Полный текст (484 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
مأساة الجزائر
أتنسون الجزائر وهي دوح ؟
- ١ -
دموعك ليتها تجدي فتيلا ... لقد هطلت فما نقضت غليلا
وشعرك كيف هب شواظ نار ... وعهدي أن يسبل ندى بليلا
سمعت صراخه ففزعت رعبا ... وقبلا كنت أسمعه هديلا
وقالوا إنه فن جميل ... فكيف يذيقك الشر الوبيلا
فقلت بلى فقد أصمى فؤادي ... وحمل كاهلي عبئا ثقيلا
إذا كان القريض كما وصفتم ... فإني أمقت الفن الجميلا
- ٢ -
فرنسا أي كارثة ألمت ... بشعبك فاغتدي خجلا ذليلا
شمت به وقد أمسى صريعا ... يقلب في الورى صرفا كليلا
تغشاه الظلام ضحى الصباح ... فأرخى في جوانبه السدولا
فلا تبغي فلاحا بعد هذا ... فقد أمسى فلاحك مستحيلا
ألفت الذل من أمد بعيد ... فمهما حدت عنه لن يزولا
فتلك قصورك الشماء أضحت ... وقد طمست معالمها طلولا
فهل أرسلت من يحمي حماها؟ ... أجل! أرسلت كالثكلى عويلا
стр. 317
وجئت الآن في قبح دميم ... تعدين الكتائب والنصولا
لمن هذا؟ إلى شعب نبيل ... هداه الله للحسنى سبيلا
فيا لفضيحة فتشت جهدي ... فلم أر في الحياة لها مثيلا
كذئب راح يجحل نحو كبش ... يحاول أن يطيح به قتيلا
وخلى دونه في الغيل ليثا ... رماه فهل مضى يرتاد غيلا
- ٣ -
ألا لطفا بالجزائر أن فيها ... كوارث تجلب الهم الطويلا
ورقرق إن مررت بساكنيها ... مدامع فد أبت إلا همولا
وقل لي هل شهدت بها رقابا ... شوامخ تعشق السيف الصقيلا
كرام يبذلون الروح طوعا ... فلست ترى بهم رجلا بخيلا
وحدت كم رأيت بها شهيدا ... نوى عن هذه الدنيا رحيلا
وكم من ضائق بالسجن ذرعا ... يصل القيد في يده صليلا
رأيت بها الدخيل يميس زهوا ... ويسحب في تبختره الذيولا
ويرفع صوته كالرعد يعلو ... فهل صار الدخيل بها أصيلا!؟
وشاهدت الأصيل يدب هونا ... ويخفض رأسه العالي خجولا
ويهمس إن أراد القول همسا ... فهل صار الأصيل بها دخيلا!؟
غرائب قد أجلت الطرف فيها ... فكدت أغيب عن نفسي ذهولا
- ٤ -
رجال الشرق ما هذا رويدا ... لقد أغفلتموا أمرا جليلا
أتنسون الجزائر وهي دوح ... يرف عليكمو ظلا ظليلا
стр. 318
رقدتم عن مطالبها فهلا ... تزيحون الرقاد ولو قليلا
فأبناء الجزائر أهل عزم ... أكيد يوجب المدح الجزيلا
أقام القوم بينكمو سدردا ... ألا تدعونها رملا مهيلا!
هي الفصحى تضمكموا جميعا ... فهل ترضون بالفصحى بديلا؟
هو الإسلام يجمعكم قلوبا ... على التقوى ويهديكم عقولا
هو الدم واحدا، يسري فتوحي ... لنا - رغم النوى - معنى نبيلا
إخاء قد سقاه الحب كأسا ... مشعشعة تدور بنا شمولا
فإن دمتم على هذا دليلا ... فبين قلوبنا نجد الدليلا
وإن نك قد تفرقنا ديارا ... فإنا فد توحدنا ميولا
فذودوا عن مطالبها فإني ... رأيت الله بالحسنى كفيلا
عن مجلة الإخوان المسلمون الخميس ١٧ شعبان ١٣٦٤
أهمية القطر الجزائري
تنحصر بلاد الجزائر بين البحر المتوسط شمالا، والصحراء الكبرى جنوبا، حيث تقع بلاد الهقار، موطن عشائر الطوارق الأحرار، وتحدها شرقا أراضي تونس الخضراء وصحراء ليبيا، كما تمتد حدودها الغربية إلى مراكش وإفريقيا الاستوائية، وتبلغ مساحتها نحو مليونين وربع مليون كيلومتر، وهذه هي حدود الجزائر منذ القرن الثالث قبل الميلاد، فهي حدود عريقة في القدم إلى حد لا نظير له.
وهي - على هذا الاعتبار - تعد من أوسع أقطار الشرق الأدنى، ذلك أن مساحتها تبلغ أربعة أمثال مساحة فرنسا وأكبر من ثلثي مساحة الجمهورية المصرية وأزيد من أربعة أمثال مساحة سوريا والعراق مجتمعين، وتعدل مساحة سويسرا ستين مرة ...
стр. 319
ويكون القطر الجزائري مع تونس ومراكش وحدة جغرافية وعنصرية ودقنية وتاريخية، فطبيعة أرضهم واحدة، وقد انحدروا جميعا من أصل واحد، إما يمني أو مصري أو خليط منهما، نزحوا إلى هذه الأقطار، فارتبطت منذ القديم مصالحهم، وقربن بينهم وحدة الأمال والآلام. وكان أهل الجزائر وأبناء عمومتهم التونسيون والمراكشيون يدينون في الأصل بالوثنية، إلى أن ظهرت المسيحية، ثم انبثق نور الإسلام، فعمر القلوب واستقر فيها استقرارا راسخا، فإذا هو عقيدة ودين وقومية ...
على أن للجزائر طابعها الخاص، فعلى الرغم من تعاقب الغزو الأجنبي عليها قبل الإسلام، لم تتغير طبيعة أهلها، حتى أن الاحتلال الروماني - وقد دام ستة قرون - لم يؤثر في شخصيتها ونفسيتها إلا كما تؤثر الريح في صفحة الماء، فلم يبق من أثار روما وسلطانها الواسع في المغرب بصفة عامة، والجزائر بصفة خاصة، إلا تلك الصخور المنحوتة التي تصور لمن يراها مدى المحنة التي احتمل القرويون من أهل البلاد عبثها صابرين مستمسكين بتراثهم وتقاليدهم، فما هي إلا دلائل على صلابة الفلاح الجزائري الذي يقف في وجه الأعاصير الهوج ثابتا محتفظا بشخصيته معتزا بقوميته، متربصا بأعداء بلاده حتى تحين الساعة الموعودة فيجتث جذورهم ويقذف بهم وراء الحدود ...
والقطر الجزائري من حيث عدد السكان - بملايينه الأحد عشر من العرب والدخلاء عليهم - ثالث الأقطار العربية شرقا وغربا.
والجزائر بلاد زراعية، تنتج كميات وفيرة من الحبوب، إذ تبلغ مساحة المزروع منها سبعة ملايين من الهكتارات، علاوة على مليون هكتار من الكروم، هذا إلى مزارع الزيتون والبقول والنخيل وأنواع الفواكه والغابات وجملة القول أن مجموع الأراضي المنزوعة يبلغ حسب الإحصائيات الأخيرة نحو ٢٠ مليون هكتار، أي نحو ٥٠ مليونا من الأفدنة.
وتصدر الجزائر سنويا أكثر من مليوني قنطار من الحلفاء كما تصدر مليون رأس من الأغنام، وتنتج ربع ما ينتجه العالم بأجمعه من الفلين، أما الثروة المعدنية فتشمل
стр. 320
الفحم والحديد والرصاص والزنك والنحاس والمنجنيز والفوسفات والكبريت والبترول، وغير ذلك مما تزخر به تربة الجزائر، وتسابق الشركات الأجنبية لاستغلاله. فهي إذن من حيث الموارد الطبيعية والثروة الزراعية والمعدنية والحيوانية، جنة من جنات الأرض، ولكنها جنة لا يتمتع أصحابها الشرعيون بخيراتها، وتعتبر بلاد الجزائر بمنطقة سياحية من الطراز الأول، لا تكاد تجد فرقا بينها وبين سويسرا، بل أن مناطق الغابات والجبال فيها تفوق أمثالها في سويسرا روعة وجمالا.
وبهذه الطبيعة الغنية الخصبة، السهلة الوعرة، الشديدة اللينة، تأثرت نفسية الشعب الجزائري على نحو ما يتأثر كل كائن حي بعوامل البيئة الطبيعية التي تحيط به.
فإذا أضفنا إلى ذلك تلك الأحداث التي تعاقبت منذ فجر التاريخ على القطر الجزائري، أمكننا أن ندرك ماهية النفسية الجزائرية على حقيقتها، وعرفنا سر تلك المقاومة التي يبديها الجزائريون في وجه الغزاة المعتدين ذودا عن الوطن، وحفظا لأمجادهم وتمسكا بتراث أجدادهم.
والاستعمار، على وجه العموم، هو أشد قارعة تصاب بها الأمم، وهو على فظاعته وبربريته أنواع ودرجات، على أن أخبث أنواعه وأشدها فظاعة وأكثرها خطرا على قوميات الشعوب ومصائرها هو الاستعمار الفرنسي.
مراكش .. والاستقلال
في ١١ يناير سنة ١٩٤٤، قدمت جميع الهيئات السياسية في مراكش إلى جلالة ملكها، وإلى سلطات الحماية، وإلى ممثلي إنكلترا وأمريكا وروسيا، عريضة تطالب فيها، باسترجاع استقلال الدولة المراكشية المسلوبة.
ومن وراء هذا التاريخ، سنوات طويلة ترجع إلى سنة ١٩١٢ يوم أرغمت فرنسا وجيوشها المحتلة، جلالة السلطان الأسبق على توقيع معاهدة، لم تنفذ على
стр. 321
جورها، سنوات طويلة، عانى أثناءها الشعب المراكشي، أقسى ما عاناه، شعب حرم استقلاله، فشرد أبناؤه وسلبت أراضيه، وخضعت البلاد كلها، لنظام لم تراع فيه إلا مصلحة المستعمر الغاصب.
