Полный текст (484 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
سيذهب المؤرخون، يمينا وشمالا فيما سبب انهيار فرنسا، ولكن أنتم أيها الأبطال، وأيها الزعماء، كشفتم للتاريخ عن سر انهيار هذه الدولة، التي لم نخجل أن نقول أنها أم الدنيا، وأم الحريات.
وأنهى كلمته بتلاوة برقية ترسل باسم الحاضرين إلى الأمين العام للجامعة العربية، وإلى وزير فرنسا المفوض في مصر، هذا نصها:
"الجماهير المحتشدة في دار الإخوان المسلمين لنصرة العروبة المجاهدة في شمالي إفريقيا، تعلن استنكارها لسياسة فرنسا الغاشمة، في ذلك القطر العربي الشقيق، وتحيي جهادهم، وثباتهم على الدفاع عن حريتها وكرامتها، وتعاهد الله بأن تربط مصيرها بمصير إخوانهم. وتتوجه إلى الجامعة العربية، وملوك العرب، ورؤسائهم بالمطالبة برفع الظلم عن ذلك الشعب المناضل، حتى يضم إلى دول الجامعة، وينعم بجلاء الأجانب عن أوطانهم جلاء تاما لا يشوبه احتلال.
زين العابدين التونسي
الأمير سعيد الجزائري
السيد محمد المكي الكتاني
مصطفى السباعي
ثم تكلم الأمير مختار الجزائري، فاستهل كلمته بشكر الأستاذ الورتلاني، ثم شكر الحاضرين وقال:
لقد رافقت الأستاذ الورتلاني، في مراحل ثلاثة في الجهاد، وفي سبيل الجزائر العربية، وفي جميعها وجدته ذلك المجاهد الجزائري، وفي جميعها كان مثال الإخلاص، ومنبع الحماس لقضيتها الحقة، ولمبادئ التحرر من الاستعمار، وانتهت الحفلة، وخرج الحاضرون يلهجون بالإعجاب والتقدير.
стр. 352
تصريح رائع عن شمالي إفريقيا
لرئيس الوزارة السورية
إلى سكرتير الجبهة الأستاذ الورتلاني
زار المجاهد الكبير الأستاذ الورتلاني دولة رئيس وزراء سورية في مكتبه، فجرت بينهما أحاديث ودية عن شعور العرب بعضهم نحو البعض، وما يجب عمله لدعم التضامن، وجعل الوحدة العربية، وحدة حقيقية ترضي مطامع العرب وتحقق أهدافهم، وقد أدلى دولة الرئيس في نهاية الجلسة بالحديث الخطير الآتي، ونشرته المنار وغيرها:
نحن نعتبر أن القومية العربية، تمتد من المحيط الأطلسي، حتى خليج البصرة، ونعتبر أن شمالي إفريقيا جوهرة ثمينة في عقد الوحدة العربية، وهو أكثر الأقاليم العربية انسجاما ووحدة، كما أنه أكثرها عرضة للمتاعب والظلم.
فواجب البلاد العربية، أن تشد أزره بكل الوسائل الممكنة، وعلى الجامعة العربية أن لا تشغلها مشكلة قطر عربي عن مشكلة قطر آخر بل يجب أن تأخذ الجسم العربي كمجموعة واحدة، تنظر إلى جميع أعضائه نظرة واحدة، تعالج الضعيف وتشفي الناقه، وتستعين بالقوي، وأننا لنقدر هذا الخطر الجاثم على صدر شمالي إفريقيا، ونقدر نتائجه، ولكننا مؤمنون كل الإيمان بأن الأمة العربية لها من المناعة، ما لم تستطع الدهور السالفة أن تمحوها، ولا يستطيع المستقبل أن يزيلها، وأن إفريقيا العربية صائرة حتما إلى الاجتماع مع الأقطار العربية شاء الأجنبي أم أبى، فعلى أبنائه أن لا يرموا بأنفسهم في أحضان اليأس، وأن يعتمدوا على الله أولا، ويثقوا بعدالة قضيتهم ثانيا، فمن لم يؤمن بعدالة مطلبه،
стр. 353
لا يستطيع العمل، وعليهم أن يعتمدوا على إخوانهم ثالثا وعلى أنفسهم أخيرا، حتى إذا اقتضى الأمر بعض التضحية، تقدموا غير نادمين ولا مترددين؟
وأنا لا أشك في أن أهل الشمال الإفريقي العربي في جهاد عنيف كلفهم وسيكلفهم الشيء الكثير من التضحيات، في النفوس والأموال، ولا يزال أمامهم الطريق مليئا بالأشواك، وأنا جد معجب بجهادهم وتضحيتهم، مما يجعلني أؤمل في المستقبل القريب إن شاء الله أن يحصلوا على حريتهم، واستقلالهم، واتصالهم بالدول العربية الأخرى. لقد أصبح الاستعمار اليوم أمرا غير مقبول، وليس من المقبول أبدا أن يحرم الشعب من حريته وكرامته، وخاصة إذا كان هذا الشعب هو الشعب العربي، وأخص منه هذا الشعب المجاهد الثابت شعب إفريقيا الشمالية.
وسنسعى مع بقية الدول العربية، لتهتم الجامعة العربية بهذا الشعب اهتماما عمليا يتفق مع أمانينا وأهدافنا القومية العربية الاستقلالية ولأن هذا الاستقلال من مصلحة العرب أجمع، وليس عندنا أسهل من تضحية كل شيء في سبيل البلاد العربية وتحقيقه، وإذا كان القدر قد جعلك تولد في الجزائر مثلا، فهو لا يعطيك الحق بالأفضلية علي إذا كانت أقوم بخدمة الجزائر مثلا، إن وطننا بلاد العرب أجمع لا فرق بين قطر وقطر، ونرجو أن نصل قريبا إلى الوحدة الشاملة التي لا تعرف حدودا ولا قيودا.
سعد الله بك الجابري يجابه الوزير الفرنسي
بشأن شمالي إفريقيا على أثر المقابلة
دولة تؤكد له أن شمالي إفريقيا، قطر عربي يهتم بمستقبله جميع العرب أذاعت الوكالة الفرنسية، أنه جاء في نشرة رسمية، صدرت عن دار الجمعة العربية، أن سعد الله الجابري، رئيس وزراء سوريا، دعا الوزير
стр. 354
الفرنسي المفوض، وأعرب له عن قلق السوريين، على إخوانهم العرب في شمال إفريقيا، بعد تلقيهم الأنباء الأخيرة عنهم.
فأجابه الوزير، إن الأنباء التي نشرت في سوريا مبالغ فيها، وعلى كل حال، فالمسألة في الحقيقة، من المسائل الفرنسية، فقال دولة الرئيس أن وجهة نظر العرب جميعا تخالفها، فشمال إفريقيا قطر عربي، يهتم بمستقبله جميع العرب.
شكر الجبهة للجمهورية السورية حكومة وشعبا
عهدت جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية، إلى فضيلة أمين سرها العام، الأستاذ الشيخ الفضيل الورتلاني، ببسط قضية شمالي إفريقيا، لدى أولي الأمر في الحكومة السورية، وزعماء السياسة، ورجال الصحافة، والجمعيات العربية والإسلامية، هنالك قد قام فضيلته بما عهد به إليه خير قيام، وحظى بمقابلة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، ومعالي رئيس الوزراء، وغيره من الوزراء، ولقي منهم عناية كبيرة بقضية شمالي إفريقيا، واتجاها إلى العمل لفائدتها، كما لقي من رجال الصحافة، والزعماء السياسيين والإسلاميين، احتفاء وتقديرا.
والجبهة تقدم شكرها الجزيل، إلى فخامة رئيس الجمهورية السورية، ومعالي رئيس الوزراء، ورجال الصحافة، والأمة السورية، على ما أسدوه إلى الجبهة من تكريم، في شخص أمين سرها العام، وترجو من الله تعالى، أن يمد الشعوب الناهضة، لنيل حريتها بالتأييد.
الجرائد المصرية والسورية
رئيس الجبهة محمد الخضر حسين
стр. 355
هذا هو الزلزال الحق
فرنسا تنصب في الجزائر
دكتاتورا وإلها للشر
ما كان أهل لبنان، يتوقعون أن تغضب عليهم الطبيعة مرة ثانية، بعد كارثة الفيضان، بنهر أبو علي، وشأن أهل لبنان، كشأن أكثر الناس حينما تغمرهم الغفلة، حتى يظنوا أنهم في منجاة من ابتلاء الله، والإنسان، من يوم عرف الحياة، وعرفته، مطبوع على الغفلة والنسيان، فلا يكاد يخرص رنين جرس النذير له حتى يأخذ طريقه من جديد، إلى مواطن الهلاك، ولا يكاد يرتفع سوط التأديب، من القدر، فوق ظهره، حتى ينسى السوط، وصاحب السوط، ثم يظن أنه قد أصبح وحده صاحب الأمر، والنهي في هذه المعمورة وأنه باق فيها إلى الأبد غير قابل للانتقال، وقد استفحل هذا الداء العياء، على بني البشر، فأظلمت نفوسهم، وتحجرت قلوبهم، واكتسبوا مناعة ضد كل العلاجات الروحية العادية، من وعظ وتذكير، العادية، وما أشبه الوعظ والإرشاد والتذكير.
لذلك اقتضت حكمة الله البالغة، أن يدخل في الأمر جنود الطبيعة القاتلة، كالفيضانات، والزلازل وغيرها، ومن يدري لعلنا غدا أو بعد غد، سنرى من آثار جنود الله، ما هو فوق الفيضان والزلزال، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وما هي إلا ذكرى للبشر.
ولقد كث من الذين عاصروا هذا الزلزال المتواضع، الذي فاجأ أرض لبنان، في ساعة من الليل والناس ما بين نائم ومتهيء للنوم، وقد أحسست بوطأته كما أحس به الناس، وأشد من الناس.
стр. 356
ومع ذلك فأنا أحس بزلزال آخر، ينزل في أرض عربية أخرى، أخطر وأشنع من زلزال لبنان، بأضعاف مضاعفة، هذا الزلزال الحقيقي الداهم، هو في الجزائر العربية الصابرة المكافحة، تتولاه قوى الشر الفرنسية الحاقدة، المتوحشة، ولا أحب أن أسود هنا بياضا في شرح تلك الزلازل البشرية بالتفصيل، وإنما قصدي اليوم فقط أن أضع بين يدي القارئ الكريم، هذه الصلاحيات، الاستثنائية، التي زودت فرنسا بها، وزيرها المقيم في الجزائر المسيو لاكوست، ولو أردنا أن نختصر الصفة، التي تعطيه له هذه الصلاحيات في كلمة واحدة لقلنا أنه "إله الشر".
لقد أصبح لاكوست، ممثل فرنسا في الجزائر، حاكما بأمره، وإلها للشر وحده، لا شريك له، ولكنه إله حقير، من جنس الذي يبول عليها الثعالب، ولقد ذل من بالت عليه الثعالب.
وهذه هي الصلاحيات، كما نشرتها الجريدة الرسمية، وقدمت لها بعض الصحف بالكلمة الآتية:
نشرت الجريدة الرسمية اليوم ١٩ - ٣ - ٥٦ نص القانون الذي وافق عليه البرلمان أخيرا، وقضى بمنح الحكومة الفرنسية، سلطات استثنائية لمعالجة المشكلة الجزائرية، مما جعل روبير لا كوست الوزير الفرنسي، المقيم في الجزائر، دكتاتورا فعليا، يتمتع بسلطات واسعة، تعطيه حق الحكم بالإعدام، على كل من يهرب من الجيش الفرنسي، وينضم إلى الثوار، ويزودهم بالأسلحة والذخيرة، وقد وصل الوزير إلى الجزائر، قادما من باريس، بهذه السلطات المختلفة:
١ - الخطر الجزئي أو التام، لتنقل الأشخاص والسيارات والحيوانات في المناطق والأوقات التي تحددها الأوامر.
