← Общие книги

Общие книги · id 123664

الجزائر الثائرة

الفضيل الورتلاني

Полный текст (484 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

السكاكين وبنادق الصيد العتيقة؛ أما اليوم، فهم يرتدون اللباس العسكري، ويحملون المترايات، وبين أيديهم قطع من مدافع الميدان، ثم إنهم يغشون القرى والدواوير بكل حرية، ويجدون كل التسهيلات من رجال البادية فيما يتعلق بالتموين؛ كما يجدون الأطباء لمعالجة جرحاهم، ويجدون المستشارين السياسيين لإرشادهم، وبمعنى آخر، إنهم يجدون أنصارا حقيقيين في أغلب سكان القطر الجزائري. فياليت شعري، ما هي الفائدة التي تنجز لنا، من معرفة ما إذا كان هذا الاندفاع الشعبي، لفائدة الثورة، واقعا بدافع حقيقي من العطف، أو واقعا بسبب الخوف؟ ربما كان لإعدام الخونة من المسلمين - كما كان المقاومون الفرنسيون يعدمون الخونة من الفرنسيين - بعض التأثير، لكن ليت هذه هي الأسباب التي جعلت العمال في مزرعة أوروبية نموذجية، يقولون للمستعمر الذي أحسن إليهم، ودفع لهم من جيبه الخاص، ما شحت به عليهم إدارة الضمان الاجتماعي: أما نحن فلن نقوم ضدك بأي عمل عدائي، لكننا لا نقف أبدا موقف الدفاع عنك، إذا هاجمك الثائرون، كما أنه ليس تحت تأثير الخوف، ما رأينا وقوعه بعاصمة الجزائر من مظاهرات الصغار، غداة يوم ٦ فبراير، إذ كانوا يصرحون في اليوم الأول: الجزائر عربية! الجزائر عربية! أما في اليوم الثاني فقد كانوا ينادون: الجهاد! الجهاد! وهل يعتقد أحد، أن الخوف وحده، هو الذي دفع برجال القومية، للتصريح لقائدهم الفرنسي: إننا نتبعك إلى كل مكان، لكن لا تطلب منا أن نقاتل إخواننا، أم يعتقد أحد أن الخوف وحده، هو الذي دفع بالعدد العديد من رجال الترايور، إلى التخلي عن قادتهم وعن رفقائهم، والانضمام لرجال الثورة، مما حدا بالقيادة للإرسال بتلك الفرق إلى ألمانيا، والاستعاضة عنها بالجند الفرنسي؟ كلا. إنني لا أعتقد أن الخوف وحده، هو الذي يجعل حركة ثورية أو ملية، تتمتع بعطف وتحبيذ سائر السكان تقريبا، بل إن الذي يوجب ذلك العطف وذلك التحبيذ، إنما هو تأييد الأهداف التي ترمي إليها الثورة.

стр. 387

وكم هي يا ترى نسبة تأييد الشعب للثورة؟ يقول الثائرون: إن النسبة هي ٧٥ بالمائة خلال الثلاثة أشهر المقبلة، لكن لنفرض جدلا، أن نسبة مؤيدي الثورة، إنما هي ٥٠ بالمائة فقط، كما يقول كبار الموظفين الفرنسيين، فالأمر الأهم، هو تفاقم أمر هذه الثورة وانتشارها بصورة مستمرة. فبينما كانت لا تشمل إلا بعض نقط في الأوراس وبلاد القبائل منذ سنة، إذا بنا نرى الآن، أن هذه النقط قد اتسعت وتعددت وامتدت داخل البلاد، وأصبح الخطر محدقا بعدد من الجهات، كما أن الطرقات الكبرى أصبحت غير مأمونة. أما في المدن الكبرى، فالأمن سائد الآن، لكن أمرا ما، يمكن أن يصدر بين يوم وآخر. إن الثورة تبسط اليوم سلطانها على عدد من الجهات التي يتصل بعضها ببعض. وقد احتفظت في كثير من الجهات بالجهاز الحكومي، وبعض القياد الذين أصبحوا من موظفيها، وأصبحوا مسؤولين أمام "الكوميسار" السياسي الذي يمثل الثورة. أما الضرائب، فإن الشعب يدفعها بسرعة، وبصفة نظامية لهيئة الثورة، وفي بعض الجهات دفع الناس الضرائب النظامية لسنة ١٩٥٧، أما المحاكم فقد ألغيت، وأصبح "الكوميسار" السياسي مكلفا بالإصلاح بين الناس. ولقد آمن المستعمرون اليوم بهذه الحقائق. فغلاة الاستعمار في عمالة قسنطينة، الذين كانوا ينادون منذ أشهر قليلة بوجوب التسلح، ليقتل كل منهم تسعة أو عشرة من العرب (لإيجاد النسبة بين العنصرين) هؤلاء الغلاة، قد أصبحوا ينادون اليوم، والألم يحز قلوبهم، وجوب "المفاوضة"، بينما مستعمرو عمالة وهران الذين لم يروا أخطار الثورة إلا مؤخرا. أصبحوا ينادون بوجوب "الانفصال"، وهي كلمة لا يفهم مدلولها، بينما شركات الضمان قد أعلنت أنها لن تضمن أي شيء في المستقبل ضد أعمال الثورة. إن الثورة يتفاقم أمرها يوما إثر يوم منذ ١٨ شهرا، ولا يستطيع أي مستعمر أن يستمر على خدمة الأرض، إلا إذا كان كثير الشجاعة. لكن النتيجة ستظهر عند الحصاد المقبل. واليوم أصبح الكثير منهم يفكر في مغادرة الأرض الجزائرية التي

стр. 388

ولد فيها. كما أصبحت الكثير من المعامل والمصانع في القطر الجزائري، معروضة للبيع بأسعار زهيدة، لكن لا تجد من يشتريها، وهنالك شركات كبرى أصبحت تهرب رؤوس أموالها، إذ شعرت أن الهوة المحفورة بين المسلمين والفرنسيين تزداد عمقا واتساعا، فالمواقف قد تصلبت، ولم يبق هنالك من معتدل، إذ انضم المعتدلون إلى المتطرفين كما لم يبق هنالك من يستطيع التوسط بين الجانبين. فهل يمكن التفكير في حل عسكري لهذا المشكل الرهيب. لكن، إذا كان ثلاثمائة ألف عسكري، لم يستطيعوا التغلب على عشرين ألفا من الثائرين، فهل ترى خمسمائة ألف جندي يستطيعون ذلك؟ فإذا كانت "ديان بيان فو" غير ممكنة في الجزائر، التي لا تبعد إلا ساعتين عن فرنسا، فإن النصر العسكري على الثورة، يعتبر مقابل ذلك من قبيل المستحيلات. ثم إن الأمر المحقق إلى جانب كل ذلك، هو أن ما دامت الثورة قائمة بالبلاد الجزائرية، فهيهات أن تستقر الأمور بالبلاد التونسية، وبالمغرب الأقصى. فلم يبق أمامنا إلا باب واحد فقط لفض المشكل، ألا وهو "المفاوضة" مع رجال الثورة. لكن الحكومة الفرنسية ليست الآن مع هذه الفكرة. فالمفاوضة لا تقع إلا على قاعدة الاعتراف بـ "الواقع القومي الجزائري" ومعنى هذا استقلال القطر الجزائري، أو على أقل تقدير، الاستقلال الداخلي للقطر الجزائري. ولا يوجد أصلا، أي جزائري يستطيع المفاوضة على غير هذه القاعدة، كما أنه لا يجب الاعتقاد بأنه يوجد زعيم ثائر، يستطع أن يصدر أوامره بوقف إطلاق النار لجنوده، إلا إذا ما أسفرت المفاوضات على أمور عملية حقيقية. ونحن نعرف أن خلافا عظيما جدا بين وجهات النظر، لا يزال موجودا بين الفرنسيين والمسلمين. فمسيو جي مولييه يكون غالطا جدا، إذا اعتقد أن "الفلاقة" سوف يضعون السلاح من أيديهم لمجرد ندائه الموجه لهم، دون أن ينالوا أي مقابل. والزعماء

стр. 389

الوطنيون يعلمون علم اليقين، أن وجود الثائرين في الجبال، هو حجتهم العظمى في هذا المعترك السياسي، وهم يعلمون أن وقف إطلاق النار، معناه رجوع الفلاحين إلى حقولهم، وتركهم لميادين الثورة. لكن، مع من تقع المفاوضة؟ إن المسلمين الذين يتصلون بالحكومة من قدماء النواب، أصبحوا لا يمثلون شيئا، وهم يصرحون بذلك علنا. أما رجال حزب البيان ورجال جمعية العلماء، فهم يعترفون بتفوق رجال الثورة، ولا يعملون أي عمل مستقل. ومن المعروف أن السيد فرحات عباس كان بعيدا في باريس، عندما حل م. جي مولييه بمدينة الجزائر. أما جمعية العلماء ذات الأساس الديني، فقد اعترفت بصفة علنية، أن المفاوض الصالح الوحيد، إنما هو "الثورة" ولقد رفض الكاتب العام لجمعية العلماء، الدعوة التي وجهت إليه بطريق شبيه بالرسمي لمقابلة م. جي مولييه وقال: أنه لا ترجى أبدا أية فائدة من تلك المقابلة. فنحن اليوم لا نفتش عن "المفاوضين الصالحين" بل أصبحنا نفتش عن مجرد "المفاوضين" فلا نجد إلا رجال الثورة. وهذا دليل قاطع لا ريب فيه، مهما كان مؤلما، على التأييد المطلق الذي يجده رجال الثورة عند سائر طبقات الشعب، وعلى الاعتقاد بأنهم وحدهم هم الذين يستطيعون أن يضمنوا احترام التعهدات التي تؤخذ للمستقبل. ثم يقول الكاتب المجيد: إن جبهة التحرير الوطني ممتدة ومتسعة، وأن رجال نظامها الحربي يوالون الاجتماعات مع رجال السياسة. فأما رجال العسكرية فهم معروفون، وأما رجال السياسة فهم يعملون داخل المدن تحت الكتمان. وليس هدا الكتمان بحجة على عدم المفاوضة، فإذا أرادت الحكومة أن تفاوض حقا، فإنها ستجدهم لا محالة. هذه هي بعض الحقائق الجزائرية المزعجة التي أردت تسجيلها، لكن إذا كانت فرنسا تتهرب من المفاوضة، فإن رجال الجبهة يفرون منها كذلك.

стр. 390

فهم يعتقدون أن الزمان يخدم مصالحهم، وأنهم سينالون بعد سنة أكثر ما يمكن أن يحرزوا عليه اليوم، وهم يقتدون ويتطرفون في مطالبهم لكن هذه الشدة تزول لو صلحت النيات للمفاوضة، إنما لا يجهل أحد، أن فرنسا طالما نكثت عهودها، فلم تبق للمسلمين أية ثقة فيها؟ إن الحالة في الجزائر يهيمن عليها خيال ١٢٥ سنة، قد انقضت في مذلة الشعب وفي هوانه، وإنه ليحمل على فرنسا كلها جريرة ذلك، فهل يمكن أن نطلب من شعب كامل، أن ينسى بين عشية وضحاها، أنه كان ذلك "الإنديجان" المحتقر؟ لا يستطيع أي إصلاح اقتصادي أو أي إصلاح اجتماعي، أن ينال أي منال من هذه الحقيقة الناصعة، ألا وهي "الظاهرة الملية القومية" وأن حركة الاستقلال لا تقاوم بواسطة الفروض. نقلا عن البصائر لسان حال جمعية العلماء بتاريخ ٩ مارس ١٩٥٦ م.