ففي عهد الجمهورية الفرنسية، وعهد حكومة فيشي، وعهد لجنة التحرير، وعهد الحكومة المؤقتة الحالية، لم تعرف مراكش إلا حياة الاستعباد والإرهاق. وبما أن هذا الشعب لم يعرف غير الحرية، منذ فجر التاريخ فقد قدمت "الهيئات المراكشية" ومن ورائها خمسة عشر مليونا من المراكشيين العريضة التالية مطالبين بالاستقلال.
وثيقة الاستقلال
إن الهيئات الوطنية المراكشية تعلن أنه:
أولا: حيث أن الدولة المراكشية، ظلت تتمتع بحريتها وسيادتها، محافظة على استقلالها، طيلة ثلاثة عشر قرنا، إلى أن فرض عليها نظام الحماية، في ظروف خاصة ..
ثانيا: وحيث أن الغاية من هذا النظام، والغرض من وجوده، إنما كان إدخال الإصلاحات الداخلية، التي تحتاج مراكش في شؤون الإدارة والقضاء والثقافة والاقتصاد، والوسائل المالية والعسكرية، دون أن يمس من ذلك سيادة الشعب المراكشي، وسلطات جلالة الملك.
ثالثا: وحيث أن سلطات الحماية الفرنسية، استبدلت بهذا النظام نظاما، جديدا من الحكم الفرنسي المباشر، والاستبداد لفائدة الجالية الفرنسية. ومنها عدد ضخم من الموظفين، لا تحتاج مراكش إلا إلى عدد يسير منهم - ومع هذا لم تحاول هذه السلطات، التوفيق بين مصالح طبقات الشعب المراكشي.
رابعا: وحيث أن الجالية الفرنسية، استحوذت بسبب هذا النظام، على مقاليد الحكم، واحتكرت خيرات البلاد، دون أهلها وأصحابها ..
стр. 322
خامسا: وحيث أن السلطات الفرنسية، تحاول في هذا النظام بشتى الوسائل، هدم الوحدة المراكشية، ومنع المراكشيين من الاشتراك الفعلي في إدارة شؤون بلادهم، وحرمانهم من كل حرية خاصة أو عامة ..
سادسا: وحيث أن الظروف التي يجتازها العالم اليوم، تختلف عن الظروف التي فرضت فيها الحماية الفرنسية، على مراكش ..
سابعا: وحيث أن مراكش اشتركت اشتراكا فعليا في الحرب العالمية الماضية، وفي الحرب القائمة إلى جانب الحلفاء، وقامت جيوشها بتضحيات، ومجهودات، أثارت إعجاب الجميع في ميادين فرنسا، وتونس، وصقلية، وإيطاليا، وكورسيكا، ولا تزال تحارب إلى الآن، في ميادين أخرى للمساعدة في تحرير فرنسا، وكسب فضية الديمقراطية ...
ثامنا: وحيث أن الحلفاء الذين يريقون دماءهم في سبيل الحرية، قد اعترفوا في ميثاق الأطلنطيكي، بحق الشعوب في حكم نفسها بنفسها وأعلنوا أخيرا في مؤتمر طهران، عزمهم على أنها لا تحكم الدول القوية في الدول الضعيفة ...
تاسعا: وحيث أن الحلفاء في كثير من المناسبات، أعلنوا عطفهم على الشعوب العربية، ومنحوا بعضها الاستقلال والحرية ...
عاشرا: وحيث أن الأمة المراكشية، التي تكون وحدة متناسقة الأجزاء، تشعر لما لها من حقوق، وما عليها من واجبات داخل البلاد وخارجها وتقدر الحريات الديمقراطية حق قدرها، تلك الحريات التي لا تتنافى في جوهرها، مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، والتي كانت الأساس في وضع نظم الحكم في البلاد العربية الشقيقة.
لكل هذا أجمع المراكشيون رأيهم، على المطالب الآتية:
أولا: المطالبة باستقلال مراكش، ووحدة أراضيها تحت ظل صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم محمد الخامس نصره الله، وإجلاء الجيوش الأجنبية عنها ...
стр. 323
ثانيا: الالتماس من جلالته السعي، لدى الدول التي يهمها الأمر، للاعتراف بهذا الاستقلال وضمانه، ولوضع اتفاقيات تحدد ضمن المادة المراكشية، ما للأجانب من مصالح مشروعة.
ثالثا: المطالبة بانضمام مراكش إلى الدول الموقعة على ميثاق الأطلنطي، والاشتراك في مؤتمر الصلح.
رابعا: الالتماس من جلالة الملك، أن يشمل برعايته حركة الإصلاح الداخلي، الذي تتوقف عليه بلاده، وإحداث نظام سياسي شوري، شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية الإسلامية الشقيقة ...
حررت بمدينة الرباط في ١٤ محرم سنة ١٤٦٣ - ١١ يناير سنة ١٩٤٤.
توقيعات ممثلي الشعب
هذه هي الوثيقة التاريخية، التي أعلن فيها الشعب المراكشي رغبته في انتهاء عهد الحماية، وبداية عهد الاستقلال، وإذا كان الفرنسيون في مراكش لا يعرفون معنى لكون الشعب، هو مصدر السلطات، فسيعرفون غدا أن إرادة الشعب، فوق إرادة الطغيان، وأن هذه الوثيقة التي هي شرعية اليوم، ستصبح نافذة غدا لأن وراءها إرادة الشعب وإرادة ملك البلاد ...
إن علاقة مراكش مع فرنسا، مبنية على أساس جائر خاطئ منذ اليوم الأول، صحيح أن معاهدة الحماية، تحمل توقيع السلطان عبد الحفيظ وممثل فرنسا، ولكن يجب أن نعرف أن السلطان، اضطر إلى توقيعها بعد أن احتلت الجيوش الفرنسية البلاد، وأصبح في استطاعتها أن تملي بنود المعاهدة إملاء، ولم يكن في استطاعة السلطان المحاصر غير القبول، وهذا الإكراه يفقد المعاهدة، صفتها القانونية، وهي: بقطع النظر عن الظروف الشاذة، التي أملتها، لا يمكن أن
стр. 324
تكون أساسا صالحا، تقوم عليه العلاقة بين دولتين، وهي تعبر عن قصر في النظر ونجده دائما في السياسة حينما يمليها الجيش وينفذها العسكريون.
فليس من الغريب أن يكون، عمل فرنسا في مراكش منذ أن أكرهتها حرابها على إمضاء هذه المعاهدة، في ٣١ مارس سنة ١٩١٢، سلسلة من الأخطاء، تفضي حلقة منها إلى حلقة حتى تصل إلى السنة الحالية. فالنظام الذي تخضع له مراكش، نظام لا يمكن أن ينتج إلا الصدام بينها وبين الفرنسيين، فقد ألغوا هيئة إدارية فرنسية، إلى جانب الحكومة الوطنية الشرعية، وأعطوا لهذه الهيئة الحق في أن تتصرف كيف تشاء - ووضعوا زمام الجيش في يدها. وهكذا فقدت الحكومة الوطنية القدرة على التصرف، إزاء هذه الهيئة التي يسندها الجيش. وحيثما أنست الهيئة من نفسها قدرة التحكم بدأت تظهر نتائجها المروعة، فإذا بالبلاد من أقصاها إلى أقصاها، تعيش في ظل جاسوسية غريبة، فقد أنبث أعوان الهيئة في كل الأرجاء حتى أصبح مجرد الحياة عبثا لا يطاق، واستولت الهيئة على أموال الأوقاف الضخمة وممتلكاتها الكبيرة. وبدأت تستغلها في سبيل تنمية ثروة الجالية الفرنسية، وأضاف إلى ذلك أنها خلقت سياسة عنصرية، وبدأت تقسم البلاد إلى مناطق صغيرة تضرب حول كل منطقة، منها سياجا من الحراب، وأصبح المراكشي في بلاده، لا يملك حتى التنقل فيها إلا بجواز سفره وأرادت الهيئة أن تحول بين الشعب، وبين التطور فخلقت ما سمته "مصلحة الآثار".
ومهمتها الإشراف على البلاد، بحيث لا تسمح بإحداث أي تغيير في أسلوب الحياة، وبحيث تظل مراكش متحفا للآثار! ثم ساعدت الهيئة أفراد الجالية الفرنسية بالقوة على احتلال أراض شاسعة فيحاء، بحيث تصبح مقادير البلاد الزراعية بعد مرور وقت كاف في أيدي زمرة من الرأسماليين الفرنسيين يحكمون كيف شاءوا في حياة مراكش اليومية، دون أن يكون لهم غرض سوى امتصاص دم شعب، لا ينتمون إليه ...
стр. 325
وضربت بيد من حديد على كل ما ينتمي إلى الحريات العامة، فليس في مراكش شيء يسمى حق التعبير عن الرأي، ولا بد من رقابة الهيئة، على كل مطبوع، مهما كان تافها قل النشر، والاجتماعات العامة محظورة بصفة باتة، بقرار من الهيئة، وحتى حرية العبادة نفسها، أصبحت مهددة بعد أن أصدرت الهيئة قرارا، يقضي بالشروع في تنصير سكان جبال الأطلس، والاستحواذ على مقاليد التعليم في مدارسهم، وتحويل قانونهم عن القانون الإسلامي العام. وهكذا أصبح القانون يتغير في مراكش بحسب المناطق، وضاعت وحدة البلاد القانونية، كما ضاعت وحدتها السياسية: إذ أن معاهدة الحماية السالفة الذكر، تقضي بتقسيم مراكش إلى منطقتين، واحدة كبرى تحميها فرنسا في الجنوب، وأخرى صغرى تحميها إسبانيا في الشمال، ثم اقتطعت من البلاد منطقة ثالثة سنة ١٩٢٣، هي مدينة طنجة وضواحيها. يضاف إلى هذا، حكم الإرهاب المنتشر في البلاد، حيث يساق الناس إلى المقصلة، وإلى المنافي القاحلة، في غرب إفريقيا السوداء، وصحرائها الجرداء، ويفرج عن فوج من الشباب ليساق إلى السجن بدله فوج آخر.
هذا هو الجو الذي تعيش فيه مراكش، وليس من الغريب أن لا يعرف العالم الخارجي الديمقراطي، شيئا مطلقا عما تقاسيه، لأن الهيئة الحامية، ضربت حولها حلقة من حديد، لا تتسرب منها الأخبار، وليس من الغريب كذلك، أن يرفع الشعب المراكشي، في هذا الظرف صوته مطالبا بالاستقلال، مؤيدا الوثيقة المعبرة عن أمانيه بالرغم من الخطر المستطير الذي يتهدده بسبب هذه المطالبة.