٢ - مراقبة تداول السلع المختلفة.
стр. 357
٣ - تنظيم أو حظر الصادرات والواردات والمبيعات، ونقل وتخزين السلع والخامات والحيوانات.
٤ - تحديد مناطق تقيد فيها تنقلات الأفراد، أو تمنع كلية.
٥ - إلزام كل من يأوي في منزله أشخاصا من غير أسرته، إبلاغ البوليس عنهم.
٦ - مراقبة كل من يدخل الجزائر، أو يخرج منها أو يقيم فيها، من الفرنسيين أو الأجانب، وإبعاد أي شخص يعرقل أوامر السلطات المختصة وأعمالها.
٧ - تحديد إقامة كل من يقوم بنشاط خطر على النظام، والأمن العام.
٨ - حظر الاجتماعات العامة أو الخاصة التي قد تثير الاضطرابات أو يطيل أمدها.
٩ - إغلاق دور السينما والمسارح والمطاعم والحوانيت وقاعات الاجتماعات إغلاقا مؤقتا.
١٠ - التبليغ عن الأسلحة، والذخائر، والمفرقعات، والبحث عنها ومصادرتها.
١١ - تفتيش المنازل في أي وقت من أوقات الليل والنهار.
١٢ - مراقبة جميع وسائل التعبير، وبخاصة الصحف وسائر المطبوعات الأخرى والمواصلات التليفونية والإذاعات اللاسلكية والحفلات السينمائية.
١٣ - نقل أو وقف أو وضع تحت تصرف السلطات، أي شخص أو موظف رسمي يقوم بنشاط ضار بالنظام والأمن العام.
١٤ - حظر وحل أية شركة أو جمعية أو هيئة يعرقل نشاطها النظام والأمن العام.
١٥ - القيام بعمليات الاستيلاء والمصادرة.
١٦ - تحديد التعويضات عن الخسائر التي تلحق بالممتلكات العامة أو الخاصة، نتيجة لأعمال الذين يساعدون الثوار أو يسهلون العناصر الثورية.
стр. 358
١٧ - وقف إلى أجل غير مسمى، أي شخص رسمي منتخب، يعارض أي عمل من أعمال السلطات، وتأجيل أي انتخاب جزئي.
١٨ - إنشاء مناطق تسند فيها مسؤواية صيانة الأمن العام إلى السلطات العسكرية التي تتولى بمقتضى ذلك السلطات البوليسية المدنية، وإعلان حالة الطوارئ.
١٩ - يعاقب كل من يخالف هذه الإجراءات بالحبس من ٨ أيام إلى سنتين، أو بغرامه قدرها يتراوح بين ٥ آلاف ومليوني فرنك.
وبعد؛ فأي الكارثتين أعظم؟ وأي الزلزالين أضخم؟ أهذا الذي حصل في لبنان، ودام بضع ثوان معدودات، وكان بالناس رحيما؟ أم ذلك الذي ابتدأت هزاته العنيفة، منذ سنة ونصف في الجزائر، وما تزال وطأته تشتد ساعة بعد ساعة، منذ ذلك اليوم، على أمة بأجمعها ووطن بأكمله، حتى نصبوا له اليوم، إلها، وزودوه بهذه الصلاحيات، ثم أوصوه وأعوانه، بالجرائري المسكين، وقالوا لهم:
خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه، إنه كان لا يؤمن بالإستعمار العظيم، ولا يحض على قتل المسكين، فليس له اليوم هاهنا حميم، ولا طعام إلا من غسلين، ثم ماذا؟
إن زلزال لبنان الذي عاش في أرضه بضع ثوان، قد اهتزت له الدنيا، وقامت له رحمة أهلها - بحمد الله - ولم تقعد حتى الآن، فما تخلف عن مواساته عربي ولا عجمي، ولا أسمر ولا أبيض، ولا مسلم ولا مسيحي، ولا ديمقراطي ولا شيوعي، إلا وساهم بأكرم ما يواسي الإنسان به أخاه الإنسان، ماديا وأدبيا، فلقد مرت على أسماعنا وأبصارنا، أرقام التبرعات، وكان فيها المليون، والمائة ألف، وما دون ذلك، ولقد مرت علينا في الصحف والمجلات، قصائد ومقالات تعد من عيون البيان، ومن أرق ما قيل في الرثاء والعزاء، والتحريض على النجدة، أن هذه الأمواج التي غمرت منكوبي الزلزال في لبنان بالعطف والتقدير، لجديرة بأن تنسيهم هول النكبة، وتخفف عليهم آلامها، ثم
стр. 359
تذكرهم بحكمة الله التي جمعت القلوب، وفرضت المساواة بين جميع الناس، ولو لبضع ثوان من الزمن، نسأل الله جلت قدرته وعز جبروته، أن يبعث بحفنة مناسبة سريعة من زلازله الكثيرة، إلى واشنطن، ولندن، وباريس، وموسكو، وأن يجعل أكبر نصيب منها لتلك المقامات العالية، التي يقيم فيها من نسميهم بالكبار، والذين يظنون، أن مفاتيح خراب الدنيا، قد أصبحت بأيديهم، من يوم ملكوا زمام القنبلة الذرية والهيدرومبية، ولعلهم إذا أحسوا بجبروت رب العالمين، شعروا بتفاهة جبروتهم، ولعلهم إذا عرفوا رحمة الله بهم وبالناس، أمسكوا عن الشر، وتحولوا إلى رحماء.
وبعد: فأننا نحمد للبنان الشقيق، أن هيأ الله له هذا العطف العالمي الكريم، ولكننا من حقنا بهذه المناسبة، ومن واجبنا، أن نصرح بأعلى أصواتنا، في وجوه أهل الدنيا جميعا: أنكم إذا لم تسارعوا إلى نجدة الجزائر، وتعملوا من غير من ولا أذى، على تخليصها من بين شقوق هذا الزلزال الفرنسي الخبيث، فإنه يوشك أن يبتلعها بمن فيها وما فيها، إذا لم تفعلوا ذلك، أو بعضه على الأقل، فمن حقنا أن نسجل للتاريخ ونعلن للدنيا، أن إحسانكم للبنان وغير لبنان، إنما هو رياء في رياء، ونفاق في نفاق، وأنه سيكون للتاريخ حتما حساب قاس، مع كل واحد على قدر مركزه، ومسؤوليته، وتقصيره، واعلموا أن الله قد يمهل للمقصر، كما يمهل للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته.
عن بيروت المساء والمنار
الفضيل الورتلاني
رأي الأمريكان في قضية الجزائر
إن رأي الأمريكان الرسمي، مضطرب أشد الاضطراب، فبينما يعلن سفيرهم في باريس، تأييد حكومته لفرنسا في الجزائر، إذا بالرئيس إيزنهاور، يعلن بعد يومين، بأنه يتمنى أن تنتهي مشكلة الجزائر، بطريقة سلمية، مع عدل وإنصاف، وعلى كل حال، فالاستعمار ملة واحدة، ولا يمكن مطلقا لأبناء الملة الواحدة، أن يتخاذلوا إلا مؤقتا، ونحن إنما نعتمد - بعد الله على أنفسنا، وما حك جسمك مثل ظفرك،
стр. 360
أما رأي الأمريكان الشعبي، فلا يمكن حصره، لأن الولايات المتحدة وحدها، إنما هي أمم وأقطار، ففيها من الآراء، بقدر كثرة عددها، وسعة أقطارها، إنما الذي لا شك فيه، هو أن كفة الاستعمار والدعاية بين أظهرهم هي الراجحة، بل تكاد تكون وحدها في الميدان، وبين أيدينا الآن، مقال لكاتب أمريكي كبير، حرره بالقرب من الحوادث في الجزائر، حيث زارها، وتنقل في أطرافها، واجمع بكثير من المسؤولين فيها، والكاتب هو "بنغامين برادلي" مندوب جريدة "نيوزويك" الكبرى، ونحن ننشر المقال ونعلن عليه لخطورته، وخطورة الأمة التي نشر فيها، قال الكاتب:
إن الظروف لقيام السلم في الجزائر غير قائمة، فإجراء انتخابات حرة، هو أمر في حكم المستحيل، ما دام الوطنيون يعلنون صراحة أنهم لا يريدونها، وأنهم سيقضون على كل من يتقدم للترشيح أو للانتخاب على السواء، كما أن دمج الجزائر في فرنسا، لن يؤدي إلا إلى استمرار الحرب لفترة أطول. وأما الدعوة إلى إنشاء ولايات متحدة لشمالي إفريقيا، فتلقى شيئا من التأييد من جانب الوطنيين، ولكنها تقابل معارضة شديدة من جانب المستوطنين. وفي نفس الوقت، يعارض الفرنسيون معارضة باتة، الاقتراح القائل: باعتبار الجزائريين العرب مواطنين فرنسيين، لهم كل ما للفرنسيين من حقوق. فالفرنسيون لن يقبلوا بأي حال من الأحوال، أن يدخل إلى الجمعية الوطنية ٢٠٠ نائب ليمثلوا مسلمي الجزائر.
دعاة الوحدة العربية
ويختلف الوضع في الجزائر، عما كان عليه في تونس ومراكش، إذ ليس في الجزائر هيئة تمثيلية للزعماء الوطنيين، يمكن لفرنسا أن توقع معها اتفاقية، تكون لها قيمة عملية. وقد فقد المعتدلون كل نفوذ كان لهم من قبل. وتستمع الجماهير الآن، إلى الصيحات الرنانة التي يطلقها دعاة الوحدة العربية، من أمثال "ابن بلة" الذي يقود "جيش التحرير الجزائري" من مقر قيادته في القاهرة، كما يستمعون إلى الدعايات المختلفة، التي يروجها الشيوعيون.
стр. 361
لا ثقة بعد تراجع موليه
وفي القاعة المزخرفة، التي يشغلها المجلس الاستشاري الجزائري ببولفار كارنو، والتي تطل على ميناء الجزائر الذي يزدحم بالعمل، صرح النائب المسلم الدكتور عيسى ابن سالم، الذي كان معدودا في يوم من الأيام من المعتدلين، صرح لمندوب النيوزويك بقوله:
"نحن مسلمون فقدنا كل ثقة بفرنسا، فقد كان قبول موليه لاستقالة كاترو، تراجعا كاملا".
وحوادث كل يوم تزيدنا اقتناعا، بأن الصف يؤدي إلى نتائج إيجابية، وقد شهدنا بأعيننا الدليل على ذلك، في الأسبوع الماضي.
وفي ردهة "أوتيل آلي" أدلى الزعيم المسلم صلاح مصباح، بتصريح أشد وضوحا، قال:
"إن الدم يجب الآن أن يبذل بشكل متزايد .. ونحن المعتدلين لا ندعي أن في وسعنا السيطرة على شعبنا، إن ٩٥ بالمائة منهم خاضعون لسيطرة المقاتلين الوطنيين، التابعين لابن بلة".
