Полный текст (484 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
بجيوشهم في ١٠ فبراير سنة ١٩٤٣ وطردوا منها الألمان والطليان، انعقد مؤتمر جزائري، تمثلت فيه جميع العناصر الصالحة، واتفقوا على إذاعة بيان ضمنوه المطالبة بالسيادة والاستقلال، والتفت الأمة عن بكرة أبيها يومئذ، حول هذا البيان، ولما انتهت الحرب، رأى عباس، وفريق كبير من المثقفين، الذين كانوا يعملون في صفوف النواب، أن يؤسسوا حزبا شعبيا، فكان هذا الحزب الذي سموه "البيان الجزائري" تلميحا لذلك البيان التاريخي العظيم.
نشرت في جريدة المنار وبيروت المساء والشهاب في مايو ١٩٥٦
تصريح للورتلاني عن اليمن وعن رحلته إلى الأندلس
إن الأحداث الكبيرة في التاريخ، لا سيما الثورات والانقلابات منها، كثيرا ما يضيع وجه الحق فيها، ويقوم الباطل مقامه، ثم يصير ذلك الباطل، تاريخا مدونا، يقرؤه طلاب العلم في المدارس والكليات، ويستدل به العلماء على قيام الدول وزوالها، ويستخرجون منه الحكم والأقيسة. وهذا النوع من الباطل، الذي يسجله المنتصر وحده في غياب المنهزم، هو من طبيعته أن يتوالد ويتكاثر، حتى يملأ الدنيا فراخا، لذلك كنا نود لو أن أمثال الأستاذ الورتلاني، تولى كتابة الوقائع التي كانت تحيط بحوادث اليمن، بتجرد وأمانة حتى يجنب الناس اعتقاد الخطأ، ولكنه فيما يظهر، لا يرى الوقت بعد مناسبا لهذا العمل، أو شغله ما هو أهم من ذلك، من جهاد بلاده الجزائر والمغرب العربي. وبين أيدينا الآن "جريدة البصائر" لسان حال جمعية العلماء الجزائريين، عدد ١٧٤ تاريخ ٥ نوفمبر سنة ١٩٥١، وفيها تصريح عامر للورتلاني في الموضوع، وتعليق قيم لرئيس الجمعية، العلامة الأستاذ الإبراهيمي ونرى من المناسب جدا، ومن المفيد، أن نثبت الاثنين معا للتاريخ، قال العلامة الإبراهيمي تحت عنوان:
стр. 422
الفضيل الورتلاني
وصلتنا كلمة من الأخ الكريم، الحاج خليل أبو الخدود مندوب وكالة أنباء أندونيسيا - ومعها تصريحات لولدنا الأبر، الفضيل الورتلاني - قبيل الاجتماع العام لجمعية العلماء، وكنا إذ ذلك منهمكين في إعداد الاجتماع، وفي استقبال السنة الدراسية، وشؤون المدارس والمعهد الباريسي، وما يستلزمه ذلك من أدوات، ووسائل، وتجديد في الأجهزة اللازمة، من برامج ومال ورجال؛ ولقد كان إسكان تلامذة المعهد - وعددهم يشارف السبعمائة - كافيا لاستنفاذ الجهد، واستغراق الوقت؛ وقارنت تلك الجهود، تأخر "البصائر" عن مواقيتها، لأسباب داخلية اقتضاها التجديد؛ لذلك كله، تأخر نشر الكلمة وما معها من التصريحات إلى هذا العدد، فمعذرة منا إلى الأستاذين الفاضلين، البعيدين عنا بعد الدار، القريبين منا قرب العمل المشترك والفكرة الجامعة: أبي الخدود والورتلاني.
وقد كنا قرأنا في الجرائد الشرقية، خبر عفو أمير اليمن، عن المتهمين في الحركة الانقلابية، التي كان من آثارها قتل أبيه يحيى حميد الدين، فلم يحرك منا هذا العفو شعرة، لما لم يثر منا ذلك الانقلاب إلا الألم، ولا يستطيع أحد أن يتهمنا في هذا بجفاء الطبع، أو جفاف العاطفة، فنحن من أشد الناس افتتانا بالعروبة والعرب، وأرقهم إحساسا في النوائب التي تنوبهم وأعماقهم أسى للحالة التي هم عليها؛ ولكن رأينا في ملوك العرب معروف، ومن رأينا في الكثير منهم، أن كل ما يصدر منهم من عقد ونقص وعفو ومؤاخذة - فهو ناشئ عن خطرات من الوساوس الفردية، لا عن بواعث من المصلحة العامة، وأنهم عدموا القوانين المقيدة، فاستحكمت فيهم النزعات المطلقة، فأصبحوا في نظرنا يوجدون، فكأنهم عن فراع الحياة ما وجدوا، ويفقدون فكأنهم لهوان الخط ما فقدوا؛ ومن رأينا في ذلك الانقلاب، أنه أحط من بصيرة المتبصرين بدرجات، وأنه متأخر عن وقته بسنوات، وأنه لو صحبته البصيرة، وكاد العلم والعقل من ذرائعه، لكان تطورا لا انقلابا، ولما سال فيه ملء محجم من الدم.
стр. 423
وقالت تلك الأخبار: أن العفو شمل الأستاذ الفضيل الورتلاني، المتهم بتدبير الانقلاب والاغتيال، وتباشر أصدقاؤه وعرفوا فضله بهذا العفو، كأنهم رأوا فيه حدا للحالة التي يعيش فيها، وكأنهم يرون أن تلك التهمة - على بطلانها - عاقت الأستاذ الفضيل عن مواصلة جهاده في سبيل العرب والمسلمين، فالعفو يضمن له متابعة الكفاح.
والأستاذ الورتلاني، ابن بار من أبناء جمعية العلماء، وغصن من دوحتها الفياحة، فتح عينيه على شعاعها، وسار في الحياة من أول خطوة على هداها، وقضى عنفوان شبابه في أحضانها، وتخرج في العلم والعمل على قادتها، وبز الجياد القرح في ميادينها، ورمى الغايات البعيدة بتسديدها، وراض عقله على التفكير الصائب، ولسانه على الحديث الصادق، في الإصلاح الديني الذي هو أساس مبادئها؛ فجذبه استعداده القوي منه، إلى العمل في ميدان الإصلاح الاجتماعي وجرته غيرته المحتدمة على وطنه، إلى العمل للإصلاح السياسي؛ وهذه أنواع من الإصلاح متشابكة الأصول، متشابهة الفروع تفصل بينها فواصل اعتبارية دقيقة، ولكن الجرآء المقدامين يرونها متلازمة، متوقفا بعضها على بعض، فلا يتم جزء منها إلا بتمام جميعها؛ ومن هؤلاء ولدنا الفضيل؛ فلما ضاق عنه وطنه الأصغر طار إلى وطنه الأكبر.
ولمكان الأستاذ الورتلاني منا، ومكانته عندنا، وعدنا إياه من أبنائنا البررة ورجالنا الأفذاذ، ويقيننا بطهارة ذمته من القاذورات، وتسامي همته إلى بناء المأثورات - نرى أن كلمة (العفو عنه) كما تقول الجرائد، سبة لم يسب بأفحش منها، ونظن أن ولدنا الفضيل ارتاح لها، أو وقعت منه موقعا، لما نعرفه فيه من الشمم وكبر النفس، وما زالت كلمة العفو في مثل هذه المواطن، ثقيلة على النفوس الحرة، لا يطرب لها إلا المذنبون الضارعون، كالذي يقول:
стр. 424
"رأيت العفو من تمر الذنوب"؛ وإذا كان العفو لا يكون إلا عن جان، فإقراره إقرار للجناية، ومتى كان الفضيل جانيا حتى يعفى عنه، أو حتى يكون العفو عنه مدعاة للسرور والابتهاج؟ وقد وقع لنا مثل ذلك مع الاستعمار، يظلمنا، ثم يبدو له فيقول: عفوت عنكم، فلا يكون آخر في نفوسنا من ظلمه إلى عفوه.
كل ذنب الفضيل، أنه أراد أن يعالج ناحية من نواحي تلك المملكة الشقيقة، فعالجته الأيدي الخفية، التي لا تريد إصلاحا - بتلك الحادثة.
وبعض ذنبه - إن كان هذا يسمى ذنبا - أن جرأتها على مصارحة الأمير القتيل بلزوم الإصلاح، وتنبيهه إلى مواقع الخطر المترتب على الإهمال - كل ذلك جرأ الطائشين على التعجل بأمر لم يجيلوا فيه روية، ولا تدبروا له عاقبة، والمعاني الكبيرة، لا تحتلها العقول الصغيرة، وأعان على ذلك ظلم طال أمده وتظلم خفت صوته فلم يتردد صداه.
إننا نعلن - نيابة عن الأستاذ الورتلاني، بما لنا عليه من حق الأبوة - أنه يستحق التبرئة والاعتذار إليه، لا العفو، إذا كانت العقول قد ثابت إلى رشدها، وطهر الجو من الروائح الاستعمارية التي أفسدته، أما إذا كان الإمام لا يحسن الإمامة، وكان السيف لا يقطع إلا أوصال جاليه، فخير للفضيل أن تتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، من أن تكتب في تاريخه الحافل "طرة" وهي أنه (مجرم معفو عنه).
إننا قوم لا نرضى من الأخلاق إلا أن تكون عقائد، وأن هذه الاعتبارات هي التي أسكتتنا عن الحديث في هذا العفو، وإن لامنا عن هذا السكوت اللائمون، أما ما جرته تلك التهمة على الأستاذ الفضيل من تنكر الملوك له، وضيق
стр. 425
الحكومات به، فهو امتحان البطولة، وطالما أداه الأبطال قاسيا ثقيلا وما زالت العليا تعني غريمها، كما يقول ابن خميس، وهو دليل البطولة، وللبطولة منها عليها شواهد.
وأما ما لقيه بسببها من تجهم بعض الأصدقاء، فهو دليل على أن صداقتهم كانت على دخن، أو من شماتة بعض الخصوم، فهو دليل على أنه كان غيظ الحاسد ومسيح الدجاجلة، وكل ذلك مما يعلي قيمة الفضيل، ويبين عن صفاء جوهره، وأن تلك الغمة العارضة، ما زادت على أن كانت تلقيحا في رجولته، وتنقيحا في أصدقائه، وافتضاحا لخصومه.
