وفي هذا الباب مسألتان:
المسألة الأولى (١):
مَنِ افتتحَ نافلة قاعدًا ثمّ أرادَ القيام، فإنَّ ذلك له أنّ يفعله. ولو افتتح قائمًا ثمَّ أراد الجلوس، فإنَّ ذلك يجوز له عند ابن القاسم (٢). وقال أشهب: لا يجوز له ذلك (٣).
المسألة الثّانية (٤):
والجلوسُ في الصّلاة ليست له صفةٌ مخصوضةٌ لا يجزئ إلَّا عليه، بل يُجْزِىء على كلِّ صفةٍ من الاحتباء والتَّربُّع والتَّوَرُّك وغيرها.
قال القاضي: غير أنّ أبا محمد عبد الوهّاب ذكر (٥) أنّ أفضلَها التَّربُّع؛ لأنّه أقرب (٦) هيئات الجلوس، إلّا أنَّ الاحْتِبَاءَ مع ذلك جائزٌ، وليس في احتباء سعيد وعُروة (٧) دليل على اختيارهما له، وإنّما فيه دليلٌ على أنّه كان يتكرّر منهما, ولعلّه كان يتكرّر عند السّآمة للتَّرَبُّع أو غير ذلك. واللهُ أعلمُ.
الصّلاةُ الوُسْطَى
التّرجمة:
قال الإمام الحافظ: الألف واللّام في "الوُسْطَى" الّتي في القرآن (٨) هي للعَهْد (٩)؛ لأنّ الرَّبَ تعالى قد كان علَّمَها نبيَّهُ، فلمّا ذكرها له كأنّه قال: هذه الّتي أعلمتك بها.
стр. 1017
الإسناد:
الأحاديث (١) صِحَاحٌ في هذا الباب لا ارتيَاب فيها، خرَّجها الأيمّة.
العربية:
يحتمل أنّ يريد بالوُسط الفضل، من قولهم: وسطا، أي خيارًا.
ويحتمل أنّ يريد بها الوَسَط، وهو التّسَاوِي في البُعْد لكلِّ واحدٍ من الطّرفين.
وقيل: الوسطُ العدلُ.
الفقه (٢):
اختلف العلماء في الصّلاة الوُسْطَى على سبعة أقوال (٣):
أحدها: أنّها كلّ واحدة من الصّلوات.
والثّاني: أنّها الجمعة.
*والثّالث: أنّها الصّبح (٤).
والرّابع: أنّها الظهر (٥).
والخامس: أنّها العصر (٦).
والسادس: أنّها المغرب* (٧).
والسابع: أنّها لا تُعْلَم.
стр. 1018
واختار مالك (١) أنّها الصُّبح، واختار أبو حنيفة أنّها العصر (٢).
وحُجَّةُ من قال: إنّها الصُّبح، فإنّها فاتحة العمل وإنّ القنوت لا يكون إلَّا فيها، لقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣).
وأيضًا: فإنّ صلاتها تعدلُ قيام ليلة.
واحتجَّ من قال: إنّها الظّهر، أنّها إذا صلّاها ظهرت ووقع الابتداء بها، فكان لها فضل؛ لأنّها أوّل صلاةِ صلّاها جبريل بالنّبيِّ ﷺ .
واحتجَّ من قال: إنّها العصر، بما تقدَّمَ من الأحاديث الصِّحاح في "مسلم" (٤) و"البخاريّ "، ولم يصحِّحه البخاريّ ولا أَدْخَلَهُ في كتاب الصّلاة، وإنّما أدخله في كتاب المغازي في غزاة الخَندَق (٥).
واحتجّ من قال: إنها المغرب، بأنّها ذات وقتٍ واحدٍ لا تأخيرَ لها.
واحتجّ من قال: إنّها الجمعة، بأنّ شروطها أكثر، فدلَّ بها أنّها أفضل.
واحتجّ من قال: إنّها أُخْفِيَت في الصّلوات، كما أخفيت ليلة القَدْر في الشَّهر.
قال الإمام: والصّحيحُ عندي أنّها مخفيةٌ؛ لأنّ الأحاديث لم تُبيَّنها, ولا صحَّحَها أبو عبد الله (٦) لاختفائها زيادةً في فضلها، فعلى هذا هي مخبوءةٌ في جُمْلَةِ الصّلوات كما الكبائر في جملة الذّنوب، ترغيبًا منه في فضل الطاعة، وترهيبًا لاجتناب المعصية.
الأصول (٧):
قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية (٨)
стр. 1019
قال الإمام: افترقَ النّاسُ في الكلام في هذه الآية على أزيد من ثمانية أقوال:
الأولُ: قولُه: ﴿حَافِظُوا﴾ المحافظةُ هي المداومةُ على الشيءِ والمُواظَبَةُ عليه، وذلك بالتمادي على فِعْلِها والاحتراس عن تَضْيِعها أو تضييع بَغضِها.
نكتةٌ (١):
وبناء المسألة؛ أنّ "وس ط " في تركيب لسان العرب عبارة عن أحد معنيين: إمّا عن الغاية في الجيد (٢).
وأمّا عن معنى يكون ذا طرفين نِسْبتُهُ إلى الطّرفين من جهتيهما سواء، وذلك يكون بالعدد والزّمان والمكان.
فأمّا الصّبح، فهي وسط في الزّمان، فإنّها زاهقةٌ عن ظُلمة اللّيل، مشرفةٌ على ضوء النّهار. وهي أيضًا وسطٌ في العدد؛ لانّها اثنتان، وللعدد طرفان: واحدٌ وأربعة. وهي وسطٌ في الفضل لأنّها مشهودَةٌ ويشاركها العصر؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى البَرْدَينِ دخلَ الجَنَّةَ" (٣) وصلاة الصُّبح في أولها، وهي وسطٌ في الفضل؛ لأنّها أثقل الصّلوات على المنافقين، ولقوله: "لو يعلمونَ ما في العَتَمَة والصُّبْح" (٤) وتشاركها فيه الْعَتَمَة، ولأنّها وسط في الفضل أيضًا، إذ مصلَّيها في جماعة كأنّما قام ليله، وهي خصيصةٌ لها لا يشاركها فيه واحدةٌ من الصّلوات.
وأمّا الظُّهر، فهي وسطٌ في الزّمان؛ لأنّها نصف النّهار، ووسطٌ في الفَضْلِ؛ لأنّها أوّل صلاة صُلَّيت، كما تقدَّم ذِكْرُهُ.
وأمّا العصر، فإنّها وسط في الفضل، فإنّها مشهودة، وبأنّها في أحد البَرْدَين، ولقول النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهم" خرَّجَهُ البخاريّ (٥)، وحديث البخاريّ (٦): "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسطَى صَلاَة العَصْرِ" وهذا نَصٌ، وقد تَأَوَّلَهُ
стр. 1020
بعضُهم بانها كانت وُسْطَى الثلاثة الّتي فاتتها، وهذا ضعيفٌ.
وأمّا المغرب، فإنّها وسطٌ في الزمان؛ لأنّها مفعولة (١) عن إدبار النّهار والإشراف على اللّيل، ولأنّها وسطٌ في العدد، ولأنّها وِتْرُ النّهار، والوِتْر أفضل من الشَّفع، والله وِترٌ يحبُّ الوِتر (٢)، ولأنّها جمعت أحوال الصّلوات كلّها حتىّ الجَهْر في القراءة والسَّرّ.
وأمّا العَتَمَة، فإنها وُسطَى في الفضل كما تقدم من فضائلها, ولأنّ الصّحيفة بها تُخْتَم كما تفتتح (٣) بالصُّبح، ولأنّها مصونة بالنَّهي عن الحديث بعدها برًّا بها.
وأمّا الجمعة، فإنّها وسط في الفضل لكثرة شروطها، وكثرةُ شروط الشَّيء دليلٌ على فضله، ولأنّها مخصوصةٌ بهذه الأُمّة.
هذا منتهى الإشارة إلى جماع الفضائل، فمن نظر إلى تعارض الأدلّة، قال: كلُّها وُسْطَى. ومنهم من قال -كما قلنا -: هي مخبوءةٌ ليحافظ على الكُلَّ.
قال الإمام: وإذا أردت أنّ تقف على الصّحيح في ذلك لسلوك مدرجة النّظر إليه، فاعلم أنّ حديث عائشة في "الموطَّأ" (٤) على أنّ القراءة الشّاذَّة لا توُجبُ عِلْمًا ولا عَمَلًا (٥)، وأمّا سائر الأدلّة في سائر الصذلوات فَبَيَّنَةٌ، وإنّما يكون الإشكال بَيْنَ الصُّبح والعصر، والصّبح أكثر فضائل منها حسب ما سطَّرناه قَبْلُ.
تنبيه (٦):
وربَّما توهّم أنّ قوله: "مَنْ تَرَكَ صلاةَ العصرِ حَبِطَ عَمَلُهُ" *مزيَّةٌ لها على غيرها، وهو وهم؛ لأنّ من ترك صلاة المغرب حِبَطَ عَمَلُهُ* (٧) على الوجه الّذي يحبط بترك صلاة العصر, وكذلك بترك سائر الصلوات، فقد بهذا كلّه أنّها الصُّبح، حسب ما
стр. 1021
ذهب إليه مالك، ولله دَرُّهُ، ما كان أرحب (١) ذراعه في النّظر واطِّلاعه على الأدِلَّة.