نابليون الجيب
وفي نفس الوقت نجد أن المتطرفين يسيطرون على الجانب الفرنسي أيضا، وفي مقدمة هؤلاء المتطرفين، جان باتيست بياجي، وهو من أبناء كورسيكا الأشداء، ويشتغل محاميا في باريس، وقد برز بين عشية وضحاها، كبطل في نظر الآلاف من المستوطنين الفرنسيين، وقد جعل مقر قيادته، في مقهى "أوشي سوا" الجزائري، ويلقى فيه أتباعه، وهو يسير جيئة وذهابا، وقد وضع يده في فتحة صدريته، على طريقة نابليون. وهو يخطب في اجتماع بعد اجتماع، ملهبا حماسة المستوطنين الفرنسيين، بعبارات طنانة كقوله: "اطرقوا الحديد وهو ساخن ... اطرقوا ضد المؤامرات التي يحيكها جي موليه ... ولن يذوق محارب فرنسي واحد طعم النوم، ما دام هناك مقاتل جزائري على قيد الحياة".
стр. 362
وقد قال بياجر في أحد خطاباته:
نحن لا نتعلم شيئا من الأمريكيين الذين قضوا قضاء تاما على الهنود الحمر، والذين قتلوا الصبي ايميت ثيل، والذين طاردوا الطالبة الزنجية في ألباما. وقد استقبل جمهوره هذه العبارات الهستيرية بالهتاف.
الموقع الأخير الباقي
هذا بينما خلف الستار، زعيم آخر - يدعى أندريه أشياري - يدعي أنه يسيطر على فرق كبيرة منظمة، مستعدة للقيام بأعمال الإرهاب، وقد كان في يوم من الأيام من قادة حركة المقاومة، وكان أحد الأشخاص الذين سارعوا في التمهيد لغزو قوات الحلفاء في شمالي إفريقيا في عام ١٩٥٢، وفي وسط كل هذا الاضطراب، قام اثنان من نواب بوجاد، ذي النزعات الفاشية الواضحة، بزيارة استطلاعية للجزائر، وقضينا يوما طويلا في الاستماع إلى أقوال المواطنين الساخطين.
ومشاعر هؤلاء المستوطنين، لم تعد تحتمل الخطأ، ففي بار فندق - سان جورج - الذي كان إيزنهاور قد اتخذه مقرا لقيادة قواته في شمالي إفريقيا.
صرخت مدام كريستيان رينو - وهي سيدة محتفظة بجمالها رغم تقدمها في السن، ووالدة لجيلين من المستوطنين الفرنسيين - صرخت بقولها:
هذه بلادنا، فهل يتوقعون منا الآن أن نتخلى عنها دون قتال؟ إن هذه لن تحدث، وأنا سأموت هنا، قبل أن يتم ذلك، وسيموت أبنائي معي.
كما صرح أحد الفرنسيين القادمين إلى الجزائر، حديثا متباهيا بالرشاشات الخمسة عشرة التي أحضرها معه من فرنسا، استعدادا للطوارئ، ثم أضاف متجهما "إن هذا هو الموقع الأخير الباقي".
стр. 363
سياسة موليه
وعلى الرغم من التفاؤل الرسمي الذي يتظاهر به موليه، يسود الشعور هنا بأنه ليس هناك أمل كبير في الوصول إلى تسوية بين الطرفين.
فهو مقتنع أولا بأنه لا بد من إعادة السلم والهدوء قبل كل شيء، حتى إذا استلزم ذلك مزيدا من سفك الدماء في بداية الأمر، وليس ذلك بالأمر السهل الآن، وأكثر القوات الميكانيكية الفرنسية تحاصرها الثلوج في الجبال القبائلية الوعرة، ولا تستطيع الدبابات الثقيلة، والسيارات المصفحة، وسيارات جيب أن تتجاوز الطرقات الممهدة، وهي بذلك هدف سهل للمهاجمين الجزائريين.
وقد وصف أحد القواد الفرنسيين الموقف، بأنه أشبه ما يكون بمحاولة قتل الذباب بسيارة.
وأنه لمواجهة المعركة في منطقه تكاد تبلغ مساحتها مساحة فرنسا، يجد الجيش الفرنسي نفسه بحاجة ماسة، إلى زيادة تدريبه على فنون حرب العصابات كما أنه لا بد من إيجاد طريق فعال، لوقف وصول الإمدادات المستمرة، إلى الثوار من مصر وليبيا.
وقد اقتنع موليه ثانيا، بأنه لا بد من اتخاذ إجراءات جدية، لرفع مستوى حياة الجزائريين العاديين، ففي هذا البؤس الذي تعانيه الجماهير العربية، تكمن جذور المأساة الجزائرية، وما يزال ما يقرب من ثلث الأراضي الصالحة للزراعة، ملكا لـ ٢٥ ألفا من المزارعين الفرنسيين، كما أن ٤٠ بالمائة من الوطنيين، يعانون البطالة، وأجور العمال العرب، لا تتجاوز الدولار الواحد يوميا لأسرة كاملة، ولا يتردد على المدارس من الأطفال العرب، أكثر من ربعهم.
وقد اضطر الآلاف من الأهالي، إلى مغادرة الريف، والزوج إلى الضواحي الفقيرة المزدحمة البائسة، التي تحيط بكل مدينة كبرى بالجرائر.
стр. 364
وفي بداية هذا الأسبوع، كان يبدو أن موليه قد تراجع، أمام القائلين بأن القوة والقوة وحدها، هي السبيل العملي للاحتفاظ بالسيطرة على الموقف في الجزائر، وهذا بطبيعة الحال، قد يكون صحيحا لفترة قصيرة. ولكن التجربة المرة التي عرفتها فرنسا، قد دلتها على أن القوة لم تستطع أن تحقق شيئا مذكورا في سبيل وقف تيار الوطنية الصاعد في شمالي إفريقيا.
توضيحات، وتعليقات ... لا بد منها
لا يمكن للقارئ العادي أن يخرج من مثل هذا الاستعراض، بفكرة نظيفة، ما لم نوضح له أكثر من حقيقة واحدة، وما لم نعلق على أكثر من رأي واحد، وقبل ذلك كله، نريد أن نذكر بأن الأمريكان، هم الذين يقولون بأن الكذب، هو من أعظم المؤهلات الصحفية، وللتدليل على ذلك، وللترويح على القارئ معا، نروي هذه القصة الطريفة، قالت الصحف:
زار مصر أخيرا "روبرت كروميك" صاحب جريدة "شيكاغو تريبون" ومن ألطف فكاهات الصحفية التي رواها قال: جاءني صحفي شاب، يرجو أن أعينه في "شيكاغو تريبون" فسألته: أوتجيد الكذب؟ قال أعتقد أنه بوسعي أن أتدرب على إجادته، قلت إذن إذهب وتدرب أولا، ثم عد إلي بعد حدقه.
ويعقب الصحفي الأمريكي الكبير، على ذلك قائلا: لست أعدو الواقع، إذا قلت أن الكذب أصبح من مؤهلات الصحافة الأمريكية، وهذا الذي يذهب إليه الصحفي الأمريكي، حقيقة لا يختلف فيها اثنان، وحقيقة أخرى، هي أن الكذب لها سوق تجارية، ترتفع فيها الأسعار وتنزل، تبعا لقاعدة العرض والطلب، وشأن الكذب في ذلك، كشأن جميع البضائع التي تتداولها أيدي التجار، والذي يعرف خليط المستعمرين في الجزائر، يعلم ولا شك، أنهم أسخى خلق الله، في البذل على الكذب،
стр. 365
فما تركوا رئيسا، ولا وزيرا، ولا نائبا، ولا زعيما، ولا صحفيا، في فرنسا وفي غير فرنسا، ومن كل أرض لهم فيها مصلحة، إلا وساوموه، وأغلوا الثمن في شراء ذمته، وقد وقع في فخهم عدد كبير من كبار الرجال، فصنعوا منهم أكبر الكذابين.
ولقد علمنا، نحن الجزائريين، الذين أجبرتنا رذالتهم، إلى ملاحقة مؤامراتهم في السر والعلن، بأنهم اعتمدوا عشرات الملايين من الفرنكات، لشراء الذمم في هيئة الأمم المتحدة، حتى لا يؤيدوا حق الجزائريين البائسين ضدهم، ومعنى ذلك أنهم يشترون أو يحاولون شراء دولا في شخص وفودها وممثليها.
وتدل الظواهر والقرائن على أنهم حتى في هذا الميدان العالي، قد نجحوا في كثير من الأحيان، ولا يستغربن القارئ من هذه المحاولات الجبارة، ومن هذا البذل الواسع، فإن هؤلاء المستعمرين، ذوي النفوس الحقيرة، إنما هم تجار ماكرون ماهرون، فقدوا معاني الإنسانية، والشرف في سبيل الربح غير الحلال، فإذا أنفقوا عشرات الآلاف في سبيل الإبقاء على سلطانهم، في الجزائر، فإن هذا السلطان هو نفسه، يضمن لهم مئات الملايين على حساب أولئك المستضعفين من الجزائريين، ونحن نقصد من وراء هذه الفذلكة، أن يعرف القارئ أن كل ما تنشره الصحف الأوروبية والأمريكية وفي بعض الصحف الشرقية، إنما هو بضاعة واقعة دائما، أو في كثير من الأحيان، تحت تأثير هذا العامل الجبار، أعني البيع والشراء ومع ذلك فما تخلو أعمدة هذه الصحف من حقائق، ولو كانت مصحوبة بشيء من الغموض المقصود أو غير المقصود.
وهذا المقال الذي بين أيدينا "للنيوزويك" الأمريكية هو من هذا القبيل، لما فيه من حقائق، ولما فيه من غموض.
ولنشرح إذن هذه الحقائق، ولنوضح ذلك الغموض، أن الحقيقة الأولى والكبرى، هي أن الوطنيين الجزائريين لا يريدون حقا إجراء انتخابات في وطنهم على النحو الذي يريده الاستعمار، والذي لا يقبله إلا من هان على نفسه أو عير الحي والوتد، والغريب في حكام فرنسا الجريئين على الكذب، والدجل، وفي
стр. 366
مقدمتهم الاشتراكي الشاب الرئيس "جين مولييه" أنهم يعلنون في كل مناسبة، وفي غير مناسبة، وفي معرض المن والوعود الكريمة الديمقراطية، السخية، بأنهم مستعدون لإجراء انتخابات حرة في الجزائر إذا وضع الثوار أسلحتهم، واستسلموا للسلطات الاستعمارية، من غير قيد ولا شرط.
سبحانك ربي، ما أوقح هؤلاء الحكام وما أصغر هذه النفوس التي ترضى موضع سخرية الأطفال، في الجزائر، وفي غير الجزائر، وما أجرأهم على التضليل، وعلى الهذيان.
الواقع أن القارئ العادي، الخالي الذهن، حينما يقرأ أو يستمع إلى تصريحات الحكام الفرنسيين، وإلى نداءاتهم المتكررة، التي يوجهونها إلى الثوار، يظن، بل يعتقد حتما، أن أمنية الجزائريين الكبرى التي قامت من أجلها الثورة، هي إجراء انتخابات حرة فيها، مع أن الحقيقة الخالدة التي يعرفها حكام فرنسا المفترون، قبل أي أحد من الناس، هي أن أبغض شيء إلى الجزائريين عامة، وإلى الثوار بصفة خاصة، هو هذه الانتخابات السافلة التي يعرضها عليهم حكام فرنسا، كهدية ثمينة، وترضية لهم كريمة، والعلة في ثورة الجزائريين على هذه الانتخابات، معروفة فيهم عند الخاص والعام، فهي إلى جانب كونها لم تسلم ولا يمكن أن تسلم مرة واحدة من التزوير الفاضح، فهي قائمة على قواعد استعمارية وقحة، سلبتها كل هيئة الانتخابات، من المعاني الكريمة ويكفي أن يعلم القارئ، أن أكبر هيئة انتخابية في الجزائر هي ما يسمونه المجلس الجزائري وعدد أعضاء هذا المجلس (١٢٠) عضوا لكن نصفهم يمثل ثمانمائة ألفا من المستعمرين الأوروبيتين، والنصف الآخر يمثل أحد عشر مليونا من أبناء الوطن العربي المسلمين.