كما أنه ليس من الغريب، أن ينظر جلالة الملك المعظم محمد الخامس إلى هذه المطالبة، بعين العطف والرعاية، ويرى أن لشعبه الحق، بعد كل ما عاناه، في أن يعبر عن إرادته، ذلك أن عينه الساهرة، على مصالح شعبه، تجعله يؤيد كل ما يؤدي إلى الرفاهية العامة، ويرفع عن الناس، كابوس الظلم والاضطهاد. وقد رأى القوة إلى جانب الفرنسيين، ورأى الحق إلى جانب شعبه، فآثر أن ينضم
стр. 326
صوته إلى جانب الحق، وإلى جانب الشعب، وهكذا رفع الشعب المراكشي كله، الملك، والحكومة، والأمة، صوته باسترجاع حقوقه المسلوبة.
وقد اتهم الفرنسيون زعماء هذه الحركة، بأنهم من أنصار الفاشية لكي يشوهوها في عيون الرجال الحلفاء، فاضطروا إلى محاكمتهم - محاكمة عسكرية - ومع ذلك صدر الحكم ببراءتهم. وليست هذه أول تهمة توجه إلى رجال الوطنية في مراكش، وقد اعتاد الفرنسيون، أن يتهموهم بمثل هذه الاتهامات.
وقد هال الشعب ألا يكون لهذه المطالبة، أي اعتبار لدى الهيئة الحامية، فبدأ سكان البوادي، يتوافدون على المدن، وبدأ الشعب يتوافد على القصر الملكي، في جموع غفيرة هاتفة باسم الحرية والديمقراطية، وهناك نسي الفرنسيون بلادهم المحتلة، ووجهوا جيوشهم نحو الشعب المراكشي الأعزل، فحاصروا تلك الجموع، وبدأ رصاصهم يحصد الشعب حصدا. وقاست مراكش الشهيدة شهرا داميا، اختلطت فيه الدماء بالأشلاء. فلما انجلت العاصفة، انجلت عن مقابر مئات من الشهداء. وأنين مئات من المشوهين، وعن شباب حر يرسف في الأغلال!! ..
عن مجلة، الإخوان المسلمون العدد ٦٤
المغرب العربي والصهيونية
يحاول الاستعمار الفرنسي في المغرب، قطع كل صلة بين المغرب وبين البلاد العربية والإسلامية، ويقيم في سبيل ذلك ستارا حديديا، فهو يأبى أن يتبادل عرب شمال إفريقيا، مع إخوانهم العرب والمسلمين في مختلف البلاد، الصلات المادية وغير المادية، ويحاول قطع الصلات الروحية، والشعور بالأخوة، واتحاد الغايات، وتقارب المقاصد.
ولكن هذه المحاولات، لا تجد لها سبيلا، أمام إيمان المسلمين، في شمال إفريقيا، بعروبتهم، وإسلامهم، واعتزازهم بقوميتهم، التي يشتركون فيها مع إخوانهم العرب والمسلمين، في الشرق.
стр. 327
ولقد اتخذ الاستعمار الفرنسي، في محاولاته هذه وسائل كثيرة منها:
الصهيونية: فلقد عمدت فرنسا في محاولتها القضاء على القومية العربية الإسلامية، في شمال إفريقيا، من ناحية، وإلى قطع صلة المغرب بالشرق، من ناحية أخرى إلى وسيلة من بين الوسائل التي استعملتها: وهي تأييد الصهيونية، في المحيط الدولي، وتقويتها، ومساعدتها في شمال إفريقيا.
فأقام الصهيونيون في شمال إفريقيا، عدة مؤسسات هامة، فلهم في الجزائر صحف كثيرة، أبرزها جريدة تسمى "النداء" وفي تونس جريدة "لاجازت دي إسرائيل" و"النهضة اليهودية" و"صوت إسرائيل" وفي مراكش كذلك، كل هذه الصحف، تنطق بالمبادئ الصهيونية، وتترك لها الحرية كاملة، في الوقت الذي تمنع فيه الصحف، والكتب العربية، من دخول المغرب، كما يمنع إصدار الصحف العربية، ويضيق الخناق على ما يصدر منها، وصرح للصهيونيين بإنشاء منظمات، كصندوق الإغاثة اليهودي، والكشافة لليهودية، وهنا وجد المسلمون في شمال إفريقيا أنفسهم أمام عدو لهم من ناحيتين: الأولى - أن الصهيونية، سلاح من الأسلحة، التي يستعملها الفرنسيون، للقضاء على قوميتهم، وتنفيذ خططهم الاستعمارية، والثانية - أن الصهيونية تريد أن تنتزع، من إخوانهم عرب فلسطين وطنهم، وإيجاد سرطان يسري بعد ذلك في البلاد العربية الأخرى. فعولوا على محاربة الصهيونية، وتأييد إخوانهم عرب فلسطين بمختلف الوسائل.
بدء الحرب: لما نشطت هذه المنظمات الصهيونية للعمل، وذلك قبيل الثورة الفلسطينية، عام ١٩٣٦، وأرادت جلب محاضرين لنشر المبادئ الاستعمارية والصهيونية، قام الشباب بإفساد الاجتماعات التي عقدت من أجل ذلك، فعمد الصهيونيون، إلى عرض أفلام الدعاية، بسينما "الكوليزية" بتونس، فما كان من الشباب التونسي، إلا أن تظاهر ضد المسألة، ووقع اصطدام بينه وبين الشباب
стр. 328
اليهودي، حتى أجبر الحكومة على وقف عرض الفيلم، ولما قامت الثورة في فلسطين، تألفت في أنحاء المغرب العربي، لجان لجمع التبرعات، لمساعدة الثوار، فلم تستطع الحكومة الوقوف في هذه السبيل، لشدة تحمس الأهالي، إلا أنها كانت تعمل على انتهاز أية فرصة للحد من هذا النشاط، والقضاء على كل أثر لتعاون المسلمين في المغرب، مع إخوانهم في فلسطين أو أي بلد عربي أو إسلامي.
الثورة التونسية: ولما قامت الثورة في تونس، ضد الاستعمار الفرنسي، جندت الحكومة الفرنسية، كل ما عندها من الوسائل للقضاء عليها، ومعاقبة رجالها أشد العقوبات، وقبضت على كثير من الشباب وقدمتهم للمحاكمة، وكان بين التهم التي وجهت إليهم تأييدهم لقضية فلسطين، حتى قامت الحرب الأخيرة.
في المرحلة الأخيرة: ولما بدأت القضية الفلسطينية تأخذ دورها الأخير، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تحرك المغرب العربي لتأييدها، والوقوف في وجه الاستعمار الصهيوني، فقامت الصحف العربية بحملاتها على الصهيونية، وتكونت لجان الدفاع عن فلسطين، تضم قادة الرأي في المغرب العربي، ونشطت الأحزاب المغربية، على اختلاف نزعاتها، لتأييد القضية الفلسطينية. وبدأ العرب بالمغرب في مقاطعة البضائع الصهيونية، وتعمل الهيئات واللجان والأحزاب، في شمال إفريقيا الآن على جمع التبرعات، لإنقاذ الأراضي الفلسطينية، ومساعدة العرب، وتجنيد الشباب للتطوع من أجل الجهاد في فلسطين، إلا أن الحكومة الفرنسية، مازالت ماضية في سياستها، التي تؤيد فيها الصهيونية، بل أنها قد سهلت للصهيونيين، وسائل الهجرة لفلسطين فعلى الحدود، بين مراكش والجزائر، في "وجدة" يقوم الصهيونيون بتهريب المهاجرين إلى الشرق، وكذلك على الحدود، بين طرابلس وتونس، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى فلسطين إما عن طريق اجتياز مصر أو عن طريق البحر إلى فلسطين.
стр. 329
المغاربة في الخارج: هذا بالنسبة لما يقوم به عرب المغرب إزاء الصهيونية، في داخل البلاد، أما المغاربة في الخارج، فإنهم يقومون بأعمال كثيرة، من أجل فلسطين، فعند قدوم لجنة التحقيق الإنكليزية - الأمريكية، في العام الماضي، تقدم إليها الأستاذ الحبيب "بورقيبة" نائبا عن شمال إفريقيا، وأعلن لديها، تأييد المغرب العربي لفلسطين، وبين خطورة إقامة وطن قومي لليهود على أرض العرب.
وعلى إثر قرارات الجامعة العربية الأخيرة، تلقت الجامعة تأييدا من المسلمين في شمال إفريقيا وخارجها، وأصدر مكتب المغرب العربي، في القاهرة بيانا قال فيه:
لقد دقت ساعة الحربة، في فلسطين، وهذه هي الجيوش العربية المظفرة، تطوقها من كل مكان، وهذه الجيوش الباسلة، مستعدة لامتشاق الحسام، للكفاح في سبيل إنقاذ جزء من العالم العربي مهدد بخطر الصهيونية، ولا يقل عرب المغرب، تضامنا مع فلسطين عن عرب الشرق، ولولا الاستعمار الفرنسي، لكانت جيوشنا في طليعة الجيوش العربية الزاحفة نحو هذه البلاد ...
وقد أعلن شباب المغرب في مصر، استعدادهم للتطوع في جيش فلسطين، أما في فرنسا والمغاربة هناك يكونون الجالية الكبيرة، فقد ألفوا من بينهم لجانا للدعاية للقضية الفلسطينية. بل أنهم كثيرا ما يذهبون إلى الاجتماعات التي يقيمها اليهود لتأييد الصهيونية ويفسدونها، هذه صورة من الصور المحبوبة. خلف الستار الحديدي الذي تقيمه فرنسا حول أقطار المغرب، تبين مقدار إيمان العرب في شمال إفريقيا، بالوحدة العربية، والأخوة الإسلامية.
فمتى يتحطم هذا الستار المظلم، الذي تقيمه فرنسا، ومتى ينقشع ظلمها الوحشي حتى يظهر للعالم أي حيوية وقوة وصلابة في رجال المغرب العربي المسلمين.
عن مجلة الإخوان المسلمون العدد ٥٨ - ٢٢ نوفمبر سنة ١٩٤٧.
٩ محرم سنة ١٣٦٧.
