Полный текст (484 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
السجون والمعتقلات فعلا، إلا أن الجزائريين كلهم مقاتلون بالطبع وبالممارسة، وفي استطاعتهم أن يحشدوا مئات الآلاف للقتال، وفي استطاعتهم أن يقلقوا راحة فرنسا لعشرات السنين، حتى تمل وتعجز، ثم تخرج مطأطأة الرأس من حيث دخلت، وهي رافعة إياه، ولكن ذلك متوقف على المال أولا ... وثانيا ... وثالثا ... ولا شيء ينقص المكافحين، في تلك الديار سوى المال، فمن أين يأتي هذا المال الضروري، عصب الحرب كما يقولون أيها العرب؟ .. هل تريدون أن نأخذه من الشيوعيين، أم نأخذه من المستعمرين الآخرين غير الفرنسيين، إن كل هؤلاء أعداؤكم، وإن كل هؤلاء أخباث.
نطالبكم بحق وليكن دينا علينا
إننا اليوم مضطرون كل الاضطرار، لنعلن عتبنا الشديد على إخواننا العرب، لأننا نفتقر إلى القليل من مالهم، الذي ينفقونه في الكماليات، وفد يكفينا لنحرر به أنفسنا من الاستعباد، ونحن حينما نطالبهم بذلك، فلا نشعر مطلقا بأننا متسولون، أو أنهم يد عليا ونحن يد سفلى، لأننا نطالب بحق أولا، ولأن هذا الحق ثانيا، سيكون دينا علينا نرده إليهم في القريب، وربما يكونون يومئذ في أشد الحاجة إليه وإلينا، وإني أحلف غير حانث، لو أن المغرب العربي قد تحرر وتم استقلاله، لكفى العرب شر إسرائيل وغير إسرائيل، وأن أعدائكم مع الأسف أيها العرب، ليفهمون ذلك ويقدرونه أحسن منكم، فأقرضوا لإخوانكم الأوفياء قرضا حسنا يضاعفه الله لكم، ولكم أجر كريم. وبعد؛ فيا أيها العرب الكرام: اعلموا جيدا أنه، إن كانت سوريا الشقيقة في حاجة إلى أسبوع للتسليح، فإن تسليح الجزائر والمغرب العربي المحروم، يحتاج إلى أشهر وأعوام، ويهمني هنا أن أسجل عتبا آخر، على أولئك الذين تبرعوا بمبالغ متواضعة، وأنهم مع الأسف، جعلوها باسم المنكوبين، ثم حاولوا أن يوصلوها إليهم، من طريق المستعمرين أنفسهم، إنه لشيء يبعث حقا على الحزن والضحك في آن واحد، إذ متى كان الذئب راعي غنم أمين، ومن ذا الذي نكب الجزائريين والمغاربة سوى الاستعمار الفرنسي، الذي تطمعون أن يساعدكم على مواساة إخوانكم هناك.
стр. 107
شيئا من الشجاعة أيها العرب .. ولو إكراما لشهامة أسلافكم في التاريخ.
برقية إلى حضرة الباشا الفاطمي بن سليمان. الرباط - مراكش -
نعيذك بالله، من أن ترأس سومة مراكشية، من طراز حكومة ابن عمار التفاوضية في تونس، إنه لمن الجائر جدا، وأنت بشر أن يغريك المنصب الرفيع لأول مرة. ولكن يجب أن تذكره، إننا في عصر لا يغتصب المرء فيه شيئا لنفسه، على حساب الوطن، إلا ودفع ثمنه غاليا والمجاهدون الوطنيون، لا يفرقون كثيرا، بين العدو الأصلي، وبين أدوات العدو. وعلى كل حال فإن أملنا في ذلك وطيد، بأن يعيشوا وطنيين مخلصين، حتى يلقوا ربهم مغتبطين، ثم ثق بأن ساعة الخلاص آتية بأسرع مما يظن المخطئون. ٢٠ - ١٠ - ١٩٥٥
الفضيل الورتلاني
هل ثوار الجزائر خونة! .. لأنهم يستعينون بدول أجنبية ؟
جريدة بيروت المساء والمنار الدمشقية
قال لي صاحبي: لاحظت على ألسنة المسؤولين الفرنسيين، وعلى صفحات جرائدهم، أنهم يتهمون ثوار الجزائر خاصة، وثوار المغرب عامة، بأنهم على اتصال بدول أجنبية، تمدهم بالأسلحة والذخائر والمال، فما رأيك في هذه التهمة؟
فأجبت: أرجو أن تكون هذه التهمة صحيحة كل الصحة، لأن صحتها قد تدل على أن في هذه البشرية الغربية أو الشرقية، بقية من إنسانية ومروءة، أو أن من بين هذه الدول القوية المتعفنة، بقية من خلاق مفيد، يمكن للمستضعفين بفضله أن يتنفسوا، وأن يعيشوا أحرارا كبقية الناس، ويا حبذا لو يتحقق ذلك، ولا يهمني بعد تحقيقه، أن تكون الدولة المساعدة للثوار الأحرار غربية أو شرقية، ديمقراطية أو شيوعية، أم فاشستية، أو أن يساعد ثوران كل هؤلاء مجتمعين، لأن البندقية والمدفع
стр. 108
والقنبلة وسائر أنواع الأسلحة والذخائر، ليس لها دين ولا مذهب، إنما لها صولة فقط والثائر الحر لا يهمه، إلا أن يمتلك تلك الصولة ليستعملها في الدفاع عن نفسه، وفي سبيل استرداد السيادة المغتصبة من أمته، ولكن مما يدعو إلى الأسف الشديد، أنني لا أعلم حتى هذه الساعة أن دولة ما تقدم مساعدة جدية للمجاهدين في الجزائر والمغرب العربي، ونحن لا نخفي على الناس، ولا نخشى من فرنسا أن تعلن للدنيا جميعا، بأن ثورة الحرية في المغرب العربي، في حاجة ملحة إلى معونة كل حر وكل من يدعي الحرية على الأقل، وهم حينما يساعدون قوما يجودون بالحياة في سبيل حريتهم، إنما يقومون ببعض الواجب، وإنما يكفرون عن بعض سيئاتهم الطائلة، أما نحن فلولا الخوف من عرقلة وصول هذه المعونات الحربية وغير الحربية إلى أيدي الثوار، لكان عندنا الجرأة الكافية لنشرها في الصحف والإذاعات، ولشكرنا أهلها وباهينا بعملنا وبفضلهم، لأننا وإياهم إنما نفعل جميلا.
وعاد صاحبي يقول: إن الفرنسيين يسمون استعانتكم بالدول الأجنبية خيانة، لأن هذه المعونة في نظرهم لا تكون بالمجان، بل لا بد لها من ثمن وسيكون ذلك الثمن على حساب مصالحكم ومصالحهم، ويعنون أنكم ستستبدلون استعمارا باستعمار.
قلت لصاحبي: إن كنت قد نسيت التاريخ القريب فإني مذكرك به، ليستقيم معك المنطق في الحكم على القضايا العظيمة، وذلك أن فرنسا هذه، قد سقطت عام ١٩٤٠ صريعة العدوان الألماني فاحتل الألمان أراضيها واستذلوا شعبها وطعنتها إيطاليا في ظهرها، ثم راجت الخيانة في ربوعها حتى شملت التهمة رئيسها العظيم بطل فردان المارشال بيتان، ويومئذ قام مثلنا من بين أبناء فرنسا ثوار في الداخل والخارج، يصرخون بأعلى أصواتهم، يخاطبون الضمير الإنساني في جميع أطراف الأرض، ويدعون الدول والشعوب جميعا لا فرق بين مسلمها ومسيحيها، إلى الغوث والإسعاف والإنقاذ، واستعملوا في ذلك أبلغ العبارات وأحر الدموع، واشتهر حامل تلك الراية بالبطولة النادرة ودعى يومئذ برجل فرنسا الأول أعني الجنرال ديغول، وقد قاسم الجنرال هذا
стр. 109
الجد العظيم، ثوار فرنسا ورجال المقامة فيها، ولا يزالون يعيشون على فتات ذلك المجد العظيم، وما قال لهم قائل فرنسي أو غير فرنسي أنكم خائنون.
وبعد؛ فمن هم هؤلاء الأبطال وماذا صنعوا حتى يستحقوا كل هذا التمجيد هنا محل الشاهد: لأن هؤلاء إنما كانوا ثوارا يقاتلون المحتلين الألمان، ويعني ذلك أنهم إنما صنعوا مثل ما يصنع الثوار الجزائريون اليوم تماما، وثوارا استعانوا بجميع دول الأرض وشعوبها، ودعوا جيوشها للنزول في أراضيها مؤقتا، وقبل ذلك أخذوا من الأمريكان أسلحة ودولارات، ومن الإنكليز ذخائر وجنيهات، ومن الروس الأسلحة والذخائر معا، ثم الرجال والروبيلات، وأملنا في أبطال فرنسا الأسوة الحسنة، ففي سبيل تحرير وطننا نحن مستعدون لقبول كل ذلك، ومن أي جهة كانت حتى من فرنسا نفسها، بل يعلم الله أن لو كان ذلك من فرنسا لكان أحب الأشياء إلى نفوسنا. أما تسميتها للعمل الواحد باسمين متناقصين، بطولة منها، وخيانة منا، فإنه من دواعي سخرية العالم بمنطقها.
أما إن كانت الدول المساعدة لثوار المغرب العربي هم العرب والمسلمون، فأغلب ظني أنه لا اعتراض عليه، لأنه صلة رحم واجبة، ويا ليتها كانت، يبقى الزعم بأن العون الأجنبي لا بد له من ثمن، فإنه سخف لأن هؤلاء الأجانب أنفسهم هم الذين حرروا فرنسا من قبل، ولم يقبضوا أي ثمن إيجابي سوى التنكيل بأعدائهم. وأخيرا فإنما الذي يهمنا أن يعلم ويطمئن من يعنيه أمر مستقبلنا بحق، أن لا استعمار بعد اليوم في المغرب العربي بإذن الله، ولو جاء من قبل سكان السماء.
الكلمة في انتخابات الجزائر هي للثوار وحدهم
جريدة بيروت المساء سنة ١٩٥٦ والمنار الدمشقية
قال لي صاحبي: الآن وقد حلت الحكومة الفرنسية مجلسها النيابي، وقررت إجراء انتخابات جديدة، فما رأيك في موقف الجزائر منها؟
стр. 110
قلت لصاحبي على الفور: إن الكلمة اليوم في الجزائر هي للثورة والثوار، ليس غير، لأن صوتهم - صوت النار والحديد - هو وحده الذي يستطيع أن يسمع الاستعمار الفرنسي، وهؤلاء الثوار هم جيش الأمة المغلوبة على أمرها، وهم يعملون عملهم اليوم في شجاعة وشرف، ويؤدون رسالتهم المقدمة في أمانة ونبل، والأمة من ورائهم تؤيدهم وتفيدهم بكل مرتحض وغال، والله فوق الجميع لا يضيع أجر من أحسن عملا، إذا أخلص فيه.
