Полный текст (484 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
اللجنة و "كيلمي" رئيس قسم المغرب. "مارتين" رئيس قسم مدغشقر، وهؤلاء الثلاثة أعضاء في المجلس الإداري، ومن أعضاء المجلس الاستشاري المسيو "روني مورو" والمسيو "بوداسمون" والمسيو كاستون من جمعيه الإتحاد الفرنسي والمسيو "بريبور" والمسيو "جورج كيي" رئيس المجلس الاستشاري والذي هو في نفس الوقت عضو "لجنة دراسات مشاكل ما وراء البحار" وهو من ذوي الميول الحرة.
الطبقة المسيطرة
أما الطبقة الأخرى من أعضاء "اللجنة المركزية لفرنسا فيما وراء البحار" فهي الطبقة التي تلعب الدور الحقيقي الخطير في قلب اللجنة، ومعظم أعضائها من أقطاب الاستعمار، وفي مقدمتهم "جاك لوفيير" الرئيس السابق للجنة رجال الصناعة بالمغرب. وشاستوني "مستشار الإتحاد الفرنسي"، والسفير بيو المقيم الفرنسي الأسبق بالمعرب و "دوران ريفي" و"الفريد بوز" من كبار رجال البنوك: وغيرهم.
فالمحرك لشؤون الجزائر ليس هو المحافظ "لوبو" الذي سبقت الإشارة إليه - وهو من الرجال الأحرار الذين ينظرون إلى الإسلام نظرة تسامح وعطف - بل المستعمر "بوجار" الحاكم السابق لمدينه وهران، والمستشار الفني السابق في حكومة "بليقن" الذي له صلات وثيقة بعضو مجلس الشيوخ الفرنسي "هنري بورجو" من أخطر رجال استعمار الجزائر، ويملك "بوجار" نفوذا كبيرا في أوساط وزارة الداخلية، بما له من صلات إدارية وسياسية، وهو الذي يشرف على إدارة "مركز الدراسات التشريعية الجزائرية" الواقع في بوليفار سان جيرمان رقم ٢٠٥ ويتولى هذا المركز العمل في الأوساط البرلمانية. وقد حصل هذا المركز على مبالغ طائلة من المال من المستعمرين الفرنسيين في الجزائر، ليقوم بمهمته خير قيام، والذي تولى الحصول على هذا المبلغ هو المسيو "بولار".
стр. 212
شؤون تونس
ويبدو نشاط اللجنة محدودا بالنسبة لتونس، فأمور هذا القطر تسير طبقا للبرنامج السياسي الفرنسي الذي رسمه المسيو "ييو" والمسيو "كولونا" - زعيم المعمرين في تونس - والمسيو كولونا لا يهتم بشؤون اللجنة إذ هناك هيئة هي "مركز الدراسات التونسية" الذي يشرف عليه المسيو "بانيو" وهو حاكم سابق والمسيو "بريسي" وهذا المركز يعمل باتفاق مع الهيئات الاستعمارية في تونس، وليست لهذا المركز صلات حقيقية بلجنة "شال رو" وهنالك لجنة أخرى تسمى "لجنة فرنسا وإفريقيا الشمالية" يترأسها الأستاذ "ليزور" وهي ذات صلات متينة مع لجنة شارل رو.
الدعاية الاستعمارية في أمريكا
وتتولى لجنة فرنسا الحالية "حليفة اللجنة المركزية" لفرنسا فيما وراء البحار - العمل في الولايات المتحدة، وهي التي تتولى ترويج أراجيف الاستعمار في أمريكا الشمالية، ويشرف على هذه اللجنة الصحافي "بال".
مشاحنات في قلب اللجنة
قلنا أن من بين أعضاء هذه اللجنة أعضاء متحررو الفكر بعض الشيء، إلا أنهم لا يلعبون إلا دورا ثانويا. وكثيرا ما يتصادمون مع الأعضاء المحركين لهذه اللجنة في مناقشات حامية تدور بين أولئك وهؤلاء.
ونذكر على سبيل المثال معركة دارت في السنة الماضية في قسم "المغرب العربي" بين "شارل رو"، والمسيو "كليمي" رئيس قسم المغرب في اللجنة، فقد هاجم شارل رو أثناء إحدى الجلسات الكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك، بسب انتقاداته الموجهة ضد سياسة الإدارة الفرنسية في المغرب، وهاجم أيضا جريدة
стр. 213
"طيموانياج كريطيان" نظرا لكتابتها مقالا حول التقارب الديني بين الإسلام المسيحية، وحمل هذا الاستعماري الكبير على الدين الإسلامي. فنهض المسيو كليمي ورد على شال رو قائلا بأن الإدارة الفرنسية في المغرب تستحق التقريع والانتقاد بسبب ما تقوم به في تلك البلاد، وصحح المسيو "كليمي" أخطاء "شارل رو" حول الدين الإسلامي، ورد على الحملات الزائفة الموجهة ضده.
المسيو مزاوبي
يتولى الأمانة العامة للجنة "شارل رو" المسيو "ووبر هيرلى".
ويتجلى نشاط اللجنة الفعال في مجال الشؤون المغربية التي توليها كل عناياتها، وقد أنشأ شارل رو في قلب القسم المغربي هيئة للعمل، مؤلفة من العناصر النشيطة العاملة بعضها أعضاء في اللجنة، والبعض الآخر ليسو أعضاء.
والشخصية المسيطرة على هذا المسيو "مزاوبي" مدير إدارة "المغرب" في باريس وحاكم فيشي السابق، وقد عين سنة ١٩٤٢ مديرا لبوليس "مارسيليا" ولكنه لم يتمم عمله حيث بقى في المغرب وكان أيضا مديرا لاستعلامات الماريشال جوان، ثم عزل في أيام الجنرال جيوم وغادر المغرب بطلب من وزارة الخارجية، ثم أصبح رئيسا لمكتب المسيو "شيفينى" وكان يعمل بتحالف تام مع اللجنة المركزية لفرنسا أيام إبعاد جلالة الملك محمد بن يوسف.
أحلاف الاستعمار
وتلتف حول شارل رو، ومزاوبي وجاك لوفيير، طائفة من أقطاب الاستعمار والرأسمالية، ونذكر من بينهم "شاشتوني" و"هيرلي" و"دوريفيل" وطرون، مدير المالية السابق بالمغرب، ومونيك رئيس بنك باريس والأمم الواطئة، وبتيني الممثل الدائم لـ "آكوتوربي".
стр. 214
وآكوتوربي هذا من أكبر المعمرين في المغرب فهو رئيس الغرف الفلاحية في هذا القطر. وصديق جوان، ويلعب في مراكش نفس الدور الاستعماري الذي يلعبه في الجزائر بورجو.
ونضيف إلى هؤلاء روبر مانتان، ومساعده الكومندان سالفي اللذين يحضران الجلسات عادة، والمقيم العام السابق في المغرب جابريال بيو، والذي يمثل في مجلس الشيوخ الفرنسي تونس، وهو ذو روابط عائلية مع بعض الأوساط البنكية البروتستانية الكبيرة في شمال إفريقيا وكذلك الفريد بوز من كبار رجال البنوك، وجيسكار ديستين، الذي نقل جزء من شركاته في الهند الصينية إلى المغرب. وهؤلاء جميعا يحضرون جلسات اللجنة.
مقررات اللجنة
وتتخذ الجماعات العاملة في اللجنة قراراتها في كثير من الأحيان بناء على المستندات التي تعدها - إدارة المغرب في باريس - وبعد ذلك تذاع بين النواب الفرنسيين الذين يشتغلون لمصلحة اللجنة. ومن الوثائق التي أعدتها أخيرا الوثيقة "رقم ٣" التي أذيعت بعد قضية علماء جامعة القرويين، بقصد إقناع البرلمان بأن دور العلماء في مبايعة الملوك ليس إلا دورا ثانويا ضئيلا حسب التقاليد، والوثيقة رقم "٤" حول التدخلات الأجنبية في العلاقات الفرنسية التونسية: وهذا يعني بالذات الهجوم الذي شنته النقابات الأمريكية والبريطانية على "عنصرية" النواب الفرنسيين.
شبكة موصولة الحلقات
ويتصرف كل من شارل رو، ومزاوبي، في شبكة متصلة الحلقات من أعضاء البرلمان الفرنسي من المعمرين القاطنين بالجرائر، ومن بعض المسلمين من بني "وي وي" الذين
стр. 215
يسيرون في ركاب هؤلاء، ومن كثير من النواب المتصلين بالشركات المالية الكبرى الموجودة في شمال إفريقيا، أو الشركات الفرنسية التي لها مصالح كبرى في الشمال الإفريقي، أضف إلى ذلك أن كثيرا من الذين شغلوا المناصب الوزارية في فرنسا يحاطون علما بكل ما تتخذة اللجنة من المساعي، ومن هؤلاء: "مارتينو دوبلا"، الذي شغل منصب وزارة الداخلية، وكان من أكبر المتحمسين لخلع السلطان المبعد، ويبدو وزير الخارجية السابق وشيفتني، ويناي الوزير الأول الأسبق.
وفي المغرب
حينما تعين الحكومة الفرنسية مقيما عاما في الرباط أو في تونس، يعتبر هذا المقيم من اللازم لنجاح مهمته أن يقيم علاقات ودية متينة، مع "شارل رو" لا فرق بين ذلك في جميع من يتولون منصب الإقامة العامة في تونس أو مراكش، وكثيرا ما كانت وزارة الخارجية تحاول إبدال أحد المقيمين، فتسعى اللجنة لإطالة مدة إقامته يا تقتضيه مصلحتها، واللجنة لها صلات متينة بالجماعة الإدارية التي لا زالت تتصرف في الشؤون المغربية في عهد لا كوسط - بموافقة أو بعدمها - كما كانت تتصرف في عهد جيوم.
وأكثر هؤلاء المستعمرين الإداريين نشاطا هم: المراقب المدني كيراما، المستشار السابق للوزير المفوض دوبلسون الذي كان يشغل منصب معتمد في الإقامة العامة، وكيراما هذا هو أحد المدبرين لخطة خلع الملك، وهو الآن يقوم بالإشراك مع موظف آخر بأشغال المستشار الشريفة، ونذكر أيضا الكولونيل "هوبير" والكمندان "ديلكيروو" رئيس القسم السياسي، والكومنذان سالي وقد عينا في منصبهما أيام كان بونيفاس مديرا للشؤون السياسية، وهذه الجماعة من رجال الإدارة الفرنسية في مراكش هي التي تعد الخطط الاستعمارية الهائلة، وتعمل جاهدة للمحافظة على الوجود الفرنسي
стр. 216
في المغرب، ومن ورائها لجنة جبابرة من المستعمرين الرأسماليين الكبار في باريس الذين يتجرون في ضمائر النواب والموظفين المسؤولين بالمال بغير حساب، فيعرقلون بذلك جميع المساعي التي تهدف إلى الاعتراف بحق المغرب.
وقد صرفت اللجنة ما يزيد عن مائة وخمسين مليونا من الفرنكات في شهر أوت سنة ١٩٥٣ فاضطرت الحكومة الفرنسية إلى المصادقة على خطة إبعاد الملك، وتقرير الإصلاحات الرامية إلى تجزئة السيادة الوطنية، وهي تصرف المبالغ الطائلة منذ استلام مانديس فرانس لمقاليد الأمور في فرنسا وذلك لعرقلة كل سياسة من شأنها أن تحل الأزمة المستفحلة في المغرب، والاستمرار في استغلال أرضه ومقدراته.