стр. 391

لا قيمة لاستقلال تونس ومراكش ما لم تستقل الجزائر استبشرت الأمة الجزائرية قاطبة، باستقلال القطر المراكشي الشقيق، ولولا الأحداث التي تعانيها اليوم، والمآسي التي تمثل على صعيد الجزائر، كامتلاء المعتقلات والمحتشدات بالرجال المطالبين بالحرية، وزجرهم وردعهم، وسوق فريق عظيم منهم للمحاكمات، وإذاقة بنيهم لباس الجوع والخوف، لكان لزاما على الأمة الجزائرية، أن تتخذ يوم استقلال مراكش، يوم عيد ويوم عرس، لأنه يؤذن بأن استقلالها آت لا ريب فيه، وإن طال الليل، فإن تباشير الصباح تبدو في الأفق للناظرين. بيد أن الأعراس لا تقام حيث يسمع أنين الجرحى، وحشرجة المرضى، وترى أشلاء الموتى، صباح مساء، وصواعق الظلم والطغيان، تنصب على العزل من كل سلاح، إلا من سلاح الإيمان. ورغم كل هذا، فالأمة الجزائرية لا تنسيها آلامها، آمالها في تحرير القطر المراكشي الشقيق، فهي ترى في تحريره تحرير جزء من وطنها، وهيهات أن ينعم باستقلاله أو يتم له ذلك، والجزائر تئن بجانبه، أو يأمن على مصيره من كيد الاستعمار، ولا يتصور أحد أيا كان أن يسعد أخ، وأخوه يعاني الشقاء والبلاء، وتنتهك حرماته وتداس كرامته. وإذا كانت تونس الشقيقة أخذت تسترد استقلالها، والجزائر بينها وبين مراكش، تصارع الاستعمار وتجالده في المعركة الحاسمة، فإذا غلبت على أمرها - لا قدر الله - وخسرت هذه المعركة، فإن الاستعمار يبطش من جديد بمراكش وتونس ولو بعد حين، فما دام هذا السرطان جاثما على الجزائر ينهشها، وهي بمثابة القلب من

стр. 392

مراكش وتونس، وثلاثتهم كالجسد الواحد، إذا تأذى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فإن الحالة لا تستقر على شيء من القلق الذي يساور النفوس. سواء كان ذلك في مراكش أو في تونس، لأن استقلال هذين القطرين، دون استقلال القطر الجزائري، كالمعالجة لمرض مزمن بالمسكنات والمخدرات، لا تنجح وإن نجحت فمفعولها سريع الزوال. وإذا رجعنا إلى التاريخ، وبعبارة أدق إلى ما قبل قرن ونيف، تجد أن الاستعمار، عندما حاول أن يطعن هذه الأقطار الثلاثة، طعنها في الصميم، فاحتل الجزائر، واغتنم إذ ذاك فرصة انطواء كل واحد من القطرين، التونسي والمراكشي على نفسه، ظانا أن ذلك أسلم له وأنجح، مغترا بمسألة الاستعمار له، لكنه ما كاد الاستعمار يمد أطنابه بالقطر الجزائري، حتى أنشب مخالبه في القطر التونسي، ثم بطش بالقطر المراكشي وأخذه أخذ عزيز مقتدر، وبث بين الأقطار الثلاثة، بذور الفتنة والتفرقة، لتحصل له السيادة على الجميع، فلقى منه القطران الشقيقان، ما لاقى القطر الجزائري منه قبلهما من عذاب الهوان، وذلك جراء تخلفهما عن نصرته، يوم زحف عليه الاستعمار بخيله ورجاله، وجلوسهما على الربوة في انتظار المعركة، كأن ذلك شأن لا يهمهما ولا يعنيهما هذا إن لم أقل أنهما ألزما بالتنكر للقطر الجزائري في محنته، ومصانعة الاستعمار ومسالمته، ليشكر لهما يوما ما، حيادهما ولا يعتدي عليهما، ولكن هل سالمهما وشكر لهما ذلك؟ لا لا. بل تربص بهما الدوائر، وأخذهما من مأمنهما، فلم ينجوا من مكره، ولدغهما من جحره، فهل يأمنانه مرة ثانية، وشبحه في الجزائر قريب منهما، أنه يريد البقاء، وما هو بباق، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. إن المفكرين الأحرار، سواء كانوا في القطر التونسي، أو في القطر المراكشي، يرون أن استقلال أي قطر من القطرين، دون استقلال الجزائر، استقلال منقوص. مهدد من جوانبه، لا تطمئن إليه النفوس، لهذا فهم يؤمنون كما نؤمن، أن النتيجة الحتمية بعد

стр. 393

استقلال القطرين الشقيقين، هي استقلال الجزائر، وإن كانت تلاقي العناء، وتماطل من الغرماء، فإن الأيام كفيلة باقتضائها منهم؛ ونيلها ما كانت تصبو إليه وتتمناه، وكافحت من أجله منذ الاحتلال، ومأثوراتها هذه الأخيرة، إلا من سلسلة الثورات التي قامت في وجه الاستعمار، وإن أخمدت أحيانا بالقوة، فهي ما تزال كامنة كمون النار في الحجارة. ولا يزيدها ما تمني به من ضغط، إلا انفجار على انفجار. إن الأمة الجزائرية الخالدة، أمة صارعت القرون وهي محتفظة بكيانها، ما ركبت هذا المركب الصعب، إلا لإيمانها أنها تتخلص من براثن الاستعمار وإن الله كتب لها الانتصار. وها قد جاء استقلال القطرين خير بشير لها بذلك، وليفرح المؤمنون بنصر الله. جريدة البصائر ١٣ مارس ١٩٥٦. حمزة بوكشه الامتزاج، أم الدولة ذات الجنسيات ؟ صاحب هذا المقال، "مسيو سيل إيمري" من كبار علماء فرنسا المتحررين، وعضو في المجمع العلمي، وأستاذ قسم التخصص والتبريز في كلية العلوم بجامعة الجزائر، وهو بحكم الدم والرحم، وبحكم المصلحة، يحب فرنسا، ويريد لها الخير، ولكنه في الوقت نفسه إنسان، يرى أن للإنسانية كرامة مقدسة، لا يفقد اعتبارها أحد، بسبب لونه، أو عرقه، أو ضعفه، تم إنه يرى، أن كل معركة تقوم بين الحق والباطل، فالنصر النهائي للحق دائما، لذلك يكتب هذا المقال بتجرد، ويسخر من ألاعب بني جنسه وعبثهم، لأنهم قد قضوا قرنا وربع قرن في الجزائر، يتمتعون وحدهم بخيراتها، ويمتصون دماء أهلها، وإذا رأيتهم يحاولون يوما أن يغيروا شيئا من الأوضاع فيها، فلا يتجاوز البحث تغيير الألفاظ مطلقا، فمن كلمة الاستعمار إلى الإلحاق، إلى الاندماج، الخ ... وآخر ما وصلت إليه عبقريتهم في

стр. 394

اختراع الألفاظ، هو كلمة (الامتزاج، أو الدولة ذات الجنسيات) ونحن نترك مهمة شرح هذا الدجل الاستعماري، لمقال مسيو إيمري، والمقال من تعريب البصائر، عن جريدة لوموند بتاريخ ٦ - ١٠ - ١٩٥٥ قال الكاتب: سياسة الامتزاج؟ لست أدري من هو مخترع هذا الاصطلاح الجديد، الذي يعجب الكثير من مواطنينا؛ فالفرنسيون قد اشتهر ولوعهم بالكلمات. إنما الأمر الذي تعمدوا عدم كشفه، فهو المعنى الحقيقي المقصود من هذه الكلمة الجديدة. إنني أتصور أنهم يريدون بها نفس المعنى، الذي كانت تعبر عنه كلمة "الاندماج" لكنهم عدلوا عن هذه لتلك، حتى يوهموا الناس أنهم أتوا بفكرة جديدة. وكثير من الناس يقتنعون بهذا. ثم إنهم يغمضون أعينهم بعد هذا، ويتجاهلون وجود حركة ملية في القطر الجزائري، تستطيع أن تحرك طبقات الشعب، وخاصة منذ أدركت هذه الطبقات الشعبية، أن سياسة الاندماج (التي كانت تطبقها فيما مضى من الأيام) ليست إلا خدعة وتضليلا. ثم يتجاهلون أيضا هذا الأمر المزعج الفاضح، الذي هو أساس المشكل كله: يوجد اليوم في قطر الجزائر، بعد مائة عام ونيف من انتصابنا فيه، ٨٢ بالمائة من الأميين الذين يجهلون القراءة والكتابة؛ ويوجد فيه عدد هائل من العاطلين لا يمكن حصره، إنما يقدر على الأقل بنحو المليون نسمة. إنهم يجيبون بصفة تقليدية كل متسائل، أن عمل فرنسا إنما هو عمل كيف، يقولون لنا: إننا أنشأنا عددا من المدارس الضخمة الجميلة. أي نعم، لقد وقع هذا فعلا، إنما يقولون لنا عمدا، كم هو عدد هاتيك المدارس الضخمة الجميلة. لكننا إذا تطوعنا بعمل حساب كمي لهذه المدارس، رأينا أنه لا يمكن إيجاد المدارس الكافية لتعليم سائر أبناء المسلمين، إلا بعد مضي ٨٥ سنة بعد اليوم!