قال صاحبي: وما رأيك الخاص؟ هل ترى رجحان المصلحة في اشتراك الجزائريين بهذه الانتخابات البرلمانية، أم ترى المصلحة في مقاطعتها؟
قلت: يجب أن تعرف أولا: ما هي نسبتنا نحن معشر الجزائريين في مجلس نواب باريس، وما هو طراز هذه النسبة وما هي فائدتها؟
إن نسبة نواب الجزائر، التي قررتها الديمقراطية الفرنسية، في أحدث دستور لها سنة ١٩٤٧ كانت (١٣) نائبا يمثلون ١١ مليونا من العرب، لأنهم عرب، بينما جعلوا نفس النسبة لخليط المتفرنسين وعددهم (٨٠٠) ألف، ومزية المتفرنسين هؤلاء الوحيدة، إنهم ليسوا بعرب فقط، ولعل هذه القسمة، من ضن ما يصلح في نظر فرنسا، أن يكون دليلا على أن الجزائر فرنسية، وأن الجزائريين فرنسيون، على أن هذه الشركة نفسها، التي لم نعترف نحن بشرعيتها في يوم من الأيام، أو أنها على علاتها كانت مبنية على قواعد العدل، وقائمة على أصول الحرية، لكان عدد نواب الجزائر في برلمان باريس نحو (١٤٠) نائبا بدل (١٣) أما طراز نوابنا هؤلاء فإن أكثريتهم الساحقة، إنما هم معينون في صورة منتخبين، إذ ما عرفت الجزائر العربية يوما انتخابا حرا، أو شبه حر في جميع مجالسها، ومن مكر فرنسا أنها كانت تتعمد دائما، ترك عدد قليل من الوطنيين الأحرار ينجحون لتستدل بهم على حرية الانتخابات، وعلى وجود معارضة ظاهرة، على أنها تعلم طبعا أنها معارضة لا تسمن ولا تغني ...
стр. 111
نريد انتخابات جزائرية حرة
أما فائدة نوابنا في برلمان باريس، فلو فرضنا المستحيل، وقدرنا أنهم جميعا من الأحرار، فإن فائدتهم لا تتجاوز الدعاية، وتبليغ آلام الجزائر وشكواها، إلى الرأي العام الفرنسي والعالمي، وإلا فما قيمة (١٣) نائبا إلى جنب (٦٢٠) من الفرنسيين، والقول الفصل في التشريع كما هو معلوم إنما هو للأكثرية دائما، ولو كانت بصوت واحد، وأما رأيي في اشتراك الجزائريين هذه المرة بالذات، في الانتخابات البرلمانية، فيجب أن يكون تابعا لمصلحة الثورة فقط، فإن رأي المسؤولون فيها، أن يتخذوا هذه المناسبة، فرصة لاستفتاء الأمة، على مقدار رضاها بالثورة ومبادئها كان ذلك خيرا على شرط أن ترشح الثورة نفسها، قائمة واحدة، ولا أظن أنه يوجد في الجزائر بعد ذلك سافل واحد يجرؤ على الوقوف في وجه هذه القائمة المقدسة، وعند نجاحها، وهو مضمون في نظري حتما، يقوم ذلك النجاح مقام الاستفتاء الرسمي للأمة الجزائرية في تقرير مصيرها ويقوم في الوقت نفسه، مقام الدليل القاطع، على أن الأمة لا تريد إلا مبادئ الثورة، وهي الاستقلال والوحدة المغربية، وأقل ما تفيده هذه النتيجة هو قطع طريق المراوغة على حكومة فرنسا، أمام شعبها المضلل، وأمام المحافل الدولية الطويلة البال.
أما إذا رأت الثورة أن في هذه العملية تضييعا للوقت، أو إفسادا لبعض الخطط المرسومة، أو أن ذلك يدل من قريب أو بعيد، على الرضا في الارتباط بفرنسا. فيجب أن يكون القول قولها. ويجب أن يقاطع الجزائريون هذه الانتخابات بالإجماع، ومن شذ شذ في النار.
أما الانتخابات الحقة، التي ندعوا إليها نحن بإلحاح، وقامت من أجلها الثورة، وستظل قائمة حتى تتحقق، فهي انتخابات جزائرية محضة، لا شأن لفرنسا فيها
стр. 112
مطلقا إنما، لأجل إقامة جمعية تأسيسية تضع الدستور الجزائري، وتشكل - حكومة جزائرية، لتفاوض فرنسا على إنجاز الاستقلال، ولتضع أسسه وقواعده الفعلية.
وحشية الاستعمار الفرنسي بالجرائر
جريدة بيروت المساء سنة ١٩٥٦ والمنار الدمشقية
لا يزال فريق كبير، من الوثنيين العصريين، يعبدون أصناما، من المعاني المزيفة، كما كان يعبد بعض أسلافهم، الجمادات الميتة، ويتوجه الكل إلى آلهتهم بعقيدة مشتركة، وهي افتراض العظمة الخارقة فيها، والجمال الذي ليس معه قبح، فمن هؤلاء الوثنين - الموديرن - جماعة من هذا الشرق، تقدس فرنسا، معتقدة أنها المثل الأعلى، للحضارة الإنسانية، والجمال والكمال، فإلى هؤلاء الوثنيين الموديرن نسوق قصة موجزة لأعمال آلهتهم فرنسا البربرية، في الجزائر العربية، وليس لنا في وضع القصة أي يد، وإنما رويناها بأمانة، عن جريدة فرنسية مشهورة، هي شاهد عدل من أهلها، قالت جريدة - الاكسبرس - في عددها الصادر يوم ١٠ - ١١ - ١٩٥٥ ما يلي:
يبدو أن المغالاة في التنكيل، لم تكن في يوم أفظع مما هي الآن بالجزائر فمنذ عام أصبح التعذيب بالكهرباء، والتغطيس في الماء طبيعيا، اعتادت عليه السلطة البوليسية في قسنطينة وهو ضد كل من يشتبه في أمره وتحوم حوله أية ريبة. وسيأتي اليوم الذي ستصل فيه مثل هذه الأعمال البربرية الآخذة في الاتساع إلى كل الأسماع، وعندها تكون فضيحة كبرى لفرنسا أمام الرأي العام العالمي.
وهناك قضية قتل قيد البحث، دبرها بعض رجال البوليس من ذوي النفوذ بالجرائر، وضحية هذه الجريمة شاب جزائري مسلم يبلغ من العمر ٣١ سنة واسمه -
стр. 113
زيدون بن قاسم - وقد ألقي عليه القبض في ٣ نوفمبر ١٩٥٤ في مدينة وهران، وكانت السلطة الفرنسية تعلم أنه من الوطنيين الذين كانوا في القاهرة، وظنت أنها قد وقعت على صيد سمين، حيث اتهمته بأنه همزة وصل بين الثوار الجزائريين والقاهرة، وبعد مرور ثمانية أيام قضاها في سجن وهران، نقل إلى الجزائر حيث سلم لبوليس العاصمة للتحقيق معه، وما إن وصل إلى غرفة التحقيق حتى اتضح لجلاديه أن التعذيب الذي وقع عليه في وهران، قد أثر عليه لدرجة أفقدته النطق، وبالرغم من هذا التعذيب البشع الذي أحال جسده إلى قطعة لحم تشبه الجثة الهامدة فقد تداولت الأيادي المجرمة تعذيبه المرة بعد الأخرى إلى أن فارق الحياة.
مسرحية فاشلة
وعند ذلك قام المجرمون بتنظيم مسرحية يوهمون الناس أن - زيدون بن قاسم - تمكن من الفرار من السجن، ولكن المجرمين أرادوا أن يخفوا جريمتهم النكراء فوضعوا جثة الشاب الجزائري داخل زكيبة، ثم أثقلوها بسبعين كيلو من الحديد، وألقوها على بعد كيلومترا من الساحل، ومن سوء حظ المجرمين من رجال البوليس الفرنسي، أن رجلا اكتشف الجثة قرب دلتا وادي الجميز، وكانت أمواج البحر قد دفعتها إلى هذا المكان بعد ثلاثة أسابيع.
وكل الذي نريد أن نعلق به على هذه القصة الوحشية، هو أن هناك مثيلات لها أفظع منها، عن ضروب وحشية الاستعمار الفرنسي في ديار المغرب العربي، وهي كثيرة لا تكاد تقع تحت حصر، وما هذه إلا واحدة متواضعة من بين المئات أو الآلاف، وقد نشرت أخيرا صحف فرنسا وصحف العالم أن الحاكم العام بالجزائر قد طلب من الحكومة المركزية بباريس، ستين ألف جندي من المدد، إلى الجزائر، يضافون إلى ثلاثمائة ألف، كانوا منذ سنة ونيف يمارسون القتال فيها ضد بضعة آلاف من
стр. 114
الثوار، بل الحقيقة المرة، أن الجيش الفرنسي قد عجز عن الوصول إلى الثوار، وإنما يقاتل الأهالي العزل الأبرياء، ويصب عليهم النيران في داخل بيوتهم وبعد: فيا أصدقاء فرنسا الكرام، إنكم في عصر المعرفة والمنطق، فالرجاء أن تحرصوا على معرفة الحقائق في عظائم ألأمور وعلى تحكيم المنطق وحده فيها دون العواطف والشهوات.
برقية إلى حضرة الزعيم علال الفاسي المحترم
أهنئكم على توحيد الكفاح المقدس بين المجاهدين الجزائريين والمراكشيين، آملين توسيعه وتثبيته، واعلموا أن الأجيال، إنما تنتظر من التضحيات المناسبة، لترث مغربها، عربيا مستقلا وموحدا غير مجزء، وإنى آمل أن تكونوا دائما القدوة الصالحة.
القاهرة ٥ - ١٠ - ١٩٥٥
الفضيل الورتلاني
ما هو مصير الجزائر - بعد الانتخابات الفرنسية ؟
جريدة بيروت المساء والمنار الدمشقية
لم يكن المسؤولون الفرنسيون يخفون أهم سبب لحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، قالوا جميعا، بعضهم بلسان المقال والبعض الآخر بلسان الحال: أن السبب الرئيسي، هو مشكلة الجزائر والمغرب العربي، من أجل ذلك كانت المعركة الانتخابية، قائمة بين المتنافسين جميعا على آرائهم في مستقبل الجزائر وإفريقيا الشمالية، وهو وحده الذي كان يرجح كفة على أخرى، بين المرشحين المتنافسين في كافة أنحاء فزنسا وما وراء البحار، فالنتيجة التي انتهت إليها تلك الانتخابات إنما تعد بمثابة استفتاء مقصود، لمعرفة وجهة نظر الرأي العام في قضية معينة، هي بالتحديد الجزائر بالذات، لأن الفرنسيين يرون أنهم قد
стр. 115
وصلوا فيما يتعلق بتونس ومراكش إلى بداية الحل على الأقل، فماذا كانت النتيجة؟ وكيف يكون مصير الجزائر؟
كانت النتيجة واضحة كل الوضوح .. لقد كانت في صالح الجزائر، لأن الأحزاب أو الأفراد الذين كانوا يقولون بإنصاف الجزائر، على اختلاق وتفاوت فيما بينهم في تقدير هذا الإنصاف كلهم أو جلهم نجحوا نجاحا باهرا، قد لا يكون منتظرا، حتى من أصحابه ويلاحظ أن الحزب الوحيد في فرنسا الذي كان يقول باستقلال الجزائر من غير قيد ولا شرط، والذي يناصر الثورة علنا وبكل ما أوتي من قوة، هو الحزب الشيوعي، وهذا الحزب قد حصل وحده على أكثر من ربع المقاعد مجتمعة، وكسب فوق ما كان عنده في المجلس السابق، نحو خمسين نائبا جديدا، ولم يجد عند الشعب الفرنسي من أسباب الانتصار، سوى قضية الجزائر، والمقياس الصحيح عندنا اليوم، معشر الجزائريين، للتفريق بين العدو والصديق، وبين الباذل والمقصر، وهو موقف الناس من ثورتنا، لأن الثورة الجزائرية هي أنبل ثورة، أو هي الأقل من أنبل الثورات التي عرفها التاريخ، لأنها ثورة تطالب بالحرية والاستقلال في القرن العشرين، المطلب الطبيعي الذي وصل إليه اليوم حتى المتوحشون، والمطلب الذي لا يتم أمر السلم في العالم إلا بتحقيقه، هذه الثورة التي دلت على رجولة وعزيمة .. وتضحية وصبر ونبل.
