← Общие книги

Общие книги · id 123664

الجزائر الثائرة

الفضيل الورتلاني

Полный текст (484 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أوقافه وهدمت مساجده، وأذلت رجاله، واستعبدت أهله، ومحت آثاره من الأرض، وهي تجهد في محو آثاره من النفوس. أيها الإخوة المسلمون: إن التراجع معناه الفناء إن فرنسا لم تبق لكم دينا ولا دنيا، وكل إنسان في هذا الوجود البشري، إنما يعيش لدين ويحيا بدنيا، فإذا فقدهما فبطن الأرض خير له من ظهرها. وإنها سارت بكم من دركة إلى دركة، حتى أصبحت تتحكم في عقائدكم، وشعائركم، وضمائركم، فالصلاة على هواها لا على هواكم، والحج بيدها لا بأيديكم، والصوم برؤيتها لا برؤيتكم، وقد قرأتم وسمعتم من رجالها المسؤولين، عزمها على إحداث (إسلام جزائري) ومعناه إسلام ممسوخ، مقطوع الصلة بمنبعه في الشرق وبأهله من الشرقيين. إن الرضا بسلب الأموال، قد ينافي الهمة والرجولة، أما الرضى بسلب الدين والاعتداء عليه فإنه يخالف الدين، والرضى به كفر بالله وتعطيل للقرآن. إنكم في نظر العالم العاقل المنصف، لم تثوروا، وإنما أثارتكم فرنسا بظلمها الشنيع وعتوها الطاغي، واستعبادها الفظيع لكم قرنا وربع قرن، وامتهانها لشرفكم وكرامتكم، وتعديها المريع على مقدساتكم. إن أقل القليل مما وقع على رؤوسكم من بلاء الاستعمار الفرنسي، يوجب عليكم الثورة عليه، من زمان بعيد، ولكنكم صبرتم، ورجوتم من الصخرة أن تلين، فطمعتم في المحال، وقد قمتم الآن قومة المسلم الحر الأبي فنعيذكم بالله وبالإسلام، أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم، إن التراجع معناه الفناء الأبدي والذل السرمدي.

стр. 177

إن شريعة فرنسا، أنها تأخذ البريء بذنب المجرم، وأنها تنظر إليكم مسالمين أو ثائرين نظرة واحدة، وأنها عدو لكم وأنكم عدو لها، والله لو سألتموها ألف سنة، لما تغيرت نظريتها العدائية لكم، وهي بذلك مصممة على محوكم، ومحو دينكم وعروبمكم، وجميع مقوماتكم. إنكم مع فرنسا، في موقف لا خيار فيه، ونهايته الموت، فاختاروا ميتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت. إنكم كتبتم البسملة بالدماء، في صفحة الجهاد الطويلة العريضة، فاملأوها بآيات البطولة التي هي شعاركم في التاريخ، وهي إرث العروبة والإسلام فيكم. ما كان للمسلم أن يخاف الموت، وهو يعلم أنها كتاب مؤجل، وما كان للمسلم أن يبخل بماله أو بمهجته، في سبيل الله، والانتصار لدينه، وهو يعلم أنها قربة إلى الله، وما كان له أن يرضى الدنية في دينه، إذا رضيها في دنياه. أخلصوا العمل لله وأخلصوا بصائركم في الله، واذكروا دائما وفي جميع أعمالكم، ما دعاكم إليه القرآن، من الصبر في سبيل الحق، ومن بذل المهج والأموال في سبيل الدين، واذكروا قبل ذلك كله قول الله ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ التوبة: ٤١. وقول الله: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيره بإذن الله والله مع الصابرين﴾ البقرة: ٢٤٩. أيها الإخوة الأحرار: هلموا إلى الكفاح المسلح إننا كلما ذكرنا ما فعلت فرنسا بالدين الإسلامي في الجزائر، وذكرنا فظائعها في معاملة المسلمين، لا لشيء إلا لأنهم مسلمون، كلما ذكرنا ذلك احتقرنا أنفسنا واحتقرنا المسلمين، وخجلنا من الله أن يرانا ويراهم، مقصرين في الجهاد لإعلاء كلمته، وكلما استعرضنا الواجبات وجدنا أوجبها وألزمها في أعناقنا، إنما هو الكفاح المسلح فهو الذي يسقط علينا الواجب، ويدفع عنا وعن ديننا العار، فسيروا على بركة

стр. 178

الله، وبعونه وتوفيقه إلى ميدان الكفاح المسلح، فهو السبيل الواحد إلى إحدى الحسنيين، إما الموت وراءه الجنة، وإما حياة وراءها العزة والكرامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة محمد البشير الإبراهيمي الفضيل الورتلاني القاهرة ١٥ نوفمبر ١٩٥٤ أوسع المعلومات عن بداية الثورة في الجزائر انفجر بركان الثورة المباركة في الجزائر ليلة اليوم الأول من نوفمبر الحالي، ١٩٥٤ وقد كنا نحن الجزائريين الموجودين خارج الجزائر، نترقب هذه الثورة ونتوقعها، نترقبها لأنها الأمل الوحيد في تحريرنا من التعسف الفرنسي، الذي لا يعرفه إلا من أبلى به، ونتوقعها لأن هذا هو وقتها، ولأن فرنسا لا تفهم إلا هذه اللغة، ولا يفتح آذانها إلا هذا الصوت. ومضى على الثورة عشرة أيام، ونحن نحترق شوقا إلى الإطلاع على حقيقة ما يجري هناك، وكيف ابتدأت الثورة؟ وما هي العناصر التي قامت عليها؟ وبأية صبغة تصطبغ؟ وإلى أي اتجاه تتجه؟ وهل انتشرت في جميع البلاد، حتى نبني على مقدماتها الصحيحة، نتائج صحيحة. ونستطيع أن نتحدث عليها بالصدق، ونصفها لإخواننا الذين لا يعرفون الجزائر، ونصورها بصورتها الحقيقية من غير مبالغة، نغرهم بها. ولا تقصير يثبط العزائم، وحتى نغذيها بما نستطيع من وقود روحي أو مادي، إذ لا يستطيع العاقل أن يتحدث عن شيء يجهل تفاصيله، وإن كان يعرف أسبابه.

стр. 179

لبثنا هذه المدة نتلقى الأخبار من محطات الإذاعة العالمية، ومن الجرائد المحلية المستقاة من وكالات الأنباء، ولكنها لا تشفي غليلا في هذا الباب، وقد توقعنا في التضليل، حينما تذكر أسماء القرى والأماكن محرفة بسبب الترجمة، وأن استنتاجنا نحن الجزائريين العارفين بأجزاء وطننا، لا يكون صحيحا مفيدا، إلا إذا عرفنا أسماء الأماكن والقرى صحيحة الألفاظ، لنستخرج الفائدة من خلال المواقع والمسافات، وما بينها من التشابه في الخصائص، بحيث تكون طبائعها التكوينية، تتعاضد على ما ينفع الثورة، ويدفعها إلى الدوام والانتشار. ثورة الجزائر طابعها عسكري حازم واليوم وصلنا العدد رقم ٢٩٢ من جريدة "البصائر" لسان حال جمعية العلماء الجزائريين، المؤرخ بيوم الجمعة ٩ ربيع الأول سنة ١٣٧٤ الموافق ٥ نوفمبر سنة ١٩٥٤ وهو أول عدد يصلنا بعد الثورة. وفي افتتاحيته سرد مرتب للحوادث التي وقعت في ساعة واحدة من الليلة الأولى للثورة، ففهمنا من هذا السرد المجرد من التعاليق أشياء كثيرة، منها أن وقوع عدة حوادث في لحظة واحدة، يشهد بحسن التدبير والنظام والإحكام، ومنها أن الثورة شعبية غير متأثرة بالتأثيرات الحزبية، ومنها أن طابعها عسكري حازم، عارف بمواقع التأثير. وها نحن أولا ننشر جدول الحوادث التي وقعت في ظرف ست ساعات من ليلة واحدة، نقلا عن العدد المذكور من "البصائر"، وقد استندت فيه إلى شهادة المعاينة، وإلى الرسميات:

стр. 180

الليلة الليلاء ... ليلة ١ نوفمبر سنة ١٩٥٤ بداية ثورة الجزائر المباركة فوجئت البلاد الجزائرية، بعدد عظيم من الحوادث المزعجة، وقعت كلها ما بين الساعة الواحدة والساعة الخامسة من صبيحة الاثنين غرة نوفمبر ١٩٥٤، وهو عيد ذكرى الأموات. ولقد بلغ عدد تلك الحوادث ما يزيد عن الثلاثين ما بين الحدود التونسية وشرقي عمالة وهران، إلا أن عمالة قسنطينة وخاصة جهاتها الجنوبية كانت صاحبة المقام الأول فيها، وكانت تتركز الحوادث في جهات جبال أوراس، وفي خط يسير من باتنة إلى خنشلة، ثم يشمل الجنوب. وتلي عمالة قسنطينة بعض جهات العمالة الجزائرية، كبلاد القبائل والعاصمة الجزائرية وبوفاريك. إننا إلى حد هذه الساعة، لا نملك التفاصيل المقنعة عن هذه الحوادث، وأسبابها، وليس بين أيدينا إلا ما تناقلته الصحف وشركات الأخبار، فلا نستطيع أن نعلق عليها أدنى تعليق، إلى أن تتبين لنا طريق الصواب، فليس من شأن "البصائر" أن تتسرع في مثل هذه المواطن. لكننا من جهة أخرى رأينا أنه لا يمكن أن يخلو هذا العدد من جريدتنا من ذكر هذه الحوادث، التي تناقلت صحف العالم بأسره تفاصيله، فقررنا الاكتفاء بذكر أهمها، تاركين للزمن كشف الحقائق عن أسرارها، ولسوف نتتع ذلك بالدقة والاهتمام. مدينة الجزائر: انفجرت قنبلة من المصنع المحلي أمام بوابة راديو "الجزائر" فأحدثت به ضررا، وقد وجدت قنبلتان لم تنفجرا.