стр. 395

يقولون في أبهة وخيلاء: إن فرنسا هي التي أنشأت النخبة الجزائرية! أي وربي إنهم يقولون هذا. لكنهم لا يقولون أن جامعة الجزائر، تضم بين جدرانها خمسة آلاف من الطلبة. لا يوجد من بينهم إلا نحو المائتين فقط من المسلمين. ويكلموننا عن الأعمال الإنشائية والعمرانية العظيمة. وعلينا أن نعترف طوعا بأنها حقيقة أعمال جميلة مدهشة؛ لكنهم لا يقولون لنا من هو المستفيد من هذه المنشآت العمرانية الضخمة. يقولون لنا أن أجرة العامل الفلاحي قد زادت خلال العشر سنوات الأخيرة؛ على نسبة ٥٠ بالمائة وإنما الأمر الذي لا يقولونه، هو أن معدل أجر العامل الفلاحي، لا يتجاوز اليوم ٣٠٠ من الفرنكات. أتريدون سياسة "الامتزاج"؟. إن هذه السياسة تقضي بجعل كل الجزائريين فرنسيين فعلا وقانونا. لكن ما هو الأجل المحدد لتنفيذ هذه السياسة؟ إن كان هذا التنفيذ يقتضي مرور قرن من الزمن، فلا موجب أصلا للاستمرار على البحث. وإن كان تنفيذه يقع حالا؛ فيجب علينا أن نبادر بوضع مدرسة في كل قرية، وبلدية منتخبة في كل قرية وبلدة؛ كما هو الحال في البلاد الفرنسية وأن نرسل بمائتين عن النواب الجزائريين، للمجلس الوطني الفرنسي، بما أن قطر الجزائر، مأهول بعشرة ملايين من السكان. لكن الجواب على هذا من طرف الإدارة، هو السكوت العميق! ويقولون لنا: إن تنفيذ كل هذه الاصلاحات، يستلزم نفقات طائلة، ومن أين لنا الحصول على المال؟ ولقد حسبوا أنه يلزم إنفاق ١٢٠ مليارا لتعميم التعليم، ومن هنا جاء حساب تقسيمها على ٨٥ سنة مقبلة. لكننا رأينا خلال السنة ثورة الجموع الأمية، ولقد قالت لنا الصحف، أن الجند الذي أرسل لإخماد هذه الثورة، تستلزم نفقاته عشرة ملايير لإنفاقها في الشهر الواحد، فياليت شعري، كيف تراهم يجدون ١٢٠ مليارا لإنفاقها في عام واحد، لمقاومة الثورة، ولم يجدوها من قبل لتعميم المدارس، ومحو الأمية، والاستمساك بحبل السلام؟

стр. 396

ثم يقول لنا فريق من المجادلين الذين يمتازون بسوء النية: أن المسلمين لا يريدون أن يتعلموا، ألا ترونهم يحرقون المدارس الحكومية؟ لكن هؤلاء المجادلين عن سود نية. لا يعترفون لنا بأن المدارس الحكومية، التي يحرقها الثائرون إنما هي المدارس التي أصبحت مأوى للجنود. لقد بلغ من تعطش المسلمين للعلم والمعرفة، أنهم أقدموا خلال السنوات الأخيرة، على تشييد أكثر من مائة وخمسين مدرسة عربية قرآنية، أنفقوا على إقامتها من أموالهم الخاصة، وجاءوا لمزاولة التعليم بها بشيوخ تلقوا علومهم بمساجد الشرق. وهكذا رأينا مكان المدرسين المحترفين، الذين يعلمون العلوم التي تلقوها بواسطة فرنسا يعمره مدرسون ووعاظ دينيون. أم هل يعتقدون أن الوعود الطيبة والكلمات الحلوة؛ تكفي الآن لتهدئة الحالة في القطر الجزائري؟ لقد اقترحوا من أجل ذلك برنامج إصلاحات. لكن يظهر أنهم لم يستشيروا أحدا من ذوي الكفاءات أو الأخصائيين، في شأن هذه الإصلاحات؛ ولم يجروا أي بحث لدى الدول الأوروبية، التي تشمل بين أفرادها عددا عظيما من المسلمين. لقد رجعت من رحلة، قمت بها بواسطة جهودي الخاصة، في قطر يشبه كثيرا قطر الجزائر، ألا وهو بلاد أذربيجان، وعرفت الآن بواسطة هذه الرحلة، مدى ما قام به الروسيون من عمل في آسيا. لقد بادروا قبل كل شيء، بفتح المدارس، وتكوين الأساتذة، وتمكنوا خلال سنتين أو ثلاث سنوات، من تعميم التعليم. فلم تنقض مدة ٢٤ عاما حتى وقع القضاء بصفة تامة، على الأمية في البلاد، ووضعت تحت تصرف الناشئة، كميات عظيمة من الكتب، ونظم جهاز جديد للشباب، وشاركت الهيئة الإسلامية كلها في هذا المجهود. وبعد أن بين الكاتب، الطرق الفنية التي سلكها الروسيون للتعليم، وارتأى تنفيذ بعضها في القطر الجزائري، مما هو محل نظر ومناقشة، قال:

стр. 397

إن أصحاب جمهورية أذربيجان، يديرون اليوم الحظائر الفلاحية الكبرى، ويستطيعون بين محصولها لبقية بلاد الإتحاد السوفياتي، ويديرون الصناعات الحديدية والفولاذية، ويستخرجون النفط من الآبار، وتختلط هنالك الشعوب اختلاطا أخويا، ويستطيع الإنسان اجتياز كل الطرقات، دون أن يحمل معه المترايات. في هذا القطر الأذربيجاني، لم يتكلم الروسيون عن سياسة "الامتزاج" بل سلكوا سياسة "الدولة ذات الجنسيات" ولا يوجد أي شيء يهدد كيان وسلامة هذه الاتحادية "الفدرالية" التي نشأت بهذه الصفة ... لا أقول أن فرنسا، يجب عليها أن تقلد السياسة الأجنبية تقليدا أعمى. لكنني أتساءل، هل يكلفها البحث، أو تكلفها دراسة ما هو واقع بالبلاد الأجنبية ثمنا باهظا، إذا كان البحث، الذي يقع لمصلحة بلاد ما وراء البحر، يسفر عن أفكار وآراء جديدة نافعة؟ الأمة الجزائرية كلها ثائرة وحزب واحد ... منذ اليوم الأول لقيام الثورة التحريرية في الجزائر، حددت من جديد أهداف الأمة الجزائرية وأعمالها، أما أهدافها فهو الاستقلال التام، الذي لا يقل عن استقلال فرنسا نفسها، وأما العمل، فهو الكفاح المسلح حتى النصر النهائي أو الفناء، ومنذ ذلك اليوم، ذابت آراء الهيئات والأحزاب والنواب جميعا، ولم يبق إلا رأي واحد، هو رأي الثورة والثوار فقط، والثوار في الحقيقة، هم الأمة الجزائرية عن بكرة أبيها، لا فرق بين من حملوا السلاح لقتال المستعمرين وبين من ثاروا باللسان، أو بالقلم، أو بالمال، أو بالقلب على الأقل، ولا فرق بين من يعملون علنا، ومن يعملون سرا. المهم لم يشذ عن ذلك العمل المقدس، رجل ذو حسب أو نسب، أو ذو نفوذ أو نيابة، وإذا خرج عن صفوف الكفاح، بالقعود عن مد المجاهدين بالعون المقدور عليه، أو بمساعدة المستعمرين على الوصول إلى النيل من أعمالهم، أو الإساءة إلى

стр. 398

رسالتهم، فلن يكون ذلك الخارج، إلا من بعض الموظفين الساقطين، أو حثالة الناس، الذين يباعون كالسلع في الأسواق، وهذا الصنف على ندرته، بالنسبة لأمة تعدادها ١١ مليونا من الفقراء والمحتاجين، وبالنسبة للظروف القاسية، والمغريات الاستعمارية، فإن يد المجاهدين لم تقصر على أحد من الخائنين، فلقد حاكمت الثورة مئات من هؤلاء، فحكمت على الكثير منهم بالإعدام، ونفذت فيهم الأحكام على أدق وجه وأسرعه، هذا هو الوضع منذ قامت الثورة في فاتح نوفمبر سنة ١٩٥٤، وما تزال الأمة من ذلك اليوم، تزداد بالثورة تعلقا وتفانيا حتى الآن، رغم التضحيات العظيمة التي تكبدتها، من جراء الأعمال الوحشية، التي ما فتئ المستعمرون يصبونها على المدنيين العزل الآمنين، هذا ولقد أراد الفرنسيون أن ينعتوا هذه الثورة المقدسة، بكل صغيرة يمكن أن تقلل من شأنها، من ذلك زعمهم المتكرر، بأن هؤلاء المقاتلين، إنما هم عصابة من قطاع الطرق والجائعين، أما بقية الأمة الجزائرية، فهي في ألف خير راضية مطمئنة، وإن كانت الحوادث تكذبهم في كل يوم بضع مرات، ولكنهم ما يزالون يزعمون ويفترون ... لأنهم لا يستحون، والذي لا يستحي يصنع ما يشاء، ويهمني أن أنبه القارئ هنا، إلى أنه ليس في الجزائر إلا أربع هيئات فقط، يمكن أن تدعى بأنها تمثل قسما كبيرا أو صغيرا من الجزائريين، هذه الهيئات، هي: ١ - حزب الشعب، ٢ - جمعية العلماء، ٣ - حزب البيان، ٤ - هيئة النواب، وليس في الجزائر غيرها على الإطلاق، وقد أصبحت اليوم جميعا تؤمن بالثورة وآرائها، أو تؤيدها علنا، وفي ملأ من الفرنسيين وأهل الأرض، وفي فصول هذا الكتاب، شواهد كثيرة على ذلك، ونحب أن نثبت هنا مذكرة لحزب الشعب، كان قد قدمها لهيئة الأمم سنة ١٩٥٠، ليعرف القارئ مقدار سهر الجزائريين على قضيتهم، وبعدها نثبت كلمة الأستاذ فرحات عباس، رئيس حزب البيان، "الذي أعلن انضمامه رسميا، إلى الثورة، وإلى جبهة التحرير، فبهذين الحزبين مع العلماء والنواب، يكمل نصاب إجماع الجزائريين على الكفاح من أجل الاستقلال، وعلى طرد المستعمرين بأي ثمن. وفيما يلي، مذكرة حزب الشعب:

стр. 399

مذكرة حزب الشعب الجزائري إلى أعضاء هيئة الأمم المتحدة إن الندوة المنعقدة في ١٢ أوت ١٩٥٠، قد جسمت ما كان يتخوف منه الشعب، الجزائري،، وقد حضر هذه الندوة كل من السادة: بليفن رئيس الوزارة الفرنسية، وجول موك، روبير شومان، ورينيه مايير، واجين طوماس، وداملون، وانضم إليهم الجنرال جوان، المقيم العام بالمغرب الأقصى وإدمون ناجلان، الوالي العام بالجرائر، وبيريلي المقيم العام بتونس. إن الحالة الدولية التي تتفاقم يوما فيوما، جعلت الشعب الجزائري يشعر شعورا يتضح شيئا فشيئا، بأنه أصبح مجرد آلة في ميدان السياسة، والإستراتيجية الدولية، وقد أحالت هذا الشعور، إلى يقين الأخبار الشبيهة بالرسمية، التي كشفت عن مرمى هذه الندوة، التي تتلخص قراراتها في بعض نقط معينة: ١ - تضخم عدد الجيش الفرنسي المرابط بالقطر الجزائري، وهذا أول خطر مهدد، إذا علمنا الدور الذي تلعبه الجيوش أثناء عمليات القمع، وقد اتضح أن هذه التدابير، معلقة على إرسال جيوش أمريكية انكليزية إلى أوروبا لسد الفراغ الناشئ عن تطبيقها، وقد بشرنا المسيو ماكس لوجون، مساعد سكرتير الدولة وزارة الجيش، إثر مناورات البخاري، التي جرت في أوائل شهر سبتمبر الحالي، بتعبئة عامة بالقطر الجزائري، إلا أن الجيوش المكونة بهذه التعبئة، ليست معدة للدفاع عن التراب الجزائري، ولكن للقتال بعيدا عن بلادها. ٢ - إنشاء معامل السلاح لتزويد الجيوش بالعدة الخفيفة، وهذا يثير مشكلة اليد العاملة الاختصاصية، التي لا يمكن فضها إلا باستجلاب اليد العاملة الألمانية

