Полный текст (484 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الدجالون من جهة أخرى قومة جديدة، بإيعاز من الاستعمار ومساعدة علنية منه. ووقع في فخهم من وقع من الصالحين عن حسن نية، فدعا الجميع إلى ما كان عليه الآباء والأجداد، وإلى ما يراه الدراويش في المنام، وترك كل ما قاله الله والرسول، والاقتصار على التبرك بها ليس غير، فكانت المعارك بين الفريقين، وبين الدعوتين، وكانت عنيفة قاسية، كانت بين حق أعزل من جميع الأسلحة المادية طرفه المصلحون، وبين باطل يملك منها كل شيء طرفه المستعمرون ودولتهم في الواقع، وإنما يسترون أنفسهم بطائفة من الدجالين المأجورين في الظاهر. ثم لقن الاستعمار دجاليه أولا: - حتى يشوشوا على الأمة ويبعدوا بينهما وبين المصلحين - بأن يتهموا العلماء بكل خبيثة، وأوصوهم بأن يبالغوا في الإساءة إليهم ما استطاعوا، على أن تضمن الدولة حمايتهم من أي عقاب، فقالوا في المصلحين: إنهم ملحدون زنادقة: وأنهم كفرة مارقون، وقالوا أنهم وهابيون يكرهون النبي وآل النبي ﷺ ، وقالوا: أنهم صنائع دول أجنبية مأجورون، وقالوا أنهم شيوعيون ونازيون، وفاشستيون، وانكليز وهلم جرا ... ولكن صفاء فطرة الجزائريين وتعلقهم بالحق المجرد وتقديسه، والرغبة الصادقة في البحث عنه، ساقهم أخيرا، وبعد نقاش طويل، وجدال عنيف وخصومات شديدة، حتى بين الأخ وأخيه، وبين الجار وجاره، ساقهم إلى النور فرأوا صورة الحياة واضحة، ورأوا وجه الحق جليا، فاعتنقوهما عن رغبة وشوق وعن قناعة وإيمان، وبعد حين، أصبحت الأمة الجزائرية كلها مصلحة، بل أصبحت بعد ذلك كلها ثائرة - ثائرة على الشر والباطل - ثائرة على الاستعمار الذي هو منبع كل شر وباطل، فحملت السلاح جادة، وأقسمت صادقة، أن لا تضعه حتى تتحرر منه تحررا كاملا، وهي واصلة عما قريب بإذن الله.
стр. 142
جمعية العلماء الجزائريين (٣)
باعثة الأمة الجزائرية والمغرب العربي وهادمة الاستعمار
جريدة بيروت المساء ١ - ٣ - ١٩٥٦ والمنار الدمشقية
دامت دعوة العلماء الأحرار، بضع سنوات، يحمل رايتها أفراد مبعثرون هنا وهنالك، في نفوذ متواضع ضئيل، لأن سلطان الجهل والتحريف، يسانده الاستعمار بكل قواه، كان ما يزال في أوجه، جبارا مخيفا، وعامة أهل الجزائر أشد من عامة الناس، فإذا آمنت بالشيء، واقتنعت بصوابه ونفعه، تفديه بالنفس وبالنفيس، ولو كان في نفس الأمر والواقع باطلا وضلالا، وذلك ما قد حصل, منها بالفعل في أوائل الدعوة الإصلاحية، وقبل أن تفهم ما فيها من حق وخير، فلقد تعرض لإهانتها، بل تعرض للقتل أكثر من عالم مصلح، ولم ينج مرة رئيسها الأول، علامة الدنيا في أيامه، الأستاذ عبد الحميد بن باديس، من القتل إلا بأعجوبة.
وفي سنة ١٩٣١ تداعى فريق من أولئك العلماء، إلى الاجتماع في عاصمة الجزائر، لتأسيس هيئة تضم شملهم، ويتعاون أفرادها في انتظام، على بث دعوتهم، ونشر مبادئهم. فاستجاب لتلك الدعوة الكريمة، عدد كبير، وتم تأسيس الهيئة فعلا، ووضع لها قانون أساسي، ينص من بين مواده على عدم الاشتعال بالسياسة، لأن ذلك كان هو الضمانة الأولى، والشرط الأساسي، لتأذن الحكومة الاستعمارية بقيامها، وسميت الهيئة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) فمنذ تلك الساعة تطور عمل المصلحين تطورا سريعا، لأنه أصبح جماعيا، ولأن قسما كبيرا من الأمة أصبح يؤمن بدعوتها، أو يميل إليها على الأقل.
стр. 143
وكانت أدوات العلماء في دعوتهم هي اللسان والقلم، وكانت ميادينهم المساجد والأندية، والمدارس الحرة، والصحف والمناشير، وكان لهذه الميادين قصة غريبة بشعة، لا بد من إثباتها هنا، أما المساجد، فكان أكثرها قد صودر من الحكومة الاستعمارية، وحول بعضه إلى كنائس، وبعضه إلى مرافق عامة، وبعضه إلى إصطبلات للحيوانات، والأقل من القليل الذي بقي بالاسم ملكا للأمة. أو الذي أنشأته حديثا بأموالها المتواضعة، هو الذي كان يستعمله العلماء في دعوتهم الإنسانية الكريمة. ولكن لم تطل المدة حتى شعرت الحكومة الاستعمارية، بخطورة هذه الدعوة الحية، لما تحمله في ثناياها من أسباب الهدم للعبودية والاستعمار، فأصدرت أمرا حازما يمنع العلماء المصلحين من التكلم في المساجد منعا باتا، وينص على أن المخالف منهم يقع تحت طائلة عقوبة السجن والغرامة، وما يزال هذا الأمر الحقير قائما حتى هذه الساعة - وبعد مضى خمس وعشرين سنة - معمولا به بكل عناية، ومن ذلك اليوم، والخصام ما يزال قائما على أشده بين الحكومة الاستعمارية، وبين الأمة الجزائرية على تحرير مساجدها، وتحرير شؤون دينها من هذا الاستعمار.
نعم، إنها لخصومة مزمنة. وعلى تحرير المساجد وشؤون الدين. وما رضي هذا الاستعمار السخيف أن يتخلى عن مراقبتها وعن إدارة شؤونها المقدسة بنفسه. فهو الذي يعين أئمة المساجد والمؤذنين والخدم، وأن الخطبة التي يلقيها الإمام في مسجد المسلمين يوم الجمعة، لا بد أن يوافق عليها الحاكم الفرنسي الحر، واللائكي الديمقراطي، ولا بد أن تكون في الدرجة الأولى خالية من روح الدين، وبعيدة عن الحياة، بعد السماء من الأرض، هذا ولما كانت الأوقاف الإسلامية هي الروح التي تقوم عليها حياة الدين في نشر تعاليمه ولغته، وإقامة شعائره، وآداء وظيفة الإحسان للمريض والفقير تبعا لرغبة نصوصه، عمدت الحكومة الاستعمارية إلى مصادرتها جميعا، وضمها إلى خزينة الدولة نهائيا. وكانت تقدر بمئات الملايين من الفرنكات، هذا بعض شأن المساجد. وأما الأندية، فلم يكن منتشرا
стр. 144
منها يومئذ إلا أندية القمار، أو اللهو واللعب والخمور، جريا مع خطة الاستعمار العامة من هدم الفضيلة من أساسها، هذا النوع وحده هو الذي كانت تشجعه الحكومة، وتعرقل كل ما عداه.
ولما ظهرت جمعية العلماء إلى الوجود، ورأت أن أكثر طبقات الأمة وأهمها من الشباب، لا تستطيع أن تلقاهم في المساجد، حتى لو كانت حرة مباحة، فشرعت في فتح الأندية، بكل مدينة وبكل قرية مستجيبة للدعوة، يجتمع فيها الشباب وغير الشباب، يسمعون العلم، ويذكرون بالحياة وبالحرية. فلم يمض إلا قليل من الزمن، حتى أصبحت هذه الأندية تعد بالعشرات ثم بالمئات، فشعرت الحكومة بخطر جديد اسمه (الأندية) فأخذت تحاربها بكل الوسائل، حتى الحقير منها، فسنت لها قوانين خاصة تستهدف، إما منعها بتاتا، أو تعجيزها عن أداء رسالتها كاملة على الأقل، مثال ذلك: تحريمها لبيع جميع المشروبات فيها، حتى القهوة والشاي، لأنها هي موردها الأساسي الذي تحيى عليه. واشترطت هذه القوانين أن يكون النادي مستكملا لشروط صحية وغير صحية، قد لا تتوفر إلا في قصر الحاكم العام الفرنسي. والغرض من ذلك مفهوم، هو التعجيز، ومع ذلك كله استمرت الأندية في أداء رسالتها، ضمن معركة شديدة دائمة، حتى غزت حركتها فرنسا وباريس نفسها، وأما المدارس الحرة لنشر اللغة العربية، فيكفي أن تقول أن نصيبها من المحاربة كان أكثر وأعنف من نصيب المساجد والأندية، ومع ذلك فإن في الجزائر اليوم، ما يزيد عن ٣٠٠ مدرسة حرة أكثرها تديرها جمعية العلماء مباشرة.
أما الصحف وجميع المطبوعات، فيكفي أن يعلم القراء، بأن لغتها العربية، تعد في قانون الاستعمار لغة أجنبية، ويلاحق كل من يحمل على نشرها، كما يلاحق عند الأمم الراقية بائع المخدرات، ومزيف النقود. ومع ذلك لم تعش جمعية العلماء من غير صحف، فكانت تصدرها تباعا، وكانت الحكومة تعطلها بدورها تباعا، فكلما
стр. 145
سقطت لها صحيفة شهيدة في ميدان الجهاد، قامت مقامها أخرى على الفور؛ حتى يومنا هذا، ومن غريب ما يجب تسجيله بهذه المناسبة - وكل شؤون الاستعمار الفرنسي غريبة - أن الحاكم العام، قد أصدر مرة، أمرا استبداديا يقضي بتعطيل كل صحيفة تصدرها جمعية العلماء مسبقا قبل ظهورها، وكان ذلك مخالفا للقوانين العامة مخالفة ظاهرة، فتحدته الجمعية، وانتصرت عليه كما انتصرت على سواه.
وبعد، فإن هذه الفذلكة الموجزة، من تاريخ جمعية العلماء الجزائريين، إنما هي قطرة من بحر، أما استيعاب الكلام على أعمال جهادها، فيحتاج إلى أكثر من كتاب، وخلاصة القول فيها، وشهادة الحق لله، أنها كانت الباعثة للأمة الجزائرية على الخصوص، وأعظم مشاركة في بعث المغرب العربي على العموم، وأنها كانت الواضعة للاسفين الأول، في نعش الاستعمار. وأن هذا الاستعمار ليعرف ذلك أكثر من جميع الناس وأنه لم ينس للجمعية يوما هذا الصنيع، وأنه ما يزال يحفظ لها ذلك (الجميل) حتى الآن.
