← Общие книги

Общие книги · id 123664

الجزائر الثائرة

الفضيل الورتلاني

Полный текст (484 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ولجبهة الدفاع في شمال إفريقيا كبير الأمل في أن جلالتكم تشملون قضية تونس والجزائر ومراكش بدعاية وتبذلون ما استطعتم من المساعدة على إنقاذها من الاستعمار الفرنسي الذي يعمل لإذلالها وفصلهم عن القومية العربية، وإدماجهم في الجنسية الفرنسية ويأخذ لتحقيق هذه الغاية المفرقة الوحدة العربية والجامعة الإسلامية بكل وسيلة يستطيعها من ترهيب أو ترغيب. ولجبهة الدفاع كبير الأمل في أن ترى من جلالتكم اتجاها إلى هذه القضية يبشر بنجاحها ويزيد المجاهدين داخل تلك الأقطار وخارجها إقداما واطمئنانا إلى أنهم يستنصرون على الرغم من خصومهم الطغاة المبطلين. السكرتير: الفضيل الورتلاني رئيس الجبهة: محمد الخضر حسين ثورة الجزائر العربية أول بيان لجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية نشرت الصحف اليومية في صباح ١٣ - ٥ - ١٩٤٥ نبأ الثورة في بلاد الجزائر العربية نقلا عن مراسل رويتر بباريس يقول أن جماعات مسلحة تابعة لحزب (البيان) المعروف بعدائه للفرنسيين هبطت من الجبال إلى مدينة سطيف بالجزائر في يوم النصر فأوقعت الاضطرابات في المدينة وقتلت بعض الشخصيات البارزة من الفرنسيين واليهود، وتقدر رويتر عدد القتلى من أولئك البارزين بخمسين رجلا، وتقول أنه قد وقع قبل ذلك كثير من الاضطرابات في إقليم قسنطينة. ولكن حادث يوم النصر كان أشد هولا. وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية تعلق تعليقا سريعا على هذا النبأ بما يلي: إن القطر الجزائري كشقيقيه تونس ومراكش، يعيش اليوم في موجة من الاضطهاد لا يكاد الإنسان يجد لها نظير في تاريخ البشرية العاقلة، فلقد عبأ المستعمرون هناك كل ما

стр. 282

يملكون من قوة ومكر ضد الأهالي العرب العزل، مستخدمين في تعذيبهم لقتل الروح الوطنية والاستقلال كل أدوات الحكم العسكري من أحكام عرفية وإيقاف كل المطبوعات ومنع كل الاجتماعات وحرمان الأهالي من الغذاء والكساء الضرورين بواسطة نظام التموين، بينما يأخذون كل ما يمكله العرب قهرا بأبخس الأثمان، ليتاجروا به فيكسبوا أضعافا مضاعفة. وقد يساق المرء إلى السجن أو المعتقل لغير سبب معروف، بل ربما كان لمجرد نظرة لا يستلطفها الفرنسي منه فيلصق به أخطر التهم، وهذا يصدق من غير دليل، ولقد بلغ عدد المعتقلين من خيرة أبناء الأمة عشرات الألوف ولا يزال من وراءهم يكافح ويستميت فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. هذه إشارة سريعة إلى ما يجري في هذا البلد من كوارث مع أمة عربية مسلمة تأبى الضيم وتأنف الاستذلال فإذا ما جاءت الأنباء اليوم بوقوع اضطرابات خطيرة فيها فإنما هي شرارة خير بسيطة أفلتت من بين نيران مندلعة هناك واسعة النطاق، لأن المعلوم أن الفرنسيين يبذلون شبه المستحيل في منع تسرب أي خبر يتعلق بهذا التعذيب، حتى لا يكون للعالم حق التدخل فيه، فلولا ما ضربوه من حصار على أبناء هذه البلاد لسمع الناس كل شهر بهذه الثورات، لأن ظلم الفرنسيين يأبى أن ينتهي، والشمم العربي يأبى أن يموت؛ أو يفتر، أما حزب البيان الذي ورد اسمه في خبر الثورة، فنسبه إلى بيان وقعه ممثلوا الأمة بالإجماع في ١٠ يناير سنة ١٩٤٣، بعد نزول الحلفاء في الجزائر بقليل، مطالبين فيه بالاستقلال، والأمة بأجمعها تؤيد هذا البيان، وتسير وراء المطالبين بتنفيذه بإيمان وحماس، خلافا لما تزعمه الأخبار ذات المصادر الفرنسية من أن هذه الجماعة لا تمثل إلا أقلية ضئيلة، وتزعم أنباء هذه المصادر كعادتها دائما - أن زعيم هذا الحزب الأستاذ عباس فرحات ينتمي إلى الفاشستية، والواقع أنه ليس أوقح وأجرأ من هذا الزعم، فلقد عرف الشعب الفرنسي نفسه أن عباس فرحات كان دائما من أنصار الجبهة الشعبية الفرنسية إلى حد بعيد، وعدو الفاشستية اللدود، أما ذنبه الحقيقي فلأنه حر يريد

стр. 283

استقلال بلاده بما يريد الفرنسيون استقلال بلادهم، بالضبط فالفاشستية سلاح المستعمرين الوحيد الذي يريدون أن يستفزوا به الديمقراطيين دائما، وأن يقطعوا به رأي كل من يطالب بالحرية الطبيعية. ليبقى لهم حق امتصاص دم البشر إلى الأبد. وهذا جزاء الجزائر التي آوت فرنسا المنهزمة يوم محنتها الكبرى وشاركت بمئات الآلاف من زهرة شبابها محاربين في صنوف الخلفاء في سبيل تحريرها وتحرير الإنسانية المعذبة، ولا تزال أنباء بطولتهم في محاربة الفاشيست في تونس وصقلية وإيطاليا وفرنسا وبجميع الميادين الأروبية مائلة في الأذهان إلى الآن. ونحن اليوم من حقنا ومن واجبنا في آن واحد، أن نستصرخ في ألم ممض بجامعة الدول العربية ورجال الأمة العربية والأمم المتحدة جميعها التي أرقنا معها كثيرا من دمائنا في سبيل إحراز النصر، نستصرخ بهم جميعا في كثير من الأوقات على حياة تلك الأمة المسجونة العزلاء إلا من الإيمان ليتدخلوا سريعا في إنقاذ ثلاثين مليونا في ذلك المغرب العربي من الأسر والتعذيب لعل الناس بعد ذلك يصدقون أن حزب القوي على الضعيف قد انتهت حقا، وانتهت إلى غير عودة، وأن أمل الإنسانية لم يخب مرة ثانية. ويدفع بنا الإنصاف والثقة بالعدالة إلى المطالبة بشيء واحد ولكن في إلحاح شديد - وهذا الشيء لا يجوز أن يعترض عليه إلا فاشستي غشاش. هو أن تؤلف لجنة دولية من الحكومات العربية والأمم المتحدة فيذهبوا بأنفسهم إلى هذه البلاد المضطربة ليجروا تحقيقا بريئا وليشاهدوا عن كثب: أمدنية أم وحشية في القرن العشرين تلك التي يمثلها المتفرنسون في تلك البلاد ولهم بعد ذلك الحكم الذي يريد فيمن هم الفاشستيون المجرمون. عن الجبهة "السكرتير" الفضيل الورتلاني ١٠ - ٥ - ٤٥

стр. 284

إلى دول الجامعة العربية ... ودول الأمم المتحدة ثورة الجزائر دفاعا عن حقوقهم ودينهم وأعراضهم وأموالهم مذكرة خطرة ... من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية في بلاد الجزائر ثورة دموية واسعة النطاق، إنما هي وليدة العسف والاضطهاد الذي تصبه الحكومة الفرنسية على الوطنيين في غير رحمة، وأن في مثل هذه الثورة، لشهادة صدق على السلام العام الذي تلهج به الدول الديمقراطية، وتعقد له المؤتمرات وتبذل في سبيله ما تستطيع من المجهودات. لا ينتظم في شمال إفريقيا إلا أن تتخلص شعوبه من ذلك الاحتلال الذي كنا نراه بأعيننا، كيف يقطع بينها وبين الشرق كل صلة، وسومها سوء العذاب لما يشاء. وإن أمثال هذه الشعوب المحتلة إن فاتتها القوة المادية الكافية لنجاتها، ومهابة جانبها فقد أصبحت تعرف حقوقها، وتغار على حريتها وتميز بين من يريد بها رشدا ومن يريد بها سوءا وأصبحت على بصيرة من مذاهب السياسة فلا يشتبه عليهما من يدعو إلى السلام بجد وإخلاص، ومن يدعو إليه ليقضي بالدعاية مآرب في نفسه، وفي هذه اليقظة الرائعة، والحماسة المتقدة، قومية معنوية لا يستهين بها الدارسون لشؤون الشعوب بحكمة وتؤدة. وقد درسنا تاريخ الجزائر، منذ الاحتلال الفرنسي حتى اليوم، وتقصينا الثورات التي يقوم بها الوطنيون في وجه الاستعمار فرأيناها ثورات يدفع إليها إباية للضيم، والاعتزاز بالنفس والغيرة على الحقوق من عرض أو دين أو مال.