стр. 116
نريد الاستقلال ولا شيء غير الاستقلال
لقد قدمت الجزائر لفرنسا ملايين من أبنائها إلى ميادين القتال وإلى الصناعة والتموين، رجحت بهم كفة فرنسا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقد فعل الجزائريون ذلك أملا في الاعتراف بالجميل والمكافأة بالحرية والاستقلال، أو شيء منهما ولكن ويا للعار، لم يكن من الفرنسيين إلا الغدر واللؤم، فكان جزاء الجزائر منهم جزاء سنمار، فسلب الفرنسيون البقية الباقية من حرياتهم، ونهبوا أموالهم، وهتكوا أعراضهم، وأراقوا دماءهم، وخربوا ديارهم، ثم حرموا على الجزائريين حتى الشكوى، فالشاكي عندهم مشاغب وخائن للدولة، ويجب تأديبه وقهره وسجنه أو قتله، حتى طفح الكيل، فكانت الثورة، وكانت ثورة مقدسة يباركها الرجال والنساء، والصغار والكبار، والمعتدلون والمتطرفون، والآملون واليائسون وأعلنت هذه الثورة، سبب قيامها، وحددت مطالبها ولن تنتهي إلا بتحقيقها، أما السبب فهو اليأس المطلق من عدل فرنسا، وأما المطالب فهي الاستقلال ولا شيء غير الاستقلال.
ويسرني أن أورد هنا تصريحا خطيرا لمسيو موريس رئيس الحزب الشيوعي الفرنسي، أدلى به عقب ظهور نتيجة الانتخابات، ونشرته أكثر صحف العالم، قالت تلك الصحف: وجه موريس توزير عميد الحزب الشيوعي، نداء إلى الشعب الفرنسي، أعلن فيه أن أول عمل سيقوم به النواب الشيوعيون هو النضال المستمر لسحب جميع القوات الفرنسية من شمال إفريقيا، والمعلوم أن هذه القوات يبلغ عددها في الجزائر وحدها زهاء ٢٥٠ ألف جندي، ومعنى سحبها هو الرضى بالاستقلال التام، وقد نجحت في الانتخابات إلى جانب الشيوعيين كثرة كبيرة ممن يميلون إلى حرية الجزائر، ومن هؤلاء فقط يمكن أن تتشكل حكومة جديدة يكتب لها البقاء، من أجل ذلك نحن نعتقد أن مصير الجزائر القريب جدا، هو الاستقلال التام، ثم الوحدة المغربية، ثم الجامعة العربية بإذن الله.
стр. 117
إلى المستعمرين
شردوا أخيارها: بحرا وبرا ... واقتلوا أحرارها حرا فحرا
إنما الصالح يبقى صالحا ... آخر الدهر ويبقى الشر شرا
كسروا الأقلام: هل تكسيرها ... يمنع الأيدي أن تنقش صخرا
قطعوا الأيدي: هل تقطيعها ... يمنع الأعين أن تنظر شذرا
اطفئوا الأعين: هل إطفائها ... يمنع الأنفس أن تصعد زفرا
أخمدوا الأنفاس: هذا جهدكم ... وبه مناجاتنا منكم ... فشكرا
خليل مطران
الوجود الفرنسي واليهودي بالمغرب العربي
جريدة بيروت المساء عدد ١٨٥٩ والمنار الدمشقية
إن الفرنسيين لا يقصدون بوجودهم في المغرب العربي، مجرد بقائهم فيها، ولو مع ضمانة كافية لحياتهم وأعراضهم وأموالهم، ولحريتهم الدينية والدنيوية، في أوسع نطاق، ذلك أمر لم ينازعهم فيه أحد حتى الآن، ولكنهم إنما يقصدون بالوجود الفرنسي، أن تبقى الجالية المتفرنسة الأوروبية، الطارئة على البلاد هي المتحكمة في الأهالي أصحاب البلاد الأصليين، تحكم السادة في العبيد، وأن يظل السلطان كاملا بأيديهم، لا يشاركهم فيه أهل البلاد إلا صوريا، ولا ضمان في نظرهم لبقاء ذلك الوجود: إلا بأن يبقى الأهالي فقراء وهم أغنياء، وأن يبقى الأهالي جهلاء وهم العلماء وهلم جرا ... ولا سبيل بالتالي إلى استمرار هذه القسمة، إلا على طريقة تلك العبودية، وتحت حكم الغاب وقوانينه، هذا ما يعنيه بالضبط غلاة الوجود الفرنسي في المغرب العربي عامة، وفي الجزائر بصفة خاصة، وقد أنفقوا من أجله الملايين من الفرنكات، كانوا يشترون بها ذمم النواب والوزراء
стр. 118
والحكام الفرنسيين في كل مرة يجد فيها الجد، ليحملوهم على أحباط الحق، والابتعاد عن مصلحة فرنسا الحقيقية. وفي سبيل شهوات أولئك المستعمرين.
أما رأيي في هذا الوجود المتعفن فهو رأي الطبيب في وجود الوباء في منزله، ثم لا شك أن الخصومة بيننا وبين هذا الوجود، إنما هي قائمة على تنازع البقاء، لأن معناه الاستعباد، بمعانيه العتيقة، والموت الشريف عندنا بلا أدنى تردد هو أفضل من حياة الاستعباد.
أما الوجود اليهودي، فإننا لم نكن نسمع به كمشكلة، في بلادنا حتى تألفت حكومة تونس، ثم حكومة مراكش، وخصص في كل منهما وزيرا لليهود، والذي يحسن أن يعرفه الناس بهذه المناسبة، أن جملة عدد اليهود في المغرب العربي لا يتجاوز مئة وخمسين ألفا، يعيشون ضمن ثلاثين مليونا من العرب، وقد يكون هذا العدد، موزعا بين تونس والجزائر ومراكش بنسب متساوية أو متقاربة جدا، على أن يهود الجزائر لا يعدون مواطنين جزائريين، لأنهم قد تجنسوا في عام ٨٧٠اجملة واحدة بالجنسية الفرنسية، وذلك بقانون وضعه أخ لهم كان يومئذ وزيرا في حكومة الدفاع الوطني، اسمه كريميو، ولا يزال القانون يحمل اسمه حتى الآن.
يقتضينا ثلاثة أمور
واليهود كما يعرفهم أهل الدنيا جميعا، لا جنسية لهم في الحقيقة إلا اليهودية والمصلحة، وعندما وجدت في العالم دولة دينية باسم نبيهم إسرائيل، وقبلها الملحدون قبل المؤمنين، أصبح اليهود بعدها في جميع بقاع الأرض إلا ما قل وندر، إسرائيليين صهيونيين فقط، وما زاد عندهم بعد ذلك من الصفات، فإنما هو أداة لخدمة الصهيونية والمصلحة ولا شيء غيرهما، لذلك تجدني منكرا أشد
الإنكار لإشراك اليهود في أي عمل حكومي، له أهمية بالبلاد العربية جميعا، فضلا عن اشتراكهم في الحكومات نفسها، ولا يجوز أن نثق بيهودي، فيما له علاقة بالصهيونية ولو كان أحد الأسباط، من أحفاد سيدنا يعقوب ﵇،
стр. 119
إلا بعد أن تختفي دولة إسرائيل من الوجود. أما السبب الذي حمل المسؤولين في تونس ومراكش على إشراك اليهود بأول وزارة وطنية بعد حكم الاستعمار فهذا ما لا أعلمه حتى الآن وأنه ليقتضينا الواجب أنا وأنت وجميع العقلاء أمورا ثلاثة:
أولها - أن ننكر هذا المبدأ من أساسه ونبين للناس فساده، الأمر الثانى - أن نظل نلح في السؤال عن السبب الحقيقي حتى نعلمه ولو لمجرد العلم. لأن العلم بالشيء خير من الجهل به، الأمر الثالث - أن لا نجعل هذا الخطأ كافيا للحكم على المسؤولين بالتهاون أو الخيانة، فسبحان الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولقد أمن صاحبي على الكل وقمنا متفقين والحمد لله.
فرنسيون يقولون: الجزائر للجزائريين، اشتباك في باريس بسبب الجزائر نشرت الصحف الخبر التالي في ٢٢ ففري ١٩٥٦:
اصطدمت اليوم جماعتان من الطلبة في باريس بسبب الموقف في الجزائر، فقد تظاهر عدد من الطلبة الذين لهم آباء وأقارب أوروبيين في الجزائر، أمام كلية الحقوق، يهتفون ببقاء الجزائر فرنسية، فتصدت لهم جماعة من الطلاب، هتفت "الجزائر للجزائريين" ثم نشبت معركة بين الجماعتين، وتدخل البوليس وقبض على عدد كبير من الطلبة.
الشعب الفرنسي يعيش في شقاء
جريدة بيروت المساء سنة ١٩٥٦ والمنار الدمشقية
٥٠ في المائة من أبناء فرنسا لا يجدون الملابس الضرورية والمستعمرون بالجرائر، يتقلبون بين قناطير الذهب والفضة.
قد يظن الكثير من الناس بأن وباء الاستعمار وسمومه إنما يصيب المغلوبين على أمرهم من الناس فقط، أما أبناء المستعمرين مثلا، فهم في نعم الغنائم يتمتعون،
стр. 120
وفي بحبوحة الراحة يتقلبون، وهذا هو المتبادر إلى الأذهان السليمة، ولا يعقل في عالم المنطق سواه، مع أن الحقيقة غير ذلك على خط مستقيم.
إذ الواقع أن تستعين بالمائة من أبناء فرنسا المستعمرة بالذات إنما يعيشون في شقاء دائم ما بين الإنهماك في استعداد للحرب. وما بين اشتباك في حرب بالفعل. وكل ذلك لأجل أن يحفظوا لبضع مئات من آلهة المال بقاء سلطانهم وأسباب طغيانهم في الداخل والخارج.