الفضيل الورتلاني
الفضيل الورتلاني يوضح عدد سكان المغرب العربي
كتب الأستاذ منير شريف بزاويته في جريدة (الحياة) الغراء، يصحح فيها عدد السكان العرب في مختلف أقطارها، ويغلب على ظني، أن أرقامه عما سوى المغرب العربي لا تخلو من مبالغة، بينما كانت أرقامه عن هذا المغرب المسكين، مجحفة أشد الإجحاف، ويظهر أن حظ هذه البلاد المكافحة، الصابرة صبر الأنبياء، من إخوانها العرب قليل، حتى في النظريات التي لا تكلفهم لا خيلا ولا مالا. من أجل ذلك لم يشذ الأستاذ الشريف عن القاعدة، حين أسقط نحو ثلث سكان هذه البلاد من إحصائه، إذ قدرهم بثلاث وعشرين مليونا فقط، وهو صنيع غير جميل،
стр. 146
لاسيما في هذه الفترة بالذات، من تنازع البقاء مع الاستعمار الإفرنسي الجبار. هذا مع يقيننا بحسن نية الأستاذ الشريف، وشديد غيرته على إخوانه في المغرب العربي. أما الحقيقة عن تعداد سكان هذا المغرب، فإنهم يزيدون عن ثلاثين مليونا وتفصيلها كما يلي:
........................... مليون
ليبيا ........................ ١
تونس ....................... ٤
الجزائر ..................... ١١
مراكش ..................... ١٥
والمجموع ثلاثون مليونا ..... ٣٠
هذا تقدير معتدل، وفي المغاربة من يقدرهم بأكثر من ذلك، وفي هذه المناسبة، نلفت نظر القراء ونرجو منهم أن لا يعتمدوا على إحصائات الإفرنسيين مطلقا، لأنها قائمة على أغراض إستعمارية، لا تخفى عن العارفين، بيد أن نهاية هذا الاستعمار قربت بإذن الله.
وبعد رحيله ستجرى في البلاد إحصاءات سليمة، تحت حكم وطني حر، ويومئذ فقط تعرف الحقيقة من الزيف.
إلى ذلك النفر المكافح العزيز
﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ الأحزاب: ٢٣.
إلى ذلك النفر المكافح العزيز ...
стр. 147
إلى الشباب المؤمن القوي ...
إلى الذين جاهدوا وأوذوا في سبيل الله ...
إلى الذين شرفوا بدمائهم الطاهرة أرض الوطن ...
إلى أولئك الذين عقدوا العزم، على إنقاذ الجزائر، وتوحيد المغرب العربي ...
إلى أولئك الذين سينالون هذا الشرف، ويتوجون رؤوسهم بهذا الفخار ...
نسوق هذه الوصية القرآنية.
﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ آل عمران: ٢٠٠.
الجزائر مقبرة الشباب الفرنسي
المستوطنون الفرنسيون في الجزائر يفرون لأستراليا وكندا هروبا من الموت الأحمر الذي يترصدهم في بنادق المجاهدين
جريدة بيروت المساء بتاريخ ٢٤ - ٢ - ١٩٥٦
إن حزام هذه الحرب في الجزائر لن ينتهي، ولن يكون للجزائر الهدوء الذي تطلبه وتسعى إليه وتحارب من أجله بضراوة، ولن يكون لها سلام وأمن واطمئنان طالما أن الجيوش الإفرنسية متمركزة في أرضها، والاستعمار جاثم فيها.
أما الفرنسيون في الجزائر من مدنيين وعسكريين فإنهم يعيشون في خوف عظيم وقلق أعظم، والدليل هذه الرسالة التي بعث بها حاكم مدينة "سكيكدة" إلى رئيس قسم المستعمرات في "الكي دورسيه" بوزارة الخارجية الإفرنسية.
стр. 148
وفيما يلي بعض فقرات من هذه الرسالة: نحن هنا ... وسنظل هنا مطمورين تحت الأرض في القبور، سنظل جثثا ممزقة بالطعنات، مشوهة الوجوه من أثار البارود. أما "سكيكدة" الجميلة الني تعتبر "نيس" إفريقيا والجزائر، والتي يقصدها السياح من جميع أنحاء العالم، فلم يدخلها منذ سنة ونصف سائح واحد، وجميع الذين دخلوها، كانوا باللباس العسكري .. كلهم جنود، نخبة الشباب الفرنسي، تحملهم وزارة الحرب الفرنسية إلى هذا البلد الرهيب، ليمزق أجسادهم الرصاص، ولتخترق صدورهم الحراب والخناجر.
إن هؤلاء العرب، السمر الوجوه، والذين كنا نظنهم فلاحين مساكين .. ما هم إلا مقاتلون أشداء .. ولن يسكتوا عن وجودنا في ديارهم .. لقد قام زيغود وهو عربي جزائري في الرابعة والثلاثين من عمره، يرأس جماعة من المقاتلين العرب، في الأسبوعين الأخيرين بهجومين على الأحياء والثكنات الفرنسية، ولم ينسحب إلا بعد أن خلف وراءه ٨٠ جثة ممزقة مشوهة.
وقامت القوات الفرنسية بهجوم مضاد، فجمعت أربعة آلاف عربي من سكيكدة والقرى المجاورة .. وهددوهم ثم عذوهم بأقسى ما يمكن لعدو أن يستعمله ضد عدو آخر، ولكن رجلا واحدا لم يتكلم، ولم تفد هذه العملية شيئا .. وكانت كسابقاتها خائبة.
وبينما الفرنسيون يوارون جثث قتلاهم، إذ بإذاعة الثوار تذيع عليهم: أيها الفرنسيون ليس لكم أي خيار، فإما الرحيل، وإما الموت!!
وبالطبع قرر الفرنسيون الرحيل.
وفي مدينة "سكيكدة" الآن أكثر من ٣٠٠ فيلا وبيت مهجور ينعق فيها البوم .. وتدخلها الريح التي تحمل من الجبال أصوات الثائرين مهددة بالموت والدمار.
стр. 149
وقد ألف الفرنسيون عدة لجان لترحيل العائلات، ويرأس هذه اللجان مواطن فرنسي اسمه بول دومنييك، وتقوم اللجنة بالاتصالات مع الفرنسيين في كندا وأستراليا، لترحيل العائلات الفرنسية إلى البلدين المذكورين.
وجاء في رسالة الحاكم الفرنسي أخيرا ما نصه: لقد قال لي أحد كبار موظفي شركة "إير فرانس": هناك شيء واحد يجب أن نفعله نحن فرنسيي الجزائر .. يجب أن نرحل .. وأن نرحل من هذا البلد بسرعة.
وقد أحدثت هذه الرسالة ضجة كبيرة في الأوساط الفرنسية، وقامت اتصالات شعبية واسعة مع المسؤولين، وتظاهرت النساء مطالبات بأطفالهن وأبنائهن. وقام الشعب الفرنسي بكامله، يطالب بعودة الجنود الفرنسيين من مراكش والجزائر ..
وبعد .. فهل فهمت فرنسا أنه لم يعد لها خبز في الجزائر وبقية المغرب العربي؟ ..
" تجارة المؤمنين "
﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله .... وبشر المؤمنين﴾ الصف: ١٠ - ١٣.
стр. 150
خطاب رئيس جمعية العلماء
في مؤتمرها السنوي
سماحة الشيخ العربي التبسي
تنشر هذه الخطبة الجامعة، لأنها صادرة عن رئيس جمعية كبيرة لها أثرها وخطرها، في ماضي الجزائر وحاضرها ومستقبلها، ولأنها دستور كامل للمبادئ الكريمة القوية، التي تسير عليها هذه الجمعية، وتربى عليها تلك الأمة العريقة المجاهدة.
وإننا نرى مناسبة نشرها هنا لتلتقي مباشرة مع مقالات الأستاذ الورتلاني، عن الجمعية.
ومما يزيد في أهمية الخطبة، أن المؤتمر العام للجمعية، الذي عقد في ٢٣ جمادى الأولى ١٢٧٥ هـ الموافق ٧ يناير ١٩٥٦ م بمركز الجمعية بعاصمة الجزائر قد أقر كل ما فيها بالإجماع.
قال الرئيس حفظه الله:
الحمد لله الذي وهب للجزائر، في كبر محنها، وشدائد أيامها، وقسوة بلوتها، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكانت لإسلامها حارسة، ولعروبتها حافظة، وعلى تراثها أمينة، ولتاريخها باعثة، هذه الجمعية التي كانت للجزائر، دعوة إسلامها، ومشرق نورها، ومربية بنيها وبناتها، والمنافحة عن قوميتها، والمحيية للغتها، والصلاة والسلام على أنبياء الله ورسله من عرفنا أسماءهم فالصلاة والسلام عليهم بأسمائهم، ومن جهلنا فالصلاة عليهم إجمالا، ثم الصلاة بعد
стр. 151
التعميم، الصلاة بالخصوص، على من بلغنا الإيمان بهم، وبما جاءوا به للإنسانية في غابر عصورها، سيدنا ونبينا رسول البشرية محمد إمامهم حين الإصطفاف للصلوات، وخاتمهم في عالم الرسالات والنبوات، وعموم الدعوة إلى الإنس والجن من حضر زمانه، ومن يأتي إلى يوم تقوم الساعة.