وقد (٢) استدلَّ القاضي أبو محمد عبد الوهّاب (٣) شيخ المالكية بهذه الأدلّة أنّها الصُّبح (٤)، لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥) والقنوتُ لا يكون إلّا في الصُّبح، وأنّها ركعتان لا نظير لها في سائر الصّلوات. وهذه مسألة عظيمة الخلاف، وربُّكَ إعلمُ بها.
الرُّخْصَةُ في الصَّلاةِ بالثّوبِ الواحدِ
الأسانيد في ذلك صِحَاحٌ. رأى عمر بن أبي سَلَمَةَ رسولَ الله ﷺ يُصَلِّي في بَيْتِ أُمِّ سَلَمِة مُشْتَمِلًا (٦)، يعني (٧) أنّه كان لباسه في صلاته تلك، وإنّما عَنَى بنَقْلِ ذلك؛ لأنَّ اللِّباس من أحكام الصّلاة، والكلام عليه فيه فصول:
الفصلُ الأوّل في كيفية اللِّباس والملبوس
أمّا الصورة والكيفية والهيئات، فإنّه ورد منها خمس هيئات (٨):
١ - الأُولَى: الالتفاعُ، وهو الاشتمال الّذي يستر فيه الرَّأْس.
٢ - والالتحافُ: وهو اللِّباسُ المطلَقُ من غير تفاريج.
٣ - والاشتمال: هو تعميمُ البَدَنِ بالملبوس، وهو على ضربين:
صمّاء.
стр. 1022
ومنفرج.
واختلف العلماء في تفسير "اشتمال الصَّمَاءِ".
- فقيل: هو أنّ يلبس الثَّوبَ ليستتر به، ويكون فَرْجه مُنْكَشِفًا (١).
والثّاني: أنّ تكون يداهُ تحته فلا يتّخذ (٢) لها مخرجًا.
والصّلاةُ في الأوّل لا تجوز، والنّهي فيه (٣) على التحريم. والنّهيُ في الثّاني على الكراهية؛ لأنّه ذريعة إلى أنّ يسقط الثّوب فينكشف الفَرْجُ، إلّا أنّ يكون تحته إزار أو سراويل، فإنّ النّهي يسقط حرامًا ومكروهًا. فإن كان ليس تحته ثوب، فليشتمل به على بَدَنِهِ، وليجعل طرفيه مخالفًا (٤) على عاتقيه (٥) وليعقده على عنقه، أو يفعل كما قال النّبىّ ﷺ لسَلَمَة بن الأكْوَع: "زُرَّهُ ولو بِشَوْكَةٍ" (٦).
٤ - فإن لم يجعل طَرَفَيه على عاتِقَيْه وشَدَّه تحت ذراعيه، فهو (٧) الاضطباع، افتعال من الضّبع.
٥ - فإن شَدَّهُ كذلك وهو جالسٌ من الرَّكبة إلى القَفَا، فهو الاحتباء.
الفقه (٨):
قال الإمام: وهذا تنبيهٌ على ستر العورة في الصّلاة. واختلف العلماء في ذلك: فرَوَى أبو الفَرَجِ عن مالكٌ؛ أنّ الْبَدَنَ كلّه عورةٌ في الصّلاة من الرِّجَالِ، وهي روايةٌ
стр. 1023
ضعيفةٌ؛ (١) لأنّه قد صلّى جابر (٢) في ثَوْبٍ واحدِ اتَّزرَ بِهِ وثيابُه على المِشْجَبِ، وقال لمن أنكر عليه: "إنمَّا فعلتُ ذلك لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ" (٣).
فعلى (٤) قول أبى الفَرَجِ؛ إنّ ستر العورة فرضٌ من فروض الصّلاة (٥)، وبه قال أبو حنيفة (٦)، والشّافعىّ (٧).
وقال إسماعيل القاضي: إنّها من سُنَنِ الصّلاة، وبه قال ابن بُكَيْر والأبْهَرِيّ.
المسألة الثّانية (٨): في التوجيه
فائدة الخلاف في ذلك؛ أنّا إذا قلنا: إنّها من فروض الصّلاة، بطلت بعدم ذلك. وإذا قلنا: إنّها ليست من فروض الصّلاة، أَثِمَ التّاركُ ولم تبطل.
ووجه القول الأوّل: الحديث المروي عن النّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا يَقبَلُ اللهُ صلاة حائضِ إلَّا بِخِمَارٍ" (٩).
ومن جهة القياس: أنّ هذه عبادة من شرطها الطّهارة (١٠)، فوجب أن يكون من شرطها ستر العورة، كالطواف بالبيت عريانًا، والصحيح أنّه فرض إسلاميّ جاء به صاحب الشَّرعِ.
стр. 1024
المسألة الثّالثة (١): في حدّ العورة
وقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأوّل: أنّ العورة الّتي يجب سترها: ما بين السُّرَّةِ إلى الرُّكْبة، هذا الّذي ذهب إليه جمهور أصحابنا (٢). وبه قال أبو حنيفة (٣)، والشّافعىّ (٤).
القول الثّاني: قال علماؤنا (٥): العورة القُبل والدُّبُر والفخذان.
القول الثّالث: رأى أهل الظاهر (٦) أنّ العورةَ القُبُل والدُّبُر خاصّة.
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور: قوله ﷺ : "غطِّ فَخِذَكَ فإنَّ الفَخِذَ عَوْرةٌ" (٧).
ومن جهة المعنى: أنّ هذا موضع سترة، فوجب أنّ يكون من السُّتْرَةِ كالقُبُلِ والدُّبُر (٨).
المسألة الرّابعة (٩):
قال الإمام: فإذا ثبت هذا، فقد رُوِيَ عن أبي حنيفة أنَّه قال: العورة على ضربين: مغلّظة، ومخفّفة. فالمغلّظة: هي القُبُل والدُّبُر. والمخفَّفَة: سائر ما ذكرنا أنّه من العورة (١٠).
стр. 1025
وقد قال مالكٌ: في "الواضحة": إنّه من صلَّى وفخذه مكشوفة، فلا إعادةَ عليه (١).
الرُّخصةُ في صلاة المرأة في الدِّرْع والخِمَارِ
الإسناد (٢):
قال الإمام: هذا حديث بلاغٌ، ويَتَّصلُ من حديث هشام بن عروة (٣)، وأمَّ سَلَمَة (٤).
تنبيه على إغفال:
قال الإمام: كان ينبغي لمالك ﵀ أنّ يُصَدَّرَ في صدر هذا الباب الأوّل (٥) الآية، قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٦) فلم يفعل، وكان من حقِّه أنّ يلحقها في هذا الباب الثّاني (٧). وفي هذه الآية لعلمائنا بدائع؛ لأنّه كنى بالمعاني لانه قال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ فالزِّينةُ: الأَرْدِيَةُ والثِّياب، والمساجدُ هي الصّلوات. وقد رأى ابن عمر نافعًا يُصَلَّي في ثوبٍ، فقال له: خُذْ عليك رداءك، فإنَّ اللهَ تعالى أحقّ من تجمل له (٨).
وقد كان بعض من مضَى من شيوخ الزُّهد من له ثياب مطوية لا ينشرها إلَّا إذا صلّى، فإذا فرغَ من الصّلاة أعادَهَا، ويقول: لقاءُ اللهِ أفضل حالة يزيّن لها.
الفقه في سبع مسائل:
الأولى (٩):
قوله في الحديث: "كَانَتْ تُصَلِّي في الدَّرعْ والْخِمَارِ" يقتضي أنّها كانت تقتصر عليهما.
стр. 1026
والنِّساءُ على ضربين: حُرّة، وأَمَةٌ.
فامّا الحُرّة فجسدُها كلّه عَوْرَة، غير وجهها وكفّيها. وذهب بعض النّاس أنّه يلزمها ستر جسدها (١).
واستدلَّ علماؤنا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الآية (٢)،- قالوا: الوجه واليدان، وعلى هذا أكثر أهل التفسير (٣). وممّا يدلُّ على ذلك: أنّ هذا عضوٌ يجب كَشْفُه بالإحرام، فلم يكن عورة كوجه الرَّجُلِ، وسائر ما ذكرناه من جَسَدِ الحُرَّةِ يجري مجرى عورة الرَّجُل في وجوبِ سَترهِ في الصّلاة.
المسألة الثّانية (٤):
قال علماؤنا (٥): وأَقَلُّ ما يجزئ لها الصّلاة فيه الدِّرْعُ الّذي يستر قَدَمَيْها (٦)، والخمار الّذي تَتَقَنَّعُ به.
والأفضلُ أنّ يكون تحت الثوبِ مئزرٌ، فإن لم تفعل أجزأها، قاله ابن حبيب (٧).
