← Общие книги

Общие книги · id 123664

الجزائر الثائرة

الفضيل الورتلاني

Полный текст (484 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

في سبيل استقلال طرابلس الغرب (٦) الجنرال ديغول ينصب نفسه حاميا للاستعمار الدولي نقلا عن جريدتي الكتلة والإخوان والنذير حضرة السفير المحترم: هل أتاك نبأ ذلك الحادث الغريب الذي ظهر به جنرالكم العظيم كهدية العالم بمناسبة عيد الميلاد؟ لقد روت الصحف أنه جمع الصحفيين في صالة أنيقة بباريس عاصمة الثورات والحريات في الزمن الذي تم القضاء نهائيا على الرجعية الفاشية وغير الفاشية البغيضة، التي أتى القضاء فيها حتى على مرشال فرنسا الأعظم وجرده من جميع فضائل حياته لأنه تعاون مع الألمان المستبدين المعتدين الظالمين وفي الوقت الذي ظهرت فيه الجمهورية الرابعة الفتية، التي تتكون أكثريتها الساحقة من أهل اليسار المتطرفين في الحرية والعالمية، وفي الوقت الذي تذاع فيه إحصاءات عن ضحايا الحرب الاستعمارية الماضية أو القائمة، وتقدر بحوالي خمسين مليونا من زهرة شباب الدنيا الغض الطري. في هذا الجو الديمقراطي الرابع وفي هذا الوضع الإنساني قام جنرالكم العظيم بالإعلان عن نفسه بواسطة صاحبة الجلالة أنه داعية الاستعمار الدولي، وأنه حامي حمى القوي الطاغي على الضعيف المتواضع الحاني ولو كان ذلك الطاغي شيطانه الرجيم بالأمس ما دام يجتمع معه في مبدأ القهر والاستبداد، قام جنرالكم العظيم يدافع عن من؟ أخشى أن لا يصدقني الناس إذا زعمت أنه يدافع عن إيطاليا ولكن من غير قسم يا حضرة السفير، لقد كان ذلك مع الأسف العميق، ونشرته صحف الدنيا وها أنا ذا أنقل لكم نصه عن جريدة الكتلة الغراء عدد رقم ٣٥٨ قال الجنرال العظيم غير الموفق: والإيطاليون ثبتوا أقدامهم في طرابلس وبرقة، قبل الفاشيستية وأصلحوا منها الشيء الكثير، وسنحت لي الفرصة أن أشاهد الأعمال المهمة التي قاموا بها في

стр. 247

هذا القطر فهم عمروا أرضا كان من الصعب جدا تعميرها أو الاستفادة منها ولا أرى من العدالة في شيء حرمانهم منها وخصوصا أمامنا إيطاليا الجديدة التي تحرم حق الإنسان، وخصوصا الحق الطبيعي للسكان، وعليه لا أرى سبب يحرم إيطاليا من طرابلس وبرقة، هذه وجهة نظر الحكومة الفرنسية التي سبق أن أعلنتها، هذه هي باقة الزهور والريحان التي تفضل الجنرال باسم فرنسا الحرة الجديدة فقدمها إلى الإنسانية المعذبة في يوم عيد المسيح ﵇ الذي قال فيه شاعرنا المسلم: ولد الرفيق يوم مولد عيسى ... والمروءات والهدى والحياء لا وعيد، لا صولة، لا انتقام ... لا حسام، لا غزوة، لا دماء ملك جاور الأرض فلما ... مل نابت عن الأرض الماء يحاول الجنرال ديغول أن يبعث في الإيطاليين من جديد روح التغلب والاستعمار خشية أن تنسيبهم إياه صدمة الهزيمة، ومن سخرية القدر حقا أن يلتقي نداء الجنرال ديغول الحار المتين إلى الإيطاليين للتمسك بالاستعمار - بنداء أحر وأمتن، لعظم مسؤول من رجال إيطاليا الحاكمين للتخلي نهائيا عن الاستعمار وذلك الإيطالي العظيم هو السنيور بليرو رئيس الحزب الشيوعي ونائب رئيس الوزراء سابقا ووزير العدل الآن، أدلى بتصريح لجريده (بنتا) عن السياسة الاستعمارية جاء فيه: "ما الذي قدمته السياسة الإيطالية القديم منها والحديث، لأجل تحسين حال بلادنا" لا شيء. وما هي النتائج الحسنة التي نتجت عن احتلالنا لبعض هذه الأراضي المستعمرة؟ لا شيء إن فتوح الإمبراطورية الاستعمارية كبدت الشعب الإيطالي خلال ستين عاما مغامرات شاقة حملته قسطا كبيرا من الدخل الوطني كما أنها كبدت الإيطاليين فقد حريتهم مرتين منفصلتين ونحن كإيطاليين نفكر وننظر من الناحية الوطنية وبصفتنا شيوعيين لا نجيز الاستعمار إطلاقا؛ ثم قال الوزير الإيطالي: وتحتم العدالة أن يؤدي انهيار

стр. 248

إمبراطورية موسليني إلى انتقال الأراضي كلها التي خضعت لنير هذه الإمبراطورية إلى نوع من الحكم الذاتي فألبانيا يجب أن تكون للألبانيين والدوديكانيز يجب أن تكون للدولة التي يريدها أهلوها والأراضي الإفريقية يجب أن تحصل على نوع الحكم الذاتي، الذي يرغبه سكانه، ثم قال الوزير: وإيطاليا الديمقراطية تستطيع اليوم أن تكسب كل شيء ولا تخسر شيئا إذا هي أصبحت في طليعة العاملين على تحرير الشعوب المستعمرة هذا هو منطق الوزير الإيطالي ورأيه في مصير مستعمراتهم، وذلك منطق الوزير الفرنسي ورأيه في مصير مستعمرات غيرهم فالأول يقول أن العدالة تقتضي بأن يتخلى عن هذه المستعمرات، والثاني يرد عليه ربما عن غير قصد بأن العدالة تقضي أن يتمسكوا بها وباستعباد أهلها، والأول ينصب نفسه للدفاع عن حرية الشعوب والثاني ينصب نفسه للدعاية إلى استعبادها، والأول يرى أن كل الأسباب قائمة لحرمان إيطاليا منها فما أشقى المنطق المسكين في هذه الأيام. يا حضرة السفير: لقد عودت نفسي أن أنصح لكم متطوعا أو متطفلا غير واثق كل الوثوق من أن تنال نصائحي منكم قبولا ولكنه خلق نشأت عليه وترعرعت في أحضانه لا أملك العدول عنه فأرجو أن توفق إلى تنبيه حكومتك إلى ما تنطوي عليه هذه الروح الرجعية العتيقة من خطر على سمعة مستقبلكم، لعلها تتدارك الأمر قبل الفوات. وبعد فما الذي دعا الجنرال ديجول إلى خوض هذا الغمار لمصلحة قوم كانوا بالأمس من ألد أعدائه، وضربوا أسوأ الأمثلة في الغدر ضد بلاده، ولم يشذ أحد من ذوي المروءات في الحكم على شناعة جريمة إيطاليا ضد الشعب الفرنسي في أشد محنته؟ ثم ما الذي دعاني أنا بالذات للرد عليه والتشنيع على صنيعه، وكان يكفيني الاحتجاج الصارخ الذي رفعه أعرق الناس في الحق على القيام بذلك، وهو الأمير

стр. 249

الجليل السيد إدريس السنوسي؟ الجواب بسيط الذي دعا الجنرال ودعاني سبب واحد، من جانبه هو الانتصار لمبدأ الاستعمار ومن جانبي هو مقاومة ذلك المبدأ وبعبارة أدل أن الجنرال يريد أن يبقى الاستعمار في الدنيا إلى الأبد لتبقى له إفريقيا الشمالية إلى الأبد، وأنا أريد أن يرتفع الاستعمار في الدنيا إلى غير عودة ليزول الاستعمار عن الناس جميعا من ضمنهم عرب إفريقيا الشمالية، وأكبر الظن أن الزبد سيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. مصر الفتاة ١٢ صفر سنة ١٣٦٥ إفريقيا الشمالية والجنرال سبيرس (٧) العرب أمة واحدة يريدون الوحدة والاستقلال عن الجرائد المصرية الكتلة والإخوان والنذير يعلم القراء جميعا أن الجنرال سبيرس ممثل بريطانيا في سوريا ولبنان سابقا يزور البلاد العربية في هذه الأيام، ونزل أول ما نزل في مصر ضيفا على الجامعة العربية، وأقامت له الجامعة حفله شاي فخمة في فندق هليو بوليس بالاس، حضرها مئات من زعماء العرب وعظمائهم وكنت من المدعوين لهذه الحفلة وعند وصول الجنرال قدموني إليه كسكرتير لجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية فصافحني مصافحة حارة ضغط فيها على يدي ضغطة شديدة وطويلة، يستطيع المرء أن يفهم منها كل ما يريد، وفهمت منها أنا أنها تحية خاصة لثلاثين مليونا من عرب المغرب العربي المتحفزين لتصفية الحساب. ثم قال لي الجنرال: إن في إفريقيا الشمالية مشاكل كثيرة. فقلت له: حقا أن مشاكل إفريقيا الشمالية كثيرة وأن أصدقاؤها - مع الأسف - من الأوروبيين قليلون. فأطرق الجنرال قليلا ثم رفع رأسه فقال:

стр. 250

يجب عليكم يا أحبابنا أن تتحاملوا الآلام، ويجب أن تخلقوا الأصدقاء. فقلت له لقد تحملنا طول حياتنا الآلام، ونتحملها دائما، وسنخلق الأصدقاء إن شاء الله. لقد كانت هذه الوقفة خاطفة لم تشف الغليل مع رسول بريطانيا وصديق العرب. وكانت الجبهة عقدت العزم على لقائه في وفد كبير للتحدث إليه طويلا عن قضية هذه البلاد ومحنتها الخطيرة. ولكنه بادر بالسفر إلى سوريا قبل أن يتم هذا اللقاء. من أجل ذلك نريد أن نلاحقه بهذه الكلمة تسجيلا لتلك المقابلة الخاطفة وشكرا له على تعرضه بخير لقضيتنا مرتين اثنتين إحداهما في مجلس العموم، والثانية في حديث له بجريدة التيمس. وإن كنا قد أرسلنا إليه في كلتا المناسبتين برقية شكر رقيقة، وتذكيرا للجنرال بأن العروبة التي يريد أن يصادقها اليوم إنما هي أمة واحدة متماسكة أشد التماسك تبتدئ حدودها من الأطلنطي حيث وضع ميثاق الحرية، وتنتهي في خليج البصرة، ويوجد عند هذه البداية بلد عربي اسمه مراكش وبعد مراكش مباشرة الجزائر وتونس وليبيا، كل أولئك من خواص العرب يريدون حرية ويريدون استقلالا، كشقيقتهن سوريا ولبنان، ونريد من الجنرال أن يدفع عن نفسه ما قد أشيع من انتصاره للشقيقتين سوريا ولبنان كان مجرد تنفيذ لخطة رسمت له من لندن، قضت بها مصلحة الإمبراطورية فقط، ولم يكن بدافع ذاتي أملاه حب العدل والحرية، وإذا أراد أن يدفع هذه التهمة فليس في الأدلة أقوى وأقطع في دفعها من انتصاره لقضية إفريقيا الشمالية انتصارا قويا سافرا، ونحن لا ننكر بعد ذلك على الجنرال أن يتفانى في خدمة وطنه وعظمة أمته ما دام الشعور الإنساني العام متغلبا عليه، بل نعتقد أنه قادر إذ أراد وأرادت لندن أن تجمع بين الأمرين - لأنه من الإنسانية أن ينتصر هو ودولته لقضية العرب أينما كانت، وفي المقدمة عرب إفريقيا الشمالية المجاهدون، ولأنه من مصلحة بريطانيا نفسها أن تفعل ذلك.