стр. 181

ووقعت محاولة إحراق في مستودع زيت الوقود، الذي يملكه مسيو موري، والذي يخزن ثمانية أطنان من البترول في شارع دينان، ولقد تنبه الحرس وأطفأت النيران ولم تقع الكارثة. في مدينة بوفاريك: انفجرت قنبلة في مستودع خزن الفواكه، فاحترق المستودع الذي تبلغ قيمته خمسة ملايين، واحترقت الصناديق الخشبية المعدة للتصدير، وقيمتها ٢٥ مليونا. في بابا علي: وقع إحراق معمل الورق وتمكنت فرق المطافئ، بعد جهد جهيد، من إخماد النيران. في مدينة العزازفة: وقعت مهاجمة دار الجندرمة، ورميت بسبعة وأربعين رصاصة، تبين أنها من رصاص البنادق الطليانية صنع سنة ١٩٤٦. وفي الوقت نفسه، وقع إشعال النار في مستودع البهش "قشر الفرنسان" الذي تملكه إدارة الغابات والمياه، فكانت الخسائر به عظيمة جدا، والتهمته النيران وبلغت قيمة الخسائر نحو الخمسين مليونا. ولقد حطمت في ذلك الوقت أعمدة الأسلاك، التابعة لإدارة البريد، فأصبحت المدينة في عزلة تامة. في بقية بلاد القبائل الكبرى، وحول مدن وقرى: بوغنى - دلس - بويرة - برج أم نايل - آبو - وغيرها، وقع تحطيم وإتلاف أعمدة أسلاك التليفون. في ذراع الميزان: وقع إلتحام قتل فيه أحد حراس الغابة. في تيزي نتليته: قتل أحد حراس الغابة أيضا، إلى غير ذلك من مثل هذه الحوادث، في عدة قرى القبائل. في عمالة وهران: وقعت محاولة تحطيم المولد الكهربائي في وليس، لكن العملية لم تسفر عن خسائر.

стр. 182

في جهة كسان: وقعت مهاجمة إحدى قرى المستعمرين، وجرح أحد الحراس، والتجأ أحد أصحاب الضيعة إلى دار الجندرمة، ولكنه لم يكد يصلها حتى أصابته رصاصة أردته قتيلا ووقعت مهاجمة دار الجندرمة، فجرح فيها أحد حراسها الليليين. في عمالة قسنطينة: كانت الحوادث كثيرة، وخاصة في شرقها وجنوبها. وفي خنشلة: وقعت مهاجمة إدارة الحوز الممتزج، وكوميسارية البوليس، كما وقعت مهاجمة رجال عسكريين، ووقع تحطيم الخزان الكهربائي. وقتل ثلاثة من رجال الجيش. وسحبت السلطة من المنطقة، حراس الغابة والسواجين، ثم احتلت فرقتان عسكريتان إريس، ورفعت عنها الحصار. وأعلنت حالة الحصار، في كامل تلك الجهة، وباتنة وبسكرة وخنشلة، ومنع التجول من الساعة الثامنة وقطعت الأسلاك البرقية على طريق أريس. في بسكرة: وقع تفجير قنبلة أمام المعمل الكهربائي، كما انفجرت قنابل أخرى، أمام الثكنة العسكرية وأمام الكمسارية، وفي محطة السكة الحديدية ولقد جرح أحد البوليس كما جرح أحد الحراس. أما الطريق بين بسكرة وأريس، فقد منع التجول بها، وأخذت طائرة عسكرية تحوم حول كامل تلك الجهات. ولقد أرغم رجال مسلحون، عربة كبيرة على الوقوف، وأنزلوا ركابها، واختاروا ثلاثة، ثم أمروا الباقين بالرجوع إلى مقاعدهم. أما الثالثة: فهم قائد مشاونش، ومعلم فرنسي وزوجه، ولم يمض على زواجهما أكثر من شهرين فقد أطلقوا عليهم الرصاص، فمات القائد والمعلم، وجرحت زوجته جراحا خطيرة، ونقلت إلى مستشفي أريس.

стр. 183

في الأوراس: وهي المنطقة الجبلية الوعرة الشاسعة، وقعت عدة حوادث في شتى الجهات، وكان الرجال المسلحون، يباشرون العمليات، ثم ينسحبون إلى الجبال. ويدمرون وراءهم الجسور، ولقد قتل واحد منهم وجرح آخرون، وحاولوا الاستيلاء على منجم إيشمون، لكنهم انسحبوا، بعد معركة عنيفة، أطلقت، خلالها ستمائة طلقة نارية. وحوصرت مدينة "أريس" المركزية في الأوراس، من طرف الثوار المسلحين. في باتنة: وقع إطلاق الرصاص بقي مدة ساعة من الزمن، كان يسمع على مسافة كيلومترين من المدينة، وهوجمت ثكنة فرقة الشاسور، فقتل بها جنديان، واكتشفت قنبلة في مستودع الثكنات لكنها لم تنفجر. في الخروب: وقع إطلاق القذائف النارية على حارس مستودع الوقود العسكري، لكنه لم يصب بسوء. في السمندو: وقعت مهاجمة دار الجندرمة وكسر بابها الخارجي، وأطلق الرصاص على من كان داخلها وأسفرت كامل هذه الحوادث عن سبعة من القتلى، وعدد من الجرحى لم يعرف بعد. هذه خلاصة وجيزة، عن الأعمال التي وقعت يوم الاثنين، لخصناها بغاية الدقة عن الصحف الفرنسية، ولربما عدنا إليها في مستقبل الأيام بشيء من الإطناب إن اقتضى الحال ذلك. ولقد قابلت الحكومة هذه الحوادث، بتجهيز كامل قواها العسكرية، واستنجدت فرنسا فأمدتها سريعا بثلاثة آلاف من فرق المظلات، وسلحت البوليس وشددت الحراسة في المدن والقرى، حول الإدارات والجسور وغيرها، ثم ألقت القبض يوم الاثنين والثلاثاء، على جماعات مختلفة في عدة مدن.

стр. 184

ولقد عقد الوالي العام، ندوة صحفية تكلم فيها عن هذه الحوادث فقال إنها حوادث أمليت إملاء من الخارج، واستشهد طويلا بأقوال مذياع "صوت العرب" من القاهرة، وقال إن الذين دبروا هذه الحوادث ونفذوها، يريدون أن يتخذوا منها حجة لدى هيئة الأمم المتحدة، لتنفيذ ما تقوله فرنسا، من أن الأمن مستتب بالقطر الجزائري. أما الصحف الفرنسية، فقد انقسمت إلى قسمين، سواء بالجزائر أو بالبلاد الفرنسية، فالقسم المالي المتطرف، ينادي بوجوب الزجر والبطش، واستئصال الداء، بواسطة دراسة عادلة للوضعية الجزائرية، وتحقيق العدل والإنصاف في سائر الميادين، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالمشاكل الكبرى لا تحل بالعنف والبطش والإرهاب، إنما تحل بالدراسة والمفاهمة الصريحة والرجوع إلى الحق. ملاحظات وتعليق: عظمة الثورة ومغزاها هذه الأعمال الحربية كلها وقعت من ثوار الجزائر في ليلة واحدة وفي بضع ساعات من بداية قيام العمليات الحربية، والعارفون بجغرافية الجزائر، هم وحدهم، الذين يستطيعون أن يقدروا عظمة هذه الأعمال الجبارة، ويدركوا مغزاها، لأنها وقعت متفرقة، في أكثر من سبعين منطقة، تقدر مساحتها، بما يناهز نصف مليون كيلومتر مربع، وعلى مسافات وأبعاد، تقدر بآلاف الكيلومترات، ومع ذلك كله كان البدؤ بجميعها في ساعة من الليل واحدة، ومتجهة كلها إلى نواحي إستراتيجية خطيرة، كالإذاعات والثكنات العسكرية، والإدارات الحساسة ووسائل المواصلات على اختلافها، وما أشبه ذلك، الأمر الذي يدل على أنها حرب تحريرية جديدة لا مجرد مظاهرة عابرة، وعلى أن الشعب كله على اختلاف أفراده وجماعاته، لها مؤيدة، وتدل في الوقت نفسه، على نظام للثورة بديع ومدروس، وعلى قيادة عسكرية موحدة مطاعة، وعلى استعداد لمواصلة العمل الجدي حتى النصر النهائي والاستقلال التام. عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة الفضيل الورتلاني

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (*)

стр. 186

رسالة من الورتلاني إلى حكومة مراكش الحرة المنار الحياة بيروت المساء بيوت نوفمبر ١٩٥٥ إلى حضرة صاحب الدولة، ريس حكومة مراكش الحرة السيد محمد البكاي وإلى أصحاب المعالي وزارائه الكرام، حفظهم الله جميعا. السلام عليكم، وعلى وزراتكم الأبرار، بقدر ما تبذلون من جهود كريمة جبارة، في سبيل تحرير الوطن .. وبعد: لأول مرة في التاريخ، بعد مأساة الاحتلال الإفرنسي لوطننا العزيز (مراكش) تتألف حكومة وطنية حرة، تشرفتم برئاستها، ومن فضل الله الذي لا نستطيع أن نوفيه حقه من الشكر، أن هيأ ظروفا كريمة تجعل كون أعضاء هذه الحكومة، من خيرة رجالنا، وطنية وشبابا، أمرا ميسورا، ومن تمام ذلك الفضل العظيم، أن يكون مرجع هذه الحكومة الشريفة، هو سلطان البلاد الشرعي، الذي دل بثباته الرائع، وتضحياته الخطيرة على صدق في الرجولة، وعزيمة في الوطنية، لم تكن معهودة، في الملوك والسلاطين، الذين يشبهونه في الوضع منذ العصور المتوغلة في القدم، إلى يوم الناس هذا، نعيذه بالله ونعيذكم من سوء الخاتمة. لا قيمة لحق لا تسنده قوة سيدي الرئيس ... إن الذي تم حتى الآن، من خضوع الاستعمار العتيد، لمبدأ الحق، الذي كان خصما له على الدوام، لم يكن من قبيل الصدف أبدا، إنما كان نتيجة، لمقدمات