وإن التحفت في ثوب وصلَّتْ به وسَتَرَ منها ما يجب سُتْرتُه ولم (٨) تشتغل بإمساكه، فلا بأسَ به، وإن اشتغلت بِهِ فلا خيرَ فيه (٩).
المسألة الثّالثة (١٠):
أمّا الأَمَةُ، فقد رَوَى ابنُ حبيب عن أَصْبَغ؛ أنّها تستر ما يستر الرَّجُل، وعورتها
стр. 1027
من السُّرَّةِ إلى الرُّكْبَتَينِ (١). وقال ابن القاسم: تستر الأَمة في الصّلاة جميع جسدها (٢)
المسألة الرّابعة (٣): وهي إذا أعتقت في الصّلاة
قال ابنُ القاسم وغيره: تختمر في بقيَّةِ صلاتها وتجزئها.
وقال سحنون: تستأنف الصلاةَ، وكذلك العريان يجد الثَّوبَ في الصّلاة.
التّوجبه:
أمّا وجه (٤) قول ابن القاسم وغيره: أنّ سترَ العورةِ شرطٌ في صِحَّةِ الصّلاة (٥). ووجه قول سحنون: أنّ الصّلاةَ غير متبعِّضَة (٦)، فإذا لزم تغطية الرّأس في بعضها لزم في جميعها (٧).
المسألة الخامسة (٨):
إنّ كان الدِّرع والخمار خفيفين يصفان ما تحتهما، لم يجزئ (٩). ويُكْرَهُ الرَّقيق الصَّفِيقُ؛ لأنّه يلصق بالجسد فيُبْدِي ما تحته.
المسألة السادسة (١٠): "إذًا غَيَّبَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا" (١١)
هذا هَو مذهب مالك.
стр. 1028
وقال أبو حنيفة: ليس عليها أنّ تُغَيِّب ظهور قَدَميها (١)
والدليل على ذلك: أنّ هذا عُضوٌ لا يكشف للإحرام، فوجب على الحُرَّةِ (٢) ستره كالذِّراع والعَضُد.
المسألة السّابعة (٣):
وهي إذا صلَّت بادية الشَّعر أو الصَّدْر أو ظهور القَدَمَيْن، استحبّ لها أنّ تعيدَ في ذلك الوقت، وقد أَثِمَتْ لمخالفتها السُّنَّة إِنْ قصدت ذلك. وهذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أنْ يكون هذا على قول من رأى إعادة الصّلاة من كشف العورة، وقد رأى ابن القصّار (٤) أنّ تعيد الصّلاة من ذلك في الوقت، مع كونها عنده فَرْضًا.
الثّاني: أنّ يكون ذلك عنده (٥) أخفّ من كشف العورة.
المسألة الثّامنة (٦):
رُوِيَ عن مالك الفرق بينهما في الحُرّة يكون بجسدها عَيْبٌ أنّه ينظر (٧) إليه أهل البصر. فإن كان في العورة، لم ينظر إليه إلّا النِّساء، ولا ينظر إليها أهل البصر من الرِّجال (٨).
стр. 1029
الجمعُ بين الصَّلاتين فيى الحَضَر والسَّفَر
الإسناد (١):
الحديثُ صحيحٌ، مُتَّفَقٌ عليه (٢)، خَرَّجَهُ الأيمّة (٣)، وكلُّهم قال: كان ذلك في غزوة تَبُوك.
الأصول:
قوله: في هذا الحديث: "كَانَ يَجمَعُ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصْرِ" إنّما ذلك على وجه الرَّفْقِ بالمصلِّي (٤)، وذلك أنّ الله ﵎ نصب أوقات الصّلوات وَقْتًا يختصُّ بها ثمّ لمّا عَلِمَ من ضَعْفِ العباد وقِلَّة قدرتهم على الاستمرار في الاعتياد (٥)، وما يطرأ عليهم من الأعذار الّتي لا يمكلنهم دفعها عن أنفسهم، أرخصَ لهم في نقل صلاة إلى صلاة (٦)، وجمع المفترق منها، كما أذِنَ في تفريق الجمع أيضًا، رخصةً في قضاء رمضان إذا أفطَرَهُ لعُذرِ المرض والسَّفَر، وقد (٧) ثبت عن النَّبيِّ ﷺ ذلك.
وأطنب فيه مالكٌ، لأجلِ قول أبي حنيفة في أهل العراق (٨): إنّ الجمع بدعةٌ، وبابٌ من أبواب الكبائر؛ لأنّ فيه إخراج الصّلوات عن أوقاتها، تعلُّقًا بحديث ابنِ عبّاس
стр. 1030
الّذي خَرَّجَهُ التّرمذيّ (١) ومسلم (٢) أيضًا؛ أنّه قال: "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلاَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ".
والَّذي أوقَعَ أبا حنيفة في هذا أنّه رأى أصل الصّلوات ثبت من طريق التّواتر بالقرآن، والجمع من طريق الآحاد، فكيف ينسخ الآحادُ التَّوَاتُرَ؟ وهذا ضعيفٌ؛ لأنّه يقال له: كما ثبتت أوقاتُها كذلك ثبتت أعدادُها تواترًا، وأحاديثُ الجَمْعِ نقلته الكافَّة عن الكافّة، وثبتَ من كلِّ طريقِ وعلى لسان كلِّ فريقٍ، والجمعُ بين الصّلاتين نسخ للقرآن (٣) بالسُّنَّة؛ لأنَ القرآن جعلَ لها أوقاتًا معلومةً مخصوصةً بها، والسُّنَّة بَيَّنَتْهَا.
الفقه في ثمان مسائل:
المسألة الأولى (٤):
الأعذار الّتي تبيحُ الجمعَ أربعةٌ: سَفَرٌ وَمَطَرٌ، ومَرَضٌ وخَوْفٌ. والجمعُ إنّما يكون بين صلاتين بينهما اشتراك في الوقت (٥)، وأمّا كلّ صلاتين لا اشتراكَ بينهما فلا جمعَ.
المسألة الثّانية (٦):
وللجمع حالتان: حالةُ سفَرٍ، وحالةُ إقامةٍ.
وللإقامة حالتان: حالةُ مطَرٍ، وحالةُ مرضٍ.
فأمّا جمع المسافر: فمن رَحَل قبل زوالِ الشَّمسِ من منزله، أو قبل أنّ تغرب الشّمس، أخَّر الأولى إلى وقتِ الثّانية. ومَنْ رحلَ بعد زوال الشَّمس وبعد غروبها، قدَّم الثّانية إلى الأُولى.
стр. 1031
المسألة الثّالثة (١):
قال الشّافعيّ: الجمعُ في السَّفَر رُخصَةٌ متعلَّقةٌ بعين السَّفَر، سواءٌ ارتحلَ المسافِرُ أو أقامَ يومه في منزله، يجمع بين الصّلوات كلّها ويقصر (٢)، وهذا ضعيف؛ (٣) لأنّ صورةَ الجمع للمسافر إنّما وردت مع الرّحيل وجَدَّ السَّيْرِ، والرُّخَص لا يتعدَّى بها محلّها.
اعتراض في المسألة (٤):
فإن قيل: قد روي في الموطّأ (٥)؛ أنّ النَّبِيَّ ﷺ خرج فصلَّى المغربَ والعشاءَ، ولا يُعَبَّر بدَخَلَ ولا خَرَجَ إلّا عن حال المقيم، فأمّا المسافر فإنّما يقال فيه: ركبَ ونزلَ.
قلنا: هذه حكايته حال (٦) وقضية عينِ، فيحتمل أنّ يكون النّبيُّ ﷺ صلَّى الظّهر في آخر وقتها (٧)، ثمَّ أقام العصر فصلَّى (٨) في أوَّل وقتها، فيكونُ جَمْعًا من حيث الصُّورةُ لا مِن حيث المعنى، وكذلك رواهُ أشهب عن مالك كما أوردناه، وإذا احتمل هذا (٩) سقط الاحتجاج (١٠) به.
ومذهب أشهب أنَّ الجمع بين الظُّهر والعصر في الحَضَر، وحُجَّتُهُ: أنّ معاذًا قال في كون النَّبيُّ ﷺ في الخَيمَةِ: دخلَ وخرجَ فصلَّى المغرب. وحديثُ ابن عبّاس أيضًا (١١)؛ أنّ النّبيَّ ﷺ صلَّى سَبْعًا وثمانيًا بالمدينة وهي الظُّهر والعصر، والسّبع العشاءُ والمغربُ. فهذا جمع صورة. ويحتمل أنّ يكون ذلك لِغَيمٍ، فأخَّرَ لاستبراء الوقت.
стр. 1032
وأمّا الجمعُ من حيث المعنى والصُّورة، فما رواه معاذ بن جبل؛ أنّ النّبيَّ ﷺ جمعَ بينَ الظُّهر والعصر في سَفَرِهِ إلى تَبُوك (١).
المسألة الرّابعة (٢):
قال علماؤنا: والجمعُ على وجهين: إذا جدَّ به السَّير وكان راكبًا، جَمَعَ في آخر الوقت الظّهر أوّل وقت العصر. وإن ارتحل في أوّل الزّوال، أو جَدَّ به السّير جمع الصّلاتين في أوّل الوقت.