стр. 251

فالعرب اليوم قد استيقظوا فعلا، وتنادوا فيما بينهم: أن حي على التحرر السريع الكامل وتجاوب النداء بينهم جميعا، ولن يعودوا إلى النوم والسكون أبدا فمن مصلحة بريطانيا إذن بالتأكيد أن تصادقهم بإخلاص. ذلك لأن دنيا اليوم تأبى أن يكون في عالم السياسة وسط بين الصداقة والعداوة وإذا كتب لكم التوفيق وفعلتم ذلك فستجدون في العرب - كما هو العهد بهم دائما - أكثر الناس تقديرا لمصالحكم، وأوفى الناس لصداقتكم، وإذا أراد الجنرال أن يتم ذلك على يده فالفرصة سانحة له هو بالذات ليكرس إذن جهده على إقناع ذوي الشأن في لندن بأن العرب أصبحوا في شعورهم وإيمانهم فعلا أمة واحدة، وأنهم مستعدون لصداقه إنكلترا على شرط حريتهم ووحدتهم وأنهم مستعدون فعلا في الوقت نفسه لبذل كل مجهود في سبيل هذه الحرية وهذه الوحدة. فإذا تم للجنرال هذا الإقناع، وهو ما يجب أن يكون، أسر ذلك في إذن بعض المسؤولين "أولا" بتسوية قضية فلسطين من غير أي تسويف أو مغالطة "ثانيا" بتسوية قضية إفريقيا الشمالية كما فعلتم في سوريا ولبنان بالضبط، إذ ليس بين البلدين أي فرق ما عدا الفلسفة الاستعمارية التي نريد أن نطرحها في هذه المرة جانبا. ثم أنصح للجنرال، وأنصح له في إلحاح، أن يقدروا شعور العرب نحن سماحة المفتي الأكبر، فإنه اليوم في نظر العرب رمز الجهاد والإخلاص. وأؤكد للجنرال أن هذا الشعور نحو هذا الرجل هو في المغرب أقوى منه في المشرق وأرجو في الختام أن يضع الجنرال هذه الكلمة المتواضعة ضمن أوراقه الكثيرة التي سيعود بها إلى لندن، لنذكره عند الحاجة أن في المغرب عربا كما أن في المشرق عربا وهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وأنهم يريدون جميعا أن يتحدوا وأن يتكتلوا ولن تكون صداقتهم لأحد مستقيمة ومضمونة إلا على هذا الأساس. مصر الفتاة ١٧ صفر ١٣٦٥

стр. 252

سيتحد أبناء إفريقيا الشمالية رغم أنوف المستعمرين (٨) جريدة الموند الباريسية تضلل العالم - من هم القبائل؟ .. نقلا عن الجرائد المصرية الكتلة والمصري والنذير هي كلمات تبدو لأول وهلة قليلة متواضعة، بعث بها مراسل الأهرام الغراء في باريس يوم ١٧ - ٩ - ١٩٤٦ ولكنها في الحقيقة تنطوي على أخبث ما يذهب إليه المستعمرون الماكرون في الدس والتضليل، وأعني بالكلمات مقالا طويلا صيغ في قال تهميش نشرته جريدة (الموند) الباريسية وهي جريدة رأسمالية متعصبة تمثل كتلة اليمين العريقة في الاستعمار، الحقودة على العرب والمسلمين، وتكاد تكون الوارثة الشرعية (للمرحومة) جريدة (الطان) الشهيرة، ولخطورة الغرض الذي ترمي إليه (الموند) نورد ما به الحاجة من عباراتها ثم نغلق عليه بما يكشف المكيدة قال مراسل (الأهرام) الغراء. نشرت جريدة (الموند) الباريسية المعروفة مقالا للمسيو موريس فير وعنوانه (في أروقة الجامعة العربية) قال فيه: (إن جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية تضاعف مناوراتها ومساعيها وهي جبهة ثلاثية ألفت من الحزب الدستوري التونسي وحزب الشعب الجزائري وحزب الاستقلال المراكشي ثم قال: (إن الفضيل الورتلاني، السكرتير العام ليس عربيا بل هو من أبناء القبائل التي تعارض سيطرة العنصر العربي بكل قواها، وقد عهد إليه بهذا المنصب لإظهار تضامن إفريقيا الشمالية بمظهر أتم اتجاها لمقاومة الاستعمار). ويعنينا من هذه الكلمات أمور: أولا: بلغنا - والعهدة على الراوي - أن مراسل الجريدة مسيو موريس فير صهيوني من الطبقة الأولى، والصهيونيون يعرفون جيدا كيف يتغلغلون في

стр. 253

الأوساط الاستعمارية ليؤدوا رسالتهم الصهيونية الخاصة، وليشفوا غليلهم بالكيد للعرب والمسلمين من جهة أخرى. ثانيا: قول الجريدة "أن جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية تضاعف مناوراتها ومساعيها" بعد أن جعلت العنوان (في أروقة الجامعة العربية) وتقصد الجريدة بذلك إثارة النواحي الفرنسية صاحبة المصلحة لمضاعفة مناوراتها ومساعيها هي الأخرى مع أرباب المصالح في هذا الشرق االمسكين، وهم - مع الأسف - موجودون، وكثيرا ما تؤثر فيهم دعاية الاستعمار فتبطل حماستهم نحن قضية إخوانهم في هذه البلاد المغربية. ثالثا: قول الجريدة (وإنها جبهة ثلاثية ألفت من الحزب الدستوري التونسي وحزب الشعب الجزائري وحزب الاستقلال المراكشي، كلمات خطيرة مزعجة لا يقوى المستعمر على مجرد سماعها. بل كأني بالجريدة هنا واقفة على جمرة من النار تنبعث حرارتها إلى أطراف جسمها وأعماق نفسها وتنادي بالويل والثبور: أن أجمعوا أمركم أيها الفرنسيون على العدو المشترك فلقد أوشك أن يهتدي إلى الباب - الباب الذي اتفقنا على إيصاده في وجوههم بعرقنا وأموالنا ودمائنا، باب الوحدة والاتحاد. واذكروا العهد المقدس الذي بينكم وبين أسلافكم الغازين الفاتحين أن تحتفظوا بهذا القطيع كالبقر الحلوب إلى يوم الدين، ولقد تواصى أسلافكم أبا عن جد إلا سيادة لكم على أمة عريقة من غير التفريق والتشتيت، لقد رضعتموها من ألبان أمهاتكم وتلقيتموها حتى من أطفال جارة من جاراتكم كلمة موحدة خالدة أن "فرق تسد" ما هذا الكلام الذي تسمعونه أيها الفرنسيون. وهل تنامون ملء الأجفان على ترديده؟ جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، الدستوريون، الشعبيون، الاستقلاليون وغيرهم من الأفراد والهيئات، كل أولئك يريدون أن يصيروا كتلة واحدة؟ أعوذ بالله! ٣٠ مليون مغربي من دين واحد، ولغة واحدة، وأرض واحدة كل أولئك سيجتمعون عليكم؟ وأيما الحق أنها لإحدى الكبر، وإنه لمن العبث أن تنشغلوا بمؤتمر الصلح وبمجلس الأمن،

стр. 254

وبوضع الدستور، وتتركوا هذا السيل الجارف بتقوى بمرور الساعات فينهال عليكم بياتا وأنتم نائمون، أو ضحى وأنتم تلعبون. هذا ما تريد (الموند) أن تنبه إليه الفرنسيين، وأن تسرع إلى إلقائه في روعهم حاثة على تدارك الأمر الخطير قبل الفوات، ولكنني على شبه يقين من أن (الموند) فاتها القطار، فسيخيب المغاربة ظنها، ويضعون نصب أعينهم مغزى هذه النصيحة الغالية التي يستمد المستعمرون منها بقاءهم أسيادا، نصيحة "فرق تسد" التي لم يبق لهم سواها من مجد السلف، وتراث يعضون عليه بالنواجذ، إذا لم يكن للمغاربة من دافع للتكتل والاتحاد سوى هذا الحرص الشديد، وذلك الاهتمام البالغ من حضرات السادة المستعمرين على تفريق شملهم، وتوهين قواهم، وتفريقهم على الأقاليم، ثم تفريقهم على الهيئات، ثم تفريقهم على المعسكرات في داخل الهيئات - يفعلون ذلك لأنه هو السلاح الوحيد الذي يمكنهم من حفظ سيادتهم مع تمكينهم من رقاب عبيدهم، إذا لم يكن للمغاربة سوى ذلك، لكفي إيغارا لصدورهم، أو استفزازا لنخوتهم أو باعثا لهم على التضحية بالأنانية مرتخص بل بكل مرتحض وغال في سبيل إتحادهم، وسيفعل المغاربة ذلك في أوسع صورة إن شاء الله، لأنه هو الطبيعي، ولأنه هو السلاح الوحيد للإبقاء على وجودهم فضلا عن حريتهم وعزهم. فخير إذن لجريدة (الموند) أن ينصح لأهلها بغير هذا من الحفول الطبيعية التي لا تخرج عن السماح للمغاربة بممارسة حريتهم واستقلالهم، وأتخرص بعد ذلك على مصالح فرنسا في صداقة أهلها عن إخلاص ما تشاء. الأمر الرابع الذي يعنينا من عبارات الموند قولها: (إن الفضيل الورتلاني السكرتير العام ليس عربيا، بل هو من أبناء القبائل التي تعارض سيطرة العنصر العربي بكل قواها، وقد عهد إليه بهذا المنصب لإظهار تضامن إفريقيا الشمالية بمظهر أتم لمقاومة الاستعمار).