стр. 400

والإيطالية، وفي هذا خطر على العمال الجزائريين، كان يطوي عليه مشروع شومان، لتوحيد صناعة الفحم والفولاذ، ثم وجد دواعي أخرى جديدة للظهور. ٣ - إبقاء الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ما هي عليه، حرصا على "النظام والاستقرار" ومعنى هذا عمليا، مضاعفة القمع السائد بالجرائر منذ عدة سنين. فهل أخذت الحكومة الفرنسية - عند اتخاذ هذه التدابير - برأي الجزائريين واعتبرت إرادتهم، وهم أول من يهمهم الأمر؟ كلا: ملاحظتان إن موقف الحكومة الفرنسية هذا، يستدعي ملاحظتين اثنتين: أولاهما - أن هذا الموقف ينتظم في سلسلة القوانين المفروضة، التي دامت أكثر من قرن، وابتدأت بإلحاق التراب الجزائري بالقوة، ودعمت بنصوص قانونية لم تكن لها، وليس لها الآن أية قيمة إذا قيست بالمبادئ الحالية في حرية الشعوب، إنما أصبحت الجزائر "ملكا فرنسيا" بالأمر الملكي المؤرخ ٢٢ يوليو ١٨٣٤ (البند ١) وهو ما كانت عاقبته إخضاع التراب الملحق، وقد وضعت صفة هذا الإلحاق، وعدلت بعدة قوانين تنظيمية أهمها: أ - قرار ٤ مارس ١٨٤٨ الذي ينص على أن الجزائر "جزء لا يتجزأ من التراب الفرنسي". ب - قرار مجلس الشيوخ المؤرخ ١٣ يوليو ١٨٦٥، الذي ينص بنده الأول على أن "الأهلي المسلم فرنسي". ج - قرار ٢٨ أغسطس ١٨٨٤ المدعو "قرار ضم الجزائر إلى التراب الفرنسي".

стр. 401

د - قانون ٧ مارس ١٩٤٤ الذي يصرح بأن الجزائريين "مواطنون فرنسيون" ويقسم المجتمع الجزائري إلى قسمين من المواطنين. هـ - قانون ٢٠ سبتمبر ١٩٤٧ المشتمل على الأسس التنظيمية للجزائر، والذي ينص في بنده الأول، على أن الجزائر "مجموع عمالات فرنسية". إن هذه الوثائق صادرة عن إرادة طرفي واحد، وذلك أن الشعب الجزائري، إما أنه لم يدع لإعطاء رأيه في القضية، أو أنه وجد الفرصة للتنديد بهذه الوثائق (قانون ٨ مارس ١٩٤٤). أو عبر بإجماع ممثليه في المجالس النيابية عن معارضته، (قانون الأسس التنظيمية للجزائر). ثانيهما - أن الحكومة الفرنسية، تعمل ضد إرادة الشعب الجزائري، بإقحامه عنوة في الجهاز الاستراتيجي لميثاق الأطلنطي، وهذه الإرادة، لم تكن خامدة قبل اليوم، فقد عبر عنها "مصالي الحاج" في ندائه الموجه إلى الأمم المتحدة، سنة ١٩٤٨ حين كتب: "إننا نعلن فيما يخص الشعب الجزائري - نظرا للحالة السيئة التي يحياها - أنه غير مستعد ليكون بضاعة تتداولها الأيدي، ولا جيشا مرتزقا في خدمة أية كتلة عسكرية، وهو على هذا يعتبر نفسه غير مرتبط بأحد، وحرا في جميع حركاته، وسيعرف - في جميع المناسبات - كيف يواصل الكفاح من أجل تحريره، بضم جهوده إلى جهود جميع الأفراد والشعوب، التي تبرهن باستقامة وإخلاص، عن تعلقها بالمبادئ الديمقراطية، وحرية الشعوب التي ما زالت تابعة بعد لغيرها. وفي شهر مارس ١٩٤٩، وقع التنديد من طرف الحركة الوطنية التحريرية، بالاتفاق الذي أدخل الجزائر عنوة في الميثاق الأطلنطي، بصفتها "ثلاث عمالات فرنسية" وقد عبرت عن ذلك أصدق تعبير، استنتاجات القرارات التي أذاعتها حركة انتصار الحريات الديمقراطية، التي تؤكد:

стр. 402

"أن الشعب الجزائري الذي يتميز غيظا، لمجرد الفكرة التي تشعره، بأنه قد يصبح مرة أخرى ضحية مساومات مخزية، يفصح من الآن، بلسان حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ترجمانه الصادق عن أن: كل عمل من شأنه مسخ شخصيته، ويشهر بكل مداولة تدور تحت تأثير عقلية رجعية، ويحتج بشدة ضد كل أمر واقع يراد فرضه عليه، وينكر مرة أخرى على أي من كان التكلم باسمه، والتشريع مكانه، ويؤكد أمام الملأ أن له وحده الحق في تقرير مصيره، وأنه لا يريد أن يكون تحت تصرف أية أمة، ولا أية كتلة من الأمم. ويصمم على عدم الرضوخ لاستعماله كبضاعة تتداولها الأيدي، أو طعمة للمدافع، كما وقع في الحربين العالميتين الماضيتين، ليرى في نهاية الأمر، السيطرة الاستعمارية سائدة في بلاده. ويعلن أنه لا يشارك في أي نزاع مسلح، تكون فيه حقوقه مهضومة ومصالحه ملغاة. وهذه الحقائق يعلنها كل الناس، وإن كان بعضهم يتوخى سياسة ميكافيلية تقوم على استعمال دماء الشعب المغلوب وثرواته، لتحصين السجن الذي يضمه، وتقوية السلاسل التي تقيده، والبعض الآخر يتوخى سياسة مراعاة الظروف، لغايات استراتيجيه، وكلا الأمرين يؤدي حتما إلى نتائج واحدة، وأن من واجبنا أن ننير السبيل أمام من تحمل مسؤوليات مباشرة، أو غير مباشرة ترمي إلى عرقلة أو تأخير سير شعبنا إلى التحرير. إن تخوفات الشعب الجزائري، ليست ناتجة عن أي تحيز، وإنما هي مبنية على التجارب المؤلمة، التي عاشها في مختلف الحروب، التي دفع إلى المشاركة فيها منذ قرن.

стр. 403

ففي كل مرة تتجدد الرواية بصفة متشابهة تقريبا، يعلل الشعب الجزائري بوعود الحرية، فيظن أن في استطاعته تحقيق مطامحه، ويقدم خيرة أبنائه وثرواته. وحيتئذ يلقى إليه بعظم، فإذا أظهر استياءه، قوبل كالعدو بال قمع الوحشي. قمع فقد وجدت حرب ١٨٧٠ الشعب الجزائري خاضعا لسياسة استعمارية قاسية، تمتاز بالاستغلال الاقتصادي، والاضطهاد السياسي، الذي تزعم تدابير الإمبراطورية أنها خففته. فكانت هذه الحال، مؤدية إلى ثورة ١٨٧١، وكان قمع هذه الثورة "لا يعرف أحدا، وكان أشبه بعملية انتقام، لا تعرف الشفقة منه بعقاب مناسب للسيئات التي ارتكبت" (روبان). قوانين إرهابية وقد ألزم الشعب الجزائري بدفع غرامة حربية، تبلغ ٣٦ مليون فرنك، وهو مبلغ فادح في ذلك العهد، كما صودر من أراضيه ٢,٥٠٠,٠٠٠ هكتار، واضطر إلى استرداد شيء منها بمبلغ ٥٠ مليون فرنك، وهذه الأراضي وزعت على الألزاسيين واللوريين، وهكذا أنشئ ٢١٠ مراكز للمعمرين، تشتمل على ٢٦٩,٠٩٧ هكتارا من أخصب الأراضي، ومن سنة ١٩١٤ إلى سنة ١٩٢٠، وزعت ٩٤٠ قطعة مجانا، أي أنشئت ٩٠٥ مراكز للمعمرين تشتمل على ١,٣٧٠,١٩٦ هكتارا، وجاء القانون بعد هذه المصادرات التي سببتها الثورة، يضيف لها سيئاته المنكرة، التي تفتح باب المبادلات المخجلة، فكانت ٢٦ أبريل ١٨٧٩ (قانون فارني) و ٢٨ أبريل ١٨٨٧، و ٦ فبراير ١٨٩٧ التي أدت في النهاية، إلى نقل ٢،٩٩،٨٧٩ هكتارا من أيدي المالكين الجزائريين، إلى أيدي المعمرين.

стр. 404

وبعد هذه المصادرات، جاء القمع السياسي يعتمد على آلة منتقاة، هي قانون ٢٨ يونيو ١٨٨١، الشهير بقانون "الأنديجينا" وقانون الغابات الصادر ٢١ فبراير ١٩٠٣، الذي كان قانونا إجراميا، يقيم نظام المسؤوليات الجماعية، ويترك للاستعمار فرصة تجويع الشعب الجزائري، وسياسة التخريب والبؤس. دعوة .. ! وفي هذا الجو من الاضطهاد السياسي والاقتصادي، دعى الشعب الجزائري للمشاركة في المجهود الحربي بجانب الحلفاء، ولم يبخل عليه بالوعود، فقد صرح المسيو بوانكاري رئيس مجلس الوزراء الفرنسي يوم ٢٠ يونيه ١٩١٢، مخاطبا وفد المسلمين الجزائريين الذي ذهب إلى باريس: وإنكم تستطيعون أن ترجعوا لبلادكم، وكونوا على يقين من أن فرنسا ستستقبل رغائبكم المشروعة بصدر رحب، ونحن نعتبر ذلك كتعويضات عادلة عن الحمل الجديد الذي حملتموه" وقد أردف المسيو موتي الذي استشهد، بهذه الكلمات في خطابه بالبرلمان يوم ٤ سبتمبر ١٩٢٦ قائلا: "أن الجزائريين قد رجعوا لديارهم، بل أنهم غادروها مرة أخرى سنة ١٩١٤، وانضموا للفرق المقاتلة على ضفاف "المارون" ولكنهم رجعوا بخفي حنين". وقد خاطب المسيو لوطو، الوالي العام الفرنسي بالجزائر في ذلك العهد، المسلمين الجزائريين، يوم ٦ أغطس ١٩١٤ بقوله: "ابقوا شركاء لنا وإخوانا، واذكروا أن فرنسا كانت دائما على مدى القرون، أمة الحق والجود والعدالة" وقال في ٥ سبتمبر ١٩١٤: "سيكون هذا الجيش الباسل ماجدا، وعندما ترجع أعلامنا الإفريقية مخرقة بالرصاص، ولكنها متوجة بانتصار، يكون لكم الحق في المطالبة بنصيب وافر من هذا الانتصار".

