ... على من له أهدى بشرعك ذي الفتيا
مواهبك الفضلى طلبت لمنيتي ... جزاء على مدح وأنعم به البغيا
يمن عظيم الجود من سيح بحره ... بتحقيق آمالي كما يكرم اللقيا
نشاب بنظم رؤية الله في غد ... وسؤلي وما بالبدء من ذي وذي ثنيا (*)
٧ - مساجلة الفكون والسوسي
١ - قصيدة محمد السوسي في الفكون (١):
ألا عج إلى البطحا ترى البرق يومض ... على دار علم بالعلوم تنضنض
стр. 211
وتذهب جلباب الدجا ببهائها ... كان كأنها قلوع تربض (١)
أعارت بياضا للحمام وجردت ... كسا الطوسي في نقوش تعرض
كان سليمى من أعاليه أشرفت ... تمد لنا كفا خضيبا وتقبض
إذا ما توالى ومضه نفض الدجا ... له صيغة المسود أو كاد ينفض
قماط العقود في الربيع تلألأت ... تحاربها كل العيون وتمرض
كان الثريا والغروب يحثها ... على عاتق الجوزاء رقط مفضض
فدار علت قدرا ومجدا وغيرها ... إلى قدرها علوا عيونا تغمض
فمالكها أمره سوي مفضل ... زكي تقي بالعلوم يفيض
فتى فتح الله المعارف باسمه ... غنى بأمره عن القيل معرض
تأخر في لفظ الزمان وأنه ... بمعناه في أعيانه متفبض
стр. 212
وخص بأشتات العلوم جلالة ... وجاء بها من الفها متغمض
وهبت له ذا القول منى تحية ... بمسك عبق للقيول يخضخض
كتبت وما وافيت برك حقه ... لما قصرت كفى برقم يقضض
وناب القريض في الهناء نيابة ... عن القاصر الموسوم بالذنب يمحض
ومن رام نقد الشعر مني جهالة ... فذاك خديم الزور للحق يدحض
سل الشعر عني من أبوه ومن أنا ... إليه ومن القريض بعوض
ولاكنني أبغي من الحق شطره ... ونصف الجميع بالدعاء يمقمض
واعذر مرءا رام طعنا تملقا ... بضغن كمين في الصدور يمرض
لأن جميع الناس قسمان طبعهم ... فذا منصف منهم وذا منغرض
فلست ترى إلا وجوها ذميمة ... تخوض بأعراض الأنام وتعرض
وقد كنت أشكرك من الدهر دائما ... فقد كنت أشكوا من أناس ترضرض
стр. 213
ويصعب حمل الوزر والوزر جملة ... فأنت ترى في حمله كيف يشضض
واستنجد الدمع الأبي على الأذى ... فينجدني منه جداول فيض
وما يصنح الإنسان وهو بفهمه ... يحس بأنواع البلايا ويعرض
وختم مقالي بالصلاة على الرضا ... محمد الداعي هداة يحرض
وآله والأصحاب ما لاح فرقد ... تبالي نبات للغروب يركض
٢ - قصيدة الفكون في محمد السوسي:
لك الحمد تعطي من تشاء وتقبض ... فصل على من كان للدين يفرض
وجاز الاهي نخبة جاد عصره ... به وبمثل فاضل متقبض
تردى بنيل واكتسى ثوب فخره ... له من قريض الشعر درع مفضض
تصوغه لما استذل صعابه ... كريم على فعل الكرام يحضض
متى تلقه تلقى نبيها مملكا ... صفوحا على من كاد منه ومعرض
أديب أريب حافظ للذي روى ... وأستاذ قرن عندما قد يقيض
стр. 214
فحرك مني ساكنا نظمه الذي ... تخاله درا بل جمان مفضض
رماني لما استماتت صبابتي ... ولم لا وفي الدهر أقلي وأبغض
فلا ترى إلا شانئا عن تحسد ... وكاشر وجه في الجنان ممرض
تعرضني الأنذال إذ صرت بينهم ... كذى طيران بالجناح تقرض
فلله ما لاقاه قلبي من الأسا ... ومن ربعهم تالله أنفك أغرض
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بعدوة واديها وللدار أرفض
وحولي أهلي والركاب مناخة ... بما حملت من ثقل زاد تنهض
إلى خير خلق الله تنحو مطيتي ... ودار بها الكربات تجلى وتنقض
ثوائي بها أرجوه حيا وميتا ... بغرقدها الأنوار تبدو وتومض
فأنشر فيها ما حييت نفايسا ... تحل عويصا أو مقفل يغمض
وأظهر من عوراء أهلي وجيرتي ... دفاتر طول الدهر فيهم تبغض
стр. 215
وأشكوهم لله ثم لمن بها ... عظيما على المولى يسن ويفرض
وإني وإن طالت بي المنية التي ... أرجي ففيها لم أزل أتعرض
ورد جموح النفس بعد تندد ... لمأوى أخ بالخير باد ومعرض
فلي في مجال الشعر أعلى منصة ... بها قد قضى أصل وطبع مريض
فيعرفه أهل ويأباه جاهل ... غبي ومن بالضغن للقدر يخفض
وأهدي سلاما طيب النشر للذي ... بذكراه مني العرق قد صار ينبض
فأحيا مواتا واستفز نباته ... وأطفأ في الأحشاء ما كان يرمض
له الفضل بدءا والإثابة بيننا ... لآلي عقود في الفؤاد تأرض
تنباته من سوقه لقصيدة ... بقافية بالعجز عنها يعرض
فما أقبح التقصير والجهل بالفتى ... إذا عاصف التثريب في الوجه ينفض
وصل إلاهي كل وقت وساعة ... على من لرجس الشرك ينفي ويدحض