تحية الوافدين
أما بعد فسلام عليكم أيها الوافدون لمشهد من مشاهد الدعوة الإسلامية، ولموقف من مواقف تجديد العهد، على أن تكونوا لهذه الحركة الإسلامية، في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، وفي الرخاء والشدة، وفي الفرح وعند المحنة، ومرحى بكم أفرادا وجماعات، وشكرا لكم على ما تحملتموه من أتعاب وأوصاب، وما مسكم من مشقة وآلام، في سبيل الله، من يوم أن تأسست جمعيتكم، وظهرت هيئتكم إلى الوجود، وانتسبتم إليها، فتشرفتم بالإنتساب لأفضل المبادئ وأقوم الدساتير، واشتهرتم شرقا وغربا، بأنكم رمز حي لأولئك الذي كانوا، في خير أزمنة الإنسانية، قد حبسوا أنفسهم وأوقاتهم، وحياتهم على خدمة المثل الصالحة، وكدتم تفهمون أهل هذا الزمان، وظيفة الذين تشير إليهم بعض من آيات القرآن العظيم كآية: ﴿رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم﴾ آل عمران: ٣٥. فأنتم يا أشباه النذور لخدمة الشريعة، ونصوصها وكتابها، وروحها، ولنشرها، والمحافظة عليها، والدعوة إليها، رضيتم من هذه الدنيا، بما لا يقبله لأنفسهم، عبيد الدنيا، أولئك الذين لا يوجدون إلا في مظاهر الفخفخة الزائفة، فجزاء الله لكم على ما أسلفتم في ماضي أيامكم، وعلى ما تتحملونه في أيامكم هذه، وعلى ما أنتم عازمون على تحمله، في مستقبل أيامكم، إنكم لم تدخلوا فيما دخلتم فيه، من أعباء هذه الحركة، وأثقال هذه المهمة، على عمى بما فيها من جهد يتطلب كثيرا من الصبر والجلد، ولا على
стр. 152
جهالة، بما فيها من صعاب، هي ضريبة الدعوة إلى الحق، ولا شك من دينكم وحقكم في الحياة، ونعم الحياة، حتى ترتابوا في أمركم، أو تتأخروا عن آداء واجبكم، أو يصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعن هذه الحركة، إنس أو جن، أو شيطان، فالهدف الذي وضعتموه، نهاية لسيركم في هذه الميادين، هو فوزكم بهذه الحركة، والعمل بهذه الحياة الدينية، وبلوغ الغرض الذي أنشئت له، لتفوزوا بجنات تجري من تحتها الأنهار، يوم الفصل الأكبر فميدانكم ميدان الصبر والمصابرة، ميدان يطيب فيه الثبات، والتثبيت،؛ وتحسن فيه القدوة الحسنة، بصالح الرجال، فسارعوا إلى مغفرة من ربكم، وإلى الفوز بحركتكم الشريفة، هذه الحركة التي لا يحاربها، ولا يصد عنها ولا يعارضها إلا الذين عارضوا كل دعوة حقة، والذين حاربوا كل نبوة فاضلة، والذين صدوا عن رجال كموسى وعيسى ومحمد.
تاريخ الجمعية ومبادئها وكفاحها
والآن لنقف وقفة صغيرة، ولنلتفت لفتة خفيفة تبتدئ من سنة ١٩٣١ وتنتهي سنة ١٩٥٥ نمر فيها خلال الحقبة العظيمة، بما تم فيها من أعمال رائعة، وتخللها من منشآت،، ولنستغفر لإخوان لنا، كانوا مبرزين في هذا الميدان ولنترحم عليهم، ولنذكرهم بما هم أهل له من عاطر الذكر، وجميل الكلام، أولئك الإخوان الذين التحقوا بربهم بعد أن أدوا ما عليهم من واجب وبعد أن قاموا بما حملوه من رسالة، لنترحم على عبد الحميد بن باديس، وعلى مبارك الميلي، وعلى جميع الأفراد الذين شاركوا في خدمة هذه الجمعية وأخلصوا لمبادئها، وثبتوا في المواقف التي تزل فيها الأقدام، وتتخلع فيها القلوب وتندهش لها الألباب، فرحمهم الله، وأجزل لهم المثوبة، وعاملهم بما عامل به، من آمن وعمل صالحا وصبر صبر البصراء وثبت ثبوت العارفين.
стр. 153
نشأت هذه المؤسسة المباركة في سنة ١٩٣١ بذرة قليلة، وفكرة صغيرة، ومبدأ صالحا، ونعمة من ربنا عظيمة، معروفة البداية، مجهولة النهاية كما هو الشأن في كل فكرة من أفكار الرشد، وكل عقيدة من عقائد الحق، وكل مبدأ من مبادئ الخير، هذه المؤسسة التي جمعت أصول الفوز الثلاثة فكرة واضحة لا شبهة فيها، وممثل لها صادق لا ريبة عنده، وأمة تدرك هذه الفكرة وتنزه رجالها عن الدجل والنفاق والخديعة، هذه الحقائق الثلاث تجمعت بحمد الله في دعوة جمعية العلماء، فدعوتها واضحة لأنها تتلخص في كلمات ثلاث: الإسلام، العروبة، القومية. ورجالها صادقون في دعوتهم، مؤمنون بمبدأهم، مخلصون لفكرتهم، يعلم هذا منهم كل من حبب الله إليه الحق، وزين له الإيمان، وحسن في عينه الفضيلة، وأمتنا أسبغ الله عليها نعمة ظاهرة وباطنه، عرفت دعوة جمعية العلماء، وأدركت ما تدعو إليه، من دين قويم، وعربية صحيحة، وقومية حقة، فعرفت الحق، فاتبعته ثم لزمته.
ظهرت جمعية العلماء في الجزائر، وقد تمثلت فيها هذه الحقائق العلمية الثلاثة، التي جعلها الله أصلا لنجاح كل دعوة وأساسا لفوز كل مبدأ، وبخلود كل ذي عمل صالح فجمعيتكم هذه، كالشجرة الطيبة، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، باقية ما بقيت المبادئ الصالحة وما بقيت لها قواعدها الثلاث، الدعوة إلى الإسلام، والداعي الصادق، والأمة العاقلة.
رجوع إلى الماضي للاعتبار
فيا رجال هذه الجمعية ويا أيها الأمناء عليها، ويا ورثة خاتم النبيين، ويا أيها المعدودون ركنا ثالثا في حقيقة جمعية العلماء، إن الذين سبقونا بإحسان من إخواننا، دخلوا هذه الجمعية، طاهرة قلوبهم، خالصة نياتهم، صادقة ألسنتهم، وخرجوا منها
стр. 154
رضي الله عنهم ورضوا عنه، أطهر ما يكون رجال الدعوات، وأرضى ما تذكر تراجم الأمناء على تسيير الحركات، وقد ورثتم عنهم هذه الأمانة، وأخذتم عنهم هذه الحركة، فينبغي لكي ترضوا الله والحركة والأمة، أن يشعر كل واحد منا نحو نفسه، ونحو إخوانه في هذه الحركة، أن قيمته إنما توزن، بثلاث من مثاقيل الحق والعلم: الأول إلتزام كل واحد منا لعقيدته الإسلامية، وظهوره مع دينه بمظهر من استوى ظاهره مع باطنه، وتوافق سلوكه مع مبادئ الجمعية، الثاني: ما لكل واحد منا الحصول العلمي، وما منزلته بين علماء الدين، واللسان، والتاريخ، وما للأمة الإسلامية، من نصيب منه ونفع فيه، الثالث: تمثيله لمقوماتنا الإسلامية العربية، وحظها منه في باب الأعمال التي تجعل منه رجلا يثبت أمام العواصف الهوج، ويصبر حين تهب الرياح الخرقاء، ويتجلد حين تمتد الأيدي العادية إلى الواحد منا بالإمتحان، يدافع حين يحاول الظلم أن ينال من هذه القومية، فيحاول بمحو حقيقتها، وإنكار واقعها؛ وبذلك الدفاع يكون أهلا لأن يقتدي به، لأنه قد جعل من المعنى واقعا ملموسا، ومن اللفظة، حقيقة حية، ومن الكلمة وصفا يظهر، وخلقا يؤثر، وسلوكا يعمل به.
إخواني، إن ما زاد على هذه المعاني الثلاثة، زوائد لا أثر لها في أرواحنا، ولا قوة فيها لديننا، ولا صلاح منها لوطننا، فلا اعتبار لها في أفرادنا، وجماعاتنا لأن تلك الحقائق الثلاث، هي التي يجب أن نحيا لها، وبها كحملة أمانة، وورثة حركة، وملتزمي واجبات؛ والآن لنقدر أنفسنا أننا في ذلك الاجتماع الذي انعقد في سنة ١٩٣١ لانتخاب المجلس الإداري الأول لجمعية العلماء، ولنحاول بما لدينا من قوة الخيال، وبما بقي عندنا من ذكريات الماضي، وبما نحفظه من تاريخ، أن نستحضر ظروف ذك الوقت، وهي ظروف لا أعادها الله للوجود، إذ ليس هناك يومئذ، في دنيا الجزائر، إلا غالب يفرض ما يشاء، ومغلوب يعرف أن الغالب في يسراه الظلم والشهوة، تلك الظروف العصيبة التي اجتازتها بلادنا في جهد ومشقة وعسر، ظهرت جمعية العلماء في الجزائر، ونزلت سكينة الله على الذين ظهرت هذه الجمعية
стр. 155
على أيديهم، وكانت هذه الجزائر على اتساع رقعتها، وكثرة سكانها ليس فيها مدرسة واحدة، تملكها هذه الجمعية، وليس في نية مؤسسيها، ولا في قدرة الشعب يومئذ، ما يمكن من تأسيس هذا العدد الكبير، الموجود اليوم من المدارس العربية التي ترسل النور، وتنشر العربية وتبشر بالدين، وكانت الحكومة الاستعمارية يومئذ لا تأذن للمعلم أن يعلم القرآن الكريم، ولا مبادئ الإسلام البسيطة، إلا برخصة خاصة، إننا إذا رجعنا بالذلكرة أو الخيال إلى ذلك التاريخ وعشنا يوما أو ساعة في ذلك الزمان؛ وراجعنا ما كان بأيدينا يومئذ من مال، رأينا المحصول المالي السنوي، لآخر الدورة الإنتخابية في السنة الثالثة وهي لا تتجاوز عشرات الآلاف، وكذلك إذا راجعنا أوجه صرف تلك الأموال، وهي لا تعدو أن تكون محصورة، في سفرات الوفود، وجلسات الهيئة، ثم رأينا ما تملكه الجمعية اليوم من مدارس، ونوادي، وما أسسته من مساجد، ومشاريع ومعاهد، نجد أن البون شاسعا، والفرق بعيد، وهو بون يدهش حتى الذي يغرق في الخيال ويبالغ في التصور، ولكن هذه الدهشة لا تلبث أن تزول إذا عرفنا سبب هذا النجاح، وعلة هذا الفوز وهو الإخلاص في العمل.