стр. 187

وأسباب خطيرة كما تعلمون، من تلك الأسباب، اضطراب العالم كله، وتقسيمه إلى معسكرات جبارة، يهدد بعضها بعضا بالفناء، ومنها ازدياد نفور الرأي العام العالمي البليغ، من الاستعمار، وعده إياه، العامل الأكبر للقلق السائد، الذي أفقد الإنسانية أمنها وسعادتها، ومنها شعور الشعوب المستعمرة نفسها، بأن هذه التجارة البغيضة، إنما هي صناعة عنيفة، لطبقة معينة من أراذلها، وأنها تقيم الحروب المدمرة من أجل فائدتها، هي وحدها، بينما الخاسر دائما للراحة والدماء هم أولئك الشعوب المسكينة المضللة، وقد دلل الشعب الإفرنسي على ذلك في أكثر من مظهر، كان أهمها تمرد بعض جنوده، عن إطاعة الأوامر العسكرية الحازمة، وامتناعهم عن القتال في الجزائر والمغرب العربي، وإعلانهم صراحة، حق المستعمرات في الحرية، وتقرير المصير، أما السبب الأكبر والأهم في نظري لعودة الاستعمار، إلى بعض صوابه، إنما هو موقف الأمة المغربية الرائع النبيل والشامل، من حدود ليبيا إلى ضفاف الإطلنطيك، حينما واجهوا بسلاح متواضع، قوة جبارة، كانت حتى الأمس القريب، تعد الرابعة في العالم، ولم يشذ عن الكفاح والتضحية حتى ملوكهم، فإن أحد هؤلاء مات شهيدا، في المنفى الاستعماري، أعني جلالة المنصف باي، والثاني سلك السبيل نفسه، فلم يخفه مصير سلفه، ولم يمنعه من المجازفة، في سبيل استقلال أمته، أعني جلالة السلطان، سيدي محمد بن يوسف، وأما شعب المغرب العربي - وأكره أن أجعله شعوبا متعددة - فلقد برهن على حيوية ونبل نادرين، وبرهن على وفاء عريق، لدينه ووطنه، ولماضي أسلافه، بما جعل أعز شيء عند الناس، لديه رخيصا، وهو الأمن والحياة، وأنه ليكون من الغفلة، ومن الجحود بمكان، أن نقلل من شأن أعمال الثوار الذين يسميهم الاستعمار، لصوصا وخوارج على القانون، أجل، إنهم خارجون على القانون فعلا، وبارك الله في ذلك الخروج، لأنه خروج على قانون حقير، وضع لاستعبادنا واستغلالنا، هم الذين علموا الدنيا، المبدأ الخالد: (متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار).

стр. 188

سيدي الرئيس إن أملي في همتك، وحسن ظني في إخواني الوزراء، وتقديري لديمقراطية جلالة السلطان الحقة، ومشاركتنا بحمد الله، في بناء هذه الأمة، وفي هدم الاستعمار، منذ نعومة الأظفار، ثم دقة الموقف، وخطورته، لأنه يتعلق بمصير ثلاثين مليونا من الحاضرين، وبمئات الملايين من الأجيال الغائبين، كل ذلك يسمح لي، ويفرض علي في آن واحد، أن أضع بين يدي دولتكم، وبين يدي إخواني الوزراء، هؤلاء الذين أرجو، أن يطلعوا جميعا على هذا الكتاب، الملاحظات الآتية: احذروا غدر الاستعمار أولا: يجب في نظري، أن تحسبوا لغدر الاستعمار، كل حساب استنادا إلى طباعه المشهورة، وإنه لمن الجائز جدا، أن تجدوا أنفسكم في يوم من الأيام، أو في ليلة من الليالي ومن غير سابق إنذار، بين يدي البوليس الاستعماري، وقد يضع الحديد في أيديكم وأرجلكم، وأنتم وزراء الأمة، وتقودكم في الظلام أو في النور، إلى السجن أو المعتقل، كما يقاد القتلة والمجرمون العاديون، وله في ذلك سوابق، سارت بذكرها الركبان، وليست قصة حكومة لبنان، ورئيس جمهوريتها، وقصف مجلس نواب سوريا بالمدافع والقنابل، بالأحداث البعيدة، التي يجوز نسيانها، وعليه فمن الحزم والحكمة، ألا تدعو حياة الكرسي الوثير والمنصب الفخم، لتؤثر على طباعكم بحال، إذا ما نزل ما نزل، من عظماء الرجال، إلا من طريق اعتياد الرفاهية والفخامة، أعانكم الله منها. ثانيا: يجب أن تحترسوا من أساليب الاستعمار الملتوية، وألاعيبه المعهودة، وأنه لا ليبني نية غدره دائمة، على التطويل في المفاوضات، والتسكين، والتخدير بالوعود المعسولة، حتى يكسب الوقت، ويختار الظرف المناسب، لضربته الغادرة، وأنتم بحمد الله أدرى الناس، بأن الاستعمار لا عهد له، وأن لا شرف في كلماته.

стр. 189

وحدة المغرب العربي أمانة مقدسة في أعناقكم ثالثا: لقد لمستم بأنفسكم، ما كان لاتحاد المغرب العربي، وتعاون أبناء أمته، في الكفاح، من أثر فعال، في احترام الدنيا له، وفي الاعتراف بوجوده الكريم، وبحقه في الحياة الحرة وفي الاستقلال، لذلك أناشدكم الله باسم الأجيال، أن تجعلوا قضيته واحدة، لا تفريق فيها، كما جعل الله أمته واحدة، في توحيد دينها وفي جنسها وفي لغتها، وطبيعة أرضها، وفي تقاليدها وصالحها، وحتى في توحيد أعدائها المستعمرين، على أنني لست الآن بصدد وضع الخطط لكم، حتى تكون برنامجا لوسائل تحقيق هذه الوحدة، معاذ الله أن أقصد إلى ذلك، فإن في رجالكم كل الكفاية والحمد لله، بل الغاية طويلة، والعمل التفصيلي، إنما تمليه الظروف اليومية، وإنما مهمتي الآن، أن أذكركم بمبدأ قدسية هذه الوحدة، التي عملنا لها، علم الله منذ ربع قرن ونيف، وإني أرى وجوب وضعها في حساب كل عمل، يعرض لكم، كحكومة تحضيرية، وكل إليها أمر وضع القواعد الأساسية، لمستقبل هذه الأمة العريقة. جيش التحرير هو رأس مالنا المفدى رابعا: لقد وقع إخواننا التونسيين، في خطأ كبير، حينما دعوا المقاتلين الأبرار إلى التسليم، وإلى وضع الأسلحة، فهؤلاء الأبطال المقاتلون، إن كانوا في نظر فرنسا لصوصا، كما تزعم دائما، فيجب أن يكونوا في نظرنا نحن، هم جيش الأمة المظلومة المغلوبة على أمرها، ويجب أن يكونوا في نظرنا، أكثر من مجاهدين عاديين، ولكنهم الزمرة المثالية التي يعود إليها، أكبر الفضل بعد الله في خضوع العدو للاعتراف بنا، والتحدث إلينا، وإخراجنا من السجون والمنافي والمعتقلات، فضلا عن دعوته إيانا، لكون حكاما ووزراء، وعليه فلا يجوز بحال من الأحوال، أن تدعو هذا الجيش المكافح، إلى التسريح، إلا إذا رضيت فرنسا نفسها بأن تسرح جيشها، بل

стр. 190

الواجب والحزم في نظري، أن يبقى هذا الجيش قائما، وأن نعمل على تنميته، حتى بعد الاستقلال الفعلي، ليكون نواة طاهرة، لجيش وطني كريم، وفي ذلك اعتراف متواضع، بفضله من جهة، وفيه اطمئنان إلى أمانته وإخلاصه من جهة أخرى، وإلا فسنضطر حتما، إلى أن نضع قواتنا المسلحة، وأسرارها في أول عهدها، بين يدي رجال مرتزقة، أو مشكوك في وطنيتهم، كما حصل لبعض شقيقاتنا المحترمة، أما عقد هدنة بين الجيشين، بشروط كريمة واضحة، يتفق عليها الطرفان، لمصلحة الجميع، ولمصلحة السلام فذلك أمر لا بأس به، بل مرغوب فيه، بشرط أن تكون هدنة شاملة، ويرضى بها جيش التحرير الموحد، حتى لا يجد الاستعمار، منفذا لتفريقنا، وتوهين قوانا، ثم الغدر بنا في النهاية. خامسا: إن أي غموض أو قيد في النصوص على الاستقلال التام، يجب أن يعتبر سوء نية، من جانب الاستعمار، وحيلة وضعت قصدا للتراجع حين اللزوم. سيدي الرئيس أرجو من كرم أخلاقكم، أن تتقبلوا هذا التذكير المتواضع، من أخ لكم في الوطن والجهاد، بصدر رحب وبعناية تتفق وخطورة المهمة، التي وكلت إلى حكومتكم، كما أرجو مثل ذلك، من إخواننا الوزراء أعزهم الله، وأرجو أن ترفعوا أسمى تحياتي وأعظم إجلالي لجلاله السلطان المعظم، حفظه الله، ذخرا للجهاد والثبات، ورمزا لاستقلال المغرب العربي ووحدته، وأسأل الله جلت قدرته، لكم ولوزرائكم أن يوفقكم لما فيه مصلحة الوطن الكبرى، وأن يسدد خطاكم، ويمدكم بعون من عنده، لإتمام مهمتكم النبيلة المقدسة، والسلام من المخلص. الفضيل الورتلاني

стр. 191

مذكرة عن جمعية العلماء إلى الجامعة العربية عن الجرائد المصرية منبر الشرق والدعوة أغسطس ١٩٥٤ إلى حضرات أعضاء مجلس الجامعة العربية المتحرمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة - يتشرف بأن يعرض على حضراتكم المعلومات والرغبات الآتية: راجيا أن تنال من مجلسكم الموقر كل اهتمام. الشعب الجزائري إن الشعب الجزائري جزء ثمين من الأمة العربية الماجدة، ما زال محتفظا بخصائص العروبة كأقوى ما يكون الاحتفاظ، ومن ثم فهو رأس مال العرب يجب أن تحافظوا عليه. وهو كذلك - جزء له قيمته من الأمة الإسلامية العظيمة، ما زال محتفظا بشعائره، متصلبا في عقائده الكريمة السمحة، ومن ثم فهو رأس مال عظيم للمسلمين يجب عليهم - حيثما كانوا - أن ينظروا إليه نظرة الأخوة المقتضية للنجدة والنصر. فإذا تم للاستعمار الفرنسي ما يريده به، من فرنسة واستعجام، فمعنى ذلك أنه ضاع على العرب والمسلمين - كل باعتباره الخاص - رأس مال عظيم، يقوم في العدد بأحد عشر مليونا، وفي المعنى بذخيرة غالية من ذخائر الإنسانية وفضائلها، من الشجاعة