محمد البشير الإبراهيمي
وإلى القراء أجوبة الورتلاني على أسئلة وكالة أنباء أندونيسيا تحت عنوان:
أول تصريح للأستاذ الفضيل الورتلاني
بعد إعلان براءته والعفو عن سياسيي اليمن
س - ما هو شعوركم اليوم نحو اليمن. وكيف كان وقع العفو الذي أصدره الإمام أحمد، عن رجال الانقلاب عامة، وعن جنابكم بصفة خاصة؟
ج - إن اليمن قطعة من صميم الوطن العربي العزيز، وجزء كريم من العالم الإسلامي الغالي، وأخشى أن أظلم التاريخ، وأصحاب الحق في إرثه من الأجيال، إذا أنا تواضعت، وسكت عما كان لي من هوى مبرح، نحو هذين الحبيبين المظلومين، العالم العربي والعالم الإسلامي، بل نحو كل مظلوم في هذا الوجود، ولقد قاسيت كثيرا من أجل أن أفتح عيني يوما على محياها، فأجدها
стр. 426
مشرقة بنور الحرية والسيادة، وأن أرى شبح الظلم الذي طالما خيم على ربوعهما وجر على البشرية الويلات المتكررة، أراه قد حل عنهما غير مأسوف عليه، وإلى غير عودة، ويعلم الله، أنني ما حقدت يوما على أحد، ولو خالفني في الجنس والوطن والدين. وإنما أحقد على ذلك الظلم، الذي ما زال منذ دخل في طاعة الاستعمار الغربي حتى الآن، يفتح على الإنسائية أبوابا من الشقاء، لم ينج منه حتى أبناؤه، فيقطع ما وصل الله بين أفرادها من أسباب الود والتعاون على الخير، ويغرس في نفوسهما - بدل ذلك - الحقد وتنازع البقاء، ثم يسوقهم في كل فترة من الزمن، إلى ميادين الحتف والهلاك، من أجل ذلك كله، تجد من الطبيعي جدا أن يكون كل ما يمت إلى هاذين الرحمين بصلة، محل تحسسي وعنايتي في آن واحد، واليمن هو القطر الوحيد الذي لا يزال يتمتع باستقلال وسيادة كاملتين، لا تشوبهم شائبة من الطلاء الذي يسمونه انتدابا أو وصاية أو حتى معاهدة، وعلى عرشه اليوم صديقي حضرة صاحب الجلالة الإمام أحمد. وقد عرفت من جلالته عن كثب، طائفة من المزايا، تجعلني كثير الأمل والتفاؤل، في صيانة ذلك البلد الغالي، من دسائس الاستعمار ومن الفتن الداخلية، عرفت في جلالته ثلاث خصال، هي كالأركان للرجل المسؤول: الأولى - حذره الشديد من المستعمرين والأغراب. الثانية - الشجاعة - والثالثة - الكرم. فهذه الصفات، ليس من طبيعتها أن تسكن قلبا يحمل حقدا أو يغرق في الانتقام، ثم ينس الحكمة التي من أوتيها، فقد أوتي خيرا كثيرا. من أجل ذلك فإن العفو العام الذي أصدره جلالته، عن المتهمين وغير المتهمين مثلي، وفي ثورة ١٩٤٨ يتمشى جنب إلى جنب، مع تلك الخصال الحميدة التي يتجلى بها، بل يعانق الوحي، ويرضى تعاليم
стр. 427
السماء. فمن مبادئ القران ﴿إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ... ذو حظ عظيم﴾ فصلت: ٣٤ - ٣٥. ومن مبادئه ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾ آل عمران: ١٥٩. وإن التوراة والإنجيل، لمشحونان بمثل هذه التعاليم السامية. على أنه ليس بعيدا ولا غريبا، عمن ينحدر كجلالته من أرومة النبوة والرسالة، أن ينشرح صدره لنصائح القرآن. ففي ذلك - والله - خير الدنيا والآخرة، لا سيما وأن العصر الذي نعيش فيه، يلد في كل رجب، عجبا من المذاهب الهدامة والفلسفات الفاسدة. وهذه لا تجد لها أتباعا، إلا في بيئة يسودها الخلاف، وينتشر فيها القلق والسخط، وهي أسرع في الانتقال من الأوبئة والجراد، بفضل ما وصلت إليه المدنية، من أسباب المواصلات الإخبارية والنقلية، وبفضل ما برع فيه الصيادون في الماء العكر، من أساليب التفتين والتفريق بين المرء وزوجه، أو الحاكم ورعيته. وقد كان ذلك دينهم منذ وضعوا مبدأهم الشهير (فرق، تسد).
س - هل تنوي نشر مذكرات لك عن ذلك الجهاد الطويل، والتجارب الكثيرة، لتستفيد الأجيال عما أصبت فيه أو أخطأت، وليطلع الناس على حقائق، لو ظلت مكتومة لكانت خسارة على التاريخ.
ج - صحيح, كل ما ذكرت، ولدي مذكرات مختصرة تحمل الخطوط العريضة، وأنوي أن أتوسع فيها وأنشرها، ولكن في الوقت المناسب. ولقد فاوضني في أمر نشرها كثيرون من دور الطباعة والنشر، ولكن آثرت أن أؤجل ذلك إلى حين، وعسى أن لا يطول كثيرا إن شاء الله.
стр. 428
س - لقد تحدثت الصحف والإذاعات، كثيرا عن احتمال عودتكم إلى اليمن، لمواصلة رسالتكم الإصلاحية والتوجيهية، مع صديقكم القديم جلالة الإمام أحمد، كما تحدثت عن ذلك بالنسبة للبلدان الشقيقة، وبالنسبة لأندونييا والباكستان، فهل عزمتم على شيء من ذلك.
ج - أنا أعد العالم العربي والعالم الإسلامي كليهما وطنا لي، وقد عشت على هذا الشعور منذ نعومة أظافري، وأقمت رسالتي وجهادي على أسام من قواعده. ثم ليست الصلة بين نفسي وبين هاتين المجموعتين، قائمة على مجرد الإحساسات التي تحملها روابط القربى، من جنس وثقافة ودين فحسب، ولكنها فوق ذلك، كانت ولا تزال قائمة على خوض الظلم المشترك، الذي حفره لنا الاستعمار، فسبحنا فيه جميعا، وشربنا من علقمه جميعا، فأمسى هذا الأخير، رحما ماسة بيننا قد بر كل رحم. فالتعاون إذن، مع أي دولة ممن ذكرت، لنقوى على الوقوف أمام الظلم والظالمين، ولنسابق ركب الحياة في الميادين المختلفة، هو من طبيعتي التي نشأت عليها، وظلت ولا تزال تنمو في ملكاتي حتى الآن.
أما إلى أين اتجه بالفعل في القريب العاجل، فأمر غير مبتوت فيه بعد، والكلام عنه الآن في نظري سابق لأوانه، وإن كان ما تحدثت عنه الصحف، والإذاعات، له أصل في الجملة لا محالة، ولكن ما ثبتت أصوله، يجوز أن تذاع في الناس فصوله، وإنما الذي أحرص على إذاعته، وتجديد العهد عليه لله والناس من الآن، هو مبدأ خدمة الصالح العام، ما استطعت إليه سبيلا، دون النظر إلى مصلحة شخصية أو هوى ذاتي، على أن لا أنسى وطني الصغير المغرب العربي أينما كنت، ولعنة الله على الكاذبين.
س - كيف كانت إقامتك في لبنان؟
стр. 429
ج - لقد أحببت لبنان على اختلاف طوائفهم حبا جما، من قبل أنزل ضيفا على لبنان وأهله. وكنت دائما أضرب الأمثال للناس، حينما أريد أن أحفزهم إلى المعالي، بأهل لبنان في عبقريتهم ونشاطهم، اللذين ملآ الدنيا الجديدة والقديمة نورا وعرفانا، وكنت أضرب بهم المثل في التسامح النادر، أو الديمقراطية الحقة، التي لولاها ما استطاعت أن تتساكن هذه المجموعات، التي لا يكاد يقع عدد مذاهبها وطوائفها تحت حصر، مع أنها تعيش فعلا في جو من الجمال والإخاء والتعاون، كأنهم أبناء عائلة واحدة. كنت أفعل ذلك يوم كنت بعيدا عن لبنان، ولما أقمت فيه، ازددت حبا له واحتراما وقلت: ليس من يرى كمن يسمع. وكان لي من الأصدقاء في أبناء لبنان حينما كنت في مصر، من لا أستطيع أبدا أن أنسى عشرتهم ووفائهم، أذكر من الأحياء الذين تعاونا معهم في خدمة العروبة: خليل بك ثابت، وحبيب بك جاماتي، والأستاذ موريس أرقش، والأستاذ أسعد داغر، وحليم بك أبا عز الدين، وتقي الدين بك الصلح، وغيرهم كثيرين. وأذكر من الأموات المرحوم أنطوان باشا الجميل، والمرحوم خليل بك مطران، وغيرهما ولقد لقيت الشيء الكثير من العطف والاحترام في أهل لبنان، ابتداء من رئيسه الأعلى حضرة صاحب الفخامة الشيخ بشارة الخوري، الذي صادف وصولي إلى لبنان، يوم تجديد ولاية فخامته الثانية. فكانت صدفة كريمة، وفألا حسنا إلى فقيد العروبة، الزعيم الجليل رياض بك الصلح ﵀، فلقد كان صديقا وفيا وشهما فذا. وأن خسارة العروبة فيه، لا تقل عن خسارة لبنان، ولم تقل نحوي مروءة جميع الطبقات الأخرى، من رؤساء ومرؤوسين، عن الرئيسين الجليلين، بارك الله في لبنان وأهل لبنان، وجعله على الدوام مصدرا للنور والعرفان ومثالا للتسامح والإخاء.
س - هل كانت إقامتك طول هذه المدة بلبنان؟
стр. 430
ج - لقد أقمت في غير لبنان طويلا، ولكن ما قضيته في لبنان كان أطول، ويليه سوريا الشقيقة ثم تركيا، ولم أكن لا في الأولى ولا في الثانية، أشعر بشيء من الغربة البتة، بل كنت كأني بين أهلي وعشيرتي. ولقد صارت لي فيها صداقات وإخاء، بلا تلامذة ومريدون، والحمد لله.
س - لقد زعمت بعض الصحف والإذاعات، أنك كنت تحمل رسالة خطيرة عن الشرق، حين زرت طنجة، أثناء الأزمة التي كانت قائمة في مراكش، بين القصر والإقامة، فكانت شيئا جديدا لاشتداد الأزمة وتهييج الوطنيين ...
ج - لم يكن الشرق في حاجة ليحملني مثل هذه الرسالة، ففي المشرق كما في أوروبا وغير أوروبا، ممثلون من وزراء وسفراء ووكلاء، كما لم يكن جلالة السلطان ولا الزعماء الوطنيون الأبرار، في حاجة إلى من يهيجهم. ففي وطنيتهم وتفانيهم في خدمة بلادهم الكفاية. وحتى إذا كانوا في بعض الحاجة إلى التهيج ففي سياسة الجنرال جوان وأساليبه العسكرية، ما هو فوق الكفاية والحمد لله.
أما زيارتي إلى المنطقة الخلفية وإلى طنجة، بعد زيارتي للأندلس الخالدة، فهي طبيعية، لأنها جزء صميم من وطن المغرب العربي، ولقد لقيت من سمو الخليفة المعظم كل حفاوة وإكرام، ولقيت مثل ذلك من جميع الزعماء والمواطنين. ولعله كان من حقي الصريح، أن أكون أداة خير ما استطعت، في تلك الفترة الدقيقة من ظروف مراكش الغالية، ويسرني أن أسجل لهما، أنني كنت كذلك والحمد لله. وأشكر لزعماء مراكش، الذين كانوا مقيمين في طنجة يومئذ، حسن استقبالهم لأخيهم هذا، بل أشكر لهم من صميم قلبي، حسن قبولهم عني، فجراهم الله عن الوطن كل خير.