стр. 285

ولو نظر دعاة السلام الشامل، إلى هذه الثورات بإنصاف لعالجوها بدوائها الناجع الوحيد، وهو كف الأيدي التي تعبث بحقوق تلك الشعوب، وتضع العقبات في سبيل رقيها. وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، ترجو من جامعة الدول العربية، أن توجه إلى تونس والجزائر ومراكش، عناية واسعة، وتعمل لأن تكون على خبرة من تلك الأقطار، وما يجري فيها من عسف وبغي، وتمد إليهم يد المساعدة على ما يطمحون إليه من حياة آمنة، ومدنيه راقية وهم إذا فعلوا هذا يحسنون إلى أقوام تربطهم بهم صلات محترمة، بل يحسنون إلى الجامعة العربية ذاتها، بضم خمسة وعشرين مليونا من العرب، يزداد بهم نطاقها سعة، وجانبها عزة ومنعة. وترجو الجبهة من الدول الديمقراطية، أن يراعوا حق تلك الشعوب التي بذلت دماءها وأموالها في مناصرتهم، منذ بدء الحرب إلى يوم الانتصار، وإنما حقها الاطلاق من أسر الاحتلال الغاشم، وذلك أقل ما يجازون به عن بطولتهم وثباتهم في حروب جرت في غير أوطانهم. ونحن لا نشك لحظة في أقطاب الدول الديمقراطية اليوم قد أوتوا من سداد الفكر وبعد النظر، ما يقدرون به الأمم الطامحة إلى حريتها، الحريصة على الاحتفاظ بكيانها، ولا تفوتهم أن السلام العالمي لا يتم بناؤه إلا أن تعيش هذه الأمم المتيقظة في أمن واستقلال. السكرتير الفضيل الورتلاني رئيس الجبهة محمد الخضر حسين

стр. 286

مذكرة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى دول الأمم العربية وإلى الأمم المتحدة في شمال إفريقيا أمة عربية، عرف التاريخ الصادق فضلها في توسيع دائرة العلوم وإصلاح نظم الاجتماع، والنهوض بجلائل الأعمال (أعني سكان تونس والجزائر ومراكش) وقد ابتليت هذه الأمة بالاحتلال الفرنسي منذ عشرات السنين، وبلغ هذا الاحتلال الغاشم في استعبادها والعبث، بحقوقها أقصى غاية وإن أبلغ الكتاب ليعجز عن وصفه لمن لم يشاهده وصفا يأخذه من أطرافه ويجعله أمامه بمنزلة المشاهد، ونحن على يقين من أن كل إنسان فيه بارقة من العطف على الإنسانية، متى أحس ما يفعله ذلك الاحتلال الجائر بعينه أو يسمعه، هاجت عاطفته واندفع يفكر في إسعافهم، وبذل المستطاع في مؤازرتهم. وإذا عجزت الأقلام عن تصوير فظائع الاحتلال الفرنسي في شمال إفريقيا كما هو، فإن ذوي البطولة، والغيرة على حرية أقوامهم. مثل حضرات أعضاء الجامعة العربية يكفيهم في الاتجاه إلى إسعاد تلك الشعوب ومديد الإخاء إلى مؤازرتها علمهم بطبائع الاحتلال الفرنسي الذي يعد الشعوب المغلولة له كالأنعام لا يستحقون أن يكون لهم في أمرهم رأي ولا أن يكون لهم من خيرات أوطانهم إلا ما يستغنى عنه الفرنسيون والمتفرنسون. ذاقت الحكومة الفرنسية مرار احتلال أعدائها لبلادها وأحست بنفسها مباشرة احتلال الأجنبي في نفوس الوطنيين من حسرات وما يجره عليهم من مهانات، واعتقد الناس أن

стр. 287

الحكومة الفرنسية ستتخذ من تلك الكارثة عبرة، وتعود إلى شيء من رشدها، وتخفف جانبا مجن طغيانها فتجد فيها الشعوب المصابة باحتلالها شيئا من الرفق، بل يجدون منها دولة تنادي بحرية الشعوب على الإطلاق، وتكون في مقدمة من يعملون لمحو كلمات (الاحتلال - الحماية - الانتداب - الوصاية) من معاجم السياسة الدولية، ولكنها نهضت من مصرعها ولم تفكر في شيء غير أن تعود إلى سيطرتها على تلك الشعوب فجاءت تنظر إليهم نظرة من كانوا السبب في سقوطها وأخذت تذيقهم من ألوان الاضطهاد والتنكيل ما لا يحتمله بشر، ولا سيما بشر لا يزالون يذكرون ما كان لسلفهم من عزة وسيادة ومدنيه راقية، وليست الثورات العنيفة التي تقوم بها تلك الشعوب اليوم وقبل اليوم إلا وليدة اضطهادها لهم واعتدائها على حريتهم. وفرنسا تعلم أن الثورات التي قامت في شمال إفريقيا إنما يدعو إليها أباء الضيم والطموح إلى الاستقلال ولكنها تريد أن تشوه تلك الثورات البريئة بعلل لا أصل لها ولا فرع، كزعمها أن هذه الثورات وليدة الدعاية النازية، أو أن الدافع إليها البؤس والمجاعة، ونحن نعلم أن القائمين بهذه الثورات يقدرون النظم الاجتماعية الإسلامية قدرها فلا تحدثهم أنفسهم بأن يستبدلوا بها مذهبا من هذه المذاهب الحديثة، ونعلم أن كثيرا من زعماء هذه الثورات يعيشون في بسطة من الرزق. إذن فالثورات على فرنسا وشمال إفريقيا كالثورة في سوريا ولبنان، إنما هي بنت أباء الضيم والذود عن الكرامة. كانت أخبار الثورة السورية تنشر في العالم يمينا ويسارا، ويطلع الناس على أسبابها وما كان يقع فيها من الحوادث ساعة فساعة، حتى استطاعت الشعوب العربية قريبة أو بعيدة أن تغضب لها وتتحفز لاقتحام أرض سوريا مناصرون لها على الاحتفاظ باستغلالها. واستطاعت الشعوب الأخرى كالهنود أن تعلن استنكارها للاعتداء الفرنسي وتحتج عليه بشدة، ولكن شمال إفريقيا تقوم فيه

стр. 288

الثورات ذودا عن الكرامة، وطموحا للحرية، وأول ما تعمله فرنسا أن تقيم بينه وبين العالم الذي من شأنه أن يغضب له سدودا منيعة ثم تملأ أيدي جنودها بالأسلحة الفتاكة والمقذوفات النارية الساحقة وتغريهم بأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فيصبوا عليهم البلاء من فوقهم وعن أيمانهم وشمائلهم في غير هوادة تقوم تلك المجازر البشرية ولا يتسرب من أخبارها إلى الشرق سوى كلمات تتلقاها بعض شركات الأنباء عن طرق تأثيرها بروح ذلك الاحتلال كما نقلوا أن في بلاد الجزائر ثورة تلفت فيها آلاف من النفوس ثم أخمدتها القوة الفرنسية ويزيدون على هذا أن سببها المجاعة الفادحة وأن القائمين بها أتوا إلى الحكومة الفرنسية خاضعين تائبين، إلى نحو هذا من الأساليب التي يتهمون بها إخوانهم في الشرق أنهم فقدوا نخوتهم العربية والإسلامية وأنهم غير مصممين على دفاع الاحتلال الفرنسي بل توهم إخوانهم في الشرق أنهم راضون بأن يكونوا رعايا لفرنسا وأن تكون أوطانهم قطعة من الأرض الفرنسية. والواقع أن تلك الشعوب وقد تقلبنا في مدنها وقراها لا زالت في مدنها وقراها لا زالت تفاخر بعربيتها وترى أن سعادتها في الاحتفاظ بإسلاميتها وقد عرف مؤتمر الجامعة العربية أن لأولئك العرب من الحقوق ما لسائر الشعوب العربية فأعلن في ميثاق إتحاد الجامعة أنها ستعني بشأنهم وتقدم المستطاع في مساعدتهم على بلوغ أمنيتهم، وذلك ما زاد قيمة الميثاق ورفعه جعل أولئك العرب المغلوبين في شمال إفريقيا على أمرهم يتقبلونه بالابتهاج وترديد عبارات الثناء والشكر، وما لنا أن نضع قضية شمال إفريقيا تحت أنظار جامعة الدول العربية وندعها تتصرف فيها على مقتضى الحكمة والشهامة ونود لو أن الجامعة الموقرة تفتتح جهادها بشيء من الأعمال الدالة على أنها معنية بأمر تلك البلاد العربية، وتعرض الآن عملا سيكون له في نفوس أولئك العرب وقع عظيم، وهو إرسال وفد من نبهاء الشرق، ليتجول في تلك البلاد (تونس - والجزائر - ومراكش) وينظر في حالتهم السياسية والثقافية

стр. 289

والاقتصادية، حتى تكون الجامعة على بينة من أمرها، وتسهل عليها المساعدة على إصلاحها، المساعدة العملية، علاوة على ما يكون لإرسال هذا الوفد من تأكيد الصلة بين عرب المشرق والمغرب. وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، ترجو من جامعة الدول العربية، بعد هذا أن تعمل لهدم الحواجز التي أقامتها فرنسا لعزل المقيمين في الشرق، حتى يتيسر الإتحاد الذي ينهض بالأمة العربية، نهوضا تستعيد به سيادتها، وتأمن به من كيد خصومها، وذلك أسمى غاية تتجه إليها همم العظماء من الناس. السكرتير الفضيل الورتلاني رئيس الجبهة محمد الخضر حسين ٦ - ٥ - ١٩٤٥ عن الجرائد المصرية

стр. 290

من همجية فرنسا الديمقراطية ... النار والدمار في تونس العربية المسلمة نداء جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا إلى العالم أيها العرب الأمجاد، إليكم نسوق الحديث، أولا، وإلى من لا تزال فيهم بقية من الإنسانية ثانيا. لقد آلت فرنسا الحرة على نفسها فيما يبدو، أن ترث فرنسا العتيقة الباطشة، في كل جرائمها، فمن احتقار للشعوب الضعيفة، إلى فتك بالعزل والأبرياء، إلى مقاومة وحشية لكل صوت ينادي بالعدل والحرية، فصدى جرائمها في سوريا ولبنان في الآذان، ووحشيتها البربرية في ثورة الجزائر المجاهدة لا تزال متغلغلة في أعماق النفوس، واليوم تمتد يدها الأثيمة إلى تونس الخضراء، فتعلنها حربا انتقامية عمياء على الأهالي العزل، الذين لا يملكون من أدوات الدفاع عن أنفسهم، إلا ازدراء هذه الفئة الاستعمارية الممقوتة، فلقد ورد اليوم على أمانة الجامعة العربية، نبأ مفزع من باريس، يفيد قيام ثورة خطيرة في مديرية الساحل بتونس، وأن الفرنسيين يستعملون أحقر ما عرفه الناس من وسائل القمع والمقاومة، ويهمنا أن نسجل البرقية التي وردت على أمانة الجامعة وفيما يلي نصها: "باريس - نشرت جريدة "الأومانيتية" لسان حال الحزب الشيوعي في ٢٨ يونيو: أن القرى التونسية زرامدين وبني حسان وغيرها من مديرية الساحل بالإيالة التونسية، أصبحت من أسبوعين ضحية حركة انتقامية جماعية فظيعة. فلقد ألقي القبض على خلق كثير من الأهالي، وأخذت منهم الرهائن، وعم القتل والنهب