أما المجالس المحلية، من بلدية ومديرية وغيرها، فهي أسوء من ذلك بكثير، لأن الجزائريين فيها، لا يمثلون أكثر من الثلث. وإذا علمت إلى جانب ذلك، بأن جهاز الإدارة التي تجري الانتخابات في الجزائر، هو كله من المتفرنسين، ابتداء من البواب، والبوليس العادي، إلى أن تصل إلى الحاكم العام، ثم إذا علمت مع ذلك أن أولئك المستعمرين، يملكون أكثر من نصف ثروة الجزائر، يستطيعون أن يشتروا بأموالهم أرفع الذمم.
стр. 367
إذا علمت كل ذلك، استطعت أن تفهم، وتقتنع بأن ثورة الجزائر، إنما قامت لأجل أن تقضي على هذا النوع من الانتخابات الملعونة، بل على هذا الضرب من الإهانات، التي تنزل بكرامة الأمة العريقة، إلى مستوى العبيد. ومع ذلك كله تسمع حكام فرنسا، في كل موقف كريم، وفي كل دعوة إلى السلام، يجعلون أسخى عروضهم، على الجزائريين، هي هذه الانتخابات السخيفة.
الحقيقة أن الذي يعرف الأوضاع في الجزائر كما هي، ثم يسمع عروض أولئك الحكام، ولم يكن يملك ثلاجة يضع فيها أعصابه، فإنه لا يسعه إلا أن يخرج عن وقاره، ولربما يخرج عن آداب دينه، فيسب ويلعن ...
ولقد أعلنا مئات المرات، أن الانتخابات التي يؤيدها الجزائريون في وطنهم، وأمتهم، ويقاتلون من أجلها، حتى النصر أو الفناء. إنما هي مثل انتخابات الفرنسيين في وطنهم وأمتهم، سواء بسواء.
تلك الانتخابات التي سبقنا إلى المطالبة بها، ويسبقونا إلى الثورات، والقتال، وإعدام ملوكهم، من أجل الحصول عليها، وهم ما يزالون يباهون، ويفتخرون، حتى اليوم بتلك الفعال كلها.
فهل يليق بكرامتهم، وأمجادهم، وتاريخهم، أو هل يليق بمنطق الذي يحتكم إليه الناس، أن يلوحوا علينا إذ قلنا لهم:
نحن على آثاركم مقتدون، وعلى طريقتكم المفضلة سائرون، وعلى كل حال، فليعلم الفرنسيون أننا، والله العالي القهار، لنقاتلن كل من يقف في طريقنا هذه التي سبقتمونا إلى سلوكها، ولو كان الواقف فيها، من أعز الناس لدينا، ولو كان من ملوكنا وعظمائنا.
فكيف لو كان من جلادينا، وممن لا يريدوا أن يعترفوا لنا بحق اشتريناه بدمائنا.
نعم اشتريناه بدمائنا - رغم كونه حقا طبيعيا لنا - يوم قدمنا مئات الآلاف من زهرة شبابنا، ليحققوا لكم النصر، في حربين عالميتين، لم تكونوا فيهما شيئا معتبرا راجحا لولا
стр. 368
قوى الجزائريين وبلاؤهم، أن تظنون، أنه ما يزال في الإمكان، أن تظل هذه القوى إلى جانبكم، وحريتهم مسلوبة، وغدركم بهم، واحتقاركم لهم، سنن دائمة خالدة .. ؟ كلا يا سادة، إذا لم تريدوا أن تعقلوا جيدا، وتفكروا في مصلحتكم الحقيقية البعيدة، فإنكم ستجدوننا أمام الدفاع عن كياننا أجن من المجانين بإذن الله، ولن يبقى يومئذ في الدنيا حرام نمتنع عن استعماله ضد وحشيتكم واستعبادكم والله المستعان.
الحقيقة الثانية: إن محاولة إدماج الجزائر في فرنسا، لن يؤدي حقا إلا إلى استمرار الحرب لمدة أطول، لأن هذه المحاولة، مخالفة لكل القواعد التي تسير عليها الطبيعة، وتسير عليها البشرية في حياتها، فجمع الليل مع النهار، ودمج بعضها في بعض آخر تأباه قوانين الطبيعة، ومحاولته عبث يتنزه عنه حتى الأطفال، وكذلك دمج أمتين في بعضهما ولم يكن يجمع بينهما في الأصول، ولا فيما تعاشرا فيه من أعوام، سوى ما يجمع بين الذئب والحمل، وبين الأضداد من الأشياء، والحياة البشرية الكريمة تأبى كذلك، أن تتألف شركة بين أفراد من الناس، يكون فريقا منها عبيدا، وفريق آخر سادة، ومما يحسن توضيحه هنا، وهو يبعث على الضحك والبكاء في آن واحد، هو أن الفرنسيين، وخاصة حكامهم وزعماؤهم، ملأوا أجواء الفضاء ادعاء وصراخا بأن الجزائر فرنسية، وأن أهلها فرنسيون، وأنه لا تعتريهم حالة من الهستيريا، حينما يأبى عاقل أن يصدقهم في ذلك، حتى لو كان هذا العاقل، هو مجلس هيئة الأمم المتحدة بجلالة قدره، فلقد انسحب وفدهم من المجلس فعلا، احتجاجا على قبوله النظر في قضية الجزائر، على اعتبار أنها شيء آخر غير فرنسا. ومع ذلك كله، لا يخجل هؤلاء الحكام البرابرة، أن يواجهوا الدنيا في الوقت نفسه، بقوانين يسنونها، وأنظمة يضعونها خاصة بالجزائريين دون الفرنسيين ولم تكن مألوفة حتى العصور الحجرية. وإذا كان الفرنسيون لا يملون في تكرار الكذب والافتراء، فإنه من حقنا، ومن حق القارئ علينا، أن نكرر قول الحق والواقع.
هذا الحق وهذا الواقع يا حضرة القارئ، هو أن هذا الجزائري، الذي يزعم الفرنسيون في غير حياء، أنه فرنسي، لا تسمح له القوانين الفرنسية، أن يكون موظفا إداريا، فوق
стр. 369
رتبة مختار، أو عمدة، ولا موظفا قضائيا فوق رتبة باش كاتب، ولا موظفا عسكريا فوق رتبة رئيس، ولا يجوز أن يكون ضابطا بوليسيا، فضلا عن رئيس ومعاون رئيس، ولا تسمح له القوانين الديمقراطية الفرنسية، أن يكون رئيس بلدية ولا نائبا أولا.
والجزائري، هذا الذي يقولون عنه أنه فرنسي. فإنه محروم من كل ما يتمتع به الفرنسي الأوروبي الأصل، من مزايا اقتصادية مع الحكومة والبنوك وغيرها، وقد علمت موقف القانون الفرنسي، من الجزائريين في الانتخابات، فهو فيها دون قاعدة الإرث ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ النساء: ١١.
هذا نموذج صغير، للفروق المكرسة بين الجزائريين والفرنسيين، في الحقوق والواجبات، والقاعدة مطردة في بقية الأمور جميعا، من الأعلى حتى الأسفل.
ذلك أن حق الجزائريين في التمثيل البرلماني في باريس، كان يجب أن يكون لهم (٢٠٠) نائبا في المجلس الوطني، ولكن الذي سمح لهم به هذا القانون الاندماجي المزعوم، الذي يستند إليه الفرنسيون، ويتبجحون به، هو ثلاثة عشر نائبا فقط.
الحقيقة الثالثة: أنه كان بالجزائر جماعة من المعتدلين فعلا، ومن الذين يميلون إلى التعاون مع فرنسا، على تسامح كبير في حقوق أمتهم خضوعا للواقع المر من جهة وأملا في أن يعقل الفرنسيون يوما من جهة أخرى فيخطون خطوة عملية إلى الأمام حتى يلتقي الفريقان في الوسط، ثم يعيش الجميع في تعاون وسلام.
لكن جحود الفرنسيين وتألههم على الجزائريين، ونكرانهم لكل جميل، وجمودهم الاستعماري، الذي لا يقبل أدنى تطور مع الزمن، مع ما عرفوا به من مكر وخداع واحتقار للجميع، كل ذلك حمل آخر المعتدلين إلى الكفر بإنسانية فرنسا، وإلى اليأس من إنصافها، لذلك تسمع من كبار أولئك المعتدلين اليوم صيحات اليأس مدوية، ويعلنونها في وجه فرنسا، وفي ملأ من الدنيا.
стр. 370
هذا الدكتور ابن جلول، رئيس جمعية النواب السابق، وأكبر المعتدلين من كان ينعته المتحمسون بصنيعه فرنسا والاستعمار، يقول هذا المعتدل الكبير في تصريح لشركة "روتر":
لم يعد لنا أي ثقة في فرنسا، ولم يبق إلا السير وراء الثورة ورجالها ويقول: إن فرنسا التي عجزت عن حماية رئيسها، لا تستطيع أن تحمي الجزائريين، وأن الذي يجب أن يحمي الجزائر، هو الجيش الجزائري، والبوليس الجزائري.
وهذا الدكتور عيسى بن سالم، من طراز ابن جلول يقول لمراسل "نيزويك": نحن مسلمين، قد فقدنا كل ثقة بفرنسا، وحوادث كل يوم، تزيدنا اقتناعا، بأن العنف يؤدي إلى نتائج إيجابية، وهو يعني بذلك استفحال أمر الثورة.
وهذا الأستاذ صلاح مصباح، رئيس المجلس الجزائري السابق، ومن أعرق الأسر المعتدلة الموالية لفرنسا يقول:
إن الدم يجب الآن أن يبذل بشكل متزايد، ونحن المعتدلين، لا ندعي، أن في وسعنا السيطرة على شعبنا، لأن ٩٥./. منهم خاضعون، لسيطرة المقاتلين الوطنيين، التابعين لجيش التحرير، هذا وإن الذي يعرف الأوضاع في الجزائر جيدا، ليتأكد ويغمره اليقين بأن فرنسا، بعد خسارة أولئك المعتدلين، لم يبق لها في الجزائر، من تستطيع أن تستميله إليها ولو بذلت أغلى ما يبذله الخادعون الماكرون من المستعمرين.
وإذا كان المعتدلون على لسان الأستاذ مصباح، يعترفون علنا بأن ٩٥ بالمائة خاضعون للثوار، فإن الذي يقدره مثلي في الواقع، أن الخاضعين للثوار هم ٩٩./. وكسور، ومع ذلك فلا يخجل حكام فرنسا، أن يصفوا الثوار للدنيا، بأنهم جماعة من اللصوص وقطاع الطرق، وهم يحسبون أنهم بهذا الأسلوب من الدعاية، إنما يخدمون قضيتهم، والواقع أنهم بهذا الأسلوب الصغير، إنما يزيدون في النار اشتعالا، لأن معنى الثوار لصوص، أن الأمة الجزائرية كلها لصوص، وهذا نوع من
стр. 371
الاحتقار، الذي يستفز حتى البارد القاعد من الجزائريين، ونحن أعرف الناس بطباع أهلنا وأمتنا، ولكن الفرنسيين فقدوا صوابهم، وضاعت منهم الحكمة، وسيطرت عليهم الشهوة ورشوة المستعمرين ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ الشعراء: ٢٢٧.