جهاد الجمعية العلمي والتربوي
إخواني، لقد أثمرت الجمعية في هذه الحقيقة الماضية ثمارا طيبة وكثيرة، في جميع نواحي نشاطها وميادين أعمالها، فقد نظمت التعليم بإنشائها البرامج التي تساير التطور، وتتكيف حسب ما يتطلبه تقدم الوقت، من إلحاق لمادة، أو حذف لموجود، وبإختراعها الشهادة الإبتدائية، التي أعطت للتعليم العربي الحر، نوعا من الميزة والمواطنة لم يكن موجودا من قبل، واتصالها الدائم بالمعلمين، والهيئات المحلية، وبربط المعلمين بعضهم ببعض، حتى يتوحد الإتجاه والسيرة، وبتوجه المنشورات إليهم، كلما دعت الظروف إلى توجيههم وجهة جديدة وبتصفيف المعلمين صفوفا في إطارات حسب أهلياتهم ومعارفهم؛ ونظمت مركزها بالجرائر
стр. 156
تنظيما نافعا حكيما صالحا، فنمت المالية وضبطت، ووجد لها من الترتيب والحفظ والجمع، ما جعلها تبلغ في هذه السنة وحدها، مبلغا تضرب به الأمثال عند الهيئات الجزائرية؛ وجريدتنا البصائر، تكاد تكون أرقى صحيفة عربية في الشمال الإفريقي، في جميع نواحيها الصحفية، والمالية والأدبية. ومعهدنا بات في نظر العالم الإسلامي والعربي، أحد معاهد الإسلام والعلم والتربية، بما يلقنه لأبنائه من علوم، وما يحاول أن يصبغه به من فاضل الأخلاق، وما يريد أن يزودهم به، من صحيح العقيدة، وما رغب أن يحليهم به من عالي المبادئ، فانتشرت سمعته ونقلت الأحاديث الطيبة الذكر عنه في أطراف عالمنا، وتلاميذه مبثوثون في مدارس وجامعات وكليات الشرق. وتلك اتصالاتها بالهيئات الدينية والعلمية والإجتماعية، وبالشخصيات ذات الصيت الذائع في عالم الثقافة والإصلاح والعلم والأدب، وتلك رحلاتها وجولاتها في سبيل الجزائر ورفع مكانتها وتبليغ صوتها إلى أسماع الدنيا، وتلك وفودها التي تطوف داخل الوطن وخارج الوطن مؤسسة للفروع، داعية إلى التعليم، مرغبة في الخيرات، مذكرة بالصالحات، واصلة لما أمر الله به أن يوصل، رابطة للصلات بين الجزائر وبين الشعوب العربية بتلك الرحلة التي جال بها رئيس الجمعية جولته الشهيرة التي شملت باكستان، الكويت، العراق، الشام، الحجاز، مصر. تلك الشعوب التي تقبلت حكوماتها وشعوبها وهيئاتها بعثاتنا العلمية، وتولت تعليمهم والعناية بإعدادهم لمستقبلهم، وآخر هذه الوفود هو الوفد الذي مثل الجزائر في المغرب الأقصى، يوم أن نال المغرب استقلاله وعاد إليه سلطانه المعظم محمد بن يوسف.
وكان هذا يوم الذكرى لإعتلائه العرش المغربي، وقد خدم هذا الوفد الجزائر خدمة عظيمة، لها أنفع الآثار في مستقبل العلاقات بين الشعبين.
стр. 157
كفاحها ضد الاستعمار في محاربته للدين ولغته
إخواني؛ إن لجمعيتكم في الدفاع عن الإسلام والعروبة واللغة العربية، مواقف مشهودة مشهورة، دافعت فيها ضد الاستعمار عن مقدساتها، وذادت فيها عن حياض شرفنا ذيادا يذكر ويسجل. وتباهي به جمعيتنا ساعات ذكر مواقف الشرف. إن تاريخنا حافل بالمواقع الكبيرة في محاربة الاستعمار ومحاولة إبعاده عن مساجدنا وشعائر ديننا، وأوقاف أمتنا وحرية لغتنا، حاربنا ذلك الاستعمار الظالم بكل سلاح نملكه، حاربناه في الجزائر في كل مناسبة، وحاربناه في فرنسا، وحاربناه في الشرق، حاربناه جماعات وأفرادا، حاربناه منفردين وحاربناه متحالفين مع غيرنا، في كل مناسبة وجدناها قضينا في هذه المحاربة، وقبلنا الغرامات المالية، ورضينا بغضب الاستعمار علينا، وبما يسومنا به من ظلمه وعسفه.
إخواني؛ إذا لم تتحرر المساجد، وإذا لم يبعد الاستعمار عن إفساد شعائرنا الدينية، وإذا لم يرد إلينا أوقافنا وأموالنا المحبسة على المعابد والشعائر الدينية، ولم يرفع الظلم والباطل عن مقدساتنا وحقوقنا فإنما ذلك راجع لما عرف به مستعمرنا من صممه سماع صوت المظلوم، ومن محافظته على استعماره، وعلى قوانينه الظالمة، وعلى شدة تمسكه بالاستعمار، وما في الاستعمار من عيوب وتاريخ استعماره عند الناس بهذه الخواص، وبهذه العيوب، وها أنتم ترون أن استعمار غيره أخذ في الزوال وأخذت الشعوب المستعمرة لغيرها تتحرر في آسيا وإفريقيا سواء في ذلك الشعوب البيضاء والسوداء، واعترفت أمم الدنيا كلها، بأن هذا العصر عصر تحرر الأمم، وعصر حكم الشعوب لنفسها بنفسها، وعصر المنظمات، الأممية، وعصر استنكار استعمال القوي لقوته ضد الضعفاء وضد الأقليات وضد الشعوب العزلاء من السلاح، ولا يخفى على أحد ممن تتبع سير جمعيتكم في الست والعشرين سنة، التي قضيتموها مطالبين بإخراج الحكومة الاستعمارية من المساجد ومن محاربيها، ومنابرها ومن تدخل هذا
стр. 158
الاستعمار في قواعد الإسلام، فهو يتداخل في الصوم ويتداخل في الحج، ويتداخل في الصلاة، حاربتموه طوال هذه المدة بكل سلاح غير الحديد والنار، فأبى أن يعترف لكم بحقوقكم الدينية، وباستقلالكم في مباشرة إسلامكم ودينكم، حين تنحى غيره عن حقوق الشعوب، وحين حرر غيره عوالم من المستعمرات والممتلكات، تنحت بريطانيا عن الهند، وعن باكستان وعن برما وعن مصر، ويأبى هذا الاستعمار الفرنسي أن يخرج عن المسجد ومن المعبد، ومن عبادات المسلمين في الجزائر، وتاريخ هذا الاستعمار وطبيعته واحدة، في الشام، في الهند الصينية، في تونس، في مراكش، إذ يأخذ كل شيء، الأخضر واليابس، القائم والحصيد، الماديات والمعنويات، ولا يترك شيئا منها مكرها مبعدا محكوما عليه بأقسى الأحكام من الحكومات الشعبية، ومن المنظمات العالمية ومن الشعوب المحبة للحرية والسلام.
يجب أن نكون للأمة قدوة صادقة
إخواني؛ إنكم في نظر شريعتنا الإسلامية، وأمتنا العربية، تشتغلون من حياة أمتكم ومن ميراثنا الإسلامي، وظيفة من يعد الأجيال الآتية، ويحمل مقدرات شعب تاريخي عربي، ووظيفة من يهدم الأوضاع, الفاسدة الباطلة، ويقيم مكانها الأوضاع الصالحة الصحيحة، وبالتالي إنكم مكلفون إن كنتم أمناء على وظيفتكم، وأمناء على وراثة نبيكم ﷺ ، بتمثيل ما جاءت به رسالته من عقائد، كما في سلوككم الشخصي في إظهار تلك الرسالة إلى الناس بمظهرها الحقيقي الصادق الصادع بالحق، وأنتم أيضا مكلفون بأن تقفوا من أمتكم التي تنظر إليكم نظر المأمومين من إمامهم، تصلح أعمالهم بصلاحكم، وتفسد بفسادكم، وتؤدي المهمة الإنسانية الدينية الشعبية على وجهها إذا أخلصتم أنتم في موقفكم، وإذا استوت ظواهركم وبواطنكم، وإذا سارعتم إلى الأعمال الصالحة بأنفسكم قبل أن تطالبوا بها غيركم،
стр. 159
فيومئذ يفرح المؤمنون بكم، ويومئذ يشهد لكم الأشهاد الصرحاء بأنكم للإسلام وللعروبة، وللجزائر وللإنسانية، والديمقراطية البريئة من عيوب المستعمرين.
إخواني؛ أصلحوا ما بينكم وبين الله، يصلح الله ما بينكم وبين الناس، افعلوا ما أمركم الله به، يدافع عنكم من يريد بأمتكم شرا، أظهروا في أمتكم بأقوالكم وأعمالكم وسلوككم في خلوتكم وفي علانيتكم وفي حالة السراء وفي حالة الضراء، في المنشط وفي المكره، مبتلين أو معافين، بما كان يظهر به الذين أنعم الله عليهم من رجال سلفكم، من أول ظهور نبينا محمد ﷺ ، بدعوته الحقة بمكة إلى أيام القادسية واليرموك، أظهروا طلاب هداية ورجال مبادئ ودعاة إصلاح، علموا الناس أن الإسلام عقائد صحيحة، ومبادئ إنسانية شريفة، وأخلاق فاضلة وتربية قوية، علموا شعبكم، أن عصركم هذا عصر يصلح لمبادئ الإسلام التي تجعل من الإنسانية كلها أسرة واحدة، وتدعو إلى الأخوة الإنسانية الصحيحة، القائمة على وحدة العقيدة الحقة، ووحدة النظام الإجتماعي، ووحدة أداة الحكم وأصول الحكم.
أصلحوا أنفسكم يصلح لكم الناس
إخواني؛ إن الإسلام دين العزة المبنية على الأهليات والقيم الرفيعة، والأخلاق العالية المقتضية لعزة المتخلفين بها، يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات.
إخواني؛ ابنوا مجتمعكم على الصراحة وإعلان ما تؤمنون به، اجمعوا بين إيمانكم وعملكم، اذكروا أن سلفكم الصالح خلق لكم عقيدة، هي دين وتربية، هي نظم تستوحونها من هذه العقيدة الفياضة الحية، وأن من ذلك التراث الصالح الخالد إصلاح الفاسد، وأن من مواقف الإصلاح في تاريخكم العظيم الكبير: "من رأى في إعوجاجا فليقومني"، وإن من هاتيك المواقف المؤمنة: "الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم إعوجاجي" هذان روحان إسلاميان فاضا بالمثالين،
стр. 160
فأجيبوا هذه الأرواح، وأحيوا آثارها يحييكم الله ويشكركم، ويثبت أقدامكم، ويعز أمتكم، ويشف صدور قوم مؤمنين.
أيها الإخوان؛ إن اليوم بمثابة من يريد الإقلاع من محطة يودع بها ما قطع في سفره من المسافات، ليستفبل مراحل أخرى جديدة واسعة، إن لنا أوضاعا حاضرة مستمدة من ماضينا تشتمل على هيئه إدارية وقانون أساسي وتشكيلات فرعية نص عليها، ومن عاداتنا حين نختار الاجتماع العام، نختار له وقت لنمثله إجتماعا عاما بحق، فنعيد النظر في القانون الأساسي، وفي ما بين أيدينا فنصحح هذا ونكمل ذلك ونغير وننشئ جديد، كل ذك يوم كنا نتمكن من الاجتماعات العامة في القاعات الكبرى التي تضم الشعب الجزائري بمدارسه وشعبه برجاله كلهم، فنكون مؤتمرا جزائريا دينيا عمليا وطنيا، يصدر فيه الشعب عن حيوية جديدة وآمال واسعة تربطه بالعهود المقطوعة، والوصايا الحكيمة، وتلك سنتنا في الماضي أيها الإخوان.
نعم نحن موافقون ...