فحال هؤلاء التعساء في أيام السلم، ضنك مستمر، إذ يساقون إلى المعامل الصناعية فتكوى جلودهم بين نيرانها مقابل أجر زهيد لا يسد رمقهم، ولا يدفئ أجسامهم ولا يستر في بعض الأحيان عوراتهم، والباقي من الأرباح الطائلة، يذهب طبعا إلى جيوب السادة المنتجين، والمصدرين إلى المستعمرات المسكينة، وهؤلاء الأهالي التسعون بالمائة، هم الذين يحملون أفدح نسبة من الضرائب، بالنسبة لمدخولهم المحدود. وهي في النهاية، إنما تنفق على تعزيز القوة الباطشة، من الجيش والبوليس، والدبلوماسية الخبيثة.
وأما وضع هؤلاء في حالة حرب، فإن الأمر مفهوم بداهة، لأنهم إنما يفارقون الأهل والأولاد والوطن. ويساقون إلى الموت، إلى التشويه والغربة والعذاب على الأقل. هذا هو نصيب الأكثرية الساحقة من أبناء الشعوب المستعمرة، وقد أحس هؤلاء في المدة الأخيرة، بالخطر الذي يهددهم على الدوام. فظهر تمرد جديد، يدعو إلى الامتناع عن دفع الضرائب، وهذه ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن تمرد الجيش نفسه، وقد علم الناس في هذه الأيام القريبة، بأن المسمى الميسيو بوجاد زعيم الداعين إلى التمرد عن دفع الضرائب، قد خاض الانتخابات الأخيرة، على سبيل الاستفتاء فخرج بمعجزة، لم يكن أحد يتوقعها، لا في فرنسا ولا في العالم، إذ فاز باثنين وخمسين مقعدا في مجلس النواب الجديد ولم تكن له أية سابقة في السياسة، ولا كان أحد من الناس يعرف عنه شيئا، مما يدعو إلى اتباعه، وإنما كانت ميزته الوحيدة وباسمها فقط، تقدم أنصاره، إلى الناخبين، وهذه المزية هي الدعوة للتمرد ضد دفع الضرائب.
стр. 121
ويسرنى في هذه المناسبة أن أنقل إلى القراء هنا بيانا أذاعته مؤسسة رسمية لاستفتاء الرأي العام الفرنسي قد نشرته عدة صحف فرنسية وعربية ونحن ننقل ملخصها عن جريدة التلغراف بتارخ ٩ - ١ - ١٩٥٦ ليعرف الناس بالأرقام وعن طريق هيأة فرنسية مسؤولة:
أي شقاء يعيش فيه الشعب الفرنسي التعس، الذي كان غافلا حتى الأمس القريب، لما يريد به إخوانه المستعمرون، هؤلاء السفاحون الذين ما فتئوا يسفكون دمه في الحروب الإستعمارية، ثم حرموه اللقمة، وحرموه الملابس الضرورية، وهم يتمرغون في الملايين من الذهب والفضة ويحاولون التشبه بأهل الجنة في التمتع.
وتقول هذه المؤسسة بعد التحقيق: إن خمسين بالمائة من الذكور الفرنسيين، لا يجدون الألبسة الكافية، وأن الإفرنسي في الوقت الحاضر لا يستطيع أن ينفق على الملابس أكثر من ٢٣٠ ليرة في السنة، أما الفرنسية فإنها لا تنفق أكثر من مائة وسبعين ليرة، وأكثر الفرنسيين يشترون طقما كل ثلاث سنوات وهو طقم جاهز عادي، وهناك ٢٥ بالمائة فقط ممن يقصدون الخياطين لتفصيل ألبستهم، والفرنسي لا يستطيع أن يخصص لملابسه الداخلية والقمصان، أكثر من ستين ليرة في السنة، وأن عشرة في المائة من أهل الأرياف لا يجدون القمصان مطلقا، هذا ما قالته المؤسسة الفرنسية عن شقاء الشعب الفرنسي وتعاسته، بعد تحقيق واستفتاء ونحن ننصح لهذا الشعب العريق، إذا أراد السعادة والرفاهية، أن يثور على الاستعمار لأنه هو وحده سبب شقائه، وأول خطوة عملية نحو ذلك هي الاستجابة لمطالب الثوار في الجزائر، والتسليم لهم بالاستقلال الصحيح.
وبعد فهل أنتم فاعلون يا أبناء المبادئ والثورات؟
أرجو ذلك ...
стр. 122
بين نهر أبو علي في طرابلس
والاستعمار الفرنسي بالجزائر
جريدة بيروت المساء ١٩٥٦ والمنار الدمشقية
أيهما أظلم؟ .. وأخبث
من سنن الله المألوفة، أن يمتحن عباده أفرادا وجماعات، ويبتليهم من حين لآخر. تبصرة وذكرى. أو عقوبة وتكفيرا للذنوب والخطايا. فأحيانا يجري ذلك بواسطة الطبيعة. وأحيانا أخرى يجريه بواسطة الإنسان نفسه. والأصل أن يكون الإنسان، أرحم من الطبيعة بأخيه الإنسان، لأنه عاقل حساس، ولأنه أخوه على كل حال، واليوم نشاهد بلائين قريبين زمانا ومكانا، أحدهما في طرابلس العزيزة تولته الطبيعة بواسطة نهر أبو علي والثاني في الجزائر الغالية، تولاه إنسان اسمه فرنسا، ويحسن أن نقول كلمة في هذين المخلوقين، لنرى أيهما أظلم وأخبث. هل فرنسا الإنسانية، أم نهر أبو علي الأعجم؟ إن نهر أبو علي قد كان دائما إرادة خالقه، قادرا على إزعاج الناس وإقلاق راحتهم، ولم تكن هذه القرون الطويلة التي مرت على هدوئه وتدفق خيراته لتدل على عجز في سلطانه أو جبن في طبيعته، أو تملق لغيره، ولكنه كغيره من آيات الله في الآفاق، كان ولا يزال مظهرا من مظاهر عظمة الله ورحمته ولم يكن، ولن يكون إلى يوم الدين، أداة نقمة وعذاب وإنما غفلة الناس، وعتو الناس، وبطش الناس بعضهم ببعض، وجهل الناس طرق استغلال نعم الله، ثم جحود الناس لقوة أعلى، تسيطر على أنفاسهم, ووجودهم، كل ذلك دفع نهر أبو علي بإرادة الله أن يثبت وجوده في هذا العالم بعد آلاف السنين قضاها معهم في صبر واحتمال، ليدلل على جبروت، وحتى يوقظ أهل الدنيا في مختلف قاراتهم، ثم يجعلهم يتحدثون عنه وعن جبروته بكل ذعر واهتمام، ولقد فعل
стр. 123
مثل ذلك أو أكثر من ذلك، انهر زملاء لأبو علي، في الهند وفي الباكستان وفي أمريكا الجنوبية، وفي كثير من بقاع الأرض الأخرى، والحق أن في ما فعله نهر أبو علي وزملاؤه كل الخير، وكل الفضل، لقوم يعقلون ويعتبرون، لأنه بما فعل إنما يذكر الغافلين العاتين بجبروت ربهم، ويعلمهم الحاجة إلى رضاه وإلى رحمته، ولكن الناس كعادتهم أساؤوا إلى نهر أبو علي أشد الإساءة، فوجهوا إليه أقصى العتاب، وصبوا عليه أشنع اللعنات ظلما وعدوانا، ولو كانت أحكام الأرض قائمة على العدل والمنطق، لكان الناس هم أحق بالعتب واللعن، إذ ما ذنب أبو علي أيها الناس؟ لو أردتم أن تجعلوا من نقمته رحمة، ومن شره خيرا ومن غضبه رضاء، لكان ذلك كله في متناول أيديكم، فما نهر أبو علي إلا كغيره من مخلوقات الله المسخرة للإنسان إن شاء وجهها إلى الخير، وإن شاء أهملها، أو وجهها إلى الشر، وحتى المخلوقات التي تعيش في داخل منزلك، وفي داخل جيبك، هي مثل نهر أبو علي تماما، في خضوعها لتسخير الإنسان، ولو أنك أطلقت الغاز، الذي يكمن في بطارية منزلكم لاختنقتم جميعا، ولو وجهت رأس السكين الذي في جيبك إلى صدرك وقلبك، لكان في ذلك حتفك، وهلم جرا، ولكن المفروض، أن هذه المخلوقات جميعا، إنما هي نعم حينما نستعمل عقولنا في استغلالها، ومن حقها أن تتحول إلى نقم ضدنا، إذا كفرنا بنعمة العقل، وعطلنا طاقتها، وعلى كل حال، جزى الله نهر أبو علي خيرا فلقد أيقظ الضمير الإنساني، الذي كان نائما ونبه العقل الجبار، الذي كان غافلا، فما أحوج الناس إلى يقظة الضمير وإلى صحو العقل، ولعله من المكافأة المتواضعة لنهر أبو علي أن نجعله ثاني الليطاني وليس ذلك عليه بكثير.
ضحايا طرابلس بالمئات وأما الجزائر فهم بالآلاف
هذه هي قصة الفيحاء وهذه أدوار أبو علي معها، وتلك كانت عظاته مع الناس وماذا كان شأن الجزائر المسكينة التي نكبت بمخلوق، ما عرف مثله تاريخ النكبات، هذا المخلوق الشاذ الذي يسميه الناس فرنسا، عاشت في الجزائر قرنا وربع قرن سجلت
стр. 124
أثناءها كل ما حواه قاموس الشر من أسماء، وما تخلل صفحاتها سطر من الخير فيما نعلم، ولو على سبيل التجربة، لقد كان نهر فرنسا واسعا عميقا، دائم التدفق، ولكنه كله شر لا خير فيه، وكله نقمة لا نعمة فيه وكله عذاب لا رحمة فيه، فكأن منبعه من الجحيم، بينما كان نهر أبو علي، يطل على الفيحاء كالعملاق، ينشر حولها الخيرات والبركات، على اختلاف أنواعها منذ آلاف السنين، فما تخلف عن آداء وظيفته الإنسانية يوما ولا أمسك عليهم من رحمته، ورغم أن الناس تجاهلوه، وجحدوا فضله، فما قال له أحد أحسنت، ولا جزاك الله خيرا، كما فعلوا مع الليطاني مثلا، ورغم ذلك كله فإنه لم يفقد حلمه، كما فقده حاكم الجزائر من قبل فرنسا، حين رأى أن ثلاثمائة ألف جندي ممن يقاتلون تحت إمرته، ويفتكون بالجزائريين العزل، فتك الوحوش، إنما هم عدد غير كاف، فطلب مددا من باريس على جناح السرعة من ستين ألفا أخرى، ليبطش باسم الحضارة الغربية وباسم حقوق الإنسان بطشته الكبرى، هذا وإذا بلغت الضحايا في طرابلس مئات فقد بلغت في الجزائر عشرات الآلاف، وإذا كانت الكارثة في طرابلس بشعة، لأن السيول قد فاجأت الناس ليلا، فإن سيول الجنود الفرنسية الحاقدة في الجزائر، إنما تفاجئ الناس بالويل والثبور، في كل من الليل والنهار، وإذا كانت سيول أبو علي، مجنونة لأنها لم تفرق بين الكبير والصغير، والصحيح والمريض، فإن جنود الاستعمار الفرنسي في الجزائر لا تقع إلا على المستضعفين فيهم من النساء والولدان، والشيوخ والمرضى، ثم لا يرضيهم أن يريحوا ضحاياهم، بإزهاق أرواحها على طريقة أبو علي السريعة، ولكنهم وقد فقدوا إحساس الإنسان لا يلذ لهم إلا تعذيب الإنسان، وبعد فإن الفرق بين كارثة طرابلس، وكارثة الجزائر شاسع جدا كالفرق بين رحمة نهر أبو علي وبين حقد المستعمرين الفرنسيين أما أبرز الفروق بين الكارثتين فإن طرابلس قد بكاها وواسها جميع الناس، حتى الفرنسيون، وأما الجزائر فلم يبكيها ولم يواسيها إلا الأقل من القليل.