стр. 291

وإحراق البيوت، وأن الجنود قد اعتدوا على النساء بهتك أعراضهن قهرا، واستعراضهن بالإجبار عاريات أمام الرجال، ولقد عطلت جميع الأعمال في الحقول تماما، وحرمت القرى من التموين أسبوعين". هذه هي البرقية التي وردت على الجامعة العربية بل هذه هي الحقائق التي نشرتها جريدة فرنسية مسؤولة، تمثل حزبا من أكبر الأحزاب وأخطرها في فرنسا، وهو اليوم مشترك في الحكم يتحمل نصيبا رسميا كبيرا من المسؤولية على هذه الحوادث المفزعة. والواقع الذي لا نشك فيه نحن الذين نعرف حرص الفرنسيين على كتمان الحقائق، أو تهوينها على الأقل، أن الحقيقة لا بد أن تكون أفظع مما جاء في جريدة "الأومانيتية" ونحن إزاء هذه الفصول من رواية فتك الإنسان بأخيه الإنسان، لا لسبب سوى أنه أقوى منه، نسجلها وصمة عار جديدة، في جبين فرنسا الطاغية غير يائسين بعد، من أن يتنبه العقلاء منها والأحرار، إلى ما يترتب على هذا الأسلوب البالي من ضياع لهيبتها، وتسويد لها في سمعتها، ثم نسجل هذا التبليغ إلى رجال العروبة المسؤولين، من رسميين وشعبيين، حتى نبرأ إلى الله والتاريخ من أداء الأمانة المقدمة، آملين بعد ما بلغ السيل الزبى، أن يغضبوا لإخوانهم غضبة مضربة، لا تقف عند حد الكلام، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. عن الجرائد المصرية التاريخ ٣٠ يونيه ١٩٤٦. سكرتير الجبهة الفضيل الورتلاني

стр. 292

مذكرة عن مؤتمر تونس إعتداء فرنسا على الأرواح والأعراض في تونس أرسلت جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، إلى جميع دول الحلفاء، ودول الجامعة العربية البيان التالي: يذكر الناظرون، في سير القضية المغربية باهتمام، حادثة "زارمدين" في تونس وأمثالها من الحوادث، التي تطلق فيها السلطة الفرنسية لأعوانها من الجنود والدرك والشرطة، أن يعتدوا على أنفس الوطنيين وأموالهم وأعراضهم، في غير حرج ولا مبالاة، وقد كانت هذه الحوادث، كقطرات أخيرة امتلأت بها قلوب الوطنيين، سخطا على الاحتلال الفرنسي، وجعلتهم يستهينون بكل ما يلاقونه في سبيل العمل للاستقلال، من تنكيل وتعذيب، وقد جاءت البرقيات أخيرا، تنبئنا بقيام الأمة التونسية عن بكرة أبيها، معلنة استقلالها، وأن فرنسا قابلت هذه الحركة بكل ما تملك من قسوة، وقد تمهلت جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا، وصلتها أخبار مفصلة عن هذه الواقعة العظيمة، من طرق لا ترتاب في صحتها. وخلاصة الواقع أن أعيان التونسيين من رجال العلم والسياسة، عقدوا مؤتمرا لتقرير مصير البلاد برياسة الشيخ الوقور، السيد العروسي الحداد، وتمكنوا من عقد هذا الاجتماع، حيث أخفوا مكانه ولم تعلم به السلطات الفرنسية، إلا عند عقده، وخطب زعماء الحركة وأصدروا قراراتهم المتضمنة، أن عهد الحماية قد انقرض، وأن تونس قد عادت إلى وضعها قبل الحماية، وأصبحت، مستقلة استقلالا تاما. وبعد أن خطب

стр. 293

خطباؤهم، وأصدروا قراراتهم، هجمت عليهم الجنود الفرنسية والشرطة بأسلحتهم ومدافعهم ودباباتهم، وأحاطوا بالمكان، واقتحم القائد الفرنسي مكان الاجتماع من غير إنذار، وسلك في حديثه مع الزعماء والمجتمعين سبل الإرهاب، فلم ير منهم إلا إصرارا على ما قرروه، ولم يترددوا في أنهم يريدون الاستقلال التام. ثم انصرف الجمهور بحكمة، وتحاشوا أن يجعلوا للقوة الفرنسية المسلحة، وسيلة إلى قلب الحركة، ثورة دموية لم يحن وقتها بعد. وكان من فرنسا، أن ألقت القبض على نحو خمسين من زعماء هذه الحركة الاستقلالية، من بينهم زعماء الأحزاب مثل المحامي الصالح بن فرحات، والمحامي صالح بن يوسف، وأساتذة من جامع الزيتونة، من بينهم الأستاذ الفاضل ابن عاشور، وزجت بهم في السجون، وقد أيد هذه الحركة شيخ جامع الزيتونة، وشيخا الإسلام الحنفي والمالكي، وأعضاء المحكمتين الحنفية والمالكية، ووقع إضراب عام، بحيث بقيت المحال العامة من تجارية وصناعية، مغلقة لمدة ثلاثة أيام، وعم هذا الاتجاه سائر البلاد، ولهجت به كل الطبقات، فهي حركة استقلالية صادرة عن الأمة التونسية بأجمعها. وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، تؤيد قرارات أولئك المؤتمرين، وتحتج على اعتقال أولئك الزعماء، وترجو من جامعة الدول العربية، والدول المتحدة التي أخذت على نفسها تحرير الشعوب المستضعفة، تأييد هذه القرارات والاعتراف بعدالتها، وحمل فرنسا على إطلاق سراح أولئك المعتقلين، حتى يتمكنوا من مواصلة العمل على استقلال بلادهم، وإشعارها بأن شعوب شمال إفريقيا، قد أصبحت تفضل الفناء على العيش تحت سيطرتها ... السكرتير الفضيل الورتلاني رئيس الجبهة محمد الخضر حسين الكتلة والمصري ٢٤ شوال سنة ١٣٦٥ و ٢١ ديسمبر ١٩٤٦

стр. 294

إلى السفراء بمناسبة الذكرى السنوية لثورة الجزائر العربية بعثت جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بالمذكرة التالية، إلى كل من سفراء بريطانيا العظمى والولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والصين، ودول الجامعة العربية. حضرة المحترم ... ترجو جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بمصر، رفع المذكرة الآتية لحكومتكم الموقرة ولكم الشكر الجزيل. لقد انتهت الحرب العالمية الثانية، منذ سنة. وكان كل إنسان يرجو من وراء نهايتها، أن يرى بصيصا من النور، وأن يلمس جانبا من السعادة، وأن يسترد قسطا من الكرامة البشرية، وكان من بين الذين أبلوا بلاء حسنا، في سبيل نصر الجانب الديمقراطي، أمة الجزائر العربية المسلمة، فلقد شهد ببطولة رجالها وبلائهم، في سبيل الحرية، كبار قواد الحلفاء وكبار ساستهم. من أجل ذلك، لم يكد يشرق عليهم يوم النصر ٨ مايو سنة ١٩٤٥، حتى استعدوا للاحتفال به، والاشتراك مع أهل الدنيا جميعا بإبداء السرور، هاتفين بالحرية منادين بالعدالة كما هو الشأن الطبيعي، ولكن الروح الاستعبادية الكامنة في خليط الفرنسيين والمتفرنسين بالجرائر، أنكرت ذلك، وعز عليهم أن يفلت من أيدهم عصر الاستعباد، فراحوا يجمعون ما تفرق من شملهم، وما تشتت من فلول جيوشهم، فوجهوها للأهالي العزل، ينكلون بهم حرقا وتقتيلا، فكانت الدماء، وكانت الثورة العامة، التي شملت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، فدامت شهرا، ومات فيها من الأهالي ما يناهز ستين ألفا، وسجن من أجلها سبعين ألفا، لا يزال مصيرهم مجهولا لدينا إلى الآن.

стр. 295

بهذه المناسبة المؤلمة، نتقدم إليكم، مجددين احتجاجنا الصارخ على هذا العدوان. مطالبين مرة أخرى في إلحاح، بتنفيذ العفو العام على جميع السياسيين، والسماح لهم كغيرهم من البشر بالتعبير عن آمال أمتهم الحقيقية، التي تختلف كل الاختلاف، عما يسعى إليه الفرنسيون من استعباد هذه الأمة العربية أو دمجهم في جنسيتهم الفرنسية. وتفضلوا بقبول عظيم الاحترام. سكرتير جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية الفضيل الورتلاني عن مجلة النذير ٨ - ٥ - ١٩٤٦ احتجاج الجبهة في ذكرى الظهير البربري أرسلت جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، المذكرة التالية، إلى كل من حكومات بريطانيا العظمى، الولايات المتحدة، روسيا، إسبانيا، الصين، فرنسا، والأمين العام لجامعة الدول العربية. حضرة صاحب السعادة ... ترجو جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، من سعادتكم رفع المذكرة الآتية لحكومتكم الموقرة، مع الشكر الجزيل. إن يوم ١٦ مايو سنة ١٩٣٠ كان يوما مشؤوما على الأمة المغربية، ففيه صدر الظهير البربري من الحكومة الفرنسية، الذي كانت تقصد به إخراج بضعة ملايين من أبناء هذه الأمجة من دينهم الإسلامي، بعدما عاشوا تحت لوائه ثلاثة عشر قرنا يدينون بعقيدته، ويتعبدون بشريعته، ويتعاملون بأحكامه، ويذودون بالنفس والنفيس عن حوزته، قامت فرنسا الديمقراطية، فرنسا اللائكية، تفرض على الناس بواسطة المراسيم، من ورائها النار والحديد، تفرض عليهم دينا لم يعقلوه، وشريعة لم يرضوها، لأجل تفريق كلمتهم،

стр. 296

وتشتيت شملهم، ثم استعبادهم بعد ذلك إلى الأبد. ولكن فرنسا أخطأت التقدير، وضلت على القصد، فقام الشعب المغربي عن بكرة أبيه، يحتج ويثور على هذا العمل الشنيع، وقام معه العالم الإسلامي، يردد صداه ويسجل على فرنسا أفظع خطيئة ترتكب باسم المدنية في القرن العشرين، ومع ذلك ففرنسا الاستعمارية، فرنسا العنصرية، ظلت تعاند في غير منطق، وتقاتل في غير ميدان من أجل تركيز هذا العار، وتثبيت هذه الوصمة. فبمناسبة ذكرى هذا اليوم المشؤوم ومرور ستة عشر عاما عليه، تتقدم جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بمصر، لدولتكم بتجديد احتجاجا ضد هذا الصنيع، راجين منكم كعضو في هيئة الأمم المتحدة، أن تعملوا في تعاون مع الأعضاء الآخرين، لجعل حد لهذه البربرية التي لم تعد تصلح لهذا العصر بأي حال من الأحوال. ١٦ مايو سنة ١٩٤٦ عن الجرائد المصرية السكرتير الفضيل الورتلاني جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية تحتج ضد المساومات الاستعمارية في تونس في الوقت الذي تتجه الدنيا بأسرها لتصفية عهود الاستعباد، نسمع أصواتا تنبعث من وراء الجدران المهدمة، لتعيدها على العالم جذعة، بمساومات استعمارية هزيلة. تردد هذا الصوت، بين روما، وباريس، في شأن تونس العربية، التي لها ملكها وحكومتها، والتي تم تحريرها بجيوش الحلفاء الظافرة، فلقد خفت الجبهة إلى الاحتجاج، ضد هذه الألاعيب، فبعثت بالمذكرة الآتية إلى أعضاء جامعة الدول العربية، إلى الحكومات المتحالفة.