أما اجتماعنا اليوم فقد طالبتنا به الظروف، وأملته علينا القوانين الاستعمارية وأصبحنا في غير إرادتنا وغير عادتنا المعروفة، والمعمول بها سابقا، فجاء اجتماعنا هذا كما تشاهدون حتى في زمانه الشتائي. لذا فنحن لا نرى مصلحة في تغيير قديمنا ولا شيء منه ما عدا مادة واحدة من قانوننا الأساسي كان الرأي فيها أن تغير، وهذه المادة التي نريد تغييرها، هي المادة التي حددت عمر الدورة الانتخابية في القديم بثلاث سنوات، وهي مادة ينبغي أن تستعاض عنها بأخرى تجعل مدة الدورة الانتخابية سنة واحدة في الظروف العادية، فإذا طرأت ظروف خاصة كالتي نعيش فيها الآن، فإن الإدارة المباشرة تبقى ما بقيت تلك الظروف.
стр. 161
فنحن الآن أمام الوقوف تجاه القوانين، فالواجب أن يبقى كل شيء كما كان، لا تغير من أمورنا الماضية شيئا، لا فرق بين الأعمال والأشخاص والقوانين، حتى نتمكن من الظروف الصالحة، ويومئذ يعاد الانتخاب، فهل أنتم موافقون؟
نعم نحن موافقون ...
وختاما أسأل الله أن يشفي العالم من داء الاستعمار، وأن ينزل على بلاده وعباده نعمة الحرية، والعيش في ظلال السلام والحق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
العربي التبسي
كتاب مفتوح من الورتلاني
إلى رئيس حكومة فرنسا "جي موليه "
جريدة بيروت المساء ٢٦ و٢٧ فيفري ١٩٥٦ والمنار الدمشقية
دولة الرئيس تحية واحتراما وبعد؛
لعله من حسن حظ فرنسا، قبل مستعمراتها وضحاياها، أن اختارتكم الأقدار لقيادة سفينتها أثناء هذه الأمواج المتلاطمة من بحر سياستها الداخلية والخارجية. وأنكم لتستطيعون أن تسجلوا أكبر كسب لفرنسا، وأخلد نصر لعقلها على شهوتها، إذا استطعتم أن تكونوا أمناء لإشتراكيتكم الإنسانية، ولشبابكم الغض الطري، وإنكم لتعلمون بأن مجيئكم إلى الرياسة في هذه الظروف الدقيقة بالذات، لم يكن من الصدف العابرة، ولكنه كان نتيجة استفتاء استثنائي خاص، قد خاضه الشعب الفرنسي الحر في اندفاع وحماسة، ليعبر فيه عن رأيه وإرادته في أخطر ما تواجهه حكومته المقبلة من البت في عويص الأمور، ودقيق
стр. 162
المشاكل، وقد كان على رأس قائمة المشاكل الخطيرة، التي قصدها الإستفتاء علنا، هي قضية الجزائر ومستقبلها، وحالة الحرب القائمة فيها، وقد تكون هذه القضية هي وحدها السبب الحقيقي والمباشر لحل المجلس القديم والإتيان بالمجلس الجديد، وبأكثريته المعروفة بميولها التحريرية والسليمة، ثم المجيء بكم في التالي لرئاسة الحكومة.
وعليه فإني كجزائري حر، كرس حياته لخدمة هذه الأمة المظلومة، وقضى زهرة شبابه في بناء نهضتها، وكمغربي عارف بما في المغرب العربي كله، ومؤمن بوجوب وحدته المقدسة. ثم إني كإنسان مؤمن بالمثل العليا، ومحب لخير الإنسانية جميعا، التي منها الشعب الإفرنسي العريق، أتقدم من أجل ذلك كله إلى دولتكم بهذا الكتاب المفتوح، راجيا أن يصادف ما فيه من حق ثقيل، كل قبول واهتمام عندكم، لأنكم إنما دعيتم إلى هذا المنصب، خصيصا لأجل إحقاق الحق مهما كان ثقيلا على بعض النفوس المريضة، مرضا مزمنا، ولأنه الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى إسعاد أمتنا وأمتكم معا. وإني أبين لكم ناصحا ومنذرا ومعذرا، القواعد الأساسية، والحلول الضرورية، التي يمكن أن تحل قضية الجزائر، والمغرب العربي الحل السليم الدائم إلا على ضوئها، وإنه ليغشكم كل من يزعم لكم، بأن نظام الاستعمار، يمكن أن يعيش بعد اليوم في تلك الديار، وأن أسلوب اللف والدوران، أو تسديد حقوق الشعوب بالألفاظ الجميلة، والعبارات المنمقة والوعود المعسولة، هي بضاعة ما يزال يمكن الاعتماد عليها في صرف الناس عن حقوقهم، أو نسيانها، وقد يغشكم بذلك حتى بعض الجزائريين والمغاربة، تحت ضغط أي مؤثر عارض، ومن الزبد سيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وأنه لمن تمام الحزم والجرأة، أن تجعلوا في حسابكم أمرين مهمين جدا.
стр. 163
الأمر الأول - هو أن الشعب الفرنسي الذي طالما غرر به تجار الحروب والدماء، قد أدركه الوعي، ولم يعد مستعدا لبذل العرق والدم في سبيل مئتي أسرة استغلالية في فرنسا ومثلها في الجزائر، وأكبر آية على ذلك، هو بداية تمرد الجنود على القتال ضد طالبي الحرية في المستعمرات عامة، وفي الجزائر بصفة خاصة، ثم انتصار رسالة (بوجاد) الذي يدعو علنا إلى الامتناع عن دفع الضرائب. والمعلوم عند الخاص والعام، أن الدولة التي لا يطيعها جيشها، ويمتنع عن تمويل الخزينة شعبها، لهي دولة مفلسة لا محالة، والشعب الفرنسي الواعي لا يقبل بإفلاس دولته، إرضاء لشهوات طائفة من المستعمرين المجرمين.
الأمر الثاني - هو أن الشعب الجزائري، قد أصابه اليأس نهائيا من استعمال أساليب المنطق والسلم مع المستعمرين، لأنه قد جربهما معهم طيلة قرن وربع، فلم يصدقوا معه مرة واحدة، وأن روح الفداء في هذا الشعب قد أصبحت عامة، فشملت الذكور والإناث من جميع الطبقات، وإن كان مجاهد فيه يقتله رصاص الاستعمار، إنما ينقل فيه العدوى والحمية إلى ألف من الرجال والنساء، وأنه في الوقت نفسه، مستعد ليتعاون مع أسوأ المذاهب في العالم، وأن يتعاهد حتى مع (الشيطان) إذا لم يكن سوى ذلك وسيلة لحريته واستقلاله، وإني قبل أن أعرض لتفاصيل الحلول التي أنوي اقتراحها، أرى من واجبي أن أنصح لكم بسلوك طريق النبل والكرم مع هذه البلاد، وذلك إذا نظرتم بعيدا في مصلحة فرنسا قبل مصلحتها.
لأن الجزائر كغيرها من شعوب الأرض العريقة الواعية، هي واصلة إلى حريتها واستقلالها لا محالة، أحب الناس أم كرهوا، أتم ذلك اليوم، أم بعد أشهر، أم بعد أعوام، وما دامت النهاية واحدة، فمن المصلحة إذن، أن تصطنعوا مع هذه البلاد أجدر الأساليب بإرضائها في تصفية علاقاتكم معها، حتى تكسبوا في المستقبل صداقتها، إذ ليست صداقة ثلاثين مليونا من أعرق الناس في الحضارة، ومن أشهرهم في الشجاعة، ويملكون أوسع مساحة من الأرض وأغناها وأمنعها، وهي أقرب ما يكون بأرضكم في الجوار، ولهم أخوة في الجنس يقدرون بثمانين مليونا، وأخوة في الدين يقدرون بستمائة مليون، ليست صداقة
стр. 164
هؤلاء بالأمر الرخيص الذي يستهان به، على أنكم إذا زهدتم في هذه الصداقة، فإن في العالم كثيرين يرغبون فيها أشد الرغبة. وأغلب الظن أن اشتراكيا شابا مثلكم، يعيش في عصر التكتل والصداقات والمنافسات الدولية، لا يمكن أن تفوته أهمية هذه الحقائق.
ولكن الذي أخشاه، ولا أخشى سواه، أن تلعب بكم دسائس المستعمرين الذين لا يطيقون الحياة من غير عبيد أحرار ومن غير المستعمرات. فهنا يمتحن شبابكم واشتراكيتكم، وتمتحن أمانة الأكثرين التي وكلها الشعب الفرنسي الحر للتخلص من وباء أولئك المجرمين السفاكين. وعلى كل حال فإن الفرص كلها في جانبكم، نرجو من أعماق قلوبنا أن توفقوا إلى حسن استعمالها، حتى تصفو القلوب وتتعاون الأيدي على البناء.
وإني يعد هذا الاستعراض أفرض أنكم قد سلمتم فعلا بمبادئ هذه المقدمة لأنها سليمة كل السلامة، ومن مصلحة الجميع، ولأني حتى الآن لا أزال حسن الظن بكم وبظروفكم، ولذلك أرجو أن تسمحوا لي بأن أضع بين أيدي حكومتكم هذه الحلول العلمية، التي أراها هي وحدها الكفيلة بحل مشكلة الجزائر والمغرب العربي، ليحل السلم محل الحرب، والصداقة محل العداء، ثم جعل حد حقيقي لتلك الدماء الغزيرة التي تراق على مذبح الشهوات الاستعمارية، ولتلك الأموال الطائلة التي تؤخذ من عرق جبين الشعب البرئ، ثم تنفق عبثا، ولذلك الحقد الذي ما فتئ ينمو بسرعة وخطورة في نفوس المظلومين.
مطالب الجزائريين من فرنسا
إن مطلب الجزائر وإن كان مختصرا جدا، لأنها لا ترضى اليوم بغير الاستقلال التام، ولكن بما أن كلمة الاستقلال مطاطة جدا، وإن الوضع في الجزائر يختلف عنه في جميع بلاد العالم، لأن فرنسا قد سلبت الجزائريين كل حرياتهم ابتداء من الأسفل إلى أعلى الأعلى، فإني أريد من الحكومة الحاضرة، إذا كانت صادقة النية، جادة في العمل، أن تعمد حالا إلى تحرير الجزائريين ابتداء من الأسفل فصاعدا حتى القمة،
стр. 165
ويمكن أن يتم ذلك بالمرسيم وبجرة قلم. ثم يتلو ذلك مباشرة حرية السيادة والاستقلال، تلك الحرية التي تحتاج فعلا إلى مفاوضات وإلى وقت وقد يكون طويلا، وقد يكون قصيرا، والراجح المعقول أن يكون طويلا، وإني أعلن نصيحتي لكم يا دولة الرئيس، وأنذركم في آن واحد، بأن الأمة الجزائرية عن بكرة أبيها لا يمكن أن تثق بأي حكومة فرنسية، لا تبادر أولا وقبل كل شيء إلى إزالة مظاهر الرق والاستعباد عليها. ولو أن هذه الحكومة قد قبلت فعلا بالاستقلال وأعلنته على الملأ. إذا كان مجرد ألفاظ خداعة لا يصحبها أبسط الدلائل. في عالم الأعمال.