стр. 192

والكرم، والصبر على مكاره الحياة، والثبات على الخصائص الأصلية، وقوة المقاومة الروحية، والوفاء للأصول التاريخية، والاعتزاز بالمقومات من لغة وجنس ودين. وإذا ضاعت الجزائر، ضاعت معها تونس ومراكش، فضاع على العرب ما يقرب من نصف عددهم، في وقت تتكاثر فيه الأمم القوية بمن ليس من دينها ولا من جنسها. أشنع أعمال فرنسا في الجزائر كانت الجزائر قبل احتلال الفرنسيين لها في سنة ١٨٣٠، دولة مستقلة غنية، تملك خصائص الدولة في ذلك العصر، وأهمها العلم بالدين والدنيا، وفيها من الأوقاف الإسلامية الدارة على العلم والدين، ووجوه البر ما لا يوجد مثله في قطر إسلامي آخر، ومنذ تغلب عليها هذا الاستعمار الفريد في الخبث، وهو يعمل جاهدا على قتل شخصيتها، بالقضاء على الدين واللغة العربية، وكان أول عمل قام به، هو مصادرة الأوقاف الإسلامية، والمعاهد التابعة لها، من مساجد ومدارس وزوايا، وتحويلها إلى كنائس وثكنات، وإصطبلات وميادين ومرافق عامة، ثم أصدرت قانونا لا نعرف له نظيرا، في تاريخ البشرية العاقلة يقضي باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية، في وطنها، وبين أهلها، يتوقف تعليمها على إذن خاص، وشروط ثقيلة وزادت تلك الشروط على الأيام ثقلا وعنتا، حتى أصبحت في السنوات الأخيرة لا تطاق، وأصبح معلم العربية يقف في قفص الاتهام، مع اللصوص والسافكين، وتسري عليه العقوبات مثلهم بالسجن والتغريم والتعذيب. ثم دأب الاستعمار من مائة ونيف وعشرين سنة، على طمس كل أثر للإسلام والعربية، وقطع كل صلة بينهما وبين الشرق، ليتم له مسخ الأمة الجزائرية، وإدماجها في الأمة الفرنسية، ولكن المناعة الطبيعية في هذه الأمة، وتصلبها في المحافظة على التراث الإسلامي المقدس، وعلى خصائصها الشريفة - دفع عنها ذلك البلاء وإنقاذها من ذلك المصير.

стр. 193

لمن يرجع الفضل ؟ يرجع الفضل الأكبر في تسطير تاريخ جديد للجزائر بإحياء الدين، وما يتبعه من لغة وتاريخ وآداب - إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست رسميا سنة ١٩٣١ فقد استطاعت بفضل الله وعونه، أن تقضى على فكرة الاندماج، وغيرها من مقاصد الاستعمار، وأن تضع أساسا متينا للثقافة الإسلامية والعربية في تلك الديار المعزولة، رغم استماتة الفرنسيين في محاربتها، واستطاعت بجهودها الخاصة أن تعمل الأعمال العظيمة الآتي بيانها: مبدأ جمعية العلماء وغاياتها مبدأ جمعية العلماء، يرمي إلى غاية جليلة، فالمبدأ هو العلم، والغاية هي تحرير الشعب الجزائري، والتحرير في نظرها قسمان، تحرير العقول والأرواح، وتحرير الأبدان والأوطان، والأول أصل للثاني، فإذا لم تتحرر العقول والأرواح، من الأوهام في الدين، وفي الدنيا، وفي الحياة، كان تحرير الأبدان من العبودية والأوطان، من الاحتلال متعذرا أو متعسرا، حتى إذا تم منه شيء اليوم، ضاع غدا، لأنه بناء على غير أساس، والمتوهم ليس له أمل، فلا يرجى منه عمل. لذلك بدأت جمعية العلماء - من أول يوم نشأتها - بتحرير العقول والأرواح، تمهيدا للتحرير النهائي، فوضعت برنامجا محكما، لوعظ الكبار وإرشادهم بالدروس والمحاضرات، حتى بلغت من ذلك أقصى غاية من الجهد، وأقصى غاية في النتائج، وأصبح الشعب - في جملته - صافي الفكر، مستقل العقل متوهج الشعور، مشرق الروح، فاهما للحياة، واسع الأمل فيها، عاملا للحرية والاستقلال، مؤمنا بماضيه، عاملا على ربط الحاضر، ووصله بالوطن العربي الأكبر، متبصرا في وزن رجاله، لا ينطلي عليه غش الغشاشين، ولا تدجيل الدجالين، ومعلوم أن هذه المعاني لا تدخل النفوس دفعة

стр. 194

واحدة، وإنما تكمل بالتدريج، والذي وصل إليه الشعب الجزائري من هذا، هو نتيجة نيف وعشرين سنة، في أعمال جدية متواصلة، ولكنه لا يتم عادة في أقل من خمسين سنة. أعمال جمعية العلماء في التعليم العربي للصغار أولا: زادت الجمعية على هذا العمل العام آخر خاصا، وهو العمل على تخريج جيل جديد، يتلقى هذه المعاني في الصغر، ويثبتها بالعلم الصحيح، لتحارب الاستعمار بسلاح من نوع سلاحه وهو العلم، فأسست في هذين العقدين من السنين نحو مائة وخمسين من المدارس الابتدائية للعربية والدين، وشيدتها بمال الأمة، وصيرتها ملكا للأمة، وهي تضم اليوم ما يقرب من خمسين ألف تلميذ، من حملة الشهادات الابتدائية من مدارس الجمعية. ثانيا: بما أن المساجد التي هي تراث الأجداد، صادرتها الحكومة الفرنسية وصادرت أوقافها من يوم الاحتلال، فأحالت بعضها كنائس، وبعضها مرافق عامة، وهدمت كثيرا منها لتوسع الشوارع والحدائق، واحتفظت بالباقي لتتخذ منه حبالة تجر أشباه الموظفين الدينيين، وما زالت إلى الآن، هي التي تعين الأئمة والخطباء والمؤذنين والقومية، ولكنها تستخدمهم في الجاسوسية والمخابرات، وشيدت بمال الأمة نحو سبعين مسجدا في أنحاء القطر، لأداء الشعائر وإلقاء الدروس الدينية، والحكومة الفرنسية تنظر إلى هذه المساجد نظرتها إلى الحصون المسلحة. ثالثا: في الجزائر مئات الآلاف من الشبان العرب المسلمين، فاتهم التعليم الديني والعربي، ولا تلقاهم الجمعية في المدارس ولا في المساجد، والاعتناء بهم واجب، فأنشأت لهم الجمعية عشرات من النوادي المنظمة الجذابة، تلقي عليهم فيها المحاضرات العلمية والدينية والاجتماعية، وأدت هذه النوادي أكثر مما تؤديه المدارس والمساجد من التربية والتوجيه.

стр. 195

رابعا: أنشأت لجمعية للعمال الجزائريين في باريس وغيرها من مدن فرنسا، عشرات من النوادي وزودتها بطائفة من الوعاظ والمعلمين من رجالها، يتعلم فيها أولئك العملة ضروريات دينهم ودنياهم، ويتعلم فيها أبناؤهم اللغة العربية تكلما وكتابة، ويتربون على الدين والوطنية، وقد استفحل أمر هذه النوادي، وآتت ثمراتها قبل الحرب الأخيرة، ثم قضت عليها الحرب، ثم حاولت الجمعية تجديدها بعد الحرب، غير أن التكاليف المالية تضاعف واحدها إلى الآلاف، فكان ذلك وحده سببا للعجز. خامسا: أنقذت الجمعية عشرات الآلاف من أبناء الجزائر من الأمية، بوسائل دبرتها ونجحت فيها نجاحا عجيبا، وأن هذا العمل من غرر أعمالها لأن الأمية شلل الشعوب. سادسا: بعد هذه الجهود كلها، بقي من أبناء الجزائر مليونان من الأطفال محرومين من التعليم بجميع أنواعه، بشهادة الحكومة وإحصاءاتها الرسمية، فلا هي علمتهم، لأن سياسة التجهيل تأبى عليها ذلك، ولا جمعية العلماء استطاعت أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من هذين المليونين، لأن مواردها المالية محدودة، تأتي من اشتراكات قليلة منظمة، ولأن الأغنياء والموظفين لا يجودون عليها بشيء، خوفا من انتقام فرنسا، ومعلوم أن هذين المليونيين، إذا لم يتعلموا، أو يتعلم معظمهم، كانوا جنودا للشر وأعداء الإسلام، والعروبة، فإذا تعلم معظمهم، غلب الخير فيهم على الشر وأصبحوا جنودا للعروبة والإسلام - والإنسانية. سابعا: بعد مساع طويلة مرهقة، دامت سنوات لدى الحكومات العربية - تم لجمعية العلماء إرسال بعثات إلى الشرق العربي، من تلامذة معهدها ومدارسها، تدرس في الجملة على نفقة هذه الحكومات، ولكن القدر الذي تم لم يزل قليلا جدا لا يحقق الغرض المقصود، ولا ما يقاربه، لأنه عبارة عن بعثة في مصر تتكون من عشرين تلميذا، وأخرى في العراق تتكون من خمسة عشر تلميذا، ومثلها في الكويت، وأخرى في سوريا تتكون من عشرة - وبعض هؤلاء لا تزال الجمعية هي التي تنفق عليهم، أو تساعدهم لعدم كفاية عون الحكومة لهم.

стр. 196

رغبات جمعية العلماء وآمالها في الحكومات العربية تقوم جمعية العلماء بهذه الأعمال الجبارة، التي تفوق قدرتها المالية، وقد تفوق قدرة الأمة أيضا، وهي - بعد - لم تزل في حاجة ملحة إلى إكمال وتثبيت ما بنته، ثم إلى إعلاء ذلك البناء والزيادة فيه. أما التثبيت والإكمال فبإنشاء عشرات من المدارس الثانوية، لتستوعب ما تخرجه المدارس الابتدائية الحاضرة، وإنشاء عشرات من مدارس المعلمين والمعلمات، لأن مدارسها الابتدائية استنفذت كل ما عندها من المعلمين، وإذا كثرت المدارس الجديدة احتاجت إلى معلمين جدد، وعليه فإنشاء هذا النوع من المدارس ضروري لنمو هذه الحركة، وتقدم هذه النهضة، وإلا تعطلت وانهارت، ولا واسطة بين الطرفين. وأما إعلاء البناء والزيادة فيه، فبمضاعفة عدد المدارس الابتدائية إلى المئات. واجب جمعية العلماء هنا، هو التبليغ الصادق للحكومات العربية، الممثلة في جامعة دولها، وواجب الحكومات الإسراع بالنجدة، بالكيفية التي تراها، بعد أن تؤمن بما شرحناه لها من حالة الجزائر، في المذكرات المتتابعة للحكومات وللجامعة، والله يعلم أن ما شرحناه، ووصفناه قليل من كثير، ولا يقف في طريقها احتمال اعتراض فرنسا على هذه النجدة، فالوقت والضرورة والواجب، لا يسع لهذا الاحتمال، فقد آن لحكوماتنا العربية أن تقف موقف الحزم والصلابة، من فرنسا المتعنتة، التي تحارب الثقافة والإنسانية - فضلا عن العربية والإسلام - في المغرب العربي، ولا تتساهل كما تساهلت في قضية المعهد الثقافي بالجرائر، وفي العهد الثقافي في طنجة، وفي فضية أحداث قنصليات في عواصم المغرب ولو لتأشيرة الحجاج، وفي قضية الباخرة فوزية وغيرها. ونحن نؤكد لرجال حكوماتنا العربية بالصدق والشرف، أن تساهلهم في تلك القضايا، زاد من جرأة فرنسا علينا وعليهم، وحكوماتنا تعلم كما نعلم أن بيدها