стр. 297

المذكرة اطلعت المذكرة جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، على البيانات التي نقلتها أسلاك البرق إلى الصحف العربية، عن مفاوضات واتفاقات تدور بين بعض رجال إيطاليا وفرنسا، حول امتيازات استعمارية، تجري المساومة عليها بين الفريقين في بلاد عربية إسلامية، هي البلاد التونسية التي لها حكومة مستقلة، وكيان قومي، وآمال في الحياة الوطنية كأمثالها من أمم الأرض، وأن جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية في الحياة الوطنية كأمثالها من أمم الأرض، وأن جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية في مصر، تحتج على هذه المساومة، وتستنكرها، وترى فيها مظهرا من مظاهر الجشع الاستعماري الذي قضت عليه ويلات الحرب وعظاتها البالغة، وتعلن أن تونس كإخوانها من الأوطان العربية الشقيقة، حريصة على كرامتها القومية، واستقلالها العظيم. وتتطلع إلى عصر جديد ينسيها هذه الأساليب الممقوتة، التي نرجو أن تكون هذه الحرب آخر العهد بها. السكرتير الفضيل الورتلاني الرئيس محمد الخضر حسين حول مطالب جمعية العلماء الجزائريين فرنسا تحارب العلم والدين والإنسانية لا يمكن لمن يعيش في ربوع إفريقيا الشمالية، ويلمس الأهوال فيها عن كثب، أن يتصور الواقع كما هو، ولو قرأ أو سمع، لأن ما يفعله الفرنسيون المستعمرون ضد الأهالي العرب هناك، شيء فوق التصور، وشيء ينفر من تصديقه عقل القرن العشرين. هل يمكن أن تتصور يا ابن القرن العشرين، إن فرنسا اللائكية تصادر

стр. 298

مساجد المسلمين، وتحولهم إلى كنائس، وهل يمكن أن تتصور أن بعض هذه المساجد حولتها إلى إسطبلات للخيل والبغال والحمير؟ وهل يمكن أن تتصور بعد ذلك أن البقية الباقية من هذه المساجد يحرم قانونا على علماء المسلمين أن يتكلموا في الدين بها وإلا زجوا في السجون والمعتقلات؟ وهل يمكن أن يخطر لك ببال أن فرنسا اللائكية تصادر أوقاف المسلمين ثم تنفق أكثر ريعها على التبشير للمسيحية، بل للإلحادية ضد الإسلام؟ وهل تتصور أن اللغة العربية في عقر دارها، تجعلها فرنسا الديمقراطية لغة أجنبية قانونا في أمة عربية عريقة تعد بالملايين، ويجب أن تخضع لقوانين اللغات الأجنبية في جميع أحوالها؟ وهل تتصور بعد ذلك أن فرنسا المتمدنة تتساهل مع اللغات الأجنبية في بلادنا بالإيطالية والألمانية والروسية كل التساهل. فالمدارس تفتح لتدريسها يكل بساطة، والصحف بها تنشر بكل حرية، بينما يجد العربي في بلده من العنت في سبيل فتح مدرسة لتدريس لغته، ما لم يجده مونتجمري من العنت في سبيل صد روميل عن العلمين، والجرائد العربية إذا سمح بصدورها ابتداء، فإنها لا تعيش أكثر من أشهر، ثم تقع صريعة إداريا بجرة قلم من الحاكم الفرنسي، من غير أدنى محاكمة ولا تحقيق؟ ثم هل تتصور بعد ذلك كله أن القضاء في أكثر هذا البلد الإسلامي القح، بنوعه الأهلي والشرعي، لا يمارسه إلا الفرنسيون؟ وأنه لا يجوز لعربي أن يكون قاضيا زلا نائبا للقاضي، حتى في الشؤون الإسلامية البحتة أعني الأحوال الشخصية، ولو كان عنده علم الأولين والآخرين، وليس له من نقص سوى أنه عربي مسلم يعيش في بلد آبائه وأجداده غير طارئ على أحد. وأكبر الظن، أن الغائب عن هذه البلاد، لا يستطيع أن يصدق بسهولة كل هذا أو بعضه، لأن الكثير من أبناء الشعب الفرنسي نفسه، الخالي الذهن والمضلل من الاستعمارين، لا يكادون يصدقونه، ولكن "مع الأسف" كل هذا واقع، بل هو

стр. 299

بعض ما هو واقع، والمسلمون بل الإنسانيون عنه غافلون، أكتب هذه الكلمة بمناسبة ما بعث به مراسل جريدة المصري الخاص من الجزائر، عن مطالب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، صاحبة الفضل الأكبر في المحافظة على العروبة والإسلام بهذه الديار. فبقراءة نص هذه البرقية الخطيرة، يدرك القارئ جيدا، أن هذا الذي قصصته لا يختلف في حقيقته إثنان، با صار من المطالب التي تتقدم بها الهيئات العظيمة كجمعية العلماء، وهذا نص البرقية. الجزائر في ١٤ - ١ - ١٩٤٦ لمراسل المصري الخاص. وعقد علماء المسلمين بالجرائر، مؤتمرا بحثوا فيه الحالة العامة، ثم قرروا المطالبة باعتبار اللغة العربية لغة رسمية في الجزائر العربية، وفصل الدين عن الحكومة الفرنسية، التي ما برحت تستخدمه لشهواتها، وإرجاع الأوقاف الإسلامية للمسلمين، لاستعمالها فيما وقفت من أجله، وإصلاح القضاء الإسلامي، وتمكين من يهمهم الأمر من المسلمين في تعيين القضاة والمفتين والعدول وغيرهم، وفتح المدارس التي أغلقت على إثر حوادث ٨ مارس سنة ١٩٤٣ وإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين". هذا ما رواه مراسل المصري الغراء، عن مطالب مؤتمر جمعية العلماء، وهي كما يرى القارئ، لا يتصور العقل أن تكون ضمن الشؤون التي يطالب بها الناس، حتى في القرون المظلمة، ص حيث الزمن، أو في مجاهل إفريقيا، من حيث المكان، ولكن من يعرف خليط المتفرنسين المستعمرين، لا يستبعد منهم أفظع وأشنع منه. وأخيرا، نريد أن نقرأ هذا بكل إمعان، حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الإسلام، وشيخ الجامع الأزهر الشيخ مصطفي عبد الرازق، ونريد أن يقرأه مفتي الديار المصرية، وهيئة كبار العلماء، ونريد أن يقرأه الدكتور طه حسين الديمقراطي، والأستاذ توفيق الحكيم، والأستاذ أحمد الصاوي، والأستاذ محمد التابعي، وبقية

стр. 300

تلاميذ السربون ثم المصريون جميعا، ونريد بعد ذلك أن يقرأه أمين الجمعية العربية، وأعضاؤها، ونريد في النهاية أن تقرأه الهيئات العربية والإسلامية والشعبية والصحافة الحرة، ويكفينا من الجميع بعد ذلك أن يعلموا هذه المساوئ الفظيعة، وأن يشعروا بآثارها الطبيعية ونكل أمر العمل فيها، لضمائرهم الحية، وإنسانيتهم العادلة. الفضيل الورتلاني إنسانية فرنسا روت الجرائد اليومية، بأن الفرنسيين، عمدوا إلى أخبث ما عرفته البشرية من أساليب الغدر، ضد عرب الجزائر، منها: تسميمهم للمأكولات المحفوظة، ثم تقديمها للأهالي حتى مات نتيجة لذلك مئات من الأطفال الأبرياء. في سبيل طرابلس الغرب من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى دول الأمم المتحدة والدول العربية باسم ثلاثين مليونا، من عرب المغرب المجاهدين، نتقدم لدولتكم بقلوب ملؤها الألم، محتجين أشد الاحتجاج على الروح الشريرة، التي ظهرت بباريس، في اجتماع وزراء خارجية الأمم المتحدة نحو طرابلس الغرب، التي اختارت لنفسها من أول يوم اندلع فيه لهيب الحرب العالمية المدمرة، مكانا للكفاح في صفوف الحلفاء، الذين أعلنوا وقتئذ أنهم إنما يحاربون الظلم، ويقاتلون الاستبداد، ويدافعون عن الديمقراطية والحرية والكرامة والإنسانية. أما الآن وقد ظهرت نية الأقوياء الديمقراطيين مع الأسف العميق، في صورة لا تكاد تختلف عن نيات هتلر وموسوليني وفرانكو الديكتاتوريين، إلا في تزويق الألفاظ، وتنميق العبارات، فإننا نعتقد أن هذا الأسلوب العتيق، الذي يستند إلى مجرد القوة والأطماع، والذي كان