الحقيقة الرابعة: أن القائمين على رسالة تأييد استرقاق الجزائريين، إنما هم عصابة من أرباب المصالح فيها، وكل ميزاتهم أنهم يملكون الملايير من الفرنكات، ويملكون نفوذا دونه نفوذ الملوك والسلاطين في العصور الغابرة، وأفراد هذه العصابة المتمردة، لا تجمعهم إلا رابطة المصلحة المادية والشخصية. وأكثريتهم الساحقة لا يمتون بعرق إلى الجنس الفرنسي الباتة، وإنما صاروا فرنسيين قانونا بحكم التجنيس فقط.
والدليل القاطع على ذلك، أن الزعيمين المتطرفين منهم، هما هذان اللذان يذكرهما مراسل جريدة "النيوزويك" وأحدهما كورسيكي الأصل، وهو "جان باتيست بياجى" والثاني إسباني الأصل وهو "أندري إشياري" وكل زعماء العصابة الاستعمارية، هم أحد الشخصين. إما أن يكون صاحب مصلحة مباشرة، وإما أن يكون مستأجرا للعصابة بأثمان غالية.
أما الذي يدفع الحساب الغالي في النهاية، فهو الشعب الفرنسي المسكين، وطالما نصحنا لهذا الشعب، مخلصين، صادقين، بأن يستفيق من غفلته الطويلة، ويضع يده الحديدية، مباشرة، على ميكروب هذا السرطان الاستعماري المدمر، فيريح نفه ويريح الناس، ولكن القرائن تدل على أنه حتى الآن، قد عمل أعمالا دون المطلوب. ولكنه لم يضرب بعد، ضربته الحاسمة المطلوبة ولعله فاعل ذلك بعد حين قريب، نرجو أن يوفق إلى القيام بواجبه كاملا وسريعا، قبل أن تحل به وبغيره الكارثة الكبرى.
نشرت في الحياة والمنار وبيروت المساء في مارس ٥٦.
стр. 372
لن نستكين وفي أرواحنا قبس
قوافل المجد سيرى في ذرى العلم ... واستقبلي الفجر مسفوحا على القمم
قوافل المجد نحن الركب فانطلقي ... فهذه الأرض لا نامت على الحلم ..
حلم اللقاء مع الأمجاد ما برحت ... رؤى الشروق تناجيه ولم تنم
حلم التوحد لا نجد ولا يمن ... سوى العروبة لفظا ثائرا بفم
يا إخوة القيد يطوي في معاصمنا ... وحول أعناقنا دهرا من الظلم
قد آن للقيد أن ينفك منكسرا ... عن معصم الحق مصهورا من الألم
يا إخوة الأرض هذي الأرض ما برحت ... ظمأى إلى الثأر لن تروى بغير دم
ظمأى إلى البذل والحشد الكبير لقى ... في هوة البؤس والتشريد والعدم
والحاكمون عبيد الذل ما لبثوا ... يساومون على الأمجاد باللقم
ويشترون بنا، بالشعب أسلحة ... كأنما السوط لم يشفع لذي نقم
هم الطغاة ونحن الشعب لا عجب ... إذا تهاووا غدا كالحائط الهرم
نحن الطليعة في أقدارهم كتبت ... ثاراتنا الحمر يوما ثائر الحمم
غدا نسير بلى، بل سار موكبنا ... وتلك آثارنا في الحزن والأكم
في المغرب الحر، في الأردن من دمنا ... يفوح للعرب أزكى عاطر النسم
"رجاء" في القدس تحكي أننا بشر ... وأننا عن هوان "الحلف" لم ننم
وفي الجزائر كم أخت لها سقطت ... شهيدة الحق، ياللجود والكرم
هناك ثارت على الطغيان أمتنا ... تهدي الحياة دروس الكبر والشمم
ونصرة الحق إذ كانت مقدسة ... لا يسأل البذل في ساحاتها بكم
وما الألوف التي جادت بأنفسها ... إلا الطريق لسيل جارف عرم
стр. 373
سيملأ الأرض أشلاء وأضرحة ... ويصبغ الأفق في إشراقه بدم
حتى يزول عن الأوطان غاصبها ... ويشتفي الثأر من جلادها النهم
يا إخوة المجد هذا عهدنا قسم ... نهديه أمتتا، يا روعة الشم
لن نستكين وفي أرواحنا قبس ... من العروبة تذكي فاتر الهمم
.. لن نستكين وفي أعماق أمتنا ... الثأر يهدر لحنا راعب النغم.
عن مجلة الرأي شعر زهير القاسم
هل تكون الجزائر الشرارة الأولى لحرب عالمية ثالثة ؟ ...
ليس من البعيد أن تكون الجزائر والمغرب العربي، هي الشرارة الأولى، لاندلاع حرب عالمية ثالثة، وليس من البعيد في الوقت نفسه، أن تنزل فيها ولأول مرة في التاريخ، القنبلة الذرية الهيدروجينية إلى الميدان وإلى العمل، ومن يدري لعلها تكون بها يومئذ نهاية العالم، ونهاية الإنسانية، فيستريح من هذه الدنيا الآلهة المستعمرون، ويستريح منهم أولئك الأحرار المستضعفون، وهذا ظن قوي جدا، ومبني على أصول، لا يختلف طرفان منصفان في خطورتها، ذلك أن في الجزائر والمغرب العربي، جالية أوروبية طارئة على هذه البلاد، بسبب الغزو والاستعمار، ومتجمعة من جميع أطراف القارة والبحر الأبيض المتوسط، وكان أغلبها، إن لم يكن كلها، من بيئات حقيرة سافلة. وكان همها الوحيد، منذ نزلت في هذه الديار، هو اغتنام فرصة انهزام الأمة، لجمع المال الحرام، وبجميع الوسائل الاستعمارية الحقيرة، فأثرت بسرعة إثراء فاحشا، رفعها من الدرك الأسفل، إلى الأوج. وكسب لها هذا الإثراء على حساب أشقاء الجزائريين، من النفوذ ما جعل سياسة فرنسا، فضلا عن الجزائر، تابعة في كثير من الأحيان لمصالحها وشهواتها، وذلك بسبب ما تبذله من أموال طائلة، في سبيل شراء ذمم بعض النواب والوزراء،
стр. 374
وشراء الصحف وشراء بعض الغوغاء لاستعمالهم في صغار الأمور، كالمظاهرات، والإضرابات، وما أشبه ذلك، هذه الجالية المتفرنسة، أو هذا الخليط الاستغلالي الغريب التركيب، وعددهم يقدر بنحو مليون نفس، في وسط ثلاثين مليونا من العرب، أرباب البلاد الأصليين، لا يرضون إلى أيامنا هذه، التي تحرر فيها حتى الزنوج وأكلة لحوم البشر، بأن يكون الجزائريون والمغاربة أقل من العبيد. لم يرضوا بالاستقلال طبعا، ولو كان أعرج أعور أصم أبكم مقطوع الأطراف، كالذي زعموه في تونس. ولم يرضوا في الجزائر بالاتحاد ولا بالاندماج، ولا بالامتزاج، ولا بالإصلاحات، ولا بأي قصيد من هذه القصائد الفاجرة المخادعة، التي ينشدها لنا من حين لآخر حكام فرنسا الجبناء الحائرون. بنعم إنهم المساكين حائرون، لأنهم يعرفون من جهة، أن الأمة الجزائرية مظلومة بألوان من الظلم، لا تحتمله العصور المظلمة المتوحشة، فضلا عن القرن العشرين، وأنهم يعرفون، بأن بقاء هذا النوع من الظلم في هذا العصر بالذات، وعلى هذه الأمة العريقة الجبارة بالذات، إنما هو ضرب من المستحيل، وأن استمراره لا يعود على فرنسا نفسها، إلا بأسوأ العواقب، ومن جهة أخرى، فإنهم لا يجرؤون على مواجهة الحق، وإغضاب أولئك المستعمرين من آلهة المال، إما رغبة أو رهبة أو هما معا.
ففي هذه الدوامة العجيبة، ظلت الأمة الجزائرية قرنا وربع قرن، تعيش في عذاب وشقاء، وفي ثورات وحروب، وكان إلى وقت قريب، ما يزال فيها من يحسن بعض الظن بمجموع الفرنسيين، ويبني على ذلك بعض الآمال، في الحصول على الإنصاف أو بعضه، ولو بعد حين، ولكن مرت الأيام والسنون، بل مرت القرون، فتبدلت عقلية أهل الأرض جميعا، إلا فرنسا الاستعمارية، وقفت جامدة وعاجزة أمام مائتي أسرة من الاستغلاليين، لم تستطع أن تفرض عليهم سلطانها، ولم تتقدم مع ركب الحياة ولو خطوة واحدة، لتنصف أولئك المظلومين، ولتريح نفسها من متاعب القمع، التي ليس لها نهاية.
стр. 375
لم يبق في الجزائر معتدل ومتطرف
بعد هذا كله، وبعد أن استقل أهل آسيا من الوثنيين، واستقل زنوج إفريقيا، حتى من أكلة لحوم البشر والعريانين، ولم تفكر فرنسا ذات التاريخ الطويل العريض في الثورات، على الاستبداد، لم تفكر في السماح ولو بقسط صغير من الحرية، لمن كانوا من قبل أسيادا لها، ومعلمين ومناصرين وممدنين، أعني أبناء الجزائر الأبطال.
هنا شمل اليأس الجميع، ولم يبق معتدل ومتطرف، ولم يبق في الأمة جميعا، من يحمل للاستعمار الفرنسي ذرة من ثقة أو من احترام، لا سيما بعد تلك المحاولة الأخيرة الفاشلة، التي قام بها رئيس حكومتهم الاشتراكي مسيو جي موليه، حيث استقبله خليط من المتفرنسين في الجزائر، بالطماطم الفاسدة، والشتائم القذرة، وطردوه منها أشنع طرد، ولم يستطع الجيش والبواليس الفرنسي أن يحموا رئيس حكومتهم ويدفعوا عنه الأذى، الأمر الذي دعا آخر رجل في الجزائر، كان يمكن أن يقبل التعاون مع الفرنسيين، في حدود الكرامة والمصلحة المشتركة، وذلك هو الدكتور ابن جلول رئيس اتحاد النواب السابق، إذ أعلن في مؤتمر صحفي عام، بأن أي تعاون مع فرنسا لم يعد في الإمكان، وأن استقلال الجزائر التام هو المتعين، وأن طريقة الثوار هي التي يجب أن تحتذى.
وقال الدكتور ابن جلول: إن الدولة التي تعجز عن حماية رئيسها، لهي عن حماية الجزائريين أعجز، وأن الذي يجب أن يحمي الجزائر والجزائريين، هو الجيش الجزائري والبوليس الجزائري فقط. وأعتقد أن تصريح هذا الرجل الكبير ذا الميول التعاونية القوية، يكمل نصاب الإجماع في الجزائر، على المطالبة بالاستقلال التام، ولا شيء سوى الاستقلال.
هذا ونحن ننكر، أن الشعب الفرنسي في مجموعه، فيه نبل، وفيه وعي، ولعله يريد أن ينقذ نفسه، من استعباد أولئك الطغاة، لأنه هو الضحية دائما، فهو الذي يقدم
стр. 376
ثمرة عرقه في الضرائب الحربية، وهو الذي يقدم دماءه في الحروب الاستعمارية، وهو الذي يتيتم أطفاله، وترمل نساؤه، ويتشوه رجاله، ولكنه حتى الآن مع الأسف، قد عجز عن القيام بعمل جدي حاسم، يريح نفسه ويريح به الناس، ونحن نرى أنه في كل الأحوال، هو المسؤول عن كل ما يجري باسمه ولو كان كارها، ولن ترفع عنه المسؤولية، حتى يجبر جلاديه وجلادي الأحرار، بواسطته وباسمه على العدل، ولو كان ذلك بثورة شعبية مسلحة، لأن الثورة قد تكلفه شقاوة الأمة الأبدي.