إن هذه اللجنة الاستعمارية، تملك من القدرة والنفوذ، ما لا يلكه "مانديس فرانس" و"نفوشي" و"لاكوسط" فالسياسة المغربية، يقررها جبابرة الاستعمار في المغرب وفي فرنسا، ثم يفرضونها بأموالهم ونفوذهم.
إن الكفاح المغربي، الذي يتجه الآن إلى مقاطعة الاقتصاد الفرنسي، ومقاومة عناصر الاستغلال من المعمرين والمستعمرين، والحيلولة بينهم وبين الاستمرار في استغلال المغرب، وإبقائه مسرحا لمطامعهم التي لا تنتهي، وبشعهم الذي لا يعرف الحد، هو الطريق الوحيد إلى إرغام فرنسا على الاعتراف بحقوق المغرب وجعل تلك الطائفة من المستعمرين الكبار تتخلى على أطماعها ومحاربتها لا بد أن يحقق ما يصبو إليه من حرية وسيادة وعزة واستقلال إن شاء الله.
هذه حقائق خطيرة تحتاج إلى نظر عميق من القارئ الكريم، لكي يدرك جيدا مر هذا الأخطبوط، الذي يسمى "بالجالية الفرنسية في المغرب العربي" والذي يسعى لتأييد استعباد هذه الديار، تحت أسماء مختلفة، أحدثها "الوجود الفرنسي" وهذا الوجود لا يعني في تفسير المستعمرين، إلا الإستعباد
стр. 217
في أشنع معانيه، ولكن الله يقول: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ الرعد: ١٧.
عن مكتب جمعية العلماء المسلمين بالقاهرة
الفضيل الورتلاني
جبهة تحرير الجزائر للتاريخ
كانت جماعة من أبناء الجزائر المسؤولين، والمقيمين في القاهرة - تداعوا إلى عقد اجتماع لدراسة المواقف وما يتطلبه، ويمليه عليهم من واجبات، خاصة بعد اندلاع الثورة.
ولقد استقر رأيهم من ذلك الوقت على الوثيقة التالية التي تأخر نشرها حتى اليوم لأسباب لا محل لذكرها هنا.
كما كان الأمير محمد عبد الكريم الخطابي أول من أمضى الوثيقة وباركها، كما أمضاها السادة: شقيقة الأمير محمد عبد الكريم، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والفضيل الورتلاني، وأحمد بيوض، والشاذل مكي، يوم ٥ - ١٠ - ١٩٥٥، على أن تبقى مفتوحة ليمضيها كل من له ماض صادق، وسعي مشكور من أبناء الجزائر المخلصين العاملين.
ولقد اتفقت الكلمة على أن تسمى الجماعة (جبهة تحرير الجزائر)، وعلى أن تسند رئاستها للمجاهد الأمير محمد عبد الكريم الخطابي، لفضله على حركات التحرر في الغرب العربي، وإسداء رأيه في كل عمل يكون الغرض منه مقاومة الاستعمار والمستعمرين.
وفيما يلي نص الوثيقة التي بحثها الجميع، واتفقت عليها الكلمة منذ اليوم السابع من شهر نوفمبر الأخير سنة ١٩٥٤:
стр. 218
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في الجزائر العربية المسلمة اليوم، كفاح مسلح خطير، دفع الشعب الجزائري إليه مرغما بسبب الاضطهاد الاستعماري الغاشم، الذي لا يريد أن يفتح عينيه على الواقع ليتطور مع الزمن، رغم أن أهل الدنيا كلهم تطوروا، وعرف حتى المستعمرون الأقوياء أنفسهم، من غير الفرنسيين، أن الاستعمار في القرن العشرين لم يعد أسلوبا صالحا للبقاء.
ولقد كان من طبيعة التخصص في الأعمال، وطبيعة اختلاف وجهات النظر، في أساليب العمل، عندما تكون الظروف عادية، كان ذلك يقضي أحيانا بوجود أحزاب وهيئات، فتتحول إلى جيش واحد معبأ للكفاح، ويجب أن ترتفع جميع الآراء، أما في ظروف الجهاد التي تقرر مصائر الأمم، وتنتهي بالموت أو الحياة، فيجب أن تذوب أثناءها الأحزاب والهيئات، فتتحول إلى جيش واحد معبأ للكفاح، ويجب أن ترتفع جميع الآراء المختلفة، فتتحول إلى رأي واحد موحد، يستهدف استعمال جميع المواهب للوصول إلى التحرر والنصفة من الظالمين، لذلك اجتمعت الشخصيات المسؤولة والموجودة اليوم في ضيافة مصر الشقيقة، وتدارسوا الأمور بعناية وعمق، فكانت قلوب الجميع، وآراء الجميع متفقة والحمد لله، وكانوا مقتنعين بجميع ما تضمنته هذه المقدمة من المعاني، ثم قرروا بالإجماع وبدون تردد ما يأتي:
١ - يعتبر الشعب الجزائري اليوم على اختلاف أفراده، وجماعاته، وأنواع اختصاصاته فيما يختص بالكفاح القائم، يعتبر ذائبا في كتلة واحدة، اسمها (الشعب الجزائري) ومن شذ شذ في النار.
٢ - يعتبر المغرب العربي بأقطاره الثلاثة: تونس، والجزائر، ومراكش، أمة واحدة يكمل بعضها بعضا، ويجب التعاون بين الجميع، تعاونا تاما في الحرب والسلم، حتى ينالوا حريتهم جميعا.
стр. 219
٣ - تألفت في القاهرة هيئة تحت اسم (جبهة تحرير الجزائر) تمثل إحساسات الأمة الجزائرية ومشاربها، وذلك لتنظيم الأعمال وتحمل المسؤوليات، وإلا فكل جزائري صالح، يجب أن يعد نفسه عضوا عاملا في هذه المعركة المقدسة الفاصلة.
٤ - هذه الهيئة الجزائرية مستعدة من الآن لتذوب في هيئة أجمع وأشمل للأقطار الثلاثة بنظام يوضع، ومسؤوليات تحدد.
٥ - تبعث الهيئة بتحياتها العميقة إلى المكافحين في الجزائر، وفي جميع أقطار المغرب العربي، سواء منهم من حمل السلاح، أو من كان عاملا وراء الميدان، وتدعوهم جميعا ليوطنوا أنفسهم على الصبر والتضحية، وجميع القلوب، وتسوية الصفوف، وتبشرهم بأن الأمل في النصر عظيم إن شاء الله، ولكنها تنذرهم بأن العمل شاق وأن الطريق طويل.
٦ - تهيب الهيئة بإخوانها العرب والمسلمين، ثم بأحرار الدنيا جميعا، ليشدوا أزر المكافحين في سبيل الحرية والحق، وليؤدوا زكاة الأخوة، وزكاة الإنسانية المقدسة، وليمنعوا ما قد يترتب على هذا الظلم الفرنسي الفادح، من قيام حرب عالمية تهلك الحرث والنسل والعياذ بالله.
القاهرة في
١١ جمادى الأولى ١٣٧٤
٥ يناير سنة ١٩٥٥
إلى حضرات الوزراء الأربعة الكبار في جنيف
إن المشاكل العالمية التي تنتظر من حكمتكم وحزمكم، حلولا صالحة، لهي كثيرة جدا، ولكن مشكلة الجزائر والمغرب العربي، نراها نحن، من النوع الخطر والسريع، فإهمالكم لشأنها، أو السير بعيدين عن جادة العدل والإنصاف فيها، كما يفعل البعض
стр. 220
حتى الآن، سيؤدي حتما، إلى قلق أوسع وأخطر، وقد يسبب في النهاية حرب عالمية ثالثة مهلكة، وأنتم الذين ستتحملون بطبيعة مراكزكم المسؤولية العظمى، أما الأجيال.
لقد أفنيتم بحق الهند الصينية، وبحق منطقة السار، في تقرير المصير، وتدخلتم بالسلاح في مصير كوريا، وأقررتم مبدأ الحرية بالنسبة للهند، وباكستان، وبورما، والفلبين، والصومال، والسودان، وساحل الذهب، ونيجيربا، وغيرهم، وتطالبون بمثل ذلك للشعوب الواقعة وراء الستار الشيوعي، وتساعدون اليوم بكل همة على توحيد ألمانيا، فهل تكون كل تلك الشعوب أرقى وأحق بالحرية والاستقلال من شعب المغرب العربي.
هذا الشعب العريق في الحضارة، والذي شارك في تنوير أوروبا نفسها وفي تحريرها، وتعلمون حضراتكم، أن القوات المسلحة التي عبأتها فرنسا، ضد الجزائر العزلاء وحدها، تقدر بمئات الآلاق، حتى صار لها مظهر إرادة الإفناء، وطابع حرب عالمية شاملة، إذ سبت إليها قوات من ميثاق الأطلنطي، ومن الهند الصينية، ودعت الاحتياطى للخدمة، ولا تزال مساعيها مبذولة بكل حماس، لتوسيع نطاق الامدادات، واعلموا يا سادة أن المكافحين في الجزائر وفي المغرب العربي، إنما هم رجال مقاومة، وطلاب حرية ووحدة، مثلما فعل رجال المقاومة، الفرنسيين تماما، أيام الاحتلال النازي لوطنهم، ولقد ساعدتموهم في ملاء من الدنيا، بجيوشكم، ودمائكم، وأموالكم، فأصبح هؤلاء المقاومون الفرنسيون، في نظر العالم الحر أبطالا، وأصبحتم أنتم، تعتبرون بمساعدتكم منجدين ومنفذين، فما بالكم مع الجزائريين والمغاربة؟ نرجوا أن يكون الحكم واحدا، وإلا فإن التاريخ جبار، لا يرحم أحدا وهو أقوى منا ومنكم.
بيروت في ٢٨ - ١٠ - ١٩٥٥
الفضيل الورتلاني
стр. 221
إلى مولاي محمد بن يوسف
سلطان مراكش
في ذمتكم أمور أربعة خطيرة ...
سيدي صاحب الجلالة:
لقد امتحنتم بقسوة استعمارية باطشة، فصبرتم بعزمة عربية إسلامية مثالية، وضحيتم بأعز ما يملك المرء في دنيا الناس، ولكن المغرب العربي بأسره، والأمة العربية والإسلامية بل أحرار العالم جميعا، قابلوا صنيعكم العظيم بوفاء أعظم، وبتقدير منقطع النظير، وإنما فعلوا ذلك مع جلالتكم، تكريما للشهامة، وتقديرا لفداء المصلحة العامة، وإعجابا بروح الكبرياء على المستعمرين المغرورين، مع إيثار السير، في ركب أبناء شعبكم المستضعفين، فبفضل الله، وبفضل وعي الشعوب الصحيح، وبفضل التضحيات الغالية، عدتم إلى عرشكم، منتصرين انتصار الحق على الباطل، والحرية على الاستعباد.
وإننا إذ نهنيكم من أعماق القلوب فإننا لا نشك بأن هذه المعاني جميعا، موضوعة في حسابكم، على أن مقامكم المحترم، لا يمنعنا من تذكيركم بطباع المستعمرين، القائمة كلها، على المساومة ثم الغدر، فاحذروهم حفظكم الله، أن يشوهوا، جمال ذلك الذي كسبتموه، من مجد جدير بالخلود. هذا وإن في ذمة جلالكم اليوم بنظرنا، أمورا أربعة هي من الخطورة بمكان، أعانكم الله عليها.