стр. 255

الحقيقة أن الفرنسي الكيس وخاصة المستعمر منهم، إذا أردت أن تخرجه عن كياسته، بل من عقله وصوابه أحيانا، استدرجه إلى الحديث عن مصالحه، وفي مقدمتها على مذهبه. وينسى عقول الناس وما لها من حق في وزن الأمور، ثم قبولها أو رفضها. ففي هذه العبارة الأخيرة (الموند) شواهد ناطقة على هذه العقلية التي نعرفها نحن من قديم. أولا يقولون أن الفضيل الورتلاني ليس عربيا، وهذا الفضيل يعلمون علم اليقين أنه سليل محمد بن عبد الله سيد العرب أجمعين لأن عائلة الورتلاني مشهورة في أقطار المغرب جميعا بأنها مرجع في تصحيح أنساب الأشراف فضلا عن تمتعها بهذا النسب الكريم ولها من الفرنسيين أنفسهم امتيازات، بسبب هذا الاعتبار ويعلم الفرنسيون والناس جميعا أن تقاليد هذه الأسرة تغالي في المحافظة على نسبها حتى (الموند) أن تزعم أن الفضل الورتلاني ليس حتى عربيا فضلا عن كونه شريفا إنما تتساءل: هل تفعل الموند ذلك لوجه الله ولتصحيح الأنساب فقط! معاذ الله أن يكون غرضها بسيطا إلى هذا الحد إنما تريد أن توهم العالم أن في هذه البلاد عنصرين متنافرين: أحدهما عربي قاهر والآخر اسمه القبائل مقهور، وتريد أن تفهم الناس أن المقصود (بالقبائل) هم البربر. وأن العداوة والبغضاء قائمان على قدم وساق بينهما من قديم الزمان لشعوب البربر، بأن العرب قوم طارئون مغتصبون مسيطرون ويجب مقاومتهم ثم طردهم من البلاد، ويفهم ذلك صراحة من قولها "أن الفضيل الورتلاني السكرتير العام ليس عربيا بل هو من أبناء القبائل التي تعارض سيطرة العنصر العربي بكل قواها" لا يشك من يقرأ هذه العبارات ويصدقها أن المغرب عنصرا مسيطرا عليه وهم العرب، وعنصرا مسيطر وهم القبائل أو البربر. وأن هذا الأخير في حرب سجال مع الأول لا يخبو لها أوار، ويعلم الله ويعلم الفرنسيون وتعلم جريدة (الموند) المفترية لسان حال المستعمرين المضللين أن كل ذلك بهتان مبين لا وجود له حتى في مخيلة المستعمرين. أما الحقيقة التي ظلت وستظل قائمة إن شاء الله إلى يوم الدين فهي أن ٣٠ مليونا من سكان المغرب اليوم كلهم مسلمون على

стр. 256

قلب رجل واحد في شعورهم الديني وعواطفهم التقليدية، وليس من بينهم نفران اثنان يشعر أحدهما بالسيادة والغلبة نحو الآخر والجميع يشعر أنهم عرب سواء أكان ذلك بالأصالة أم بفعل الاستعراب الذي تم بمرور الزمن والاختلاط ومن أمثال تضليل الفرنسيين للعالم أن جريدة (المارسيز) لسان حالهم في الشرق الأوسط زعمت عندما أذعنا نبأ قيام الثورة في الجزائر سنة ١٩٤٣ وذكرنا بعض تفاصيلها وأن القتلى وحدهم يعدون بعشرات الألوف، زعمت يومئذ أن الذي يذيع هذه الأخبار الكاذبة رجل طريد هارب كان متصلا بالألمان وبالأمير شكيب أرسلان (وتعنيني أنا طبعا) ثم زعمت أن القائمين بالثورة هم القبائليون الذين يعطفون على النازية غضبا منهم على سقوطها وأما العرب فهم أصدقاؤنا ومتعاونون معنا ضد الثائرين. والحقيقة أن هذه جرأة على الافتراء والتضليل لا يركن إليها إلا شديد الأعصاب الفاقد لعقله ولماء وجهه وكفى هذا لكثرة ترداد كلمة (القبائل) على ألسنة المستعمرين يجب أن أبين للقراء من هم القبائل في بلاد المغرب. القبائل جمع القبيلة طبعا، وأهل المغرب قوم يسكنون الجبال، ولهم بعض التقاليد المشتقة من شدة بأسهم وأخشيشانهم وتماسك أفراد القبيلة فيهم، فمثلهم تقريبا كمثل أهل الصعيد بالضبط، عرفوا بالغيرة المتناهية والرجولة الكاملة والتدين الذي ينتهي في كثير من الأحيان إلى التعصب الشديد. هذه القبائل أصلهم مزيج ممن كان أصلهم بربرا ثم امتزجوا بالعرب، ومنهم من أصلهم من العرب الأقحاح، ومنهم كثيرون من الأشراف الهاشميين وغاية ما بينهم وبين الناس هو نحو ما بين أهل الوجه البحري والصعايدة مع فارق بسيط وهو: أن القبائل في المغرب لهم إلى جانب اللغة العربية لغة خاصة اسمها (القبائل) هي مزيج من العربية واللغات القديمة لهذه الأوطان فالمسألة كما ترى مسألة بلاد وأقاليم، وليست مسألة أديان ومذاهب أو عناصر وأجناس ونحن إذ نقول هذا نتحدى الفرنسيين أن

стр. 257

يجروا استفتاء في هذه البلاد عما إذا كان واحد في المائة من سكانها يرغب في بقائهم أو كان واحد في المائة يرغب في أن تكون دولة غير مسلمة أو غير عربية. فإذا عثروا على هذا الواحد نكون نحن معشر المطرودين الهاربين كما يسموننا - نكون نحن المغترين ويكون لهم حق البقاء والخلود في هذه البلاد وإلا فلنناد فيهم جريدة (الموند) أن استحوا واشفقوا على تاريخكم الثوري ومجدكم في وضع أسس الحرية والعدالة، ثم لا مانع بعد ذلك من أن تطلبوا السعادة لبلادكم من طريقها النبيل. وستجدوننا يومئذ أول الأصدقاء - وخير الأوفياء. وآخر ما يعنينا من كلام (الموند) هذه العبارة "وقد عهدوا إليه - أي الفضيل بهذا المنصب - السكرتير - لإظهار تضامن إفريقيا الشمالية بمظهر أتم اتجاها لمقاومة الاستعمار" مرحى أيها الموند وأيم الحق أنه ليس أحب إلى نفسي منذ أدركني الرشد وذفت مر الاستعمار من أن أكون مظهرا للتضامن في سبيل مقاومة الاستعمار سواء أكنت بعد ذلك عربيا من سلالة محمد سيد العرب كما هو الواقع، أو كنت غير ذلك بما تريد الموفد أن أكون وأخيرا، أرجو أن تبلغي أسيادك الطغاة أيتها الموفد أن هذا المغرب العربي يجمع أنظاره قد خلقه الله وحدة كاملة، وأتم الله عليه نعمة هذه الوحدة بجمعه على دين واحد ولغة واحدة وظلم واحد فسنتحد ونتحد رغم أنف المبطلين، ونصيحتي الخالصة أن تعملوا على جعل هذا الإتحاد لكم لا عليكم. وسيأتي أمر الله لا محالة ﴿فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون﴾ غافر: ٧٨. جريدة الإخوان ١٢ - ١٠ - ١٩٤٦ سكرتير جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية الفضيل الورتلاني

стр. 258

إفريقيا الشمالية باستيل القرن العشرين (٩) دولة الحرية والإخاء والمساواة تحارب الحرية والإخاء والمساواة وتعتدي على الأديان والأعراض والأموال وقع اختيار جمعية الإتحاد العربي في هذا العام على الدكتور محمد عبد السلام العبادي عضو مجلس إدارة جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية مندوبا لها في المؤتمر الطبي العربي الذي انعقد بحلب، وكان للدكتور - من زهاء سنتين - اقتراح رسمي في الجبهة للسعي إلى جعل المؤتمر الطبي ينعقد في إحدى بلاد إفريقيا الشمالية (تونس أو الجزائر أو المغرب) وبذل في ذلك مجهودا مشكورا. فمن سعيه لدى بعض النواحي الحكومية، إلى سعيه لدى كثير من زملائه الأطباء، إلى خطب ألقاها في بعض المناسبات، إلى بعض كتابات في الموضوع، حتى سنحت له فرصة تمثيل الإتحاد العربي في هذا العام فعقد العزم على بذل كل ما يمكنه من جهود في سبيل حمل المؤتمر على اتخاذ قرار بذلك، وفعلا تم له ذلك من ناحية المؤتمر والحمد لله. فبهذه المناسبة أحببت أن أشرح للقراء لونا خطرا من ألوان سياسة فرنسا في هذه البلاد. فالذي تهدف إليه - منذ وضعت أقدامها في أرض المغرب المجاهد وعرفت شدة شكيمة أهله ومبلغ آبائهم - أمران: إما إذلالهم لدرجة لا يبقى معها أحد عنهم يفكر في حرية واستقلال، وذلك بإفشاء الجهل والفقر في جميع الطبقات حتى ينسوا الحرية والاستقلال تحت ضغط الحاجة إلى القوت وسد الرمق وإما بإقامة سد حائل بينهم وبين ماضيهم ثم تحويلهم إلى فرنسيين مادة وروحا، وذلك بتحويلهم عن لغتهم ودينهم وتقاليدهم، فمن أجل ذلك جعلت اللغة الفرنسية الرسمية في جميع فروع الحياة حتى في روضة الأطفال، وشرعت في

стр. 259

محاربة العربية بهمة تزري بهمة حكومة مصر في محاربة المخدرات, ثم جاءت بفكرة الظهير البربري الذي طبق فعلا في الجزائر قبل أن يعرفه الناس في مراكش، والغرض منه الظاهر صد المسلمين عن دينهم الذي عاشوا عليه أربعة عشر قرنا، بالنار والحديد لتتم لهم عمليه المسخ المبيتة، وفتح باب التجنس على مصراعيه مصحوبا بالترغيب والترهيب ففشلت فيه فشلا ذريعا. ثم أطلقوا العنان للمبشرين وزودوهم بأموال أوقاف المسلمين لتنصير الجائعين الجاهلين من سكان القرى والفلاحين، وإلى جانب ذلك كله أنشأوا كل ما عرفته مدنية القرن العشرين عن ألوان الفجور من لهو وعهر وخمر الخ. ويلاحظ أن أكثر بلاد الله إنتاجا للخمر هي الجزائر بسبب هذه المكيدة، حتى أن خمر الجزائر كانت أزمة خطيرة في يوم من الأيام بين مسعتمري الجزائر وحكومة فرنسا أدت إلى أن بعض المستعمرين المتطرفين طلبوا استقلال الجزائر والانفصال عن فرنسا، وسبب ذلك أن الجزائريين المغالين في التمسك بدينهم لم ترج في أوساطهم مكيدة قتل عقولهم بالخمر، فاضطر المستعمرون إلى تصديره إلى بلاد فرنسا، فزاحمت خمر فرنسا، وحصلت تلك الأزمة. وأخيرا - ولعله ليس الأخير - طلعت فرنسا بمشروع خطير سمته "الإتحاد الفرنسي" فبهذه الوسائل وغيرها توسلت العملية لفرنسا ولم يتم لها ما تريد ولا بعضه، ولكن مع الأسف قد تم لها الكثير من الإفقار والتجهيل، لأنها كانت تعلم جيدا أن هذه النية الخبيثة - نية قتل أمة عريقة كهذه - قد تم بالإفقار والتجهيل إن لم يكن بالفرنسية والمسخ، لأن هذه الأدوار يكمل بعضها بعضا. وكانت تعلم أن ذلك لا يتم إلا في فترة طويلة، مع استعمال كل أساليب القسوة والمكر، وكانت تعلم كذلك أن ارتكاب جريمة كهذه بتلك الأساليب الفظيعة لا يجوز أن يتم على مشاهدة من العالم، وإلا لثارت عليها الدنيا ولو من الناحية