نكتةٌ أصولية:
وهي إذا اجتمع الوَصْفُ والسَّبَبُ، فاختلف أبو حنيفة والشّافعيّ في ذلك، فعند الشّافعيّ أنّه يبدأ بالسَّبب، وإليه يشير ابنُ القاسم. وأبو حنيفة يبدأُ بالوَصْفِ، وإليه ذهب ابن حبيب.
والكلام على هذا في مسألة (٣)؛ وذلك أنّ ابنَ القاسم يقول في الجمع ليلة المطر: إنه يؤخِّر الصّلاة قليلًا حتّى يدخل الظّلام، يريد بعد أنّ يدخل من السَّبَبِ شيءٌ , وهو الظّلام الّذي أَوْجَبَ الجَمْعَ.
وحُجَّتُه: أنّ الجمعَ لا يوجد إلَّا بعد وجود السَّببِ.
وابنُ حبيب يجمعُ بإثر ذلك -يعني أذان المغرب - لتكون الصّلاة في وقتها، ويُرَاعِي الوصف.
والصَّحيحُ قولُ ابن القاسم؛ لأنّ السَّبب يَعُمُّ الوصفَ، والسّبب والوصف لا يعمّهما.
وأعجب (٤) منهما أنّه رُوِيَ عن مالكٌ؛ أنّه يجمعُ المغرب والعشاء في المطر والطِّين في أوَّل الوقتِ (٥).
стр. 1033
ورَوَى ابنُ القاسم عن مالكٌ؛ (١) أنّه يؤخّر المغرب حتّى يكون الظّلام فيصلِّي حينئذٍ جَمعًا وينصرف، وعلى النّاس إسْفَارٌ.
والرَّوايةُ الأُولَى أصحّ؛ لأنّه إذا أَخَّرَ المغرب عن أوّل وقتها، وقلنا: إنّ لها وقتًا واحدًا، يكون قد أخرج الصّلاتين معًا عن وقتيهما، وسُنَّةُ الجمع أنّ يؤخّر (٢) الواحدة عن وقتها, ولا يطمئنّ إلى الجمع ولا يفعله إلّا جماعة مطمئنة النفوس بالسُّنَّة، كما أنّه لا يكيعُ عنها إلا أهل البداوة والجفاء.
المسألة الخامسة (٣):
أمّا المرلض، فإنه على ضربين:
أحدهما: أنّ يغلب (٤) على عقله إنْ أَخَّرَ العصر إلى وقتها المختار، أو يخاف مانعَا أو حُمَّى (٥) في وقتها.
والثّاني: أنّ يأمن ذلك، ولكنّه يشق عليه تجديد الطّهارة، ويخافُ من ذلك زيادة المرض.
فأمَّا الأوّل، فقد رَوَى ابنُ القاسم عن مالك (٦)؛ أنّ له أنّ يجمع عند زوال الشّمس، وإذا غربت المغرب والعشاء، ونحوه في "العُتْبِيّة" (٧) ولسحنون (٨) لا يجمع الّذي يخافُ أنّ يذهب أو يُغلَبَ على عقله، إلَّا في آخر وقت الظّهر.
ووجه ما قاله مالك: أنّ هذا احتياطٌ للصّلاة؛ لأنّ تأخيرها ربّما أَدَّى إلى تضييعها، وإذا جاز أنّ يقدِّمَ العصر مع الظُّهر إذا جَدَّ به السَّيْر، فإنّه يجوز له ذلك إذا خاف أنّ يغلب على عقله أَوْلَى (٩).
стр. 1034
المسألة السّادسة (١):
وهي إذا جمعَ قومٌ المغربَ والعشاءَ، ثم أَتَى رجلٌ المسجدَ بعد أنّ صلَّى في بيته، هل يصلِّي معهم أم لا؟ فقال أصْبَغُ وابن عبد الحكم: لا يعيدها (٢). وقال ابنُ القاسم (٣): يصلِّي معهم العشاء، ورُوِيَ عنه في "المبسوط " أنّه لا يصلّيها معهم، فإن صلّاها معهم، قال أَصْبَغُ وابن عبد الحكم: لا يعيدها (٤).
ووجه ذلك: أنّ هذا عندهم على الاستحباب لما قدّمناه من الاشتراك.
المسألة السّابعة (٥):
فإن وجدهم قد صلوا، فقال مالكٌ (٦): لا يصلّيها وحده في المسجد قبل الشَّفَقِ؛ لأنّ الجماعة الّتي أبيح لها تقديم الصّلاة قبل الشَّفَق قد فأتت، فيجب تأخيرها إلى وقتها. إلَّا أنّ يكون في مسجد مكَّة أو المدينة، فقال مالكٌ: يُصَلِّيها بعد الجماعة قبل الشَّفَقِ؛ لأنّ إدراك الصّلاة في هذه المساجد أعظم من إدراك فضيلة الجماعة.
المسألة الثّامنة (٧):
وهي إذا فرغ من المغرب (٨)، فهل يتنفَّل أحدٌ ممّن في المسجد؟ فعلى قولين:
قال ابنُ حبيب: من شاء تَنَفَّلَ.
وقال ابنُ نافع عن مالكٌ: لا يتنفَّل بعد العِشَاءين ليلة المطر، وعلى هذا هو العمل (٩).
تكملة:
والجمعُ في السَّفَر والأعذار رخصةٌ وتخفيفٌ، والجمعُ في المزدلفة بين الصلاتين سُنَّةٌ، والحمدُ لله.
стр. 1035
قَصْرُ الصّلاة للمسافر
الإسناد (١):
الأحاديثُ في هذا الباب صِحَاحٌ، خَرَّجَهَا الأيمّة. وهو بابٌ عظيمٌ اضطربَ النّاسُ فيه؛ لأنّ أحاديثه كثيرة، ومسائله متشعِّبَةٌ. وقد جمع العلماءُ فيه أوراقًا، ونصبوا للبيان فيه رِوَاقًا (٢)، فيها للطالب ظلٌّ وارفٌ، وكلُّ واحدٍ من علمائنا بها عارِفٌ، فنقول: لابدّ من مقدِّمات في سرد الأحاديث، وتفسير الآيات الواردة في القرآن في ذلك.
والأحاديث الواقعة في الموطّأ حديثان:
أحدهما: حديث عائشة (٣): "فُرِضتِ الصّلاةُ ركعتينِ ركعتينِ، فَأُقِرَّت صَلاَةُ السَّفَرِ، وزيدَ في صلاةِ الحَضَرِ".
الحديث الثّاني: حديثُ يَعْلَى بن أُمَيَّهَ (٤)؛ قال لعُمَرَ بن الخطّاب: إنَّا نَجِدُ صَلاةَ الحَضَرِ في القرآنِ وصلاة الخَوفِ، ولا نجدُ صلاةَ السَّفَرِ فقال له عمر: سألتُ رسولَ الله ﷺ : كَمَا سَأَلتَنِي فَقَالَ: "هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". والحديثُ الّذي ذَكَرَهُ مالكٌ (٥)، عن ابن شهاب، عن رَجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ؛ أنَّه سأَلَ ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنَّا نَجِدُ صلاةَ الخَوْفِ. الحديث.
تنبيه على إسناده:
قال الشّيخ أبو عمر (٦): "لم يختلف رُواةُ الموطّأ في إسناده، والرَّجُلُ الّذي لم يسمِّه هو أُمَيَّة بن عبد الله (٧) بن خالد بن أَسِيد بن أبي العيص بن أُمَيَّة بن عبد شمس بن
стр. 1036
عبد مناف. وقد أقام إسناده جماعة من رُوَاةِ ابن شهاب وسمّو الرَّجُل، منهم: معمر، ويونس، والليث" (١).
التفسير (٢):
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٣)، اعلموا أنّ ظاهر القرآن يقتضي أنّ القَصْرَ مشروطٌ بالخَوْفِ والسَّفَر، فَبّيَّنَ عمر بن الخطّاب عن رسول الله ﷺ أنّ القصرَ مع الأمْن في السَّفَر صدقةٌ من الله، ثبتت (٤) بفعل رسول الله عيَهتَ حين كان يقصر الصّلاة وهو مسافرٌ خائفا وآمِنًا. وإلى هذا السَّفَر أشار عبد الله بن عمر (٥) في جوابه لأسِيد حين قال له: "إنّ اللهَ بعثَ إلينَا محمَّدًا ونحنُ لا نَعْلَمُ شَيئا، فإنّما نفعلُ كما رأيناهُ يفعلُ". إلَّا أنّ الإشكالَ الأكبر ما رواه مسلم (٦) عن ابن عبّاس؛ أنّه قال: "فرَضَ اللهُ الصلاةَ على لسانِ نبِيِّكُم في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ وَاحِدَةٌ". قال علماؤنا: هذا الحديث مردودٌ بالإجماعِ.
جواب: إنّ هذا الخبر لمِ يُخبِر به ابن عبّاس عن النّبيِّ ﷺ (٧)، وإنّما أخبر به عن الله والدِّين، فيحتملُ أنّ يكون أَخَذهُ من ظاهر القرآن؛ لأنّه قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (٨) فخاطبَ المسافرينَ الّذين صلاتهم ركعتان بالقَصْرِ لِعِلَّةِ الخوف، فلابدّ أنّ تكون واحدة.