стр. 330
لكم أيها المجاهدون في ليبيا
أخت الجزائر أسوة حسنة
قضى الشاطئ الصامت ليلته يتوجس، وطلع الصبح عليه، كما كان دائما من قرون، لجة زرقاء تداعب الرمل الأصفر اللانهائي، إلا عيون قلقة رابضة فوق الكثبان ترقب أشباحا ضخمة سوداء، تتراءى على الأفق حينا وتختفي ...
في ذلك الوقت من سبتمبر ١٩١١ تنتهي المدة التي حددتها إيطاليا في إنذارها الذي وجهته الدولة العلية في القسطنطينية. والباب العالي صامت لا يرد، حقا أن الأزمات تنتابه وأنه ليترنح، ولكن لا أحد يجرؤ على القول بالتفريط في ليبيا.
وما كان أشبه إيطاليا في ذلك الوقت بالطفل الأحمق، الذي يضج ويصرخ ويضرب الأرض بقدميه، حين يريد شيئا، فهي تملأ الدنيا كلاما عن مطالبها المشروعة في ليبيا، وتلجأ في ذلك إلى الطرق المسرحية التي لا تتقن غيرها، كأن تكون فرقة من الجنود تسميها الفرقة الطرابلسية، تلبس جنودها السراويل الواسعة والطراطير الضخمة، ويسير الجند في ملابسهم الكرنفالية في شوارع روما، بين هتاف الجماهير، وتترى على الباب العالي أنباء الاستعداد الضخم للحرب في إيطاليا، فترتعد فرائصه، دون أن يحير جوابا.
واعتقد الجبان أنه خلا بأرض ...
ومن نهار آخر على الشاطئ الصامت، والعيون القلقة تترقب، والأشباح الضخمة السوداء تظهر وتختفي.
وأوشكت الشمس أن تغرب، وإذا بهذه الأشباح السوداء تقترب وتنجلي من بوارج ضخمة شاكية السلاح، وبغير مقدمات يهتز الشاطئ هزات
стр. 331
شديدة إذ تسقط عليه القنابل الأولى، التي قذفها الأسطول الإيطالي على بنغازي ... وتختلط بأصوات القنابل، أصوات السكان الآمنين.
وسرت الأنباء في الصحراء مسرى الكهرباء .. وقد حملتها الركبان فيما حملت إلى زاوية القصور .. ووقف شيخ الزاوية - وكان كهلا بارح الخمسين - يسمع للأنباء الدامية، ثم يطرق برأسه ينكت الرمل ويفكر.
كان السيد عمر المختار شيخا لزاوية القصور، من قبل السيد محمد المهدي السنوسي أمير برقة.
كهل في السادسة والستين من عمره، قد ضمرت قامته، وابيضت لمته ولحيته، يخاله الناظر إليه محطما منهوكا لا يقوى على شيء، حتى يرى بريقا في عينيه ما زال نفاذا ..
فقير إلا من غني النفس، يلتف بعباءته البيضاء من وبر الإبل. . وينتعل خفا بسيطا، أما أعصابه ففيها عزم يزعزع الرواسي، وأما ذهنه فليس فيه إلا أمر واحد لا يعرف سواه: الاستشهاد في ميدان الشرف، والجنة بعد ذلك عاقبته ومثواه.
الجبل الأخضر
هو جنة ليبيا، وأثمن ما في أرضها، يقع في قلب برقة وعلى مقربة من الساحل، رقعة شاسعة من الخضرة الكثيفة، عامرة بأشجار الصنوبر والزيتون، وأنواع الغار والآس، والزهور الوحشية الملونة والأعشاب المخضرة التي لا تترك من الأرض بقعة عارية، تتخلل كل ذلك عيون ثائرة، تتفجر في قسم الهضاب، ثم تنحدر على سفوحها جداول ونهيرات جارية.
وعلم سكان الصحراء بوصول عمر، فتقاطروا عليه من أبعد بقاع الصحراء، فلم يلبث أن تجمع لديه جيش قوي ممن باعوا أرواحهم بالجنة، فقسمهم فرقا
стр. 332
منظمة لكل فرقة قائدها من أبرز الفرسان، كالفضيل أبو عمر وحسين بن مفتاح، وكان شعور الطليان بقوة هذه الجماعة سريعا، حين بدأت تهاجمهم في معاقلهم الساحلية وتكبدهم أفدح الخسائر.
وأرسل الحاكم الإيطالي إنذارا نهائيا إلى عمر المختار، ملأه بالترهيب والترغيب، وحدد لانتهائه سبعة أيام، فرفضه السيد عمر رفض الكرام.
وقبل مضي الأيام السبعة نظم الجيش الإيطالي هجوما عاما، على مواقع العرب في الجبل الأخضر، فردهم المجاهدون مدحورين.
حرب السنين السبع
يقول الجنرال غرازياني قائد الجيوش الإيطالية في برقة: أنه خاض ضد المختار مائتين وثلاث وستين معركة في مدة لا تتجاوز عشرين شهرا، وعنى هذا الأساس نستطيع أن نقدر قسوة النضال الذي تحمله عمر المختار سبع سنوات ..
الحصار
لقد غدا الجبل الأخضر بندقية صعبة الكسر، وعمر المختار لا ينهزم في صدام قط، والمال والعتاد الذي يأتيه من كل ناحية، يزيده في كل يوم قوة وشأنا، فليس أمام الطغيان المميت، إلا العودة إلى حديث المفاوضات.
وسير الطليان وجنودهم إلى الواحات البعيدة، فأخذت تتساقط في أيديهم جغبوب وأوجله وجالو، وفزان، والكفرة، وغيرها حتى أحاطوا بالمختار إحاطة السوار بالمعصم.
وكانت الخيانة تسبقهم، فتفتح لهم الواحات والقرى، قبل أن يشهروا سيفا، أو يطلقوا طلقة واحدة.
стр. 333
أما المفاوضات، فالواقع كانت تتصل وتنقطع طيلة السنين السبع.
وأكثر الإيطاليون من إرسال المندوبين والمفاوضين إلى السيد عمر، ولم تكن هذه المفاوضات تسفر عن شيء بل كانت تقطعها دائما غضبة من السيد عمر، لكلمة أو إشارة تصدر عن المفاوض الإيطالي، يفهم منها معنى التعالي والازدراء.
وسعى إليه المارشال بادوليو، مرة بنفسه، والتقى الطرفان في سيدي رحومة، بين جمع من المشايخ العرب وقواد الإيطاليين، واتفقوا على شروط حملها معه بادوليو ليحصل على موافقة حكومته عليها.
وذهب باديليو ولم يعد، فأرسل السيد عمر مندوبا من قبله، هو الحسن بن رضا السنوسي، فعاد إليه الحسن يحمل شروطا ظنها ترضي المختار، إذ تعهدت له فيها الحكومة الإيطالية، بمعاش قدره خمسين ألف فرنك في الشهر، وبناء بيت ومسجد ومأذنة، فلما اطلع السيد عمر على هذه الشروط، قال للحسن: غروك يا بني بمتاع الدنيا الفانية ورضيت بهذه الشروط المزرية.
وبعد زمن أغارت الطائرات الإيطالية، على الجبل الأخضر، تقذفه يالقنابل .. مكان قض الهدنة، وأذاع المختار منشورا يعلن فيه استئناف الثورة.
المستميت لا يموت
حين خرج المارشال باديليو من عند المختار قال عنه: إنه رجل مرتاح الضمير، قرير العين بما هو فيه.
عاش المختار هذه السنين الحالكة في هدوء نفس وراحة ضمير، وهو بهذا الهدوء وهذه الراحة، كان يقود ثلاثة آلاف من قومه بأسلحة بدائية، ضد ثلاثين ألفا من الأعداء، وكان أبناؤه يقتلون، فيرسل إلى المعمعة أحفاده، وكان أعداؤه
стр. 334
يحيطون به ويمنعون عنه كل طعام أو سلاح، فلا يزيده الجوع أو العري إلا قوة وإصرارا، وكان هو الشيخ الذي قارب الثمانين، لا يترك سلاحه ما دام هناك قتال، ويقذف بنفسه في مقدمة الصفوف، ويتبعه الأحرار، فلا يلبث شمل الأعداء أن يذهب بددا، وكان يصيبه المرض أحيانا، وتشتد به الحمى والقتال ناشب، فيربط نفسه إلى جواده بالحبال حتى لا يقع، وينطلق إلى الساحة مستميتا فلا يموت.
وآية صفاته، أنه كان يخرج بين رجاله في دوريات مسلحة، كأي جندي بسيط، تطوف بالأرض الحرام، وتشتبك مع من تصادف من الأعداء، وكان آخر خروج له في ١٧ سبتمبر ١٩٢١، فبينما كان يسير مع رجاله، إذ فوجئ بفرق إيطالية تحيط به من كل جانب، وكانت خطة مدبرة، ودارت رحى القتال الأخير، وقاتل عمر المختار قتال الأبطال، وأصابت إحدى الطلقات جواده فخر صريعا، وسقط المختار من فوقه على وجهه، وهو يريد أن ينهض فرأته ثلة من الجند الإيطاليين فتكاثروا عليه وأسروه.
وفي اليوم التالي، أجريت له محاكمة سريعة، وقال البلاغ الإيطالي: أنه اعترف بجميع التهم التي وجهت إليه، ترى ما هي هذه التهم؟ ..
أنه كان يدافع عن وطنه ضد العدوان، وأنه ضحى بأبنائه وأحفاده في سبيل حرية الوطن، وأنه فضل الموت على الضيم.
نعم لقد كانت هذه تهمه، وقد اعترف بها جميعا، فصدر الحكم بالإعدام.
وجمع الطليان في الصحراء جمعا كبيرا من العرب الأسرى ... علقوا في الفضاء مشنقة لفوا حبلها حول عنق الشيخ الشهيد.
وسقط الجسد الفاني على الرمل بلا حياة، وصعدت الروح النبيلة، في طريقها إلى الجنة
стр. 335
وقال شوقي يرثيه:
في ذمة الله الكريم وحفظه ... جسد ببرقة توسد الصحراء
لم تبق منه رحى الوقائع أعظما ... تبلى ولم تبق الرماح دماء
كرفات نسر أو بقية ضيغم ... باتا وراء الساقيات هباء
بيروت المساء عدد ١٩٢٨ - ٢٧ مارس سنة ١٩٥٦
نصيحة غالية
من حضرة صاحب السعادة، مصطفى بك مستشار جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، إلى إخوانه وأبنائه في إفريقيا الشمالية.