стр. 260

الإنسانية فقط فمن هنا - وهو محل الشاهد - جاءت فكرة عزل هذه الأمة عن الدنيا عزلا كاملا شاكلا لا تسمح فيه، ثم إجراء العملية المبينة في خلوة لا تطلع عليها إلا هذه القافلة القاسية ومن فوقها علام الغيوب الذي ينتقم ولو بعد حين وأخذت في حزم تقف دون كل راغب (وخاصة من أهل الشرق) في زيارة هذه البلاد، حتى ولو كان تاجرا أو عالما مستشفيا، وحتى لو كان بسيطا حاجا لا يملك من أسباب النفع والضر شيئا، وتمنع على العموم إيجاد أي صلة بينها وبين الشرق حتى ولو كانت النهاية في التفاهة وتشدد الرقابة الأخرى على سكانها أن يتسربوا إلى الشرق ولو لطلب العلم، طلب الرزق أو الزيادة، وتعرقل السفر حتى إلى الحج وإذا سمحت بالحج لعدد محدود من المتعبدين الطيبين، فإنها تحيطهم بجواسيسها ليعدوا عليهم أنفاسهم وهم في رحاب بيت الله الحرام. أما الصحف والرسائل فدون دخولها وخروجها ما هو أمنع من خط ماجينو. وهنا أحب أن ألفت نظر القراء إلى ظاهرة عجيبة، ذلك أنه في هذا العصر أصبحت الإنسانية من حيث تيسير أسباب الاتصال كعائلة واحدة لدرجة تكاد ترتفع معها عملية الإبعاد من حساب المزاورين، فهذه مؤتمرات تعقد في أقاصي أمريكا ويحضرها أهل الدنيا جميعا وتعقد مرة أخرى في أقاصي الشرق كالهند والصين فيشهدها أهل القارات طرا، ولكن هناك بلاد واحدة يلاحظ الناس لأنهم لا يشهدون شيئا من ذلك أبدا، هذه البلاد هي إفريقيا الشمالية (تونس، الجزائر، ومراكش). ولقد انعقدت مؤتمرات في البلاد العربية الشقيقة نفسها لرجال المحاماة والصيدلة، والطب، والهندسة، والاقتصاد ... الخ ويلاحظ الناس أيضا أن بلدا واحدا فقط حرم من الإشراك فيها (وهو المغرب العربي الذي يطوي بين جنبيه أكثر من ثلاثين مليونا) ولو قدر للمغاربة أن يخرجوا من هذا السجن، بل هذا الباستيل الحديدي لاستفادت الدنيا جميعا من رجولتهم وعبقريتهم.

стр. 261

ومما يجدر ذكره في هذا الصدد على سبيل المثال أن بعض رجال الإتحاد العربي أرادوا أن يزوروا إخوانهم في البلاد المغربية كما فعلوا مع البلاد العربية الأخرى فتبينوا أن دون ذلك خرط القتاد، وأكبر من ذلك أن الإتحاد العربي قدم في بعض المناسبات مذكرة لوزير فرنسا المفوض بمصر بشأن هذه البلاد وما يقع فيها من اضطهاد فثار ثائر الوزير وعدها تطاولا من الإتحاد على فرنسا ورد المذكرة ردا غير جميل، ممتنعا عن رفعها إلى حكومته زاعما بما مؤداه "أنها قليلة الأدب" وأن رفعها إلى حكومته قد يؤدي إلى توتر العلاقات بينها وبين مصر! وأبشع من ذلك أن أناسا من أهل البلاد المغربية يزاولون التجارة هنا في الشرق ولهم هناك في الوطن المغربي أملاك وأهل مصالح لا تعد، ويحملون جنسية بلادهم أبا عن جد ومعهم جوازات سفر فرنسية، وقد بذلوا جهد الجبابرة في سبيل زيارة أهلهم والوقوف على مصالحهم فعادوا بخفي حنين، لأن الفرنسيين الأحرار؟ يخشون أن تفتح ثغرة - كثغرة سيدان - في هذا النطاق الفولاذي المضروب على المغرب العربي فيندفع أهله كالسيل الجارف وكيأجوج ومأجوج فيجيء وعد ربي ﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكا وكان وعد ربي حقا﴾ الكهف: ٩٨. من هذه الأمثلة القليلة يتبين للقارئ أن فرنسا تغار على أهالي البلاد غيرة الذكر على الأنثى، أستغفر الله بل لم يلغ بهم الغيرة على إناثهم أن يحولوا بينهن وبين الاتصال بالناس، فالمرأة عندهم اليوم (نائبة) ووزيرة وسفيرة وتملك أن تسافر حيث تشاء وتحضر المؤتمرات وتقول ما تشاء وتملك حتى مرافقة الأجنبي من غير قيد ولا شرط، وتملك أن تراقصه إن شاءت. يا أيها العرب، ويا أيها الناس، لقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين وإن هذه الحالة التي يعيش لكم إخوان في العروبة والإسلام والإنسانية لا يطيقها

стр. 262

إنسان، ولقد عبروا هم من جانبهم عن سخطهم وإبائهم بأنهر من الدماء التي أراقوها في الثورات المتتالية وبلغ من قتل فيها عشرات الألوف، ومن سحن أو شرد مثل ذلك أو أكثر، فما بقي إلا أن تعبروا أنتم عن جانبكم عن سخطكم على هذه المهزلة البشرية التي تمثل في القرن العشرين على مرأى ومسمع من الديمقراطية والحضارة ورغم أنف القنبلة الذرية أننا ندعوا ونستصرخ المسلمين والعرب بل ندعوا ونستصرخ الديمقراطيين في أوروبا وأمريكا وفي الدنيا بأجمعها أن يعملوا على إنصاف هذه المجموعة الإنسانية ولو بعض الإنصاف وقديما استصرخ غيرنا بالناس، ولم ينس العالم استغاثات الجنرال ديغول المدوية فأغيثونا من ظلمه وظلم قومه كما أغثتموه من ظلم الألمان والطليان، أما بماذا تغيثون فكل على حسب ظروفه ومركزه، ففي قدرة الصحافة أن تكتب وتندد بالظالمين، وفي قدرة الهيئات أن تحتج على المعتدين. وفي قدرة الحكومة - ومن حقها - أن تقابل فرنسا في معاملاتها بالمثل، فإذا منعت رعايا الدول العربية من الدخول في مناطق نفوذها، منعت الدول العربية رعاياها من الدخول إلى الأوطان العربية، وإذا أبت أن تقبل لنا قناصل في بلادنا، وإذا منعتنا من إقامة معاهد ومدارس وبنوك فعلينا مثل ذلك. فالشر بالشر والبادئ أظلم وثقوا أنه لا يكون ذلك هين ولا قليل الوقع في نفوس إخوانكم فجربوا فقط لله ولرسوله والمؤمنين. الفضيل الورتلاني سكرتير جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية ٩ ذي القعدة سنة ١٣٦٥ جريدة الإخوان ٢٨ سبتمبر سنة ١٩٤٦

стр. 263

يوم إفريقيا بعد يوم فلسطين (١٠) نداء الجبهة إلى العرب من هيئات وأفراد أرسل هذا النداء من الجبهة إلى جميع الهيئات العربية والإعلامية ونشر في معظم الصحف. أيها العرب الأمجاد، لعل من الخير أن نعلم جيدا أن ما نبذله في سبيل فلسطين العربية أفل بكثير مما يبذله خصومنا الصهيونيون فمن أجل ذلك تأخر النصر الذي وعد الله به المظلومين فلقد بذل الصهيونيون أموالا طائلة في سبيل استبعادها ولم نبذل نحن في سبيل التحرير غاليا إلا الكلام ولسنا "والله" بالفقراء كما يتوهم الكثير فلو جمع كل عربي منا جنيها واحدا ثم استغنى عنه لصندوق العربية "مثلا" وهو ما لا يعجز عنه أحد لتجمع لدينا ثمانون مليونا من الجنيهات نستطيع أن نهد بها الجبال فضلا عن شراء أراضي فلسطين جميعها. ثم بذل الصهيونيون في سبيل إذلالنا أرواحا كثيرة وأسالوا دماء غزيرة وهم من وصفهم القرآن بأنهم أحرص الناس على الحياة ولم نبذل نحن أيضا للدفاع عن عزنا غالبا "ونحن نتربص إحدى الحسنيين" إلا الكلام. ولست مع هذا بالمقلل من شأن الكلام إذا كان "الكلام لقي الفؤاد" وإنما جعل اللسان عليه دليلا إنما أخشى أن يصير الكلام لنا حرفة وكيفما تم مرضا نتلهى به كما يتلهى الأطفال باللعب فيحل الهزل محل الجد ويكون من وراء ذلك "لا سمح الله" بلاء عظيم، ثم أن اليهود اتخذوا لهم زعماء أحاطوهم بسياج من التكريم والتقديس دونه تكريم وتقديس الملوك ولنا نحن زعيم واحد هو سماحة المفتي الأكبر وهبه الله كل معاني النبل وجعله رمزا لخلود فلسطين العربية فأقل ما يقال أنه لم يجد منا كل ما يليق بمثله أمهد بهذه الكلمة لأسجل "من ناحية" عدم الرضى عن مقدار ما قدمه

стр. 264

العرب إلى الآن لصالح قضية فلسطين كما وكيفا وأنهم من ناحية أخرى لم يقصروا من حيث إبداء الاستياء وإلهاب الشعور في المناسبات المختلفة فلقد كتبوا كثيرا وخطبوا كثيرا وقامت المظاهرات المتعددة والإضرابات المتكررة وقد أطلقوا على بعض هذه الأيام "يوم فلسطين المجاهد" ولم يذهب ذلك سدى بل كان له أثره العظيم ولعل أول الحرب كلام ثم غضب ثم بذل للأموال والأنفس ثم فوز بالنصر المبين بإذن الله. أقول هذا عن فلسطين العزيزة هناك كتلة عظيمة أخرى عربية تقاسي الأمرين أصابها حيف كبير من إخوانها العرب وليست ظروفها "من جهة" بأقل خطورة من ظروف فلسطين المجاهدة ولن يستطيع العرب "من جهة أخرى" أن يحيوا حياة العزة والكرامة بدونها وهذه الكتلة الجبارة هي شمال إفريقيا العربي - تونس - الجزائر - مراكش - لم يقسم العرب لهذه الكتلة نصيبها الكامل حتى من هذا الكلام - الكلام الملهب للشعور المعبر عن الاستياء والمدلل عن التضامن والألم المشترك، إن فيها الثلاثين مليونا هم من أكثر العرب عددا وأشدهم بأسا وانسجاما وأطولهم صبرا واحتمالا وينظرون إلى إخوانهم في الشرق كما ينظر الناس إلى الشمس التي تمدهم كل صباح بالنور والحرارة ويبذلون ثمنا غاليا من أنفسهم وأموالهم والمحافظة على هذا التراث العربي المشترك من قومية ودين هؤلاء المجاهدون والمستميتون من إخوانكم لا يرهقونكم اليوم بمطالبهم ولكنهم يريدون فقط، وفي إلحاح شديد أن يلمسوا شعوركم متدفقا قويا نحوهم، ولما كانت الوسائل لإبداء هذا الشعور كثيرة، وقد أعربتم عنه في مظاهر كثيرة نريد أن يتكرر اليوم في صورة أقوى وواضح وأعم. نتقدم بندائنا هذا لجميع الهيئات الإسلامية والمسؤولين من الأفراد مقترحين وراجين أن يعملوا على تخصيص يوم يطلقون عليه "يوم إفريقيا الشمالية" ونقترح نحن أن يقوم هذا اليوم على ما يلي: "وللقائمين عليه بعد الرأي الأعلى".