الأمر الأول: أن لا تقبلوا بغير الاستقلال التام الواضح.
الأمر الثاني: وجوب اعتبار قضية المغرب العربي واحدة لا تقبل الانفكاك.
стр. 222
الأمر الثالث: العمل على صيانة حركة الكفاح المسلح البريء حتى تنال الحقوق بالفعل كاملة.
الأمر الرابع: الاعتماد بعد الله على الشعب دائما، والأخذ بالشورى التي قدسها الله.
أدام الله توفيقكم وجنبكم العثرات
الفضيل الورتلاني بيروت في ١١ - ١١ - ١٩٥٥
كونوا ربانيين
﴿ما كان لبشر أن يوتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾ آل عمران: ٧٩.
مذكرة من الأمير عبد الكريم الخطابي إلى الجامعة العربية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حضرة السيد الكريم الأمين العام لجامعة الدول العربية المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فإني إذ أجدد شكري لسيادتكم على اهتمامكم الكريم بقضايا المغرب العربي، فإني أغتنم فرصة اجتماع مجلس الجامعة، وقيام الأحداث الخطيرة في ديار المغرب المكافحة، فأرجوكم بما لكم من واسع الإطلاع على قضاياه، أن تكونوا أمام الأعضاء المحترمين خير مبلغ، وخير مرافع عنها، كما أرجو أن تتكرموا برفع المذكرة الآتية إلى الأعضاء المحترمين ولكم الشكر سلفا. حضرات السادة الكرام. ممثلي الدول العربية، في مجلس الجامعة المحترمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
стр. 223
فإني أسأل الله أولا، أن يوفقكم في مهمتكم العظيمة، وأن يسدد خطاكم في خدمة الأمة العربية، وأن يمدكم بالقدرة التي تمكنكم من الإشراك في التخفيف من الآلام الإنسانية كلها، ثم إنني على يقين من إطلاعكم على أحوال المغرب العربي بأقطاره الثلاثة، تونس والجزائر ومراكش، فلديكم من المذكرات والمستندات والمعلومات الشيء الكافي، وعليه فلا أدعي أنني سأزيدكم الآن علما بها، وإنما الذي أقصد إليه في هذه الكلمة، أن أذكر - والذكرى تنفع المؤمنين - بأن الحلة في تلك الديار قد تغيرت تغيرا يستوجب من الجمع عناية خاصة وجديدة فالثورة التي قامت أخيرا في الجزائر بعد حوادث تونس ومراكش، أخذت طابعا من الجد، قدره العدو لما تعلمون حق قدره، ولربما قدره أكثر قدره، ليضمن العواقب لصالحه، ونحن نأمل أن تكون هذه الحركة الجدية بداية لنهاية الاستعمار الفرنسي في بلادنا، ولكن ذلك متوقف لا محالة على ما نقوم به من أعمال جدية، وما نأخذ به من أسباب معقولة، والنتائج على كل حال ستكون خطيرة جدا، فإن كانت الغلبة لنا في هذه المرة استرحنا من الاستعمار إن شاء الله إلى الأبد، وإن كانت الأخرى لا قدر الله، فمن المحتمل جدا، أن نعود إلى الوراء خمسين عاما أو تزيد، وهذه البلاد في نظر الماضي، والحاضر والمستقبل، هي بلادكم، وأنتم اليوم المسؤولون القادرون، ونحن جنود من ورائكم، نشهد الله والتاريخ، أننا قد وضعنا أعز شيء لدينا هو - الحياة - تحت تصرف القضية، وتحت تصرفكم في كل ما يؤدي إلى خدمتها، وأكتفي بهذا الآن منتظرا ما ستكلفوننا به، وإذا لزم منا أي توضيح في طرق العمل، ووسائل النجاح فإننا طبعا على استعداد، وأخيرا فليسمح لي حضرات السادة الأعضاء، أن أوصيهم باسم الأخوة، بأمرين مهمين الأول: هو تكتيل القوى والثاني: السرعة اللازمة التي تفوت على العدو أغراضه الخطيرة.
وأسأل الله مرة أخرى أن يوفقكم وينصركم والسلام عليكم ورحمة الله.
تحريرا في ٢٩ - ١١ - ١٩٥٤
стр. 224
نداء من الأمير عبد الكريم الخطابي
إلى أبناء المغرب العربي المجاهدين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى أهل شمال إفريقيا، من علماء وأعيان وتجار وفلاحين وشيوخ وشبان، وبعد، فإن هذا الذي يتكلم إليكم اليوم هو جندي من إخوانكم ومن قدماء المحاربين يحييكم أكرم تحية، ويدعو لكم بكامل التوفيق ويوصيكم في هذه الظروف الدقيقة الحاسمة بالكلمات الآتية:
أيها القادة الثائرون. أيها الضباط والجنود المكافحون. أيها الشعب الكريم
إليكم أيها المكافحون أوجه هذه الكلمة بمناسبة قيامكم للدفاع ضد الطغيان وضد جماعة من الفرنسيين، خرجت عن كل القوانين السماوية والأرضية، ودأبت على التمرد والخروج عن الحدود المفروضة على الإنسان في معاملة أخيه الإنسان، وجعلت تتحدى وتستفز وتتحرش بكل الوسائل بعد ما سلبتنا كل شيء، وبعد ما تكرر اعتداؤها. هذه الجماعة لا تعرف قيمة للكرامة الإنسانية، ولذلك داست حرمة أهل البلاد، وعذبتهم بكل ألوان العذاب.
لقد حان وقت تصفية الحساب أيها الإخوان المجاهدون
إن هذه الجماعة الفاسدة لا ينفع معها إحسان ولا يفيد معها صبر ولا تعترف بشيء اسمه الخير من أي إنسان، فأفراد هذه الجماعة من الفرنسيين الذين سموا أنفهم المعمرين
стр. 225
قد أطلقوا العنان لطغيانهم واعتدائهم حتى نفذ الصبر الذي كان يتذرع به الصابرون، لتأخير ما حدث اليوم حقنا للدماء ومحافظة على الأرواح ولكن إلى متى؟.
أما وقد نفذ الصبر وطال عهد الطغيان والفساد وصارت الحياة مع هذه الجماعة لا تطاق، فقد نهضتم للكفاح والدفاع وأطلقتم صفارة الإنذار ليعلم الطغاة أنه قد حان وقت تصفية الحساب، ولتعلم الجماعة أن أهل المغرب يصبرون ولكنهم أباة الضيم وليسوا بجنباء.
المستعمرون أجبرونا على الانفجار
أيها الأبطال المكافحون في تونس والجزائر ومراكش
لقد حان الوقت لتسمع جماعة الاعتداء الصوت الذي بحثت هي نفسها على سماعه ولتفهم ما يجب أن تفهمه بلغة القوة الصريحة.
أيها الإخوان الجزائريون نحن جميعا ما كنا نود في يوم من الأيام أن تصل الحالة في شمال إفريقيا إلى هذه المرحلة الدامية، ولكن رغبة جماعة المفسدين من الفرنسيين في الفتنة هي التي جعلتكم وجعلتنا جميعا ننفجر، فنهضتم تدافعون هذا الدفاع المبارك المجيد، ونزلتم إلى الميدان الذي تريده الجماعة الضالة جماعة المخربين الذين سموا أنفسهم معمرين، ومعهم بعض أنصارهم وشركائهم الموجودين في فرنسا، والذين تآمروا على بلادنا فهتكوا حرماتنا هتكا مريعا، وسلبوا أموالنا، وقتلوا رجالنا وأمعنوا في القتل والإبادة والمحق كلما وجدوا فرصة وكلما سنحت لهم سانحة.
لا مفاوضة بعد اليوم أيها الإخوان المكافحون في المغرب العربي كله
اتحدوا وكونوا صفا واحدا ولتتحد قلوبكم قبل أبدانكم، واجعلوا من هذه الحركات التحريرية كفاحا إجماعيا، كما جعل أعداؤكم الظلم إجماعيا، إنهم ظلموكم جميعا فقاتلوكم جميعا حتى تطردوهم من بلادكم، وقد أفنيتم، أعماركم
стр. 226
معهم في السلم والمفاوضات السلمية فلم ينفعكم ذلك شيئا، فسدوا معهم باب المفاوضات واجعلوا شعاركم لا مفاوضة بعد اليوم، واعلموا علم اليقين أنهم لا يثقون بكم سالمتم أو حاربتم، فلا تثقوا بهم ولا تجعلوا معهم عهدا ولا ميثاقا.
نريد أن نعيش أحرارا أيها الإخوان المكافحون
طالما حذرنا هذه الطائفة المعتمدة على الطغيان والظلم، أنذرناها بسوء العاقبة إن هي استمرت تتحكم في مصير أهل شمال إفريقيا، ولم تترك البلاد لأهلها، وكررنا مرارا على أسماعهم بواسطة الصحافة، إننا لا نريد إلا أن نقف على أقدامنا ونعيش في المستوى الذي تعيش فيه بقية الأمم الحرة، ولكن جماعة الطغيان والضلال قد أصمت آذانها عن سماع كلمة الحق، وسدت على نفسها باب الحكمة والرشد والخير.
الشعب الفرنسي لا يريد حربا
اتحدوا ورتبوا صفوفكم ولا تسمعوا لما يعرضونه عليكم من المهادنة فما هي إلا خدعة وتحليل وتضليل وكسب للوقت، وما هذه الأشياء إلا حيلة تدل دلالة قاطعة على عجز هذه الجماعة وخوفها وعنوان من عناوين مصيرها الأسود النهائي. تأكدوا أن شعب فرنسا لا يريد حربا ولا يذهب إلى حرب فهو يعلم أن جماعة الطغيان عدوته أيضا لأنها تخدعه كما تخدعنا بالكلام المعسول الخادع، والشعب الفرنسي يعلم أكثر من غيره أن هذه الجماعة، تلعب بحياة الجمع لتعيش وحدها في الرفاهية.
كلمتي إلى أهل تونس وإلى الجنود في جيش فرنسا
إن جماعة الضلال من الفرنسيين يحاربون بما يسمونه المفاوضة ليخدعوا الشعب التونسي، وغايتها من هذا هو فصل المكافحين التونسيين عن إخوانهم
стр. 227
الجزائريين والمراكشيين وسحبهم من ميدان الكفاح، فلا تثقوا بكلمهم ولا بوعودهم فأنتم تعلمون مصير أربعين من المجاهدين (الفلاقة) منذ بضع سنوات فقد استنزلهم الفرنسيون بالأمان ثم خدعوهم وقتلوهم عن آخرهم.
أما كلمتي إليكم أيها الجيش المغربي من التونسيين والجزائريين والمراكشيين الموجودين في الجيش الفرنسي فهو أن تمتنعوا عن مقاتلة إخوانكم الذين قاموا لطرد الطائفة الباغية.