стр. 301

دائما سببا في إثارة الفتن الدولية التي تنتهي دائما، بتخريب ما بنته يد الإنسان بمجهود قرون، والتي تنتهي بإفناء الملايين من زهرة شباب الدنيا في سبيل شهوات الانتفاعيين، إننا نعتقد أن هذه الروح السيئة إذا لم يكبح جماحها العقلاء فسوف تؤدي حتما إلى خاتمة الحروب التي تنتهي بفناء العالم - هذا ولما كان الكلام الآن على طرابلس الغرب فقط فإننا نرى من دعوة فرنسا لرجوع إيطاليا، التي طعنتها في أيام محنتها من الخلف - إلى هذه البلاد التي كان أبناؤها في صفوفها يقاتلون ضد المعتدين عليها. أن في ذلك صغارا لا يمكن أن ينزل ذو كرامة إلى أسفل منه، ونرى أن كل من يوافق من الدول المتحالفة على هذه النغمة، إنما هو بعيد عما يزعمه من سعي لإقامة سلام عالمي دائم، أما العرب فإنهم مصممون على مقاومة العدوان ومقاتلة الظلم من أي ناحية يجيء حتى يتم لطرابلس استقلالها التام ووحدتها الكاملة. الفضيل الورتلاني جريدة الكتلة والمصري تاريخ ٥ - ٦ - ١٩٤٦ من سكرتير جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا إلى الأستاذ أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة وإلى الهيئات العربية الإسلامية. حضرة الأخ الكريم الأستاذ أحمد حسين، رئيس حزب مصر الفتاة، بعد تحية الأخوة والجهاد، قرأت لكم في عدد ٤٧ من مجلة مصر الفتاة المجاهدة، خطابا موجها إلى رئيس جمعية الشبان والإخوان المسلمين تدعو فيه إلى التعاون معكم، في جمع المال لإنقاذ أراضي فلسطين، ونعم ما فعلت، لأن اليهود لا يكادون يعتمدون في محاربتهم للعرب، إلا على المال. فسلاح المقاومة لا يمكن أن يكون مجديا، إلا إذا كان من نوع سلاح العدو بالذات، وإلا إذا داويناه بالتي كانت هي الداء، وحتى إذا كانت الأموال التي ستجمع من الأهالي، لا تحل المشاكل كلها، فيكفي أن تكون مظهرا للتعاون العربي، ويكفي أن نعلمهم مبدأ البذل في سبيل

стр. 302

الأخوة والحرية والاستقلال، كما يفعل الصهيونيون في جميع أطراف الدنيا، من أجل انتزاع أراضينا، وبالتالي في سبيل إذلالنا، وإنما أحب أن تكون هذه العاطفة من جميع العاملين طبيعية، وأن تكون هذه الأريحية شاملة، ويجب أن يتسع هذا المبدأ كما هو الواجب والأصول، فيشمل جميع المجاهدين المنكوبين، من أبناء العروبة، لا سيما أولئك الذين تعمهم اليوم، موجة من البلاء الفرنسي المبيد، والتي لم يعرف التاريخ لها نظير، أولئك هم إخوانكم الأبطال في أقطار إفريقيا الشمالية. وأرى من واجبي المقدس، أن أغتنم هذه الفرصة، فأوجه نداء حارا باسم ٣٠ مليونا إلى جميع المسؤولين، من رجال العروبة والإسلام، أفرادا وهيئات وحكومات، ليفكروا جدا فيما يجب أن يسعفوا به إخوانهم، المعذبين الصابرين الثابتين، في هذه الأقطار، وأن أذكركم بقرابة خمسين ألفا ممن استشهدوا على مذبح العروبة والحرية، في ثورة الجزائر الأخيرة، وأذكركم بصفة خاصة، بقرابة ثمانين ألفا من المسجونين التونسيين والجزائريين والمراكشيين، الذين يعيشون (بعد محو النازية والفاشستية) تحت طبقات الأرض، في عذاب أهون منه الموت، وإني أقترح أن تتألف حالا هيئة خاصة من ممثلي الهيئات، ومن الشخصيات البارزة للسعي الحثيث إلى: أولا - إطلاق سراح المعتقلين والمسجونين في هذه البلاد. ثانيا - استصدار العفو للمحكوم عليهم بالإعدام في القضية الوطنية ظلما وعدوانا. ثالثا - فتح اكتتاب عام يشترك فيه الغني والفقير والصغير والكبير. ثم ثقوا أن هذا العمل السهل الميسور، لن يكون قليل الأثر في نفوس إخوانكم المجاهدين هناك مهما كان مظهر النتيجة المادية تافها، وأرجو أن يوفق الجميع لخير الجميع. سكرتير جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية الفضيل الورتلاني

стр. 303

جواب "مصر الفتاة " لبيك يا أخا الجهاد يا أستاذ الورتلاني، فلقد عرفت حزب مصر الفتاة وكفى بك شهيدا، فلقد كتبنا على أنفسنا من أول يوم ظهرنا فيه للكفاح، أن يكون مجال جهادنا هي البلاد العربية كلها، ثم الإسلامية جميعا، ونحن بحمد الله من أكثر الناس تقديرا لبطولة عرب إفريقيا الشمالية، ومن أشد الناس إحساسا بآلامهم وآمالهم، ومن المؤمنين أعمق الإيمان، بأن الأمة العربية التي لا يكون في جسمها هذا الجناح الأيسر الجبار، الذي لم يخل عصر من عصوره من صفحات المجد والبطولة والجهاد، وبالنفس والنفيس، لهي أمة ناقصة مشلولة، ونحن من المؤمنين أخيرا، أن الشرق عامة ومصر خاصة، مقصرون أشد التقصير في حق أولئك الإخوان البررة، ولكن ظروفهم المحلية قبل اليوم، تقيم بعض العذر لهذا التقصير. أما اليوم، فإننا نرى نحن مصر الفتاة، أنه يجب أن لا يقف عون عرب الشرق لإخوانهم عرب المغرب، عند حد بعض الملاليم تجمع، بل يجب أن نهب حتى شيئا من دمائنا في سبيلهم إذا لزم الأمر، وهذه يدنا ممدودة إلى جميع الهيئات، وإلى جميع الشخصيات البارزة، وحتى غير البارزة، لنتعاون معهم في ذلك ولنكون معهم في الصف الأول عملا ونصيحة، وفي الصف الأخير ترتيبا وظهورا، وأريد أن أطمئن أخي الأستاذ الورتلاني على أن جهوده وجهود إخوانه المتواصلة بالليل والنهار، منذ عرفتك من نحو سبع سنوات، لم تذهب عبثا والحمد لله، بل خلقت قضية إفريقيا الشمالية خلقا جديدا، وجمعت جميع الناس على الإيمان بها، بل بخطورتها ولقد لمست أنت بنفسك هذا الشعور حتى عند أبرد الناس، وغدا سترى النتيجة الباهرة التي تشبع نهمك الوطني، وأن غدا لناظره قريب والسلام من: أخيك المخلص: أحمد حسين مصر الفتاة العدد ٤٨

стр. 304

استغاثة لم تسمع من الجبهة إلى رفعة علي ماهر باشا حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس اللجنة العليا لمساعدة منكوبي سوريا ولبنان، بعد تقديم أطيب التحيات: إن جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، تقوم بنصيب كبير على الأخذ بيد الحرية المكبلة، في ذلك القسم من الوطن الأعظم، الذي يشارك مصر في لغتها وقوميتها وتراثها الثقافي وهدفها القومي، وقد أصيبت مدن الجزائر وقراها في الشهر الماضي، بمثل ما أصيبت به مدن الشام، من تهديم العمران بالمدافع على رؤوس قاطنيها. وتقتيل الألوف من الناس، وتمكين رجال الاستعمار الفرنسي من حشد دعاة الحرية في غيابات السجون، وقد عملوا على منع أخبار هذه الكوارث الهمجية، من أن تتسرب إلى الخارج، إلا ما أفلت بغير علم منهم، فظلت مصر غير عالمة بتفاصيل هذه النكبات المحزنة، التي إن اختلفت ظروفها السياسية عن ظروف أختها سوريا - فإنها سواء من الجائب الإنساني والإسلامي والقومي. إن جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، لعظيمة الأمل بمقامكم الرفيع أن تلفتوا أنظار رجال مصر، وهي محط أنظار العالم العربي، والعالم الإسلامي، إلى ما يوفقهم الله إليه من نجدة وعطف، على منكوبي ذلك القطر المجاهد العزيز. فهم في حاجة قصوى إلى أن يروا من مصر إتجاها يؤكد رعايتها لعهد إخائهم - فإذا هي أشعرتهم كما أشعرت سوريا بتأليف لجنة مساعدة وإغاثة، تكون بذلك قد أحسنت إلى أولئك المنكوبين ... بل أحسنت إلى العالم العربي .. وضمت إلى جامعة الدول العربية التي يرعاها ملك مصر وحكومتها .. أعضاء رئيسية تزداد ببطولتهم وضخامة عددهم قوة إلى قوتها،

стр. 305

والغرض الذي نرمى إليه بهذه المذكرة، أن تكونوا يا صاحب الرفعة اليد اليمنى، وتقيموا الدليل عمليا على أن مصر العظيمة إنما هي الأخت الكبرى للجميع، ثم تشهدوا الناس قاطبة بأن مصر إنما لإغاثة المنكوبين، ولا رائد لها إلا رعاية عهدهم وتخفيف آلامهم .. وندع لرفعتكم ولحضرات أعضاء اللجنة النظر في طريق إسعاف أولئك المنكوبين، واستنهاض الهمم لإغاثتهم، وسيحفظ لرفعتكم التاريخ الصادق، هذه المكرمة كما حفظ لكم مكارم عظيمة من قبلها، وما عند الله خير وأبقى. عن الكتلة والمصري تاريخ ٦ - ١٠ - ١٩٤٥ السكرتير الفضيل الورتلاني الرئيس محمد الخضر حسين تحية إفريقيا الشمالية إلى أمين الجامعة العربية لكل إنسان في الحياة شخصيتان إحداهما حقيقية، وهى التي تتألف من ماضيه وتربيته وعقيدته ومبادئه وطبيعته، فهذه يصدر عنها في جميع تصرفاته من غير أدنى تكلف، وفي كثير من القوة، وأخرى اصطناعية تفرضها عليه الظروف كالممثل في المسرح، يبدي الحزن لغير داع، ويظهر السرور لغير باعث وهلم جرا، فالحزبي مثلا كثيرا ما يكون طبعه عف اللسان ولكن الحزبية قد توجب عليه أن يكون شتاما، وصاحب الوظيفة كثيرا ما يكون عزيزا، ومن الوظيفة قد تفرض عليه بعض الذلة، والمجاهد المخلص يكره أن يبدي في الحق تهاونا، ومن الظروف والملابسات قد تعرضه على الناس متهاونا وعبد الرحمن عزام باشا من جملة الناس فله شخصيته الحقيقية، شخصية الجهاد والكفاح والعروبة العامة، والإخلاص لهما، فهذه توحي إليه بأن يكون حربا على الاستعمار، في كل دقيقة من دقائق حياته ولصالح العرب والمسلمين جميعا، وفي غير أدنى مهاودة، ولا مهاونة ولا مجاملة، وله شخصية