س - لماذا لم تدخل مناطق النفوذ الفرنسي في تلك الرحلة، مع أن أهلك وأملاكك وإخوانك وتلامذتك، كل هؤلاء إنما هم الجزائر؟
стр. 431
ج - هذا السؤال ينبغي أن يوجه إلى الحكومة الفرنسية، التي أذاعت في الناس أنها قد حكمت علي بالإعدام، لأنني قد شوشت عليها في الشرق، حين قاومت استعمارها لبلادي، ولا أدري ما هي هذه المحكمة، التي كانت لها الصلاحية في محاكمتي، وما هي الحيثيات التي استندت إليها، اللهم إلا أن يكون حب الوطن، الذي يقولون أنه من الإيمان، قد أصبح عند أم الحريات جريمة يستوجب مرتكبوها الحكم بالإعدام. فإذا تم ذلك، وجب على فرنسا العريقة في الحريات، أن تحرق تاريخها القديم بكل ما فيه من أمجاد، وتضع تاريخا جديدا يبتدئ من الجنرال جوان فصاعدا.
س - بماذا توصي الوطنيين في المغرب العربي؟
ج - أرجو قبل كل شيء، أن تحمل إلى جميع المواطنين في المغرب العربي الكثير، تحياتي العاطرة، وأشواقي المتراكمة، وأن تحمل إكباري وإجلالي بصفة خاصة، إلى أولئك الذين وقفوا حياتهم في سبيل تحريره وإسعاده، فثبتوا ولم يبدلوا تبديلا، أما وصيتي إليهم، ففي كلمة واحدة، وهي، إن كانت كلمة واحدة، ولكنها بقدر ما هي خفيفة على اللسان، فهي ثقيلة في الميزان، هذه الكلمة هي (الإتحاد) ليست بضاعة مزجاة، يقدر عليها بالرخيص من الأثمان، وإنما هي سلاح فتاك، يستطيع المدافعون عن كرامتهم وحريتهم ووجودهم بواسطته، أن يردوا الجحافل من جيوش الظلم والاستبداد. فهو إذن عزيز كعزة القنبلة الذرية في هذه الأيام. فحينما يطلبونه، يجب أن يعدوا ثمنه، إن كانوا في وطنيتهم من الصادقين، وثمنه هو نكران الذات في الدرجة الأولى، ويليه اصطناع الحكمة دائما في معالجة الصلات بين العاملين لصالح البلاد. ولو كان في ذلك شيء من الذل، لأن قبول الذل لصالح الإتحاد، ضرب من الجهاد الجليل، والواجب المقدس، لأن فيه تضحية وصبرا. وإنما يضحك على نفسه وعلى الناس، من يزعم أن الجهاد يمكن أن يقوم على غير التضحية والصبر. وإني بحمد الله، ما قبلت يوما في حياتي ذلا من أحد،
стр. 432
مهما سما في منزلته، وإن الموت أهون عندي من احتماله. ومع ذلك فلقد احتملت الذل أكثر من مرة، في سبيل هذه المعاني الخالدة، واحتسبت ذلك من صميم الجهاد، وعسى أن يتقبل إخواننا هذه النصيحة الخالصة، ونراهم عند حسن ظننا بهم، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه.
الحاج خليل أبو الخدود
مندوب وكالة أنباء أندونيسيا
مسيحيو لبنان يمقتون فرنسا والاستعمار
لم تظلم نسبة في تاريخ البشرية - فيما نعلم - مثلما ظلمت، نسبة المستعمرين الفرنسيين، إلى المسيحية الطاهرة، وإلى نبي الرحمة عيسى ﵇، هذا النبي الكريم، الذي صحب بعثته قوافل من الأخلاق الفاضلة، بهرت أنوارها العالم، وعجزت على الوقوف في وجهها، شياطين الإنس والجن، وسجدت بين يديها القوة، وتقهقر أمامها كل من كان يبعث في دنيا الناس يومئذ، من الرذائل والمنكرات. وكان أبرزها في طلائع رسالته الخالدة، الدعوة الواضحة الملحة إلى التسامح وإلى الرفق، والدعوة إلى الرحمة الواسعة، التي شملت حتى الأعداء والمذنبين السفهاء، وكان هذا السلاح السماوي الجبار، من أقوى أدواته التي فتح بها أمنع القلع، في نفوس المتمردين المحجوبين، فتحولت من مصادر لكل شر، إلى ينابيع متدفقة بكل بر وخير، ولم يترك ﵇ هذه الدنيا، ويغيب عن وجوه أهلها، حتى بلغ الرسالة خير تبليغ، وأدى الأمانة على أحسن وجه. وتركها أمانة مقدسة في أعناق أتباعه والمؤمنين به، ذلك هو المسيح الحق ﵇، وتلك هي المسيحية المقدسة، والمسلمون العارفون، يتعبدون إلى الله من أعماق قلوبهم، بحب عيسى ﵇ ويتقربون إلى الله في خلواتهم، بتقديس رسالته الكريمة، ومبادئه الخالدة، ويرون أن أي تقصير في ذلك، إنما هو معصية، يعذب صاحبه من
стр. 433
أجله في الدنيا والآخرة، وأن أي جحود لذلك، إنما هو كفر، يخلد صاحبه في نار جهنم، ويعلم الله إننا نغار أشد الغيرة على هذا النبي العظيم، ويحزننا أن ينتسب إليه زورا وبهتانا قوم من الملاحدة، كالاستعماريين الفرنسيين، أقفرت قلوبهم من الإيمان والرحمة، وجفت وجههم من ماء الحياء والمروءة، وشقيت بهم العائلة الإنسانية أسوء شقاء، ولا هم لهم في هذه الدنيا، إلا الاتجار بالدماء والحروب، في سبيل الاستعمار والشهوات الحيوانية، أولئك قوم يبرأ منهم المسيح ﵇ وتبرؤ منهم المسيحية الكريمة، ومع ذلك، فلا يستنكفون في سوق تجارتهم الحقيرة، أين عرضوا هذه الرسالة الخالدة إلى الإهانة، فينسبون همجيتهم، إلى الحضارة المسيحية الطاهرة، فكأن المسيح ﵇، يبارك القنبلة الذرية التي دمروا بها هيروشيما، ويبارك هذه الملايين التي تذهب أرواحها البريئة في الحروب المهلكة، وفي سبيل شهوات استعمارية سافلة، وكأن المسيح أخيرا، يبارك هذه الأدوار الوحشية، التي يمثلها الاستعمار الفرنسي، على مسرح الجزائر العربية، ويباهي أمام العالم، بتسخير كل ما يملك من قوى الشر، لإفناء أمة عزلاء، لا ذنب لها سوى المطالبة بالحرية. معاذ الله أن يرضى المسيح الرحيم نسبة هؤلاء إليه ورسالته، أولئك السفهاء، الذين انقطعت كل العلاقات بين الله وبين قلوبهم المتحجرة، ولم يبق لهم معه إلا أن يصطنعوا حوضا من الماء باسم المسيح العظيم، ثم يخوضوا الماء بأرجلهم النجسة ليعكروه، ثم يضعوا شباكهم الاستعمارية، ليصطادوا فيه الشعوب، والرزق غير الحلال، وقد ظن الفرنسيون المستعمرون، ثم الإنكليز المضللون، بأن لبنان الكريم، هو المجال الصالح لزرع هذه الأوبئة وللتنكر لعيسى ﵇، ولمبادئه الإنسانية المقدسة، ولكن ظنهم قد خاب، وسهمهم قد طاش، لأن هذا الشرق الكريم قد استفاق فعلا من غفلته، وعلم المسيحيون والمسلمون، وعلم حتى الوثنيون فيه، بأن الاستعمار لا دين له ولا ذمة، إنما هو مرض ووباء، يجب على كل من يؤمن بالله، أو بالمثل العليا الإنسانية، أن يشارك في محاربته، إلى أن يباد ويقضى عليه، ويأمن الناس شر عدواه وبلائه، كما تفعل الدول اليوم، في محاربة الجراد والوباء بجميع أنواعه، ومن حسن حظ المسيحية،
стр. 434
أن حفظ الله لها من بين المنتسبين إليها، بتجرد وصدق، من يرعى حرمتها، ويغار على مبادئها، ولا يرضى لها بحال، أن تكون بضاعة يتاجر بها، أو مجرد حزب سياسي، يعمى أو يتعامى عن كل ما في المسيحية من الفضائل والمثل العليا، وأمامنا الآن طائفة من المقالات النزيهة الكريمة، كتبها مسيحيون شرقيون، بل لبنانيون ومارنيون، ينددون فيها بالاستعمار عامة، ويتنكرون من أعمال الفرنسيين في الجزائر بصفة خاصة، ويسرنا أن نثبتها هنا بنصوصها للعبرة والتاريخ، منسوبة إلى أهلها وإلى الصحف التي نشرت فيها، ونبدأ بكلمة جريدة الديار الغراء، في عدد ١٢ - ٤ - ١٩٤٦ بقلم صاحبها الجريء الأستاذ حنا غصن قال:
الاتجار بالمسيحيين
استعان المستر رالف إيزارد، الصحفي البريطاني، بكاتب في جريدة "لوسوار" الفرنسية، ليبرهن للرأي العام البريطاني، على أن اللبنانيين، وبصفة خاصة المسيحيين، لا يوافقون الرئيس عبد الناصر على مقاطعة فرنسا. وقد نقل الصحفي البريطاني ما نشرته "لوسوار" بالحرف الواحد، ثم اتخذ رأي الكاتب دعامة استند إليها عندما قال: إن لبنان أيضا لا يتلفت إلى القاهرة، ولا يقول بالاتفاق مع رئيس حكومتها.
ولم تعد نيات بريطانيا نحو الرئيس المصري مجهولة، لنحمل أقوال المستر إيزارد وأمثاله على محمل حسن النية. فهدف الصحفي البريطاني، امتدادا لأهداف دولته، وهي أهداف مفضوحة، تنبثق من مرارة الفشل التي منيت بها السياسة البريطانية في الشرق العربي. وما الاستناد إلى كلام تنشره "لوسوار"، وتصوير كاتبها أنه يمثل الرأي العام المسيحي في لبنان، سوى مغالاة في الاندفاع مع المغالطات وسوء النية. وإلا فكيف يستند صحفي بريطاني، يستلهم فيما يكتبه الدوائر البريطانية الرسمية كاتبا نكرة بالنسبة، تنشر كل مقالاته جريدته إذا لم تكن نكرة بجميع معاني الكلمة، فهي شبه نكرة؟ ومن هذا الذي يستطيع الزعم، أنه يمثل الرأي العام
стр. 435
المسيحي في لبنان؟ أهو غبطة البطريق الماروني، وقد صدر عن مقام غبطته السامي، ما جعل الحكومة تطمئن إلى موقف غبطته السامي، من سياستها العربية في جميع الميادين، حتى في ميدان العلاقات الفرنسية - العربية؟ وهل تحول الكاتب في "لوسوار" إلى مجمع المطارنة ورجال الإكليروس، أو صار مجموعة النواب المسيحيين، أم نطق باسم الصحف والصحفيين المسيحيين؟
لقد دجل الكاتب فيما نشره في "لوسوار" ودجل الصحفي البريطاني، لأنه يعرف قيمة الكاتب ومقامه، عندما نقل رأيه إلى "الديلي ميل" وزعم أنه رأى المسيحيين في لبنان. وحان أن تفهم بريطانيا وغير بريطانيا، أن المسيحيين في الشرق العربي، جزء لا يتجزأ من بقية الشعوب العربية، ينسجمون ويمتزجون في قومية هذا الشرق العربي، ويحملون فيه لواء النهضة الوطنية والتحرر. ليس المسيحيون بضاعة للاتجار في أسواق الشهوات الاستعمارية، وما كانوا ولن يكونوا، غير جنود الحركة الوطنية، في كل بقعة من بقاع الشرق العربي، سواء كان ذلك في مصر أو سوريا أو لبنان.