стр. 265

نقترح أن يكون الإضراب في ذلك اليوم عاما في جميع الأقطار العربية وأن تصدر الجرائد بافتتاحيات على شؤون هذه البلاد وأن تجمع الهيئات في دورها وأنديها لتنظيم الاحتجاجات ضد عدوان الفرنسيين فيها وأن تنظر في طريقة جديدة لمقاطعتهم عند اللزوم وأن تؤلف لجنة لجمع اكتتابات تواسي بها منكويي الثورات في تلك البلاد ثم نهيب بالحكومات العربية من جديد على تحديد موقفها من هذه البلاد الشقيقة من الدولة الفرنسية الظالمة بالصراحة والوضوح. نذكر هذا على سبيل المثال والتفاصيل تدرسها الهيئات عند اجتماعها. أما واجبنا الأساسي في هذا النداء هو أن نلج على المسؤولين لإقامة هذا اليوم الخالد "يوم إفريقيا الشمالية المجاهدة" وأن نؤكد لهم بأن أثره عند إخوانهم في المغرب سيكون عظيما وفوق ما يظنون إن شاء الله وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. ١٢ ذو الحجة سنة ١٣٦٥ ٦ نوفمبر سنة ١٩٤٦ وحشية الفرنسيين في إفريقيا الشمالية (١١) وبطولة العرب المجاهدين في سبيل حريتهم لقد تواترت الأخبار بما لا يدع مجالا للشك بأن الفرنسيين في إفريقيا الشمالية عامة وفي الجزائر خاصة يعملون بكل وجيه لأحد غرضين إما إذابة ثلاثين مليونا في الجنسية الفرنسية وسلخهم من القومية العربية وإما إبادتهم بأقسى الوسائل وأسرعها فلقد استعملوا كل أنواع الأسلحة للوصول إلى أحد هذين الغرضين بعدما زجوا بكل الزعماء في السجون والمعتقلات وبعد ما منعوا صدور أي نوع من أنواع المطبوعات، وبعدما حلوا جميع الهيئات، وبعدما أشاعوا الإرهاب في جميع الأفراد والجماعات، ثم بعد ذلك كله مدوا أيديهم

стр. 266

إلى ما بيد الأهالي من الأقوات فانتزعوها منهم ليقتلوهم جوعا أو يذلوهم فينزلوا عن إرادتهم ويرضوا مكرهين بالمسخ والفرنسية التي أرادوا لهم. لقد احتمل أولئك العرب الأمجاد كل هذه المحن وقبلوا كل تحد بالحديد والنار في الثورات الدموية الخطرة استمساكا بمطالبتهم بالحرية والاستقلال محتفظين بقوميتهم العربية الإسلامية كاملة غير منقوصة. لقد قتل في الثورة الجزائرية الأخيرة وحدها على أصح الروايات ٣٦ ألفا من العرب وقبض على ما يزيد على ٦٠ ألفا تحت المحاكمة وحكم على المئات فعلا بالإعدام ونفذ الإعدام في بعضهم وأرجئ في البعض الآخر كل ذلك على سبيل الإرهاب لعل هذا الشعب العنيد تلين قناته فيشتري حياته بالتنازل عن قوميته وكرامته فيتقبل الجنسية الفرنسية وينال الحرية البيضاء ولكنه لم يزده هذا الإرهاب المبيت وهذه الوحشية المهلكة إلا مبالغة في الإباء وزيادة في العناد الشريف وعدم الرضا إلا بالحرية الحمراء التي تحفظ له قوميته وكرامته، ولو على أشلاء الرجال والنساء والشبان والأطفال، ولو على أنقاض المدن وخرائب القرى. لله دره من شعب جبار! ما أجدره بنخوة العرب وعزة الإسلام، وما أحقه بالمجد والخلود. والغريب المدهش أن تحيط بهذا الشعب كل هذه المحن ويغرق في كل هذا البلاء، وهو أعزل لا يملك إلا الإيمان بالله والثقة بالنفس ثم تجده واقفا على رجليه لا يرتعش ثابتا في مكانه وعلى مبدئه لا يطيش. بينما تقف فرنسا الجبارة أمامه يساندها أسطولها في البحر، وطائراتها وقنابلها في الجو، وجيوشها ودباباتها ومدافعها في البر ومليون من المدنيين مسلحين معهم السلطان والمال ثم تقف بكل ذلك أمامه حائرة ترتعد. ويصور هذه الحقيقة تصريح رسمي لرجل مسؤول يمثل الحكومة الفرنسية وهو عضو في مجلس نوابها ومكلف من قبلها للتعرف على أحوال سكان هذه البلاد

стр. 267

النفسية. ثم رفع تقرير لها بما وصل إليه بحثه من حقائق. واسمعوا تصريحه بنصه كما جاء في جريدة المصري يوم ٢٢ - ٩ - ٤٥ لمراسلها الخاص من لندن. قال لا فض فوه "تقول البرقيات الصادرة من باريس أن مسيو كالدر العضو عن شمال إفريقيا في حركة الرخاء العام الفرنسية قد تحدث عن حالة التوتر في الجزائر وقال أن اضطرابات خطيرة قد تحدث في أي لحظة ما لم تطلق الحكومة الفرنسية حالا سراح ثلاثين ألف عربي معتقلين أو في انتظار المحاكمة لميولهم الوطنية أو محاولتهم تأليف إنحيازات وطنية. وقال كالدر أنه عندما غادر الجزائر أخيرا أصدر البوليس الفرنسي منشورا إلى الأوروبيين في مناطق عديدة أبلغهم فيه وجوب إعطاء إشارة للطائرات حال الشعور بالخطر معنى ذلك أن كل محرض بإمكانه أن يحدث اضطرابات. هذا تصريح الرجل الفرنسي المسؤول الذي أنشأنا من أجله هذا المقال فما الذي يؤخذ منه؟ أولا - إن هذه البلاد أصبحت بركانا من الوطنية الصادقة. فهي تغلي كلها كالمرجل رغم الاضطهاد الوحشي الذي لم يعرف التاريخ مثله حتى في العصور المظلمة. ثانيا - أنه يعترف بأن ثلاثين ألفا من خيرة رجال البلد معتقلول. ثالثا - يعترف بأن سبب اعتقالهم هو ميولهم الوطنية. رابعا - أن فرنسا بعد كل الذي قامت به من أعمال الإرهاب والتشريد والتشتيت والإبادة والإفناء ... بعد ذلك كله لا تزال ترتعد فرائصها خوفا من أولئك الأسود المكبلين وذلك يؤخذ من اقتراح مسيو كالدر على الحكومة لإطلاق سراج ثلاثين ألف معتقل لا لوجه الله بل لأن اضطرابات خطيرة قد تحدث في أية لحظة، وأن كل محرض يمكن

стр. 268

أن يحدث هذه الاضطرابات وبلغ بهم الرعب إلى أن أصدروا منشورا للمدنيين الأوروبيين وهم قرابة مليون ليتعاونوا مع الطيران في حالة الخطر الداهم. ونحن نقترح على الفرنسيين بنصيحة واحدة إذا أرادوا أن ينقلب خوفهم أمنا وأن يزول الخطر المحدق. فعليهم أن يكفوا عن هذه الأساليب الوحشية وأن يتخلصوا من شرذمة المستعمرين المتفرنسين، وأن يقفوا أمام العرب وجها لوجه يسلمون لهم حريتهم، ويطلبون ودهم وصداقتهم، والتعاون معهم إلى أقصى حدود التعاون وفي ذلك خير للجميع. هذا عن الجزائر وأما عن مراكش فإننا نكتفي بإيراد ما أبرق به مراسل المصري الخاص من طنجة، ففيه أبلغ تصوير للحقيقة المرة هناك. قال المراسل "تقاسي مراكش اليوم من أهوال الاستعمار ما لم تقاسيه أية أمة أخرى، فمناطقها الثلاثة المشمولة بالحمايتين الفرنسية والإسبانية، تخضع لنظام جائر، ولم تجب السلطات أي طلب من طلبات الحركات الوطنية منذ نهضت هذه البلاد تطالب بحقوقها من نحو عشرين سنة مضت، وهي لا تعير هذه المطالب أدنى إلتفات. فمعظم الطبقة المثقفة معتقلة منذ أوائل سنة ١٩٤٤، والزعماء المعتقلون من أوائل سنة ١٩٤٤، والصحف العربية معطلة كلها، والأحزاب والجمعيات قد حلت جميعا، وأساليب الإرهاب منتشرة في كل مكان. وتكتسح مراكش اليوم موجة من خيبة الأمل بعد أن آمن شعبها بميثاق الأطلنطي، وجعل قضية الديمقراطية قضيته، وبعد أن حارب أبناؤه في ميادين القتال الإفريقية والأوروبية.

стр. 269

جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية كانت حركة الدفاع عن أقطار إفريقيا الشمالية، تونس والجزائر ومراكش، في بلاد الشرق مفرقة، فكل قطر يعمل مستقل عن الآخر، ولو أن التعاون بينهم كان في الجموع كان سائدا. ولما جاء عام ١٩٤٤ تألفت هيئة عامة لجمع الشمل، وتوحيد الرأي والكفاح، سميت (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) تحت رئاسة العلامة الجليل شيخ الأزهر سابقا الأستاذ الأكبر "محمد الخضر حسين" وسكرتارية الأستاذ "الفضيل الورتلاني"، وضمت أعضاء من جميع أقطار المغرب العربي، ومن جميع الهيئات والأحزاب، ووضعت لها قانونا أساسيا استهدفت فيه بالدرجة الأولى، استقلال هذه البلاد، استقلالا تاما لا زيف فيه، ووحدة كاملة شاملة لا نقص فيها، فأبلت هذه الجهة بلاء عظيما في سبيل تنمية روح الاستقلال والوحدة في نفوس أبناء المغرب العربي، عامتهم وقادتهم، وفي سبيل إشاعة هذه المعاني في بلاد الشرق، شعوبهم وحكوماتهم، وتم لها الكثير مما أرادت، إذ أصبحت كلمة الاستقلال، وكلمة الوحدة، من التحيات المفضلة عند المغاربة جميعا، وخفت روح الإقليمية، حتى كادت أن تختفي تماما، كما خفت أغنية الإصلاحات والاستقلال الأعرج الذي تغطي عرجه إصلاحات إستعمارية كاذبة وخادعة، وحتى أصبح أهل المشرق يدركون خطورة هذه البلاد، وأصبحوا يحسون في الوقت نفسه، بواجبهم نحوها، بعدما كانوا ينظرون إليها، كما نظر الطالب الإبتدائي إلى أطلس الجغرافيا. ويحسن بنا أن ننشر هنا بعض نشاط الجبهة للتاريخ. وليس بين أيدينا الآن من آثارها إلا عدد خاص بها، من مجلة "النذير" المصرية، وسنأخذ منها نموذجا من أعمالها في صورة مذكرات، وبرقيات، ونداءات الخ ...