стр. 306

متكلفة فرضتها عليه وظيفته الخطيرة التي تتناول الدول كلها في الشرق والغرب، فهو حينما يريد أن يقول أو يفعل يتصور أولا: هل الدول العربية كلها تكون راضية؟ وإذا كان بعضها، قد يعرض الجامعة لقلق، وسوء تفاهم؟ ويتصور ثانيا: هل النواحي التي ليس من مصلحة الجامعة أن تغضبها الآن، أفلا يحرجها هذا العمل؟ ثم يتصور ثالثا: هل الشعوب التي لا يهمها أمر الحكومة، إنما يهمها فقط، الوصول إلى حقوقها، وإلا كان القائمون عليها في نظرهم مقصرين، وربما أبشع من مقصرين، نحن نعترف أن هذه الملابسات، تجعل المسؤول في حيرة وارتباك، ولكن العظمة كل العظمة، أن يعمل المسؤول للحق، وللحق فقط، مع إيجاد حلول بقدر الإمكان لهذه العقد كلها، ونحن نعتقد أن عبد الرحمن عزام باشا، رجل عظيم، ورجل مخلص، ويجب أن يجد حلولا مهما شحت عند سواه، وفعلا قد استطاع أن يحل أعقد المشاكل الدولية. ويسرنا اليوم أن نراه يحل مشكلة الجامعة، وموقفها من إفريقيا الشمالية التي تعاني أسوأ العذاب، بل إنها تعاني عملية الإفناء، فلقد كان موقف الجامعة من هذه البلاد، إلى الأمس القريب، غامضا ومائعا، وكنا مع حسن ظننا بجميع رجال الجامعة - نأسف كل الأسف لتخيلهم عن ثلاثين مليونا من إخوانهم في أشد محنتهم، ومع أسفنا كنا نلتمس لهم الأعذار، واليوم يقف عزام المجاهد، على منبر لندن لا القاهرة، فيعلن موقف الجامعة، الحازم المشرف من هذه البلاد. فيدلي إلى الهيئة البرلمانية لحزب العمال في مجلس النواب بالتصريح الخطير التالي: "إننا سنعمل لحرية العرب واستقلالهم، أينما وجدوا، ولنا إخوان في شمال إفريقيا ينتمون إلى أعرق العناصر العربية يطلبون بإلحاح مساعدتنا لهم، للحصول على الحرية والاستقلال، وسينال هؤلاء دائما عطفنا، لأننا نطلب الحرية وليس لأنفسنا فقط بل للآخرين أيضا". مرحى يا أخا الجهاد، فوالله أنها لأفعل في النفوس بالمغرب المكافح من جيش جرار بجميع أسلحتهم. نعم إنه حتى الآن لكلام، ولكن الكلام عند البلاء كائن حي يربيه

стр. 307

صاحبه، كما يربي المولود، حتى يبلغ رشده وأشده، ولذلك يأبى عزام المجاهد، أن يقوم من لندن، حتى يتعهد مولوده مرة أخرى، وذلك حين يرد على الدعوة التي وجهت إليه من باريس، بأبلغ رد وأخلده، فيقول في صراحة ووضوح وهو يدلي بتصريح للصحفيين عن حرية الشعوب العربية التي لا تتمتع بحريتها إلى الآن فيقول: "إننا نعتقد أن واجبنا يملي علينا أن نعمل لتحقيق حرية هذه الشعوب واستقلالها، وقد تولت الجامعة العربية كل جهد لتحرير ليبيا، كما أنها عازمة على تعديل الموقف الحالي، وهو موقف غير مرضي في شمال إفريقيا، وإني أرجو أن لا يكون اليوم الذي يتبوأ فيه ٣٠ مليونا من العرب، أماكنهم مع أشقائهم في الجامعة ببعيد" فمرحى مرة أخرى، فلئن أغضبت باريس بهذه القنبلة الذرية، فلا يروعنك ذلك فوالله لقد أطربت ٦٠٠ مليونا، وربما وجدت في نفس فرنسا من يكبر فيك، هذه الهمة والإخلاص، وأما من فقد فيهم الكرامة في نفسه، ولا يقدرها في الناس فلينفلق، وأننا من أعماق القلوب نحييك ونشكرك، وفي الختام باسم ثلاثين مليونا نرجو أن تذكر نيفا وخمسين ألفا من المسجونين، يعيش الزعماء والأعيان منهم تحت الأرض بـ ٨٠ درجة حتى أشرف المسنون منهم على الهلاك، كما نذكر المحكوم عليهم بالإعدام، وندع لصحافتكم وإخلاصكم طرق العمل والرحمة. عن الكتلة والإخوان سكرتير جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية الفضيل الورتلاني تاريخ ٤ - ٣ - ١٩٤٦. مجاهدون يعودون من الآخرة في إفريقيا الشمالية، زهاء ثلاثين مليونا من أبطال العروبة، يقاسون من أساليب الظلم، ما لا مثيل له في القرون المظلمة. فمن فرط رهبة فرنسا، من سطوتهم، عبأت كل ما تبقى لديها من قوة عسكرية ومدنيه لإرهابهم، ثم وضعتهم في

стр. 308

"باستيل" أحكمت غلقه، حتى لا يتسرب منه، أو إليه أي نفس من الحرية وبالأمس القريب، دعت باسم زعيم التحرير الجنرال ديغول إلى عودة إيطاليا، أي والله - إيطاليا التي طعنتهم يوم المحنة - من خلف - للرجوع إلى استعمار طرابلس الغرب، حبا في مجرد الاستعباد، وحسبة لوجه الاستعباد، وزعيمهم ديغول هذا، لم يرق إلى سماء القداسة في نفوس الشعب الفرنسي، إلا لأنه هجر بلده يوم نزلت به الكارثة، ليستنجد بالإنكليز، وبالأمريكان، وبالروس، في سبيل تحرير بلده، وكان صنيعه ذلك كله، في نظر الفرنسيين فضيلة وبطولة وجهادا، ما دام في مصلحة فرنسا، وشاء الله تعالى أن يخلق رجالا من العرب، على غرار الجنرال ديغول، يريدون تحرير أوطانهم، فهجروا هذه الأوطان على طريقة ديغول، ليستنجدوا بالدنيا جميعا، في سبيل تحرير أوطانهم، فمنهم من رمت به الأقدار إلى الشرق، ومنهم من رمت به إلى الغرب، كل ذلك سعيا لتحرير أوطانهم، على مذهب ديغول ورجال فرنسا الحرة، فمن هؤلاء جماعة من أبطال تونس المجاهدة، حاربتهم حكومة فيشي ربيبة الألمان، وبنت إيطاليا البكر، فحكمت على بعضهم بالإعدام، وعلى البعض الآخر بالأشغال الشاقة، ثم جاءت حكومة ديغول ربيبة الحرية، وبنت الديمقراطية البكر، فعززت هذه الأحكام، وزادت إليها حمل بعير، أما الأبطال، فلقد كتب الله لهم النجاة من هؤلاء وهؤلاء، ففروا هائمين في البلاد الأوروبية، تتقاذفهم أمواج القدر من مكان لآخر، وشبح الموت يلاحقهم في كل مرحلة، حتى استقر بهم النوى في إسبانيا، فسكنوا مدريد في جوار " فرانكو" المغضوب عليه من الديمقراطيين، فكأنهم كانوا بجوار الآخرة، ومن عناية الله أرحم من كل ذلك، فلقد مدت يدها في سرعة البرق، وانتزعتهم من بين مخالب الموت، فبين عشية وضحاها، وضعتهم في طائرة فخمة، حلقت بهم في طريقها إلى القاهرة، عاصمة العروبة والإسلام وهم:

стр. 309

الدكتور حبيب ثامر، والأستاذ الطيب سليم، والأستاذ رشيد إدريس، والأستاذ الهادي سعيد، والأستاذ حسين التريكي، وسيجدون كما وجدنا من قبل - من إخوانهم العرب في مصر والشرق عامة - العائلة النبيلة تضمهم إلى أبنائها في حب وحنان، أما الذين ظلموا فسيعلمون أي منقلب ينقلبون. جريدة الكتلة ٣ - ٣ - ١٩٤٦. الفضيل الورتلاني زلزال لبنان وقوى الشر الفرنسية في الجزائر في كارثة الحريق في بيروت، مات زهاء خمسين شخصا وشوه أكثر من مائتين. وفي كارثة الفيضان في طرابلس، مات زهاء ١٥٠ شخصا، ودمرت مئات المنازل. وفي كارثة الزلزال المفجع مات ١٣٣ شخصا، وجرح خمسمائة، وهدم أكثر من ألفي بيت. هذه كوارث ثلاث، فجع بها لبنان العزيز خلال عامين اثنين، فضج الشعب اللبناني، واهتزت لها قلوب العرب أجمعين، وتحركت لها مشاعر الإنسانية. ولكن ما قولهم بقوى الشر والعدوان، التي تتحرك كل يوم تقريبا، وتسلط حمم نيرانها على الجزائريين الآمنين فتحصدهم حصدا. إبادة بالجملة لقد وضعت فرنسا رقما قياسيا في مجازرها بتونس، ومراكش، والجزائر فقنبلت بمدافعها وطائراتها عشرات الألوف من المجاهدين والمدنيين في بضعة شهور، فما تحرك أحد.

стр. 310

فرنسا الأثيمة هذا الأسبوع، صادرت فرنسا جميع وسائل النقل البري، والجوي، والبحري لإرسال ٥٠٠ ألف جندي إلى الجزائر لشن حرب إبادة .. وكانت قبل ثلاثة أيام، قد زحفت بجيوشها الحديثة، وطائراتها النفاثة، فقتلت زهاء ١٣٠ مجاهدا في يوم واحد. حيال هذه الإبادة المنظمة بالحديد والنار، لعرب الجزائر الأحرار، إذ تزهق كل أسبوع أرواح المئات من المجاهدين المطالبين بحريتهم .. يحق لنا أن نتساءل عن موقف ملوك العرب وأمرائهم ورؤسائهم وشعوبهم، من السفاكة فرنسا؟. ماذا فعل العرب الكبار إن فرنسا كلها، لا تعد أكثر من ٣٥ مليونا .. فهل يرضى العرب وهم أكثر من ٨٠ مليونا، لديهم إمكانات عظيمة، أن تستبد بهم قوى شريرة أثيمة، فتنتهك حرماتهم وتعمل فيهم تقتيلا وتعذيبا؟. لو كان في دنيا العرب شهامة ونجدة، لما سكت المسؤولون العرب عن هذه الجريمة البربرية .. في لبنان اليوم مناحة لزلزال .. ولكن في الجزائر كل يوم مناحات .. فماذا فعلتم أيها المسؤولون العرب الكبار .. وأنت أيتها الشعوب المسوقة؟ .. أين الديبلوماسية والحمية العربية هل هددتم على الأقل فرنسا .. ؟ هل تحركتم للقيام بحملة ديبلوماسية واسعة ضدها في عواصم الدنيا؟ ..