لقد زعمنا في صدر هذا المقال، أن الوضع في ديار الجزائر والمغرب، قد يسبب قيام حرب عالمية ثالثة لا تبقى ولا تذر، والذي يرجح هذا الاحتمال، هو هذا الذي شرحناه عن موقف الاستعمار الفرنسي من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الشعب الجزائري خاصة، والمغرب العربي عامة، لم يعد يطيق هذا النوع من الاستعباد وهذا الضرب من الإهانات التي لا نهاية لها، ومن الاحتقار الذي لا حد له، وقد عزم عزم الأباة البائسين، على التخلص من كل ذلك، وهو اليوم مستميت، بجميع طبقاته، حتى لم يعد فيه، بحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، طبقات، لأن الكل مستعبد ومهمل ومحتقر، وقد اتخذ قراره نهائيا، وهو يتلخص في كلمتين موجزتين، إما حرية واستقلال، وإما استشهاد وفناء، ولن يثنيه عن عزمه إلا تحقيق إحداها.
على أننا نتمنى من أعماق قلوبنا أن تكون الأولى، كما نتمنى في الوقت نفسه أن يسود السلام بيننا وبين الشعب الفرنسي العريق، ولكن لم يعد الاختيار لنا، وإنما الاختيار اليوم للشعب الفرنسي نفسه، نرجو أن يستعمل جرأته، وأن يحسن الاختيار، على أننا لو فرضنا البعيد، وقدرنا أن فرنسا الاستعمارية قد اتسطاعت اليوم، أن تسكت الثورة، فإننا على يقين بأن ثورة أخرى غدا ستقوم أشد منها، ولو أسكتت الثانية ستقوم ثالثة أعنف، إلى أن تفنى هذه الأمة عن بكرة أبيها، أو يعترف لها بإنسانيتها وحريتها، وهذه طبعا حالق يأس، والمعلوم أن اليائس كالمجنون، لا يهمه خراب العالم: من باب: "علي وعلى
стр. 377
أعدائي يا رب" ومن قبيل: "إذا مت عطشانا فلا نزل القطر" وقد لا يعدم اليائس في هذا الخضم الدولي المضطرب، وسيلة لإشراك العالم كله في الخراب والدمار، ونحن وإن كنا في يأس تام من آلهة الاستعمار، وممن جربوا في حكم فرنسا حتى الآن، ولكننا لا نزال على شيء من الأمل في الشعب الفرنسي نفسه، لعله يدرك الخطر الذي يهدده، فيجرؤ على العمل الحاسم، ليدفع عن نفسه البلاء المحتم، قبل دفعه عن الناس ولنا بعض الأمل في الرأي العام الدولي الحر، لعله يستطيع أن ينفذ حرارته إلى هذه العقدة الدولية، فيساعد على حلها قبل الكارثة الكبرى، خدمة للسلم العام، ولراحة الإنسانية المعذبة.
نشرت في الحياة والمنار وبيروت المساء آذار ١٩٥٦
فرنسي كبير يسفه مزاعم كبار الفرنسيين
لقد جندت فرنسا في هذه الأيام، كل رجالها العظماء، للقيام بحملات من الكذب والبهتان، حول قضية الجزائر، كل ذلك لأجل أن تحمل الرأي العام المحلي والعالمي، على التصديق بأن الجزائر، إنما هي قطعة من فرنسا، وأن الأمة الجزائرية، إنما هي قطيع تابع لفرنسا، وأن المحافظة على هذه القطعة وعلى هذا القطيع إنما هي من الأمور المقدسة، التي تفرضها المصلحة الوطنية والإنسانية معا، فبهذا الهذيان، تحاول فرنسا الاستعمارية، أن تبرر أعمالها البربرية في تلك الديار، وأن تبرر ما تهدره من دماء الشعب الفرنسي وأمواله، ولكن أبناء فرنسا، ليسوا كلهم على هذا القدر من الغفلة، أو من التنكر للحق والعدل، فمن كبار أحرار فرنسا الذين تفخر بهم أمجاد فرنسا الحقة وثوراتها التحريرية، الكاتب الكبير "مسيو كلود بورديه" رئيس تحرير جريدة "فرانس أبسرفاتور" وقد اعتقل وأوذي مرارا في سبيل آرائه الحرة نحو الجزائر، ونحن نسجل له هنا مقالا قيما نشره في جريدته فرانس أبسرفاتور في مارس ١٩٥٦، يفند فيه كل مزاعم المستعمرين، قال الكاتب لا فض فوه: -
стр. 378
تحاول صحافة باريس في كل يوم، أن تقنع مواطنينا بأن يكرسوا ما في وسعهم من المال، وما في وسعهم إذا اقتضى الأمر، من الأرواح الفرنسية في حرب الجزائر وفوق ذلك فإن حكومتنا التي تعرف، بأن لا حياة لها، إلا بالوصول إلى السلم، وتعرف بأن عليها أن تبذل المستحيل، لكي توفر الهدوء اللازم الذي لا بد من وجوده، لكي نمكن البدء بأي نوع من المفاوضة، أجل فإن حكومتنا هذه، تنشر الآن فيلما "ثقافيا" يبعث على الأسف الشديد، غايته جعل المتفرج يتصور بأن الحرب، إن لم يكن شيئا منشطا وجميلا، فهي على الأقل شرعية ولا بد منها.
هذه الدعاية تجد وللأسف، منبتا خصبا في ضمائر كثير من الفرنسيين، يفضل الصورة المزيفة التي كونوها من خلال الكتب المدرسية، التي تصدر منذ مائة عام، وتبحث في الاستعمار والاحتلال، ولم ينج من هذا الزيف، سوى التلامذة الذين تتبعوا التاريخ الاستعماري، وأولئك الذين دفعهم الفضول للبحث في المراجع الأصلية، والعمال الذين اطلعوا على الحقيقة، عن طريق المنظمات العالمية، أولئك فقط هم الذين تسنى لهم أن يدركوا الهوة التي تفصل بين تاريخ الجزائر "العلمي" والتاريخ "الابتدائي والثانوي" الذي درسه جميع الفرنسيين، ولذا رأينا هنالك رد فعل "بافلوفي" يتكون لدى الكثير من مواطنينا، شبيه بذلك الذي أدى إلى خوضنا حرب الهند الصينية. "الجزائر هي فرنسا"، "ماذا يحل بهم لو تركناهم"؟، بفضل هذه النداءات، نستبيح كل المجازر، ونتأمل بكل الفوائد والأرباح!!
ولئن كنا لا نملك الجمهور الذي تملكه الصحافة الكبرى، أو صالات السينما، بل رواد الكتب المدرسية، إلا أننا نفخر بصحة ما ننشره ونذيعه، هذه الصحة التي تؤكدها الحوادث في كل يوم، ونفخر بعشرات الألوف من قرائنا وأصدقائنا، يساهمون معنا في توضيح الحقيقة، وتحذير الرأي العام.
إننا نريد اليوم، أن نساعد أولئك الذين لا يعرفون المؤلفات العلمية، التي تبحث عن الجزائر، وذلك بأن نقدم لهم بشكل موجز، بعض الأجوبة على بعض الحجج
стр. 379
التقليدية، على أن هذا لا يغنيهم عن الرجوع إلى الكتب الأساسية، ككتاب "تاريخ إفريقيا الشمالية لشارل أندريه جوليان" وكتاب "الجزائر الخارجة عن القانون" لمؤلفيه كوليت وفرانسيس جونسون، اللذين نحث قراءنا على الرجوع إليهما.
الجزائر دولة قائمة بالفعل
الحجة الأولى: "لم تكن الجزائر دولة مستقلة حين احتلتها فرنسا، وإنما كانت من الممتلكات التركية".
الجواب: إن تكوين فكرة صحيحة عن الوعي القومي الجزائري، قبل عام ١٨٣٠، هو بالطبع أمر صعب جدا، ولكن من الثابت، أنها كانت دولة قائمة بالفعل، ومستقلة إلى حد بعيد عن الباب العالي. ومع هذه الدولة، خاضت فرنسا الحرب عدة مرات، وعملت في عهد هنري الرابع وفرانسوا الأول على عقد معاهدة معها. وأنشئت العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا ودولة الجزائر هذه منذ عام ١٥٦١، وهي التي في عام ١٧٩٣ غذت فرنسا في عهد حكومة المؤتمر الوطني، بالقمح والقنب والخيل الخ ..
كذلك فإن إنكلترا وهولندا والولايات المتحدة عام ١٧٩٥ - قد عقدت معاهدات مع الجزائر.
ثورة عبد القادر
وأما الشعور القومي بعد ١٨٣٠، فيكفي للتدليل عليه أن نذكر بأن الاحتلال، أدى إلى ثورة عبد القادر، الذي صمد في وجه الفرنسيين حتى عام ١٨٤٧، والذي عقدت فرنسا معه معاهدتي ١٨٣٤ و ١٨٣٧، والذي احتجنا لكي نقضي عليه، إلى "٤٠ ألف فرنسي وخمسمئة مليون فرنك" - (من كتاب إفريقيا الشمالية لجوليان) - أي ما يعادل اليوم مائة مليار فرنك، ويجدر بنا أن نذكر ما كتبه الجنرال كافينياك نفسه
стр. 380
بهذه المنسابة "لا يمكن لأمة تفقد استقلالها، إلا أن تحزن وتتألم. ولذا فإن المقاومة تبقى في روحها. وإذا ما قبلت بالواقع، فإن قبولها يعني التحمل لا الرضا".
الاحتلال .. لتصريف البضائع
الحجة الثانية: "لقد احتلت فرنسا الجزائر لكي تضع حدا لنشاط القراصنة".
الجواب: إن السبب المباشر للاحتلال، هو النزاع الذي قام بين الحكومة الملكية الفرنسية، وبين سلطان الجزائر بشأن الديون التي كانت للسلطان بذمة جمهوريتنا الأولى. فقد كانت هذه الديون، سبيلا لعمليات فاسدة، قام بها بعض التجار في مدينة الجزائر، واشترك فيها تاليران وممثل فرنسا السيد ديفال الذي تلقى من السلطان ضربة المذبة الشهيرة.
وأما مبرر الاحتلال، فقد أباح به الجنرال جيرار وزير الحربية، فور نزول قواته في الساحل الجزائري، حيث قال: إن هذا الاحتلال مستند إلى ضرورات هامة جدا، ويرمي إلى فتح منفذ واسع لتصريف بضائعنا.
الحجة الثالثة: "احتلال الجزائر صفحة من أمجد صفحات التاريخ الفرنسي".
الجواب: هكذا تقول كتب الصغار المدرسية، ويذهب أحد هذه الكتب إلى تشبيه حرب الجزائر بحرب القوات الفرنسية الحرة في بير حكيم - وإني أسوق بهذه المناسبة، وصف المذابح التي قام بها الجنرال روفيجو، والتي أباد فيها قبيلة الوفية، بعد أن اتهمها بسرقات هي برية منها: "كان ذلك في يوم ٦ أفريل ١٨٣٢. خرجت فرقة فرنسية من مدينة الجزائر ليلا، فصادفت عند الفجر قبيلة الوفية، وقد نصبت خيامها واستسلمت تحتها إلى الرقاد العميق. فذبحت الفرقة أفراد القبيلة، دون أن تفسح لواحد منهم مجال الدفاع عن النفس هكذا أبيد كل من كان حيا دون تفريق بين الشاب أو الشيخ، والذكر أو الأنثى (من كتاب إفريقيا الفرنسية لمؤلفه كريستيان).