стр. 270

وإلى القارئ الكلمة الأولى بقلم الأمير "مختار الجزائري" نائب رئيس الجبهة يومئذ، لأنها تتعلق بكيفية تكوين الجبهة، ثم تتلوها بقية المختارات، قال الأمير مختار تحت عنوان: كيف تكونت جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا في يوم من أيام ذي القعدة من سنة ١٣٦٢ ورد علي تلغراف من يافا فلسطين وأنا يومئذ ببيروت، يطلب إلي فيه مرسله وهو من أعز الناس عندي أن أحضر إليه لأمر مهم سبق لنا فيه حديث طويل ويتصل بقضية الوطن العزيز، ويذكر لي أن "من حدثني عن جهاده موجود" ولم أجد صدري منشرحا في حياتي مثل ذلك اليوم، فلم أتردد كثيرا ولا قليلا إلا قدر ما وسع التهيؤ للسفر، فتوجهت إلى يافا فوجدت أخا لي في الله والوطن الأستاذ الفضيل الورتلاني سمعت بجهاده كثيرا ولكن لم أره، واختلينا أنا والأخ الورتلاني مع اثنين من أعز أصدقائنا فتناجينا طويلا واستعرضنا أمجاد ماضي الجزائر والمغرب والعرب والإسلام، فسالت الدموع حزنا على ما ذهب، وسرورا بما حفظ الله لهذه الأمة المجيدة من أسباب الخلود، ثم استعرضنا الحاضر بما فيه من خير وشر ثم قلنا: إن ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها، وإن خدمة الأوطان لا سيما في الظروف القاسية التي تقرر فيها المصائر من أجل العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى الله جلت قدرته، خصوصا عندما تكون خالية من كل غرض بريئة لوجهه الكريم. وبما أن القيام بمثل هذه الرسالة الجليلة لا يتم إلا في مركز واسع الصلة بالدنيا، اتجهت النية للانتقال إلى القاهرة، وبذلت في سبيل ذلك أمام المعاكسات الاستعمارية ما الله به عليم، وتم الانتقال لي منفردا ثم للعائلة جميعا وبدأ العمل

стр. 271

للقضية فأسسنا جمعية الجالية الجزائرية، وأسسنا اللجنة العليا للدفاع عن الجزائر اشترك في عضويتها أعظم الشخصيات العربية من جميع الأقطار، فاتصلنا بجميع الحكومات العربية وملوكها وأمرائها وهيئاتها وأحزابها وجرائدها، كما اتصلنا بجميع الدول المتحالفة من طريق المذكرات والتلغرافات والمقابلات والمحاضرات، واستطعنا كذلك أن نتصل بالوطن من طريق بعض المنشورات والقصاصات والرسائل الخاصة، كل ذلك في ظروف كانت الرقابة على المطبوعات والرسائل على أشدها، فصادفنا من العقبات ما لم نستطع تلافيه إلا بشيء كثير من الصبر والمصابرة وكان العزاء لنفوسنا ما كنا نلمسه من أثر محسوس لهذه الأعمال المتواضعة، وفي هذه الأثناء كانت الظروف تجمعنا بخيرة الرجال من أبناء المغرب العربي أمثال حضرة صاحب الفضيلة العلامة الجليل السيد محمد الخضر حسين وأمثال الدكتور محمد عبد السلام العيادي وأحمد نجيب بك برادة عضو الشيوخ والحاج أحمد بن قايد ومصطفي بك بيرم وأصحاب الفضيلة الشيخ إبراهيم أطفيش والشيخ إسماعيل علي والشيخ السعدي عمار والحاج اليمين الناصري وأمثال حضرات الشبان الأساتذة أبو مدين الشافعي وأحمد ابن المليح وحمود بن قايد وأحمد السعدي ومحسن بيرم وغيرهم كثيرون وكنت ألمس من هؤلاء جميعا ثقة بالله إيمانا بعد قضية وطنهم، وكان الحديث، الوطني بيننا يشمل دائما كل أقطار المغرب، لعله من هنا ابتدأت فكرة إيجاد هيئة جامعة تتناول قضية إفريقيا الشمالية موحدة، وكان من حضرات المذكورين وغيرهم تأليف الجبهة فيما بعد. وأمامي الآن قانونها الأساسي مصدر بكلمة مختصرة جامعة لمقاصدها شارحة لحقيقتها، وهي خير ما يوضع بين يدي القارئ وهذه هي وإليكم فيما يلي:

стр. 272

الجبهة وأغراضها مادة ١ - في يوم أول ربيع الأول سنة ١٣٦٤ هـ الموافق ١٨ فبراير سنة ١٩٤٤ ميلادية تألفت هيئة في القاهرة تسمى (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية). مادة ٢ - أغراض الجبهة: - السعي بالطرق المشروعة لتحقيق حرية واستقلال شعوب شمال إفريقيا: (تونس - الجزائر - مراكش) - السعي لضم هذه الشعوب إلى الدول العربية. مادة ٣ - دستور الجبهة: (التضامن وتحرير العصبيات). مادة ٤ - تسعى الجبهة لتحقيق أغراضها بجميع الوسائل المشروعة كإنشاء صحف وفتح أندية وإيجاد شعب لها في مصر وخارجها إذا اقتضى الحال ذلك. بتوفيق الله مثمرا، وأثر مساعيها العظيمة في كل مجال محسوسا، وكان أكبر نشاطها مع الدول العربية وشعوبها ومع دول الأمم المتحدة وشعوبها، تقدم المذكرات وترفع الاحتجاجات وتنور الأذهان بالخطب، والمقالات وتتصل بالهيئات والأندية والشخصيات وتتابع بعناية كبيرة النشاط الذي يقوم به رجال الوطن في البلد، وتعمل على إذاعته حسب المناسبات وفي هذا العدد الخاص من جريدة النذير الغراء، نموذج طيب لهذه الأعمال الجليلة يجد القراء فيه إلى جانب المعلومات الكثيرة ألما وأملا، والحياة من مبدئها إلى نهايتها كلها أمل وألم، أما هدف الجبهة الأخير فهو استقلال أقطار المغرب كلها استقلالا تاما في وحدة كاملة والانضمام إلى جامعة الدول العربية والعزم معقود على مواصلة العمل لإدراك يوم النصر الحقيقي، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله والله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. الأمير مختار الجزائري

стр. 273

الثورة الاستقلالية الدائمة في إفريقيا الشمالية لقد مضى على الاستعمار الفرنسي الغاشم في بلاد المغرب العربي مائة وسبعة عشر عاما، لم يذق أثناءها - بحمد الله - لذة الراحة أمام الثورات المتعاقبة الخطيرة التي كان يقوم بها العرب الأمجاد ضد الغازين الغاصبين - إلا في فترات قليلة جدا - وأول ما وضع هذا الاستعمار قدمه في الجزائر المسلمة، واجهته قوة دولة البطل الإسلامي العظيم الأمير عبد القادر الجزائري الذي أذاق الفرنسيين أمر حياة عرفها تاريخ الحروب التحريرية مدة ثمانية عشر عاما كاملة، وأشهر ثورات المغرب العربي بعد الأمير عبد القادر ثورة الباش آغا المقراني سنة ١٨٧٠ وكادت تقضى نهائيا على النفوذ الفرنسي ثم طرده من البلاد، وأقرب ثورات المغرب العربي إلى الأذهان ثورة المجاهد الإسلامي الخالد الأمير عبد الكريم الخطابي الريفي، الذي أقض مضاجع الفرنسيين والإسبانيين معا مدة ثمانية أعوام كاملة ما بين سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٢٧ ولولا تكاثر الخصمين معا عليه لاستطاع أن يسحق كلا على إنفراده مع عدم تكافؤ القوتين عتادا والأمير لا يزال يعاني ألم الغربة والنفي في جزر الرينييون إلى الآن والديمقراطيون متغافلون وإخواننا العرب مع الأسف ساكتون، ولعل عذرهم أنهم مشغولون بسواه وآخر هذه الثورات تلك التي اندلع لهيبها في مراكش والجزائر وتونس بعد نهاية هذه الخرب الطاحنة للمطالبة بالحرية والاستقلال والتي ذهب ضحيتها بين القتلى والجرحى والمعدمين والمشربين مئات الألوف، وقد رددت صدى هذه الحوادث الخطيرة جميع صحف

стр. 274

العالم، فضلا عن الصحافة العربية، ونحن نغتنم فرصة إصدار هذا العدد الخاص من النذير لنورد فيما يلي بعض أمثلة مما كانت تقوم به الجبهة في سبيلها، آملين أن لا تذهب تلك الدماء العربية العزيزة سدى، بل تكون سقيا لشجرة الحرية المقدسة إن شاء الله، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. السعدي عمار مدرس بالأزهر وعضو مجلس إدارة الجبهة مذكرة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى مؤتمر الجامعة العربية حضرة صاحب السعادة عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية. تحية واحترام، وبعد: ترجو جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية من سعادتكم عرض هذه المذكرة الوجيزة على مؤثر الجامعة الموقر، ولنا كبير الأمل في أن نحظى من أنظاره البعيدة المرمى بعناية ضافية وهي: أن شعوب إفريقيا الشمالية العربية: تونس والجزائر ومراكش، طالما قاست من الاحتلال الفرنسي ألوانا من الاعتداء على الأنفس والأعراض والدين والأموال وطالما حاول الناهضون من رجالها تخفيف شيء من ذلك الاضطهاد الممقوت فيوجهون الشكوى بعد الأخرى إلى فرنسا نفسها على أمل أن يجدوا من الفرنسيين من يحمل في صدره شفقة على الإنسانية المعذبة، فتخيب آمالهم، بل لا يجدون إلا من يعد شكواهم طعنا في سياسة الاحتلال، والطعن في السياسة جناية تقابل بالعبودية في غير رحمة.

стр. 275

وكثيرا ما يأخذ أولئك العرب غضب من العسف الذي تغمرهم به فرنسا فينهضون لمكافحته بما في أيديهم من قوة، ويبذلون في سبيله دماءهم الغالية، ولا يبالون في كفاحهم ما تفعله به الحكومة الباغية من تنكيل وتقتيل. وأقرب دفعهم إليه دافع الغيرة على حريتهم المسلوبة وحقوقهم المهضومة، هذه الثورات التي قاموا بها منذ أشهر بعد أن أشعروا فرنسا بأن صبرهم على عدوانها قد نفذ، وأنهم لا يرضون إلا أن يعيشوا كما تعيش الأمم ذات التاريخ المجيد في عزة وكرامة. كانت تلك الشعوب العربية تحسب أن انهزام الفرنسيين أمام الجيش الألماني وابتلاءهم بسيطرة الأجنبي على بلادهم وتجرعهم غصص الإهانات في ديارهم قد يذكرهم حال الشعوب التي يدوسون كرامتها بنعالهم، فيخففون عن غلوائهم ويعودون إلى رشدهم، ويقفون في مفاوضة أولئك العرب موقف الحريص على أن يتساوى الناس في الحرية تساويهم في التمتع بالهواء الطلق، وضياء الشمس، ولا سيما شعوبا ساقت منهم جيوشا كثيرة إلى مواقع القتال وبذلوا دماءهم في الدفاع عن بلادها ولكن فرنسا نهضت بفضل الحلفاء من نكبتها وبدل أن يكون لها في تلك النكبة موعظة، تتحول بها من عقليتها العتيقة إلى عقلية تحترم المنطق السليم ولا تجاري الأهواء الجامحة بها إلى غير سبيل، عادت تتحول إلى ما عرفت به من معاملة تلك الشعوب معاملة من لم يعترف بأن لهم حقا في الحياة. ففرنسا الحديثة كفرنسا القديمة تستأثر بخيرات شمال إفريقيا وتصدرها إلى أوطانها وتدع رجال تلك الأقطار وولدانهم ونساءهم يتساقطون موتى في الطرقات حيث لا يجدون من القوت ما يسد رمقهم. وفرنسا الحديثة استأنفت العمل لقلب جنسية أولئك العرب إلى جنسية فرنسية ونقلهم إلى دين غير دينهم وإلجائهم إلى أن تكون اللغة الفرنسية لسانهم حتى تقضي