стр. 125
" عهودنا وعهودهم "
يا من له الأخلاق ما تهوى العلى ... منها وما يتعشق الكبراء
فإذا سخوت، بلغت بالجود المدى ... وفعلت ما لا تفعل الأنواء
وإذا عفوت، فقادرا ومقدرا ... لا يستهين بعفوك الجبناء
وإذا رحمت، فأنت أم أو أب ... هذان في الدنيا هم الرحماء
وإذا خطبت، فللمنابر هزة ... تعرو النبي وللقلوب بكاء
وإذا أخذت العهد، أو أعطيته ... فجميع عهودك ذمة ووفاء
شوقي
في الرسول العربي الكريم ﷺ
هل أصبحت إسبانيا أخبث من فرنسا
جريدة بيروت المساء ت ٢, ١٩٥٥ والمنار الدمشقية
رسالة من المجاهد الفضيل الورتلاني للزعيم المغربي عبد الخالق الطريس
أخي الكريم، الأستاذ عبد الخالق الطريس، رئيس حزب الإصلاح حفظه الله وأدامه للكفاح وتحرير الأوطان، تحية وتقديرا وبعد:
قرأت اليوم خبر استقالتكم من الوزارة، احتجاجا على الأسلوب الجد يد، الذي انتهجته إسبانيا المنحرفة، والداعية على لسان زعيمها الجنرال فرانكو، وحاكمها العام في تطوان، إلى وجوب بقاء الاستعمار في المغرب، وإنكارها على فرنسا العريقة في الاستعمار والعناد، السير في هذا الطريق السوي، فما كان الخبر عندي محل استغراب، وإنما الاستغراب عندي! أن لا يقع ذلك من مثلكم في هذه
стр. 126
الظروف الدقيقة الحاسمة، وكنا نأمل أن تكون عقلية الإسبان قد تطورت، وأن يكون حكامها اليوم عقلاء، يعرفون أين تقع مصلحتهم الحقيقية البعيدة، هل في بناء صداقة بريئة، قائمة على العدل والإنصاف، مع ثلاثين مليونا في المغرب العربي الحر القوي؟ أم أن مصلحتهم في تسجيل عداوة لهذه القوة الفتية الجبارة، وهي قوة سائرة في طريق الاستقلال، بإذن الله، رغم أنف أهل الدنيا جميعا، كنا نحسب أن مظاهرات التودد، التي قامت بين إسبانيا والعرب، في الأعوام الأخيرة، لا تخلو من النوايا الحسنة، ومن تفهم الأمور على أسلوب القرن العشرين، وأنها قائمة على شيء من الصدق ولو كان قليلا.
لقد زار بلاد إسبانيا من قبل العرب ملوك لهم، وزارها الأمين العام، ثم الأمين العام المساعد لجامعتهم، ثم زارتها وفود أخرى كريمة، تحمل معها الثناء العاطر والهدايا النفيسة وإسبانيا من قبلها، فقد أوفدت رجالا مسؤولين يطوفون البلاد العربية، ينشرون في عواصمها، وأمام مسؤوليها، أطيب الأحاديث، وأجمل الوعود، وسمحت الحكومة الخليفية بالاشتراك في بعض لجان الجامعة العربية، وقامت ببعض أعمال المروءة، نحو قضية فلسطين ولاجئيها، ثم جاء السماح لكم أنتم، بالعودة إلى الوطن وبالنشاط السياسي، ثم بتأليف حكومة وطنية، وهي على علاتها كان يمكن أن تكون خطوة حسنة، نحو حرية كاملة واستقلال صحيح، ولكن موقف حكام الإسبان الأخير، كان صدمة عنيفة حتى لأحسن الناس ظنا بهم، وكانت الخسائر التي نجمت عن هذا الموقف في حساب إسبانيا، تساوي كل ما كسبته في عشر سنوات ونيف.
أخي الكريم: إنك تعلم جيدا، أن الاستعمار، لا يفهم إلا لغة القوة لذلك أنصح لكم ولإخوانكم جميعا أولا ببذل كل جهد وحكمة، في سبيل جمع
стр. 127
الكلمة، وتسوية الصفوف في مناطق المغرب كله. وثانيا: الإعتماد بعد الله، على الثورة القائمة المباركة، والعمل على صيانتها وتعميمها في المناطق التي لم تتحرك فيها بعد، وإعادتها في المناطق التي هدأت فيها، أو ألقت السلاح تغريرا، وأملا في إنصاف المستعمرين الماكرين، ونحن إذ نفعل كل ذلك، لا نريد بأحد شرا، وإنما نفعله إنسانية، وعلى قاعدة تعاليمنا الخالدة التي تقول: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ الأنفال: ٦٠، والتي تقول: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ الأنفال: ٦١. وأخيرا يجب أن تعلموا المكافحين في السهول والجبال حكمة أمير الشعراء شوقي:
وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تأخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال ... إذا الأفدام كان لهم ركابا
والسلام من أخيكم المخلص
الفضيل الورتلاني
أيهما أحب إليكم أيها المكافحون ؟ ..
﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ... والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ التوبة: ٢٤.
стр. 128
هل في حكومة تونس ومراكش صهيونيون
جريدة بيروت المساء سبتمبر ١٩٥٥ والمنار الدمشقية
نسي صاحبي الرزين - من فرط غضبه - أن يحييني تحية الصباح، وسألني رأسا من غير مقدمات، وفي ألم شديد: ما هذه الأخبار المزعجة يا أستاذ؟ أما قرأت الصحف اليوم؟. لقد قرأت الآن في جرائد الصباح، بأن حكومة مراكش، بعد حكومة تونس، قد عينت وزيرا صهيونيا في مجلسها، وصدر المرسوم فعلا في ذلك. هل أصبحت حكومة تونس وحكومة مراكش صهيونيتين؟ هل من أجل هذه النهاية المزرية، كانت تلك الشعوب، تستعذب الموت، وتقاسي الحرمان؟ أم أنه صحت حقا، تلك الأسطورة القائلة، بأن كرسي الوزارة والحكم، يحمل في بطنه شيطانا، وأنه بمسخ الجالسين عليه، ولو كانوا من قبل ملائكة؟ ماذا جرى يا أستاذ؟ خبرني قبل أن أفقد صوابي.
الوجود الصهيوني بالمغرب العربي
قلت لصاحبي: لقد كدت تفقد صوابك فعلا، وإلا لما نسيت أولا: تحية الصباح، وهي مثل النسيم تفتح النفوس المغلقة، وإلا لما تسرعت ثانيا، في الحكم القاسي على حكومتين جديدتين، مهما يقل الناس فيهما، فإنهما وطنيتان لأول مرة، منذ حكم الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي، ويجب أن لا ننسى في الوقت نفسه، أنه ما ضاع الحق في تاريخ أعمال الناس، إلا في غمرة الغضب، وفي ركاب التسرع عند لحكم على الأشياء الكبيرة، وكان الأولى بك أن تحاكم قبل أن تحكم، وأن تستفهم قبل أن تفهم، فبذلك يستقيم لك المنطق، ثم عاد يسألني: كنا نسمع شيئا يسميه المستعمرون بالوجود الفرنسي في المغرب العربي، واليوم نسمع بوجود
стр. 129
جديد، اسمه الوجود اليهودي أو الصهيوني، وذلك بدليل تعيين وزير يهودي في كل من الحكومتين التونسية والمراكشية، فما معنى ذلك، أفدني رحمك الله؟ ..
سابقة خطيرة
قلت: لا يخطرن ببالك تجاه تهدئتي لروعتك ودعوتك إلى التروي، إنني كنت أو سأكون، في يوم من الأيام ميالا إلى إشراك اليهود في حكوماتنا الوطنية، سواء بالمغرب العربي أو بمشرقه، بل كنت ولا أزال، أعد ذلك سابقة خطيرة، ما كان يجوز أن يرتكبها المسؤولون مهما كانت الظروف قاهرة، وهي بالمغرب العربي قاهرة فعلا، وإنما الذي أريد أن أوجه إليه الأنظار، بل أراه واجبا مقدسا، هو أن نفرق دائما عند الحكم على الأحداث بين الفعل والفاعل، فالفعل حين نتأكد من قبحه وفساده، يجب أن نعلن ذلك في صراحة وقوة. ويجب أن نحاربه في ملأ من الدنيا، بدليل وحجة، قم نبين للناس ما هو الأصلح منه والأنفع، وأما فاعله، وهو بالطبع إنسان غير معصوم، فقد يكون مجتهدا فأخطأ، وقد تكون مقاييسه تختلف عن مقايسنا - فمن حقه أن يتمتع بحرية الرأي مثلنا تماما.
ولكن لا يجوز أن نجرحه أو نخونه، حتى نتأكد يقينا من استحقاقه للتجريح أو الخيانة، لأن تحطيم الرجال، الذين بنتهم أحداث الزمن، ليس من القضايا الهينة، التي يسهل التصرف فيها، ولا هي بالتالي، من الأمور التي يجوز أن يقضي فيها بالعجلة وتحت تأثير الغضب، فإن ذلك لا يسر عادة إلا الأعداء ولا ينتهي غالبا إلا إلى الشر، أما ما يسمونه بالوجود الفرنسي قديما، وما تسميه أنت بالوجود اليهودي حديثا، فمن حقك أن أشرحهما لك وأن أعطي لك رأي فيهما صريحا حتى ترضى إن شاء الله.
стр. 130
برقية إلى وزراء خارجية
العرب المجتمعين بالقاهرة
بتاريخ ١ أكتوبر سنة ١٩٥٥
المغرب العربي في نظرنا بلدكم، يلزمكم نجدته وتحريره، أخوة، ومروءة، ومصلحة، وشكرنا لكم على فدائه من محنته، هو شبه إنكار عليكم لهذا الحق المقدس، وحريق الاستعمار في الجزائر بالذات منذ سنة، لا يقبل انتظار الاجتماعات والمداولات الكثيرة، ولا تغنيه مجرد القرارات والتصريحات، وأن جيش التحرير الجزائري والمغربي، قد أتى بمعجزة، في صموده لقوة بربرية فرنسية لا يدانيها في القدرة والعدد والفرض، وهم اليوم بحاجة قبل كل شيء إلى أسلحة وذخائر وأموال، تجودون بها قبل الهزيمة أو اليأس، فالجزائريون ليسوا ملائكة لا يغلبون، وعبرة فلسطين، ليست بعيدة العهد، أما دم أبناء المغرب العربي جميعا، وعرقهم، فمبذول حتى النصر النهائي أو الفناء، ومعذرة فإن الأجيال تنتظر أعمال الجميع، لتحكم لها أو عليه وفقكم الله.