وأمّا حديث عائشة (٩): "فُرِضتِ الصَّلاةُ ركْعَتَيْنِ" فأجاب عنه علماؤنا بخمسة أوجه:
أحدها: - أنّها لم تخبر بذلك عن النّبي ﷺ ، وإنّما أخبرت عن حال قد يدركها كل أحَدٍ (١٠)؛ لأنّ المسافر فَرْضهُ ركعتان، والمقيم فَرْضُه أربع، وهذا ثابتٌ في الدِّين قطعًا.
стр. 1037
فإن قيل: لو كانت مخبرة عن حالٍ ولم تستند من النَّبيِّ (٢) إلى مقالٍ، لما كان في ذلك فائدةٌ؛ لأنّ كلَّ أحدٍ كان يعلم ما ذَكَرَت، وهي كانت أَفْقَه من ذلك.
قلنا: رَوَى الدَّارقطنى (١)؛ أنّها - رضوان الله عليها - سافرت مع النّبيِّ ﷺ فأتَمتْ، والنّبيُّ (٢) يقصرُ مع غيرها، وصَامَتْ والنّبيُّ ﷺ يفطر، وإنّما هذا كلّه تخريجٌ على أنّ المسافر هل يجوز له أنّ يصلِّي أربعًا أم لا؛ وهي مسألة خلافٍ مشهورةِ، والأدلّة فيها كثيرة، وعُمدَتُها: أنّ المسافر عندنا فَرْضُهُ التَّخيير بين الاثنين والأربع، إلَّا أنّ القَصْرَ له أفضل؛ لمواظبة النَّبيِّ ﵇ عليه، ولِفِعْلِ الصّحابة. وقد أتَمَّت عائشة في السَّفَر (٣)، وأتَمَّ عثمان في السَّفَر (٤).
وقد رَوَى أنس بن مالكٌ عن النَّبيِّ ﷺ انه قال: "أَمَا عَلِمتَ أنَّ اللهَ وَضَعَ عن المسافِر الصَّوم وشَطرَ الصَّلاةِ،" (٥) فنَصَّ ﵇ على أنّ الأربع أَصْلٌ، وأن صلاةَ السَّفَر حطٌّ من الأصل. وهذا أَوْلَى من حديث عائشة؛ لأنّه لفظ النّبيِّ ﷺ لا يحتمل تأويلًا، وحديثُ عائشة إخبارٌ منها، والله أعلم كيف تَلَقَّنَتْهُ؟ ومن أين تَلَقَّنَتْهُ؟ وهذا أيضًا يحتملُ التَّأويلَ.
والنكته القاطعة عليهم في حديث عائشه هي: أنّ الرّاوي إذا رَوَى بخلافِ ما يفعل، سَقَطَ كلامُهُ، ولا يُعُمَلُ بِفِعْلِهِ أصلًا.
التفسير الحسن والتّأويل القويّ في قوله:
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (٦)
стр. 1038
الأحكام:
قال الإمام: الضَّربُ في الأَرْضِ هو السَّفَر (١). وينقسم على أقسام:
الأوّل (٢):الهجرة
وهي الخروجُ من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فَرْضًا في أيّام النّبيَّ ﵇، وهذهَ الهجرةُ باقيةٌ إلى يوم القيامة، والّتي انقطعت بالفَتْحِ، هي القَصْدُ إلى النّبيِّ ﷺ حيث كان، فمن أسلم وكان في دار الحربِ، وجبَ عليه الخروج إلى دار الإسلام.
قال القاضي أبو الوليد (٣): "الأسفارُ تنقسم على خمسة أقسام:
الأوّل: سَفَرٌ واجبٌ.
والثّاني: سَفَرٌ مندوبٌ إليه.
الثّالث: سَفَرٌ مباحٌ.
الرّابع: سَفَرٌ مكروةٌ.
الخامس: سَفَرٌ محظورٌ.
أمّا الثّلاثة، فلا يجوز القَصْر فيها، وإنّما يجب في السَّفَر الواجب والمندوب بلا خلاف في قَصْر الصّلاة فيهما" (٤).
стр. 1039
الثّاني (١): الخروج من أرض البدعة
قال ابنُ القاسم: سمعتُ مالكًا يقول: لا يحلُّ لأحدِ أنّ يقيم بأرضِ يُسَبُّ فيها السَّلَفُ (٢). وهذا صحيحٌ؛ لأنّ المنكر إذا لم يُقْدَرْ على تغييره لم (٣) يقم في تلك الأرض.
القسم الثاّلث (٤): الخروج من أرضٍ غلبها الحرام
فإن طَلَبَ الحلالِ فَرْضٌ على كلً مسلمٍ. وقد قيل في قوله ﷺ : "طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ" (٥) أنّه طلب علم الحلال من الحرام.
القسم الرّابع (٦): الفرار من الإذاية في البدن (٧)
وذلك واجبٌ على المؤمن (٨) إذا خَشِيَ على نفسه في موضعِ فَرَّ منه إلى موضع آخر، فقد أَذِنَ اللهُ في الخروجِ عنه والفرار بنفسه. وأوَّلُ من فعلَ ذلك الخليل إبراهيم ﵇ لَمَّا خافَ من قومه، قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (٩) وكان بعده موسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا﴾ الآية (١٠).
وله نظائر كثيرة، وتلحق (١١) به، وهو:
стр. 1040
الخامس (١):
خوف المرض في البلاد الوَخِيمَةِ (٢)، والخروج منها إلى أرض النُّزْهَةِ، وقد أَذِنَ اللهُ للنّبيَّ ﵇ في الدُّعاء حين اسْتَوخَمُوا (٣).
السّادس (٤): الفرارُ خوف الإذاية في المال
فإن حُرمَةَ مَالِ المسلم كحرمةِ دَمِهِ، وهذا قسم الهرب، وأمّا قسم الطَّلَبِ، فينقسم إلى قسمين: طلبُ دِين، وطلب دُنيا.
فامّا طلب الدِّين، فيتعدّدُ بِتَعَدُّدِ أنواعه، ؤلكن أمّهاته الحاضرة الآن في الخاطر (٥) سبعة:
الأوّل: سَفَرُ العْبرَةِ. قوله سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٦).
ويقال: إنّ ذا القرنين إنّما طاف (٧) ليرى عجائبها. وقيل: لينفذَ الحقَّ فيها.
الثّاني: سَفَرُ الحجِّ. والأوَّلُ وإن كان نَدْبًا فهذا فَرْضٌ، وقد بيَّنَّاهُ في موضعه.
والثّالث: سَفَرُ الجهاد، وله أحكامٌ كثيرة يأتي إنّ شاء الله بيانها في "كتاب الجهاد".
الرّابع: سَفَرُ المعاش؛ فقد يتعذَّر على المرء معاشه مع الإقامة، فيخرج في طلبه لا يريد غيره ولا يزيد عليه، وهو فَرضٌ عليه.
الخامس: سَفُر التجارة والكَسبِ الكثير الزّائد على القُوتِ، وذلك جائزٌ بفضل الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٨) يعني التِّجارة، وهذه نعمةٌ.
стр. 1041
السّادس: في طلب العلم والرِّحلة، وهذا مشهور.
السّابع: السَّفر لفضل (١) البُقّعِ الكريمة، وذلك لا يكون إلَّا في نوعين:
أحدهما: المساجدُ الثّلاثة، لقوله: "لا تُشَدُّ الرَّحَالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجد" (٢).
الثّاني: في الثَّغور للرِّباطِ بها، وتكثُرُ الشَّواهدُ عليه (٣)، وله فضلٌ كثيرٌ وأجرٌ عظيمٌ، يأتي بيانُه في "كتاب الجهاد" إنّ شاء الله.
الثّامن: السَفَر في زيارة الاخوان والأولياء في الله تعالى، وله شواهد كثيرة، وآثارٌ حِسَانٌ، يأتي بيأنّها في "كتاب الجامع" إنّ شاء الله.
الفقه في ست مسائل:
المسألة الأولى (٤):
اختلف العلماءُ في قَصْرِ الصّلاة للمسافر مع الأَمْنِ، على أربعة أقوال:
أحدها: أنّ القصر لا يجوزُ.
والثّاني: أنّه واجبٌ فَرْضًا (٥).
الثاّلث: أنّه سُنَّةٌ مسنونَهٌ من السُّنَنِ المشهورة.
الرّابع: أنّه رُخصَةٌ وتوسِعَةٌ.
واختلف الذين، رأوه رخصةً وتوسعةً في الأفضل من ذلك:
فمنهم من رأى القصر أفضلَ.
ومنهم من رأى الإتمام أفضلَ.
ومنهم من تَحَرَّى الأمرين (٦) من غير أنّ يفضِّلَ أحدهُما على صاحبه.