فقد علمتم أن إخوانكم الجزائريين قد قاتلوا مع فرنسا في حرب القرم وقاتلوا أيضا في حرب السبعين ضد الألمان في جيش نابليون الثالث وقام أهل شمال إفريقيا كلهم في الحربين العالميتين الأولى والثانية وفتحوا لفرنسا مدغشقر والهند الصينية، وتمتعت الطائفة الباغية بخيرات هذه البلاد بثمن دم المغاربة، كل هذا لم يجعل هذه الطائفة أن تتطلب كلمة شكر لهؤلاء التعساء الذين قاتلوا من أجلها وخسروهم لتربح هي.
إلى الفرنسيين الأحرار
إلى طائفة الاستعمار تريد أن تبقى في شمال إفريقيا إلى الأبد، وقد حان الوقت لتعلموا يا أهل شمال إفريقيا هذه الحقائق لتعلموا ما يلزم عمله وهو طرد الطائفة الباغية، أما أنتم يا أحرار فرنسا فقد حان الوقت أيضا لأن تقولوا كلمتكم لإنقاذ سمعة فرنسا بل لإنقاذ فرنسا نفسها، لا من أهل شمال إفريقيا بل لتنقذوها من عدو فرنسا الحقيقي، وهو هذه الجماعة التي تعبث بشعب فرنسا حسب أهوائها، واعلموا أنه لا يصلح لكم بحال من الأحوال السكوت والإغضاء، بل يجب عليكم أن تفعلوا ما فعله أحرار الأمم الأخرى القوية الأبية وأن تكفوا شر هذه الجماعة الظالمة عن أهل شمال إفريقيا.
стр. 228
وكلمتي - أخيرا - إلى الموظفين والساكنين
يجب - أيها الإخوان أن تعلموا أن إخوانكم المكافحين إنما يعملون لمصلحة الجميع وليس غرضهم الانتقام من أحد، وأنهم لم يثوروا على الفرنسيين لأنهم فرنسيون، وإنما ثاروا على الظلم الذي تعانونه جميعا من الطائفة الاستغلالية. وأنتم تعلمون أن أكثر هذه الطائفة ليست فرنسية، ولم تجمعهم مع بعض الفاسدين المفسدين من الفرنسيين إلا المصلحة المادية في استغلال أرضكم وامتصاص دمائكم.
فالواجب عليكم أن تشدوا أزرهم بكل ما يمكنكم ولو بالكلمة الطيبة، واحذروا من شياطين الاستعمار أن يلقوا بينكم العداوة والبغضاء، ثم يقتلوا بعضكم بيد البعض الآخر، فإنما هم أعداؤكم جميعا ولا تظنوا أنهم يرضون عن واحد منكم ولو خدمهم بدمه وماله، والدليل القاطع هو أن عشرات الآلاف من أبنائكم وأبناء أمتكم ماتوا في سبيل هؤلاء، ثم لم يكافؤوهم ولو بكلمة شكر.
أيها الإخوان هذه نصيحتي إليكم وهي صادرة عن قلب محب لكم مخلص لقضيتكم، ولذلك تسمعونها بلغة بسيطة خالية من التكلف، وقد سبقكم صاحبها إلى هذا الميدان وإلى الثورة على الظالمين أعداء الحق وأعداء الإنسانية.
محمد عبد الكريم الخطابي القاهرة ١٠ نوفمبر سنة ١٩٥٤
خطابات مفتوحة من الورتلاني إلى سفير فرنسا في القاهرة
نقدم هنا طائفة من المقالات كان الأستاذ الورتلاني قد وجهها في صورة خطابات مفتوحة إلى سفير فرنسا في القاهرة عام ١٩٥٤ أثناء قيام الثورة الجزائرية يومئذ، وذلك ردا على مزاعم للسفير، كان أفضى بها إلى رجال كبار ومسؤولين من المصريين وغير المصريين، ادعى فيها بأن الورتلاني، إنما هو رجل حاقد على فرنسا، وأنه يعمل بكل الوسائل لتشويه سمعتها في هذا الشرق، وأن أكثر ما
стр. 229
يدعيه عنها وينبه إليها من ظلم وعدوان وحرمان، إما أن يكون كذبا محضا، أو على الأقل مبالغا فيه إلى حد بعيد.
فكانت هذه المقالات المفتوحة بمثابة رد على مزاعم السفير، وتحد لدولته "فرنسا" وقد بلغت هذه المقالات يومئذ، نحو ثمانية عشر رسالة، نشرت أولا في جريدة "مصر الفتاة" في أعداد متوالية، ثم نقلتها بعض الجرائد السورية، والعراقية، وأخيرا جمعت جريدة "النذير" المصرية، التي تصدرها جمعية "شباب سيدنا محمد ﷺ " في القاهرة بتاريخ ٤ محرم سنة ١٣٦٦ عدد ١٥١ و ١٥٢) بعضها في عدد خاص، بكفاح جبهة الدفاع عن إفريقيا التالية، التي كان يرأسها العلامة الشيخ "محمد الخضر حسين" ويقوم بسكرتاريتها الأستاذ "الفضيل الورتلاني".
ومن تمام الفائدة، أن تدرجها في هذا الكتاب للتاريخ، ولما فيها من الحقائق عن بشاعة الاستعمار الفرنسي، لا يكاد المرء يصدقها، وكنا نود أن نحصل على جميع تلك المقالات، ولكننا لم نستطع أن نحصل إلا على هذا القدر الذي نشر في جريدة النذير الغراء. وإلى القراء الكرام المقالة الأولى ثم تتلوها بقية المقالات:
حول غطرسة الفرنسيين في شمال إفريقيا (١)
حضرة السفير الجليل
بعد تقديم كل ما يجب من الاحترام لمثلكم. بلغنا من الثقات أن الناطقين بلسانكم يزعمون أننا نبالغ دائما في عرض الحقائق عندما نتحدث عن صلات استعماركم لبلادنا، وأننا نختلق من الحوادث والمظالم ما لا يوجد إلا في مخيلاتنا وشهواتنا وهذا الأسلوب، وإن كانت مذاهب الدعاية تجيزه في كثير من الأحيان ولكننا نحن نربأ بمروءتنا أن نكون مفترين، لأن المفتري لا تروج بضاعته إلا حينا من الدهر ثم تذهب
стр. 230
ثقته واحترامه بين الناس، ثم أننا أكرم على أنفسنا من أن نسلك سبيل السفهاء من الناس فنجعل هدفنا الأول هو الطعن والسباب، بل الغرض الوحيد أن نحمل الناس على إنصافنا، ولو إنصافا غير كامل، اللهم إلا إذا كان النداء بالحق نوعا من الطعن عندكم والغضب لإهانته نوعا من السباب لديكم، فإذا كان الأمر كذلك فإننا نخشى أن تجدوا منا أعظم الطاغين وأكبر السبابين.
على أننا نرجو أن نجد عندكم من الاستعداد لدراسة الأمور على طبيعتها وسماع الحقائق الحلوة والمرة كما هي، والقيام برسالة السفير الحكيم الحازم على أكملها ما يشجعنا على أن نقدم سلسلة من الخطابات المفتوحة نعرض فيها لكم من البيانات والنصائح التي تنفع سمعة تاريخ بلادكم ومصلحة مستقبل شعبكم ودولتكم ما لا تجدونه عند أحد المنافقين الذين يصطنعهم الاستغلاليون الأنانيون للرد على كل سؤال بنعم، ولحمد كل فعل ولو كان يذهب بالناس إلى جهنم .. كما لا تجدونه عند المستعمرين والمتفرنسين والاستغلاليين أنفسهم.
يا حضرة السفير: أنت تعلم أنه قد مضى على استعمار فرنسا لبلاد إفريقيا الشمالية ما يزيد على قرن من الزمان وكان هذا الاستعمار مباشرة بواسطة مجموعة متفرنسة من أخلاط من الناس حضرت أو أحضرت من كورسيكا ومالطة وإسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرهم لا يجمعهم إلا رابطة المصلحة الشخصية البحتة ولا يقيمون وزنا للظروف الدولية ولا يعملون حسابا لسمعة فرنسا ولا لعظمتها الحقيقية، ولا لمستقبلها الطويل إنما كل همهم أن يجمعوا المال أكواما، ولحسابهم الخاص وأن يذلوا باسم فرنسا هذه الملايين من البشرية الكريمة بالسلطان والبأس وأن يسدوا عليهم كل أبواب الحياة فيحرموهم من التعليم حتى في أول مراحله، ويرتكبوا في سبيل ذلك كل ما يزري بسمعة فرنسا الثقافية بل بسمعة الإنسانية عامة في القرن العشرين.
стр. 231
ثم يبعدونهم عن مواطن الكسب من تجارية وصناعية وإدارية ثم تتكون عندهم عصبية ضد أولئك العرب كلها حقد ظاهر وازدراء مكشوف، الأمر الذي يجب أن يحز في نفوس من يغارون على فرنسا.
إن هذه السياسة الحقيرة إنما يحملون كل وزرها لفرنسا نفسها واليوم هو يوم الامتحان ويوم الفصل في مصائر الأمم: إما أن تبرأوا من أعمال هذه الشرذمة وتتقدموا من جديد بأسلوب كريم على أنفسكم وكريم علينا، وإما أن تقروا أعمالهم فتكون هي أعمالكم فيومئذ يرى كل منا مصلحته في أي واد من الأودية فيسبح فيه.
وفي العدد القادم تجدون الأمثلة والتفاصيل وإلى اللقاء.
مصر الفتاة
٩ ذو الحجة سنة ١٣٦٤
١٤ نوفمبر سنة ١٩٤٥
حول غطرسة الفرنسيين أبضا (٢)
حضرة السفير المحترم وعدتكم في العدد الماضي إيراد التفاصيل والإتيان ببعض الأمثلة على مساوئ استعماركم في إفريقيا الشمالية وها أنذا منجز وعدي - وإليكم البيان: -
لعل أقرب الحوادث إلى الأذهان هي ثورة الجزائر الأخيرة تلك الثورة المحزنة المريعة التي كثر عنها الحديث في الصحف والأندية والتي أعدنا نحن القول فيها في كثير من المناسبات وكنا فيها بحق متحمسين وكنا فيها ثائرين - ومع أننا في تلك الحالة النفسية الشاذة كان يجوز أن نكون مبالغين وكان يجوز أن نكون متحاملين ولكننا لم نكن كذلك كما سترى، لقد تصورنا دماء آبائنا وإخواننا وأبنائنا بل وإخواتنا وبناتنا ونسائنا .. تصورناها تراق على مذابح الشهوات الاستعمارية لحساب طائفة من المتفرنسين الانتفاعيين الذين جمعتهم
стр. 232
إلى الجزائر مجرد الصداقة النفعية من كل أطراف أوروبا ومن جزر البحر الأبيض المتوسط وأطلقتم أنتم عليهم اسم الفرنسيين وأبحتم لهم العمل (مع الأسف) باسم ماضيكم العظيم وكانوا إلى الأمس القريب يحيكون الدسائس مع النازيين والفاشيين ضد فرنسا الحرة والإنسانية ويشاء سوء الطالع أن تبتدئ المذبحة الكبرى يوم الاحتفال بالنصر، النصر الذي كان الجزائريون وإخوانهم المراكشيون والتونسيون فيه وقوده الأول - وكانوا فيه حجر الزاوية والذي ترددت فيه صدى بطولتهم في سبسليا وإيطاليا وكورسيكا وتونس وفي فرنسا نفسها ثم في ألمانيا أخيرا - ونوه بذلك كبار القواد من الحلفاء وسجله مستر تشرشل في إحدى خطبه التاريخية كان جزاء أولئك المحررين البواسل في يوم الحرية الأخير أن بادر الجلادون المستعمرون إلى إشعارهم بواسطة النار والحديد بأنهم لا يزالون عبيدا أرقاء وأن النصر عليهم لا لهم خشية أن يذهب بهم الغرور مذهب البطش فتحدثهم أنفسهم بالخروج عن طاعة أسيادهم أشباه الآلهة في القرن العشرين.