الفضيل الورتلاني
مهرجان مكافحة الاستعمار
جريدة بيروت ت ٢, ١٩٥٥ والمنار الدمشقية
كانت اللجنة التنفيذية لمؤتمر الهيئات والأحزاب، قد دعت إلى مهرجان كبير، عقد في خلية الملك سعود الاجتماعية، وكان خطباءه الأستاذان الكبيران، المجاهد الفضيل الورتلاني، والعلامة عبد الله العلايلي.
стр. 131
وتكلم الأول عن الجزائر والمغرب العربي، والثاني عن البريمي والإنكليز، وبهذه
المناسبة كتب الأستاذ الكبير عبد الله المشنوق في جريدته بيروت المساء تعليقا قيما عن المهرجان، نقتطف منه الكلمة الآتية.
مهرجان مكافحة الاستعمار
كان مهرجان مكافحة الاستعمار في خلية الملك سعود الاجتماعية غاية في الروعة والجلال، إذ احتشدت الجماهير في هذا البيت، السعودي الكريم، للاستماع إلى خطيبين من أعظم خطباء العالم العربي، هما الأستاذان الكبيران المجاهد
الفضيل الورتلاني والشيخ عبد الله العلايلي ..
مخازي الاستعمار
ولعمري لقد كان الخطيبان المفوهان، موفقين إلى أبعد حدود التوفيق في الكشف عن مخازي الاستعمار المثلث; البريطاني والفرنسي والأمريكي .. ومطامع المستعمرين، والجرائم ااتي ارتكبوها في الأقطار التي تفشى فيها مكروبهم .. فالاستعمار - كما يرى الأستاذ الورتلاني - جرثومة فتاكة، لا يجوز التهاون في مكافحتها .. بل يجب إبادتها واستئصالها من الأقطار العربية لأنها أشد فتكا من السرطان والطاعون.
جريمة البريطانيين في البريمي
وقد لفت النظر هذا الحماس الشديد الذي استقبل به وزير المملكة السعودية المفوض الشيخ عبد العزيز الكحيمي، فقد أعرب الجمهور بذلك عن تعلقه الشديد بجلالة الملك سعود المعظم، والمبادئ السامية والأهداف النبيلة التي يعمل جاهدا على تحقيقها.
стр. 132
وقد أظهر الخطيبان هول الجريمة التي ارتكبها البريطانيون في البريمي، ضاربين عرض الحائط بالتحكيم والاستفتاء والعهود والمواثيق، لاجئين إلى القوة والعدوان في احتلالهم أرضا عربية، محاولين بعملهم هذا إقامة سور فولاذي حول ما يسمونه بالمحميات، حيث لا يعرف أحد ما يجري هناك .. فقد كانت واحة البريمي المنفذ الوحيد الذي يستطيع المحكومون الاتصال بواسطته بالدنيا، وإبلاغ أحرار العرب ما يقاسونه من عنف وإرهاق! .. هذه هي القيمة الحقيقية لواحة البريمي .. بالإضافة إلى البترول الذي ثبت وجوده فيها.
همجية فرنسا في الجزائر
وكان الهجوم الورتلاني مركزا على الإستعمار الفرنسي، فلم يأت بشيء من عنده بل نقل بأمانة ما يقوله الفرنسيون أنفسهم في محاضر المجلس النيابي الفرنسي عن الأعمال الوحشية البربرية التي ارتكبوها .. وهي - يشهد الله - أفظع مما يمكن أن يتصوره المرء في عالم الإرهاب والهمجية.
أربعون قرية في الجزائر أحرقوها بالبترول فلم ينج بشر ولا حيوان من الموت .. أجل ٤٠ ألف عربي أحرقوا عام ١٩٤٥ يوم إعلان النصر الحليف.
رأس المغربي بخمسة فرنكات
رأس المغربي الجزائري بخمسة فرنكات .. هذه هي التعريفة التي وضعها الفرنسيون الذين يقتلون الجزائريين.
وكان الورتلاني عظيما حين بسط بالأرقام أهمية المغرب العربي، بالنسبة إلى العالم العربي وكشف عن تقصيرنا في مساعدة هذه الشعوب المجاهدة الباسلة الشقيقة.
стр. 133
بيان حول العدوان الإنكليزي
على واحة البريمي
جريدة بيروت المساء سبتمبر ١٩٥٥ والمنار الدمشقية
يعلم الناس جميعا، بأن أبناء الجزائر خاصة، وأبناء المغرب العربي بصفة عامة، هم اليوم في كفاح مرير، ضد الاستعمار الإفرنسي الغاشم، ولولا ذلك لسمع الناس صوتهم ولأحسوا آثار أعمالهم، في قضية العدوان الإنكليزي على واحة البريمي، بأقوى مما فعل أي عربي وأي مسلم آخر في العالم، فهم ينظرون إلى تلك الأماكن المقدسة، نظرتهم إلى القلب بالنسبة للجسد، ويغارون على كرامة أراضيها، كغيرتهم على حياتهم، وهم ينظرون إلى الدولة السعودية الكريمة، التي تنوب عن المسلمين في خدمه تلك الأماكن، وفي دفع العدوان عنها، نظرة كلها إكبار وتقدير. وينظر الجزائريون خاصة، والمغاربة عامة، إلى حضرة صاحب الجلالة الملك سعود عاهلها العظيم؛ نظرة المدين إلى الدائن، فوق ما له من حقوق عامة، يشترك فيها جميع الناس. ذلك بأن جلالته هو العربي الأول، الذي أقبل على تبني قضية الجزائر جهارا، وأعلن ذلك في ملأ من الدنيا، وحمل كثيرا من الناس على تأييد استقلالها، ثم دفع بها في كل جرأة، إلى مجلس الأمن، وإلى هيئة الأمم وإلى جميع الميادين الدولية، حتى أصبحت بالفعل محل اعتراف هيئة الأمم وموضوع محاكمتها، بقطع النظر عن مقدار عدالة تلك الهيئة وتأثيرها.
إن هذه الأعمال الجريئة من جلالة الملك سعود، لا يمكن أن ينساها، أو يقلل من شأنها أبناء الجزائر "وأبناء المغرب العربي في يوم من الأيام" يضاف إلى كل هذه الاعتبارات المقدسة اعتبار آخر، لا يقل أهمية عنها، ذلك هو كره الجزائريين والمغاربة الشديد للاستعمار على اختلاف أجناسه، وتنوع أساليبه. من أجل ذلك كله أستطيع أن
стр. 134
أعلن، بأنني أعبر أصدق تعبير عن عواطف أولئك الملايين الثلاثين، المكافحين في المغرب العربي، حين أمقت وأحتقر، ذلك العدوان البريطاني الحقير على واحة البريمي، من دولة لا تزال تزعم بأنها رائدة العدل، والحرية والسلام، وأعد صنيعها ذلك حماقة منها، ورجوعا إلى الوراء بسمعتها، ومجازفة بالبقية الباقية من ثقة الرأي العالمي بدعايتها.
برقية إلى مؤتمر الغرف التجارية العربية في عمان
نحييكم أجمل تحية، ونرجوا أن يكون تعاونكم، وبعد نظركم، أعظم حام للاقتصاد العربي الذي يهدده اليهود والاستعمار، وتعلمون حضراتكم، أننا في عصر لا قيمة فيه للاستقلال السياسي، من غير استقلال اقتصادي متين ويهمنا بهذه المناسبة أن نذكركم بقضية المغرب العربي المكافح، ونطلب إليكم في إلحاح أن تقرروا مقاطعة فرنسا اقتصاديا، وأن تتخذوا الإجراءات اللازمة للتنفيذ، واسمحوا لي أن أقول لكم بأن ذلك بالنسبة للحقوق المستحقة، هو أضعف الإيمان.
٢٧ - ١٠ - ١٩٥٥
الفضيل الورتلاني
جمعية العلماء الجزائريين (١)
باعثة الأمة الجزائرية والمغرب العربي وهادمة الاستعمار
جريدة بيروت المساء فيفري ١٩٥٦ والمنار الدمشقية
كان يمكن أن تختفي الجزائر من الوجود، لولا أن قيض الله لها جمعية العلماء الجزائريين، ولا يمكن أن نقدر بحق، ذلك الدور الخطير، الذي لعبته هذه الجمعية، في بعث الأمة الجزائرية القوية، إلا إذا عرفنا ولو بإيجاز، هدف الاستعمار الفرنسي في تلك الديار، وما بذله من جهود جبارة في سبيل محوها وإلى القراء القصة باختصار -:
стр. 135
كان الهدف الأول للاستعمار الفرنسي في الجزائر، هو قتل الروح المعنوية في الأمة قبل كل شيء، فما كادت رايتهم الحمراء ترتفع على تلك الربوع العريقة في الحضارة، حتى انطلقت أفاعيهم الاستعمارية، تنفث سمومها في جميع أطرافها الحية، وتعمل على هدم كيانها من الأساس، وظنوا أنهم قادرون على مسخها، والعود بها إلى الهمجية الأولى، ثم اتخاذ أبنائها عبيدا، وأدوات للسخرة والعمل، من غير أن يبقى معهم من الصفات ما يخيف، على أنهم أدركوا بداهة أن ذلك أمر خطير، وأن الوصول إليه دونه خرط القتاد، أو بعبارة أصح، دونه العروبة والإسلام ، وعلموا جيدا، بأن من تحصن بالعروبة قومية، وبالإسلام دينا وعقيدة، فقد وضع بينه وبين الفناء أو الذل، أقوى قلاع، وأمنع الحصون.
العروبة والإسلام
لذلك قرروا من أول يوم، أن يعبئوا بل ما يملكون، من الأسلحة المادية والمعنوية، ثم تصويبها إلى الهدفين الأساسيين: .. العروبة، والإسلام، فمن ناحية العروبة، أعلنوا حربا على لغتها، لا هوادة فيها، وعدوها عدوهم اللدود، الذي يجب القضاء عليه قضاءا مبرما، لتحل محلها اللغة الفرنسية بأي ثمن، فأقفلوا جميع المعاهد التي تدرسها، ثم تدرجوا في إذلالها، فجعلوا اللغة الفرنسية هي وحدها اللغة الرسمية في دوائر الدولة، ومعنى ذلك أن اللغة العربية لم تعد صالحة البتة، لأكل الخبز في الجزائر، والناس من طبيعتهم يحبون الخبز ويحبون الحياة ثم تدرجوا في احتقارها فأصدروا قانونا يعدها لغة أجنبية، في عقر دارها، تعامل كما تعامل كل لغة أجنبية في الظاهر، وتعامل في الباطن وعند التطبيق، معاملة العدو غير المرغوب في حياته.