والأصل في اختلافهم في فَرْضِ الصّلاة كيف فُرِضَتْ؟
стр. 1042
المسألة الثّانية (١):
اختلفَ العلماءُ في القصرِ الّذي رفعَ اللهُ الجُنَاح فيه بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٢)، على خمسة أقوال:
الأوّل: أنّه أراد به القصر من طُولِ القراءة والرّكوع والسّجود، دون أنّ ينقص من عدد الرَّكعات عند الخوف قبل أنّ تنزل صلاة الخوف.
والقولُ الثّاني: أنّه (٣) القصر من حدود الرَّكعات (٤) بصلاتهم إيماءًا إلى القِبْلَةِ، وإلى غير القبلَةِ عند شِدَّةِ الخوف والتحام الحرب، كقوله في آية البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٥).
والقولُ الثّالث: أنّه القصر من أربع ركعات إلى ركعتين عند الخوف.
الرّابع: أنّه القصر من ركعتين إلى ركعة عند الخوف، وعلى هذا يأتي ما رُوِيَ عن رسول الله ﷺ ؛ أنّه صَلَّى بكلِّ طائفةٍ ركعة ولم يقضوا (٦)(٧).
والخامس: أنّه القصر من أربع إلى ركعتين في السَّفَر من غير خوفٍ، على ما رُوِيَ عن علي بن أبي طالب؛ أنّه قال: سأل قومٌ من التُّجَّارِ رسول الله ﷺ : إنَّا نضربُ في الأرض، فكيف نصلِّي؟ فأنزلَ اللهُ : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وانقطعَ الوحيُ، فلمّا كان بعد ذلك بحَوْلٍ، غَزَا رسولُ الله ﷺ فصلَّى الظُّهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمدٌ وأصحابُه منَ ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إنّ لهم أخرى مثلها في إثرها. فأنزل اللهُ بين الصّلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية (٨)، فنزلت في صلاة الخوف (٩). ومن هنا قال بعض
стр. 1043
العلماء: إنّ القصر مشروط بالخوف. قال أبو جعفر الطَّبري (١):" وهذا تأويلٌ حَسَنٌ في الآية، صحيح لو لم يكن في الكلام "إذا"؛ لأنّ "إذا" تؤذن (٢) بانقطاع (٣) ما بعدها على معنى ما قبلها" (٤)، وسيأتي الكلام عليه في صلاة الخوف إنّ شاء الله.
والقصر في الصّلاةِ فَرْضٌ عند أبي حنيفة (٥)، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي وجماعة كثيرة، وأبو بكر (٦) بن الجهم (٧)، ورأيتُ لمالك من رواية أشهب عنه؛ أنّ فرضَ المسافر ركعتان، وذلك خلاف ما حكاهُ عنه ابن الجهم (٨).
تفريع في خمس مسائل:
المسألة الأولى: في حد القَصْر
فعن مالك ﵀ في ذلك أربع روايات:
إحداها: يومٌ وليلةٌ.
الثّانية (٩): يومان.
الثّالثة (٢): فستة وثلاثون مِيلًا.
الرّابعة (٢) - وهو الظّاهر-: ثمانية وأربعون مِيلًا.
وقال الشّافعيّ (١٠) وأحمد وإسحاق والثّوريّ: لا يجوز القصر إلّا في سَفَر ثلاثة أيّام، ورُوِيَ ذلك عن ابن مسعود وسُوَيْد بن علقمة وابن جُبَيْر والنَّخَعىّ.
стр. 1044
وقالت جماعة أخرى: تُقصَرُ الصّلاةُ في قليل السَّفَر وكثيره، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الاَية (١) وهذا عامٌ، وقال قوم: ليس بعامٍّ، وإنّما هو مُجْمَلٌ.
قلنا: لا نُسَلِّم أنّه من باب المُجْمَلِ؛ لأنّ المُجْمَلَ ما لا يفهم المراد منه من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره، مثل قوله: ﴿وَءَاتُواحَقَّهُ يَومَ حصاده﴾ (٢).
وأمّا (٣) مذهب مالكٌ أنّه قال: يوم وليلة، فرَوَى ابنُ القاسم أنَّه رجع عنه.
وقال ابن حبيب: تُقصَرُ في أربعين مِيلًا، وهو قريب من أربعة بُرُدٍ. ورَوَى أشهب عن مالكٌ القصر في خمسة وأربعين مِيلًا.
ورَوَى ابنُ القاسم أنّه من قصرَ في ستّة وثلاثين مِيلًا أنّه لا يعيد.
وقال ابنُ الموَّازِ عن ابن عبد الحَكَم: إنه يعيد في الوقت، فإن قَصرَ في أقلّ من ذلك أَعَادَ أَبَدًا.
وقال أبو حنيفة: لا تُقصَرُ الصّلاة في أقلّ من مسيرة ثلاثة أيّام (٤).
المسألة الثّانية (٥):
إذا ثبت هذا من مراعاة المسافات في الْبَرِّ، فإنّ حُكمَ البحر في ذلك كحُكمِ الْبَرِّ، فإن كان السَّفَر بَرٌّ وبَحْرٌ، فقد قال ابن الماجِشُون: إنّ كان في أقصاه باتِّصال الْبَرّ والبحر مسافة القصر قصر.
وقال ابن الموّاز: إنْ لم يكن في الْبَرِّ مسافة قَصْرٍ (٦)، وكان المركب لا يبرح إلّا بِالرَّيح، فلا يقصر في الْبَرِّ حتّى يركب البحر ويبرز عن الْبَرِّ بشيءٍ (٧)، وإن كان يجري بالرَّيح وغيرها، فليقصر من حين يخرج بالبرّ (٨).
стр. 1045
قال الإمام (١): وأهلُ البحر في ذلك بمنزلة أهل البرّ، وقد قيل: لا يقصر أهل البحر إلَّا في مسافة يوم وليلة.
المسألة الثّالثة (٢):
ذهب مالك ﵀ إلى أنّ المسافر لا يقصر حتّى يجاوز بيوت القرية، والتّجاوزُ عنده هو ألَّا يكون أَمَامَهُ ولا عن يمينه ولا عن يساره منها شيءٌ، وهو المشهور عنه من رواية ابنِ القاسم.
وقال ابن الماجِشُون (٣): لا يقصر حتّى يجاوز بيوت القرية بثلاثة أميال، وأمّا ما كان من القرى الّتي لا يجمع فيها، فإنّه يراعى الحيطان والجدران (٤).
المسألة الرّابعة:
وهو أنّ يكون سَفَرُهُ من شَرْطِهِ أنّ يكون وجهَا واحدًا، يريد الإتمام (٥) أربعة بُرُدٍ.
فرعٌ غريبٌ:
وهو مُشْرِكٌ خرجَ إلى سَفَرس يقصرُ المسلمُ في مِثلِهِ، فلمّا مَشَى شيئًا من الطّريق أسلمَ، هل يقصر أم لا؟ ففي ذلك قولان:
قيل: لا يقصر؛ لأنّه لم يبق له من الطريق ما يقصر في مِثْلِهِ، فإنْ بَقِيَ له وجبَ عليه.
وقيل: إنه مخاطَبٌ بفروع الشّريعة (٦)، فيجب عليه القصر من حين خروجه، وهذا ضعيفٌ، والصّحيحُ أنَّه لا يقصر في ذلك السَّفَر.
فرعٌ ثانٍ:
مسافرٌ صلَّى خَلْفَ مُقِيمٍ، فيه ثلاثة أقوال:
قال مُطَرِّف: لا يجوز ذلك لمسافر إلَّا في الأمصار الكبار، مراعاةً لفضلِ كَثْرَةِ الجماعة فإنّه يجوزُ.
стр. 1046
القولُ الثّاني - قيل: إنّه يصلَّي وراءه ركعتين ويجلس حتّى يتم الإمامُ المقيمُ ويسلَّم ويسلِّم.
القولُ الثّالث - قيل: إنه يُتِمُّ معه؛ لأنّه دخل في حُكمِهِ.
وفيه قولٌ رابعٌ - قيل: يصلِّي معه ويعيدُها سَفَرِيّة، والنّكْتة أيضًا في قول ابن عمر: "لو صَلَّيتُ النَّافِلَةَ في السَّفَرِ لأَتْمَمْتُ صلاَتي" (١) فهو منه فقهٌ حَسَنٌ؛ لأنّ القَصرَ إنّما هو للتّخفيفِ، ولذلك يقول النّاسُ عن عبد الله بن عمر: إنّه لا يرى النّافلة في السَّفَرِ.
فرعٌ ثالثٌ:
إذا صلَّى المسافرُ الجمعةً في قريةٍ من عَمَلِه لا تجبُ فيها الجمعة، فصلاتُه وصلاةُ المسافرين جائزةٌ، ويُتمُّ أهل الحَضَرِ صلاتهم ظهرًا أربعًا، وليس عليهم أنّ يعيدوا، قاله ابن عبد الحكم. وقال ابنُ القاسم: يُعيدون كلّهم صلاتهم في الوقت.
فرعٌ رابعٌ:
إذا نَوَى أربعًا ثم سَلَّمَ من ركعتين، قال في "الكتاب" (٢): لا يُجزئه؛ لأنّه قد لزمه الإتمام بدخوله فيه بنية الإمام، واختلف فيه ابن القاسم.