وكتب الأستاذ ملحم عياش النصراني في نفس العدد من الديار الكلمة الآتية:
رأس الأفعى أو سياسة بريطانيا الاستعمارية
عار على لبنان، أن يصبح مرتعا للأفعى البريطانية، تنفث منها سمومها القاتلة، على رجال العرب الأحرار، فلا تطال منهم سوى الأقدام. وعار علينا، أن تصبح حريتنا، ملجأ للمأجورين الأجانب، يرتعون بظلها، ويسيئون استخدامها، فيحولونها إلى فوضى، ويستعملونها لهدم أمجاد أبطالنا الأحرار، وللتأثير على نفسية شعوبنا الظامئة للثأر.
أجل عار على لبنان العربي، أن يصبح مطية لعملاء بريطانيا، يوجهون منه حملاتهم ضد عمالقة العرب، وأعداء الاستعمار البريطاني، لأننا وإن كنا نفخر بالحرية التي نتمتع بها، ونعمل دائما لصونها والدفاع عنها، إلا أننا
стр. 436
نريدها لأنفسنا ولأقلامنا، نهدم بها حصون الاستعمار ونفضح مؤامراته، لا لأقلام البريطانيين النجسة، ومن يخدم مصالحهم.
وليسمح لنا حكامنا الأكارم، أن نسألهم: كيفت يسمحون بوجود أمثال المستر "إيزارد" في بلادنا، وكيف يرتضون بدخول الجرائد والمجلات التي تنشر سمومهم، وتسود صفحاتها بألوان وجوههم الكالحة. فهل كانت بريطانيا - وهي التي تدعي الحرية - ترتضي ببقاء مراسل عربي في أراضيها، يكتب عن حكامها نصف ما كتبه المستر "إيزارد" مراسل الدايلي ميل، عن حكام العرب؟ وقد يجدر بحكومتنا أن تأمر حالا، بإخراج هذا الداعية البريطاني من أراضيها كي لا يقال أنها بسكوتها عنه، تشترك معه في الجرم ...
قال المستر "إيزارد" وهو يعدد للقارئ البريطاني، النواحي الثلاث التي فشل بها الرئيس جمال عبد الناصر: (أن لبنان الصغير الذي يحاول بجهد وعصبية، أن يبقى على الحياد في المنازعات العربية، رفض قبول مقاطعة فرنسا). واستشهد "الفطحل" البريطاني، يقول جريدة "لوسوار" البيروتية بهذا الشأن، ليبرهن لمواطنيه، أن اللبنانيين يعارضون سياسة الرئيس المصري. فهل يتنازل حضرة المراسل البريطاني، ويقول لنا عن أي "لبنان" يتحدث، وأي "لبنان" هو المقصود، أهو لبنان - ديكران توسباط، أم لبنان - كسروان لبكي؟ وهل يظن حضرته، أن جريدة "لوسوار" تمثل فئة معينة من اللبنانيين؟ وأية فئة؟
النصارى؟ لا أظن أن المستر "إيزارد" بلغ من الجهل مرحلة جعلته يرى أن نصارى لبنان "يؤيدون" فرنسا، كما تؤيدها "لوسوار" أو غيرها من الجرائد المعروفة اللون، فهل يعني هذا بعرف المراسل البريطاني، أن مسيحي لبنان برمتهم، يؤيدون الاستعمار، ويعارضون سياسة الرئيس جمال عبد الناصر التحريرية؟
مسكينة بريطانيا. لقد فقدت صوابها.
стр. 437
فقدت صوابها لأنها ادعت أن الرئيس جمال عبد الناصر، هو صاحب فكرة مقاطعة فرنسا، بينما الحقيقة، هي أن عبد الناصر والمملكة العربية السعودية، قد عارضتا مع لبنان قرار المقاطعة، لأنه ليس من صالح النضال العربي ضد الاستعمار بشيء ...
ومسكينة لأنها مازالت تعتقد أن عندنا في لبنان، من "يؤيد" الاستعمار الغربي، لأنه ينتمي إلى طائفة دون أخرى. فهل غاب عنه، أن محاربة الاستعمار والقضاء على نفوذه، ليسا رهنا بفئة دون فئة، بل قد أصبحنا عملا وطنيا، تتوحد فيه الصفوف وتزول أمامه النعرات؟
مسكينة لأنها ما زالت تعتمد على أمثال المستر "إيزارد" لمحاربة العاملين على دك حصون نفوذها ...
أما الفشل الأخير، الذي مني به الرئيس عبد الناصر، على حد زعم المراسل البريطاني، فهو عمله على استخدام البترول، للضغط على الدول الغربية فالمستر "إيزارد" يقول إن هذه الفكرة لم تتحقق، لأن المملكة العربية السعودية، مدينة بمبلغ ٣٠٠ مليون دولار للبنوك والتجار، "وأن أي محاولة من جانب جلالة الملك سعود، للإخلال بالتدفق الحالي لعائداته البترولية، قد يحدث اضطرابا خطيرا بين دائنيه، الأمر الذي قد يكلفه عرشه" ...
لنفترض مع المستر "إيزارد" أن المملكة السعودية، واقعة تحت عجز قيمته ٣٠٠ مليون دولار، ولنفترض أن هذا المبلغ، كما يقول المراسل، كان لدك العرش السعودي، أفلا يظن حضرته، أن من كان له ثروات المملكة السعودية البترولية، لا يحتاج كبير عناء، لنيل ما يطلبه من أموال، من أي مصدر شاء، ولا يظن كذلك، أن الحكومات، كل الحكومات تتهافت وتترامى على أقدام العاهل السعودي، حتى يقبل بأن "تفي ديونه"؟
стр. 438
وهل لا يعتقد المراسل البريطاني، أن مبلغ ٣٠٠ مليون دولار، لا تشكل خطرا على العرش السعودي خاصة، والمستر "إيزارد" يعلم أن الإتحاد السوفياتي، قد عرض على الحكومة المصرية مبلغ ٢٠٠ مليون دولار، لبناء السد العالي، فهل تتأخر الحكومة السوفياتية عن منح السعودية، أضعاف هذا المبلغ، إذا شاءت.
ليحارب الاستعمار البريطانى، على جهة أخرى، لأن فشله على هذا محتما، وليجد أساليب أجدى ... إذا لم يقتنع بعد، بأن ساعة نهايته قد قربت ...
وكتب الأستاذ نصري المعلوف المسيحي في الجريدة
بتاريخ ١٥ - ٤ - ٥٦ الكلمة الآتية:
كلمة حق تغني عن الجيوش ..
من ذا الذي يستطيع أن يصدق، بأن دولة كبيرة كفرنسا، تعلن النفير العام، لتجنيد مئتي ألف محارب جديد، تبعث بهم إلى الجزائر، لينضموا إلى زملائهم هناك، فيتألف منهم جيش عدده نصف مليون جندي، يقاتلون خمسة عشر ألف مجاهد جزائري.
إنه لولا أن وردت هذه الأنباء، على لسان المسؤولين في باريس، لحسبناها ضربا من الدعاية، لأولئك الأبطال الثائرين لكرامتهم وحرية بلادهم.
على أن القضيه، إذا كانت تبدو عجيبة غريبة من الوجهة العسكرية، للتفاوت العظيم، بين القوتين المجاورتين، في العدة والعدد، فإن هذه القضية، لتبدو أعجب وأغرب، من الواجهة السياسية والقانونية والإنسانية. وهي الناحية التي يدور عليها مقالنا اليوم.
نبدأ بالسؤال البديهي، موجها إلى الدولة الأوروبية الكبرى، ذات الأمجاد العسكرية والفكرية والتحررية:
стр. 439
- ما هو موضوع الخلاف الذي أثار هذا النزاع الدامي، وأوجب حشد هذا الجيش الضخم؟
لقد فهمنا وفهم العالم أجمع، أن الجزائريين يطالبون باستقلال بلادهم، على نحو ما تم في مراكش وتونس. فهل لنا أن نفهم حجة أصحاب النصف مليون جندي؟
لن نسترسل في الحماس والهجوم، على مألوف هذه المواقف، ولن نتحدث عن الاستعمار والمستعمرين، والاستثمار والمستثمرين، وعن حكاية الحمل الذي عكر الماء ... بل سنكون إيجابيين - على حد تعبيركم - وسنحاول أن نتفهم وجهة نظركم، وأن نفترض أن الحق قد يكون بجانب النصف مليون جندي، مثلما قد يكون في جانب البضعة عشر ألف مجاهد.
نشكر الله، إن عدتم إلى أنفسكم، فأدرككم هزال وهزل الأسطورة القائلة: وإن الجزائر جزء من فرنسا. وأن العشرة ملايين عربي أسمر مؤمن بالله وبرسوله، هم فرنسيون شقر الشعور وزرق العيون ... كسائر الفرنسيين .. " فرجعتم عن هذه الدعوى.
تقولون إن هناك، مليون فرنسي لهم أملاكهم ومزارعهم ومتاجرهم، وأن لفرنسا مصالح مادية وأعلى من مادية، من شركات ورؤوس أموال، إلى بعثات وكليات، إلى سائر ما يمكن أن ينشأ من مؤسسات، خلال مئة سنة احتلال وإقامة. فمن الواجب إذن، أن يظل الوضع على حاله، محافظة على هذه المصالح ...
ليس في الجزائر ولا في غيرها، من ينكر وجود هذه المصالح، وليس من ينازع في ضرورة صيانتها، وحفظ حقوق أصحابها. ولكن، هل أن فرنسا هي الدولة الوحيدة، التي لها مثل هذه المصالح في خارج بلادها؟ وهل أن الجزائر هي البلد الوحيد، الذي يقوم على أرضه مؤسسات أجنبية، مالية وغير مالية؟
стр. 440
ألم يكن لبريطانيا مؤسسات ومصالح في الهند وباكستان والسودان؟ أليس لفرنسا نفسها مؤسسات وأملاك ومصالح ورعايا، في مراكش وتونس، شقيقتي الجزائر وجارتيها اللطيفتين؟
لقد خطب بالأمس رئيس وزراء فرنسا، فوجه نداءه إلى المجاهدين الجزائريين، طالبا إليهم أن يكفوا عن القتال، متعهدا بأن يجري انتخابات حرة، بعد ثلاثة أشهر من وقف الحرب، واستتباب الأمن، وأن يعقب ذلك مفاوضات مع الزعماء المنتخبين لحل المشكلة.
نظن أن هذا النداء، قد كان يمكن أن يكتب له الاستجابة والقبول، لو أن صاحبه، وهو المسؤول الأول، بين ووضح الأسس التي ستجرى عليها المفاوضات.
أي أنه كان يجب على الرئيس الفرنسي - وأهداف الجزائريين ومطالبهم معلومة - أن يعلن في ندائه، أن حكومته قد قبلت مبدأ الاستقلال وأنها تعترف بالجرائر كيانا دوليا مستقلا، على مثال الكيان المراكشي أو التونسي، وأن السلطات الحاكمة، ستشرف على انتخاب شعبي تنبثق عنه هيئة المفاوضة الشرعية، التي تتولى الكلام باسم شعب الجزائر، كما تولاه السلطان باسم مراكش، والباي باسم تونس.