стр. 405

وقد شارك الشعب الجزائري مع فرنسا بـ ١٤٦,٠٠٠ محارب، سقط منهم ٣٤,٠٠٠ في ميادين القتال، حتى أن محرر افتتاحية "الديبيش الجريان" ختم مقاله الخاص، ببطولة الجنود الجزائريين، في العدد الصادر ١١ نوفمبر ١٩١٨ بقوله: "أن هذا لن ننساه"! نسيان .. ولكن كل شيء قد نسي! نسي الموتى والمفقودين، والمبتورين، ونسي الثلاثون ألفا من العمال المغاربة، المسخرين في المصانع الحربية، ونسيت الإعانة المادية التي بلغت سنة ١٩١٢. ٢٩٠,٠٠٠ طن من القمح، و ١٨٥,٠٠٠ طن من الشعير، و ١٦٨,٠٠٠ طن من الخرطال، و ١٨٥,٠٠٠ طن من الصوف، و ٢,٥٠٠,٠٠٠ رأس من الغنم، و ٦٠,٠٠٠ رأس من البقر، و ٩,٠٠٠ من الخيل والبغال، و ٣٧٠ مليونا من الفرنكات بطريقة الاكتتاب. وقد اتخذت أثناء الحرب، تدابير لتعزيز وسائل القمع بيد الإدارة الجزائرية، وذلك بسن طريقة الوضع تحت الرقابة الإجبارية، بمجرد أمر إداري (قانون ١٤ يوليه ١٩١٤، وقرار ٣ ديسمبر ١٩١٦، و ٥ يونيه ١٩١٨). وبعد الحرب صدر قانون ٤ فبراير ١٩١٩، الذي كان يزعم مكافأة التضحيات التي قدمها الجزائريون، ولكن ما لبثت الحالة أن تفاقمت، فاتخذت تدابير جديدة، ترمي إلى تعزيز النظام الاستعماري، سواء في الميدان السياسي، أو في الميدان الاقتصادي، وشددت حكومة بوانكاري نظام القرارات القانونية، ابتداء من سنة ١٩٢٤، وهذا النظام، هو الذي وضع أسس الاقتصاد الجزائري، الذي أصبح منذ ذلك العهد، ينحصر دوره في اقتصاد تكميلي بالنسبة للإقتصاد

стр. 406

الفرنسي، الأمر الذي كانت نتيجته، مثل كل نهضة صناعية بالجرائر. وفي الميدان الفلاحي ضوعف نقل الأراضي من أيدي الجزائريين، إلى أيدي المعمرين، وذلك بمقتضى قرار ٢٤ سبتمبر ١٩٢٤، العنصري البحت، الذي يخصص كراء وشراء الأراضي الدولية، "للمواطنين الفرنسيين الذين هم من أصل أوروبي". وهناك تدابير عنصرية أخرى، تجلت في طرد العمال الجزائريين من فرنسا إلى الجزائر سنة ١٩٢٦. الحركة الإصلاحية وفي الميدان السياسي، قام الأمير خالد، وهو ضابط بارع من ضباط حرب (١٩١٤ - ١٩١٨)، بحركة متواضعة جدا، ولكنه اصطدم بنفس النظريات الرجعية، التي أدت إلى حل هذه الحركة الإصلاحية، وإبعاد الأمير خالد نهائيا عن الديار الجزائرية. وقد كانت فترة بين الحربين العالميتين، حافلة بالأحداث السياسية، ففيها نشأت حركة إصلاحية، أو حركات تحرير وطني، وقد اصطدمت كلها بنفس التصلب الاستعماري. فحركة نجم شمالي إفريقيا التي أنشأت سنة ١٩٢٥، قد حلت سنة ١٩٣٧، وقد تدخل رئيسها مصالي الحاج - وهو من كبار المكافحين ضد الاستعمار - يوم ٤ سبتمبر ١٩٣٥ لدى جمعية الأمم، لتأييد الحبشة، وشارك عمليا في الكفاح الذي قامت به الجبهة الشعبية بفرنسا. بصفته ممثلا لحركة نجم شمالي إفريقيا، التي كانت تضم كثيرا من الزعماء الحاليين، من مراكشيين وجزائريين وتونسيين.

стр. 407

حزب الشعب وبعد حل حركة نجم شمالي إفريقيا، أنشأ مصالي الحاج حزب الشعب الجزائري، فاعتقل هو ورفقاؤه في الكفاح ١٩٣٧، ولم يخرج من السجن إلا سنة ١٩٣٩ ليعتقل مرة أخرى بعد شهرين من خروجه، عند إعلان حرب ١٩٣٩ ثم صدر الأمر بحل حزب الشعب الجزائري، في ٢٦ سبتمبر ١٩٣٩، ووقع الحكم على مصالي الحاج ورفقائه بأحكام قاسية، من طرف محاكم فيشي ١٩٤١، وفي أثناء هذه السنوات العشر، نشأت حركة إصلاحية في عمالة قسنطينة، باسم جامعة النواب، وكان يتزعم هذه الحركة الدكتور ابن جلول، وفرحات عباس، وبالرغم من الصبغة الإصلاحية التي اصطبغت بها سياستها، والنظرية المنافية للقومية، التي تجلت في برنامجها الاندماجي، فإن آمال هذه الحركة قد انعدمت برفض مشروع بلوم فيوليت من طرف البرلمان الفرنسي، وقد رأى زعماء هذه الحركة، من النافع أن يبرهنوا عن ثقتهم في وعود فرنسا، في الجيوش المحاربة، ولكن آمالهم خابت، كما خابت آمال غيرهم من محاربي ١٩٣٩ - ١٩٤٥، ولما نزلت جيوش الحلفاء بشمالي إفريقيا، انضم الاندماجيون القدماء إلى الوطنيين، ووضعوا البرنامج السياسي لجهة موحدة "بيان ١٠ فبراير ١٩٤٣، وبعد سنة قامت حركة شعبية عظيمة تؤيد هذه السياسة، فوافق رجال الحكومة الفرنسية المؤقتة في ذلك العهد، بلسان المسيو بيروطون الوالي العام في الجزائر، على تحقيق هذا البرنامج السياسي بعد انتهاء العمليات الحربية، وتشكلت في غضون ١٩٤٩ لحنة تدعى لجنة الإصلاحات الإسلامية، فكانت نتيجتها المزرية، قرار ٧ مارس ١٩٤٤ الذي ثارت ضده جميع الحركات التقدمية التي كانت تمثل رأي الشعب الجزائري، الملتف بأجمعه حول حركة "أحباب البيان والحرية".

стр. 408

تأييد الجزائر وفي أثناء هذه المدة، كان الجيش الإفريقي يقاتل ببطولة فائقة جيوش المحور، ويطاردها من تونس إلى صقلية، ومن صقلية إلى إيطاليا، ومن إيطاليا إلى فرنسا، ومن فرنسا إلى ألمانيا، وكان هذا الجيش، يحتوي على ٩٠ بالمئة من الأهالي، وكانت الجزائر مستودعا لجيوش الحلفاء، ونستطيع أن نقول غير مبالغين، أن برامج الحلفاء كادت تختل اختلال عظيما لولا معاضدة التعب الجزائري، والشعب المغربي بوجه عام. الهدنة ومذبحة الجزائر وفي ٨ مايو ١٩٤٥، بينما كان العالم بأسره يحتفل بيوم الهدنة، والانتصار على الهتلرية، أراد الشعب الجزائري أن يعبر عن أمله، في أن يرى تضحياته تحظى بالاعتبار، وأن يتمكن من تحقيق مطامحه القومية، ولكن الجيوش الفرنسية المكلفة بحفظ الأمن والاستقرار" انضمت - مع الأسف - للفرق الفرنسية المسلحة، وأحدثت مجزرة كان ضحيتها ٤٥ ألف نسمة. فوجد أبطال الفرقة السابعة من الرماة الجزائريين، الذين عادوا مكللين بالنصر من ميادين القتال إفريقيا، وأوروبا، ديارهم مهدمة؛ وحقولهم مدمرة، ونساءهم مهتوكة الأعراض، وأهليهم, مقتولين بالرصاص، وقد أجبرت الدولة الفرنسية أمام موجة الاستياء الهائلة التي غمرت العالم إثر هذه الحوادث، على أن تتخذ موقفا تمحو به الأثر السيء الذي ترتكبه سياستها الاضطهادية، فكان هذا مختلا، وكان وليده قانون الأسس التنظيمية، مختلا مثله، وكان غاية ما امتاز به، أنه تسبب في إجماع الرأي العام الجزائري ضده، هذا الرأي العام الذي عبر عنه ممثلو مختلف النزعات في المجالس التشريعية، على أن النقط التقدمية القليلة التي احتوت عليها هذا القانون، قد مسخت كما ينبغي من طرف أولئك الذين كلفوا بالسهر على تطبيقها.

стр. 409

مصارحة ولماذا؟ لسبب بسيط جدا، وهو أن ضغط الرأي العام العالمي قد انقطع وأحسن اعتراف بذلك هو ما صرح به أحد ممثلي النظريات الاستعمارية، المسيو باتيستيني النائب بالمجلس الجزائري، في جلسة ٢ فبراير ١٩٥٠، عند مناقشة قضية إلغاء الأحواز الممتزجة، حيث قال: "وبالأحرى فلنقل قولا فصلا، وقد كنت عودتكم ذلك فيما أظن، أيها الزملاء الأعزاء، أن المصادقة على هذا القانون، قد وقعت في جو يخالف الجو الحاضر كثيرا، فقد أريد التنازل - شكليا على الأقل - لبعض النزعات وبعض المطالب الملحة في ذلك العهد". فقدان الثقة ويمكن أن تفهم الأزمة التي أفقدت الشعب الجزائري، الثقة في فرنسا، من الروح التي تتجلى في هذه الكلمات، التي لها على كل حال فضل الصراحة، والتي جاءت تعزز التجارب القاسية، التي تمخضت عنها الأحداث السابقة أو المصاحبة أو التابعة لجميع الحروب. وهذه الأزمة لم تفقد الشعب الجزائري الثقة في فرنسا وحدها، بل في جميع حلفائها السابقين أو اللاحقين، فبينما كان الميثاق الأطلنطي، وتصريحات أبرز الشخصيات العالمية، تؤكد أمام الملأ، أن أهداف الحلفاء الحربية، هي تحرير الشعوب كلها من الاضطهاد الأجنبي، وتحقق استقلالهم الوطني، كانت اتفاقات "كلارك درلان" بالجرائر تنص على: "الاعتراف من جميع العناصر الفرنسية، ومن يهمهم الأمر، ومن طرف السلطات العسكرية الأمريكية، بأن القوات الفرنسية، تؤيد وتساعد قوات الولايات المتحدة وحلفائها، لطرد العدو المشترك من التراب الإفريقي، وتحرير فرنسا وإرجاع الإمبراطورية الفرنسية".