فرع خامس:
إذا نوى ركعتين ثم أتَمَّ أربعًا، يعيدُ في الوقت؛ لأنّ نيته لزيادة العدد لم تتقدَّمه نيةٌ.
فرع آخر:
إذا نوى الأربع فصَلَّى (٣) ثلاثًا، لَزِمَهُ الأربع؛ لأنّ الثّلاثة لم تشرع قطّ.
فرع آخر:
إذا صلّى ونوى أربعًا جهلًا منه، فظَنَّ أنّ صلاة الحَضَر والسَّفَر سواءٌ، مضت صلاته على قول الاختيار، وأعاد في الوقت على قول من راَهُ سُنَّة.
стр. 1047
صلاةُ المسافر إذا كان إمامًا
في هذا الباب مسائل:
المسألة الأولى (١):
"كانَ عمرُ إذا قَدِمَ مكَّةَ صلّى بهم ركعتين" (٢) لأنّه كان لا يستوطن مكَّةَ، وإن أقام اليومين والثّلاثة؛ لأنّ المهاجر ممنوعٌ من استيطإنها؛ لأنّه (٣) قد هجرها لله تعالى، فكان حُكمُهُ فيها حكم المسافر.
تنبيه على إشكالٍ (٤):
قال الإمام: وقع الإشكال الّذي هذه الإقامة بمكّة، وإنَّي لأعجب من قول ابن عبَّاس- مع سَعَةِ عِلْمِهِ وتَبَحْبُحِهِ في الأخبار والآثار-: أقام رسول الله ﷺ بمَكَّةَ خمسة عشر يومًا يقصرُ الصّلاة، فنحنُ إنّ أقَمْنَا خمسة عشر يومًا قصرنَا، وإنْ زِدْنَا أَتممْنَا (٥). ورُوِيَ سبعة عشر يومًا (٦)، وإقامةُ النّبيِّ ﷺ في هذه المرة لم تكن بنيّة الإقامة، وإنّما كان متوكِّفًا للرّحيل مُتَشَوِّقًا إلى القفول، والعوارض تلويه، حتّى تجرَّدَ عنها. ومَنْ أقام على هذه الحال سَنَة قصر الصّلاة، لكن مالكًا ﵀ رأى حديث النّبيّ ﷺ :"يمكثُ المهاجرُ بمكَّةَ ثلاث ليالٍ" (٧) فركّب عليه.
وجهُ التَّركيبِ (٨):
وذلك أنّ الله حرم على المهاجرين الإقامة بمكَّة؛ لأنّهم تركوها لئه، فلم يجز الرُّجوع فيها، كما لا يجوز الرّجوع في الصَّدَقَةِ. فلمّا اْذِنَ النَبيُّ ﷺ لهم في ثلاثة أيّام
стр. 1048
بعد قضاء الحَجِّ، دلَّ على أنّ الثلاثة ليست في حُكْمِ الإقامة المحرَّمَة، فعدلَ عن هذا الحديث وترَكَهُ؛ لأنّه من رواية الوحْدَانِ، واللهُ أعلم.
وسمعتُ بعض علماء المالكية وأحبارها يقول: إنّما كانت الثلاثة الأيام خارجة عن حُكْمِ الإقامة؛ لأنّ الله تعالى أَرْجَأَ فيها مَنْ أنزلَ به العذاب وتيقَّنَ الخروج عن الدُّنيا، فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية (١). وأدخل (٢) قول سعيد بن المسيَّب: "مَنْ أَجْمَعَ إقَامَةَ أربعة أيّامٍ (٣) وهو مسافرٌ، أتَمَّ الصّلاَة" إذ لم يجد أَنصَّ منه في الغَرَضِ، وإن كان ليس بحُجَّةٍ يُتَوَسَّل به إلى طلب الحُجَّة.
تكملة (٤):
لم يختلف العلماء في مكثه عام الفتح بمكَّة ﵇، واختلفوا في قَدْرِ ذلك على أقوال:
القول الأوّل: ما ذكره مالكٌ (٥)، وقوله (٦): "أَحَبُّ ما سمعتُ إِلَيَّ في ذلك" لأنّه سمع الخلاف فيه.
القول الثّاني: قال الشّافعيّ (٧): إنّ عزم أنّ يقيم بموضع أربعة أيّام ولياليهنّ أَتَمَّ الصّلاة، ولا يجب ذلك يوم نزوله.
وأسند أبو بكر بن أبي شَيبَة في مُسْنَدِه (٨)، عن ابن المسيَّب قال: إذا أجمعَ الرَّجُلُ إقامةَ خمسة عشر أتَمَّ الصّلاة، وهو حديثٌ صحيحُ الإسناد.
وقال اللَّيث: إنّ نَوَى إقامة خمسة عشر فما دون قَصرَ، وإن نَوَى أكثر من ذلك أَتَمَّ الصّلاة، وزعم أنّ رسول الله ﷺ لم يقصر، مقيمًا في سَفَرِهِ أكثر من هذه المدّة، فمن زاد عليها شيئًا لَزِمَهُ الإتمام.
стр. 1049
قال الإمام: وهذا لَعَمرِي وجهٌ لو لم يختلف في مقامه ﵇ عام الفتح بمكّة.
وفيه قول آخر عن ابن المسيَّب؛ أنَّه قال: إذا أقمت ثلاثًا فأتم الصّلاة (١).
وفيها قولٌ سادس؛ قال أحمد بن حنبل (٢) وداود، ورواه ابن حنبل عن عائشة وجابر، عن النّبيِّ ﵇؛ أنّه قَدِمَ مكَّةَ صَبِيحَةَ رابع من ذي الحجّة. قال أحمد ابن حنبل: وقد أزمعَ رسولُ الله ﷺ على مقامِ أَربعة أيّام فقصر، فمن زاد على ذلك فإنّه مُقِيمٌ يُتِمُّ.
صلاةُ الضُحَى
مالك (٣)، عن موسى بن مَيسَرَةَ، عن أبي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيل بن أبي طالب؛ أنّ أُمَّ هانئ بنتَ أبي طالبِ، أَخْبَرَتهُ؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ صَلَّى عامَ الفتحِ ثمان (٤) ركعاتٍ، مُلتَحِفًا في ثوبٍ واحدٍ.
الإسناد:
قال: أصحُّ شيءِ في هذا الباب حديث أم هانئ هذا (٥)، والصّحيحُ (٦) في أبي مُرَّة أنّه مَوْلَى عَقِيل كما قال مالكٌ. ولكنّه يقال فيه مولى أمّ هانئ. واسمه يزيد، واسم أم هانئ فاختة.
تنبيه على وهم (٧):
أمّا قولُ الشّارحين للحديث: "أصحُّ شيءِ في هذا الباب حديث أمّ هانئ" فإنّ
стр. 1050
تلك الصّلاة لم تكن صلاة الضُّحى، ولا كان المقصود بها الضُّحَى، إنّما كان المقصود بها شكر الله تعالى على ما وهب من الفتح وجَميلِ الصُّنْعِ والعافية والنَّصْرِ.
وقد صحَّ في صلاة الضُّحَى أحاديث صِحَاحٌ، وأقلُّها ركعتان (١).
تنبيه على تفسير بديع:
قال علماؤنا: إنّ صلاة الضُّحَى كانت صلاة الأنبياء ﵈ قبل محمّد (٢)، قال الله تعالى مخبرًا عن داود ﵇: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (٣).
العربيّة (٤):
قال الإمام: الضُّحَى- مقصور مضموم الضّاد-: هو طلوعُ الشّمسِ. والضُّحاء ممدود مفتوح الضّاد هو إشراقها وضياؤها.
قال الشاعر (٥):
أعْجَلَهَا أقْدُحِيُّ الضَّحَاءَ ضُحًى ... وهي تُنَاصِي (٦) ذَوَائِبَ السَّلَمِ
يصف إبلًا ضرب عليها بالمسير ضُحى، فقمرها ونَحرَها قبل أنّ تبلغ الضُّحى.
قاعدة في سرد الأحاديث الواردة في هذا الباب:
وهي ثمانية أحاديث، وهي آثار حسان مرغوب فيها (٧)، وفيها فضلٌ كثيرٌ.
الحديث الأوّل: حديث أم هانئ المتقدِّم.
стр. 1051
الحديث الثّاني: الّذي في مسلم (١)، قال النَّبيُّ ﷺ : "على كلَّ سُلَامَى من أَحَدِكُم صَدَقَةٌ، فكلُّ تسبيحة صَدَقَةٌ، وكلُّ تحميدةِ صَدَقَةٌ، وكلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صَدَقَةٌ، والأمرُ بالمعروفِ صَدَقَةٌ، والنَّهيُ عن المنكرِ صَدَقَةٌ، ويُجْزئ من ذلك رَكعَتَا الضُّحَى".
الحديث الثّالث: وقع في سنن أبي داود (٢)، عن أبي هريرة؛ أنّه قال: "أَوْصَاني خَلِيلي أبو القاسم ﷺ بثلاثٍ: صوم ثلاثة أيّامٍ من كلِّ شَهرٍ، وألَّا أنام إلَّا على وِتْرٍ، ورَكعَتَي الضُّحَى".