وإني أنصح لأبناء المغرب العربي نصيحة من خبر الحياة حلوها ومرها، أولا: أن ينفوا التحاسد فيما بينهم البتة. ثانيا: أن لا تلهيهم القشور عن اللباب، وأن لا تصرفهم الأسماء اللامعة عن الحقائق الخالدة، فالحرية مثلا ما أحلاها، والاستقلال ما أجله، ولكن منهما ثمن لا بد منه، والثمن هو الاستعداد، فنصيحتي لكم إذا أن تستعدوا عمليا واقتصاديا واجتماعيا، حتى تكونوا بالفعل أهلا للحرية والاستقلال، ويومئذ تسمع الدنيا لمطالبكم وتخطب ودكم والعزة للعاملين.
مصطفى بيرم مستشار الجبهة
في سبيل فلسطين
أرسلت الجبهة هذه المذكرة إلى جميع الدول العربية المتحالفة
حضرة صاحب ...
بعد التحية والاحترام ترجو جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بمصر رفع المذكرة الآتية لحكومتكم الموقرة مع الشكر الجزيل.
стр. 336
إن ثلاثين مليونا من أخلص العرب في إفريقيا الشمالية، يعدون فلسطين جزءا من وطنهم العربي الكبير، بل يعدونها بمثابة القلب من سائر الجوارح، لما تنطوي عليه من المعاني المقدسة لهم، وأن كل أذى يتجه إليها يحسون بأثره، ويذمرون بألمه قبل سكان فلسطين أنفسهم، وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بمصر، التي تعبر عن إحساسات هذه المجموعة المحترمة، ترى في قرار لجنة التحقيق الإنكليزية والأمريكية افتياتا على حقوق العرب في فلسطين وعدوانا صريحا على كرامتهم فيها، وأن عنصر الهوى في القرار الجائر هو الدفاع الأول والأخير.
وترى الجهة أن أي محاولة لتنفيذه، تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من العواقب الوخيمة، أهمها تعرض السلام العالمي إلى الخطر مرة أخرى، ودون ذلك تضيع صداقة العرب والمسلمين في جميع أقطار الأرض. تضييعا ينتهي بهم إلى اليأس، من أنصاف من ينتسبون إلى الديمقراطية. ثم الميل إلى جانب آخر مضطرين.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
عن المصري ١٢ - ٢ - ١٩٤٥.
السكرتير: الفضيل الورتلاني
المأساة الخطيرة في إفريقيا الشمالية
"أيها العرب الكرام هل ترضون بانسلاخ ثلاثين مليونا من قوميتكم"؟
والله إنها لكارثة الأندلس، تعود مرة ثانية إلى الظهور، على مرأى ومسمع من العرب، وعلى مرأى ومسمع من العالم المتمدن، الذي ذاق الأمرين في هذه الحرب الضروس من جراء هذا النوع من الطغيان، والذي يعمل جاهدا على إيجاد سلم عالمي عام.
اسمعوا! اسعوا! أيها المسؤولون جميعا! أن الفرنسيين دأبوا يعملون على محو العروبة والإسلام في بلاد الجزائر بكل أنواع اللؤم والقساوة، واصطنعوا في سبيل
стр. 337
ذلك كل وسائل الترهب والترغيب، وارتكبوا أشنع الفظائع وأحقرها، وصحب ذلك مع كل المراحل فيما مضى الفشل الذريع، والمقت الكبير. ولكنهم اليوم باتوا يعتقدون أن الضربة القاتلة، هي وحدها التي تنهي الموضوع لمصلحتهم، فقرروا:
أولا - أن يسرعوا إلى إدماج إفريقيا الشمالية كلها في فرنسا بما فيها تونس ومراكش، على رغم أنف أهلها وأنف بني عمومتها.
ثانيا - الإسراف في الترهيب إلى حدود الوحشية، وفي الترغيب إلى حدود الملائكية، أما الأول فبالتقتيل، والتعذيب، والتجويع، الخ. وأما في الثاني فبما يزعمونه من إعطاء المساواة المطلقة مع الفرنسيين لأبناء هذه البلاد، فإن كان سلاح الإرهاب ظاهر التأثير فإن سلاح الترغيب أخطر منه، لأن الرجل الذي يقاسي عذاب الجحيم، ثم يعرض عليه ما يشبه ظاهرة الجنة، لا يتردد مطلقا في أن ينتقل من ذلك الجحيم إلى تلك الجنة.
والجديد الخطير أن مجلس الوزراء الفرنسي، قد شرع فعلا في العملية الجراحية، فأصدر أمرا من يومين كما روته الجرائد اليومية، بسلخ ٨٠٠٠٠ من الصفوة الممتازة في الجزائر من الجنسية العربية إلى الجنسية الفرنسية. على أن يوالوا هذا السلخ حتى تتم العملية في جميع بلاد إفريقيا الشمالية، كل ذلك يتم في الوقت الذي عبأوا فيه كل طائراتهم، ودباباتهم، ومدافعهم، يقتلون بها عشرات الألوف من الثائرين والمعارضين. وعبأوا كل محاكمهم العسكرية لتقضي بالإعدام على الأعيان والزعماء، وفي الوقت الذي تمسك الأقوات الضرورية عن الأهالي وتصادر ما في أيديهم ليموتوا جوعا، وفي الوقت الذي يأخذون سلطان مراكش، وباي تونس ووفدا من كبار الجزائريين تحت تأثير هذا الإرهاب إلى باريس، لتجعلهم في قفص من ذهب، ثم تفعل في شعوبهم ما تشاء، وتقول على ألسنتهم ما تشاء، وفي الوقت الذي ضربت فيه الحصار على هذه البلاد، فمنعت منها
стр. 338
وعنها كل خبر، حتى تتم هذه المؤامرة الإجرامية، في غيبة عن العالم المتمدن، ولتزعم بعد ذلك أن الأمر قد تم برضى أهلها، هذا بعض ما هنالك من إجرام الفرنسيين، وذلك هو غرضهم الخبيث.
واليوم بل الآن، وفي هذه الدقائق السريعة، ماذا يقول العرب وماذا يقول
المسلمون؟ وماذا يقول الديمقراطيون والمسؤولون عن الأمن في العالم؟ أن التاريخ لينتظر كلمتكم السريعة الحاسمة.
الكتلة وغيرها ٩ - ١١ - ١٩٤٥.
الفضيل الورتلاني
فرنسا والعالم الإسلامي
نشرت جريدة (الأهرام) برقية (لرويتر) لخصت فيها رسالة لمراسل المنشستر جاردين في باريس يقول فيها: "إنما كانت فرنسا في العالم الإسلامي، هي موضوع الاهتمام من كل حكومة فرنسية، لأن هناك إثني عشر مليونا من المسلمين في شمالي إفريقيا تحت لواء فرنسا، وسوادهم من الناطقين بالضاد، وإنما شمالي إفريقيا لا يعد عضوا حيويا في كيان الوحدة الفرنسية، وإذا صحب خروج فرنسا من سوريا شيء من المهانة لقدرها، فسيكون لهذا الحدث أعظم تأثير في مستقبل فرنسا.
وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، ترى في هذا الكلام مواطن تحتاج إلى شيء من البيان، فالبلاد التي توجد فيها فرنسا الآن بشمالي إفريقيا، يسكنها نحو ثلاثين مليونا من العرب المسلمين، لا إثنا عشر مليونا، والجزائر وحدها يبلغ تعدادها الآن نحو أحد عشر مليونا، والمغرب الأقصى يزيد تعداد أهله على أربعة عشر مليونا، وتونس لا يقل عدد سكانه عن ثلاث ملايين، ودعوى المراسل أن هذا الشمال الإفريقي يعد عضوا حيويا في كيان الوحدة الفرنسية، ينقضها كون كل من المغرب الأقصى، وتونس له حكومة مستقلة، أعرق قدما من كثير من المماليك
стр. 339
القائمة الآن، ومركز فرنسا القانوني فيها يناقض وصفها بأنها عضو حيوي في كيان الوحدة الفرنسية، وكذلك الجزائر، تعرف لنفسها كيانا قوميا ومليا، ولها أماني تتعلق بحياتها القومية، ومن الكرامة لفرنسا، مجاراة هذه الحقائق، لأنها أصبحت من روح العصر، وإليها تتجه مستقبل الأمم، وبها توزن الكرامة والمهانة في نظر أبناء الجيل الحاضر، وأن فرنسا، التي تعتز بمالها في تاريخ الحرية من صفحات وأعمال، إنما تستكمل تاريخ عزتها بمجاراة روح العصر، القائمة على مبدأ الاعتراف بحقها في الحياة.
الأهرام ٧ - ١ - ١٩٤٦
برقيات مختلفة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية
سيجد القارئ طائفة من البرقيات، منشورة في صفحات هذا الكتاب، متباعدة هنا وهناك، وهي مما أرسله الأستاذ الورتلاني إلى عدة جهات، في مناسبات مختلفة، في هذه الفترة القريبة، ولعلها لو كانت مجتمعة ومتصلة بعضها ببعض، لكان أحسن، وبين أيدينا طائفة أخرى من البرقيات، منشورة في العدد الخاص من مجلة النذير، وهي مما أرسلته جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى عدة جهات مختلفة، في مناسبات متعددة، وفي فترة ما بين ١٩٤٥ وسنة ١٩٤٦، وهي جميعا باسم رئيس الجبهة السيد محمد الخضر حسين والسكرتير الأستاذ الورتلاني أو باسم إحداهما دون الآخر في بعض الأحيان، ونحن ننشرها هنا متصلة حاذفين الإمضاءات في الأخير، مكتفين بهذه الإشارة للمسؤولية والتاريخ، وليعرف القارئ شيئا من تطور قضية المغرب العربي، وليعرف أن أهلها لم يسكتوا يوما عن الشكوى من ظلم الظالمين، ولم يتأخروا منذ القدم عن تحديد حقهم في الحرية والاستقلال، وهذه هي البرقيات:
стр. 340
برقية الجبهة إلى أمين الجامعة العربية
حضرة صاحب المعالي، عبد الرحمن عزام باشا، الأمين العام لجامعة الدول العربية. بمناسبة عزمكم على السفر إلى أوروبا وأمريكا، ترجو جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، أن يكون لتونس، والجزائر، ومراكش، نصيب وافر من المجهودات
التي تبذلونها في خدمة القضية العربية، وللجبهة كبير الأمل في أن ترى من مساعيكم الموفقة، ما يؤكد الصلة بين أولئك العرب المسلمين، وبين جامعة الدول العربية، ويزيد حركتهم الوطنية، المتجهة إلى تحقيق الاستقلال نشاطا على نشاطها، ونرجو لكم النجاح، والسلامة، أينما حللتم.