стр. 311

أم ترى بصدق فيكم اليوم، ما كان يصدق بأجدادكم يوم شن الإسبان، حملة الإبادة ضد عرب الأندلس .. فصاح أبو البقاء صالح الرندي، بلسان الأجيال مناشدا العرب، أن ينجدوا إخوانهم فقال: يا راتعين وراء البحر في دعة ... لهم بأوطانهم عز وسلطان! هل عندكم نبأ عن أهل الأندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان ألا نفوس أبيات لها همم! ... أما على الحق أنصار وأعوان؟ بيروت المساء تاريخ ٢١ مارس ١٩٥٦ كلمة عن مملكة تونس العربية المملكة التونسية واقعة بشمال القارة الإفريقية، يحدها شمالا وشرقا، البحر الأبيض المتوسط، وغربا قسنطينة من بلاد الجزائر، وجنوبا الصحراء الكبرى وطرابلس، ومساحتها مائة وثلاثون ألف كيلومتر مربع تقريبا، وسكانها نحو ثلاثة ملايين نسمة، وهم بحسب أصولهم، يرجعون إلى أجناس مختلفة، إلا أن السائد فيهم، العنصر العربي، ومن كانوا من غير العنصر العربي كالبربر والترك، فقد أصبحوا عربا لغة وعادات، فهم ما بين عرب خلص ومستعربين. فمن الحق أن تونس بلاد عربية، شعبا وحكومة، وهى جديرة بأن تعد في مقدمة الشعوب والدول العربية ... وقد بلغت تونس في العهود السالفة، من الحضارة والمدنية، وقوة السلطان، غاية عزيزة المنازل، كانت فيها مطلع العلماء ورجال السياسة العظام، ومحط رجال الأدباء، والشعراء، والكتاب.

стр. 312

شذرة من تاريخها كانت القيروان منذ الفتح العربي، عاصمة إفريقيا، ومنها خرج الجيش الذي فتح صقلية، ثم صارت مدينة تونس نفسها، عاصمة إفريقيا في القرن السادس الهجري، وما زال الشعب التونسي، يتمتع بحرية كاملة، ولواء الاستقلال، يخفق على أرجاء تلك البلاد، إلى أن امتدت إليها يد الإسبان، سنة ٩٤٢ هـ. وتخلصت منهم على يد الدولة العثمانية، سنة ٩٨١ هـ. وصارت من ذلك الحين، ولاية عثمانية، إلا أنها تتمتع بجانب عظيم من استقلالها الداخلي، تولى أمرها المشير أحمد باشا باي (عاشر أمراء الدولة الحسينية) سنة ١٢٥٣ هـ. فنهض بهذه المملكة، من الوجهة السياسية، والعسكرية، والعلمية .. وكان من أول إصلاحاته أن جعل الحكومة التونسية، حكومة عربية إسلامية يربطها بالدولة العثمانية، الاعتراف بسيادتها، وحور المراسلة بينه وبينها، من اللغة التركية إلى اللغة العربية، ونظم العساكر على أسلوب جديد، وأنشأ مدرسة حربية، ووجه عنايته إلى إعداد أسطول، وابتنى دار صناعة لإنشاء السفن، ومعملا لصنع الأسلحة ومستودعات للذخائر الحربية. ثم تولى بعده أخوه محمد باشا باي فجرى على سيرته ووضع لسياسة الحكومة دستورا سمي لذلك العهد "عهد الأمان". وقرئ هذا الدستور، في حفل عظيم، حضره أعيان الأمة وعلماؤها وسفراء الدول الأجنبية في ٢٠ محرم سنة ١٣٧٤ هـ. وأقسم الباي، على أن يعمل به، ويجري في سياسة الحكومة، على مقتضاه. وانتهى الأمر من بعده، لأخيه محمد الصادق باي، وشد أزره الوزير المصلح، خير الدين باشا، فألف مجلسا أعلى، يتألف من ستين عضوا، من الوطنيين، للنظر في مصالح

стр. 313

الوطن، وقام إصلاحات زراعية وصحية، وسعى لتقدم الصناعات الأهلية، وتوسيع دائرة التجارة الوطنية، كما نظم مناهج التعليم بجامع الزيتونة، قرين الجامع الأزهر، وأنشأ بجانبه المكتبة الصادقية، والمدرسة الصادقية، لدراسة العلوم العصرية، واللغات الأجنبية، وأطلق على الحكومة اسم الدولة، وأعطى لنفسه لقب الملك ... يرى الناظر من هذه الشذرات، أن تونس أخذت منذ عهد المشير، أحمد باشا باي، تسير سير الأمم المتيقظة، وأنها قطعت في إصلاح شؤونها السياسية، والعسكرية، والعمرانية، شوطا يشهد بأنها تستطيع القيام بواجبات استقلالها بنفسها، وأنها ليست في حاجة إلى ما يسمونه حماية. كيف وقع الاحتلال الفرنسي ؟ .. بعد أن تم لفرنسا، احتلال بلاد الجزائر واغتصاب استقلالها، اتجه نظرها إلى احتلال تونس، فادعت أن بعض العربان التونسيين، الذين يقيمون بالقرب من حدود الجزائر، يعتدون على بعض جيرانهم من الجزائريين، واتخذت هذه الدعوة وسيلة لاحتلال المملكة بأسرها، وجلبت على تونس بخيلها ورجالها، من ناحية الجزائر، وبنزرت إلى أن وصل جندها إلى العاصمة، وأحاط بقصر الملك، وفي هذه الحال، قدمت إليه معاهدة ليضع إمضاءه عليها. فتوقف الباي، وطلب من نائبي فرنسا - قنصلها وقائد عسكرها - أن يمهلاه مدة ليتأمل فيما تضمنته المعاهدة، من الشروط فأتاحا له ذلك، فجمع رجال مجلس الشورى، وكان ممن عارض في إمضاء المعاهدة، السيد العربي زروق، ورئيس البلدية قائلا: إن ما تخشاه من عدم الإمضاء، سيقع لا محالة، فالتمسك بعدم الإمضاء، أشرف وأسلم. ولكن الباي، رأى نفسه مضطرا إلى توقيع المعاهدة، فوقعها وهي في عشرة بنود تذهب باستقلال البلاد وحريتها، وتقضي باحتلالها ..

стр. 314

قابل الوطنيون هذا الاحتلال، بحزن وجزع بالغين، وقامت بعض المدن والقبائل، في وجه جيش الاحتلال، واستمر دفاعهم حينا، ولكنهم لم يجدوا من يمد يده ليساعدهم على إطالة مدة الحرب، فاستطاع جيش الاحتلال بأن يلجئهم بكثرة عدده، وإطلاق مدافعه، إلى التسليم .. ثم رأت فرنسا، أن المعاهدة السابقة، لا تسمح لها بأن تبسط نفوذها، في كل شأن من الشؤون الداخلية. فعززتها بمعاهدة ثانية، قدمتها للباي، للتوقيع. فتم لها ما أرادت، من فرض حمايتها، على المملكة التونسية. وكان من نتيجة ذلك، أن فرنسا قلدت معظم الوظائف في الدولة من مناصب الوزارة، إلى الوظائف الصغرى للفرنسيين، حتى أن كل الوزارات، تقلدها فرنسيون ما عدا وزارة الداخلية، التى جردتها من النفوذ، على أنها لم تتوف المرتبات، بين الوطنيين والفرنسيين كما كانت ميزانيه تونس، توضع في فرنسا، وترسل إلى تونس للتنفيذ، واحتكرت فرنسا أراضي الدولة، وصارت تبيعها للفرنسيين، وتقسط أثمانها على عشر سنين، وانتهى الأمر، بأن أصبح معظم أملاك الحكومة، وأراضي الأوقاف الإسلامية، ملكا للفرنسيين ... أما شؤون القضاء، والتعليم الديني، والمدني، واللغة العربية وحرية الصحافة، وما إلى ذلك، فإن السياسة الاستعمارية، حيالها مما يطول الكلام فيه، فليس الوطنيون - في نظر الحكومة المحتلة - بأهل لأن يمنحوا الحرية، التي يتمتع بها الفرنسيون في تونس، ولكنها فتحت باب التجنيس، بالجنسية الفرنسية ترغيبا للوطنيين في الخروج على قوميتهم العربية، إلى الجنسية الفرنسية، ولكن الوطنيين المسلمين، أدركوا أن هذا التجنيس يسلخهم من دينهم، فأحجموا عنه، وسخطوا على من استهوتهم منافعه، وصارت الأمة تنظر إليهم، بإنكار وازدراء، وأصرت على أن لا يدفنوا في مقابرهم، حتى اضطرت الحكومة ورسمت لهم مقبرة خاصة بهم ...