стр. 136
تشكيك الجزائريين في عروبتهم
تم حاولوا من الناحية القومية أن يشككوا الجزائريين في عروبتهم، فزعموا لهم أحيانا، أنهم من بقايا الرومان العظام، وأحيانا أخرى يزعمون لهم أنهم من أصل البربر، الذين ضرب المثل بشجاعتهم وأصالتهم، والذين من أسلافهم هانيبال وأضرابه، وأنهم أرباب البلاد الأصليين، أما العرب الهمج أبناء الصحراء، رعاة البقر والغنم، وأحلاس الإبل، فإنهم أغراب طارؤون، إلى غير ذلك من ألوان السحر الذي يفرق بين المرء وزوجه، وظلوا يمارسون هذا السحر غير الحلال، مع الأمة الجزائرية العربية، طيلة قرن وبعض القرن، وتعاونت معهم كل فئاتهم من إدارة وبوليس، وجيش ومبشرين ومال، ثقافة، على إحراز نصر في هذا الميدان، ولو كان قليلا، فما فلحوا، فظل الجزائري عربيا يعتز بعروبته، - علم الله - أكثر من سكان الحجاز أنفهم، وصار يغار عليها أكثر من سواه، لأنه قد حورب فيها، فاجتمع عنده عامل الغيرة عليها، مع عامل العناد في الدفاع عنها، كجزء من كرامته.
موقفهم من الإسلام
هذه إشارة عابرة إلى موقف الاستعمار الفرنسي، من العروبة في الجزائر، لأن التفاصيل لا تتسع لها المجلدات، وأما موقفهم من الإسلام، فكان أبشع من ذلك بكثير .. كانوا يرون أن الإسلام، هو العقبة الكؤود، في طريق برنامجهم الوحشي الخبيث، وهو العمل على مسخ الأمة الجزائرية وإفنائها، أو إدماجها في الأمة الفرنسية، وكانوا يرون أن اللغة العربية والقومية العربية، لا يمكن التأثير عليهما، ما دام سلطان الإسلام على النفوس، ونفوذ تعاليمه على المجتمع قائما مسيطرا، لأن الجزائري، يرى اللغة العربية في لغة الإسلام، التي لا يفهم الدين فهما سليما إلا
стр. 137
بها، ولا تحفظ معانيه من الانحراف والتشويه إلا بها، فهي إذن مفتاح الدين .. وحارسه الأمين .. إنما يحيا الحياة الحقيقية بحياتها، وقد يموت بموتها، فالدفاع إذن عن وجودها وحياتها، إنما هو دفاع عن الدين نفسه، وتكاد تكون نظرة الجزائري إلى القومية العربية، بنفس هذا المنظار، وأن التخلي عنها هو تخلي عن الدين نفسه، هذه عاطفته، وهذا حسه .. لأنه يؤمن من أعماق قلبه بما ورد عن رسول الله ﷺ من أن العروبة إنما هي باللسان وليست بالعرق، فمن تكلم بالعروبة فهو عربي، وهؤلاء القوم قد اندمجوا في العروبة، اندماج السكر بالماء بعد الذوبان، وتكلموا بلغتها منذ أربعة عشر قرنا، دون انقطاع، فلو اجتمع أهل الدنيا إذن بحيلهم، وعبقريتهم، وتعاونوا على تشكيك الجزائريين في عروبتهم، لن يفلحوا ما دام الإسلام دينهم.
هذه حقيقة فهمها الفرنسيون جيدا، لذلك خصصوا لها أعظم جهدهم لتفويض أركان هذا الدين، لأنهم وثقوا بعد الدرس والتحقيق بأنه هو الأساس في مناعة هذه الأمة، والباقي كله مبني عليه، فبانهياره ينهار معه كل شيء، وبأقل المجهودات.
هنا اعتمدوا لهدم الإسلام وسيلتين أساسيتين، ليست الواحدة منهما أقل خبثا وقبحا من الأخرى:
أما الأولى - فهي نشر الخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وتشجيعها في الأوساط الإسلامية، واستعملوا في هذه الوسيلة كل أصناف الدجالين والمشعوذين، وفي مقدمتهم كثيرون من مشايخ الطرق الصوفية، الذين تحولت الرسالة عندهم إلى مهنة تجارية.
أما الثانية - فهي نشر الإلحاد في أوساط الشباب الإسلامي، بواسطة المدارس وغيرها، الأمر الذي كان سيؤدي إلى انتشار الشيوعية بشكل مريع، وقد أنفق
стр. 138
الاستعمار في هذا السبيل جهدا ومالا لا حد لهما، حتى بدا لهم في الصورة الظاهرة، كأنهم نجحوا نجاحا واسعا، فكان مظهر الخرافات في الأوساط المتدينة، أكبر منفر للشباب الواعي من تعاليمه، وكانت موجة الإلحاد التي يقودها الاستعمار، ويشن حربها بمهارة وفن، تتعاون مع تخريف رجال الدين، فشاعت البلبلة في النفوس، والاضطرابات في العقول، حتى وجد من بين كبار المثقفين الجزائريين، من أنكر وجود أمة حرة اسمها الجزائر في التاريخ، ووجد كثرة من أولئك المثقفين، دعوا إلى الإندماج في فرنسا، حتى ظنوا أن ذلك هو السبيل الوحيد للوصول إلى حياة حرة كريمة ..
وهنا جاء دور جمعية العلماء الجزائريين، لتصرخ في وجه التيارات المدمرة أن .. قف!! هنا العروبة في صفحاتها المشرقة، وهنا رسالة الإسلام الإنسانية الواضحة ليلها كنهارها. وسأحدث القراء في الكلمة الآتية عن دور هذه الجمعية الخطير، في بعث الجزائر والمغرب العربي بشيء من التفصيل.
شروط الجنسية العربية
قال سيد العرب محمد ﷺ
"إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".
أيها الناس: إن الأب واحد، والرب واحد، والدين واحد، وليست العروبة بأحدكم من أم ولا أب، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي.
стр. 139
جمعية العلماء الجزائريين (٢)
باعثة الأمة الجزائرية والمغرب العربي وهادمة الاستعمار
جريدة بيروت المساء ٢٨ - ٢ - ١٩٥٦ والمنار الدمشقية
كان أولئك العلماء الأحرار، أفرادا قلائل، يعدون على الأصابع، لا يجمعهم زمان ولا مكان ولا حزب ولا هيئة، ولا ناد من الأندية، فضلا عن برنامج مسطر معلوم. وإنما جمعتهم فكرة مشرقة، وعقيدة حارة، وآلام مشتركة، ذلك وحده هو الذي أقنع كل واحد منهم على انفراد، بوجوب السعي لإصلاح حال الأمة الجزائرية العريقة، لأن كل واحد منهم شعر شعورا عميقا، بالذي ساقه إليها الاستعمار من محن، وما أنزله عليها من ضربات، وما كان ينتويه لها من غدر وإفناء. ظهرت علائم تلك النية، وطلائعها واضحة، من ثنايا جميع تصرفاتهم المريبة، أفرادا ودولة، وكان هذا الوحش الضري الذي نسميه الاستعمار، يعتمد في افتراسه للأمة الجزائرية على سلاحين أساسيين، ما وجد على وجه الأرض حتى الآن أخبث منهما.
الأول: التجهيل. الثاني: التفقير.
فعبأ تحت رايهما، كل ما كان يملك من قوة مادية وأدبيه، وكانت جميع أجهزة الدولة، من جيش وبوليس، وإدارة وقضاة، من ضمن أسلحتهما، ولم يكن عيسى ﵊ نبي الرحمة، ورسول الإنسانية، بعيدا عن هذه المعركة الفاجرة التي يبرؤ منها، وتبرؤ منها تعاليمه السمحة الخالدة، فلقد حشد الاستعمار جيشا عرمرما ممن يسميهم المبشرين، وما كانوا من التبشير بتعاليم المسيح البرئ إلا كما يكون الذئب مع الغنم. ولقد ساعد الاستعمار على النجاح في مهمته الإجرامية، ما
стр. 140
كانت الأمة فيه من غليان، وما أبدته من مقاومة للاحتلال، في ثورات عنيفة متوالية جامحة، فكان يتوسل بها إلى مصادرة كل ما تصل إليه يده من علم ومال، حتى أنه قد صادر مرة واحدة، إثر ثورة فاشلة، ما يعادل نحو خمسة ملايين دونم من الأراضي المملوكة للأفراد، وحتى أصبح ممارسة العلم في نظره، نوعا من الخيانة العظمى للدولة الغازية، تعاقب عليه بأقسى العقوبات.
وبعد قرن ونيف من هذه الحملات البربرية، ضد العلم والرزق، كادت الأمة الجزائرية، أن تغرق فعلا في بحر من الجهل والفقر، كما ظهرت إلى الوجود وإلى العمل، تلك الفئة الواعية من العلماء الأحرار، وسموا أنفسهم بالمصلحين، وسميت حركتهم بالإصلاح، وكان مظهر دعوتهم في الأول دينيا محضا. ولكنه دين واسع نظيف، يتناول الحياة من جذورها ويرقى معها حتى يصل إلى أعلى أغصانها، فتوجهوا أول ما توجهوا إلى العقول، يطهرونها مما علق بها من تخريف، ويعوضون عليها ما فقدته من نور، وتوجهوا إلى القلوب، فمسحوا عليها بيد السماء فمست حرارتها الشغاف، فصحت من نومها العميق، ونهضت حالا تطلب الحق، وتطلب الحياة، ولكن معرفتهما بالتفصيل وإدراكهما بالفعل، كان في حاجة إلى وقت طويل، وإلى كفاح مرير، كان لا بد من المرور على الشك، ثم على الظن نم إلى اليقين، ولم تكن الطرق بينها معبدة، ولا المواصلات السريعة متوفرة، إلا ما كان من أصالة تلك القلوب وتلك العقول، وما طبعت عليه من حنين فطري إلى الحق وإلى الحياة.