إلى رئيس مؤتمر سان فرانسيسكو
حضرة صاحب السعادة، رئيس مؤتمر الأمم المتحدة، فرانسيسكو.
سعادة الرئيس:
سينعقد المؤتمر للنظر في تثبيت دعائم السلام العام، وتطهير العالم من اضطهاد الدول القوية، للدول الضعيفة. وأن في شمالي إفريقيا، تونس، الجزائر، ومراكش - ثلاثين مليونا من العرب، يلاقون من الاحتلال الفرنسي أشد العذاب، وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، ترجو من طموحكم العظيم، إلى إسعاد البشرية قاطبة، أن تتفضلوا بعرض قضية تلك الأقطار على المؤتمر، وأملنا كبير بأن المؤتمر سينظر إليها، بعين العدل، ويقضي بتحرير تلك الشعوب، وعدها في الشعوب الرئيسية، التي لا يستقر السلام إلا أن تكون مرتاحة لما يقرره المؤتمر. وستجد الدول الديمقراطية، من شهامة هذه الشعوب العربية، وقوتها الروحية، أكبر مؤازرة على تقرير السلام الشامل، إذا هي قدرت يقظتهم، وطموحهم، حق قدرها، وساعدتهم على حفظ كيانهم القومي، واستلالهم بالنظر في جميع شؤونهم.
أكتوبر ١٩٤٥ م
стр. 341
إلى هيئة الأمم المتحدة
احتلت فرنسا، تونس والجزائر ومراكش، منذ عشرات من السنين، ومرت في احتلالها، على أفظع ما يتخيل من الاستبداد، وما زال سكانها، وهم وارثو الحضارة العربية الأندلسية، يطالبون بحريتهم، فتزداد فرنسا إمعانا في اضطهادهم، وتلجئهم إلى الثورة عقب الثورة، حتى جاءت هذه الحرب، التي أذاقتها مرارة احتلال النازيين لبلادها، وكان المنتظر أن تأخذ ذلك عبرة، وتتخذ مع أولئك العرب الأبطال سياسة الانصاف، ولكنها تمادت في سياستها القديمة الجائرة، فهم اليوم يلاقون من التقتيل والتنكيل، والزج في السجون، ما تتفتت له الأكباد، وتثور له نفوس أنصار الحرية غضبا.
وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، ترجو من عواطفم الإنسانية أن تشملوا شمالي إفريقيا بعناية، وتعملوا لتخليصه من الاستعباد الفرنسي، حتى يتمتع بحريته، ويتصرف في شؤونه بنفسه، ويكون من الأيدي العاملة، لتحقيق السلام الشامل لبني الإنسان قاطبة.
٣ - ٨ - ١٩٤٦
إلى وزراء الدول الخمس
هذه برقية أرسلت إلى كل واحد من وزراء خارجية الدول الخمس: إنكلترا، أمريكا، روسيا، الصين، فرنسا.
بمناسبة اجتماعكم للنظر في مصير الشعوب، وأمامكم الهدف المثالي الذي هو دعاء سلام عام، تشعر به الأمم قاطبة، تذكر جبهة الدفاع عن شمالي إفريقيا، مؤتمركم الموقر، بأن في شمال إفريقيا: تونس، الجزائر، ومراكش - نحو ثلاثين مليون من العرب، سيشاركونكم في بناء السلام العام متى ساعدتموهم على التخلص من الاستعمار الجائر، وأصبحوا يريدون شؤونهم السياسية بأيديهم.
رجب سنة ١٣٦٥ هـ
стр. 342
إلى جلالة ملك شرق الأردن
جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا الشمالية، ترجو معاليكم، رفع تهانيها باسم ثلاثين مليونا لصاحب الجلالة الملك عبد الله، راجية منه عطفا سريعا على إخوانه في هذه البلاد، المهددين بالانسلاخ من القومية العربية.
إلى جلالة سلطان مراكش
حضرة صاحب الجلالة. مولاي محمد سلطان مراكش:
جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، تقدم لكم عظيم الاحترام، وهي تقدر الظروف التي دعت جلالتكم، لزيارة فرنسا في هذه الأوقات التي يتجه فيها العالم العربي، إلى الاحتفاظ بكيانه القومي والمالي، حق قدرها، وتعتقد أن جلالتكم ستنتهزون الفرصة، وتطالبون باستقلال مراكش حتى تتمتع بحريتها، ويمكنها أن تسير في حياتها السياسية والثقافية، والاقتصادية، مع الدول العظيمة جنبا لجنب.
جمادى الآخرة سنة ١٣٦٥.
إلى رئيس المجلس الاستشاري الفرنسي
سعادة رئيس المجلس الاستشاري ... باريس
بمناسبة ما تقرر من منافشة قضية إفريقيا الشمالية، في المجلس يوم ٣ يونيه، وما بعده. ترجو جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية تبليغ حضرات أعضاء المجلس ما يأتي:
إن الجبهة ترى من مصلحة شمالي إفريقيا ومن مصلحة فرنسا نفسها، أن تذكر المجلس بأن خير ما يحسن به المجلس لفرنسا الحديثة، العمل على كسب أصدقاء لها، وأن تكون عند الشجاعة الأدبية الكافية، لتحقيق، ما تكتسب به هذه الصداقة.
стр. 343
إن كل عربي في شمال إفريقيا، صار يؤمن بحقه في الحياة كإيمان كل إنسان حر في الدنيا، بهذا الحق، وأن الدماء التي بذلتها جنود شمالي إفريقيا، في سبيل الديمقراطية، قد آن لأولئك الجنود أن يجدوا ثمرتها في أمتهم، بما تنشده من حياة استقلالية عزيزة يعترف فيها، بثقافة الإسلام، ولغة العرب، وكرامة القومية، ومن الخير لفرنسا أن تبعد من دائرة تفكيرها، إدخال أولئك العرب المسلمين، في الجنسية الفرنسية، فإن ذلك يثير عليها غضب العالم العربي، بل والعالم الإسلامي على اختلاف قومياته، ولا يفوت المجلس، وهو ينظر في قضية عرب شمالي إفريقيا، أن يضع أمامه الطور الجديد، الذي ستتدخل فيه تلك الأمة العربية المستيقظة، إما بتعاون مع من يخلص في صداقتها، وإما بالاعتماد على قوة حقها، وبذل أقصى مجهود في سبيل حريتها غير منخدعة بالوعود طالما التي أعطتها السياسة الفرنسية بلسانها، وقبضت عن إنجازها، وغير مكترثة بتلك التهم التي يوجهها إلى زعمائهم، من يقصد تشويه نهضتهم البريئة.
جمادى الآخرة سنة ١٣٦٤هـ
من الأمين العام لجامعة الدول العربية
إلى جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية
حضرة المحترم الفاضل الأستاذ محمد الخضر حسين
رئيس جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية
أتشرق بأن أنبئكم أنني استلمت برقيتكم الكريمة المؤرخة ١٣ يناير سنة ١٩٤٦ م وأشكركم على جميل عواطفكم، وأتمنى لشمال إفريقيا كامل الحرية والاستقلال، نسأل الله لكم ولجميع العاملين لخير بلادكم، النجاح والتوفيق.
وتقبلوا تحياتي واحترامي ...
٢٣ صفر سنة ١٣٦٥ هـ
стр. 344
إلى أمين الجامعة العربية
"جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، ترجو معاليكم إبلاغ المؤتمرين للوحدة العربية، الآتي: أن ثلاثين مليونا من إخوانكم العرب بإفريقيا الشمالية، يقاسون أشد الاضطهاد، وينتظرون إسعافكم واشتراككم، في المباحثات العربية".
إلى رئيس الجمهورية السورية
حضرة صاحب الفخامة شكري القوتلي بك رئيس الجمهورية السورية قصر الزعفران مصر.
جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، تحيي فخامتكم، وتذكركم بثلاثين مليونا من إخوانكم العرب بإفريقيا الشمالية.
تهنئة الجبهة لسوريا بجلاء الجيوش المحتلة
حضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السوري
جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، تقدم لفخامتكم أخلص التهاني بجلاء الجيوش المحتلة الذي كان ثمرة جهادكم المتواصل. وقد حققتم بهذا الفوز العظيم آمال الأمة العربية والإسلامية في تحرير سورية العزيزة من الاحتلال الأجنبي الجائر، أدام الله عزكم وتأييدكم.
الاحتجاج على الاعتداء البريطاني
وأرسلت الجبهة البرقية الآتية إلى السفارة البريطانية في القاهرة ..
"جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية تستنكر عدوان جنودكم على الشعب المصري الأعزل المطالب بحقوقه بالطرق السلمية وتعد هذا اعتداء على الحرية التي قاتلتم، وقاتل المصريون والعرب في صفوفكم من أجلها".
الكتلة، المصري ٢ مارس ١٩٤٦
стр. 345
إلى مؤتمر الجامعة العربية في بلودان
حضرة صاحب المعالي عبد الرحمن عزام باشا، الأمين العام لجامعة الدول العربية بلودان - سوريا.
ترجو جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، من معاليكم، تبليغ تحياتها، ودعواتها بالتوفيق لحضرات المؤتمرين، راجية أن تكون قضية إفريقيا الشمالية في هذه الدورة غير العادية، محل عنايتهم الزائدة، جوابا على مضاعفة الفرنسيين الجهود لفرنسيتهم، فلقد انتظرنا كثيرا، وبلغ السيل الزبا، ووجب العمل لإنقاذ ثلاثين مليونا، يدفعون بقوة هائلة، للاندماج في غير العرب.
٩ رجب ١٣٦٩ - ٩ يونيه ١٩٤٦
إلى مؤتمر الملوك والرؤساء بانشاص مصر
أصحاب الجلالة والسمو والفخامة ...