لذلك أرى أن أضع بين أيديكم هذه الحلول العملية وأدعوكم إلى تنفيذها بصدق وجرأة، وإلا كان اليأس منكم ومن حكومتكم لا قدر الله، وإني أقسم هذه الحلول إلى سلبية وإيجابية، أبدأ بالحلول السلبية لأنها هي مظهر الرق عندنا ولأنها لا تكلفكم لا وقتا ولا مالا، فيجب أن تتخذوا فورا الإجراءات الآتية:
١ - إلغاء ذلك الذي يسمى بالدستور الجزائري، وهو كما تعلمون دستور استعماري محض، لا ناقة للجزائريين فيه ولا جمل.
٢ - إلغاء المجلس الجزائري لأنه من بنات هذا الدستور، ولأنه سبة في تاريخ الديمقراطية الفرنسية.
٣ - إلغاء نظام جميع المجالس المحلية القديمة، من بلدية، وعملية، وغيرها، لأنه استعماري، مخجل لتاريخكم.
٤ - إلغاء الأحواز الممتزجة وجميع بقايا القانون الأهلي، لأنه لا يليق إلا بهمجية العصور المظلمة واستبدال حكام الأحواز والمحافظات الفرنسيين بحكام مسلمين.
٥ - إعلان حرية الدين الإسلامي، الذي شمله استعماركم منذ قرن وربع، خلافا للمبادئ الإنسانية منذ عرفت الحضارة حتى اليوم، وتسليم جميع شؤونه لأهله يتصرفون فيها كما يشاؤون من غير دخل فيه للغير من قريب أو بعيد.
стр. 166
٦ - إعلان مبدأ وجوب التعويض الكامل على جميع الأوقاف التي اغتصبها الاستعمار ظلما وعدوانا، واعتماد عدة مليارات من ميزانية فرنسا والجزائر حالا لتبتدئ بها عملها وزارة الأوقاف، أو مديرية الأوقاف التي يجب أن تنشأ حالا.
٧ - إعلان عفو عام على جميع المسجونين والمعتقلين والمبعدين السياسيين، من غير قيد ولا شرط.
٨ - إعلان حرية القول والاجتماع والنشر وتأسيس الهيئات.
٩ - إيقاف جميع العمليات الحربية والبوليسية حالا، وسحب كل القوات الزائدة على المعتاد إلى فرنسا وتسريحها.
هذه هي بعض الحلول السلبية السريعة التي أرى وجوب تنفيذها حالا من غير أدنى تردد، لتكون دليلا على حسن نيتكم وصدق جديتكم، وإلا فإن معنى ذلك أن الذي يمتنع عن دفع دينار من حقوق الغير، لا يمكن بحال أن يسمح بدفع المليون.
وأما الحلول الإيجابية فإني أجملها فيما يلي:
١ - إعلان حق الجزائر في السيادة والاستقلال، وإقامة علاقات ودية تعاونية بين البلدين، تتفق عليها حكومات مفوضة ذات صلاحية رسمية.
٢ - تأسيس حكومة جزائرية حالا، على غرار الحكومة المراكشية بجميع الصلاحيات، ولا بأس أن يظل رئيس الدولة في فترة الانتقال هو الحاكم العام الفرنسي، حتى يتم انتخاب رئيس جمهورية جزائري، كما جرى في السودان.
٣ - اعتبار قيادة الثورة الآن هي وحدها، أو من تفوضه اللسان الرسمي للشعب الجزائري، وهي وحدها التي تستطيع أن تدخل في المفاوضات الأولية، حتى تتألف الحكومة الجزائرية فعلا، فتحل محلها، وأن يكون الاعتراف بالثورة كطرف شريف أمرا رسميا.
стр. 167
٤ - بعد تأليف الحكومة الجزائرية مباشرة يجب أن تتحول قوات الثوار إلى نواة جيش جزائري وطني حر يتبع الحكومة الجزائرية رأسا.
٥ - يجب أن يشرع حالا وبالتدرج في جزأرة الوظائف الرئيسية في الدولة، فيحل الجزائريون محل الفرنسيين أو المتفرنسين بالنسب المعقولة.
٦ - تتولى الحكومة الجزائرية الوطنية عقب تأليفها أو حينما ترى الوقت مناسبا إجراء إنتخابات حرة لجمعية تأسيسية تضع الدستور الجزائري العتيد، وتقوم مؤقتا مقام مجلس النواب في سن القوانين، ومراقبة الحكومة.
٧ - تتولى الحكومة الجزائرية إجراء انتخابات جديدة لجميع المجالس المحلية على أساس قانون ديمقراطي جديد.
٨ - إعلان رسمية اللغة العربية في جميع دوائر الدولة، وإخضاع ميزانية المعارف لتنفيذ ذلك.
٩ - تتولى الحكومة الجزائرية الحرة إجراء مفاوضات مع فرنسا لأجل تحديد العلاقات بين البلدين، وعقد معاهدة صداقة وتعاون بينهما، ويكون المجلس المنتخب هو صاحب الحق في مناقشة الاتفاقات والتصدق عليها.
١٠ - ينبغي - عملا بقاعدة التعاون - أن تساعد فرنسا على توحيد المغرب العربي في دولة واحدة أو متحدة، ونعتقد أن ذلك في مصلحتها ومصلحتنا جميعا. وإلا فلا يجوز على الأقل أن تعارض أو تعاكس.
حلول سلبية أو إيجابية ...
هذه هي الحلول السلبية والإيجابية التي أرى المبادرة إلى اعتمادها، إذا أردنا بصدق الوصول إلى حل حقيقي لقضية المغرب العربي عامة، ولقضية الجزائر خاصة، وستكون فرنسا هي الكاسبة إذا لم نتردد في سلوك هذا الطريق القويم، فإن إنكلترا
стр. 168
قد سلكت مثله من قبل ولم تكن أقل رغبة في الاستعمار، ولا كانت أقصر نظرا أو أقل تجربة، ومع ذلك فقد خرجت من الهند ومن الباكستان، وكان الناس من قبل يعتقدون أنها قد تخرج من لندن، ولن تخرج من إمبراطورية الهند الحبيبة، ولكنها خرجت مختارة من غير أن تراق قطرة واحدة من الدم، بل بعثت الجنرال (منتباين) ليقول لهؤلاء الهنود، ويعلن في ملأ من الدنيا - أن بريطانيا قد قررت الخروج من الهند بعد سنة من هذا الإعلان، فليدبر أهل البلاد أمرهم من الآن، وقد كان ذلك فعلا، فاستقلت الهند، واستقلت الباكستان، وكسبت بريطانيا صداقتهم، وحفظت جميع مصالحها المعقولة عندهم، وظهرت في الوقت نفسه أمام العالم بمظهر من يقدر الديمقراطية، وحق جميع الناس في الحرية والاستقلال. وقد فعلت بريطانيا مثل ذلك مع الشعوب أقل قدرة من الهند، فعلت ذلك مع بورما، ومع سيلان، وأخيرا مع السودان، وهي في الطريق الآن لتفعله مع قبرص، والملايو والماوماو.
وما كانت في هذه السياسة خاسرة، نرجو أن يمثل وزيركم المقيم في الجزائر في نفس الدور الذي مثله الجراد (منتباين) في الهند، إذ لسنا نحن أقل إنسانية من الوثنيين الهنود، ولستم أنتم أقل حاجة إلى صداقة الشعوب من الإنكليز ولا أنتم أقل إدعاء للحرية والديمقراطية من الروس والأمريكان، وإن لم تفعلوا - لا سمح الله -:
فوالله لا يحكم بينكم وبين هذه الأمة الجبارة، إلا السيف حتى النصر أو حتى الفناء.
يا جناب الرئيس - إن الذي يدعوكم إلى هذه المبادئ الإنسانية والحلول الكريمة السليمة ليس هو ضحية من ضحاياكم، وإنما الذي يدعوكم هو:
أولا: تاريخكم العريق الذي تنكر له بعض أسلافكم، وبعض مستغليكم أبشع تنكر.
ثانيا: شعبكم الذي استفتيتموه من قريب عن مصلحته أين تكون، هل هي في الحرب أو في السلم - أهي في الحرية وصداقة الشعوب، أو في الاستبداد ومعاداتها. فأفتى هذا الشعب الواعي بما يتفق مع مصلحته وكرامته وتاريخه
стр. 169
فكونوا أنتم أمناء على هذه الوكالة، وإلا فإن عقابه القاسي لكم بالمرصاد، وإلا فإن انتخابات أخرى جديدة ستحمل إلى المجلس صنفين اثنين لا ثالث لهما (الشيوعيون) (والبوجاديون) لأنهم في هذه المعاني أقرب إلى عقلية الشعب الفرنسي وعواطفه ومصالحه، وإلى الواقعية والمثالية معا من سواهم، ونحن مستعدون لنقول إلى كل من يحسن إلينا أحسنت، وإلى كل من يسيء إلينا أسأت من غير نظر إلى مذهبه وعقيدته. ولقد علمنا داهية أوروبا (المستر تشرشل) أن نتعاون مع الشيطان إذا كان ذلك في سبيل وطننا وأمتنا.
وبعد؛ فإني أعرف جيدا بأن سفاراتكم في هذا الشرق مهتمة فعلا بكل ما يقال لدولتكم أو عليكم، وأنها ترفع ذلك إلى الحكومة بحذافيره من غير طلب ولا رجاء ومع ذلك فإني أرجو من سفارتي بيروت ودمشق بصفة خاصة بأن ترفع إلى دولتكم، وإلى الخارجية القرنسية نسخة مترجمة من هذا الكتاب المفتوح الذي بعث منه نسخة لكل منهما، ثم أرجو أخيرا من دولتكم أن تطلعوا عليه حكومتكم ومجلسكم، وأرجو لكم مرة أخرى في مهمتكم الشاقة كل توفيق والسلام من المخلص.
الفضيل الورتلاني
صدى ثورة الجزائر في الشرق
ما كادت ثورة نوفمبر سنة ١٩٥٤، تندلع نيرانها في الجزائر، حتى ارتفعت أصوات الجزائريين الأحرار، في كل بقعة من الشرق والغرب، وكان في مقدمة من سارع إلى توجيه نداءات للثوار وللأمة، مؤيدا ومشجعا ومحرضا، مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة.
الذي كان يمثله، الأستاذ البشير الإبراهيمي، والأستاذ الفضيل الورتلاني.