ولكن الجزائريين الذين قدموا مئات الألوف من زهرات شبابهم إلى الموت في ساحة النزال باسم الحرية فذهب أكثرهم ضحيتها قتلا أو تشويها، لم يكونوا سوائم يعبث بثمن دمائهم بمثل هذه السرعة وبمثل هذه الصورة التي تتنافى مع أقل درجات الوفاء والمروءة لقد كان طبيعيا أن يسجلوا غضبهم وأن يثوروا لحقهم المغصوب إلى جميع طبقات الأمة وأن يشمل الرجال والنساء والصغار والكبار وكان طبيعيا أن تباع النفوس رخيصة غاضبة لهذا الغدر إغتباطا واختيارا ثم كان ما كان من حشد حكومتكم للقوات البرية والبحرية والجوية وتعبئة العسكريين والمدنيين وتسليط الجميع على الثوار وعلى الآمنين الأبرياء في المدن والقرى.
ولقد كان طبيعيا أيضا رغم الحصار الذي ضربتموه على هذه البلاد أن تتسرب أنباء هذه الكارثة إلى بلاد الشرق والغرب فقرأناها وعلمنا كثيرا من تفاصيلها - وكان طبيعيا أن يسري الغضب إلى نفوسنا - وكان طبيعيا أن نذيع هذا في الناس ونستنكره
стр. 233
كما كنتم أنتم تفعلون بإذاعة جرائم الألمان التي كانوا يرتكبونها في البلاد المحتلة واستنكارها وما جاز لكم نعتقد أنه يجوز لنا إنما لحضرة السفير المحترم الحق أن يعيب علينا إذا كذبنا أو زورنا، فهل كان منا شيء من ذلك - كلا -
لقد قلنا للناس أن الفرنسيين قتلوا من إخواننا العرب ما يزيد عن ثلاثين ألفا وهذا الرقم هو متوسط ما نشرته الصحف اليومية نقلا عن شركات الأنباء العالمية المحترمة ونشرت جريدة المارسيين لسان حالكم في مصر أن عدد القتلى بلغ مليونا ولنا أخيرا مصدر لا يستطيع أحد أن يعترض على صحته وهو مضبطة جلسات الجمعية الاستشارية بباريس التي نشرتها الجريدة الرسمية الفرنسية وهى بين أيدينا الآن - هذه المضبطة تذكر لنا أن أحد النواب ذكر لوزير الداخلية أن أربعين مشتى (قرية) قد محيت من الوجود بفعل قنابل الأسطول والطائرات واختلفوا في تقدير عدد سكان المشتى ما بين خمسمائة وألفين.
وأنا أعلم أن بعض المشاتي يزيد عدد سكانها عن خمسة آلاف فإذا أخذنا بالوسط وقدرنا عدد سكان المشتى بألف يكون عدد الذين قتلوا عملا برواية الجريدة الرسمية في المشاتي وحدها أربعين ألفا يضاف إليهم من مات في الجبال والسهول والمدن الأخرى فلا يمكن أن يقل عددهم عن العدد الأول فيصير المجموع ثمانين ألفا فنكون نحن قد تواضعنا كثيرا فيما نذيعه على الناس - ونقول للناس - إن الفرنسيين اعتقلوا ما لا يقل عن أربعين ألفا وضعوهم في السجون مع المجرمين بل بلغنا أخبار بأن الحكومة تفرج عن المجرمين لتجد محلات في السجون تضع فيها طالبي الحرية والإنصاف والدليل على صحة هذا لا نرجع فيه إلى أخبار الصحف وشهود العيان بل نتركه لرجل من كبار المسؤولين فيكم وهو المسيو كالدر عضو الجمعية الاستشارية الذي نشرت تصريحه صحف لندن وبعث به مراسل المصري الخاص ونشر في ٢٢ - ٩ - ١٩٤٥ جاء فيه ما يلي:
стр. 234
(تقول البرقيات الواردة من باريس أن مسيو كالدر العضو عن شمال إفريقيا في حركة الرخاء العام الفرنسية قد تحدث عن حالة التوتر في الجزائر وقال أن اضطرابات خطيرة قد تحدث في أي لحظة ما لم تطلق الحكومة سراح ثلاثين ألف عربي معتقل حوكموا أو في انتظار محاكمتهم لميولهم الوطنية ولمحاولة تأليف إتحادات وطنية، وقال مسيو كالدر أنه عندما غادر الجزائر أخيرا أصدر البوليس الفرنسي منشورا إلى الأوربيين في مناطق عديدة أبلغهم فيه وجوب إعطاء إشارة للطائرات حال الشعور بالخطر معنى ذلك أن كل محرض بإمكانه أن يحدث اضطرابات) هذا الكلام صريح بأن مسيو كالدر ينصح للحكومة بوجوب إطلاق سراح ثلاثين ألف معتقل ومعنى ذلك أن هنالك أكثر من ثلاثين ألف بعضهم قد لا تدعو الضرورة إلى تسريحه - أما ما وصلنا من تفاصيل هذه المذبحة (وأنا مصر على تسميتها مذبحة بل مجزرة) فإن ذكرها ترتعد له الفرائص وتشمئز له النفوس ويرق لحال أهلها من في قلبه مثقال ذرة من العطف الانساني وأختم خطابي اليوم بالملاحظة الآتية:
افرض يا حضرة السفير أن الذين قتلوا من العرب أقل من ثلاثين ألف فليكونوا ثلاثة آلاف، وليكونوا ثلاثمائة، وليكن المسجونون آلافا بدلا من عشرات الآلاف، وافرض مرة ثانية أن ذلك قد حصل لكم أنتم ومن قوم لم يزل بعد إثر إحسانكم إليهم مائلا للعيان فكيف يكون وقعه في نفوسكم وكيف يكون رد الفعل منكم؟ كنتم ولا شك تستحيلون إلى قنابل ذرية تحاولون أن تنفجروا عليهم لتهلكوا حرثهم ونسلهم لأنكم، حريصون على حياتكم وكرماء على أنفسكم .. أرجو يا حضرة السفير أن تعلم من جديد أننا مثلكم حريصون على حياتنا كرام على نفوسنا.
مصر الفتاة في ٣ من ذي الحجة ١٣٦٤
الفضيل الورتلاني
стр. 235
حول اعتقال عشرات الآلوف من المجاهدين (٣)
والحكم بالإعدام على الزعماء .. وتقييد الحريات وتدمير القرى وإفناء القبائل وإباحة الأعراض والأموال للجنود الفرنسية والسنغالية.
حضرة السفير المحترم: لقد حدثتكم في الخطاب الماضي بإيجاز عن ثورة الجزائر الأخيرة، وأجملت فيه القول إجمالا واكتفيت بالإشارة إلى عشرات الألوف من خيرة شبابنا الطاهر البرئ الذين ذهبوا ضحية الحقد والشهوة، والذين اخترتموهم عزلا مستضعفين لإظهار قدرة أسلحتكم على الفتك والتفوق بعدما عجزت عن رد عادية المساوين لكم المسلحين النازيين، ويا ليتها كانت كلها أسلحتكم بل كانت أسلحة الإعارة والتأجير من الحلفاء المحررين، واكتفيت بالإشارة إلى عشرات الألوف من الأحرار الذين أودعتموهم السجون والمعتقلات، وسلطتم عليهم من أنواع التعذيب ما ترتعد الفرائص لذكره، ودللت على ذلك بما لا يدع مجالا للشك في صحته وأسوق إليكم اليوم طائفة من الأمثلة على الطريقة التي تمت بها هذه الجريمة الإنسانية الكبرى، حسبما وصلت إلينا أنباؤها - حدثنا قادم من تلك البلاد أن السلطات المسلحة التي تولت عملية الانتقام من الأحرار الجزائريين، كانوا يملؤون "عربة نقل" من هؤلاء الضحايا مكبلين ومحروسين بالجستابو الفرنسي فيتجهون بهم إلى ناحية مجهولة فإذا وصلوا بهم إلى شاهق من جبل معلوم - وما أكثرها في بلاد الغرب - نزل السواق إلى الأرض على إتفاق سابق ودفعوا بعربة النقل نحو الهاوية فتنقلب بمن فيها من أولئك التعساء فتتطاير أجسامهم وتقطع أشلاؤهم فلا تكاد تصل عربة النقل إلى قاع الوادي حتى لا تبقى جارة مع أختها من جثث أولئك الآدميين التعساء والمنتقمون واقفون يتفرجون ويتلذذون! وحدثنا قادم آخر على أسلوب من أساليب الوحشية: إن الفرنسيين يحفرون أخاديد على طريقة خاصة وأعماق معينة وعلى طول مقصود
стр. 236
وعرض مقصود ويسوقون إليها جموعا من البشرية الكريمة مكبلين فيدفعون بفريق إلى الأخدود فإذا ما وقعوا فيه أهالوا عليهم الأتربة والحجارة من كل جانب فيدفنونهم أحياء في غير شفقة ولا رحمة، وكثيرا ما يكون الفريق الثاني يشاهد الرواية بعينيه وينظر مصيره المشؤوم وكثيرا ما يحضرون جموعا أخرى لمجرد شهود العذاب وإلقاء الرعب في قلوب من وراءهم من المعاندين وبلغنا أن الحكومة أباحت لجنود الميليشيا الذين لا يختلفون عن الجستابو النازي لا في قليل ولا في كثير أباحوا لهم أيام الثورة أن يقتلوا من شاءوا كيفما شاءوا وأباحوا لهم الأموال والأعراض وقيل إن جماعة منهم تذهب إلى بيت فلان من الأعيان فيطرقون بابه ويدعونه للخروج فإذا ما وصل إلى الباب أطلقوا عليه الرصاص وأردوه قتيلا من غير أدنى سبب وتذهب جماعة منهم إلى بيت فلان ويقتحمون عليه داره ويكبلونه في قيود عندهم ثم يجبرون النساء على ارتكاب الفاحشة معهم في مرأى ومسمع منه، وإذا حاول أن يدافع عن عرضه كان جزاؤه القتل الشنيع، وتذهب جماعة أخرى إلى دار فلان شاهرين السلاح فيدخلون عليه وينهبون كل ما وصلت إليه أيديهم من متاع وأثاث وكثيرا ما يتهمون صاحب الدار بأنه يملك نقودا أو أشياء ثمينة أخفاها عنهم فينزل عليه سوط العذاب لحمله على الاعتراف بما أخفي من ثمين المتاع، وقد ينتهي التعذيب بالقضاء على حياته، وبلغنا من غير واحد أن الحكومة الفرنسية أباحت مدينة فاس بمراكش مدة ثلاثة أيام لجنود السنعال والفرنسيين وشملت الإباحة النفوس والأموال والأعراض فعاثوا في المدينة فسادا فامتدت الأيدي اللئيمة إلى أعراض المسلمين في حيوانية ووحشية تدمي القلوب وذهبت ضحيتها أموال وأرواح لا يسأل المجرمين فيها إلا الله يوم القيامة، وبلغنا أن السلطات حكمت على طائفة من خيرة الشباب بالإعدام في أنحاء مراكش بتهمة الاشتراك في الثورة، وإمعانا في الانتقام والإغاظة فرضت على أولياء أمورهم أن يحضروا تنفيذ حكم الإعدام ومن أراد أن يمتنع يكون جزاؤه السجن
стр. 237