стр. 410

وهكذا تغلبت تعهدات رؤساء الحكومات، وها نحن اليوم على أبواب حرب جديدة ونرى رجال الجيش يتفقون على رجال السياسة. خطورة الحالة إن حالة الشعب الجزائري تزداد خطورة في الميدان السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وسياسة الاندماج يشاد بها من جديد في الأوساط الحاكمة، وخنق مظاهر الشخصية الجزائرية يزداد كل يوم، وترى هذه الجماهير، تأتي لتضخيم صفوف المعوزين في المدن الجزائرية، أو تهاجر بمئات الآلاف خصوصا إلى الديار الفرنسية، والبطالة قد رمت الشباب والعائلات الجزائرية في بؤس مشين، والقمع الاقتصادي يزرع المجاعة في بيوت البعض، والروع في بيوت آخرين، والحريات الإنسانية الأساسية مداسة، والصحافة الوطنية مخنوقة بمصادرة "الجزائر الحرة" لسان حركة انتصار الحريات الديمقراطية، واضطهاد المدافعين عنها واعتقالهم بالآلاف في باريس، وحرية الاجتماع معدومة عمليا حتى بالنسبة للنواب البرلمانيين، والديانة نفسها لا تزال خاضعة لمراقبة الإدارة وضغطها، والثقافة القومية مخنوقة دائما، والجماهير ترزح في قيود الجهل والأمية. خاتمة هذه هي الظروف التي نستعد فيها اليوم، لدعوة الشعب الجزائري للاستعداد لخوض غمار حرب عالمية ثالثة. أن للشعب الجزائري هدفا واضحا: (تحقيق التحرير الوطني) فهو يرى في كل أنحاء العالم شعوبا تحررت وأخرى تتحرر، وهو يرى في العالم تيارا عظيما من العطف يعينه على مهمته، وأن أهداف كفاح الشعب الجزائري، وأهداف كفاح الذين يريدون تشريكه، بالرغم عنه في حرب

стр. 411

عالمية، لا يمكن أن تكون إلا متناقضة، وإذا كان لكل كتلة من الكتلتين، في الحرب التي ظهرت بوادرها، شيء تدافع عنه أو تناله، فإن الشعب الجزائري يريد قبل كل شيء، الدفاع عن حياته وأخذ حريته، ولهذا يرى من الضروري أن يذكر أمام الملأ بما يلي: ١ - أنه ينكر على أي إنسان الحق في إقحامه في جهاز حربي من غير سابق استشارته، ومن غير اعتراف بحقوقه. ٢ - ويؤكد من جديد عزمه على أن العمل إلا حسب المقتضيات التي تضمن له فعلا بلوغ هدفه، الذي هو الاستقلال الوطني. ٣ - ويبدي أمله في أن يرى الوئام الدولي، يحل محل المسابقة إلى الحرب، وفي أن لا تؤدي الضروريات الإستراتيجية - على الأقل - إلى نسيان إرادة الشعوب، وعدم تقديرها حق قدرها. ٤ - وبالجملة، فالشعب الجزائري، لن يعتبر نفسه أبدا حليفا لمن ينكر حقه في الحرية والاستقلال. الجزائر في ٢٠ سبتمبر ١٩٥٠. عن حركة انتصار الحريات الديمقراطية الأمين العام الحسين الأحول

стр. 412

من زعماء الجزائر فرحات عباس رئيس حزب البيان وصل إلى القاهرة في منتصف أبريل الحالي سنة ١٩٥٦، زعيم كبير من زعماء الجزائر، وهو فرحات عباس، "رئيس حزب البيان الجزائري"، ولم يكد يضع قدمه على أرض مصر الشقيقة، حتى عقد ندوة صحفية، دعا إليها الصحف العربية والأجنبية، ووكالات الأنباء، وأعلن في ملأ من الدنيا، انضمامه رسميا إلى جيش التحرير، وإلى جبهة التحرير التي تنطق باسمه، ثم أعلن موقف الأمة الجزائرية المتحدة المكافحة من الاستعمار، ويتلخص في كلمتين، هما الاستقلال، أو الفناء، وحزب البيان، هو ثالث هيئة في الجزائر، بعد جمعية العلماء، وحزب الشعب، والهيئات الثلاثة، وكل عناصر الأمة اليوم، أصبحت ذائبة في الثورة، وفي جبهة التحرير الوطنية، والمعروف عن فرحات عباس، أنه مكتمل الرجولة، واسع الثقافة، ربيب الصدق والثبات، وقد ابتدأ عمله السياسي، معتدلا جدا، ولو أن فرنسا أخذت ببرنامجه في الأول، لكانت هي الرابحة، ولكن سنة التطور أخذت بيد عباس، حتى وصلت به اليوم إلى القمة، وبعدما لمس نهاية خبث الاستعمار الفرنسي، ويئس من إمكان عودة الحياة إلى ضميره ... والذي نعرفه من فضائل عباس، أنه رزين، لا يأخذ بأمر حتى يقلبه على جميع وجوهه، ولكنه إذا اقتنع واتجه، فإنه لا يحسن السير إلى الوراء مطلقا ولا يعرف التردد والذبذبة، ونحن نثبت هنا تصريحه الذي نشرته أكثر صحف العالم، ونلفت نظر القارئ، إلى أن الرجل اعتاد دائما أن يعني ما يقول، وأن يتحمل مسؤولية ما يقول كاملة، وهذا نص التصريح:

стр. 413

تصريح فرحات عباس القاهرة ٢٥ أبريل ١٩٥٦ - وكالات الأنباء - عقد الوفد الجزائري لدى لجنة تحرير المغرب العربي في القاهرة، مؤتمرا صحفيا ظهر اليوم. وقد تحدث في المؤثمر، السيد فرحات عباس زعيم "حزب البيان الجزائري" وأحد زعماء جبهة التحرير الجزائري، المعروف بالاعتدال فقال: إن النظام الاستعماري المفروض على الجزائر، أصبح يعمل اليوم، في حرب قاسية لفتح البلاد من جديد، وهو اليوم يغرق البلاد في بحر من دماء وقد بلغ عدد الضحايا من المواطنين مائة ألف شهيد. ثم قال أيضا: أن الثورة الجزائرية القائمة، إنما قامت لمحاربة النظام الاستعماري، وأن الشعب مصمم على الاستمرار في الكفاح، أو الموت من أجل الحرية، ومن أجل هذا الهدف، ماتت الحزبية والأحزاب، وحل محلها شعب متحد قوي، أجمع أمره في جبهة التحرير الوطنية، ومضى السيد فرحات عباس يقول: لا يمكن أن تجرى مفاوضات مع فرنسا، إلا على يد رجال جبهة التحرير، وبشرط أن تعترف فرنسا أولا وقبل كل شيء، بالجنسية والقومية الجزائرية، وأن الجزائر جزء من المغرب العربي. وما لم تحرر الجزائر، فإن استقلال تونس ومراكش يصبح هباء. ودعا الزعيم عباس إلى جلاء قوات الاحتلال الفرنسية عن الجزائر. وقال: إذا لم يتم هذا الجلاء، انتقلت الحرب إلى فرنسا نفسها. وإذا ما تم الخلاء، فإن جيش التحرير الوطني سيضمن حرية الفرنسيين المستوطنين في الجزائر، ويؤمن لهم المساواة مع سائر الجزائريين. ومما قال الزعيم الجزائري: أن فرنسا ما تزال تشن الحرب ضد الشعب الجزائري، بالرغم من وعودها بتحقيق السلام. وبالإضافة إلى ٣٥٠ ألف مقاتل فرنسي يعملون

стр. 414

في الجزائر، يقوم الأوروبيين المدنيون بأعمال الاستفزاز، وقد سلحتهم الإدارة الفرنسية، التي تشبعت بفكرة الحرب، واستعمال القوة، وهذا الجهاز الحربي الضخم، يعمل اليوم ضد شعبنا بكل شدة، ولا تقتصر أعماله الإرهابية، على رجال الدولة في معاقلهم وغاباتهم، بل يصب جام نقمته، على جموع السكان المدنيين الجزائريين، دون أي تمييز، ويصيب الرجال والنساء والشيوخ. وقال: أن مئات المدنيين، سيقوا من ديارهم إلى ساحة الإعدام، واستشهد الكثيرون نتيجة ضرب ديارهم بالقنابل من الجو والبحر. ثم قال: أنه أعلن رسميا، أن مجموع الضحايا بلغ مائة ألف نسمة، في حين أن الإحصاء الرسمي الحكومي يقول: أن عدد جنود جيش التحرير القومي الجزائري، لا يتجاوز ١٥ ألفا، وهذا يكشف عن العدد الكبير من المدنيين، الذين استشهدوا ضحية أعمال الاغتيال الشنيع. يجب إعادة السلام إلى الجزائر وأضاف قائلا: أننا نخاطب الضمير الإنساني العام، ونخاطب ضمائر أحرار الفرنسيين بصراحة وبصوت مرتفع، ونقول لهم، أنه يجب إعادة السلام إلى الجزائر، ولولا المعونة التي تقدمها الدول الكبرى لفرنسا، لما وصلت المأساة الجزائرية إلى هذا الحد. هذا تصريح الزعيم عباس، وقد أحدث في الأوساط الفرنسية ضجة كبرى، وعلقت عليه جميع صحفهم بكثير من الفزع، لأنهم يفهمون الرجل أحسن الفهم يفهمونه رزينا معتدلا، ويفهمونه صادقا، إذا اتجه إلى عمل، لا يثنيه ترغيب ولا ترهيب، ويؤمنون حينما يقول لهم: سننقل المعركة إلى فرنسا نفسها، أنه صادق النية، ويفهمون أن الشعب الجزائري، شعب عزة وكفاح، وأنه قد سبق زعماؤه في الحماس بكثير، وأن هذه الدعوة الجريئة من مثل عباس المعتدل الرزين، ستحول

стр. 415

الجزائر كلها إلى بركان وزلزال ضد الاستعمار وأنها في الوقت نفسه، ستقضي نهائيا على عوامل التفرقة، ويكتمل عقد الإتحاد والتضامن باتصال طرفيه، والاتحاد أخطر سلاح يخشاه الاستعمار، وعباس لم يقفز إلى هذه الزاوية المتطرفة دفعة واحدة، وإنما انتقل إليها تدريجيا، تدرج العارفين المؤمنين، وبين أيدينا الآن، تصريح له إلى جريدة الأكسبريس الباريسية. المقاومة في ١٠ يناير ١٩٥٦ نقتطف منه ما به الحاجة، قال عباس: أتكلم الآن عن المسألة الرئيسية وهي المقاومة. فالمقاومة في الجزائر، ذات شوكة قوية، لا من حيث عدد الرجال الذي يتضاعف يوما فيوم، بل من حيث الأسباب التي دعت لانبعاث هذه المقاومة بالخصوص، والتي ما تزال قائمة الذات، بحيث أصبحت المقاومة اليوم في نظر جميع السكان المسلمين بالجرائر، مصدر الأمل الوحيد. س - كيف ترى الحلول الملائمة للمشكلة؟ ج - إن رأيي في هذا الصدد، معروف عام ١٩٣٤، وقد أتيحت لي إذ ذلك، الفرصة لأشرحها بنفسي للجنرال كاترو، وهي تتلخص في الاعتراف بالواقع الوطني في الجزائر، وهذا الاعتراف ينطوي على اعتراف الحكومة الفرنسية في أقرب الآجال - إذا شاءت أن تحقن الدماء - بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه. س - وهل تنتهي الاشتباكات والمعارك فورا، في حالة ما إذا أعلن ذلك الاعتراف. ج - هذا ما أعتقده إعتقادا قويا، وعلى كل فإن ذلك الاعتراف، يكون خطوة كبيرة نحو الانفراج.