ونحن نقدم هنا بعض تلك البيانات:
стр. 170
إلى الثائرين الأبطال من أبناء الجزائر اليوم
حياة أو موت = بقاء أو فناء
نشر في حينه بالجرائد المصرية وغير المصرية ٣ نوفمبر سنة ٩٥٤ا
حياكم الله أيها الثائرون الأبطال، وبارك في جهادكم، وأمدكم بنصره وتوفيقه، وكتب ميتكم في الشهداء الأبرار، وحيكم في عباده الأحرار.
لقد أثبتم بثورتكم المقدسة هذه، عدة حقائق:
الأولى: أنكم سفهتم دعوى فرنسا المفترية، التي تزعم أن الجزائر راضية مطمئنة، فأريتموها أن الرضى بالاستعمار كفر، وأن الاطمئنان لحكمه ذل، وأن الثورة على ظلمها فرض.
الثانية: إنكم شددتم عضد إخوانكم, المجاهدين في تونس ومراكش، وقويتم آمالهم في النصر، وثبتم عزائمهم في الجهاد، وقد كان من حقهم الثابت، أن ينتظروا هذه النجدة منكم، فجئتم بها في وقتها، وكفرتم عن التقصير في هذه المباغتة المفزعة لعدوكم.
الثالثة: إنكم وصلتم بثورتكم هذه، حلقات الجهاد ضد المعتدين الظالمين، الذي كان طبيعة دائمة في الجزائري منذ كان، وكشفتم عن حقيقته الرائعة، في إباء الضيم، والموت في سبيل العزة، وجلوتم عن نفسيته الجبارة، ما علق بها في السنين الأخيرة من صدأ الفتور.
стр. 171
الرابعة: إنكم بيضتم وجوها، وأقررتم عيونا، وسررتم نفوسا، مملوءة بحبكم، معجبة بصفحاتكم القديمة، في الجهاد راثية لحالتكم الحاضرة.
أيها المجاهدون الأحرار:
إن فرنسا لم تترك دينا ولا دنيا، فأوقافكم مصادرة، لم يبق منها أثر ولا عين، ومساجدكم حولت إلى كنائس، ومرافق عامة، وأرضكم الغنية مغضوبة، مستباحة، وكرامتكم مهدورة، وقد أراقت فرنسا من دماء أبنائكم أنهرا، في الحروب الاستعمارية الإجرامية، ولا تزال حتى الآن تطمع في تسخير الملايين منكم، لإذلال الأحرار من أمثالكم، بما فعلت في مدغشقر والهند الصينية، ولا تزال تساوم بكم، وبخيرات أرضكم، الدول الكبرى لمصالحها، كأنكم ضرب من البضاعة، ولقد عرفنا من خبث فرنسا، ما يحملنا على الاعتقاد، بأن ما تنويه من غدر، وما تخفيه من خبث فرنسا، ما يحملنا على الإعتقاد، بأن ما تنويه من غدر، وما تخفيه من حقد، أعظم من أن يوصف، فانتبهوا أشد الانتباه.
أيها الأحرار الجزائريون - أيها المكافحون في جميع أقطار المغرب العربي.
إعلموا .. أن الجهاد للخلاص من هذا الإستعباد، قد أصبح اليوم واجبا عاما مقدسا، فرضه عليكم دينكم، وفرضته قوميتكم، وفرضته رجولتكم، وفرضه ظلم الاستعمار الغاشم الذي شملكم ثم فرضته أخيرا مصلحة بقائكم، لأنكم اليوم أمام أمرين: إما حياة أو موت، إما بقاء كريم أو فناء شريف.
عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة الفضيل الورتلاني
стр. 172
ثلاث صرخات ...
نداء حول ثورة الجزائر
والمغرب العربي
الأولى موجهة إلى ذات الآذان الصماء عن الحق، وعن عويل الباكين .. فرنسا التي تتمارى بالنذر، وتعمى عن الحقائق، وتكفر بسنن الله في أمثالها من الظالمين، وتسجد للأقوياء، وتتأله على الضعفاء.
هذه نتيجة سياستك البليدة، وهذا جني غرسك الخبيث، زرعت الحنظل فتجرعي مرارته، وحاربت الله في دينه، ومحارب الله محروب، فأخزاك في جميع المواقف، ورماك بالإفلاس في المال، والرجال، والرأي، والسياسة، حاولت أن تقطعي ما وصل الله، من أجزاء الشمال الإفريقي، وأن لا تجمعينا إلا في بلاياك ومصائبك، فكان ظلمك أكبر جامع لشملها، وأعظم موحد لها، في بغضك، ثم في الثورة عليك، ويا ويحك إذا انفجرت عليك، موجات الغضب من القلوب المملوءة حقدا عليك، والصدور التي ضاقت بظلمك وطغيانك، وقد رأيت وسترين ما يقض مضجعك.
ابتلعت المغرب العربي قطعة قطعة، وستخرجين منه دفعة واحدة بإذن الله. والصرخة الثانية .. موجهة إلى أبناء المغرب العربي كلهم:
اعلموا أيها المواطنون الأحرار: أن مهر الحرية غال، وأنه لا ينقذ إلا دماء تراق، ونفوسا تزهق، فوطنوا أنفكم على تحمل الشدائد والمكاره، وأن وطنكم عزيز فادفعوا في تحريره الثمن الباهظ.
стр. 173
إنكم قمتم بواجب، لا يقبل منكم أداؤه، إلا بالمحبة وطهارة القلوب، واقتحمتم ميدانا لا تنتصرون فيه، إلا بالاتحاد وجمع الكلمة، وتسوية الصفوف، وتنظيم الخطط، والصبر على البلاء، في الأنفس والأموال، لأن كل بلاء يصيبكم في هذا السبيل، فبلاء الاستعمار البغيض أشد منه وأنكى.
أيها الأحرار ﴿اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ آل عمران: ٢٠٠.
والصرخة الثانية: موجهة إلى الشعوب العربية وحكوماتها:
يا أبناء العمومة: إن هذه الشعوب الثائرة، تونس والجزائر ومراكش، هم إخوانكم، وأجزاء جسمكم، ونصف عددكم، والقطع الخصيبة من وطنكم، والسهام الرابحة من رأس مالكم، وقد ابتلاهم الله باستعمار منهوم، لم يترك لهم درهما في جيب، ولا ريشة في جناح، ولا عقلا في دماغ، فإذا ثاروا اليوم، فإنما يثورون لشرف هو شرفكم، وكرامة هي كرامتكم، فالآن وجب حق الأخ على أخيه، من إسعاف يشد العزيمة، ونجدة تقوي الأمل، وإن عدوهم هو عدوكم لم تجدوه دائما، إلا في مواطن الخذلان لكم، وجلب الشر إليكم، وكفى بموقفه منكم في قضية فلسطين.
أما المجاملات، فإنها لا تنفع مع هؤلاء المتألهين، فاروهم من أنفسكم القوة، والمعاملة بالمثل يحترموكم.
أنتم قادرون إن شاء الله، على نجدة إخوانكم في موقفهم الفاصل، الذين هم فيه، وعارفون بوجوه النجدة، ولا تحتاجون - بحمد الله - إلى من يعرفكم بواجب، أو يدلكم على كيفية أدائه، وإنما نحن مذكرين المتألم، وذكرى المألم تنفع المؤمنين.
عن مكتب جمعية الجزائريين بالقاهرة
الفضيل الورتلاني
стр. 174
نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد ..
نعيذكم بالله أن تتراجعوا ..
أيها المسلمون الجزائريون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حياكم الله وأحياكم، وأحيا بكم الجزائر، وجعل منكم نورا يمشي من بين يديها ومن خلفها. هذا هو الصوت الذي يسمع الآذان الصم، وهذا هو الدواء الذي يفتح الأعين المغمضة، وهذه هي اللغة التي تنفد معانيها إلى الأذهان البليدة، هذا هو المنطق الذي يقوم القلوب الغلف، وهذا هو الشعاع الذي يخترق الحجب والأوهام.
كان العالم يسمع ببلايا الاستعمار الفرنسي لدياركم، فيعجب كيف لم تثوروا وكان يسمع أنينكم وتوجعكم منه، فيعجب كيف تؤثرون هذا الموت البطيء، على الموت العاجل المريح، وكانت تسوق شبابكم إلى المجازر البشرية، في الحروب الاستعمارية، فتموت عشرات الآلاف منكم في غير شرف ولا محمدة، بل في سبيل فرنسا، وتوسيع ممالكها، وحماية ديارها، ولو أن تلك العشرات من الآلاف من أبنائنا ماتوا في سبيل تحرير الجزائر، لماثوا شهداء، وكنتم بهم سعداء.
أيها الإخوان الجزائريون:
أذكروا غدر الاستعمار ومماطلته
احتلت فرنسا وطنكم منذ قرن وربع القرن، وشهد لكم التاريخ، بأنكم قاومتموها مقاومة الأبطال، وثرتم عليها مجتمعين ومتفرقين، نصف هذه المدة، فما رعت في حربها لكم دينا ولا عهدا، ولا قانونا ولا إنسانية، بل ارتكبت كل أساليب الوحشية، من تقتيل النساء والأطفال والمرضى، وتحريق القبائل كاملة، بديارها وحيواناتها وقواتها.
стр. 175
ثم حاربتم معها وفي صفها، وفي سبيل بقائها نصف هذه المدة، ففتحت بأبنائكم الأوطان وقهرت بهم أعداءها، ورحمت بهم وطنها الأصلي، فما رعت لكم جميلا، ولا كافأتكم بجميل، بل كانت تنتصر بكم، ثم تخذلكم، وتحيا بأبنائكم، ثم تقتلكم، كما وقع لكم معها في شهر مايو سنة ١٩٤٥، وما كانت قيمة أبنائكم، الذين ماتوا في سبيلها، وجلبوا لها النصر، إلا أنها نقشت أسماء بعضهم في الأنصاب التذكارية، فهل هذا هو الجزاء؟
طالبتموها بلسان الحق، والعدل والقانون، والإنسانية، من أربعين سنة، بأن ترفق بكم، وتنفس عنكم الخناق قليلا، فما استجابت، ثم طالبتموها، بأن ترد عليكم حقوقكم الآدمية، فما رضيت، ثم طالبتموها بحقكم الطبيعي، يقركم عليه كل إنسان، وهو إرجاع أوقافكم ومعابدكم وجميع متعلقات دينكم، فأغلقت آذانها في إصرار وعتو، ثم ساومتموها على حقوقكم السياسية بدماء أبنائكم الغالية التي سالت في سبيل نصرها، فعميت عيونها عن هذا الحق، الذي يقرره حتى دستورها، ثم هي في هذه المراحل كلها، سائرة في معاملتكم من فظيع إلى أفظع.