سنة كاملة، ومبالغة في النكاية مرة أخرى حددت يوم عيد المسلمين ميعادا لتنفيذ حكم الإعدام وبفضل تدخل مولانا جلالة السلطان في الموضوع آخر الميعاد عن العيد بأيام وبلغنا أن السلطات في تونس قبضت في السنة الماضية على أربعة عشر ألف ١٤٠٠٠ دفعة واحدة وأودعتهم السجون والمعتقلات بتهمة الميل إلى الألمان. وبلغنا أنها تعاملهم معاملة لا يقرها من فيه رائحة الإنسانية، منها تسخين الماء إلى درجة من الحرارة لا يطيقها بشر، ثم رميهم في أحواض منها، ومنها تسليط ضغط الكهرباء على أطراف أجسامهم بصفة مريعة ومميتة لحملهم على إعترافات ضد أنفسهم وضد أوطانهم، ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها - وهي متناهية في البشاعة - أن يجمع الأب مع ابنه ويجبران على خلع ثيابهما حتى تظهر عوراتهما، وقيل لنا أمور أخرى أشنع من هذا نكف عن ذكرها تنزيها لألسنتنا واحتراما للقارئ الكريم، فهذا بعض ما وصلنا يا حضرة السفير المحترم من أنباء محنة الأمة العربية في إفريقيا الشمالية بأيدي إخوانكم الفرنسيين الأحرار الذين آوتهم أرضا وسعدوا بأرزاق بلادنا، والذين قاتلنا أشد قتال في سبيل حريتهم وحرية بلادنا. فهل لحضرة السفير الكريم أن يعير لي أذنه لحظة في اهتمام الرجل الحصيف، وعناية الرجل المسؤول، وفي شيء من الإضاف لنحاول سواء على أن نخرج بنتيجة لخير الجميع أو لمجرد إثبات الحق على الأقل .. يا حضرة السفير أنت أمام هذا الكلام بين أن تصدق أو أن تكذب وأنت حر على كل حال، على أن لي في تلك الحالتين كلاما في غاية الإنصاف والعدل فإن كنت من المصدقين ولو في الجملة فأكبر ظني أن لا تسمح إنسانيتك وما تحمله في عروقك من دم الثورة الفرنسية التحريرية، والحرص على سمعتها أن يقع في القرن العشرين وباسم فرنسا هذه المجزرة البشرية الشنيعة وبعد ما انتصرت الديمقراطية مباشرة على البربرية كما يقولون، ففي مثل هذه الحال فإن الواجب يحتم عليك أن تنصح لحكومتك بالمبادرة إلى التكفير عن غلطاتها وفي مقدمة ذلك إطلاق سراح جميع المعتقلين
стр. 238
والمسجونين ورد المبعدين والسماح لهم بممارسة حقهم الطبيعي في التعبير عن مصيرهم وجميع أغراضهم، ثم التفاهم معهم على المصالح المشتركة بالمنطق كما يفعل المنصفون في جميع أطراف الدنيا هذا إذا كنت من المصدقين وأما إذا كنت من المكذبين - وأنا نفسي لست من القاطعين بالأمر وأتمنى أن لا تكون كل هذه الأهوال قد حصلت - ففي مثل هذه الحال عليك واجب نحو سمعة حكومتك وأمتك وهو أن تنصح لها برفع الحصار المضروب على هذه البلاد فتسمح للناس بالدخول والخروج وتسمح للمطبوعات بمثل ذلك، أو تطلب أخيرا لجنة تحقيق تجوب أطراف هذه البلاد تؤلف من الحلفاء والعرب أما الحلفاء فلأنهم دفعوا أعلى رقم في ثمن الانتصار من أموال ودماء، وأما العرب فلأنهم إخواننا يهمهم أن يطمئنوا علينا ومن مصلحتكم أن ينقلب بعضهم لكم حبا فإذا فعلتم ذلك وعلمت الدنيا أن في الأمر مبالغة وغرضا خرجتم من الموضوع مرفوعي الرأس محترمين وقطعت جهيزة قول كل خطيب، وإذا لم تفعلوا فاعلم يا حضرة السفير أن الدنيا من أقصاها إلى أقصاها سوف تصدق كل ما يقال عن جرائمكم ونحن أنفسنا سنظل عن حق نهاجموكم ونحاربوكم بألسنتنا وأقلامنا وكل ما نملك من قوى والله معنا ولن يترنا أعمالنا وانتظروا في العدد القادم معلومات أنتم في أشد الحاجة إليها.
حول عزل الشعب المغربي عن العالم الإسلامي (٤)
ومنع السفر لحج بيت الله الحرام
حضرة السفير المحترم: لقد أشرت في خطاب مضى إلى الحصار الذي ضربته حكومتكم على بلاد إفريقيا الشمالية والسور المحكم الذي أقامته بين ٢٥ مليونا من النفوس العربية الحرة الكريمة هناك وبين العالم المتمدن كله. ذلك العمل الذي جعل الناس يوقنون أن جريمة كبرى لا بد أنها ترتكب في تلك البلاد وأن نية سيئة خطيرة
стр. 239
تبيت لأبنائها الأمجاد. فوق تصديقهم لكل ما قيل عن المجزرة البشرية التي مثل روايتها جنودكم البواسل، ضد الأهالي العزل والتي قتل فيها عشرات الآلاف وسجن فيها مئات جزاء مطالبتهم بالحرية التي بذلوا في سبيلها أطهر الدماء وأغلاها وأحب في خطاب اليوم أن أسوق إليكم مظهرا من مظاهر هذا الحصار ينطوي على أشنع وصمة في جبين القرن العشرين وأنتم تظنون أنه أروع مظهر اهتديتم إليه لترفعوا به عن أنفسكم تهمة دفن الشعب المغربي وعزله عن العالم.
ذلك هو مظهر حجاج بيت الله الحرام وسوف أتوسع قليلا في سرد قصتهم حتى أكون قد أديت لكم واجب النصيحة كاملا وحتى يشترك القراء في فهم هذه المهازل التقليدية التي أخذت عليها فرنسا الاستعمارية الرجعية وتمسكت بها فرنسا الحرة الجديدة. وحتى يعلم الناس جميعا مقدار إمعانكم في خنق الحريات ومقدار إهانتكم لأشد الناس ولاء لكم ومقدار تدخلكم في شؤون الدين التعبدية المحضة - وأرجو بعد ذلك أن يعلم الغير أن الحج شعيرة دينية يقوم بها المؤمن إذا كان قادرا مختارا ويعرف هذا كل مسلم على الأرض - وليس في دين الإسلام شيء اسمه حج رسمي تفرضه حكومة لا دينية على طائفة من موظفيها المسلمين وتنفق عليهم في أدائه من ميزانية الدولة، والذي يفهمه كل العقلاء من الناس من تنطيمكم لبعثة الحج على نفقة الدولة ومن الموظفين الرسميين بالطائرات الفخمة أمران. الأول: أن تحكموا عملية الحصار وتمنعوا ٢٥ مليون من أداء هذه الفريضة أحرارا مختارين وحتى لا يفك الحصار ويخرج أولئك السجناء من قبورهم التي دفنتموهم فيها ويتصلوا بالعالم الخارجي فيذيعوا على الدنيا مساوئكم الفادحة وبطشكم الجبار، وحتى لا يسمعوا أخبار الناس في أطراف المعمورة وما يتمتعون به من حرية وسعادة فيشعروا بفداحة الحرمان فيتضاعف غضبهم وتشتد خصومتهم وتقوى آمالهم في مساعدة أحرار العالم لهم يحاولوا أن يخرجوا من
стр. 240
عبوديتكم التي لا بد منها لكم فليمنعوا إذن قطيعا من السفر إلى الحج وغير الحج وليبقوا إذن في القفص الضيق جاهلين كل ما يجري في الدنيا من أحداث لعلهم يرضخون ويستسلمون ولو بعد عناء طويل. هذا هو الغرض الأول والأهم.
والغرض الثاني: أن توهموا الناس بأنكم أحرار كرماء لا تعترضون على الشعائر الدينية بل تساعدون على أدائها ودليلكم المادي هو هذه المجموعة المسكينة التي أطلقتم عليها اسم الحجاج والتي وضعتموها في علب من الطائرات ثم أقمتم عليهم رقباء في غدواتهم وروحاتهم يعدون عليهم أنفاسهم ويحصون عليهم إشاراتهم ولا يتحركون ولا ينطقون إلا تحت سمعكم وبصركم ولا ينتقلون إلا بالأوامر الصارمة منكم كأنهم شرذمة من المجرمين يساقون إلى مقرهم في السجن المؤبد ويدفعون إلى مصيرهم في الأشغال الشاقة ويعيشون باسم الحج والعبادة في هذا الجو الإرهابي القلق الذي يحيطهم من كل جانب وشهده رجال الشرق من بعد ومن قرب معا ويأخذ الدهش منهم مأخذه ويكادون يكذبون مع المشاهدة والعيان أن هذه فرنسا الجديدة وأن هؤلاء العظماء والتعساء هم أصدقاؤها بل أذنابها الموالون الطائعون وأنا حقا في سنة ١٩٤٥ وهو العام الذي شملت فيه الحرية فرنسا حتى النساء وأصحاب العشرات منهن مشرعات تحت قبة البرلمان بباريس وطبيعي أمام هذه الرواية الهزلية أن يتسائل الشرقيون إذا كانت فرنسا تعامل جماعة من أخلص الناس إليها انتقتها بنفسها من بين مئات الآلاف من موظفيها الطائعين وخدمتها المخلصين وأوفدتهم على حسابها وسيعود ون بعد حين إلى خدمتها والعيش في كنفها إذا كانت تعامل هؤلاء الموالين المسبحين بحمدها ولو في الظاهر على الأقل بهذا الأسلوب الرجعي القديم فكيف تكون معاملتها لمعارضيها من الأحرار الساخطين الثائرين وهم بقية الـ ٣٠ مليونا من سكان هذه البلاد؟ لا بد أنهم شر مستطير وأنهم في فتنة هوجاء وأنهم في بلاء لا يعلم مدى
стр. 241
أثره في تعذيبهم إلا علام الغيوب ولا بد أن كل ما ينشر ويذاع إذن عن مختلف الفظائع في كل الأقطار واقع من الوقائع. هذا ما يقوله المحايدون من الناس على طريقة الاستنتاج المنطقي السليم واسمح لي يا حضرة السفير أن أصف لك على سبيل المثال بعض مظاهر التصرفات فمن سنتين مثلا حضر وفد من بلاد إفريقيا الشمالية في طريقه إلى الحج بالطائرة وكان من بين أعضائه بعض الوزراء فحيل بينهم وبين الاتصال بالعالم بأساليب يمقتها أرذل الناس منها أن وزير الأوقاف التونسي السيد مزالي طلب إلى الناحية المختصة فيكم أن تسمح له بزيارة وزير الأوقاف المصري باعتباره زميلا له في المنصب فهي مجاملة ودراسة ويعلم الله كم أخذ هذا الطلب من أخذ ورد وكم وضع له من شروط والذي ظهر للعيان ولا يزال حديث المصريين إلى الآن أنكم لما وافقتم على مبدأ الزيارة بعثتم معه ضابطا رافقه فصحبه حتى مكتب الوزير ولزمه في الجلسة إلى النهاية يعد عليه أنفاسه فدهش الوزير المصري عبد الحميد عبد الحق أن يكون في الدنيا من لا يزال يعمل على استعباد الناس إلى هذا الحد ويعده الصورة المزرية لفرنسا الحرة التي كانت ولم تزل يومئذ تقاسي احتلال النازي وإذلالها ووجه إلى زيارة الوفد كثير من الأفراد والهيئات بدعوتهم إلى الزيارة عن طريق غذاء أو عشاء أو حفلة شاي فلمسوا منهم فقدان كامل حريتهم حتى أن أحد الأعيان ألح عليهم في زيارة خاطفة لبيته وقبلوا تحت الإلحاح وأعد لهم حفلة شاي دعا إليها غيرهم فمنعوا في آخر لحظة ولم يحضر منهم إلا شخصان عداها مخاطرة، وفي السنة الماضية حضر الوفد كالعادة وقد حضر من الأماكن المقدسة إذا أردتم تطيروا بهم رأسا إلى البلد فحصل شجار بالمطار قيل لنا انتهى بالإضراب عن ركوب الطائرات فاضطررتم إلى الموافقة على بقائهم على أنكم تركتموهم يقضون ثلاثة أيام داخل مستشفى الحميات بإمبابة بعيدين عن الدنيا وأهلها لما خرجوا عن المستشفى انهالت عليهم
стр. 242
الدعوات من كل جهة وكم كان بود أولئك المحرومين أن يتمتعوا أياما بمدينة القاهرة مع أهلها ولكن حزمكم النادر حال دون ذلك وبشيء كثير من المخاطرة حضر حفلة الإتحاد العربي ثم صدرت الأوامر ليلا وكان السفر ليلا وفي هذه السنة بالغتم في الاحتياط فسمحتم للوفد في الذهاب بالنزول في القاهرة ساعة وكسور ليتناول الطعام من غير علم أحد ثم طرتم به إلى الأقصر بدل أن يمضوا ليلهم بالقاهرة خشية أن يحتكوا بأحد ولما عادوا إلى القاهرة أقبل الناس عليهم بدعوتهم للتعارف فما وجدوا منهم إلا الأسف والاعتذار بأنهم لا يملكون أمر أنفسهم!!