стр. 315

جهاد التونسيين في سبيل الاستقلال !! لم يغمض التونسيون أعينهم، عن سالف مجدهم، ولم يستسلموا لما يلاقونه، من عسف، بل كانوا يقابلون ذلك بالغصب والإنكار، ولهم في جهادهم مواقف حفظها التاريخ، وكم قاموا بمظاهرات، تعرضوا فيها للحديد والنار، وابتلوا بالاعتقال والسجن والإبعاد، وكانوا يحتملون ذلك الأذى، ويتلقونه فيما مضى بالتجلد، والتصميم على الجهاد والكفاح، في سبيل استقلالهم، والآن فإن البلاد التونسية، قد أصبحت من البلاد المحررة من نير الاستعمار، والاستبداد الفرنسي، بانسحاب جيوش حكومة فيشي الفرنسية، ومع ذلك فلا تزال تقاسي حرمانها من الحقوق الضرورية، لحياتها السياسية، ما يتنافى ومبادئ الحريات الذي حاربت من أجله الأمم المتحدة ... وإن تونس العربية شعبا وحكومة، لا فرق بينها وبين العراق، وسورية، وغيرها من البلاد العربية، في جنسيتها وثقافتها التي تؤهلها لأن تقف في صفوفهم، وتكون لبنة في بناء اتحادهم، وهي ترغب، مباشرة شؤونها بنفسها، وأن تحظى بانضمامها إلى جامعة الدول العربية، ولا يضيع حق وراءه مطالب، وإن أقيمت دونه العقبات، وألقيت في سبيله العثرات. عن مجلة الإخوان المسلمون ٢٦ يوليه ١٩٤٥

стр. 316

مأساة الجزائر أتنسون الجزائر وهي دوح ؟ - ١ - دموعك ليتها تجدي فتيلا ... لقد هطلت فما نقضت غليلا وشعرك كيف هب شواظ نار ... وعهدي أن يسبل ندى بليلا سمعت صراخه ففزعت رعبا ... وقبلا كنت أسمعه هديلا وقالوا إنه فن جميل ... فكيف يذيقك الشر الوبيلا فقلت بلى فقد أصمى فؤادي ... وحمل كاهلي عبئا ثقيلا إذا كان القريض كما وصفتم ... فإني أمقت الفن الجميلا - ٢ - فرنسا أي كارثة ألمت ... بشعبك فاغتدي خجلا ذليلا شمت به وقد أمسى صريعا ... يقلب في الورى صرفا كليلا تغشاه الظلام ضحى الصباح ... فأرخى في جوانبه السدولا فلا تبغي فلاحا بعد هذا ... فقد أمسى فلاحك مستحيلا ألفت الذل من أمد بعيد ... فمهما حدت عنه لن يزولا فتلك قصورك الشماء أضحت ... وقد طمست معالمها طلولا فهل أرسلت من يحمي حماها؟ ... أجل! أرسلت كالثكلى عويلا

стр. 317

وجئت الآن في قبح دميم ... تعدين الكتائب والنصولا لمن هذا؟ إلى شعب نبيل ... هداه الله للحسنى سبيلا فيا لفضيحة فتشت جهدي ... فلم أر في الحياة لها مثيلا كذئب راح يجحل نحو كبش ... يحاول أن يطيح به قتيلا وخلى دونه في الغيل ليثا ... رماه فهل مضى يرتاد غيلا - ٣ - ألا لطفا بالجزائر أن فيها ... كوارث تجلب الهم الطويلا ورقرق إن مررت بساكنيها ... مدامع فد أبت إلا همولا وقل لي هل شهدت بها رقابا ... شوامخ تعشق السيف الصقيلا كرام يبذلون الروح طوعا ... فلست ترى بهم رجلا بخيلا وحدت كم رأيت بها شهيدا ... نوى عن هذه الدنيا رحيلا وكم من ضائق بالسجن ذرعا ... يصل القيد في يده صليلا رأيت بها الدخيل يميس زهوا ... ويسحب في تبختره الذيولا ويرفع صوته كالرعد يعلو ... فهل صار الدخيل بها أصيلا!؟ وشاهدت الأصيل يدب هونا ... ويخفض رأسه العالي خجولا ويهمس إن أراد القول همسا ... فهل صار الأصيل بها دخيلا!؟ غرائب قد أجلت الطرف فيها ... فكدت أغيب عن نفسي ذهولا - ٤ - رجال الشرق ما هذا رويدا ... لقد أغفلتموا أمرا جليلا أتنسون الجزائر وهي دوح ... يرف عليكمو ظلا ظليلا

стр. 318

رقدتم عن مطالبها فهلا ... تزيحون الرقاد ولو قليلا فأبناء الجزائر أهل عزم ... أكيد يوجب المدح الجزيلا أقام القوم بينكمو سدردا ... ألا تدعونها رملا مهيلا! هي الفصحى تضمكموا جميعا ... فهل ترضون بالفصحى بديلا؟ هو الإسلام يجمعكم قلوبا ... على التقوى ويهديكم عقولا هو الدم واحدا، يسري فتوحي ... لنا - رغم النوى - معنى نبيلا إخاء قد سقاه الحب كأسا ... مشعشعة تدور بنا شمولا فإن دمتم على هذا دليلا ... فبين قلوبنا نجد الدليلا وإن نك قد تفرقنا ديارا ... فإنا فد توحدنا ميولا فذودوا عن مطالبها فإني ... رأيت الله بالحسنى كفيلا عن مجلة الإخوان المسلمون الخميس ١٧ شعبان ١٣٦٤ أهمية القطر الجزائري تنحصر بلاد الجزائر بين البحر المتوسط شمالا، والصحراء الكبرى جنوبا، حيث تقع بلاد الهقار، موطن عشائر الطوارق الأحرار، وتحدها شرقا أراضي تونس الخضراء وصحراء ليبيا، كما تمتد حدودها الغربية إلى مراكش وإفريقيا الاستوائية، وتبلغ مساحتها نحو مليونين وربع مليون كيلومتر، وهذه هي حدود الجزائر منذ القرن الثالث قبل الميلاد، فهي حدود عريقة في القدم إلى حد لا نظير له. وهي - على هذا الاعتبار - تعد من أوسع أقطار الشرق الأدنى، ذلك أن مساحتها تبلغ أربعة أمثال مساحة فرنسا وأكبر من ثلثي مساحة الجمهورية المصرية وأزيد من أربعة أمثال مساحة سوريا والعراق مجتمعين، وتعدل مساحة سويسرا ستين مرة ...

стр. 319

ويكون القطر الجزائري مع تونس ومراكش وحدة جغرافية وعنصرية ودقنية وتاريخية، فطبيعة أرضهم واحدة، وقد انحدروا جميعا من أصل واحد، إما يمني أو مصري أو خليط منهما، نزحوا إلى هذه الأقطار، فارتبطت منذ القديم مصالحهم، وقربن بينهم وحدة الأمال والآلام. وكان أهل الجزائر وأبناء عمومتهم التونسيون والمراكشيون يدينون في الأصل بالوثنية، إلى أن ظهرت المسيحية، ثم انبثق نور الإسلام، فعمر القلوب واستقر فيها استقرارا راسخا، فإذا هو عقيدة ودين وقومية ... على أن للجزائر طابعها الخاص، فعلى الرغم من تعاقب الغزو الأجنبي عليها قبل الإسلام، لم تتغير طبيعة أهلها، حتى أن الاحتلال الروماني - وقد دام ستة قرون - لم يؤثر في شخصيتها ونفسيتها إلا كما تؤثر الريح في صفحة الماء، فلم يبق من أثار روما وسلطانها الواسع في المغرب بصفة عامة، والجزائر بصفة خاصة، إلا تلك الصخور المنحوتة التي تصور لمن يراها مدى المحنة التي احتمل القرويون من أهل البلاد عبثها صابرين مستمسكين بتراثهم وتقاليدهم، فما هي إلا دلائل على صلابة الفلاح الجزائري الذي يقف في وجه الأعاصير الهوج ثابتا محتفظا بشخصيته معتزا بقوميته، متربصا بأعداء بلاده حتى تحين الساعة الموعودة فيجتث جذورهم ويقذف بهم وراء الحدود ... والقطر الجزائري من حيث عدد السكان - بملايينه الأحد عشر من العرب والدخلاء عليهم - ثالث الأقطار العربية شرقا وغربا. والجزائر بلاد زراعية، تنتج كميات وفيرة من الحبوب، إذ تبلغ مساحة المزروع منها سبعة ملايين من الهكتارات، علاوة على مليون هكتار من الكروم، هذا إلى مزارع الزيتون والبقول والنخيل وأنواع الفواكه والغابات وجملة القول أن مجموع الأراضي المنزوعة يبلغ حسب الإحصائيات الأخيرة نحو ٢٠ مليون هكتار، أي نحو ٥٠ مليونا من الأفدنة. وتصدر الجزائر سنويا أكثر من مليوني قنطار من الحلفاء كما تصدر مليون رأس من الأغنام، وتنتج ربع ما ينتجه العالم بأجمعه من الفلين، أما الثروة المعدنية فتشمل

стр. 320

الفحم والحديد والرصاص والزنك والنحاس والمنجنيز والفوسفات والكبريت والبترول، وغير ذلك مما تزخر به تربة الجزائر، وتسابق الشركات الأجنبية لاستغلاله. فهي إذن من حيث الموارد الطبيعية والثروة الزراعية والمعدنية والحيوانية، جنة من جنات الأرض، ولكنها جنة لا يتمتع أصحابها الشرعيون بخيراتها، وتعتبر بلاد الجزائر بمنطقة سياحية من الطراز الأول، لا تكاد تجد فرقا بينها وبين سويسرا، بل أن مناطق الغابات والجبال فيها تفوق أمثالها في سويسرا روعة وجمالا. وبهذه الطبيعة الغنية الخصبة، السهلة الوعرة، الشديدة اللينة، تأثرت نفسية الشعب الجزائري على نحو ما يتأثر كل كائن حي بعوامل البيئة الطبيعية التي تحيط به. فإذا أضفنا إلى ذلك تلك الأحداث التي تعاقبت منذ فجر التاريخ على القطر الجزائري، أمكننا أن ندرك ماهية النفسية الجزائرية على حقيقتها، وعرفنا سر تلك المقاومة التي يبديها الجزائريون في وجه الغزاة المعتدين ذودا عن الوطن، وحفظا لأمجادهم وتمسكا بتراث أجدادهم. والاستعمار، على وجه العموم، هو أشد قارعة تصاب بها الأمم، وهو على فظاعته وبربريته أنواع ودرجات، على أن أخبث أنواعه وأشدها فظاعة وأكثرها خطرا على قوميات الشعوب ومصائرها هو الاستعمار الفرنسي. مراكش .. والاستقلال في ١١ يناير سنة ١٩٤٤، قدمت جميع الهيئات السياسية في مراكش إلى جلالة ملكها، وإلى سلطات الحماية، وإلى ممثلي إنكلترا وأمريكا وروسيا، عريضة تطالب فيها، باسترجاع استقلال الدولة المراكشية المسلوبة. ومن وراء هذا التاريخ، سنوات طويلة ترجع إلى سنة ١٩١٢ يوم أرغمت فرنسا وجيوشها المحتلة، جلالة السلطان الأسبق على توقيع معاهدة، لم تنفذ على
следующие страницы →