стр. 197

أسلحة قوية، تستطيع أن تحارب بها فرنسا، ولكنها لا تستعملها، ومن تلك الأسلحة إقفال المدارس والقنصليات الفرنسية حقا وعدلا، ومقابلة بالمثل، إن فرنسا لا تفهم إلا هذه اللغة، ولا ترجع عن غيها، إلا باستعمال هذا السلاح. بادروا لنجدة إخوانكم ... على حكوماتنا العربية أن تبادر بهذه النجدة، ما دام في الرمق بقية، ولها في تحويل الأموال اللازمة عدة طرائق، هي أعلم الناس بها، فلها أن ترسل مشرفا من جهتها، يقوم بالصرف على بناء المدارس والمعاهد اللازمة، وجمعية العلماء ترحب بهذا، لأنها تفخر بأنها أدق الجمعيات الإسلامية نظاما، وأقواها أمانة وثقة في المال، وأحرصها على المحاسبة التي تقوي الأمانة، ولها أن تسلم المال إلى الجمعية، وتلزمها بالمحاسبة الدقيقة عن كل فلس تدفعه، والجمعية تقوم بذلك حامدة شاكرة. ولتعلم حكومتنا الموقرة، أن كل جنيه تدفعه للأمة الجزائرية، بواسطة جمعية العلماء، لينفق في هذا السبيل، يقع موقع الغيث على النبات، لأنه ينقذ طفلا عربيا حرا مسلما من الشر، ويحرر عقلا من الوهم، ولتعلم كذلك، أنه ليس علينا تحديد المبلغ وإنما علينا أن نصور الحالة، ونبلغ الأمانة التي كلفتنا الأمة الجزائرية بتبليغها إلى الحكومات العربية، وقد بلغنا: وطال الأمد وهي تنتظر، ونكل الأمر بعد ذلك إلى هيئة حكوماتنا، مبلغ تقديرها لحرمة الرحم. وإذا كانت لا تستطيع تحرير الجزائر تحريرا عسكريا لاستحالة ذلك في الوقت الحاضر، فلا أقل من أن تعاوننا بالحظ الأوفر على تحرير العقول، فهو واجب يهون القيام بالواجب العسكري أو السياسي. قد تعتذر بعض الحكومات العربية - وهي صادقة - بأنه ما زال في شعوبها ملايين من الأطفال محرومين من التعليم، ونحن نلاحظ على هذا

стр. 198

العذر بأنه يوجد بإزاء الملايين المحرومة ملايين أخرى متعلقة، بخلاف الجزائر فليس فيها إلا المحروم، وليس هناك خير يسلي عن الشر. وفي هذا المقام يجب أن نذكر حضراتكم بنسبة المتعلمين من أبنائنا في المدارس الفرنسية مؤيدة بالأرقام المأخوذة من أدق المصادر الرسمية الحديثة لسنة ١٩٥١، فقد وقعت مناقشة في المجلس الجزائري، في قضية تعليم الجزائريين، وتقدمت المعارضة بتقارير مدروسة رسمية فضحت بها الحكومة، ومن تلك التقارير الدامغة نقتطف هذه الأرقام. قال التقرير المفحم الذي لم تستطع الحكومة له ردا، ما ترجمته بالحرف، بلغ عدد التلاميذ الأوروبيين سنة ١٩٥٠ في مدارس الجزائر ٩٧٤٠٠ بينما لم يتجاوز عدد التلاميذ المسلمين ٨٢٨٦٤ تلميذا، ولما كانت الأغلبية الساحقة من سكان الجزائر مسلمة فتكون إذن نسبة التلامذة الأوروبيين إلى التلامذة المسلمين كنسبة ٤ بالمائة وهذا الفرق يرتفع كثيرا في المدارس الثانوية، فيما يبلغ عدد الطلبة المسلمين في هذه المدارس ٣٢١٤ تلميذا، والإفرنسيين ٥١٧٧ نرى أن الطلبة الأوروبيين يفوقونهم لمقدار ٥٠٠ ضعفا (١٥٦ أوروبي في مقابل مسلم واحد) وباقي المسلمين لا يحق لهم الدخول في هذا النوع من المدارس. وفي عام ١٩٥١ بلغ عدد التلاميذ من المسلمين الجزائريين الذين وجدوا أمكنة في التعليم الابتدائي ١٩٨٦٧٨ تلميذا في وطن مسلم يبلغ عدد سكانه أكثر من عشرة ملايين نسمة بينما يبلغ عدد التلامذة من الأوروبيين في هذه المدارس ١١١٤٠٢ تلميذا من جالية أوروبية، لا تزيد عن المليون نسمة في الجزائر. هذه فقرات مترجمة حرفيا عن تقرير المعارضة، ومقدمه فرنسي، وقد نقص من تعداد المسلمين الجزائريين ولكنه أحسن في تسميته للأوربيين بالجالية.

стр. 199

ثامنا: سبق لجمعية العلماء، أن جلبت عشرات من تلامذتها للدراسة بمعاهد الشرق العربي على نفقة حكوماته، ولكن عدد قليل بالنسبة لحاجة الجزائر، ولقدرة الحكومات العربية، فالشعب الجزائري يعتقد ويأمل, في آن واحد، أن حكومات العرب، تستطيع أن تعلم من أبناء الجزائر آلافا وتؤثرهم على أبنائها، حتى تحفظ التوازن بين أجنحة العروبة. وعليه، فمن رغبات هذا الشعب القوية، ومن آماله الواسعة، أن ترتفع نسبة هذه البعثات إلى المئات حتى تصل إلى الآلاف بالتدريج، بل ذلك لتسد جمعية العلماء في سنين عوز الجزائر إلى المعلمين في مدارسها. تاسعا: جمعية العلماء في حاجة شديدة إلى الكتب المدرسية المتنوعة لتلامذتها الابتدائيين، وهي تجري في تعليمها على المنهاج المصري، لقربها من مصر ولسهولة جلب هذه الكتب، فمن حقها أو من دلالها على جامعة الدول العربية ووزارة المعارف المصرية أن تقدم لها هدايا سنوية سخية من هذه الكتب لتوزيعها بالمجان على فقراء التلاميذ. عاشرا: لجمعية العلماء مكتب في القاهرة يشرف على هذه البعثات يجلبها ويقوم عنها بالإجراءات القانونية، ويسد خللها، ويوزعها على الأقطار العربية، ويراقبها ويكمل نقائصها في التربية والمال ويعين المحاويج منها، ويقوم بنفقات المنتظرين وإسكانهم، وقد بلغت نفقاته الشهرية في هذه السنة ثلاثمائة جنيه، وكلما زادت البعثات زادت نفقاته، ونتوقع أن تبلغ نفقاته الشهرية في السنة الدراسية المقبلة ٥٠٠ جنيه مصري فمن العدل أن تعتبره الحكومات العربية مؤسسة من مؤسسات الجمعية، يجب الإلتفات إليه والعناية به، وهو زيادة على ذلك همزة وصل بين شرق العرب وغربهم، بل نقطة اتصال بين أجزاء العالم الإسلامي كلها، ومن التواضع أن ننسبه إلى الجزائر بل هو للعرب كلهم، وطالما خدم - على حداثته - قضايا العرب، ولا منة.

стр. 200

والمكتب يعلن شكره لجامعة الدول العربية، فقد عرفت قيمته، فقررت إعانته منذ أكثر من سنة بمبلغ مائة وعشرين جنيها مصريا في كل شهر، ثم عرفت توسعة في الصلاحيات، فرفعت هذا المبلغ إلى مائتين، ابتداءا من هذا الشهر، وأن الخجل لا يمنعنا أن نقول، أن رجال هذا المكتب محتسبون بأعمالهم لأنهم لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون لرفع شأن العروبة والإسلام. الجزائر تعتز بعقيدتها وعروبتها يبقى شيء آخر قد يخفى على كثير عن الناس، فوجب علينا أن ننبه حضراتكم إليه، وهو أن الجزائر لا تقاس بأختها مراكش في هذا الباب، فكل من تونس ومراكش، ما زالت لها شخصية معترف بها في الآفاق الدولية، ولها حكومة كيفما كان حالها، وما زالت العربية في كليهما رسمية، ولها كثير من الشأن في الوظائف وما زالت أوقافها قائمة، وما زال في تونس جامع الزيتونة ثاني الأزهر يضم هو وفروعه آلافا من طلاب العربية والدين، وفي فاس جامع القرويين يتلو الزيتونة في الدرجة، أما الجزائر البائسة فلم يبق فيها من هذا أثر ولا عين، كما أسلفنا في المقدمة، وإنما هي تعتز بعقيدتها وعروبتها، وتعيش بها ونعيش لها. إننا لا نبعد إذا قلنا، أن الجزائر أتعس حالا من فلسطين، فمن وراء فلسطين دول وشعوب عربية وأمم إسلامية، وذكرها في المحافل الدولية، وجدل عنيف في قضيتها، يشترك القريب والأجنبي فيه أما الجزائر المسكينة، فليس لها شيء من هذا، ونعيذ أبناء العمومة أن ينسوها، وأن لا يقوموا ببعض حقها، وأن لا يستغلوا هذه القوة الكاملة في أبنائها.