стр. 276

على اللغة العربية التي هي أجلى مظهر لعربيتهم، إلى غير هذا من وضع الضرائب الفاضحة وتضييق الخناق على الصحف العربية، والانتقام من الزعماء بالزج بهم في السجون والمعتقلات وإقصائهم بالنفي إلى أماكن بعيدة لا يدري أقوامهم كيف يعذبون فيها أو كيف يموتون، ولولا خوف الإطالة لضربنا الأمثال وسقنا الشواهد على ما نقول. والواقع أن جامعة الدول العربية في غنى عن الإسهاب في الحديث عن مساوئ الاحتلال الفرنسي فحضرات أعضائها على الإطلاع واف وخبرة واسعة من فظاعة ذلك الاحتلال وتفاقم شره إلى حد لا يطاق والذي نريد تذكير أعضاء الجامعة به ووضعه تحت أنظارهم السديدة هو أن تلك الشعوب العربية قد امتلأت غيطا من استعباد فرنسا لها وأصبحت تشعر بقلب رجل واحد أن لا خير في الحياة إلا بأن تتخلص من ذلك الاحتلال الغاشم وتقف في صفوف الأمم المستقلة جنبا لجنب. وهذا الشعور النبيل الشامل قد جعلهم مصممين على مواصلة الجهاد في سبيل هذه الغاية، فإما أن يعيشوا سعداء، وإما أن يموتوا شهداء. سيرت هذه الشعوب بقوة حقها، فدفعتها الشهامة وإباية الضيم إلى الكفاح في سبيله معتمدة على توفيق الله جل شأنه وطامحة ببصرها إلى أن ترى من جامعة الدول العربية عملا يقوى أملها، ويؤكد صلتها بالجامعة، ولا سيما حين استشيرت بما جاء في ملحق ميثاق الجامعة من أنها ستتجه بمعونتها إلى جميع الشعوب العربية وبما يصدر عن أصحاب المعالي أمين الجامعة العام ورؤساء الدول العربية ومندوبيها في مؤتمر الجامعة من تصريحات تنبئ بأن قضية شمال إفريقيا قد حازت جانبا كبيرا من عنايتهم وأنهم يعدون تلك الشعوب بمنزلة أحد الجناحين حيث تمثل الأمة العربية بطائر يتحفز لأن ينهض ويحلق في عنان السماء. وإننا لنقدر ظروف الجامعة حق قدرها، ولا يفوتنا العلم بما يجب أن نتدرع به من حكمة وتؤدة، وإذا رجونا منها أن تتجه إلى قضية شمال إفريقيا بخطوات

стр. 277

عملية، فإنا ندع رسم هذه الخطوات وتقديرها إلى يقظة رجالها المجاهدين، وحرصهم النهوض بها نهضة تسعد بها الشعوب العربية قاطبة. وترى الجبهة أن من الميسور الذي يعد خطوة أولى عملية تعين طائفة من أبناء شمال إفريقيا في إدارة الجامعة ولجانبها ومكتبي الدعاية في لندن وواشنطن. وفي القطر المصري شبان ينتمون إلى تلك البلاد. وفيهم كفايات ثقافية وخلقية تؤهلهم لأن يشاركوا في العمل للقضية العربية على الخطط الني ترسمها الجامعة. هذا ما نرجوا من معاليكم عرضه على الجامعة، ولكم جزيل الشكر؟ السكرتير الفضيل الورتلاني رئيس الجهة محمد الخضر حسين مذكرة إلى هيئة الأمم المتحدة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية كانت بلاد إفريقيا الشمالية: تونس والجزائر ومراكش تتمتع باستقلالها حتى هاجمتها فرنسا ومدت عليها سلطانها بقوة وأهلها كارهون. استولت على الجزائر باسم الفتح وعلى تونس ومراكش باسم الحماية وأخذت تتصرف في شؤون تلك البلاد تصرف المستبد الغاشم. لا تبالي أن تعتدي على النفوس والأعراض والأموال، تم تعد الشكوى والمطالبة بالحقوق جناية يستحقون عليها أقصى العقوبات ويساعدها على هذا الاعتداء الفظيع أولئكم الذين تسميهم بالمعمرين وتطلق أيديهم فيغتصبون الأموال ويعذبون الأنفس كما يشاءون. ولكن الشعوب العربية وإن استضعفتهم فرنسا من جهة القوة المادية واعتمدت في إدخالهم تحت سيطرتها على النار والحديد، لم يزالوا مطبوعين على إباء الضيم والطموح إلى العزة، فلم يستكينوا لسلطانها وما برحوا يقاومونها ما استطاعوا

стр. 278

ويجاهدون في التخلص منها بالثورة عقب الثورة إذ لم يجدوا في رجالها من يقوم للمنطق وزنا أو يعترف لغيره بحق الحرية. كان الناس يعتقدون أن فرنسا بعد أن ذافت مرارة الاحتلال الألماني وبعد أن كان لجنود إفريقيا الفضل في الدفاع عن بلادها ستعترف لتلك البلاد بحق حريتها وتتجه في سياستها وجهة الإنصاف فتدعهم يسودون أنفسهم بأنفسهم وتكتفي لهم بصلة الصداقة التي تخول لها الانتفاع ببعض فوائد اقتصادية ولكن فرنسا بعد انتهاء الحرب هي فرنسا قبل نشوبها، بل ازدادت حرصا على بقائهم محرومين من التمتع بشيء من حقوقهم وعلى تنفيذ ما كانت تحاوله منذ وضع قدم الاحتلال في أرضهم وهو سلخهم من قوميتهم العربية وديانتهم الإسلامية، وإمعانها في اضطهادهم وشد الخناق على أعناقهم من جديد، قد أثار حماستهم وجعلهم يستهينون بكل ما تنالهم به من عذاب وتنكيل، فأقدموا على عقد المؤثرات، وإشعال نار الثورات ومصارحتها بأن الاحتلال الفرنسي قد ذهب هباء فتمسكها به إنما تمسك بشيء لا يوجد إلا في مخيلتها. وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بالقاهرة تعرض على حضراتكم هذه المذكرة الموجزة والهدف الذي نرمى إليه هو أن من واجب الدول الحريصة على نشر السلام العالمي أن تساعد على إنقاذ الشعوب المغربية بالبطولة والوفاء بالعهد هو الوسيلة لانضمامهم إلى الدول التي تعمل للسلام العام وتأييدها من صميم أفئدتهم. أما إذا تركوا وشأنهم فإن السلام العالمي لا ينظم ما دامت هذه الشعوب الإفريقية تجاهد في سبيل خلاصها من سيطرة الحكومة الفرنسية. السكرتير الفضيل الورتلاني رئيس الجهة محمد الخضر حسين

стр. 279

مذكرة مرفوعة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم عبد العزيز آل سعود عند زيارته لمصر إن فرنسا يا صاحب الجلالة هجمت على بلاد الجزائر منذ مائة وسبع عشرة سنة، ودافعها أهلها بحروب نظامية استمرت نحو سبع عشرة سنة، ولما تغلبت عليه بكثرة الجند ووفرة السلاح، بسطت عليهم سلطانها وانتزعت منهم حقوقهم الحيوية والسياسية بل اعتبرت ذلك القطر قطعة من فرنسا، وجعلت النظر في شؤونه يرجع إلى وزارة الداخلية بباريس، بالرغم من أن قوميته ولغته عربية وأن دينه الإسلام. ثم هجمت على البلاد التونسية منذ ست وستين سنة، وقدمت لأميرها محمد الشادق باي معاهدة وقع عليها مكرها بين مدافع فاغرة أفواهها إلى القصر، وجنود مدججين بالسلاح، ولم تقف عند هذه المعاهدة المغصوبة، بل قبضت على زمام الإدارة ولم تدع كبيرة ولا صغيرة من شؤون البلاد إلا وكلت التصرف فيها إلى طاغية من الفرنسيين، وإذا ألقيت إلى بعض الوطنيين منضبا في الحكومة، فإنما هو عمل صوري، والحقيقة أن الفرنسيين لا يتركون للوطنيين في سياسة المملكة من الأمر. ثم هجمت على المغرب الأقصى (مراكش) منذ ثمان وثلاثين سنة، واحتلتها بمعاهده اضطر السلطان عبد الحفيظ لتوقيعها وتجاوزت حدود تلك المعاهدة، وأخذت تفعل في البلاد ما فعلت في تونس من الاستبداد وتصريف شؤون البلاد على قاعدة تثبيت قدم الاستعمار، وإيثار أبناء جلدتها بكل ما تجود به أرض ذلك القطر من خيرات.

стр. 280

لا يتسع المقام لأن نبسط القول في اضطهاد فرنسا لأولئك العرب المسلمين وعملها بالليل والنهار لأن يعيشوا في فاقة وحرمان وتفرق كلمة، بل تعمل في غير مبالاة لإخراجهم من دينهم الإسلامي إلى ملة غير الإسلامي، ومن قوميتهم العربية إلى الجنسية الفرنسية، ذلك أنها تعلم أن الثراء والعلم واتحاد الكلمة أساس الرقي إلى الحرية والعزة، وتشعر بأن الأمة التي تدين بالإسلام وتستضيء بهدى القرآن لا تخضع إلا لسلطان يحترم ديانتها ويسوسها بنظم شريعتها، ولا يرضى إلا أن تستعيد سيادتها وتتمتع باستغلالها. وعرب شمال إفريقيا وإن وضعت فرنسا بينهم وبين الشرق حواجز، واتخذت كل ما استطاعت من وسيلة لقطعهم عن العالم الإسلامي، فإن بطولتهم واعتزازهم بسالف مجدهم لا زال ولن يزالا ينهضان بهم إلى المطالبة بحريتهم, واقتحام الثورات الدموية في سبيل هذا المطلب. لا يبالون بما تصبه عليهم فرنسا من عذاب التقتيل والتنكيل والزج في السجون. وقد قدمت جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا إلى جامعة الدول العربية مذكرات أودعتها جانبا كبيرا من فظائع الاحتلال الفرنسي لتلك البلاد، وتلقى رجال الجامعة هذه المذكرات بعناية وأصبحت قضية أولئك العرب الأبطال مشمولة بأنظارهم كما تنبئ بذلك تصريحاتهم ونرجوا أن يكون لهذه الخطوة النظرية خطوات عملية تشد أزر سكان تلك البلاد وتزيدهم قوة على الجهاد في سبيل استقلالهم واحتفاظهم بكيانهم الملي والقومي، وهذا ما سيكون بتوفيق الله ولا يضيع وإن كان مغتصبه جبارا عنيدا على اغتصابه عشرات أو مئات السنين متى كان وراءه طالب يأبى الضيم، فيسهر الليل وينفق كل مجهود في تخليصه. وبقاء شمال إفريقيا في أيدي مغتصبيها منذ عشرات السنين لا تلقى تبعته على كاهل سكان تلك البلاد وحدهم، بل يسأل عنه كل عربي وكل مسلم في استطاعته أن يقوم بعمل، أو يجهر بقول يساعد على خلاص أولئك العرب المسلمين من أغلال الاضطهاد التي يضعها الفرنسيون في أعناقهم.