لقد سكت الرئيس الفرنسي عن الجوهري في حل المعضلة، واكتفى بأن طمأن المجاهدين، بأن حكومته مستعدة لمنحهم ضمانات تؤمن سلامتهم. وقد فاته أن سلامتهم هي آخر ما يهتمون له ... وأن لهؤلاء المجاهدين كتابا نزل فيه ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ التوبة: ١١١. وأنهم به يؤمنون وعلى عهده يموتون.
في تاريخ ٢٤ أفريل سنة ١٩٥٦.
جريدة التلغراف تقول:
стр. 441
وحدة صفوف اللبنانيين
تخدم العرب والجزائر
كلنا نؤيد تحرير الجزائر العربية، وتمتع شعبها العربي بالحرية والاستقلال. ويخطئ كل من يظن، أن أحدا ينكر على الجزائر نضالها وحقها بالحياة، وقد دفعت ثمنه غاليا جدا، من دماء شهدائها المجاهدين الأبطال.
فلبنان البلد الحر، يتناقض مع نفسه ومع رسالته، ومع مقومات وجوده، إذا هو تردد في تحرير كل شعب، وتمتعه إلى أبعد الحدود، بما تتمتع به أمم الدنيا من استقلال وكرامة وحرية، وعلى هذا لما كانت وحدة الصفوف، هي القوة الأولى التي تخدم الجزائر، وكل قطر عربي آخر، وتخدم في الوقت نفسه، الجبهة الوطنية اللبنانية، التي نعتبرها الضمانة الكبرى لكيان لبنان، ومجابهة أخطار الاستعماريين الصهيوني والغربي على السواء.
فإن التلغراف، رسول الجبهة الوطنية، يدعو جميع الفئات والهيئات، إلى العمل على وحدة الحقوق، وتحاشي كل تحد أو استفزاز، أو الإقدام على أعمال تستفز أية فئة لبنانية إزاء الأخرى.
إننا نريد خدمة الجزائر متضامنين، وهناك فريقان: أحدهما يؤيد الجزائر بمقاطعة فرنسا، والثاني يؤيد حق الجزائر بالتفاهم مع فرنسا، وبإقناعها بهذا الحق. فهل يعجز اللبنانيون، عن أن يجدوا حلا وسطا يتفقون عليه، في الصعيد الوطني البعيد عن الخلاف والتفرقة، والتأثيرات الطائفية في بلد الطوائف والحريات.
وأي ثمن يقابل النضال والمقاطعة، التي تجمع عليها بلدان عربية كثيرة؟ أفليس من الأفضل أن تبادر الفئة التي تقول بإقناع فرنسا بالحق، إلى توجيه نداء إلى
стр. 442
فرنسا، لتقوم في الجزائر، بمثل ما قامت به في لبنان الذي ربحت صداقته؟ أننا لا نذهب إلى هذا الحد الآن، بل نريد أن ندعوا فرنسا إلى اتفاق مع الجزائر، يعترف لها بالحق وبالحياة، ولتتفق مع شعبها قبل سواها.
إننا ننتظر البادرة
والتلغراف الذي مثل في معركة الانقلاب، التوفيق بين الجهات المختلفة، وأركان الأحزاب المتباعدة في اجتماعات واتصالات، كانت لها ثمارها اليانعة، ما يزال رسول الجبهة الوطنية والأخوة اللبنانية، وهو يدعو إليها في هذا الظرف الخليق بأن يشهد إتحادنا أكثر من أي ظرف آخر.
ورئيس الكتاتب يؤيد الجزائر
نشرت التلغراف في ٢٨ أفريل ١٩٥٦ تحت عناوين ضخمة الكلمة الآتية:
تعليقا على موقف لبنان من الجزائر. قال لنا الشيخ بيار الجميل أمس:
إن اللبنانيين يؤيدون تحرر شعب الجزائر ومراكش وتونس، ومن غير المعقول أن تبقى الشعوب على وضعها الحالي، فهي ستتحرر، ومن الأفضل أن يتم تحررها في وقت قرب، لأن العالم كله سائر في طريق التحرر والقضاء على الاستعمار.
ولا بد لنا من القول، أننا كنا ننظر إلى الفرنسيين، عندما كانوا يحتلون بلادنا، ويحكموننا باسم الانتداب نظرة حقد وعداء، في حين أن الحال تبدلت اليوم، وأصبحنا أصدقاء، وباتت علاقاتنا معهم طبيعية، تحمي نفسها بنفسها، ولا يحميها الجندي السنغالي.
стр. 443
أقول هذا تأييدا لتحرر الجزائر والمغرب، من غير أن أوافق على التظاهر والإضراب في لبنان، في سبيل هذا التأييد، لأن الإضراب والتظاهر والمقاطعة ترافقها محاذير نحن في غنى عنها، في وضعها الخاص، فلطالما اندس كثيرون من دعاة السوء، في تظاهرات وإضرابات، فحطموا المتاجر وكسروا حافلات الترامواي، وأساءوا إلى الفكرة الأساسية من هذه الحركات، وما دامت الحكومة قد تعهدت في بيانها الوزاري بتأييد الجزائر والمغرب، فمن الأفضل أن تقوم الحكومة بهذا التأييد، من الناحية الدولية قبل سواها، بشرط أن لا يضر هذا بالمصالح اللبنانية.
صرخات لبنان
هذه هي صرخات مسيحيي لبنان الكريم، ضد الاستعمار والمستعمرين، تندد به على اختلاف أجناسه ومذاهبه، وهذا هو موقفهم المشرف، من قضية الجزائر، ضد فرنسا بالذات، وقد قصدنا إثبات شواهد هذا الموقف النبيل لأجل أن نخرص بها ألسنة المتاجرين المستعمرين، ولنقطع الأمل على الطامعين، في جعل مسيحي لبنان، أداة للاستعمار في القرن العشرين، ولندفع عن هؤلاء الإخوان، هذه التهمة الحقيرة، التي قد تكون صادقة فعلا، في بعض الشواذ، ولكن الشاذ لا حكم له والحمد لله، ولا يفوتنا أن نسجل هنا عطف رئيس الدولة صديقنا فخامة الرئيس شمعون، على قضية الجزائر خاصة وعلى المغرب العربي بصفة عامة، فلقد تحدث إلينا شخصيا، بما يكنه من احترام وتقدير لتلك البلاد المجاهدة، وعما يبنيه على استقلالها من آمال، لعامة العرب والإنسانية، ووعد وعد الأشراف، بأنه لا يدع فرصة صالحة ومعقولة، تفيد هذه البلاد، إلا ويغتنمها ليس فقط بالنسبة للبنان، ولكنه سيقول الكلمة الطيبة في كل مكان، وفي كل زمان، ومع كل شخص مفيد.
أما مسلمو لبنان، فليسوا محل شك الناس وتهمتهم حتى نسوق الدلائل على صدق عواطفهم نحو الجزائر والمغرب، فلقد قام أحزابهم وهيئاتهم، وصحفهم وشخصياتهم
стр. 444
وطلابهم، بالاشتراك مع المسيحيين بأعمال جليلة، تعد من النوع الممتاز، إذ لاحظنا الاعتبارات الخاصة بلبنان، دون البلاد العربية الأخرى، وعلى كل حال، فمع شكرنا العميق لجميع العاملين، يجب أن نصارح الأحرار في الوقت نفسه، بأن الجزائر في محنتها الكبرى اليوم، لم تعد تكفيها العواطف المجردة، وإنما تريد من هذه العواطف، أن تحمل المسؤولين القادرين على البذل السريع، وعلى إدراك الجزائر بالقوة، التي تستطيع أن تواجه بها الجحافل الفرنسية الجبارة الحاقدة، وبعد فإن أصدق ما قيل على ألسنة الشعراء وأحلاه، كما نكرر قول شوقي ﵀.
وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال ... إذ الأقدام كان لهم ركابا
لسان حال الوفد المصري يقول:
ليس أوقح من فرنسا
أصل هذه الكلمة، تصريح طويل للدكتور محمد صلاح الدين، الوزير الوفدي السابق، نشر في جريدة الوفد اليومية، بتاريخ ٥ يوليه سنة ١٩٤٥ م، نقتطف منه الكلمة الآتية:
والأمر في بلاد الجزائر الشقيقة، هائل وجد خطير: ففرنسا تعتبر هذه البلاد العربية في كل شيء، جزءا من أرض الوطن الفرنسي، وتعتبر أهلها العرب رعايا فرنسيين، فهي تفخر بأنها قد أصدرت أخيرا قانونا (يرفع) أهل الجزائر إلى مستوى المواطن الفرنسي، ويعطيهم مثل ما له من الحقوق، تفخر بذلك وتعتبره دليلا قائما على ما يملأ قلبها الكبير من روح الحرية والإخاء والمساواة ... !
стр. 445
فهل رأيتم أيها السادة، أبعد من هذا في القحة، وأبلغ منه في الاستغلال القبيح والاستعمار؟ بلاد عربية، وشعب عربي، يلحقون إلحاقا، قهرا وغلابا وقوة واغتصابا، بدولة أجنبية، ويعتبرون من رعاياها الخاضعين، ثم يمن عليهم منا، بأن الدولة الغاصبة قد تنازلت ... فرفعتهم إلى مستوى رعاياها الممتازين ..
ولكن من قال لفرنسا أن أهل الجزائر، يبيعون الحرية والكرامة والاستقلال بهذا الشرف المفتعل الرخيص، وهم أبناء العرب الأحرار؟ فلنذكر ما فعلته فرنسا، وتفعله في الجزائر، وجارتيها تونس، ومراكش فلا يهدأ لنا بال أو يقر لنا قرار، حتى نصفي معها الحساب على آخره، باستقلال هذه الشعوب العربية استقلالا تاما.
الشهيد حسن البنا يقول:
اغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب
هذه كلمة نشرت في مجلة (الإخوان المسلمون) بتاريخ ٢٦ يوليه سنة ٤٥وا م بقلم الشهيد حسبن البنا المرشد السابق للإخوان المسلمين، قال ﵀:
لن تكون أندلس ثانية إن شاء الله مهما حاول الغاصبون، واستكبر في أرض الله المتجبرون، فلقد كانت غفوة من غفوات الزمن نسي فيها العرب والمسلمون أنفسهم، ونسوا الله فنسيهم، وعاقبهم في الشرق والغرب بانتقاص أرضهم، وتقلص سلطانهم، والوقوع تحت حكم غيرهم.
أما اليوم فلا: لقد استيقظ الشعور العربي الإسلامي، وسرى في العروق والدماء، والنفوس والمشاعر، سيالا دفاقا غامرا قويا، لا يدفعه شيء، ولا يقف في سبيله شيء. لقد عرفنا أنفسنا وعرفنا غيرنا، وعرفنا معقد عزتنا وسر ضعفنا، وعرفنا قبل ذلك وبعده "ربنا" الذي بيده ملكوت كل شيء فلا خديعة بعد اليوم
стр. 446
قد يطول بنا أمر الجهاد، وقد يكون جهادا قاسيا مريرا، نبذل فيه كثيرا ونواجه آلاما شدادا، وتأخذنا الزلازل والرجفات، حتى يقول المجاهدون: ﴿متى نصر الله﴾ .. ولكن سنرى الفجر، وسنشهد مطلع الصبح، ومشرق النور، وسنسمع اللحن الشجي بعد طول العناء، ينسكب في آذاننا حلوا نديا ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾.