стр. 416

س - هل أن في وسع حزبك، وهو حزب البيان، أن يساهم في إيقاف العمليات العسكرية؟ ج - إن حزب البيان حزب وطني ديمقراطي، يعترف بأنه استنقذ جميع الوسائل السلمية لتسوية الخلاف، بطريق الحوار والإقناع والتفهم، وهنا أقول بصراحة: أن حزب البيان لم يعد في وسعه المساهمة في حل سلمي، وبدون موافقة المقاومة، وتحبيذ جيش التحرير الوطني، حب من حب، وكره من كره، ليس هناك حلا سلميا. س - وفي هذه الحالة، أي إذا ما حلت المشكلة وفقا لرغبة الجزائريين، فهل يكون بالإمكان تعاون بين المسلمين والأوروبيين؟ ج - بدون شك، ولكن على شرط، وهو أن يتخلص الأوروبيون من مركبات النقص الاستعمارية، وأن يلغي الاستثمار الاستعماري، وعندئذ لا يكون التعاون بين المسيحيين واليهود والمسلمين بالجرائر سلميا فحسب، بل مثمرا أيضا. وفرحات عباس كان في وقت ما، متهما بأن عقيدته الانفصالية عن فرنسا كانت لينة، لأنه لم يكن قوي الإيمان بقدرة الأمة الجزائرية يومئذ على طرد الاستعمار، وإقامة دولة وحدها، ولكن لما قويت شوكة العرب والمسلمين، وارتفع شأن الحرية في جميع أنحاء العالم، دار مع العلة حيث، دارت، ولعباس مقال يرد فيه على "إدغار فور" رئيس الحكومة الفرنسية، بمناسبة ترديده - في خطبة له المعروفة، بأن الجزائر فرنسية، والمقال منشور في جريدة "لاكسيون التونسية" وعربته الصباح في عدد ٢ - ١١ - ١٩٥٥ تحت عنوان: الماريشال بيجو الرئيس فور ... وقدمته بالكلمات الآتية أما "بيجو" فهو القائد الفرنسي المشهور الذي احتل الجزائر. وأما الإجابة، فمدارها هو ما إذا كانت الأمة الجزائرية، أمة قائمة بذاتها، أم هي لاحق لها في أن تكون أمة.

стр. 417

والمقال من تحرير السيد فرحات عباس رئيس حزب البيان الجزائري، نشره في صحيفة "لاكسيون" التونسية. وقد رأينا أن ننقله إلى القراء، لأهمية ما يحتوي عليه من الشواهد التاريخية المدهشة، التي كانت تسير بها خطة استعمار هذا الوطن العظيم. وأما مناسبة هذا المقال، فهو خطاب ألقاه "مسيو إدغار فور" أخيرا عن الجزائر، وادعى فيه كالعادة أن الجزائر فرنسية. وقد اختار الكاتب، أن يكون رده على رئيس الحكومة مقتبسا من التاريخ، كما يسجله الفرنسيون أنفسهم. وإليك ما جاء في هذا المقال: حقائق وأفكار رائجة ... "إن الجزائر المسلمة، بعد أن سجلت قرار هيئة الأمم يبحثها في جمعيتها العامة - أخذت تنتظر الخطاب الذي ألقاه بشأنها فيما بعد، الرئيس إدغار فور، وإذا كان رئيس الحكومة قد قال - في هذا الخطاب - حقائق قانونية فيما يخص المغرب الأقصى وتونس، فإنه بالعكس من ذلك فيما يخص الجزائر، راح يستعيد "الكليشات" القديمة التي ورثها عن استعمار القرن الماضي - وباختصار فإن هذا الخطاب لم يأت بأي حل للمشكلة الجزائرية، ولا بأي جديد فيها" لقد قال رئيس الحكومة: "أن الجزائر أرض فرنسية وليس هناك ولا يمكن أن يكون هناك شيء، اسمه الأمة أو الدولة الجزائرية". وهذه بطبيعة الحال هي الأفكار الرائجة في الكتب المدرسية، التي يتعلمها الصبيان في المكاتب، أما الواقع، فهو أن الجزائر قبل سنة ١٨٣٠، كانت لها نفس الأنظمة السياسية والاجتماعية، التي كانت لجارتيها تونس ومراكش، مع فارق واحد، وهو أن الجزائر كانت أكثر من جارتيها، من حيث المكان والغنى الطبيعي. وإذا كانت وضعية الجزائر اليوم من الناحية القانونية، تختلف عن وضعيتي مراكش وتونس، فليس ذلك ناشئا عن وضعيتها التي كانت عليها قبل سنة ١٨٣٠.

стр. 418

وإنما نتجت بالعكس من ذلك عن الطرائق التي استعملتها معها الدولة التي استعمرتها، إذ أن هذه الدولة بدلا من أن تحافظ في الجزائر على سياسة المحميات فضلت أن تتبع فيها سياسة الألحاق. التجربة المرة وبعد أن مر الفرنسيون بالتجربة الجزائرية على هذا المنوال، تبين أن لهم نظام "المحميات" أكثر مرونة وأقل إهدارا للدماء، وأقل ثمنا. وهذا هو السبب الوحيد الذي جعل الفرنسيين فيما بعد، يتبعون في تونس ومراكش في سنتي ١٨٨١ وسنة ١٩٠٥ سياسة في الاحتلال، غير التي اتبعوها في الجزائر. فبين عصر بيجو (الجزائر) وعصر جول فيري (تونس) وليوتي (مراكش) مرت فرنسا بسلسلة مفيدة من التجارب، فيما يخص معرفة المسلمين، وكان ميدان هذه التجارب، هو الجزائر بطبيعة الحال. ويجوز أن نذكر هنا بأن الشعب الجزائري، هو الذي كان ضحية هذه التجربة. ذلك أن هذا الشعب، كان شيئا آخر، غير ما يمكن أن يتصوره اليوم مسيو إدغار فور. ومن الأفضل أن نقتصر في إجابة رئيس الحكومة على خطابه. بأن نعرض أمام عينيه بعض الشواهد الثقيلة الوزن، مما كتبه المارشال بيجو نفسه، من ذلك قوله "آه! لو لم يكن في الجزائر هذه عرب، أو لو كان شعبها يشبه شعوب الهند المنحلة الرخوة. إذن لنصحت إلى بلادي، أن تخصص ميزانية لاستعمارها بعناصر من الجيش. ولكن وجود هذه الأمة، وما تمتاز به من شدة المراس والاستعداد للحرب، استعدادا يفوق ما عليه شعوب أوروبا - يضطرنا اضطرار أكيدا - أن نكون أمامها وبجانبها وفي وسطها بأقوى العناصر من سكاننا وأشدهم شكيمة".

стр. 419

مشروع جهنمي "ويقول المؤرخ "إيميرت": أن العامل الرئيسي في المقاومة العنيفة الشرسة التي قام بها الشعب الجزائري، هو قوته الجماعية التي لم يستطع الفرنسيون في ذلك العهد، أن يفهموها أو يعزلوها". وهذه القوة الجماعية التي كانت تحرك شعبنا كان لها اسمها الذي تحمله، وهو "الوطنية". ولكن المارشال بيجو أقام برنامجا فظيعا لمحو هذا الشعب، والقضاء على هذه الأمة، ليصير الجزائر وطنا للشعب الذي جاء يستعمرها، وهو نفسه يشرح هذا البرنامج، بعاطفة متحجرة، أمام البرلمان في يوم ١٦ يناير سنة ١٨٣٠ فيقول: "سأقيم جالية في تلمسان، وأخرى في معسكر وغيرها في مدية، وأقول للجنرال، قائد الجالية في تلك المناطق: أيها الجنرال إن مهمتك ليست في الجري وراء العرب - وهو عمل لا فائدة منه إطلاقا - ولكن مهمتك في منعهم من زرع الأرض وحصادها، إذن فعملك هو أن تتجول في أنحاء البلاد، داخلا من ناحية إلى أخرى، فعندما تمنعهم من الحرث في الجهات الشرقية مثلا، لا تكون في حاجة فيما بعد لمنعهم من حصادها، وتستطيع بذلك أن توفر جهدك، لتبذله في جهات أخرى، بقدر ما تسمح لك قواتك العسكرية لذلك، لأن هذه القوات، هي العامل الأول لنجاحك. الهدف الرهيب وهذه الأوامر نفسها، تعطي لجميع قواد الحاميات، لمنع العرب من أن يتمتعوا بحقوقهم (أصوات استنكار من النواب) أن هذه الأصوات التي أسمعها، تدل على أن حضرات النواب هنا، يرون أن هذا الأسلوب فيه وحشية كبيرة. ولكن أيها السادة، أن الحرب لا تسير بالعاطفة.

стр. 420

يجب أن تمض إلى النهاية، إلى هدف صلب متين، وهو أن نجعل من هذه البلاد قطعة من فرنسا، يجب أن تقوم بالغزو الأعظم في إفريقيا، كما فعل الفرنج من قبل، وكما فعل القوط، وبغير هذا فلا سبيل إلى النجاح، أن جميع هذه التدابير، أدت بشعبنا إلى أن يصبح أشبه (بغبار من الأشباح) كما يقول المؤرخ "إيفير" ثم أن هذه المجموعة من الخلائق، جعل لها نظام خاص بها اسمه "إينديجينا" (النظام الأهلي) وبمقتضى هذا القانون، أصبحوا محل الاستغلال المطلق، والاستعباد الذي لا يرحم، ولكننا نحن البشر كثيرا ما نكره أشياء وهي خير لنا. إن هذا العربي الجزائري المستعبد، أخذ يصطدم بالعنصرية، فلم يجد بدا من الانكماش على نفسه، ثم أصبح هذا الانكماش اليوم، كتلة صماء لا تتفتت، وهي الأمة الجزائرية القائمة الذات، ومصير هذه الأمة، هو الذي يتأرجح اليوم في كفة القدر، فهل يجب إذن أن تحطم هذه الكتلة من جديد بالمعاول والسيوف والنيران، أم يجب أن يفسح لها مجال النمو والتطور، وأن يبذل لها المساعدة حتى تكون دولة عصرية؟ هذا هو السؤال في صميمه، ولكن رئيس الحكومة الفرنسية لم يجب عنه بشيء. وبعد ففي واقع مجموع هذه الكلمات يمكن أن تعرف حقيقة الأستاذ عباس فرحات حق المعرفة ومثله في هذه الظروف بالذات، يجب أن يكون معروفا للناس أصدق المعرفة بما فيه من كمال ونقص، لأن الأمة الجزائرية والأمة المغربية التي ينتسب إليها إنما تعاني اليوم أهوالا، وتعالج تقرير أجيال، ومثل هذا الرجل، مدعو في هذه الدقائق، ليرجح كفة رأي على رأي، ونأمل أن يكون ثقله دائما، في كفة الحزم والحكمة وتمتين الصفوف، وتخييب ظن المستعمرين الظالمين، أما حزب البيان الذي يرأسه عباس، فله قصة مختصرة، ذلك أن الحلفاء لما نزلوا في الجزائر