стр. 201

وزير فرنسي ينكر على فرنسا أعمالها البربرية لقد كنا حينما نتكلم مع إخواننا في الشرق، عن المحن القاسية التي تتخبط فيها الجزائر منذ قرن وربع، ونصور لهم شناعة الاستعمار الفرنسي، وتجر الأحاديث، إلى الأرقام التي تضمنتها هذه المذكرة، كنا نحس بشيء غير قليل من الخجل، خشية أن يحمل كلامنا على شيء من المبالغة والتهويل، حتى أراد الله أن يؤيد الحق بشهادة من فرنسي مسؤول، سبق له أن ولي الوزارة في بعض الحكومات الفرنسية وشأنه كشأن سائر زملائه أن يحطب في حبل أمته، ولكنه رأى في هذه المرة من مصلحة دولته أن تقلع عن هذا التهور، وتجاهل العواقب الوخيمة وهاله هذا التخبط الذي ترتكس فيه السياسة الفرنسية، نتيجة للحقد العنصري، والغرور والكبرياء اللاتنيتين، فزار الجزائر على رأس وفد للبحث والدراسة فبحث فعلا ولقي قادة الحركات الجزائرية، وجاء بفكر مبني عن السماع والظن، ورجع بفكر مبني على المشاهدة واليقين، ويظهر أن حضرة الوزير الفرنسي، يحمل روحا متألمة من حال دولته وأمته، فخشي عليها من العواقب التي تنتج عن الاستمرار في التهور، والإمعان في المطامع المهلكة، وعقد ندوة صحفية في باريس حضرها الكثير من المسؤولين، وألقي عليهم بيانا شاملا لكثير من الحقائق الواقعية، وتناول الأركان الثلاثة التي تبنى عليها السياسة الفرنسية، التي ترمي إلى إذلال الجزائريين ثم إلى إفنائهم، وهي السياسة، والاقتصاد، والثقافة، ففضح بيانه الحكومة الاستعمارية للشعب الفرنسي وللرأي العام العالمي. نقتصر عن بيانه على النقطة الأساسية التي تهمنا، وهي الثقافة، لأن شهادته فيها، مطابقة للواقع الذي كنا نتحدث به، ومؤيدة للأرقام التي كانت تجري في أحاديثنا مع إخواننا، والصفات الوحشية التي كنا نصف بها أعمال الفرنسيين في الجزائر، وما كابدته الأمة الجزائرية، وجمعية العلماء خاصة، من العنت والإرهاق،

стр. 202

وقد ترجمت معظم الجرائد العربية هذا البيان، نقلا عن الجرائد الباريسية، فرأينا أن نقتطف منه ما يتعلق بجمعية العلماء وأعمالها - والحق ما شهدت به الأعداء - وهذا هو نص ما به الحاجة من بيان الوزير الفرنسي المذكور زيادة في تنوير أذهان حضراتكم. قال الوزير ما ترجمته: وأخيرا أحدثكم بإجمال عن المشكل الثقافي الجزائر محرومة من كل شيء لقد رأينا رأي العين، كيف أن مليونين من أبناء المسلمين، لا يتلقون أي علم، على أي مقعد مدرسي. وذلك بعد أن بسط عليهم النظام الاستعماري رحمته طيلة ١٢٥ عاما. رأينا المسلمين لا يشاركون في التعليم الابتدائي، إلا على نسبة ١٠ بالمائة - وليس لهم في التعليم العالي إلا نحو ثلاثمائة طالب. رأينا الأبواب العلمية كلها موصدة في وجه المسلمين، وخرجنا من كل ذلك بنتيجة عظيمة، وهي أننا إذا كنا في فرنسا نجهل معنى العنصرية، فإن العنصرية في القطر الجزائري، هي القانون الرسمي المعمول به. رأينا التعليم الحر، الذي تقوم بنشره جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعلمنا أن هذه الجمعية تشرف على ما يزيد عن مائة وخمسين مدرسة، وإنها تعلم قرابة ٤٥ ألفا من البنين والبنات - تنتشلهم من بين أيدي الجهل والإهمال، فنحن لا يسعنا إلا أن نثني الثناء الحار على هذا المجهود الصالح، الذي تقوم به هذه الجمعية، وإننا لنشجعها على الاستمرار فيه، ونشيد بمجهودها وأعمالها، كما أننا نعلمكم بأننا سنشهر بهذه العقبات التي تلقاها في طريقها. وهذه المثبطات التي يريدون بها ألفت في عضدها، فقد رأينا المدارس التي أقفلت بأمر الحكومة، ورأينا المدارس التي بنتها الأمة وأنفقت فيها الأموال الغزيرة، ولم تأذن الإدارة بفتحها، وعلمنا أن

стр. 203

عددا كبيرا من المعلمين يضطهدون وينالون نصيبا من أعمال الزجر. ورأينا في قسنطينه معهد عبد الحميد بن باديس وأعجبنا به ولكننا علمنا بعد ذلك، أن الإدارة لا تعتبر لشهاداته أدنى قيمة، ولا تعترف بها، في الوقت الذي لم تستطع فيه هي نفسها أن تحدث مثل ذلك أو ما يشابه ذلك. ثم رأينا مشكل فصل الدين عن الدولة، واطلعنا على حال المسلمين وأوقافهم تجاه الحكومة، إنها حقيقة لمأساة من أفظع ما يمكن أن يتصوره الناس، فقانون ١٩٠٥ لم ينفذ، وبينما تحررت بقية الأديان من ربقة الحكومة، نرى الدين الإسلامي يوما فيوما سقوطا بين أيدي الإدارة المباشرة الحكومية، فالحكومة هي التي تدير ما جل وما قل من أمور المسجد والدين. ورأينا أن المدير إذا أراد مكافأة أحد فراشيه عينه إماما أو مفتيا، لقد خرجنا بحقيقة لا غبار عليها، ألا وهي أن الدولة تعمل على قتل اللغة العربية، وعلى تحطيم الدين الإسلامي، وعلى تجهيل الأمة. والعلماء المسلمون يعملون على خط مصادم للخط الحكومي, فهم يقومون بالجهود المحمودة، لإحياء الإسلام وتطهيره من الخرافات، ونشر اللغة العربية، ورفع الأمية عن الأمة، غير مبالين بالعقبات ووسائل الزجر والتنكيل. وختاما أيها السادة أؤكد لكم، أننا لم نتعب كثيرا في البحث عن الثعبان الاستعماري في هذه البلاد، بل أن هذا الثعبان نفسه، قد أخرج لنا رأسه منذ اللحظة الأولى، فعرفناه لكل ما انطوى عليه من سوء ولؤم، ولقد تأكد لنا أن الدستور الجزائري الذي خلناه حقيقة واقعة، ما هو إلا تدليس وتلبيس، وأنه أصبح صورة مشوهة لنظام ديمقراطي، مبني على السرقة الانتخابية والغش. سنقول لفرنسا كل هذا، وسنشرح لها كل ذلك، وما قلناه لكم إنما هو قطرة من بحر، سنقول لفرنسا بصراحة وشدة، حذار فإذا لم يقع الاستماع لصوت الحق، وإذا لم تسد في هذه الأقطار سياسة العدل، فإن الجزائر سوف تغدو قريبا

стр. 204

مثل مراكش ومثل تونس، فإذا لم يقع عمل بات وسريع، لفائدة الجزائريين، فإنه لا لوم عليهم ولا تثريب، إذا ما ركبوا المراكب التي تدعو إلى اليأس. لا ريب أننا سنجد من يقول لنا، عندما نصيح صيحة الخطر، وننادي بوجوب السرعة في عمليات الإنقاذ، أنكم لستم من الفرنسيين الصالحين. سنقول لهم في قوة وجرأة، كلا بل إننا نحن الصالحون من الفرنسيين، لأن الفرنسي الصالح. هو الذي يقول لأمته كلمة الحق ولا يخفي عنها شيئا. ولا يرتكب جريمة السكوت، وسنكون أيها السادة - ونعدكم، بهذا - من أحسن الفرنسيين. هذه هي شهادة الوزير الفرنسي للجزائر على دولته والفضل ما شهدت به الأعداء وبها تختم هذه المذكرة والسلام. عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة البشير الإبراهيمي الفضيل الورتلاني بيان من المؤتمر السنوي لجمعية العلماء الجزائريين بمناسبة الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المنعقد في يوم السبت الموافق لـ ٧ يناير سنة ١٩٥٦ بعاصمة الجزائر، قرر المجتمعون بالإجماع البيان التالي: الاستعمار مسؤول عن كل شيء ... نحن المجتمعين من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. نعلن بكل صراحة، أن الاستعمار المفروض بقوة السلاح على القطر الجزائري منذ سنة ١٨٣٠ هو المسؤول الوحيد عن كل المآسي والمصائب والويلات، التي

стр. 205

وقعت في القطر "الجزائر"، وذلك بما أحدثه فيه من ميز عنصري مخجل، وما سلكه فيه من سياسة التفقير والتجهيل والحرمان من كل نعم الحياة، بالنسبة للعنصر الإسلامي، وما حارب به الدين الإسلامي في أقدس مقدساته، وما أجهز به على التعليم العربي القرآني في كل جهة من جهاته، وما تعمده من محق جنسية الأمة، ومحاولة ابتلاعها، ومحو كل مظهر من مظاهر سيادتها، وما أعلنه مرارا رغم إرادتها، من إلحاقها وإدماجها، إلى أن أوصل الأمة بكل ذلك إلى درجة اليأس، فعمدت إلى الأعمال التي يوجبها اليأس. ونرفع أصواتنا بالاحتجاج الصارم العنيف، على ما ارتكب في مختلف جهات البلاد من أعمال البطش والإرهاب والتنكيل، وما وقع من الفظائع والفضائح والمنكرات، بدعوى الزجر ومحاولة إخماد الثورة. كما نحتج الاحتجاج الصارخ، على تلك المظالم المثيرة المتعددة، التي وقعت على مدارس جمعية العلماء، وما وقع على المعلمين فيها من حيف وجور، بين سجن وتغريم وإبعاد إلى المحتشدات. ونترحم على الشهداء الأبرار الذين ذهبوا ضحية القمع الأعمى الفظيع، وندعوا الأمة للقيام بواجبها نحن أبنائهم وعائلاتهم، وكفالتهم كفالة يوجبها الإسلام وتفرضها المروءة والشرف. ونبعث بصادق الود وعظيم التقدير والعطف، لسائر رجال الأمة الأحرار الأبرار، الذين أوصدت عليهم أبواب السجون، أو أطبقت عليهم الأسلاك الشائكة في المحتشدات، ونشاركهم في تلك المحن التي تقبلوها بثغور باسمة وصدور رحبة، ونعلمهم أن الأمة الحية الشاعرة لن تنسى لهم تضحيتهم، وأنهم سيكونون غدا في طليعة العاملين على إنشاء الهيكل الوطني العظيم.