يا ويح الإنسانية؟ فيما كان هذا العناء والبلاء، والدماء والدموع والعرق، إذا لم يستفيد الناس من وراء تلك التضحيات عدلا وحرية، وأمنا وطمأنينة، وهدأة وسلاما .. ؟
وأين العهود والمواثيق، والوعود والآمال العذاب، والمؤتمرات تلو المؤتمرات، والتصريحات بعد التصريحات؟
صدق الله العظيم إذ قال ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ... ليضل عن سبيله﴾ الزمر: ٨. الآن، وبعد أن وجدت فرنسا الجريحة الطريحة، تحت أقدام الاحتلال النازي ووطأته، شيئا من الراحة والعافية، تصب جام الغضب، على المغرب الإسلامي، فتقذف بطائراتها وبوارجها، الجماهير الهاتفة للحرية، المجاهدة في سبيل الحق الطبيعي، بالقنابل والنيران، وتصب عليهم وابلا من الحميم والجحيم، وتطاردهم في كل مكان، وتهاجم قواتها أربعا وأربعين قرية إسلامية، وتعتقل الآلاف من أعضاء الجمعيات العاملة المؤمنة، وتحكم المحاكمة العسكرية على عشرات من المجاهدين بالإعدام في الجزائر - كما صرح بذلك وزير داخليتها - وينسى الجنرال ديجول السجون والمعتقلات، والتجوال في أرض الله، ما آب من سفر إلا إلى سفر، ينشد حرية نفسه وحرية شعبه، ويلتمس النصير والمعين عليهما في كل أمة، وعند كل دولة.
стр. 447
إلا أن الجنرال ديغول، قد وجد المعين والنصير على حقه في الحياة، وحق أمته في الحرية، وساعدته المقادير، فوصل إلى ما أراد.
فهلا يجد ثلاثون مليونا، من أكرم عباد الله على الله والناس، النصير في إخوانهم العرب والمؤمنين - وهم بحمد الله كثير لم تأكلهم الضبع، ولم تنقصهم الأيام؟ وهلا يجد هؤلاء الملايين النصير في الأمم المتحدة وفي أوروبا وأمريكا - وقد كان الجنود المغاربة البواسل في صفوف جيوشها المحاربة في إيطاليا، وفي حملة فرنسا نفسها، وفي كل مكان، على حين كان الفرنسيون الأصليون في صفوف الألمان يقاومون جيوش الحلفاء بكل سبيل .. ؟!
أغلب الظن، أن عرب شمال إفريقيا من الطرابلسيين، والتونسيين والجزائريين، والمراكشيين، سيجدون النصير فعلا في العرب والمسلمين من إخوانهم، وفي الأمم المتحدة، وقد حاربوا في صفوفهم، على أنهم بعد ذلك وقبله، أكرم على الله وعلى الإسلام، من أن يدعهم نهب الظلم وطمعة الطامعين. فإن تخلى عنهم جند الأرض، فسينصرهم جند السماء ﴿والله غالب على أمره﴾ يوسف: ٢١. ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ المدثر: ٣١. ولن تكون أندلس ثانية بحول الله ويأبى الله ذلك والمؤمنون.
أيها الإخوان المسلمون، أيها العرب في آفاق الأرض، أيها المسلمون جميعا، يا من تؤمنون بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن القرآن حق، وأن الأخوة هي لب الإيمان وصميمه، وأن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، وبأن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وبأن نبيكم محمد ﷺ ، وهو الصادق المصدوق قد قال لكم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه).
стр. 448
اعلموا أن لكم ثلاثين مليون من إخوانكم المنتشرين في خير بقاع إفريقية، على شاطئ بحر العرب، من حدود مصر، إلى الدار البيضاء على الأطلس يستصرخونكم، ويهيبون بكم، وينادونكم، أن اغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب .. !
اعلموا هذا ثم اعلموا: أقلقوا الدنيا بصراخكم، وأيقظوا الضمير العالمي المشغول عنكم، المخدر بالباطل، يتيقظكم، وجاهدوا واحتملوا، فلئن جاهد قوم في سبيل الباطل الذي يغني عن الحق شيئا، فإن جهادكم هو الحق المحض الذي لا حق سواه، لله وللدين وللوطن وللأخوة، فاعلموا والله معكم قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، وتضيع فرصة لم تنتفعوا بها عند سنوحها، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
من أبطال الدعوة
تحت هذا العنوان، نشرت جريدة البصائر، لسان حال جمعية العلماء الجزائريين في عدد ٣٥٨ بتاريخ ١٦ مارس سنة ١٩٥٦، كلمة قيمة لأحد أعضائها العلماء الكرام، الأستاذ محمد شرفة الأكحل، يحيي فيها حب تعبيره (رجل النضال الإسلامي الصامد، الأستاذ الجليل الفضيل الورتلاني) ونحن ننشرها هنا لنفس الأسباب التي ذكرها في المقدمة، قال حفظه الله:
إذا كان من تعاليمنا المقدسة أن "من لم يشكر الناس لم يشكر الله، فإن ذكرنا الأفذاذ رجالنا وعباقرتهم بين الحين والآخر، باللسان والقلم، حتى يطمئن الأحياء منهم، إلى أن شعوبهم التي وهبوا لها حياتهم لم تنسهم، ولمن غادرنا إلى العالم الآخر، كي تعيش ذكرياتهم معنا، نستمد منها الهدى، ونستلهمها روح النضال، كأنما هي أولئك الأعزة الذين كانوا يعيشون بيننا بأشخاصهم. إن هذا الذكر من واجب الواجبات، على ذوي الدعوات وأرباب الرسالات العظمى، التي من شأنها أن تبعث أعمق الإيمان، في الوقت الذي تخلص للمثل العليا، إخلاصا يضمن وصول الإنسان إلى ما أراد الله له من سمو وعزة وكمال.
стр. 449
فبوحي إيماني بجدوى جهود كهذه، وعائداتها النافعة، أدعو بقلمي هذا المتواضع، كل الإخوان حملة الأقلام في عالمي الإسلام والعروبة، إلى بعث ذكريات عظمائنا الإسلاميين، الذين وفوا لدعوة الإسلام قولا وعملا، ثم فارقونا إلى دار الخلد، حتى لا تنقطع الصلة بيننا وبينهم، كما أناشد هذه الأقلام الإسلامية العربية، إلى شد أزر المجاهدين الذين لا يزالون على قيد الحياة، يتابعون جهادهم في سبيل الله، حتى ينكسر الاستعباد، ويندحر الاستبداد، وأنه لا يضمن النصر في ميادين النضال شيء كالتعاون المخلص، والتآزر المركز وقديما عرفنا الإنسانية هذا المعنى، ببروزنا التكتلي العلمي في جميع ميادين الحياة، قبل أن نعلمها ذلك بمبادئنا الفلسفية المدروسة، منذ أجيال وأجيال. ولا تزال في هذا العصر، الذي غمر التطور جميع أجهزته، جديدة صالحة لقيادة المبادئ المعاصرة، وتبوؤ مركز الزعامة لها، لو رزقت رجالا من طراز عمر، وعلي، وخالد، وأبي عبيدة، وابن عبد العزيز، ثم صلاح الدين في الأولين، ومحمد بن عبد الوهاب، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والرافعي والبنا، وابن باديس في الآخرين. ولكن! "ما ذنب الكتاب إذا لم يأخذه يحيى بقوة؟؟؟! ".
أقل ما يقال عنه
لقد غمرتني هذه الخواطر حينما أخذت القلم، لأكتب كلمة عن أستاذي الجليل الفضيل الورتلاني، كشخصية إسلامية لها في ميدان الدعوة والنضال، عن أمة الإسلام في المغرب العربي ومشرقه، دور خطير، ولا زالت توالي هذا النضال آناء الليل وأطراف النهار، ولم أكن علم الله قد قصدت أولا بالذات إلى هذا التقديم، ولكني لم أجد بدا من تسجيله، ثم لم أملك نفسي من أن تسن به بعد ذلك، وهذه الكلمة التي أقولها اليوم عن أستاذي، هي أقل ما يفرضه الوفاء لذلك الشخص العزيز، الذي يمثل الرجولة الإسلامية المغربية أصدق تمثيل وأقواه، وأنها
стр. 450
لرجولة شامخة تتحطم على صخرتها رؤوس المكائد والأغراض السافلة، والمؤامرات الاستعمارية المدبرة، والسبب في ذلك واضح معقول: إذ شخصية الورتلاني أصبحت قلعة من قلاع الإسلام الضخمة، التي تتحدى العوادي، وتشهد الدنيا على متانة ذلك البناء، القائم على أساس الدعوة، تلك الدعوة التي تنهزم أبدا أمام أية قوة في الدنيا. وإنما المنهزم دوما هو الضعيف البشري، الذي لم يلقح بالعقيدة، ولم يطعم بالغذاء المقوى الذي تقدمه رسالات السماء، للنفوس المناضلة عن الحق، في جميع بقاع الأرض ...
ما لم يتحقق اليوم من آمال سيتحقق غدا
تلك النفس المطعمة بهذا الغذاء، تشعر أن هموم كل شعب مضطهد، إنما هي همومها، وأن آمال المظلومين المغصوبي الحق، من عباد الله جميعا، إنما هي آمالها، وأن آلام كل المعذبين بحكم الاستعمار، إنما هي آلامها، فتتحدى بوحي هذا الشعور للنضال الدائم، بكل ما تملك من وسائل عن الحقوق المسلوبة، واستصراخ الضمائر الإنسانية، أينما وجدت في دنيا الإنسان، حتى تتحرك لنجدة المظلوم، والضرب على يد الظالم. ثم هي لا تفتر لها عزيمة، إذا ما ذاقت ألوان المرارة، وتجرعت صنوف العذاب في هذا السبيل، أو تعرضت لحشود شوكتها! وثقلت وطأتها. وهي بوحي إيمانها بالحق الذي تناضل عنه، موقنة بأن ما لم يتحقق اليوم من آمال، سيتحقق غدا وأن الأمور مرهونة بأوقاتها، ولكل شيء أجل، إذا جاء لا يستأخر ساعة، ولا يستقدمها. وهذا المدد العظيم الذي لا ينفذ أبدا، يمنع تلك النفس من أن تزيغ، ويحصنها ضد الزوابع، ويمنحها المناعة الكافية، ضد الأوبئة، والشجاعة الوافية لاتخاذ المواقف البطولية الجريئة حينما يخذلها الرعاديد من الناس، وتتكتل عليها الأحداث المتجهمة، والأيام العابسة. وأن النفس التي لا تمتلك هذه الطاقة، سرعان ما تذوب شخصيتها المصطنعة، وتتبخر في الهواء إذا سلطت عليها الحوادث نيرانها.
стр. 451
الورتلاني ... والعقبات التي وقفت في طريقه
إن نفس الورتلاني العظيم، من تلك الفئة الأولى الأصيلة: تلك التي تشبه المعدن الذهبي، ذلك الذي يصهر بالنار، ولكنه يخرج منها ألمع ما يكون بريقا، وأنقى ما يكون من الشوائب، وهذا نفس ما حدث للفضيل، فلقد مرت عليه كما تمر على الأفذاذ العباقرة، ظروف عابسة، حسبها الناس حجابا صفيقا بين ماضيه ومستقبله، ولكنها سرعان ما انقشعت لما تنقشع السحب الثقال عن وجه الشمس. فأشرف الورتلاني من جديد على دنيا الإسلام والعروبة بالأضواء الكاشفة، فأنار طريق الكفاح من جديد، وفتح جبهة الجهاد من جديد، وتبوأ مركزه العظيم بين أساطين النهضة الإسلامية في العالم الإسلامي.