بعد التحية والإجلال: إن هذا اليوم الخطير، فاصل بين تاريخين. وشاهد بين جيلين ففي إفريقيا الشمالية ثلاثون مليونا من أبطال العروبة، تعمل فرنسا بأعنف وسائل الاستعمار على سلخهم من جنسيتهم، وإدماجهم في العائلة الفرنسية، وأن لكل قلب من هذه الملايين المجاهدة من الأمل في اجتماعكم، والتطلع إلى الإنقاذ على أيديكم، أضعاف ما يأملون من جهادكم وبذل دمائهم، وتضحياتهم الغالية في عشرات السنين الماضية، فبادر بالنجدة لهذه الحصون العزيزة، حصون العروبة والإسلام، فلعل صيحة تجتمع عليها قلوبكم العظيمة، أمضى أثرا في الإنقاذ، من الدماء التي لم يبخلوا بها مدة قرن لم تنقطع.
جريدة الإخوان المسلمون ٢٨ جمادى الآخرة سنة ١٣٦٥ هـ
стр. 346
إلى جلالة سلطان مراكش
حضرت صاحب الجلالة مولاي محمد سلطان مراكش
بمناسبة عيد جلوس جلالتكم على عرش مراكش المفدى، ترفع جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بمصر، لسيادتكم الملكية، أخلص التهاني والولاء راجية مواصلة الجهاد للحرية والاستقلال.
إلى رئيس الجمهورية السورية الحرة المستقلة
حضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السورية ...
"جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، ترجو من فخامتكم بالنيابة عن ثلاثين مليونا من العرب المسلمين، أن تشملوا برعايتكم السامية العرب المغاربة الذين كانوا في الجندية الفرنسية، وانفصلوا عنها أيام تحرير سوريا، والتحقوا بالمجاهدين السوريين وأن تتفضل حكومتكم الموقرة فتمنحهم الجنسية العربية السورية".
١ - ١٢ - ١٩٤٦.
منع عقد مؤتمر طلبة إفريقيا الشمالية
احتجاج الجبهة على ذلك
حضرة صاحب الدولة، سير جورج بيدو رئيس الحكومة الفرنسية بباريس. بعد التحية والاحترام:
أذاعت شركة لوتر يوم ١٥ أكتوبر سنة ١٩٤٦. البرقية الآتية:
كانت جمعية طلبة إفريقيا الشمالية، عقدت النية على أن تقيم مؤتمرها السنوي، في هذا العام بمدينة رباط الفتح وهيأت له كل العدة.
стр. 347
وفي آخر لحظة، أبلغها المقيم العام التونسي بمراكش، "بلاغ منع" يحظر عليها عقد هذا المؤتمر دون أن يوضح لها الأسباب، وجبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بمصر تستنكر هذا العمل التعسفي، وتحتج عليه أشد الاحتجاج وتعده مخالفا لمقتضيات الديمقراطية الأولية التي تنادون بها، والذي ذهب الملايين من زهرة شباب الدنيا، ضحية الدفاع عنها.
في سبيل أندونيسيا
مطالبة الجبهة بالاعتراف باستقلالها
حضرة صاحب السعادة، وزير هولندا في القاهرة.
بمناسبة اجتماع هيئة الأمم المتحدة، واستمرار قيام حالة حرب استعمارية جائرة، بينكم وبين إخواننا الأندونيييين، ترجو جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بمصر، تبليغ حكومتكم استنكار ثلاثين مليونا من أهالي هذه البلاد، لتلك الحرب القائمة على الروح الرجعية المنبوذة، آملة أن تعترف باستقلالهم، محافظة على كرامتها وصداقة ٤٥٠ مليون مسلم في أقطار العالم.
المصري والكتلة ٢١ - ١ - ١٩٤٦
حضرة صاحب المعالي الأمين العام لجامعة الدول العربية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - وبعد:
فبمناسبة انعقاد مجلس الجامعة للدورة الخامسة، ترجو جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية بمصر عن المجلس الموقر أن ينظر لقضية إخواننا الأندونسيين الذين أعلنوا استقلال بلادهم، وأراقوا في سبيله دمائهم، وترى الجبهة أن انتصار الأندونيسيين هو انتصار الحرية نفسها، وأن أقل ما يجب على الحكومات العربية، الاعتراف بهذا الاستقلال الواقع، ليكون من السابقين الأولين في تأبيد قضية الحق والحرية، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
١٢ ذو الحجة ١٣٦٥ هـ. نوفمبر ١٩٤٦
стр. 348
رحلة أمين سر جبهة الدفاع
عن إفريقيا الشمالية
إلى الأقطار الشقيقة
أوفدت الجبهة أمين سرها العام الأستاذ الفضيل الورتلاني، إلى سوريا ولبنان، لإثارة الرأي العام فيها عن قضية المغرب العربي، بواسطة المحاضرات والصحافة، والاتصال برجال الحكم والنواب والزعماء والهيئات، فقام من القاهرة بالطائرة إلى دمشق في منتصف شهر شعبان ١٣٦٥، فقضى ما بين سوريا ولبنان نحو عشرة أيام، ثم عاد بالطائرة بعد ما قام بمهمته أحسن قيام، ولقي من رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والوزراء، والصحافة، والهيئات، من التكريم والتشجيع ما لا يستطيع القلم أن يوفي حقه من الشكر والثناء، ويسرنا أن نورد نبذة مما يتعلق بهذه الرحلة المباركة فيما يلي:
إسماعيل علي، مدرس بالأزهر، وعضو مجلس إدارة الجبهة
بيان أمين سر الجبهة إلى الصحف العربية
بمجرد وصول الأستاذ الورتلاني إلى البلاد السورية الشقيقة، أذاع النداء الذي نشرته جميع الصحف السورية في حينه:
أيها العرب الأمجاد باسم ثلاثين مليونا من إخوانكم المجاهدين في المغرب العربي أحييكم تحية أخوة وأمل وألم وجهاد، وأحمل إليكم عواطف إخوانكم وتحياتهم ومباركتهم لكم في الجلاء الأجنبي عن دياركم، ما يجعلني مغمورا بنشوة من الفرح والغبطة، فخورا بزيارة البلاد التي تنسمت نسيم الحرية الحمراء، ونعمت بالكرامة بعد أن قدمت آلاف الضحايا والشهداء.
стр. 349
إن هذا الجو العربي المليء بمظاهر العزة والكرامة، والذي يشعر به زائر هذه البلاد الكريمة، متجليا في كل ناحية من نواحي الحياة العامة، هو الذي يجعل قطرا عربيا كبيرا كالشمال الإفريقي، يتوجه إلى بلاد عربية كبلاد الشام، ليبث إليها شكواه، وليعرض عليها طرفا من محنته، فلقد طالت هذه المحنة به حتى كادت تهد من كيانه. ولولا إيمان بالله، وثقة بحقه، وأمجاد يتوارثها عن أجداده الغر الميامين، لناء تحت ضربات الاستعمار وألقى سلاح المقاومة منذ أمد طويل.
إن الشمال الإفريقي العربي المسلم ليتوجه اليوم إلى بلاد العرب يذكرها بنفسه وبنكبته، ويؤكد لها تعلقه بالوحدة العربية، وتطلعه إلى أن يعيش مع الأقطار العربية الشقيقة، عيشة العزة والكرامة، وهذا ما جئت من أجله إلى بلاد الشام العزيزة، في زيارة قصيرة. وسأتحدث - اليوم - الثلاثاء في دار الإخوان المسلمين عن بلادي التي هي بلادكم، حديث من عرف داءها، واصطلى بنار طغاتها، وأنا أرجو أن أجد من أبناء هذه المدينة الخالدة تشوقا إلى معرفة الواقع في بلادنا. ورغبة في الإطاحة بحركات جهادها، ما يجعلني أعود إلى بلادي وأنا أحمل من تباشير الوعي العربي ما تشد أزرها في نضالها، ويخضد من شوكة أعدائها، أسأل الله أن يجمع شمل هذه الأمة، وأن يكتب لها أن تعيد سيرتها الأولى حتى تحتل مكانتها في قيادة الإنسانية إلى مواطن السمو والخير والسعادة.
الفضيل الورتلاني
يوم العروبة المجاهدة في شمال إفريقيا
محاضرة الأستاذ الورتلاني بدار الإخوان المسلمين بدمشق
نشرت الجرائد الدمشقية تعليقات ضافية على المحاضرة التاريخية التي ألقاها الأستاذ الورتلاني بدار الإخوان المسلمين بدمشق، وأصدرت جريدة المنار اليومية عددا خاصا بها، ونأسف من عدم إثباتها في هذا العدد الخاص لطولها، وقد عهدت المنار بوصف موجز للحفلة في العدد الذي قبل العدد الخاص، بالكلمات الآتية، تحت العنوان أعلاه:
стр. 350
ابتدأت الحفلة بما تيسر من القرآن الكريم، ثم تقدم عميد الجمعية الأستاذ محمد المبارك، فعرف بالمحاضر وقال:
إذا عرفتم الفضيل الورتلاني، عرفتم صفحة من صفحات الجهاد. في هذا العصر، وذكر أمثلة بين فيها كيف أن الأستاذ الورتلاني يدعو لعروبة شمال إفريقيا في باريس، وكيف يضع الأناشيد الوطنية باللغتين العربية والفرنسية ليذكي شعلة الحماس، والوطنية، والرجولة في أبناء ذلك القطر.
ثم تقدم الأستاذ الورتلاني، فألقى محاضرة فياضة، استهلها بتهنئة السوريين بجلاء الجيوش الإفرنسية عن ديارهم، وبين أن إخوانهم بشمالي إفريقيا، مغتبطون لاغتباطهم. وبين أن جلاء الجنود عن سوريا لا يكفي، بل يجب أن يكون شاملا لكل أثر من أثار الاستعمار، وأنه لا يمكن أن تحيا حياة سعيدة في هذا العصر الذي اخترعت فيه القنبلة الذرية، إلا إذا كنا مجتمعين، متعارفين، متكتلين، ولن يكون هذا التكتل وهذا التعاون إلا إذا سبقه تعارف.
ثم أفاض في ذكر أمثلة وافية عن مكان تلك البلاد، والبالغ عددهم ٣٠ مليونا أو يزيدون، وأنهم مجتمعون، متفقون عقولا وأجساما ولغة، ويؤسفنا أن هذه الكتلة الجبارة لم يسع إخواننا العرب للتعرف يوما على أوضاعها، ثم توجه إلى رجال الصحافة في البلاد العربية، وبين تقصيرهم من ناحية الدعاية لشمالي إفريقيا التي تئن تحت نير أقسى استعمار، وبين تقصيرهم أيضا في الدعاية لكل ما يتصل بالعروبة. وأنهى كلمته شاكرا الرئيس الأول على حفاوته التي لقيها منه، وسننشر خلاصة محاضرته القيمة في غير هذا المكان.