стр. 206

ونرفع عظيم الامتنان ووافر التقدير، لسائر الأحرار في كل أقطار الدنيا، ولجميع الصحف العالمية النزيهة، ولسائر الحكومات الحرة التي أيدت الأمة الجزائرية في نضالها الشريف، ودافعت عنها، ومدت يمين الأخوة لمبادئ الحق والعدل والتحرير، ونرجو أن يشارك كل شعب حر، وكل حكومة حرة، وكل صحيفة نزيهة، في هذا الكفاح الميمون. لفائدة الحق والعدل والحرية بالبلاد الجزائرية. ونعلن مرة أخرى، أن كل سياسة مبنية على ترقيع الماضي، وإجراء "إصلاحات على قاعدة" النظم الاستعمارية الحالية مهما تغير اسمها، إنما هو من قبيل العبث والاستهتار، والإمعان في الزج بالأمة الجزائرية في مضيق اليأس الذي لا يحدث إلا الانفجار. ونقول كلمة صريحة علنية، نرجو أن يسمعها المسؤولون في باريس، وأن يمسمعها العالم أجمع، وهي أنه لا يمكن حل القضية الجزائرية بصفة سليمة وسريعة إلا بالاعتراف العلني الصريح بكيان الأمة الجزائرية الحرة، وجنسيتها الخاصة، وحكومتها القومية، ومجلسها التشريعي المطلق التصرف، في دائرة واحترام مصالح الجميع، والمحافظة على حقوق الجميع. ونؤكد أنه لا يمكن وضع حد لحالة الحرب الحاضرة، والإقدام على بناء النظام الحر الجديد، إلا بواسطة التفاهم الصريح المخلص، مع سائر الممثلين الحقيقيين للشعب الجزائري، من رجال الحل والعقد الذين أظهرهم الكفاح الجزائري. ونوصي الأمة ختاما بالحق، ونوصيها بالصبر ونستحثها على العمل الصالح، والثبات وتوحيد الصفوف، ونسيان الخلافات القديمة، حتى تستطع متحدة متظافرة، أن تصل قريبا إلى الدرجة الرفيعة التي أهلها لها جهادها المستمر منذ أحقاب، وكفاحها الشريف الذي أصبح في العالم مضرب المثل؟ وتاريخها الحافل بجلائل الأعمال. ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ التوبة: ١٠٥. ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ الحج: ٤٠.

стр. 207

والسلام على الأمة الحبيبة المجاهدة، ورحمة الله وبركاته الإجماع العام لجمعية العلماء المسلمين الكاتب العام: أحمد توفيق المدني نائب الرئيس: العربي التبسي تصحيح واحتجاج نشرت جريدة الأهرام الغراء بعددها رقم ٣٥٢٥٣ الصادر بتاريخ ٢٠ يناير سنة ١٩٥٦ وجريده الأخبار بعددها رقم ١١١١ الصادر بتاريخ ٢٠ الجاري أيضا مقالة مقتطفه عن بلاغ جمعية العلماء الجزائريين المنشور بجريدة البصائر بعددها رقم ٣٤٠ الصادر بتاريخ ١٣ يناير سنة ١٩٥٦. وبما أن هذا الاقتطاف شوه حقيقة ما جاء في البلاغ بصورة مغرضة، وجب علينا أن نعلن احتجاجا ضد هذا التشويه، وننشر البيان التوضيحي الآتي: إن ما نشر من أن جمعية العلماء الجزائريين ناشدت الشعب الجزائري بوقف أعمال المقاومة المسلحة لتهيئه جو المفاوضات غير صحيح، وأن البلاغ كان يتضمن احتجاجا صارخا على ما ترتكبه القوات العسكرية الفرنسية يوميا من الزجر والتنكيل والقتل الجماعي في الجزائر. كما أن ما يدعي من أن جمعية العلماء ناشدت الشعب الجزائري باحترام أحكام القانون التي فرضها النظام الاستعماري المعمول به حاليا في الجزائر غير صحيح أيضا ولم يرد شيء من ذلك في نص البلاغ الذي نشرته جريدة البصائر. وتؤكد جمعية العلماء بأن المسؤولين الفرنسيين في الجزائر هم الذين يحترمون القوانين الإنسانية. عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة

стр. 208

كيف يسيطر المستعمرون الرأسماليون على رجال السياسة والإدارة في فرنسا وشمال إفريقيا ننقل هذا المقال الخطير عن جريدة المعرفة لسان حال حزب الشورى والاستقلال الصادرة بتطوان بالعدد رقم ١٠٥ بتاريخ ٢٣ محرم ١٣٧٤ - ٢٢ سبتمر سنة ١٩٥٤. اطلع قراء "المعرفة" - في العدد الماضي - على مقال للكاتب الفرنسي "فرانسوا مورياك" وفي هذا المقال إشارة إلى الدور الذي لعبه بعض الرأسماليين من أقطاب الاستعمار الفرنسي، على حساب قضية المغرب، محاولة في إبقاء أوضاعه على ما هي عليه، وحرصا منا على تنوير الرأي العام المغربي، وجعله على بينة مما يدبر ضد قضية الوطن سواء في المغرب أو في فرنسا، على يد طائفة من الاستعماريين الكبار ذوي المصالح المالية والاقتصادية الهائلة، وسيرا على خطتنا في فضح أسرار الاستعمار والمستعمرين أبرقا إلى مراسلنا في باريس، ليقوم بتحركات دقيقة في العاصمة الفرنسية وموافاتنا بمعلومات عن تلك، "القوى المالية" التي تحدث عنها مورياك، والتي ذكر أن من بين ممثلها "فرانسوا شارل روا" وقد حصل مراسلنا في باريس على المعلومات الخطيرة التالية: الأيادي الخفية عندما تسلمت حكومة "مانديس فرانس" زمام الأمور في فرنسا عاود النفوس بعض الأمل في حل قضايا الشمال الإفريقي، وذلك بناء على الوعود الكثيرة التي طالما أدلى بها الوزير الفرنسي الأول قبل أن يدعى لتأليف حكومته. لقد كان "منديس فرائس" يبدو - من خلال تصريحاته وخطبه - ملما بحقيقة الأوضاع في شمال إفريقيا، مستعدا لحل الأزمة المستفحلة في تونس ومراكش حلا يرضي مطامح هذين القطرين الوطنية دون أن تتعرض مصالح فرنسا

стр. 209

للضياع. ومما ساعد على تقوية الأمل في نفوس الكثيرين، الشجاعة التي واجه بها مانديس فرانس مشكلة الهند الصينية التي عجزت الحكومات الفرنسية السابقة عن حلها حلا نهائيا، بما كانت تبدو عليه من الجمود والتصلب والمراوغة وعدم الجرأة على مواجهة هذه المشكلة التي لم تكن في بادئ الأمر إلا كمشكلة المغرب العربي الآن - شعوب محكومة تطالب بحريتها واستقلالها ودولة حاكمة تريد أن تبقى ناصبة سلطاتها على تلك الشعوب إلى الأبد. وتفرغ مانديس فرانس - بعد الانتهاء من قضية الهند الصينية - لمشاكل أخرى وفي مقدمتها مشكلة تونس ومراكش - فقام برحلته الخاطفة إلى عاصمة القطر التونسي حيث أعلن أمام الباي أن فرنسا ستمنح - لتونس استقلالها الداخلي، ورضيت بعض الهيئات الوطنية بهذا الحل، الذي اعتبرته خطوة نحو الاستقلال التام، وماذا فعلته حكومة مانديس فرانس بالنسبة لمراكش؟ لقد أعلن رئيس الحكومة ووزير الشؤون التونسية والمغربية أثناء مناقشة القضية المغربية في الجمعية الوطنية الفرنسية عن سياسة الحكومة الحالية تجاه المغرب، وهي سياسة لا تختلف كثيرا عن سياسة الحكومات السابقة وهي لا ترمي إلى شيء آخر سوى إبقاء الأوضاع على ما هي عليه في المغرب. إن هنالك أيادي خفية قوية تقبض على زمام الأمور في شمال إفريقيا وتفرض على الحكومة وعلى ممثليها في تونس ومراكش والجزائر السياسة التي تريد أن تتبعها؟ فما هو سر الأيادي الخفية القوية؟ من هو فرانسوا شارل رو ؟ توجد في فرنسا فئة من أقطاب الرأسمال الاستعماري، تعمل بجميع الوسائل للمحافظة على الوجود الفرنسي في شمال إفريقيا، وإحباط كل حركة تهدف إلى الاعتراف بالمطامح الوطنية لشعوب الشمال الإفريقي أو تغيير الأوضاع فيها، وذلك محافظة على مصالح هذه الفئة المتشعبة التي تستغل بأموالها وشركاتها هذه البلاد أفظع استغلال.

стр. 210

ولعل أبرز رجال تلك الفئة من أقطاب الرأسمال الاستعماري في فرنسا، هو "فرانسوا شارل رو" الذي يعد دعامة قوية من دعائم الاستعمار في البلاد الفرنسية. وشارل رو، هو عضو معهد العلوم الأخلاقية والسياسية، ومعهد العارم الاستعمارية في باريس وهو رئيس شركة سويس ومدير بنك باريس والأمم الواطئة، كما أنه مدير عدد من الشركات المهمة في فرنسا. لجنة فرنسا المركزية ويترأس "فرانسوا شارل رو" زيادة على ما تقدم جماعة استعمارية خطيرة تسمى "اللجنة المركزية لفرنسا فيما وراء البحار" ومقر هذه اللجنة في باريس، شارع "بيافرانس" رقم ٤١. وليست هذه الجمعية حديثة العهد، فقد نشأت مع الاستعمار الفرنسي، وتأسست سنة ١٨٩٣، وكانت تعرف في ذلك الحين باسم "الإتحاد الاستعماري". وقد اعترفت الحكومة بها كهيئة "ذات منفعة عمومية" سنة ١٩٠٤. وينتخب أعضاء هذه اللجنة من بين شخصيات الاستعمار الفرنسي فيما وراء البحار، ورجال الشؤون الاستعمارية في فرنسا. وينقسم أعضاء هذه اللجنة إلى طبقتين مختلفتين كل الاختلاف عن بعضهما، فالطبقة الأولى، تتألف من الرجال الذين لا يهتمون إلا بالمسائل الفنية البحتة أو المشاكل الاستعمارية التي تنافسها اللجنة. أو من الذين يشاركون في هذه اللجنة مشاركة تمثيلية صورية. وقلما يطلع رجال هذه الطبقة على العمل السياسي الجبار الذي تقوم به اللجنة سرا، والذي لا يكون أبدا محل دراسة علنية من طرف مجلس الإدارة أو المجلس الاستشاري. ونذكر من بين شخصيات هذه الطبقة المنتمين إلى اللجنة المركزية لفرنسا فيما وراء البحار: المحافظ "لوبر" وهو رئيس قسم الجزائر في