نشاط دائب ...
قلت هذا بصدد الحديث، عن الرجل العظيم، الذي لم تعرف عنه الجزائر، ولا المغرب أو المشرق الإسلاميين، إلا كل صدق ووفاء، وشجاعة وإخلاص ومروءة ونجدة، وصدع بكلمة الحق والحرية، وإيثار للصراحة في القول، والاستماتة في النضال والاتجاه الواضح المستقيم، على المناورة والمداورة، وسلوك السبل الملتوية، وتصيد الفرص السانحة للشهرة والظهور .. هكذا عرفنا ماضيه في الكفاح المغربي والإسلامي معا، سواء داخل الوطن أو خارجه. ففي أرض الوطن، لم يكن أحد من المعنيين يتتبع أطوار النهضة، بجهل دور الورتلاني ونشاطه الدائب، في أوائل النهضة، لبناء حركة قومية انبعاثية متينة الأركان، قوية الدعائم، ثابتة على الدهر، فلم تخل أية محاولة للانبعاث، إلا وكان له فيها دور عظيم، ثم نقل حركة الدعوة الإسلامية التحريرية، التي بعثتها في أرض الوطن، جمعية العلماء إلى قلب فرنسا نفسها سنة ٣٦، حيث تمكن في ظرف سنتين ونيف، من إحداث نحو ٣٠ مركز
стр. 452
للدعوة الإسلامية والربط بين جميع الجاليات العربية الإسلامية، وبعث روح العزة الإسلامية في نفوسها، وإسماع صوت الجزائر المسلمة العربية، للعالمين الشرقي الإسلامي العربي والغربي الأوروبي، ولا أظن منصفا عاقلا في البلاد الإسلامية قاطبة، يستنكف من الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية الماثلة.
هل فتر الورتلاني؟! ... كلا
وإن ننس، فلا ننس بعد أن رحل الفضيل إلى الشرق، تلك النداءات الصارخة التي كان يرسلها إلى الضمير الإنساني، لو قوى حينئذ هذا الضمير، لإنقاذ ٣٠ مليون من عرب المغرب عن عسف الاستبداد، وقمع الاستعمار عقب الحرب العالمية الأخيرة مباشرة، ومن ينس فضحه الأساليب الاستعمارية المتبعة في هذا المغرب الإسلامي ... تلك التي تهدف إلى الضرب بالطمس، على أقدس ما لهذا الشعب الزكي من موروثات كريمة: دين - تاريخ - أمجاد - تقاليد؟ وأي شخص يتدفق في شرايينه دم الإسلام الزكي، والعروبة الأصيلة لم يكبر جهاد الورتلاني ونضاله، ولم يشد بهذه الرجولة الغلابة، التي استطاعت حقا وصدقا، أن تزعج النظام الاستعماري، وتكشف عن فضائح مجزرة ٨ ماي ١٩٤٥، بما ترتعد له فرائض الإنسانية الرحيمة، ثم ماذا حدث؟؟ ثم قدر الله ﵎، أن يمتحن الورتلاني المناضل، كما يمتحن عباده المؤمنين الذين أخذ عليهم العهد والميثاق بقوله: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم﴾ محمد: ٣١ امتحنه بما يعرفه الناس جميعا، فخرج من الامتحان بخير ما يخرج به رجل الإيمان الصابر الشاكر، المجد المفلح فهل فتر الفضيل أو وقف نشاطه؟ كلا إنه تابع النضال العزيز، وبصفة أكثر اتساعا، حيث تمكن من التجوال في أقطار شتى، وكسب أكبر عدد ممكن من الأنصار للقضية الإفريقية العادلة.
стр. 453
ثم قدر الله ﵎، أن تتعرض الأمة الجزائرية مع شقيقتها الأمتين المغربية والتونسية، لأقسى امتحان وأعسره، عرفته في أطوار حياتها كلها منذ الاحتلال المشؤوم: امتحان في أبنائها وبناتها، في وجودها وكيانها، في دينها ودنياها، بما يعلمه كل إنسان، وما هو حديث محطات العالم، وأنديته وصحفه اليوم. فماذا كان موقف الورتلاني تجاه الوضع القائم؟ إنه لم يفته مطلقا أن يجدد من عزيمته، ويشحذ من همته تلك القسعاء التي لا يعرف الكلل والملل والفشل طريقا إليها فشنها حربا شعواء على الطغيان، وجند لسانه المبين، وقلمه المتين، لإذاعة ما يجري من أحداث ضخام بأرض وطنه، فأجرى به أنهار من الحبر لشرح حقائق هذا النضال المغربي، والتعبير عن آلام وآمال هذا الجزء الكريم من دنيا الإسلام والعربية ..
ونحن مع انقطاعنا الأليم عن الجناح الشرفي لعروبتنا، قد نفحتنا عناية الله، ببعض صحف الشرق، فقرأنا فيها للورتلاني عجبا: أنه يتحدث عن حقائق ما يجري هنا، كأنه يشهدها بأم عينيه، ويقف على مجرياتها بنفسه، ثم هو يعرض من الحلول الصالحة للمشاكل القائمة، ما لا يزول الصداع إلا بمثلها، ولا يقف الصراع إلا بتطبيقها .. وهذه الصحف التي أسعدنا الحظ بالإطلاع عليها هي:
"المنار" الدمشقية والحياة، والجريدة، وبيروت، والأنباء وبيروت المساء، وهي صحف لبنانية، لم يترك شاردة ولا واردة مما يتصل بالنضال المغربي القائم، إلا نشرها بتفصيل لا مزيد عليه كما أبرق إلى عدة دوائر فيما يخص المشكل الجزائري خاصة، والمغربي بصفة عامة، اطلعنا على نصوص بعض البرقيات في جريدة "المنار" الفيحاء التي نشرتها في عددها الصادر بتاريخ ٢٣/ ١١ / ١٩٥٥ وقدمتها بما يلي:
نشاط الورتلاني في خدمة العروبة - كيف يستقبل العالم العربي اعتداء الإنكليز.
على واحة البريمي - نصوص تعطى برقيات الورتلاني إلى محمد بن يوسف وعمان، وجنيف ومصر، وأمريكا، وفرنسا ومراكش.
стр. 454
أذاع المجاهد العربي الكريم الأستاذ الفضيل الورتلاني، بيانا حول اعتداء الإنكليز على واحة البريمي، ننشره فيما يلي الخ الخ.
وأرسل الأستاذ الفضيل بعدد من البرقيات التي تتناول مجمل قضايا المغرب العربي، والعالم العربي، ننشرها فيما يلي: الخ الخ.
وأنا لا يسعني في هدا المجال أن أثبت النصوص المنشورة في هذا المقال، وحسبي أن أذكر الدوائر التي وجه إليها البرقيات: صاحب الجلالة مولاي محمد بن يوسف - مؤتمر الغرف التجارية بعمان - الوزراء الأربعة الكبار الذين اجتمعوا بجنيف - السيد محمد بن يوسف الوزاني، أمين حزب الشورى والاستقلال - ومحمد اليزيد عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، في الرباط - مراكش وزراء خارجية العرب الذين اجتمعوا بالقاهرة في ١/ ١٠/ ٥٥ - السيد الباشا الفاطمي بن سليمان، حينما كلفه مجلس العرش بتأليف الحكومة المغربية والزعيم السيد علال الفاسي بالقاهرة بتاريخ ٠/ ١٠/ ٥٥ - وإلى الكتلة الإفريقية الآسيوية بهيئة الأمم بنيويورك - وإلى المسيو إدغار فور كبير وزراء فرنسا آنئذ.
وفي عدد المنار، الصادر بتاريخ ١٨ ديسمبر ١٩٥٥، رسالة للأستاذ الورتلاني، موجهة إلى سعادة الأستاذ مبارك البكاي، رئيس وزراء مراكش قددتها الصحفية هكذا "طالع قرار المنار" سلسلة مقالات قيمة، نشرناها تباعا بقلم الأستاذ المجاهد الفضيل الورتلاني، تصور وجه الشعب الجزائري الشقيق المشرق، وتلقى الضوء على واقعه الأحمر في هذه الأيام، ونضاله المستميت ضد الطغيان الاستعماري، وهذه المقالات إن دلت على شيء، فإنما تدل على الجهاد اليومي الذي يقوم به الفضيل الورتلاني وحده، باسطا وجهة نظر إخواننا الجزائريين إلى العالم معبرا عن إرادتهم. وفيما يلي حلقة جديدة من جهاده المتواصل في الرسالة التي بعث بها إلى رئيس الحكومة المراكشية السيد "البكاي" الخ.
стр. 455
وكل الصحف التي ذكرت أسماءها، تشيد بنضاله المستميت، بمثل ما أشادت المنار فأكثر. وليس في مقدوري الآن أن أورد نماذج من كل تلك الصحف، وحسبي هذا المقدار. ولعل الظروف ستتيح لي من الفرص، ما يسمح بعرض نماذج أخرى من عمله، منشورة بقلمه لخدمة الإسلام والعروبة، والمغرب العربي الإسلامي، في الظروف الحاضرة، كما خدم كل ذلك قبلها في وقت قريب إن شاء الله. وذلك كله إذا تمكنت أو تمكن غيري من فعله، لا يفي حتى بأقل حق للأستاذ الفضيل علينا، ذلك الرجل الذي أعطى للقضية المغربية والإسلامية كل ما يملك دون أن ينال هو لنفسه شيئا، سوى الذكر الطيب والسمعة العطرة: نعم!
أعطى كل شيء: قلمه - لسانه - مواهبه - حياته كلها، وضحى في هذا السبيل بأعز ما يضحي به الإنسان من مال، وأهل، وراحة ومنصب. فهل يجدر بنا أن نعتبر أن كلمة متواضعة مثل هذه إذا قيلت، تفي بحق هذا البطل العظيم العزيز علينا؟؟ اللهم اشهد أنها جهد المقل العاجز .. وليتقبلها مني الأستاذ الجليل، تحية إسلامية عربية مباركة على بعد، معبرة عما تحمله نفوسنا له من حب وإكبار وتقدير، وما نرجوه له من حياة مديدة، تمكنه من شهود الغرس الزكي، الذي ناضل حياته كلها من أجل صونه من العاديات وحياطته بسياج من الأعمال الخالدات قديما، وترعرع وأتى الثمار الشهية اليانعة، بعد أن تمكن من الانتصار الساحق، على الجوائح المبيدة .. فليبارك الله أعمال الورتلاني العظيم، وليعش الفضيل رمزا للنضال الإسلامي الصامد الخالد.