стр. 421

بجيوشهم في ١٠ فبراير سنة ١٩٤٣ وطردوا منها الألمان والطليان، انعقد مؤتمر جزائري، تمثلت فيه جميع العناصر الصالحة، واتفقوا على إذاعة بيان ضمنوه المطالبة بالسيادة والاستقلال، والتفت الأمة عن بكرة أبيها يومئذ، حول هذا البيان، ولما انتهت الحرب، رأى عباس، وفريق كبير من المثقفين، الذين كانوا يعملون في صفوف النواب، أن يؤسسوا حزبا شعبيا، فكان هذا الحزب الذي سموه "البيان الجزائري" تلميحا لذلك البيان التاريخي العظيم. نشرت في جريدة المنار وبيروت المساء والشهاب في مايو ١٩٥٦ تصريح للورتلاني عن اليمن وعن رحلته إلى الأندلس إن الأحداث الكبيرة في التاريخ، لا سيما الثورات والانقلابات منها، كثيرا ما يضيع وجه الحق فيها، ويقوم الباطل مقامه، ثم يصير ذلك الباطل، تاريخا مدونا، يقرؤه طلاب العلم في المدارس والكليات، ويستدل به العلماء على قيام الدول وزوالها، ويستخرجون منه الحكم والأقيسة. وهذا النوع من الباطل، الذي يسجله المنتصر وحده في غياب المنهزم، هو من طبيعته أن يتوالد ويتكاثر، حتى يملأ الدنيا فراخا، لذلك كنا نود لو أن أمثال الأستاذ الورتلاني، تولى كتابة الوقائع التي كانت تحيط بحوادث اليمن، بتجرد وأمانة حتى يجنب الناس اعتقاد الخطأ، ولكنه فيما يظهر، لا يرى الوقت بعد مناسبا لهذا العمل، أو شغله ما هو أهم من ذلك، من جهاد بلاده الجزائر والمغرب العربي. وبين أيدينا الآن "جريدة البصائر" لسان حال جمعية العلماء الجزائريين، عدد ١٧٤ تاريخ ٥ نوفمبر سنة ١٩٥١، وفيها تصريح عامر للورتلاني في الموضوع، وتعليق قيم لرئيس الجمعية، العلامة الأستاذ الإبراهيمي ونرى من المناسب جدا، ومن المفيد، أن نثبت الاثنين معا للتاريخ، قال العلامة الإبراهيمي تحت عنوان:

стр. 422

الفضيل الورتلاني وصلتنا كلمة من الأخ الكريم، الحاج خليل أبو الخدود مندوب وكالة أنباء أندونيسيا - ومعها تصريحات لولدنا الأبر، الفضيل الورتلاني - قبيل الاجتماع العام لجمعية العلماء، وكنا إذ ذلك منهمكين في إعداد الاجتماع، وفي استقبال السنة الدراسية، وشؤون المدارس والمعهد الباريسي، وما يستلزمه ذلك من أدوات، ووسائل، وتجديد في الأجهزة اللازمة، من برامج ومال ورجال؛ ولقد كان إسكان تلامذة المعهد - وعددهم يشارف السبعمائة - كافيا لاستنفاذ الجهد، واستغراق الوقت؛ وقارنت تلك الجهود، تأخر "البصائر" عن مواقيتها، لأسباب داخلية اقتضاها التجديد؛ لذلك كله، تأخر نشر الكلمة وما معها من التصريحات إلى هذا العدد، فمعذرة منا إلى الأستاذين الفاضلين، البعيدين عنا بعد الدار، القريبين منا قرب العمل المشترك والفكرة الجامعة: أبي الخدود والورتلاني. وقد كنا قرأنا في الجرائد الشرقية، خبر عفو أمير اليمن، عن المتهمين في الحركة الانقلابية، التي كان من آثارها قتل أبيه يحيى حميد الدين، فلم يحرك منا هذا العفو شعرة، لما لم يثر منا ذلك الانقلاب إلا الألم، ولا يستطيع أحد أن يتهمنا في هذا بجفاء الطبع، أو جفاف العاطفة، فنحن من أشد الناس افتتانا بالعروبة والعرب، وأرقهم إحساسا في النوائب التي تنوبهم وأعماقهم أسى للحالة التي هم عليها؛ ولكن رأينا في ملوك العرب معروف، ومن رأينا في الكثير منهم، أن كل ما يصدر منهم من عقد ونقص وعفو ومؤاخذة - فهو ناشئ عن خطرات من الوساوس الفردية، لا عن بواعث من المصلحة العامة، وأنهم عدموا القوانين المقيدة، فاستحكمت فيهم النزعات المطلقة، فأصبحوا في نظرنا يوجدون، فكأنهم عن فراع الحياة ما وجدوا، ويفقدون فكأنهم لهوان الخط ما فقدوا؛ ومن رأينا في ذلك الانقلاب، أنه أحط من بصيرة المتبصرين بدرجات، وأنه متأخر عن وقته بسنوات، وأنه لو صحبته البصيرة، وكاد العلم والعقل من ذرائعه، لكان تطورا لا انقلابا، ولما سال فيه ملء محجم من الدم.

стр. 423

وقالت تلك الأخبار: أن العفو شمل الأستاذ الفضيل الورتلاني، المتهم بتدبير الانقلاب والاغتيال، وتباشر أصدقاؤه وعرفوا فضله بهذا العفو، كأنهم رأوا فيه حدا للحالة التي يعيش فيها، وكأنهم يرون أن تلك التهمة - على بطلانها - عاقت الأستاذ الفضيل عن مواصلة جهاده في سبيل العرب والمسلمين، فالعفو يضمن له متابعة الكفاح. والأستاذ الورتلاني، ابن بار من أبناء جمعية العلماء، وغصن من دوحتها الفياحة، فتح عينيه على شعاعها، وسار في الحياة من أول خطوة على هداها، وقضى عنفوان شبابه في أحضانها، وتخرج في العلم والعمل على قادتها، وبز الجياد القرح في ميادينها، ورمى الغايات البعيدة بتسديدها، وراض عقله على التفكير الصائب، ولسانه على الحديث الصادق، في الإصلاح الديني الذي هو أساس مبادئها؛ فجذبه استعداده القوي منه، إلى العمل في ميدان الإصلاح الاجتماعي وجرته غيرته المحتدمة على وطنه، إلى العمل للإصلاح السياسي؛ وهذه أنواع من الإصلاح متشابكة الأصول، متشابهة الفروع تفصل بينها فواصل اعتبارية دقيقة، ولكن الجرآء المقدامين يرونها متلازمة، متوقفا بعضها على بعض، فلا يتم جزء منها إلا بتمام جميعها؛ ومن هؤلاء ولدنا الفضيل؛ فلما ضاق عنه وطنه الأصغر طار إلى وطنه الأكبر. ولمكان الأستاذ الورتلاني منا، ومكانته عندنا، وعدنا إياه من أبنائنا البررة ورجالنا الأفذاذ، ويقيننا بطهارة ذمته من القاذورات، وتسامي همته إلى بناء المأثورات - نرى أن كلمة (العفو عنه) كما تقول الجرائد، سبة لم يسب بأفحش منها، ونظن أن ولدنا الفضيل ارتاح لها، أو وقعت منه موقعا، لما نعرفه فيه من الشمم وكبر النفس، وما زالت كلمة العفو في مثل هذه المواطن، ثقيلة على النفوس الحرة، لا يطرب لها إلا المذنبون الضارعون، كالذي يقول:

стр. 424

"رأيت العفو من تمر الذنوب"؛ وإذا كان العفو لا يكون إلا عن جان، فإقراره إقرار للجناية، ومتى كان الفضيل جانيا حتى يعفى عنه، أو حتى يكون العفو عنه مدعاة للسرور والابتهاج؟ وقد وقع لنا مثل ذلك مع الاستعمار، يظلمنا، ثم يبدو له فيقول: عفوت عنكم، فلا يكون آخر في نفوسنا من ظلمه إلى عفوه. كل ذنب الفضيل، أنه أراد أن يعالج ناحية من نواحي تلك المملكة الشقيقة، فعالجته الأيدي الخفية، التي لا تريد إصلاحا - بتلك الحادثة. وبعض ذنبه - إن كان هذا يسمى ذنبا - أن جرأتها على مصارحة الأمير القتيل بلزوم الإصلاح، وتنبيهه إلى مواقع الخطر المترتب على الإهمال - كل ذلك جرأ الطائشين على التعجل بأمر لم يجيلوا فيه روية، ولا تدبروا له عاقبة، والمعاني الكبيرة، لا تحتلها العقول الصغيرة، وأعان على ذلك ظلم طال أمده وتظلم خفت صوته فلم يتردد صداه. إننا نعلن - نيابة عن الأستاذ الورتلاني، بما لنا عليه من حق الأبوة - أنه يستحق التبرئة والاعتذار إليه، لا العفو، إذا كانت العقول قد ثابت إلى رشدها، وطهر الجو من الروائح الاستعمارية التي أفسدته، أما إذا كان الإمام لا يحسن الإمامة، وكان السيف لا يقطع إلا أوصال جاليه، فخير للفضيل أن تتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، من أن تكتب في تاريخه الحافل "طرة" وهي أنه (مجرم معفو عنه). إننا قوم لا نرضى من الأخلاق إلا أن تكون عقائد، وأن هذه الاعتبارات هي التي أسكتتنا عن الحديث في هذا العفو، وإن لامنا عن هذا السكوت اللائمون، أما ما جرته تلك التهمة على الأستاذ الفضيل من تنكر الملوك له، وضيق

стр. 425

الحكومات به، فهو امتحان البطولة، وطالما أداه الأبطال قاسيا ثقيلا وما زالت العليا تعني غريمها، كما يقول ابن خميس، وهو دليل البطولة، وللبطولة منها عليها شواهد. وأما ما لقيه بسببها من تجهم بعض الأصدقاء، فهو دليل على أن صداقتهم كانت على دخن، أو من شماتة بعض الخصوم، فهو دليل على أنه كان غيظ الحاسد ومسيح الدجاجلة، وكل ذلك مما يعلي قيمة الفضيل، ويبين عن صفاء جوهره، وأن تلك الغمة العارضة، ما زادت على أن كانت تلقيحا في رجولته، وتنقيحا في أصدقائه، وافتضاحا لخصومه. محمد البشير الإبراهيمي وإلى القراء أجوبة الورتلاني على أسئلة وكالة أنباء أندونيسيا تحت عنوان: أول تصريح للأستاذ الفضيل الورتلاني بعد إعلان براءته والعفو عن سياسيي اليمن س - ما هو شعوركم اليوم نحو اليمن. وكيف كان وقع العفو الذي أصدره الإمام أحمد، عن رجال الانقلاب عامة، وعن جنابكم بصفة خاصة؟ ج - إن اليمن قطعة من صميم الوطن العربي العزيز، وجزء كريم من العالم الإسلامي الغالي، وأخشى أن أظلم التاريخ، وأصحاب الحق في إرثه من الأجيال، إذا أنا تواضعت، وسكت عما كان لي من هوى مبرح، نحو هذين الحبيبين المظلومين، العالم العربي والعالم الإسلامي، بل نحو كل مظلوم في هذا الوجود، ولقد قاسيت كثيرا من أجل أن أفتح عيني يوما على محياها، فأجدها
следующие страницы →