стр. 211

اللجنة و "كيلمي" رئيس قسم المغرب. "مارتين" رئيس قسم مدغشقر، وهؤلاء الثلاثة أعضاء في المجلس الإداري، ومن أعضاء المجلس الاستشاري المسيو "روني مورو" والمسيو "بوداسمون" والمسيو كاستون من جمعيه الإتحاد الفرنسي والمسيو "بريبور" والمسيو "جورج كيي" رئيس المجلس الاستشاري والذي هو في نفس الوقت عضو "لجنة دراسات مشاكل ما وراء البحار" وهو من ذوي الميول الحرة. الطبقة المسيطرة أما الطبقة الأخرى من أعضاء "اللجنة المركزية لفرنسا فيما وراء البحار" فهي الطبقة التي تلعب الدور الحقيقي الخطير في قلب اللجنة، ومعظم أعضائها من أقطاب الاستعمار، وفي مقدمتهم "جاك لوفيير" الرئيس السابق للجنة رجال الصناعة بالمغرب. وشاستوني "مستشار الإتحاد الفرنسي"، والسفير بيو المقيم الفرنسي الأسبق بالمعرب و "دوران ريفي" و"الفريد بوز" من كبار رجال البنوك: وغيرهم. فالمحرك لشؤون الجزائر ليس هو المحافظ "لوبو" الذي سبقت الإشارة إليه - وهو من الرجال الأحرار الذين ينظرون إلى الإسلام نظرة تسامح وعطف - بل المستعمر "بوجار" الحاكم السابق لمدينه وهران، والمستشار الفني السابق في حكومة "بليقن" الذي له صلات وثيقة بعضو مجلس الشيوخ الفرنسي "هنري بورجو" من أخطر رجال استعمار الجزائر، ويملك "بوجار" نفوذا كبيرا في أوساط وزارة الداخلية، بما له من صلات إدارية وسياسية، وهو الذي يشرف على إدارة "مركز الدراسات التشريعية الجزائرية" الواقع في بوليفار سان جيرمان رقم ٢٠٥ ويتولى هذا المركز العمل في الأوساط البرلمانية. وقد حصل هذا المركز على مبالغ طائلة من المال من المستعمرين الفرنسيين في الجزائر، ليقوم بمهمته خير قيام، والذي تولى الحصول على هذا المبلغ هو المسيو "بولار".

стр. 212

شؤون تونس ويبدو نشاط اللجنة محدودا بالنسبة لتونس، فأمور هذا القطر تسير طبقا للبرنامج السياسي الفرنسي الذي رسمه المسيو "ييو" والمسيو "كولونا" - زعيم المعمرين في تونس - والمسيو كولونا لا يهتم بشؤون اللجنة إذ هناك هيئة هي "مركز الدراسات التونسية" الذي يشرف عليه المسيو "بانيو" وهو حاكم سابق والمسيو "بريسي" وهذا المركز يعمل باتفاق مع الهيئات الاستعمارية في تونس، وليست لهذا المركز صلات حقيقية بلجنة "شال رو" وهنالك لجنة أخرى تسمى "لجنة فرنسا وإفريقيا الشمالية" يترأسها الأستاذ "ليزور" وهي ذات صلات متينة مع لجنة شارل رو. الدعاية الاستعمارية في أمريكا وتتولى لجنة فرنسا الحالية "حليفة اللجنة المركزية" لفرنسا فيما وراء البحار - العمل في الولايات المتحدة، وهي التي تتولى ترويج أراجيف الاستعمار في أمريكا الشمالية، ويشرف على هذه اللجنة الصحافي "بال". مشاحنات في قلب اللجنة قلنا أن من بين أعضاء هذه اللجنة أعضاء متحررو الفكر بعض الشيء، إلا أنهم لا يلعبون إلا دورا ثانويا. وكثيرا ما يتصادمون مع الأعضاء المحركين لهذه اللجنة في مناقشات حامية تدور بين أولئك وهؤلاء. ونذكر على سبيل المثال معركة دارت في السنة الماضية في قسم "المغرب العربي" بين "شارل رو"، والمسيو "كليمي" رئيس قسم المغرب في اللجنة، فقد هاجم شارل رو أثناء إحدى الجلسات الكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك، بسب انتقاداته الموجهة ضد سياسة الإدارة الفرنسية في المغرب، وهاجم أيضا جريدة

стр. 213

"طيموانياج كريطيان" نظرا لكتابتها مقالا حول التقارب الديني بين الإسلام المسيحية، وحمل هذا الاستعماري الكبير على الدين الإسلامي. فنهض المسيو كليمي ورد على شال رو قائلا بأن الإدارة الفرنسية في المغرب تستحق التقريع والانتقاد بسبب ما تقوم به في تلك البلاد، وصحح المسيو "كليمي" أخطاء "شارل رو" حول الدين الإسلامي، ورد على الحملات الزائفة الموجهة ضده. المسيو مزاوبي يتولى الأمانة العامة للجنة "شارل رو" المسيو "ووبر هيرلى". ويتجلى نشاط اللجنة الفعال في مجال الشؤون المغربية التي توليها كل عناياتها، وقد أنشأ شارل رو في قلب القسم المغربي هيئة للعمل، مؤلفة من العناصر النشيطة العاملة بعضها أعضاء في اللجنة، والبعض الآخر ليسو أعضاء. والشخصية المسيطرة على هذا المسيو "مزاوبي" مدير إدارة "المغرب" في باريس وحاكم فيشي السابق، وقد عين سنة ١٩٤٢ مديرا لبوليس "مارسيليا" ولكنه لم يتمم عمله حيث بقى في المغرب وكان أيضا مديرا لاستعلامات الماريشال جوان، ثم عزل في أيام الجنرال جيوم وغادر المغرب بطلب من وزارة الخارجية، ثم أصبح رئيسا لمكتب المسيو "شيفينى" وكان يعمل بتحالف تام مع اللجنة المركزية لفرنسا أيام إبعاد جلالة الملك محمد بن يوسف. أحلاف الاستعمار وتلتف حول شارل رو، ومزاوبي وجاك لوفيير، طائفة من أقطاب الاستعمار والرأسمالية، ونذكر من بينهم "شاشتوني" و"هيرلي" و"دوريفيل" وطرون، مدير المالية السابق بالمغرب، ومونيك رئيس بنك باريس والأمم الواطئة، وبتيني الممثل الدائم لـ "آكوتوربي".

стр. 214

وآكوتوربي هذا من أكبر المعمرين في المغرب فهو رئيس الغرف الفلاحية في هذا القطر. وصديق جوان، ويلعب في مراكش نفس الدور الاستعماري الذي يلعبه في الجزائر بورجو. ونضيف إلى هؤلاء روبر مانتان، ومساعده الكومندان سالفي اللذين يحضران الجلسات عادة، والمقيم العام السابق في المغرب جابريال بيو، والذي يمثل في مجلس الشيوخ الفرنسي تونس، وهو ذو روابط عائلية مع بعض الأوساط البنكية البروتستانية الكبيرة في شمال إفريقيا وكذلك الفريد بوز من كبار رجال البنوك، وجيسكار ديستين، الذي نقل جزء من شركاته في الهند الصينية إلى المغرب. وهؤلاء جميعا يحضرون جلسات اللجنة. مقررات اللجنة وتتخذ الجماعات العاملة في اللجنة قراراتها في كثير من الأحيان بناء على المستندات التي تعدها - إدارة المغرب في باريس - وبعد ذلك تذاع بين النواب الفرنسيين الذين يشتغلون لمصلحة اللجنة. ومن الوثائق التي أعدتها أخيرا الوثيقة "رقم ٣" التي أذيعت بعد قضية علماء جامعة القرويين، بقصد إقناع البرلمان بأن دور العلماء في مبايعة الملوك ليس إلا دورا ثانويا ضئيلا حسب التقاليد، والوثيقة رقم "٤" حول التدخلات الأجنبية في العلاقات الفرنسية التونسية: وهذا يعني بالذات الهجوم الذي شنته النقابات الأمريكية والبريطانية على "عنصرية" النواب الفرنسيين. شبكة موصولة الحلقات ويتصرف كل من شارل رو، ومزاوبي، في شبكة متصلة الحلقات من أعضاء البرلمان الفرنسي من المعمرين القاطنين بالجرائر، ومن بعض المسلمين من بني "وي وي" الذين

стр. 215

يسيرون في ركاب هؤلاء، ومن كثير من النواب المتصلين بالشركات المالية الكبرى الموجودة في شمال إفريقيا، أو الشركات الفرنسية التي لها مصالح كبرى في الشمال الإفريقي، أضف إلى ذلك أن كثيرا من الذين شغلوا المناصب الوزارية في فرنسا يحاطون علما بكل ما تتخذة اللجنة من المساعي، ومن هؤلاء: "مارتينو دوبلا"، الذي شغل منصب وزارة الداخلية، وكان من أكبر المتحمسين لخلع السلطان المبعد، ويبدو وزير الخارجية السابق وشيفتني، ويناي الوزير الأول الأسبق. وفي المغرب حينما تعين الحكومة الفرنسية مقيما عاما في الرباط أو في تونس، يعتبر هذا المقيم من اللازم لنجاح مهمته أن يقيم علاقات ودية متينة، مع "شارل رو" لا فرق بين ذلك في جميع من يتولون منصب الإقامة العامة في تونس أو مراكش، وكثيرا ما كانت وزارة الخارجية تحاول إبدال أحد المقيمين، فتسعى اللجنة لإطالة مدة إقامته يا تقتضيه مصلحتها، واللجنة لها صلات متينة بالجماعة الإدارية التي لا زالت تتصرف في الشؤون المغربية في عهد لا كوسط - بموافقة أو بعدمها - كما كانت تتصرف في عهد جيوم. وأكثر هؤلاء المستعمرين الإداريين نشاطا هم: المراقب المدني كيراما، المستشار السابق للوزير المفوض دوبلسون الذي كان يشغل منصب معتمد في الإقامة العامة، وكيراما هذا هو أحد المدبرين لخطة خلع الملك، وهو الآن يقوم بالإشراك مع موظف آخر بأشغال المستشار الشريفة، ونذكر أيضا الكولونيل "هوبير" والكمندان "ديلكيروو" رئيس القسم السياسي، والكومنذان سالي وقد عينا في منصبهما أيام كان بونيفاس مديرا للشؤون السياسية، وهذه الجماعة من رجال الإدارة الفرنسية في مراكش هي التي تعد الخطط الاستعمارية الهائلة، وتعمل جاهدة للمحافظة على الوجود الفرنسي
следующие страницы →