محمد شرفة الأكحل
стр. 456
كلمة عباد الرحمن الختامية
بقلم مدير الشؤون الاجتماعية
الأستاذ: رفيق سنو
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
كلفني إخواني عباد الرحمن، أن أضع خاتمة للكتاب ـ[الجزائر الثائرة]ـ لمؤلفه الجليل أستاذي وحبيبي الفضيل الورتلاني. وفهمت أنهم قد اختاروني لهذه المهمة قصدا، لأنني من أعرف الناس بجوهر الورتلاني، وأدراهم بكثير من تفاصيل طباعه وشؤون حياته، حيث تشرفت بصحبته وملازمته، مدة لا تقل عن خمس سنوات عامرة. هي وإن كانت خمس سنوات في عالم العد، ولكن ملابساتها الكريمة، تجعل قيمتها في عالم الأثر أكثر من خمسين، حتى أصبح الورتلاني أستاذي وأخي وصديقي في آن واحد، وهذه الخصوصية التي أتشرف بها، وأحمد الله عليها، تجعلني أشعر بواجب شخصي، متعين على نحو المجتمع، ونحو التاريخ، ولا أجد مناسبة كريمة لأداء هذا الواجب، خيرا من هذه التي عرضها علي إخواني مشكورين، هذا الواجب الشخصي هو تصوير بعض انطباعاتي عن جوهر الأستاذ الورتلاني، ممثلة في عقيدته ورسالته واهتماماته وأعماله، وكنت ولا أزال دائما ممن يرون، أن كل رجل صار له اسم كبير في التاريخ، وارتبطت حياته بأحداث ضخام، تتعلق بالأمم ومصائرها، يجب أن يعرف الناس حقيقته، من غير غمط ولا مبالغة، حتى إذا جاء اليوم الذي يريدون أن يحكموا على جزئية ما من تصرفاته الكثيرة في غيابه، أو بعد مماته، استطاعوا أن يخصصوها لقواعد مستمدة، من صميم
стр. 457
جوهره وسلوكه، فيحكموا عليه الحكم الصحيح البرئ، ولا شك أن غير العارفين بحياة كبار الرجال عن كثب ومداومة، لا يستطيعون أن يقدموهم إلى التاريخ صائبين وصادقين، والورتلاني بغير نزاع ممن لهم اسم كبير في التاريخ، وممن اقترنت أسماؤهم بأعظم الأحداث في الشرق والغرب، وهذا الضعيف، يستطيع أن يدعي أنه عرف الرجل عن كثب ومداومة، ويغلب على ظنه، أنه قد فهم حقيقته أحسن الفهم، وكانت معرفته له مجردة من كل غرض وهوى، خالصة لوجه الله الكريم فإذا زعمت إذن أنني قادر على تقديمه، أطمع أن أكون في ذلك مصيبا وصادقا إلى أبعد الحدود إن شاء الله.
كيف عرفت الورتلاني
عرفت الورتلاني في الأول، عن السماع بحكم شهرته الواسعة، كما يعرفه عامة الناس، وكانت منزلته في نفسي، منزلة أي مجاهد حر، يعمل لتحرير الناس من أنفسهم ومن المستعمرين، ولكنني لم أستطع أن أصنفه، من أي طبقة في المخلصين والعاملين، ولم يكن ذلك يهمني يومئذ كثيرا أو قليلا. وبعد أن عاد أخي رشيد من اليمن، وقد كان مديرا للمطبوعات في حكومتها سمعت منه ثناءا عاطرا على الورتلاني، وإكبارا زائدا لعبقريته وقوة شخصيته؛ وأمل أخي يومئذ أن يكون على يد هذا الرجل الفذ، فتح كبير في تلك البلاد السعيدة، إذا أراد الله خيرا لأهلها، وأخي ممن لهم فراسة حسنة وممن لا يعرفون الكذب والمبالغة، حتى لو كان له غرض مقصود، فكيف به حينما يكون الشخص لا يعنيه ولا يحتاج إليه، لا من قريب ولا من بعيد، كشأنه مع الورتلاني. فمن يوم حدثني أخي هذا الحديث عن الورتلاني، ابتدأت أصنفه في نفسي وأعده من المصلحين الملهمين حقا، وأدعو كما أدعو لجميع المجاهدين في الغيب، أن يجري الله الخير على يده، وأن ينور العقول المظلمة بتوجيهه، وأن يكثر بين أبناء العرب والإسلام من أمثاله، كل هذا وأنا لم أر الورتلاني بعد ولم أتعرف عليه، ولم أكن أحسب أنني سأراه
стр. 458
يوما أو أتعرف عليه، ويشاء الله أن يعود أخي رشيد إلى اليمن مرة ثانية في مهمة حكومية. ويشاء الله تعالى أن يبقى هناك، بجانب الورتلاني أكثر مما كان يقدر حتى وقع الانقلاب المشهور وهو هناك، واتهم الورتلاني بأنه المدبر الأول للإنقلاب، والمسؤول الأول عنه، وذاع الأمر في جميع أطراف الدنيا، ولكن الورتلاني سلمه الله من الفتن. فخرج من اليمن قبل أن يقدروا عليه. وأما أخي فقد أتهم أيضا بالاشتراك في الانقلاب، وكان ما يزال بين أيديهم قادرين عليه، ولولا لطف الله به لأصابه شر وأذى خطأ، كما أصاب سواه خطأ في بلدة لا تعرف شيء بعد، لا من أصول الاتهام ولا التحقيق ولا الدفاع.
الورتلاني في البحار
كانت الأخبار قد بلغتنا بأن أخي محبوس في اليمن متهم، ويوشك بين الساعة وأخرى أن يصبح في عداد المعدمين، فقمنا هنا بمساعي كبيرة، حتى حملنا رئيس الحكومة اللبنانية أن يبرق في شأنه إلى الإمام، باعتبار أخي مندوبا رسميا عن الحكومة اللبنانية، ولكن الإمام عرف في الأخير براءة أخي، وعرف أن الخير في الإحسان إليه، فاعتذر له وبالغ في إكرامه، واستشاره في كثير من الأمور، وأخذ برأيه في بعضها، ثم ترك اليمن وعاد إلى لبنان، وأخذ يحدثني عن الورتلاني من جديد، حديث المعجبين أعظم الإعجاب بهمة الرجل الفذ، وشخصيته النادرة، وإخلاصه العميق، وكان يصحب إعجاب أخي بالورتلاني، كثير من الحزن والإنفاق على مصيره، لأن الورتلاني وقتئذ، ما يزال على ظهر الباخرة، ينتقل في البحار، وأبواب الدنيا جميعا موصودة في وجهه، والحاكمون بأمرهم والمستعمرون، يلاحقونه بأراجيفهم، ويطاردونه في كل مكان، وهنا أخذ الورتلاني من نفسي، مركزا جديدا من التقدير والاحترام، وصرت أدعو الله دائما أن يكتب له السلامة، ليستأنف جهاده الكريم في هذا المجتمع المسكين، المقفر من الرجال الأكفاء المخلصين، وأن يجمعني به يوما في أسعد الحالات وأكرمها، لقد كانت ظواهر
стр. 459
الحال يومئذ، لا تدل على إمكان استجابة هذا الدعاء، ولكن الله كان أكبر من الطغاة، وأعظم من المستعمرين، فاستجاب دعائي ودعاء الكثيرين مثلي، فنجاه من كيد المجرمين، وأراد الله أن يزيد في إكرامنا، فجعل بيروت شاطئ نجاته وسلامته.
الورتلاني في بيروت
كان الاتفاق بين الحكومه اللبنانية وبين الورتلاني، أن يكون التجاؤه مكتوما غير رسمي، تجنبا لمشاكل الطغاة والمستعمرين، ومقتضى هذا الشرط، أن يظل وجود الورتلاني في لبنان، مجهولا لا يعرفه إلا الحكام، ولكن أخي استطاع أن يعرف وصول الورتلاني من أيامه الأولى، واستأذن من رئيس الحكومة المرحوم رياض بك الصلح، في الاتصال به فلم يمانع، وأخي من عادته معي، أن لا يكتم عني شيئا من الأمور الكبيرة والصغيرة، فلم ينفرد بهذا النبأ السار إلا بضع ساعات، حتى هرول يحمله إلي، كبشرى وهدية كريمة، لما يعلمه من فرحي بمثل ذلك، فحمدت الله وشكرته، وطلبت من أخي أن يعمل المستحيل ليجمعني بهذا الرجل، الذي أحببته في الغيب، ولم أكن قد رأيته بعد. ولم يمض إلا أيام قلائل، حتى جاء يخبرني بأن الورتلاني، سيحضر الليلة عندك في البيت، على شرط أن لا يكون معنا غريب. وحضر الورتلاني، وشعرت من أول ساعة، بأنني كنت أعرفه من سنين طوال، وكانت الليلة ليلة قدر، وكانت خيرا من ألف شهر، تمت فيها الصداقة والأخوة والأستاذية، تم كل ذلك في ساعات، وما يزال ينمو بمرور الزمن، حتى يومنا هذا والحمد لله.
الصحبة
ابتدأت الصحبة من تلك الليلة المباركة، وشاءت الظروف أن تجعلها دائمة مثمرة، لأن أوضاع الورتلاني السياسية لا تسمح له يومئذ بنشاط ظاهري صريح، فضلا عن التنقلات والأسفار، ولعله من جهة أخرى، وجد في شخصي الضعيف
стр. 460
ضالته المنشودة، كما وجدتها فيه، لأنني أنا أحب العلم والعلماء وأطلبهم في شغف، وأحب الجهاد والمجاهدين وأعزهم في صدق. وهو من جهته مغرم بصنع الرجال، وسريع جدا في فهم ما عندهم من كمال ونقص، ثم ما عندهم من قابلية للتطور والارتقاء. وعنده قدرة خارقة على تقريب البعيد وتذليل الصعاب، ورفع الهمم إلى المستوى العالي، فأكرمني الله بالحظ الأكبر من تلك الخلوة الإجبارية التي فرضها القدر عليه، حتى جاء على وقت، لا يمكن أن يمضي يوم أو ليلة من غير أن أراه، أو أن أسمعه على الأقل بالهاتف. ولم تكن مجالسنا عامرة إلا بالعلم والحكمة، والوطنية والإنسانية. وكنت مستأثرا بها وحدي في الأول، ثم اتسعت شيئا فشيئا، إلى أن شملت كثيرا من الخواص، والذي يحسن تسجيله من الناحية النفسية في هذا المقام. المألوف بين عامة الناس، إذا تعاشروا طويلا أن يقل الاحترام ويخف بينهم الود بكثرة الاختلاط، لأن كل عظيم من الناس مهما جلت أخلاقه، وسمت نفسه فلا يخلو من نقص وعيوب تظهر، ولا بد بكثرة الاحتكاك ولو بعد حين، ويكون ظهورها عادة سببا مباشرا، لنقص الوقار والاحترام، ولكنني أنا يعلم الله، أنني رغم احتكاكي بالورتلاني نحو ست سنوات بالليل والنهار، في السراء والضراء، في الرضى والغضب، في اليسر والعسر ما زدت له إلا حبا، واحتراما وإكبارا، لأنني بمرور الزمن، إنما كنت أكتشف فيه أفضالا جديدة والحمد لله.
تأثيره على الطبقات ووفاؤه لوطنه
حضرت كثيرا من مجالس الورتلاني مع رجال السياسة، ابتداء من رئيس الجمهورية إلى رؤساء الوزارات، إلى الوزراء والنواب والزعماء والصحفيين، فكان في كل ذلك محل إكبار وإعجاب، فكان في كل ذلك أستاذا معلما وموجها، في كل لغة مشرفة، ومنطق رصين. وكان في كل ذلك تستوقفني منه ظاهرة ملازمة له عجيبة، وهو وفاؤه لوطنه الأول الجزائر والمغرب العربي، ولم أسجل له يوما العجز
следующие страницы →