الحديث الرّابع: روى الأعمش، عن ثابت، عن أنس، قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا أنس، صَلِّ صلاة الضُّحى فإنها صلاة الأوَّابِينَ" (٣) وإليه الإشارة إلى الاقتداء بداود ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ الآية (٤).
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة قال: "من حافَظَ على صلاة الضُّحَى غفرت ذنوبه" (٥).
الحديث السادس: رُويَ من حديث زيد بن أرقم، قال خرجَ على أَهلِ قباء وهم يصلُّونَ الضُّحَى فقال: "صلاة الأوَّابِينَ" (٦).
الحديث السّابع: في الأخبار الواردة "أنّ للجنَّةِ بَابًا يسمَّى باب الضُّحَى، لا يدخله إلَّا مَنْ دَاوَمَ على صلاة الضُّحَى" (٧). وهو ضعيفٌ، لكنّه حَسَنٌ في الباب في معنَى التَّرغيبِ.
الحديث الثّامن: عن أبي أيّوب الأنصاريّ، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى
стр. 1052
أربع ركعات عند زوال الشَّمس. فسألته عن ذلك. فقال: "يا إنّ أيوب إنّ أبوابَ الجنَّةِ تفتح عند زوال الشَّمسِ، فأحبّ أنّ يصعد لي في تلك السّاعة خير" قال: قلت: يا رسول الله، نفصلُ بينها بسلام أو كلام؟ قال: "لا" (١).
ذكر الفوائد المتعلِّقة بهذا الحديث:
وهي أربع عشرة فائدة:
الفائدة الأولى:
رُوِيَ أنّه صلَّى بالاتِّفاقِ (٢) لا بالقَصْدِ. وقد اخْتُلِفَ في حديث أمِّ هانئ، فرُوِيَ أنّ ذلك كان في بيتها، ورُوِيَ أنّها قالت: جئت رسول الله ﷺ وهو بالأبطَح يغتسل في قُبَّهٍ له، وابنته فاطمة تستره، فعاجلتُهُ بالكلام قبل أنّ يكمل غسلَهُ، وكلَّمَهَا النّبيُّ ﷺ في تلك الحالة (٣). وإذا كان الرَّجُلُ على حاجةٍ لايتكَلَّم ولا يُكَلَّم. وإذا كان في غسلهِ ووضوئه، فقد رُوِيَ أنّ الافضلَ ألَّا يتكلَّم. وحديث أم هانئ أصَحّ.
الفائدة الثّانية (٤):
فيه من الفقه: الاغتسال بالعَرَاء إلى سُتْرَةٍ؛ لأنّ اغتسالَهُ ذلك كان منه وهو بالأبطَح، وفيه كان نزوله يومئذٍ.
الفائدة الثّالثة:
قوله (٥): "مَنْ هَذهِ؟ فقالت: أم هانئ. فقصَّتْ عليه القِصَّة، فقال لها رسول الله ﷺ : قد أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أمَّ هَانِيء" اختلف العلماء في أمان المرأة، وفي هذا ردٌّ على أشهب، وذلك أنّه يرى إجارة المرأة المشرك لا تجوز، إلَّا أنّ يجيزها الإمام، وجوّزها ابن القاسم. وأمّا الأيمّة قال بعضهم (٦): هذا دليلٌ على جواز أَمَانِ المرأة، وأنّها إذا أَمَّنَتْ مَنْ أَمَّنَتْ حرمَ قَتْلُه وحُقِنَ دَمُهُ، وأنّها لا فرقَ بينها وبين الرَّجُل
стр. 1053
وإن لم تقاتل. هذا مذهبُ جمهور الفقهاء بالحجاز والعراق: مالكٌ (١) والشّافعىّ وأبي حنيفة وابن حنبل وأصحابهم وداود والأوزاعي.
وقال ابن الماجِشُون: أَمَانُ المرأةِ موقوف على جواز الإمام، فإن أجازه جازَ، وإن رَدَه رُدَّ؛ لأنّها ليست ممن يُقاتل، ولا لها سهمٌ في الغنيمة.
واحتجَّ بها من ذهب إلى أنّ أمان أمِّ هانئ لم يكن جائزًا على كلِّ حالٍ دون الإمام، ولو كان كذلك لقتل من لا يجوز قتله، لا أمان من لا يجوز أمانه (٢)، ولو كان أَمَانُهَا جائزًا، لقال لها رسول الله ﷺ : من أمّنت أنت أو غيرك من النِّساء، فلا يحلّ قتله، فلمّا قال لها: " قد أمّنا من أمّنتِ، وأَجَرْنَا من أَجَرْتِ"، كان ذلك دليلًا على أنّ أمانَ المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام أو ردِّه.
نكتةٌ أصولية (٣):
قال الإمام: هذه المسألة تبيِّنُ أنّ المرأة وإن (٤) كان لا يلزمها القتال، فلها أن تقاتل، ولها أنّ تُؤَمِّن، وهذا أيضًا ينبني على أصل: وهو أنّ الأَمان هل هو ولاية، أم عقد يعقد؟ فعندنا أنّه عَقْدٌ. وقال أبو حنيفة: هو ولاية (٥) , لأنّ فيه إنفاذ قول الغَيْرِ، وتحجيرُ ما كان مُبَاحًا في الأصل. والعُمدَةُ فيه: قولُ النّبيِّ ﷺ : "المسلمونَ تتكافأ دِمَاؤُهُم، ويسعَى بذِمَّتِهِم أَدَنَاهُمْ، ويَرُدُّ؛ عليهم أَقْصَاهُمْ، وهم يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُم" الحديث إلى آخره (٦).
تنبيهٌ على إغفالٍ:
قال الإمام: وهذا الرّجل الّذي أجارته أمّ هانئ، قيل: إنّه زوجها.
وقيل: حموها، وهو الّذي ذَكَرَهُ ابن إسحاق.
стр. 1054
وقد قيل -كما قدمناه-: إنّه هبيرة بن أبي وهب (١)، والله أعلم.
الفقه (٢):
واختلفَ أيضًا العلماء في جواز إجارة الصّبيِّ والعبد، فجوَّزَ ذلك مالك، والشّافعي، والثّوري، وابن حنبل، وداود، وسواءٌ قاتلَ أو لم يقاتل. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: أَمَانُهُ غير جائز إلَّا أنّ يقاتل، وروي عن ابن عمر معناه.
وأمّا العبدُ والصبيُّ فسواء عندهم، على الخلافِ فيهم وفي المرأة.
أصطلام (٣):
قال الإمام: ليس في حديث أمِّ هانئ بيان بجواز إجارة المرأة إلَّا من حيث أقرها على قولها: "قد أَجَرْتُه" ولم ينكر ذلك عليها.
الفائدة الرّابعة (٤): قوله (٥) "وفاطمةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ"
فيه من الفقه: ستر ذوي المحارم من النِّساء لمن يحرم عليهنّ من الرِّجال، وهو حَسَنٌ مُبَاحٌ.
الفائدة الخامسة (٦):
فيه من الفقه: جواز السّلام على من يغتسل، وفي حُكمِ ذلك السّلام على من يتوضَّأ، وردُّ المتوضِّئ السّلام في حال عمله ذلك، كُرِهَ ذلك لو لم تكق تلك حَالُهُ؛ لأنّه أخذَ بالأَدَبِ في قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٧) ولم يخصّ حالًا من حالٍ، إلّا حالًا لا يجوز فيها الكلام.
стр. 1055
الفائدة السادسة (١):
قوله (٢): "مَنْ هَذ؟ " يحتمل أنَّه لم يعرفها بنطقها بالسّلام. وقد استدلَّ بهذا من زعم أنّ شهادةَ الأعمى لا تجوز؛ لأنّ (٣) الأصوات لا يقع التّمييز بها. وهذا ليس فيه تعلّق؛ لأنّ من يجيزُ ذلك لا يقول: إنّ كلّ من سمع متكلَّمًا يميِّز صوته، ولكنّه يقول: إنّ منها ما يقع التّمييز به.
الفائدة السّابعة (٤):
فيه: التّرحيب بالزّائر (٥)، وما كان عليه رسول الله ﷺ من الأخلاق الجميلة الحسنة، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وطِيب الكلام، ألَّا ترى إلى قوله: "مَرْحَبًا يا أمَّ هانئ". ويروى" مرحبًا بأمِّ هانئ" (٦). والتّرحيب والابتهال (٧) ممّا يستدلُّ به على فرح المزُورِ بالزّائر، وفرح المقصود إليه بالقَاصِد، وهذا معلومٌ عند العرب، قال شاعرهم في ذلك وهو عمرو بن الأهتم (٨):
فقلت له (٩) أَهْلًا وَسَهلًا وَمرحبًا ... فهذا مَبِيتٌ (١٠) صَالحٌ وَصَدِيقٌ
الفائدة الثّامنة (١١): "زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَليٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ" (١٢)
فيه من الفقه: ما كانوا عليه من تسمية كلِّ شقيق (١٣) بابن أُمّ، دون ابن أَبٍ عند