قام هؤلاء الأفراد القلائل من العلماء الأحرار، يدعون الأمة الجزائرية إلى الرجوع لدينها الصحيح، الذي نجده غضا طريا في الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، ودعوا الأمة إلى نبذ كل ما خالف ذلك من تخريف، كان من صنع المستعمرين بواسطة الجهلة الدجالين، والمتعالين المأجورين، وقام هؤلاء
стр. 141
الدجالون من جهة أخرى قومة جديدة، بإيعاز من الاستعمار ومساعدة علنية منه. ووقع في فخهم من وقع من الصالحين عن حسن نية، فدعا الجميع إلى ما كان عليه الآباء والأجداد، وإلى ما يراه الدراويش في المنام، وترك كل ما قاله الله والرسول، والاقتصار على التبرك بها ليس غير، فكانت المعارك بين الفريقين، وبين الدعوتين، وكانت عنيفة قاسية، كانت بين حق أعزل من جميع الأسلحة المادية طرفه المصلحون، وبين باطل يملك منها كل شيء طرفه المستعمرون ودولتهم في الواقع، وإنما يسترون أنفسهم بطائفة من الدجالين المأجورين في الظاهر. ثم لقن الاستعمار دجاليه أولا: - حتى يشوشوا على الأمة ويبعدوا بينهما وبين المصلحين - بأن يتهموا العلماء بكل خبيثة، وأوصوهم بأن يبالغوا في الإساءة إليهم ما استطاعوا، على أن تضمن الدولة حمايتهم من أي عقاب، فقالوا في المصلحين: إنهم ملحدون زنادقة: وأنهم كفرة مارقون، وقالوا أنهم وهابيون يكرهون النبي وآل النبي ﷺ ، وقالوا: أنهم صنائع دول أجنبية مأجورون، وقالوا أنهم شيوعيون ونازيون، وفاشستيون، وانكليز وهلم جرا ... ولكن صفاء فطرة الجزائريين وتعلقهم بالحق المجرد وتقديسه، والرغبة الصادقة في البحث عنه، ساقهم أخيرا، وبعد نقاش طويل، وجدال عنيف وخصومات شديدة، حتى بين الأخ وأخيه، وبين الجار وجاره، ساقهم إلى النور فرأوا صورة الحياة واضحة، ورأوا وجه الحق جليا، فاعتنقوهما عن رغبة وشوق وعن قناعة وإيمان، وبعد حين، أصبحت الأمة الجزائرية كلها مصلحة، بل أصبحت بعد ذلك كلها ثائرة - ثائرة على الشر والباطل - ثائرة على الاستعمار الذي هو منبع كل شر وباطل، فحملت السلاح جادة، وأقسمت صادقة، أن لا تضعه حتى تتحرر منه تحررا كاملا، وهي واصلة عما قريب بإذن الله.
стр. 142
جمعية العلماء الجزائريين (٣)
باعثة الأمة الجزائرية والمغرب العربي وهادمة الاستعمار
جريدة بيروت المساء ١ - ٣ - ١٩٥٦ والمنار الدمشقية
دامت دعوة العلماء الأحرار، بضع سنوات، يحمل رايتها أفراد مبعثرون هنا وهنالك، في نفوذ متواضع ضئيل، لأن سلطان الجهل والتحريف، يسانده الاستعمار بكل قواه، كان ما يزال في أوجه، جبارا مخيفا، وعامة أهل الجزائر أشد من عامة الناس، فإذا آمنت بالشيء، واقتنعت بصوابه ونفعه، تفديه بالنفس وبالنفيس، ولو كان في نفس الأمر والواقع باطلا وضلالا، وذلك ما قد حصل, منها بالفعل في أوائل الدعوة الإصلاحية، وقبل أن تفهم ما فيها من حق وخير، فلقد تعرض لإهانتها، بل تعرض للقتل أكثر من عالم مصلح، ولم ينج مرة رئيسها الأول، علامة الدنيا في أيامه، الأستاذ عبد الحميد بن باديس، من القتل إلا بأعجوبة.
وفي سنة ١٩٣١ تداعى فريق من أولئك العلماء، إلى الاجتماع في عاصمة الجزائر، لتأسيس هيئة تضم شملهم، ويتعاون أفرادها في انتظام، على بث دعوتهم، ونشر مبادئهم. فاستجاب لتلك الدعوة الكريمة، عدد كبير، وتم تأسيس الهيئة فعلا، ووضع لها قانون أساسي، ينص من بين مواده على عدم الاشتعال بالسياسة، لأن ذلك كان هو الضمانة الأولى، والشرط الأساسي، لتأذن الحكومة الاستعمارية بقيامها، وسميت الهيئة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) فمنذ تلك الساعة تطور عمل المصلحين تطورا سريعا، لأنه أصبح جماعيا، ولأن قسما كبيرا من الأمة أصبح يؤمن بدعوتها، أو يميل إليها على الأقل.
стр. 143
وكانت أدوات العلماء في دعوتهم هي اللسان والقلم، وكانت ميادينهم المساجد والأندية، والمدارس الحرة، والصحف والمناشير، وكان لهذه الميادين قصة غريبة بشعة، لا بد من إثباتها هنا، أما المساجد، فكان أكثرها قد صودر من الحكومة الاستعمارية، وحول بعضه إلى كنائس، وبعضه إلى مرافق عامة، وبعضه إلى إصطبلات للحيوانات، والأقل من القليل الذي بقي بالاسم ملكا للأمة. أو الذي أنشأته حديثا بأموالها المتواضعة، هو الذي كان يستعمله العلماء في دعوتهم الإنسانية الكريمة. ولكن لم تطل المدة حتى شعرت الحكومة الاستعمارية، بخطورة هذه الدعوة الحية، لما تحمله في ثناياها من أسباب الهدم للعبودية والاستعمار، فأصدرت أمرا حازما يمنع العلماء المصلحين من التكلم في المساجد منعا باتا، وينص على أن المخالف منهم يقع تحت طائلة عقوبة السجن والغرامة، وما يزال هذا الأمر الحقير قائما حتى هذه الساعة - وبعد مضى خمس وعشرين سنة - معمولا به بكل عناية، ومن ذلك اليوم، والخصام ما يزال قائما على أشده بين الحكومة الاستعمارية، وبين الأمة الجزائرية على تحرير مساجدها، وتحرير شؤون دينها من هذا الاستعمار.
نعم، إنها لخصومة مزمنة. وعلى تحرير المساجد وشؤون الدين. وما رضي هذا الاستعمار السخيف أن يتخلى عن مراقبتها وعن إدارة شؤونها المقدسة بنفسه. فهو الذي يعين أئمة المساجد والمؤذنين والخدم، وأن الخطبة التي يلقيها الإمام في مسجد المسلمين يوم الجمعة، لا بد أن يوافق عليها الحاكم الفرنسي الحر، واللائكي الديمقراطي، ولا بد أن تكون في الدرجة الأولى خالية من روح الدين، وبعيدة عن الحياة، بعد السماء من الأرض، هذا ولما كانت الأوقاف الإسلامية هي الروح التي تقوم عليها حياة الدين في نشر تعاليمه ولغته، وإقامة شعائره، وآداء وظيفة الإحسان للمريض والفقير تبعا لرغبة نصوصه، عمدت الحكومة الاستعمارية إلى مصادرتها جميعا، وضمها إلى خزينة الدولة نهائيا. وكانت تقدر بمئات الملايين من الفرنكات، هذا بعض شأن المساجد. وأما الأندية، فلم يكن منتشرا
стр. 144
منها يومئذ إلا أندية القمار، أو اللهو واللعب والخمور، جريا مع خطة الاستعمار العامة من هدم الفضيلة من أساسها، هذا النوع وحده هو الذي كانت تشجعه الحكومة، وتعرقل كل ما عداه.
ولما ظهرت جمعية العلماء إلى الوجود، ورأت أن أكثر طبقات الأمة وأهمها من الشباب، لا تستطيع أن تلقاهم في المساجد، حتى لو كانت حرة مباحة، فشرعت في فتح الأندية، بكل مدينة وبكل قرية مستجيبة للدعوة، يجتمع فيها الشباب وغير الشباب، يسمعون العلم، ويذكرون بالحياة وبالحرية. فلم يمض إلا قليل من الزمن، حتى أصبحت هذه الأندية تعد بالعشرات ثم بالمئات، فشعرت الحكومة بخطر جديد اسمه (الأندية) فأخذت تحاربها بكل الوسائل، حتى الحقير منها، فسنت لها قوانين خاصة تستهدف، إما منعها بتاتا، أو تعجيزها عن أداء رسالتها كاملة على الأقل، مثال ذلك: تحريمها لبيع جميع المشروبات فيها، حتى القهوة والشاي، لأنها هي موردها الأساسي الذي تحيى عليه. واشترطت هذه القوانين أن يكون النادي مستكملا لشروط صحية وغير صحية، قد لا تتوفر إلا في قصر الحاكم العام الفرنسي. والغرض من ذلك مفهوم، هو التعجيز، ومع ذلك كله استمرت الأندية في أداء رسالتها، ضمن معركة شديدة دائمة، حتى غزت حركتها فرنسا وباريس نفسها، وأما المدارس الحرة لنشر اللغة العربية، فيكفي أن تقول أن نصيبها من المحاربة كان أكثر وأعنف من نصيب المساجد والأندية، ومع ذلك فإن في الجزائر اليوم، ما يزيد عن ٣٠٠ مدرسة حرة أكثرها تديرها جمعية العلماء مباشرة.
أما الصحف وجميع المطبوعات، فيكفي أن يعلم القراء، بأن لغتها العربية، تعد في قانون الاستعمار لغة أجنبية، ويلاحق كل من يحمل على نشرها، كما يلاحق عند الأمم الراقية بائع المخدرات، ومزيف النقود. ومع ذلك لم تعش جمعية العلماء من غير صحف، فكانت تصدرها تباعا، وكانت الحكومة تعطلها بدورها تباعا، فكلما
стр. 145
سقطت لها صحيفة شهيدة في ميدان الجهاد، قامت مقامها أخرى على الفور؛ حتى يومنا هذا، ومن غريب ما يجب تسجيله بهذه المناسبة - وكل شؤون الاستعمار الفرنسي غريبة - أن الحاكم العام، قد أصدر مرة، أمرا استبداديا يقضي بتعطيل كل صحيفة تصدرها جمعية العلماء مسبقا قبل ظهورها، وكان ذلك مخالفا للقوانين العامة مخالفة ظاهرة، فتحدته الجمعية، وانتصرت عليه كما انتصرت على سواه.
وبعد، فإن هذه الفذلكة الموجزة، من تاريخ جمعية العلماء الجزائريين، إنما هي قطرة من بحر، أما استيعاب الكلام على أعمال جهادها، فيحتاج إلى أكثر من كتاب، وخلاصة القول فيها، وشهادة الحق لله، أنها كانت الباعثة للأمة الجزائرية على الخصوص، وأعظم مشاركة في بعث المغرب العربي على العموم، وأنها كانت الواضعة للاسفين الأول، في نعش الاستعمار. وأن هذا الاستعمار ليعرف ذلك أكثر من جميع الناس وأنه لم ينس للجمعية يوما هذا الصنيع، وأنه ما يزال يحفظ لها ذلك (الجميل) حتى الآن.
الفضيل الورتلاني
الفضيل الورتلاني يوضح عدد سكان المغرب العربي
كتب الأستاذ منير شريف بزاويته في جريدة (الحياة) الغراء، يصحح فيها عدد السكان العرب في مختلف أقطارها، ويغلب على ظني، أن أرقامه عما سوى المغرب العربي لا تخلو من مبالغة، بينما كانت أرقامه عن هذا المغرب المسكين، مجحفة أشد الإجحاف، ويظهر أن حظ هذه البلاد المكافحة، الصابرة صبر الأنبياء، من إخوانها العرب قليل، حتى في النظريات التي لا تكلفهم لا خيلا ولا مالا. من أجل ذلك لم يشذ الأستاذ الشريف عن القاعدة، حين أسقط نحو ثلث سكان هذه البلاد من إحصائه، إذ قدرهم بثلاث وعشرين مليونا فقط، وهو صنيع غير جميل،
следующие страницы →