أيها الإخوة الجزائريين الأبطال:
لم تبق لكم فرنسا شيئا تخافون عليه، أو تدارونها لأجله، ولم تبق لكم خيطا من الأمل تتعللون به، أتخافون على أعراضكم وقد انتهكتها. أم تخافون على الحرمة وقد استباحتها، لقد تركتكم فقراء تلتمسون قوت اليوم فلا تجدونه؟ أم تخافون على الأرض وخيراتها، وقد أصبحتم فيها غرباء حفاة عراة جياعا، أسعدكم من يعمل فيها رقيقا، زراعيا يباع معها ويشتري، وحظكم من خيرات بلادكم، النظر بالعين والحسرة في النفس؟ أم تخافون على القصور، وتسعة أعشاركم يأوون إلى الغيران كالحشرات والزواحف؟ أم تخافون على الدين؟ ويا ويلكم من الدين الذي لم تجاهدوا في سبيله، ويا ويل فرنسا من الإسلام، ابتلعت
стр. 176
أوقافه وهدمت مساجده، وأذلت رجاله، واستعبدت أهله، ومحت آثاره من الأرض، وهي تجهد في محو آثاره من النفوس.
أيها الإخوة المسلمون:
إن التراجع معناه الفناء
إن فرنسا لم تبق لكم دينا ولا دنيا، وكل إنسان في هذا الوجود البشري، إنما يعيش لدين ويحيا بدنيا، فإذا فقدهما فبطن الأرض خير له من ظهرها.
وإنها سارت بكم من دركة إلى دركة، حتى أصبحت تتحكم في عقائدكم، وشعائركم، وضمائركم، فالصلاة على هواها لا على هواكم، والحج بيدها لا بأيديكم، والصوم برؤيتها لا برؤيتكم، وقد قرأتم وسمعتم من رجالها المسؤولين، عزمها على إحداث (إسلام جزائري) ومعناه إسلام ممسوخ، مقطوع الصلة بمنبعه في الشرق وبأهله من الشرقيين.
إن الرضا بسلب الأموال، قد ينافي الهمة والرجولة، أما الرضى بسلب الدين والاعتداء عليه فإنه يخالف الدين، والرضى به كفر بالله وتعطيل للقرآن.
إنكم في نظر العالم العاقل المنصف، لم تثوروا، وإنما أثارتكم فرنسا بظلمها الشنيع وعتوها الطاغي، واستعبادها الفظيع لكم قرنا وربع قرن، وامتهانها لشرفكم وكرامتكم، وتعديها المريع على مقدساتكم.
إن أقل القليل مما وقع على رؤوسكم من بلاء الاستعمار الفرنسي، يوجب عليكم الثورة عليه، من زمان بعيد، ولكنكم صبرتم، ورجوتم من الصخرة أن تلين، فطمعتم في المحال، وقد قمتم الآن قومة المسلم الحر الأبي فنعيذكم بالله وبالإسلام، أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم، إن التراجع معناه الفناء الأبدي والذل السرمدي.
стр. 177
إن شريعة فرنسا، أنها تأخذ البريء بذنب المجرم، وأنها تنظر إليكم مسالمين أو ثائرين نظرة واحدة، وأنها عدو لكم وأنكم عدو لها، والله لو سألتموها ألف سنة، لما تغيرت نظريتها العدائية لكم، وهي بذلك مصممة على محوكم، ومحو دينكم وعروبمكم، وجميع مقوماتكم.
إنكم مع فرنسا، في موقف لا خيار فيه، ونهايته الموت، فاختاروا ميتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت.
إنكم كتبتم البسملة بالدماء، في صفحة الجهاد الطويلة العريضة، فاملأوها بآيات البطولة التي هي شعاركم في التاريخ، وهي إرث العروبة والإسلام فيكم.
ما كان للمسلم أن يخاف الموت، وهو يعلم أنها كتاب مؤجل، وما كان للمسلم أن يبخل بماله أو بمهجته، في سبيل الله، والانتصار لدينه، وهو يعلم أنها قربة إلى الله، وما كان له أن يرضى الدنية في دينه، إذا رضيها في دنياه.
أخلصوا العمل لله وأخلصوا بصائركم في الله، واذكروا دائما وفي جميع أعمالكم، ما دعاكم إليه القرآن، من الصبر في سبيل الحق، ومن بذل المهج والأموال في سبيل الدين، واذكروا قبل ذلك كله قول الله ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ التوبة: ٤١. وقول الله: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيره بإذن الله والله مع الصابرين﴾ البقرة: ٢٤٩.
أيها الإخوة الأحرار:
هلموا إلى الكفاح المسلح
إننا كلما ذكرنا ما فعلت فرنسا بالدين الإسلامي في الجزائر، وذكرنا فظائعها في معاملة المسلمين، لا لشيء إلا لأنهم مسلمون، كلما ذكرنا ذلك احتقرنا أنفسنا واحتقرنا المسلمين، وخجلنا من الله أن يرانا ويراهم، مقصرين في الجهاد لإعلاء كلمته، وكلما استعرضنا الواجبات وجدنا أوجبها وألزمها في أعناقنا، إنما هو الكفاح المسلح فهو الذي يسقط علينا الواجب، ويدفع عنا وعن ديننا العار، فسيروا على بركة
стр. 178
الله، وبعونه وتوفيقه إلى ميدان الكفاح المسلح، فهو السبيل الواحد إلى إحدى الحسنيين، إما الموت وراءه الجنة، وإما حياة وراءها العزة والكرامة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة محمد البشير الإبراهيمي
الفضيل الورتلاني
القاهرة ١٥ نوفمبر ١٩٥٤
أوسع المعلومات عن بداية الثورة في الجزائر
انفجر بركان الثورة المباركة في الجزائر ليلة اليوم الأول من نوفمبر الحالي، ١٩٥٤ وقد كنا نحن الجزائريين الموجودين خارج الجزائر، نترقب هذه الثورة ونتوقعها، نترقبها لأنها الأمل الوحيد في تحريرنا من التعسف الفرنسي، الذي لا يعرفه إلا من أبلى به، ونتوقعها لأن هذا هو وقتها، ولأن فرنسا لا تفهم إلا هذه اللغة، ولا يفتح آذانها إلا هذا الصوت.
ومضى على الثورة عشرة أيام، ونحن نحترق شوقا إلى الإطلاع على حقيقة ما يجري هناك، وكيف ابتدأت الثورة؟ وما هي العناصر التي قامت عليها؟ وبأية صبغة تصطبغ؟ وإلى أي اتجاه تتجه؟ وهل انتشرت في جميع البلاد، حتى نبني على مقدماتها الصحيحة، نتائج صحيحة. ونستطيع أن نتحدث عليها بالصدق، ونصفها لإخواننا الذين لا يعرفون الجزائر، ونصورها بصورتها الحقيقية من غير مبالغة، نغرهم بها. ولا تقصير يثبط العزائم، وحتى نغذيها بما نستطيع من وقود روحي أو مادي، إذ لا يستطيع العاقل أن يتحدث عن شيء يجهل تفاصيله، وإن كان يعرف أسبابه.
стр. 179
لبثنا هذه المدة نتلقى الأخبار من محطات الإذاعة العالمية، ومن الجرائد المحلية المستقاة من وكالات الأنباء، ولكنها لا تشفي غليلا في هذا الباب، وقد توقعنا في التضليل، حينما تذكر أسماء القرى والأماكن محرفة بسبب الترجمة، وأن استنتاجنا نحن الجزائريين العارفين بأجزاء وطننا، لا يكون صحيحا مفيدا، إلا إذا عرفنا أسماء الأماكن والقرى صحيحة الألفاظ، لنستخرج الفائدة من خلال المواقع والمسافات، وما بينها من التشابه في الخصائص، بحيث تكون طبائعها التكوينية، تتعاضد على ما ينفع الثورة، ويدفعها إلى الدوام والانتشار.
ثورة الجزائر طابعها عسكري حازم
واليوم وصلنا العدد رقم ٢٩٢ من جريدة "البصائر" لسان حال جمعية العلماء الجزائريين، المؤرخ بيوم الجمعة ٩ ربيع الأول سنة ١٣٧٤ الموافق ٥ نوفمبر سنة ١٩٥٤ وهو أول عدد يصلنا بعد الثورة.
وفي افتتاحيته سرد مرتب للحوادث التي وقعت في ساعة واحدة من الليلة الأولى للثورة، ففهمنا من هذا السرد المجرد من التعاليق أشياء كثيرة، منها أن وقوع عدة حوادث في لحظة واحدة، يشهد بحسن التدبير والنظام والإحكام، ومنها أن الثورة شعبية غير متأثرة بالتأثيرات الحزبية، ومنها أن طابعها عسكري حازم، عارف بمواقع التأثير.
وها نحن أولا ننشر جدول الحوادث التي وقعت في ظرف ست ساعات من ليلة واحدة، نقلا عن العدد المذكور من "البصائر"، وقد استندت فيه إلى شهادة المعاينة، وإلى الرسميات:
стр. 180
الليلة الليلاء ... ليلة ١ نوفمبر سنة ١٩٥٤
بداية ثورة الجزائر المباركة
فوجئت البلاد الجزائرية، بعدد عظيم من الحوادث المزعجة، وقعت كلها ما بين الساعة الواحدة والساعة الخامسة من صبيحة الاثنين غرة نوفمبر ١٩٥٤، وهو عيد ذكرى الأموات. ولقد بلغ عدد تلك الحوادث ما يزيد عن الثلاثين ما بين الحدود التونسية وشرقي عمالة وهران، إلا أن عمالة قسنطينة وخاصة جهاتها الجنوبية كانت صاحبة المقام الأول فيها، وكانت تتركز الحوادث في جهات جبال أوراس، وفي خط يسير من باتنة إلى خنشلة، ثم يشمل الجنوب.
وتلي عمالة قسنطينة بعض جهات العمالة الجزائرية، كبلاد القبائل والعاصمة الجزائرية وبوفاريك.
إننا إلى حد هذه الساعة، لا نملك التفاصيل المقنعة عن هذه الحوادث، وأسبابها، وليس بين أيدينا إلا ما تناقلته الصحف وشركات الأخبار، فلا نستطيع أن نعلق عليها أدنى تعليق، إلى أن تتبين لنا طريق الصواب، فليس من شأن "البصائر" أن تتسرع في مثل هذه المواطن.
لكننا من جهة أخرى رأينا أنه لا يمكن أن يخلو هذا العدد من جريدتنا من ذكر هذه الحوادث، التي تناقلت صحف العالم بأسره تفاصيله، فقررنا الاكتفاء بذكر أهمها، تاركين للزمن كشف الحقائق عن أسرارها، ولسوف نتتع ذلك بالدقة والاهتمام.
مدينة الجزائر: انفجرت قنبلة من المصنع المحلي أمام بوابة راديو "الجزائر" فأحدثت به ضررا، وقد وجدت قنبلتان لم تنفجرا.
следующие страницы →