يا حضرة السفير صدقني إذا زعمت أنني أنصح لكم فو عزة الله لو كنت أنا مكانكم فرنسيا أحرص على سمعة فرنسا وعظمتها وخلودها لكنت من أشد خلق الله مقتا لهذه الأساليب البغيضة ولاصطنعت لمصلحة فرنسا بدلها أساليب الكرم والتسامح لأن الكرم والتسامح هما دليل النبل والقوة معا وأما الغطرسة والشدة وفرط الحذر كل ذلك دليل الهوان وبعد فماذا كان يضركم لو سمحتم لأهالي إفريقيا الشمالية بباخرة تنقل منهم بضع مئات أو آلاف يزورون الأماكن المقدسة كما يسمح لغيرهم من أهل فلسطين وطرابلس وكما يفعل الناس جميعا لا يستطيع العقلاء أن يعللوا ذلك إلا بخوفكم من نتائج الاختلاط ولا يستطيع العقلاء أن يجعلوا الخوف دليل المجد والقوة يا حضرة السفير احرصوا على مجدكم وقوتكم ولكن نصيحتي أن تتخذوا أسلوبا غير هذا الأسلوب وإلى اللقاء في العدد المقبل.
مصر الفتاة ٢١ محرم ١٣٦٥ - ٢٦ ديسمبر ١٩٤٥
стр. 243
حول حقد الفرنسيين على العرب (٥)
والحرص عل امتهانهم وإذلالهم واغتصاب أراضيهم
وتقتيل شبابهم .. وسجن أحرارهم
حضرة السفير المحترم:
أرجو أن تكون خطاباتي السابقة قد نالت ما تستحق من عنايتكم وأنها رفعت إلى الحكومة بباريس مرفقة بما يجب عليكم من النصائح وأرجو أن تكون روح الجمهورية الرابعة قد ودعت جزءا كبيرا من الروح الاستعبادية العتيقة وأنها فطنت إلى خطورة مواصلة السير على تلك الأساليب الشيطانية المنكرة. وأن لفظ الإنسان الذي ورد في عقد حقوق الإنسان سليل الثورة الفرنسية المجيدة يشمل الإفريقي والآسيوي كما يشمل الأوروبي بالضبط حتى لو أتى عليه زمن حشرته القوة الغاشمة فيه في صفوف الحيوان فإنه اليوم يعيش في عصر القنبلة الذرية لا بد أن يأخذ مكانه في صفوف البشر وإلا فيوشك أن تنفجر على الجميع وتهلك الحرث والنسل والمصيبة إذا عمت هانت وبعد فإني أوثر في هذا الخطاب أن أقدم لكم نموذجا صغيرا مما يقول الناس عنكم وخاصة ما يقوله عنكم الجيل الحديد فقد أذاع حزب البعث السوري منشورا جاء تحت عنوان "العرب وفرنسا" ما يأتي:
إن نظرة العرب إلى فرنسا لتختلف عن نظرتهم إلى أية دولة إستعمارية أخرى. فلدول مصالح دفعتها إلى الاعتداء على حقوق العرب وإلحاق الأضرار بهم بأشكال وأساليب بلغت في كثير من الأحيان أقصى حدود القسوة والأنانية والاستهتار البشع. ولكن فرنسا تحمل للعرب حقدا موروثا فكانت اعتداءاتها المجرمة المتعددة عليهم لا تصدر عن طمع وابتغاء المصلحة فحسب، بل تمتزج
стр. 244
أعمق الامتزاج بروح الانتقام والتشفي، وتظهر بأفظع أشكال الإذلال والامتهان، وبسياسة ترمي إلى إفناء العرب وتحويل أرضهم بتراثها المجيد وخيراتها العميقة أرضا فرنسية صرفة، وهذا يفسر كيف أن سياسة فرنسا مع العرب، سواء أكان ذلك قبل قرن وبعض القرن في الجزائر ثم في تونس ومراكش، أم في سوريا ولبنان منذ احتلالها لهما، لم تتبدل الظروف والمصالح، لأن المحرك الحقيقي لتلك السياسة كان دائما ذلك الكره العاطفي والتصميم النهائي على اعتبار العرب عدو يجب أن يزول إما بالفرنسية وإما بالموت.
وها هي فرنسا قد مضى على احتلالها الجزائر أكثر من قرن امتصت خلاله ثروة الأرض العربية فيها حتى آخر قطرة، وسخرت لخدمتها السكان في حروبها والدفاع عن مصالحها، ومع ذلك فما كادت تخرج من تحت وطأة الاحتلال الأجنبي في نهاية هذه الحرب حتى كان أول ما خطر لها أن تعمله في حياة السلم الجديدة أنها صبت النيران على عشرات الألوف من عرب الجزائر العزل فأمنت قرى وقبائل دون أي مبرر أو سبب يستوجب مثل هذه الفظائع. وها هي فرنسا التي بلاها العرب في سوريا ولبنان طوال ربع قرن وابتلوا بها تنتظر فرصة إعلان السلم العالمي لتؤيد عهدها الذي قطعته لسوريا بالاستقلال بارتكاب فظائع وأهوال ضج باستنكارها العالم قاطبة. وهي لا تزال حتى هذه الساعة وبالرغم من التجارب الأليمة ومن فشل سياستها المفضوحة المرة تلو الأخرة تصر على طلب امتيازات ونفوذ وسيطرة في سوريا ولبنان، وتسخر كل ما بيدها من حيلة وكل ما لمركزها السياسي في أوروبا من إغراق لإستمالة إنكلترا إلى مساعدتها في نيل مآربها من هذين البلدين العربيين، علاوة على أن موقفها العدائي من الجامعة العربية وعزلها عرب المغرب عن الانضمام إلى تلك الجامعة، وسعيها الحثيث، لإحباط كل ما يسير بالمغرب نحو وحدتهم ونهضتهم هو أمر لا يحتاج أن يقوم عليه دليل.
стр. 245
ثم قال المنشور
إن شمال إفريقيا قد بقي بمعزل عن مؤتمرات دول العالم وقراراتها ولم يشمله أي نوع من أنواع الحلول الدولية، فقد بقيت فرنسا فيه تمارس سياستها في محق المعنويات والإفقار والإذلال والتقتيل والتشريد والفصل بين السكان وبين مقومات وجودهم اللغوية والبيئية والتاريخية ورغم هذا فالعالم المتمدن والدول التي تدعي أنها دخلت هذه الحرب دفاعا عن حرية الشعوب تلتفت إلى ما يجري هناك من مظالم وجرائم ومخالفات لأبسط الحقوق الطبيعية التي يجب أن يتمتع بها البشر فالعرب لا يعدون أن تغيرا قد طرأ على العالم من حيث تحقيق المبادئ السامية ونشر الحرية في عالم يعطي لهذه البلاد العربية حقوقها من استقلال وحرية وسيادة، وما لم تجل القوات الفرنسية عنها لتتمكن هذه البلاد من تنظيم شؤونها ولم شتاتها وإعادة الحياة إليها بالتعاون مع الأقطار العربية وبالانتماء الرسمي إلى الجامعة العربية، والدول الكبرى والعالم المتمدن مدعوون، إذا كانوا حقا يريدون السلام الدائم إلى معالجة هذه المشكلة وصون حقوق العرب.
وهذا الذي يشعر به حزب البعث في سوريا هو بالذات ما يشعر به شباب العرب والإسلام في جميع أقطار الدنيا وهل تظنون أن عداوة ٤٥٠ مليون عن التفاهة بحيث لا يؤيه لهم ولا يقام لهم وزن؟ إن ظننتم ذلك فقد أسرفتم في الضلال وضيعتم الأجيال من أبنائكم فاللهم اشهد أنني نصحت وأختتم كلمتي اليوم بنصيحة أخرى لو وفقكم الله إلى وزنها والمبادرة إلى العمل بها تحدثون انقلابا كبيرا في عواطف الناس جميعا ذلك هو أن تطلقوا فورا سراح أولئك العشرات الألوف المعذبين من المعتقلين والمسجونين وأن تصدروا عفوا عاما على المحكوم عليهم بالإعدام ظلما وعدوانا ثم تطلقوا الحريات من عقالها للعرب كما فعلتم مع الفرنسيين والفرنسيات والله ولي التوفيق.