стр. 381
رسالة التمدين
وجاء في تقرير لجنة التحقيق الفرنسية عام ١٨٣٣ ما نصه "لقد قتلنا أناسا يحملون تذاكر رسمية يسمح لهم بموجبها أن يتجولوا. وذبحنا لمجرد الشبهة، جماهير برمتها وجد فيما بعد أنها بريئة، وحكمنا على رجال ليس لهم من ذنب سوى أن لديهم من الشجاعة، ما دفعهم للوقوف في وجهنا الغاضب، لكي يدافعوا عن إخوانهم البؤساء. لقد وجد هنالك قضاة ليحكموا على هؤلاء، ووجد رجال متمدنون لينفذوا فيهم الأحكام، لقد تجاوزنا في بربريتنا، هؤلاء البربر الذين جئنا لتمدنهم".
وفي عام ١٨٤٥ كان الجنرال كافينياك وزملاؤه بيليسبه، وسان آرنو، يخنقون قبائل بكاملها في المغاور. وفي كتاب "رسائل عسكري" - كتب الضابط مونتانياك يقول عن هذه المجازر: "قمت بزيارة ثلاث مغاور، فوجدت تحت الحيوانات المتجمعة، جثث رجال ونساء وأطفال .. كانت المغاور كبيرة واسعة، وقد أحصيت فيها ٧٦٠ جثة".
ثورات الجزائر
الحجة الرابعة: "رضخت الجزائر وقبلت بالاحتلال الفرنسي".
الجواب: ثورة عبد القادر من ١٨٣٢ حتى ١٨٤٧.
ثورة بني يسناسن في ١٨٥٩، ثورة أولاد سيدي الشيخ ١٨٦٤، ثورة القبائل ١٨٧١.
الحجة الخامسة: "كانت الجزائر أرضا بائرة وغير مزروعة قبل الاحتلال".
الجواب: يكفي أن أورد بعض ما جاء في يوميات المارشال سان آرنو، المذكورة في الكتاب الذي وضعه جاسون عن الجزائر: "إن بلدة بني مناصر رائعة حقا، وهي من أغنى ما رأيت في إفريقيا. القرى والمساكن قريبة جدا".
لقد أحرقنا كل شيء، هدمنا كل ما صادفناه .. (١٨٤٢) .. اليوم اقتلعت أشجار البرتقال الجميلة، وأحرقت أملاك بني سالم، وقرى بني قاسم القاضي.
стр. 382
الجواب الثاني: لم تجد حكومة المؤتمر في عهد الثورة الفرنسة، القمع اللازم لمعيشة الشعب إلا في الجزائر.
الحجة السادسة: "لقد استوطن الفرنسيون، في أمكنة لم تكن مشغولة من قبل بأحد". الجواب: لقد بدأنا عام ١٨٣٠ حتى ١٨٤٠ بترحيل سكان البلاد عن أراضيهم، بطرق ذات طابع ظاهري حقوقي، وهي في الواقع طرق القوة والأمر الواقع.
ذلك أن القرارات أخذت تصدر تباعا وفي كل سنة، فتقضي مثلا بحجز أملاك جميع الذين حملوا السلاح ضد فرنسا، وحجز جميع الأراضي غير المبنية، التي لا يحمل أصحابها سندات تمليك قديمة التاريخ، واستملاك ملايين الهكتارات من أجل النفع العام، بحيث وصلت الحالة في الوقت الحاضر إلى ما يلي:
إن أطيب الأراضي في الجزائر، وتبلغ مساحتها ٢٥ مليون هكتار، هي اليوم بيد خمسة وعشرين ألف ملاك فرنسي، هذا فضلا عن عشرات الألوف من الهكتارات بملك بنك "الشركة الجزائرية" وبنك جنيف وغيره عن كبار الاقطاعيين الفرنسيين.
وأما ما بقي من الأراضي، فهو مجذب قليل الإنتاج، وتقدر مساحته بسبعة ملايين هكتار، موزعة على نصف مليون جزائري.
من ذلك نرى أننا قد طبقنا هناك، حكمة الجنرال بوجو الذي قال:
"حيثما وجدت الأراضي الطيبة والأراضي الخصبة، يجب أن يقيم المستوطنون الفرنسيون، دون أن يعرفوا لمن تعود هذه الأراضي".
الحجة السابعة: - "إن أراضي المستوطنين، هي وحدها الأراضي المعتنى بها"
الجواب: هذا صحيح، لأن المستوطنين ينعمون وحدهم بالأوائل والعلم والمال، وخاصة المال الذي يأتي من المؤسسات الحكومية. "لماذا توزع قروض الصندوق الجزائري للزراعة بنسبة ٩٩ بالمائة للأوروبيين، وواحد بالمائة للعرب؟ ".
стр. 383
هذا السؤال وجهه في الجمعية الوطنية الفرنسية، النائب موريس فيولت وهو رادكالي سبق له أن كان حاكما عاما في الجزائر.
الحجة الثامنة: - يقول دعاة الاستعمار، أن استثمار المستوطنين لأراضي الجزائر الزراعية يعود بالنفع والثراء على الجزائر وعلى فرنسا.
ونحن نقول بأن هذا صحيح، إذا ما اعتبرنا أن الجزائر، مجموعة لأملاك المستوطنين الفرنسيين. وأما السكان العرب فلا يفيدون من شيء.
الحجة التاسعة: - "إن ارتفاع عدد السكان من مليونين، عام ١٨٣٠ إلى تسعة ملايين في ١٩٥٤، دليل على توفر الشروط الصحية، وعلى العناية المبذولة س قبل فرنسا".
إن التوالد في الجزائر، لا يعود الفضل فيه إلى العناية الفرنسية، ففي بلاد إفريقيا وآسيا، يزيد الفقر وقلة الغذاء في نسبة التوالد. وأما المجهود الصحي فهو معدوم، فهناك ١٨٥١ طبيبا بينهم ١٥٠٠ موزعون في المدن الرئيسية، مما يجعل النسبة تتراوح بين ٤ و ٨ أطباء لكل مائة ألف نسمة. ويقول الدكتور فالنسي في تقرير له أن انتشار السل بين ٩ ملايين جزائري، هو بنسبة انتشاره بين الأربعين مليون فرنسي.
الحجة العاشرة: - "إن سدس الموازنة الجزائرية مخصصة للتعليم، وهنالك خمسة آلاف طالب في جامعة الجزائر".
صحيح، ولكن هناك خمسمئة طالب عربي من أصل الخمسة آلاف، وجميع الطلاب الفرنسيين يتمتعون بمنح دراسية، بينما لا تصيب المنح سوى ١٩ بالمائة من الطلاب العرب.
الحجة الحادية عشر: - "على كل حال، يجب على الجزائريين أن يقروا بفضل فرنسا" وبماذا يعترفون؟ هل جعلناهم على اتصال مع العالم الحديث، وكنا واسطة اتصال بينهم وبينه؟ كلا فإنهم متصلون به، ويتوقف علينا أن نجعل هذا الاتصال دائما. هل يعترفون بخدماتنا الاقتصادية والاجتماعية؟ كلا فإن هذه الخدمات قدمت إلى الأوروبيين، وإذا ما استفاد منها العرب، فبنسبة ضئيلة وبمجرد الصدفة،
стр. 384
وكما يقول كتاب جونستون: لا شك أن فرنسا قدمت خدمات كبرى، وهي ملموسة بتمامها عند الأوروبيين، وظاهرة على شكل عينات بالنسبة للعرب.
وأخيرا، أليست فرنسا هي المتحكمة بمصير الجزائر منذ ١٢٥ عاما، ألسنا مسؤولين عن الحال التي وصلت إليها هذه البلاد؟
إن بقاء طويل كهذا، ونتائج مخزية كهذه، جديرة حقا بأن تدفع حكومتنا وصحافتنا إلى قدر من التواضع، وقدر قليل من النزاهة والإخلاص.
فرنسي كبير يقول:
قوة السلاح لا تقهر الأفكار
كنت مستعدا لكتابة ما يجب علي أن أكتبه، تعليقا على خطاب م. جي مولييه، حينما اتصلت بجريدة "فرانس أبسرفاتور" وتلوت بإمعان ذلك الفصل القيم الثري، الذي دبجه يراع الكاتب المبدع الحر، صديقنا الأستاذ دوفالار، فرأيت أن هذا الفصل يفصح عن فكرتي، أكثر مما كنت أستطيع أن أعبر عنها بقوة قلمي. لهذا رأيت أن أقدم للقراء، أهم ما جاء في هذا البحث المدقق البليغ، كأنما هو صادر عن البصائر، بقلم تحريرها.
يقول الكاتب:
المحقق هو أن فرنسا قامت بأعمال كبيرة في الجزائر. لكن يجب علينا أن نعترف بأن هذه الأعمال، كانت منقوصة وغير كافية، إذا رأينا م. جي مولييه يستنتج من رحلته، وم. لاكوست يستنتج من أيام خبرته القصيرة، أن المشكل الجزائري، إنما هو مشكل اقتصادي واجتماعي، نعم، يوجد مشكل اقتصادي ويوجد مشكل اجتماعي، فالقطر الجزائري، لا يزال قطرا فقيرا جدا، يحتاج إلى رؤوس أموال عظيمة، وإلى برامج إنشائية واسعة؛ وفي القطر الجزائري، يعيش
стр. 385
عشرات الآلاف من "البيض" أو المسلمين عيشة الضنك والشقاء طيلة السنة؛ هذا القطر الجزائري الذي يزداد عدد سكانه كل سنة، بنسبة مائتي ألف نسمة، والذي هو في حاجة إلى أربعة آلاف مدرسة جديدة لتعليم أبنائه، وأخيرا هذا القطر الذي يعانى أزمة تمييز عنصري شنيعة، حيث يعيش مليون من الأوروبيين، وتسعة ملايين من المسلمين بين أحضان البغضاء والجهل والفزع.
لكن هذه الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، لا تكون لها أدنى أهمية، ولا تحصل منها أدنى فائدة، ما لم يقع الاعتراف بالمشكل الأساسي الحقيقي، الذي هو المشكل السياسي، وما لم يقع إيجاد حل فعلي لهذا المشكل.
أما تجاهل هذا المشكل السياسي، والتغافل عن إيجاد حل له. إنما هو من قبيل تحكيم الأوهام وإفساد الحلول في مستقبل الأيام.
لقد قال لي الكثير من الأوروبيين، أنه ما كان ليقع في القطر الجزائري ما هو واقع الآن، لو أن قوى الأمن كانت مستعدة لتحقيق النظام؛ وما كان المسلمون ليركنوا إلى جانب الثائرين، لو أن السلطة حمتهم من عمليات الإرهاب. وأقول أنني لا أعتقد صدق هذه النظرية، لعدة أسباب، أهمها أن الأمة الحقيقية، إنما هي التي تنظر للمستقبل أكثر مما تنظر للماضي. فمن ذا الذي يستطيع يا ترى، أن يحجب عن أنظار البائسين من أهل البادية الجزائرية، هذه الحقيقة الناصعة التي يراها كل الناس حول ضفاف البحر المتوسط، وخلال عشرة أعوام، في المغرب، وفي تونس، في ليبيا وفي مصر، في سوريا، وفي لبنان؛ هذه الحقيقة تزداد كل يوم قوة وتزداد كل يوم ظهورا، ألا وهي الاستقلال.