стр. 281

ولجبهة الدفاع في شمال إفريقيا كبير الأمل في أن جلالتكم تشملون قضية تونس والجزائر ومراكش بدعاية وتبذلون ما استطعتم من المساعدة على إنقاذها من الاستعمار الفرنسي الذي يعمل لإذلالها وفصلهم عن القومية العربية، وإدماجهم في الجنسية الفرنسية ويأخذ لتحقيق هذه الغاية المفرقة الوحدة العربية والجامعة الإسلامية بكل وسيلة يستطيعها من ترهيب أو ترغيب. ولجبهة الدفاع كبير الأمل في أن ترى من جلالتكم اتجاها إلى هذه القضية يبشر بنجاحها ويزيد المجاهدين داخل تلك الأقطار وخارجها إقداما واطمئنانا إلى أنهم يستنصرون على الرغم من خصومهم الطغاة المبطلين. السكرتير: الفضيل الورتلاني رئيس الجبهة: محمد الخضر حسين ثورة الجزائر العربية أول بيان لجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية نشرت الصحف اليومية في صباح ١٣ - ٥ - ١٩٤٥ نبأ الثورة في بلاد الجزائر العربية نقلا عن مراسل رويتر بباريس يقول أن جماعات مسلحة تابعة لحزب (البيان) المعروف بعدائه للفرنسيين هبطت من الجبال إلى مدينة سطيف بالجزائر في يوم النصر فأوقعت الاضطرابات في المدينة وقتلت بعض الشخصيات البارزة من الفرنسيين واليهود، وتقدر رويتر عدد القتلى من أولئك البارزين بخمسين رجلا، وتقول أنه قد وقع قبل ذلك كثير من الاضطرابات في إقليم قسنطينة. ولكن حادث يوم النصر كان أشد هولا. وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية تعلق تعليقا سريعا على هذا النبأ بما يلي: إن القطر الجزائري كشقيقيه تونس ومراكش، يعيش اليوم في موجة من الاضطهاد لا يكاد الإنسان يجد لها نظير في تاريخ البشرية العاقلة، فلقد عبأ المستعمرون هناك كل ما

стр. 282

يملكون من قوة ومكر ضد الأهالي العرب العزل، مستخدمين في تعذيبهم لقتل الروح الوطنية والاستقلال كل أدوات الحكم العسكري من أحكام عرفية وإيقاف كل المطبوعات ومنع كل الاجتماعات وحرمان الأهالي من الغذاء والكساء الضرورين بواسطة نظام التموين، بينما يأخذون كل ما يمكله العرب قهرا بأبخس الأثمان، ليتاجروا به فيكسبوا أضعافا مضاعفة. وقد يساق المرء إلى السجن أو المعتقل لغير سبب معروف، بل ربما كان لمجرد نظرة لا يستلطفها الفرنسي منه فيلصق به أخطر التهم، وهذا يصدق من غير دليل، ولقد بلغ عدد المعتقلين من خيرة أبناء الأمة عشرات الألوف ولا يزال من وراءهم يكافح ويستميت فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. هذه إشارة سريعة إلى ما يجري في هذا البلد من كوارث مع أمة عربية مسلمة تأبى الضيم وتأنف الاستذلال فإذا ما جاءت الأنباء اليوم بوقوع اضطرابات خطيرة فيها فإنما هي شرارة خير بسيطة أفلتت من بين نيران مندلعة هناك واسعة النطاق، لأن المعلوم أن الفرنسيين يبذلون شبه المستحيل في منع تسرب أي خبر يتعلق بهذا التعذيب، حتى لا يكون للعالم حق التدخل فيه، فلولا ما ضربوه من حصار على أبناء هذه البلاد لسمع الناس كل شهر بهذه الثورات، لأن ظلم الفرنسيين يأبى أن ينتهي، والشمم العربي يأبى أن يموت؛ أو يفتر، أما حزب البيان الذي ورد اسمه في خبر الثورة، فنسبه إلى بيان وقعه ممثلوا الأمة بالإجماع في ١٠ يناير سنة ١٩٤٣، بعد نزول الحلفاء في الجزائر بقليل، مطالبين فيه بالاستقلال، والأمة بأجمعها تؤيد هذا البيان، وتسير وراء المطالبين بتنفيذه بإيمان وحماس، خلافا لما تزعمه الأخبار ذات المصادر الفرنسية من أن هذه الجماعة لا تمثل إلا أقلية ضئيلة، وتزعم أنباء هذه المصادر كعادتها دائما - أن زعيم هذا الحزب الأستاذ عباس فرحات ينتمي إلى الفاشستية، والواقع أنه ليس أوقح وأجرأ من هذا الزعم، فلقد عرف الشعب الفرنسي نفسه أن عباس فرحات كان دائما من أنصار الجبهة الشعبية الفرنسية إلى حد بعيد، وعدو الفاشستية اللدود، أما ذنبه الحقيقي فلأنه حر يريد

стр. 283

استقلال بلاده بما يريد الفرنسيون استقلال بلادهم، بالضبط فالفاشستية سلاح المستعمرين الوحيد الذي يريدون أن يستفزوا به الديمقراطيين دائما، وأن يقطعوا به رأي كل من يطالب بالحرية الطبيعية. ليبقى لهم حق امتصاص دم البشر إلى الأبد. وهذا جزاء الجزائر التي آوت فرنسا المنهزمة يوم محنتها الكبرى وشاركت بمئات الآلاف من زهرة شبابها محاربين في صنوف الخلفاء في سبيل تحريرها وتحرير الإنسانية المعذبة، ولا تزال أنباء بطولتهم في محاربة الفاشيست في تونس وصقلية وإيطاليا وفرنسا وبجميع الميادين الأروبية مائلة في الأذهان إلى الآن. ونحن اليوم من حقنا ومن واجبنا في آن واحد، أن نستصرخ في ألم ممض بجامعة الدول العربية ورجال الأمة العربية والأمم المتحدة جميعها التي أرقنا معها كثيرا من دمائنا في سبيل إحراز النصر، نستصرخ بهم جميعا في كثير من الأوقات على حياة تلك الأمة المسجونة العزلاء إلا من الإيمان ليتدخلوا سريعا في إنقاذ ثلاثين مليونا في ذلك المغرب العربي من الأسر والتعذيب لعل الناس بعد ذلك يصدقون أن حزب القوي على الضعيف قد انتهت حقا، وانتهت إلى غير عودة، وأن أمل الإنسانية لم يخب مرة ثانية. ويدفع بنا الإنصاف والثقة بالعدالة إلى المطالبة بشيء واحد ولكن في إلحاح شديد - وهذا الشيء لا يجوز أن يعترض عليه إلا فاشستي غشاش. هو أن تؤلف لجنة دولية من الحكومات العربية والأمم المتحدة فيذهبوا بأنفسهم إلى هذه البلاد المضطربة ليجروا تحقيقا بريئا وليشاهدوا عن كثب: أمدنية أم وحشية في القرن العشرين تلك التي يمثلها المتفرنسون في تلك البلاد ولهم بعد ذلك الحكم الذي يريد فيمن هم الفاشستيون المجرمون. عن الجبهة "السكرتير" الفضيل الورتلاني ١٠ - ٥ - ٤٥

стр. 284

إلى دول الجامعة العربية ... ودول الأمم المتحدة ثورة الجزائر دفاعا عن حقوقهم ودينهم وأعراضهم وأموالهم مذكرة خطرة ... من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية في بلاد الجزائر ثورة دموية واسعة النطاق، إنما هي وليدة العسف والاضطهاد الذي تصبه الحكومة الفرنسية على الوطنيين في غير رحمة، وأن في مثل هذه الثورة، لشهادة صدق على السلام العام الذي تلهج به الدول الديمقراطية، وتعقد له المؤتمرات وتبذل في سبيله ما تستطيع من المجهودات. لا ينتظم في شمال إفريقيا إلا أن تتخلص شعوبه من ذلك الاحتلال الذي كنا نراه بأعيننا، كيف يقطع بينها وبين الشرق كل صلة، وسومها سوء العذاب لما يشاء. وإن أمثال هذه الشعوب المحتلة إن فاتتها القوة المادية الكافية لنجاتها، ومهابة جانبها فقد أصبحت تعرف حقوقها، وتغار على حريتها وتميز بين من يريد بها رشدا ومن يريد بها سوءا وأصبحت على بصيرة من مذاهب السياسة فلا يشتبه عليهما من يدعو إلى السلام بجد وإخلاص، ومن يدعو إليه ليقضي بالدعاية مآرب في نفسه، وفي هذه اليقظة الرائعة، والحماسة المتقدة، قومية معنوية لا يستهين بها الدارسون لشؤون الشعوب بحكمة وتؤدة. وقد درسنا تاريخ الجزائر، منذ الاحتلال الفرنسي حتى اليوم، وتقصينا الثورات التي يقوم بها الوطنيون في وجه الاستعمار فرأيناها ثورات يدفع إليها إباية للضيم، والاعتزاز بالنفس والغيرة على الحقوق من عرض أو دين أو مال.

стр. 285

ولو نظر دعاة السلام الشامل، إلى هذه الثورات بإنصاف لعالجوها بدوائها الناجع الوحيد، وهو كف الأيدي التي تعبث بحقوق تلك الشعوب، وتضع العقبات في سبيل رقيها. وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، ترجو من جامعة الدول العربية، أن توجه إلى تونس والجزائر ومراكش، عناية واسعة، وتعمل لأن تكون على خبرة من تلك الأقطار، وما يجري فيها من عسف وبغي، وتمد إليهم يد المساعدة على ما يطمحون إليه من حياة آمنة، ومدنيه راقية وهم إذا فعلوا هذا يحسنون إلى أقوام تربطهم بهم صلات محترمة، بل يحسنون إلى الجامعة العربية ذاتها، بضم خمسة وعشرين مليونا من العرب، يزداد بهم نطاقها سعة، وجانبها عزة ومنعة. وترجو الجبهة من الدول الديمقراطية، أن يراعوا حق تلك الشعوب التي بذلت دماءها وأموالها في مناصرتهم، منذ بدء الحرب إلى يوم الانتصار، وإنما حقها الاطلاق من أسر الاحتلال الغاشم، وذلك أقل ما يجازون به عن بطولتهم وثباتهم في حروب جرت في غير أوطانهم. ونحن لا نشك لحظة في أقطاب الدول الديمقراطية اليوم قد أوتوا من سداد الفكر وبعد النظر، ما يقدرون به الأمم الطامحة إلى حريتها، الحريصة على الاحتفاظ بكيانها، ولا تفوتهم أن السلام العالمي لا يتم بناؤه إلا أن تعيش هذه الأمم المتيقظة في أمن واستقلال. السكرتير الفضيل الورتلاني رئيس الجبهة محمد الخضر حسين
следующие страницы →