مصر الفتاة ٥ صفر ١٣٦٥ - ٩ يناير ١٩٤٦
стр. 246
في سبيل استقلال طرابلس الغرب (٦)
الجنرال ديغول ينصب نفسه حاميا للاستعمار الدولي
نقلا عن جريدتي الكتلة والإخوان والنذير
حضرة السفير المحترم: هل أتاك نبأ ذلك الحادث الغريب الذي ظهر به جنرالكم العظيم كهدية العالم بمناسبة عيد الميلاد؟ لقد روت الصحف أنه جمع الصحفيين في صالة أنيقة بباريس عاصمة الثورات والحريات في الزمن الذي تم القضاء نهائيا على الرجعية الفاشية وغير الفاشية البغيضة، التي أتى القضاء فيها حتى على مرشال فرنسا الأعظم وجرده من جميع فضائل حياته لأنه تعاون مع الألمان المستبدين المعتدين الظالمين وفي الوقت الذي ظهرت فيه الجمهورية الرابعة الفتية، التي تتكون أكثريتها الساحقة من أهل اليسار المتطرفين في الحرية والعالمية، وفي الوقت الذي تذاع فيه إحصاءات عن ضحايا الحرب الاستعمارية الماضية أو القائمة، وتقدر بحوالي خمسين مليونا من زهرة شباب الدنيا الغض الطري. في هذا الجو الديمقراطي الرابع وفي هذا الوضع الإنساني قام جنرالكم العظيم بالإعلان عن نفسه بواسطة صاحبة الجلالة أنه داعية الاستعمار الدولي، وأنه حامي حمى القوي الطاغي على الضعيف المتواضع الحاني ولو كان ذلك الطاغي شيطانه الرجيم بالأمس ما دام يجتمع معه في مبدأ القهر والاستبداد، قام جنرالكم العظيم يدافع عن من؟ أخشى أن لا يصدقني الناس إذا زعمت أنه يدافع عن إيطاليا ولكن من غير قسم يا حضرة السفير، لقد كان ذلك مع الأسف العميق، ونشرته صحف الدنيا وها أنا ذا أنقل لكم نصه عن جريدة الكتلة الغراء عدد رقم ٣٥٨ قال الجنرال العظيم غير الموفق:
والإيطاليون ثبتوا أقدامهم في طرابلس وبرقة، قبل الفاشيستية وأصلحوا منها الشيء الكثير، وسنحت لي الفرصة أن أشاهد الأعمال المهمة التي قاموا بها في
стр. 247
هذا القطر فهم عمروا أرضا كان من الصعب جدا تعميرها أو الاستفادة منها ولا أرى من العدالة في شيء حرمانهم منها وخصوصا أمامنا إيطاليا الجديدة التي تحرم حق الإنسان، وخصوصا الحق الطبيعي للسكان، وعليه لا أرى سبب يحرم إيطاليا من طرابلس وبرقة، هذه وجهة نظر الحكومة الفرنسية التي سبق أن أعلنتها، هذه هي باقة الزهور والريحان التي تفضل الجنرال باسم فرنسا الحرة الجديدة فقدمها إلى الإنسانية المعذبة في يوم عيد المسيح ﵇ الذي قال فيه شاعرنا المسلم:
ولد الرفيق يوم مولد عيسى ... والمروءات والهدى والحياء
لا وعيد، لا صولة، لا انتقام ... لا حسام، لا غزوة، لا دماء
ملك جاور الأرض فلما ... مل نابت عن الأرض الماء
يحاول الجنرال ديغول أن يبعث في الإيطاليين من جديد روح التغلب والاستعمار خشية أن تنسيبهم إياه صدمة الهزيمة، ومن سخرية القدر حقا أن يلتقي نداء الجنرال ديغول الحار المتين إلى الإيطاليين للتمسك بالاستعمار - بنداء أحر وأمتن، لعظم مسؤول من رجال إيطاليا الحاكمين للتخلي نهائيا عن الاستعمار وذلك الإيطالي العظيم هو السنيور بليرو رئيس الحزب الشيوعي ونائب رئيس الوزراء سابقا ووزير العدل الآن، أدلى بتصريح لجريده (بنتا) عن السياسة الاستعمارية جاء فيه: "ما الذي قدمته السياسة الإيطالية القديم منها والحديث، لأجل تحسين حال بلادنا" لا شيء. وما هي النتائج الحسنة التي نتجت عن احتلالنا لبعض هذه الأراضي المستعمرة؟ لا شيء إن فتوح الإمبراطورية الاستعمارية كبدت الشعب الإيطالي خلال ستين عاما مغامرات شاقة حملته قسطا كبيرا من الدخل الوطني كما أنها كبدت الإيطاليين فقد حريتهم مرتين منفصلتين ونحن كإيطاليين نفكر وننظر من الناحية الوطنية وبصفتنا شيوعيين لا نجيز الاستعمار إطلاقا؛ ثم قال الوزير الإيطالي: وتحتم العدالة أن يؤدي انهيار
стр. 248
إمبراطورية موسليني إلى انتقال الأراضي كلها التي خضعت لنير هذه الإمبراطورية إلى نوع من الحكم الذاتي فألبانيا يجب أن تكون للألبانيين والدوديكانيز يجب أن تكون للدولة التي يريدها أهلوها والأراضي الإفريقية يجب أن تحصل على نوع الحكم الذاتي، الذي يرغبه سكانه، ثم قال الوزير: وإيطاليا الديمقراطية تستطيع اليوم أن تكسب كل شيء ولا تخسر شيئا إذا هي أصبحت في طليعة العاملين على تحرير الشعوب المستعمرة هذا هو منطق الوزير الإيطالي ورأيه في مصير مستعمراتهم، وذلك منطق الوزير الفرنسي ورأيه في مصير مستعمرات غيرهم فالأول يقول أن العدالة تقتضي بأن يتخلى عن هذه المستعمرات، والثاني يرد عليه ربما عن غير قصد بأن العدالة تقضي أن يتمسكوا بها وباستعباد أهلها، والأول ينصب نفسه للدفاع عن حرية الشعوب والثاني ينصب نفسه للدعاية إلى استعبادها، والأول يرى أن كل الأسباب قائمة لحرمان إيطاليا منها فما أشقى المنطق المسكين في هذه الأيام.
يا حضرة السفير: لقد عودت نفسي أن أنصح لكم متطوعا أو متطفلا غير واثق كل الوثوق من أن تنال نصائحي منكم قبولا ولكنه خلق نشأت عليه وترعرعت في أحضانه لا أملك العدول عنه فأرجو أن توفق إلى تنبيه حكومتك إلى ما تنطوي عليه هذه الروح الرجعية العتيقة من خطر على سمعة مستقبلكم، لعلها تتدارك الأمر قبل الفوات. وبعد فما الذي دعا الجنرال ديجول إلى خوض هذا الغمار لمصلحة قوم كانوا بالأمس من ألد أعدائه، وضربوا أسوأ الأمثلة في الغدر ضد بلاده، ولم يشذ أحد من ذوي المروءات في الحكم على شناعة جريمة إيطاليا ضد الشعب الفرنسي في أشد محنته؟
ثم ما الذي دعاني أنا بالذات للرد عليه والتشنيع على صنيعه، وكان يكفيني الاحتجاج الصارخ الذي رفعه أعرق الناس في الحق على القيام بذلك، وهو الأمير
стр. 249
الجليل السيد إدريس السنوسي؟ الجواب بسيط الذي دعا الجنرال ودعاني سبب واحد، من جانبه هو الانتصار لمبدأ الاستعمار ومن جانبي هو مقاومة ذلك المبدأ وبعبارة أدل أن الجنرال يريد أن يبقى الاستعمار في الدنيا إلى الأبد لتبقى له إفريقيا الشمالية إلى الأبد، وأنا أريد أن يرتفع الاستعمار في الدنيا إلى غير عودة ليزول الاستعمار عن الناس جميعا من ضمنهم عرب إفريقيا الشمالية، وأكبر الظن أن الزبد سيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
مصر الفتاة ١٢ صفر سنة ١٣٦٥
إفريقيا الشمالية والجنرال سبيرس (٧)
العرب أمة واحدة يريدون الوحدة والاستقلال
عن الجرائد المصرية الكتلة والإخوان والنذير
يعلم القراء جميعا أن الجنرال سبيرس ممثل بريطانيا في سوريا ولبنان سابقا يزور البلاد العربية في هذه الأيام، ونزل أول ما نزل في مصر ضيفا على الجامعة العربية، وأقامت له الجامعة حفله شاي فخمة في فندق هليو بوليس بالاس، حضرها مئات من زعماء العرب وعظمائهم وكنت من المدعوين لهذه الحفلة وعند وصول الجنرال قدموني إليه كسكرتير لجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية فصافحني مصافحة حارة ضغط فيها على يدي ضغطة شديدة وطويلة، يستطيع المرء أن يفهم منها كل ما يريد، وفهمت منها أنا أنها تحية خاصة لثلاثين مليونا من عرب المغرب العربي المتحفزين لتصفية الحساب. ثم قال لي الجنرال: إن في إفريقيا الشمالية مشاكل كثيرة. فقلت له: حقا أن مشاكل إفريقيا الشمالية كثيرة وأن أصدقاؤها - مع الأسف - من الأوروبيين قليلون. فأطرق الجنرال قليلا ثم رفع رأسه فقال:
стр. 250
يجب عليكم يا أحبابنا أن تتحاملوا الآلام، ويجب أن تخلقوا الأصدقاء. فقلت له لقد تحملنا طول حياتنا الآلام، ونتحملها دائما، وسنخلق الأصدقاء إن شاء الله.
لقد كانت هذه الوقفة خاطفة لم تشف الغليل مع رسول بريطانيا وصديق العرب. وكانت الجبهة عقدت العزم على لقائه في وفد كبير للتحدث إليه طويلا عن قضية هذه البلاد ومحنتها الخطيرة. ولكنه بادر بالسفر إلى سوريا قبل أن يتم هذا اللقاء. من أجل ذلك نريد أن نلاحقه بهذه الكلمة تسجيلا لتلك المقابلة الخاطفة وشكرا له على تعرضه بخير لقضيتنا مرتين اثنتين إحداهما في مجلس العموم، والثانية في حديث له بجريدة التيمس. وإن كنا قد أرسلنا إليه في كلتا المناسبتين برقية شكر رقيقة، وتذكيرا للجنرال بأن العروبة التي يريد أن يصادقها اليوم إنما هي أمة واحدة متماسكة أشد التماسك تبتدئ حدودها من الأطلنطي حيث وضع ميثاق الحرية، وتنتهي في خليج البصرة، ويوجد عند هذه البداية بلد عربي اسمه مراكش وبعد مراكش مباشرة الجزائر وتونس وليبيا، كل أولئك من خواص العرب يريدون حرية ويريدون استقلالا، كشقيقتهن سوريا ولبنان، ونريد من الجنرال أن يدفع عن نفسه ما قد أشيع من انتصاره للشقيقتين سوريا ولبنان كان مجرد تنفيذ لخطة رسمت له من لندن، قضت بها مصلحة الإمبراطورية فقط، ولم يكن بدافع ذاتي أملاه حب العدل والحرية، وإذا أراد أن يدفع هذه التهمة فليس في الأدلة أقوى وأقطع في دفعها من انتصاره لقضية إفريقيا الشمالية انتصارا قويا سافرا، ونحن لا ننكر بعد ذلك على الجنرال أن يتفانى في خدمة وطنه وعظمة أمته ما دام الشعور الإنساني العام متغلبا عليه، بل نعتقد أنه قادر إذ أراد وأرادت لندن أن تجمع بين الأمرين - لأنه من الإنسانية أن ينتصر هو ودولته لقضية العرب أينما كانت، وفي المقدمة عرب إفريقيا الشمالية المجاهدون، ولأنه من مصلحة بريطانيا نفسها أن تفعل ذلك.
следующие страницы →