منذ ١٨ شهرا، أي في فاتح نوفمبر ١٩٥٤، كانوا يقدرون قوة رجال الثورة في القطر الجزائري، بنحو ألف رجل، أما اليوم، فإنهم يقدرون عددهم بما يزيد عن العشرين ألف مقاتل. ولقد كان الثائرون في أول يوم لا يحملون من السلاح إلا
стр. 386
السكاكين وبنادق الصيد العتيقة؛ أما اليوم، فهم يرتدون اللباس العسكري، ويحملون المترايات، وبين أيديهم قطع من مدافع الميدان، ثم إنهم يغشون القرى والدواوير بكل حرية، ويجدون كل التسهيلات من رجال البادية فيما يتعلق بالتموين؛ كما يجدون الأطباء لمعالجة جرحاهم، ويجدون المستشارين السياسيين لإرشادهم، وبمعنى آخر، إنهم يجدون أنصارا حقيقيين في أغلب سكان القطر الجزائري.
فياليت شعري، ما هي الفائدة التي تنجز لنا، من معرفة ما إذا كان هذا الاندفاع الشعبي، لفائدة الثورة، واقعا بدافع حقيقي من العطف، أو واقعا بسبب الخوف؟ ربما كان لإعدام الخونة من المسلمين - كما كان المقاومون الفرنسيون يعدمون الخونة من الفرنسيين - بعض التأثير، لكن ليت هذه هي الأسباب التي جعلت العمال في مزرعة أوروبية نموذجية، يقولون للمستعمر الذي أحسن إليهم، ودفع لهم من جيبه الخاص، ما شحت به عليهم إدارة الضمان الاجتماعي: أما نحن فلن نقوم ضدك بأي عمل عدائي، لكننا لا نقف أبدا موقف الدفاع عنك، إذا هاجمك الثائرون، كما أنه ليس تحت تأثير الخوف، ما رأينا وقوعه بعاصمة الجزائر من مظاهرات الصغار، غداة يوم ٦ فبراير، إذ كانوا يصرحون في اليوم الأول: الجزائر عربية! الجزائر عربية! أما في اليوم الثاني فقد كانوا ينادون: الجهاد! الجهاد!
وهل يعتقد أحد، أن الخوف وحده، هو الذي دفع برجال القومية، للتصريح لقائدهم الفرنسي: إننا نتبعك إلى كل مكان، لكن لا تطلب منا أن نقاتل إخواننا، أم يعتقد أحد أن الخوف وحده، هو الذي دفع بالعدد العديد من رجال الترايور، إلى التخلي عن قادتهم وعن رفقائهم، والانضمام لرجال الثورة، مما حدا بالقيادة للإرسال بتلك الفرق إلى ألمانيا، والاستعاضة عنها بالجند الفرنسي؟ كلا. إنني لا أعتقد أن الخوف وحده، هو الذي يجعل حركة ثورية أو ملية، تتمتع بعطف وتحبيذ سائر السكان تقريبا، بل إن الذي يوجب ذلك العطف وذلك التحبيذ، إنما هو تأييد الأهداف التي ترمي إليها الثورة.
стр. 387
وكم هي يا ترى نسبة تأييد الشعب للثورة؟ يقول الثائرون: إن النسبة هي ٧٥ بالمائة خلال الثلاثة أشهر المقبلة، لكن لنفرض جدلا، أن نسبة مؤيدي الثورة، إنما هي ٥٠ بالمائة فقط، كما يقول كبار الموظفين الفرنسيين، فالأمر الأهم، هو تفاقم أمر هذه الثورة وانتشارها بصورة مستمرة. فبينما كانت لا تشمل إلا بعض نقط في الأوراس وبلاد القبائل منذ سنة، إذا بنا نرى الآن، أن هذه النقط قد اتسعت وتعددت وامتدت داخل البلاد، وأصبح الخطر محدقا بعدد من الجهات، كما أن الطرقات الكبرى أصبحت غير مأمونة. أما في المدن الكبرى، فالأمن سائد الآن، لكن أمرا ما، يمكن أن يصدر بين يوم وآخر.
إن الثورة تبسط اليوم سلطانها على عدد من الجهات التي يتصل بعضها ببعض. وقد احتفظت في كثير من الجهات بالجهاز الحكومي، وبعض القياد الذين أصبحوا من موظفيها، وأصبحوا مسؤولين أمام "الكوميسار" السياسي الذي يمثل الثورة. أما الضرائب، فإن الشعب يدفعها بسرعة، وبصفة نظامية لهيئة الثورة، وفي بعض الجهات دفع الناس الضرائب النظامية لسنة ١٩٥٧، أما المحاكم فقد ألغيت، وأصبح "الكوميسار" السياسي مكلفا بالإصلاح بين الناس.
ولقد آمن المستعمرون اليوم بهذه الحقائق. فغلاة الاستعمار في عمالة قسنطينة، الذين كانوا ينادون منذ أشهر قليلة بوجوب التسلح، ليقتل كل منهم تسعة أو عشرة من العرب (لإيجاد النسبة بين العنصرين) هؤلاء الغلاة، قد أصبحوا ينادون اليوم، والألم يحز قلوبهم، وجوب "المفاوضة"، بينما مستعمرو عمالة وهران الذين لم يروا أخطار الثورة إلا مؤخرا. أصبحوا ينادون بوجوب "الانفصال"، وهي كلمة لا يفهم مدلولها، بينما شركات الضمان قد أعلنت أنها لن تضمن أي شيء في المستقبل ضد أعمال الثورة.
إن الثورة يتفاقم أمرها يوما إثر يوم منذ ١٨ شهرا، ولا يستطيع أي مستعمر أن يستمر على خدمة الأرض، إلا إذا كان كثير الشجاعة. لكن النتيجة ستظهر عند الحصاد المقبل. واليوم أصبح الكثير منهم يفكر في مغادرة الأرض الجزائرية التي
стр. 388
ولد فيها. كما أصبحت الكثير من المعامل والمصانع في القطر الجزائري، معروضة للبيع بأسعار زهيدة، لكن لا تجد من يشتريها، وهنالك شركات كبرى أصبحت تهرب رؤوس أموالها، إذ شعرت أن الهوة المحفورة بين المسلمين والفرنسيين تزداد عمقا واتساعا، فالمواقف قد تصلبت، ولم يبق هنالك من معتدل، إذ انضم المعتدلون إلى المتطرفين كما لم يبق هنالك من يستطيع التوسط بين الجانبين.
فهل يمكن التفكير في حل عسكري لهذا المشكل الرهيب.
لكن، إذا كان ثلاثمائة ألف عسكري، لم يستطيعوا التغلب على عشرين ألفا من الثائرين، فهل ترى خمسمائة ألف جندي يستطيعون ذلك؟ فإذا كانت "ديان بيان فو" غير ممكنة في الجزائر، التي لا تبعد إلا ساعتين عن فرنسا، فإن النصر العسكري على الثورة، يعتبر مقابل ذلك من قبيل المستحيلات. ثم إن الأمر المحقق إلى جانب كل ذلك، هو أن ما دامت الثورة قائمة بالبلاد الجزائرية، فهيهات أن تستقر الأمور بالبلاد التونسية، وبالمغرب الأقصى.
فلم يبق أمامنا إلا باب واحد فقط لفض المشكل، ألا وهو "المفاوضة" مع رجال الثورة. لكن الحكومة الفرنسية ليست الآن مع هذه الفكرة. فالمفاوضة لا تقع إلا على قاعدة الاعتراف بـ "الواقع القومي الجزائري" ومعنى هذا استقلال القطر الجزائري، أو على أقل تقدير، الاستقلال الداخلي للقطر الجزائري. ولا يوجد أصلا، أي جزائري يستطيع المفاوضة على غير هذه القاعدة، كما أنه لا يجب الاعتقاد بأنه يوجد زعيم ثائر، يستطع أن يصدر أوامره بوقف إطلاق النار لجنوده، إلا إذا ما أسفرت المفاوضات على أمور عملية حقيقية. ونحن نعرف أن خلافا عظيما جدا بين وجهات النظر، لا يزال موجودا بين الفرنسيين والمسلمين.
فمسيو جي مولييه يكون غالطا جدا، إذا اعتقد أن "الفلاقة" سوف يضعون السلاح من أيديهم لمجرد ندائه الموجه لهم، دون أن ينالوا أي مقابل. والزعماء
стр. 389
الوطنيون يعلمون علم اليقين، أن وجود الثائرين في الجبال، هو حجتهم العظمى في هذا المعترك السياسي، وهم يعلمون أن وقف إطلاق النار، معناه رجوع الفلاحين إلى حقولهم، وتركهم لميادين الثورة.
لكن، مع من تقع المفاوضة؟ إن المسلمين الذين يتصلون بالحكومة من قدماء النواب، أصبحوا لا يمثلون شيئا، وهم يصرحون بذلك علنا.
أما رجال حزب البيان ورجال جمعية العلماء، فهم يعترفون بتفوق رجال الثورة، ولا يعملون أي عمل مستقل. ومن المعروف أن السيد فرحات عباس كان بعيدا في باريس، عندما حل م. جي مولييه بمدينة الجزائر. أما جمعية العلماء ذات الأساس الديني، فقد اعترفت بصفة علنية، أن المفاوض الصالح الوحيد، إنما هو "الثورة" ولقد رفض الكاتب العام لجمعية العلماء، الدعوة التي وجهت إليه بطريق شبيه بالرسمي لمقابلة م. جي مولييه وقال: أنه لا ترجى أبدا أية فائدة من تلك المقابلة.
فنحن اليوم لا نفتش عن "المفاوضين الصالحين" بل أصبحنا نفتش عن مجرد "المفاوضين" فلا نجد إلا رجال الثورة.
وهذا دليل قاطع لا ريب فيه، مهما كان مؤلما، على التأييد المطلق الذي يجده رجال الثورة عند سائر طبقات الشعب، وعلى الاعتقاد بأنهم وحدهم هم الذين يستطيعون أن يضمنوا احترام التعهدات التي تؤخذ للمستقبل.
ثم يقول الكاتب المجيد: إن جبهة التحرير الوطني ممتدة ومتسعة، وأن رجال نظامها الحربي يوالون الاجتماعات مع رجال السياسة. فأما رجال العسكرية فهم معروفون، وأما رجال السياسة فهم يعملون داخل المدن تحت الكتمان. وليس هدا الكتمان بحجة على عدم المفاوضة، فإذا أرادت الحكومة أن تفاوض حقا، فإنها ستجدهم لا محالة.
هذه هي بعض الحقائق الجزائرية المزعجة التي أردت تسجيلها، لكن إذا كانت فرنسا تتهرب من المفاوضة، فإن رجال الجبهة يفرون منها كذلك.
стр. 390
فهم يعتقدون أن الزمان يخدم مصالحهم، وأنهم سينالون بعد سنة أكثر ما يمكن أن يحرزوا عليه اليوم، وهم يقتدون ويتطرفون في مطالبهم لكن هذه الشدة تزول لو صلحت النيات للمفاوضة، إنما لا يجهل أحد، أن فرنسا طالما نكثت عهودها، فلم تبق للمسلمين أية ثقة فيها؟
إن الحالة في الجزائر يهيمن عليها خيال ١٢٥ سنة، قد انقضت في مذلة الشعب وفي هوانه، وإنه ليحمل على فرنسا كلها جريرة ذلك، فهل يمكن أن نطلب من شعب كامل، أن ينسى بين عشية وضحاها، أنه كان ذلك "الإنديجان" المحتقر؟
لا يستطيع أي إصلاح اقتصادي أو أي إصلاح اجتماعي، أن ينال أي منال من هذه الحقيقة الناصعة، ألا وهي "الظاهرة الملية القومية" وأن حركة الاستقلال لا تقاوم بواسطة الفروض.
نقلا عن البصائر لسان حال جمعية العلماء
بتاريخ ٩ مارس ١٩٥٦ م.
следующие страницы →