ثم تقدم المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا ولبنان، الأستاذ الشيخ مصطفي السباعي، وعلق على كلمة الأستاذ الورتلاني، وذكر الشيء الكثير عن تاريخ الاستعمار الفرنسي في بلاد الجزائر، ومما قال:
стр. 351
سيذهب المؤرخون، يمينا وشمالا فيما سبب انهيار فرنسا، ولكن أنتم أيها الأبطال، وأيها الزعماء، كشفتم للتاريخ عن سر انهيار هذه الدولة، التي لم نخجل أن نقول أنها أم الدنيا، وأم الحريات.
وأنهى كلمته بتلاوة برقية ترسل باسم الحاضرين إلى الأمين العام للجامعة العربية، وإلى وزير فرنسا المفوض في مصر، هذا نصها:
"الجماهير المحتشدة في دار الإخوان المسلمين لنصرة العروبة المجاهدة في شمالي إفريقيا، تعلن استنكارها لسياسة فرنسا الغاشمة، في ذلك القطر العربي الشقيق، وتحيي جهادهم، وثباتهم على الدفاع عن حريتها وكرامتها، وتعاهد الله بأن تربط مصيرها بمصير إخوانهم. وتتوجه إلى الجامعة العربية، وملوك العرب، ورؤسائهم بالمطالبة برفع الظلم عن ذلك الشعب المناضل، حتى يضم إلى دول الجامعة، وينعم بجلاء الأجانب عن أوطانهم جلاء تاما لا يشوبه احتلال.
زين العابدين التونسي
الأمير سعيد الجزائري
السيد محمد المكي الكتاني
مصطفى السباعي
ثم تكلم الأمير مختار الجزائري، فاستهل كلمته بشكر الأستاذ الورتلاني، ثم شكر الحاضرين وقال:
لقد رافقت الأستاذ الورتلاني، في مراحل ثلاثة في الجهاد، وفي سبيل الجزائر العربية، وفي جميعها وجدته ذلك المجاهد الجزائري، وفي جميعها كان مثال الإخلاص، ومنبع الحماس لقضيتها الحقة، ولمبادئ التحرر من الاستعمار، وانتهت الحفلة، وخرج الحاضرون يلهجون بالإعجاب والتقدير.
стр. 352
تصريح رائع عن شمالي إفريقيا
لرئيس الوزارة السورية
إلى سكرتير الجبهة الأستاذ الورتلاني
زار المجاهد الكبير الأستاذ الورتلاني دولة رئيس وزراء سورية في مكتبه، فجرت بينهما أحاديث ودية عن شعور العرب بعضهم نحو البعض، وما يجب عمله لدعم التضامن، وجعل الوحدة العربية، وحدة حقيقية ترضي مطامع العرب وتحقق أهدافهم، وقد أدلى دولة الرئيس في نهاية الجلسة بالحديث الخطير الآتي، ونشرته المنار وغيرها:
نحن نعتبر أن القومية العربية، تمتد من المحيط الأطلسي، حتى خليج البصرة، ونعتبر أن شمالي إفريقيا جوهرة ثمينة في عقد الوحدة العربية، وهو أكثر الأقاليم العربية انسجاما ووحدة، كما أنه أكثرها عرضة للمتاعب والظلم.
فواجب البلاد العربية، أن تشد أزره بكل الوسائل الممكنة، وعلى الجامعة العربية أن لا تشغلها مشكلة قطر عربي عن مشكلة قطر آخر بل يجب أن تأخذ الجسم العربي كمجموعة واحدة، تنظر إلى جميع أعضائه نظرة واحدة، تعالج الضعيف وتشفي الناقه، وتستعين بالقوي، وأننا لنقدر هذا الخطر الجاثم على صدر شمالي إفريقيا، ونقدر نتائجه، ولكننا مؤمنون كل الإيمان بأن الأمة العربية لها من المناعة، ما لم تستطع الدهور السالفة أن تمحوها، ولا يستطيع المستقبل أن يزيلها، وأن إفريقيا العربية صائرة حتما إلى الاجتماع مع الأقطار العربية شاء الأجنبي أم أبى، فعلى أبنائه أن لا يرموا بأنفسهم في أحضان اليأس، وأن يعتمدوا على الله أولا، ويثقوا بعدالة قضيتهم ثانيا، فمن لم يؤمن بعدالة مطلبه،
стр. 353
لا يستطيع العمل، وعليهم أن يعتمدوا على إخوانهم ثالثا وعلى أنفسهم أخيرا، حتى إذا اقتضى الأمر بعض التضحية، تقدموا غير نادمين ولا مترددين؟
وأنا لا أشك في أن أهل الشمال الإفريقي العربي في جهاد عنيف كلفهم وسيكلفهم الشيء الكثير من التضحيات، في النفوس والأموال، ولا يزال أمامهم الطريق مليئا بالأشواك، وأنا جد معجب بجهادهم وتضحيتهم، مما يجعلني أؤمل في المستقبل القريب إن شاء الله أن يحصلوا على حريتهم، واستقلالهم، واتصالهم بالدول العربية الأخرى. لقد أصبح الاستعمار اليوم أمرا غير مقبول، وليس من المقبول أبدا أن يحرم الشعب من حريته وكرامته، وخاصة إذا كان هذا الشعب هو الشعب العربي، وأخص منه هذا الشعب المجاهد الثابت شعب إفريقيا الشمالية.
وسنسعى مع بقية الدول العربية، لتهتم الجامعة العربية بهذا الشعب اهتماما عمليا يتفق مع أمانينا وأهدافنا القومية العربية الاستقلالية ولأن هذا الاستقلال من مصلحة العرب أجمع، وليس عندنا أسهل من تضحية كل شيء في سبيل البلاد العربية وتحقيقه، وإذا كان القدر قد جعلك تولد في الجزائر مثلا، فهو لا يعطيك الحق بالأفضلية علي إذا كانت أقوم بخدمة الجزائر مثلا، إن وطننا بلاد العرب أجمع لا فرق بين قطر وقطر، ونرجو أن نصل قريبا إلى الوحدة الشاملة التي لا تعرف حدودا ولا قيودا.
سعد الله بك الجابري يجابه الوزير الفرنسي
بشأن شمالي إفريقيا على أثر المقابلة
دولة تؤكد له أن شمالي إفريقيا، قطر عربي يهتم بمستقبله جميع العرب أذاعت الوكالة الفرنسية، أنه جاء في نشرة رسمية، صدرت عن دار الجمعة العربية، أن سعد الله الجابري، رئيس وزراء سوريا، دعا الوزير
стр. 354
الفرنسي المفوض، وأعرب له عن قلق السوريين، على إخوانهم العرب في شمال إفريقيا، بعد تلقيهم الأنباء الأخيرة عنهم.
فأجابه الوزير، إن الأنباء التي نشرت في سوريا مبالغ فيها، وعلى كل حال، فالمسألة في الحقيقة، من المسائل الفرنسية، فقال دولة الرئيس أن وجهة نظر العرب جميعا تخالفها، فشمال إفريقيا قطر عربي، يهتم بمستقبله جميع العرب.
شكر الجبهة للجمهورية السورية حكومة وشعبا
عهدت جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، إلى فضيلة أمين سرها العام، الأستاذ الشيخ الفضيل الورتلاني، ببسط قضية شمالي إفريقيا، لدى أولي الأمر في الحكومة السورية، وزعماء السياسة، ورجال الصحافة، والجمعيات العربية والإسلامية، هنالك قد قام فضيلته بما عهد به إليه خير قيام، وحظى بمقابلة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، ومعالي رئيس الوزراء، وغيره من الوزراء، ولقي منهم عناية كبيرة بقضية شمالي إفريقيا، واتجاها إلى العمل لفائدتها، كما لقي من رجال الصحافة، والزعماء السياسيين والإسلاميين، احتفاء وتقديرا.
والجبهة تقدم شكرها الجزيل، إلى فخامة رئيس الجمهورية السورية، ومعالي رئيس الوزراء، ورجال الصحافة، والأمة السورية، على ما أسدوه إلى الجبهة من تكريم، في شخص أمين سرها العام، وترجو من الله تعالى، أن يمد الشعوب الناهضة، لنيل حريتها بالتأييد.
الجرائد المصرية والسورية
رئيس الجبهة محمد الخضر حسين
стр. 355
هذا هو الزلزال الحق
فرنسا تنصب في الجزائر
دكتاتورا وإلها للشر
ما كان أهل لبنان، يتوقعون أن تغضب عليهم الطبيعة مرة ثانية، بعد كارثة الفيضان، بنهر أبو علي، وشأن أهل لبنان، كشأن أكثر الناس حينما تغمرهم الغفلة، حتى يظنوا أنهم في منجاة من ابتلاء الله، والإنسان، من يوم عرف الحياة، وعرفته، مطبوع على الغفلة والنسيان، فلا يكاد يخرص رنين جرس النذير له حتى يأخذ طريقه من جديد، إلى مواطن الهلاك، ولا يكاد يرتفع سوط التأديب، من القدر، فوق ظهره، حتى ينسى السوط، وصاحب السوط، ثم يظن أنه قد أصبح وحده صاحب الأمر، والنهي في هذه المعمورة وأنه باق فيها إلى الأبد غير قابل للانتقال، وقد استفحل هذا الداء العياء، على بني البشر، فأظلمت نفوسهم، وتحجرت قلوبهم، واكتسبوا مناعة ضد كل العلاجات الروحية العادية، من وعظ وتذكير، العادية، وما أشبه الوعظ والإرشاد والتذكير.
لذلك اقتضت حكمة الله البالغة، أن يدخل في الأمر جنود الطبيعة القاتلة، كالفيضانات، والزلازل وغيرها، ومن يدري لعلنا غدا أو بعد غد، سنرى من آثار جنود الله، ما هو فوق الفيضان والزلزال، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وما هي إلا ذكرى للبشر.
ولقد كث من الذين عاصروا هذا الزلزال المتواضع، الذي فاجأ أرض لبنان، في ساعة من الليل والناس ما بين نائم ومتهيء للنوم، وقد أحسست بوطأته كما أحس به الناس، وأشد من الناس.
следующие страницы →