← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الحديث الثّاني: الّذي في مسلم (١)، قال النَّبيُّ ﷺ : "على كلَّ سُلَامَى من أَحَدِكُم صَدَقَةٌ، فكلُّ تسبيحة صَدَقَةٌ، وكلُّ تحميدةِ صَدَقَةٌ، وكلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صَدَقَةٌ، والأمرُ بالمعروفِ صَدَقَةٌ، والنَّهيُ عن المنكرِ صَدَقَةٌ، ويُجْزئ من ذلك رَكعَتَا الضُّحَى". الحديث الثّالث: وقع في سنن أبي داود (٢)، عن أبي هريرة؛ أنّه قال: "أَوْصَاني خَلِيلي أبو القاسم ﷺ بثلاثٍ: صوم ثلاثة أيّامٍ من كلِّ شَهرٍ، وألَّا أنام إلَّا على وِتْرٍ، ورَكعَتَي الضُّحَى". الحديث الرّابع: روى الأعمش، عن ثابت، عن أنس، قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا أنس، صَلِّ صلاة الضُّحى فإنها صلاة الأوَّابِينَ" (٣) وإليه الإشارة إلى الاقتداء بداود ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ الآية (٤). الحديث الخامس: حديث أبي هريرة قال: "من حافَظَ على صلاة الضُّحَى غفرت ذنوبه" (٥). الحديث السادس: رُويَ من حديث زيد بن أرقم، قال خرجَ على أَهلِ قباء وهم يصلُّونَ الضُّحَى فقال: "صلاة الأوَّابِينَ" (٦). الحديث السّابع: في الأخبار الواردة "أنّ للجنَّةِ بَابًا يسمَّى باب الضُّحَى، لا يدخله إلَّا مَنْ دَاوَمَ على صلاة الضُّحَى" (٧). وهو ضعيفٌ، لكنّه حَسَنٌ في الباب في معنَى التَّرغيبِ. الحديث الثّامن: عن أبي أيّوب الأنصاريّ، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى

стр. 1052

أربع ركعات عند زوال الشَّمس. فسألته عن ذلك. فقال: "يا إنّ أيوب إنّ أبوابَ الجنَّةِ تفتح عند زوال الشَّمسِ، فأحبّ أنّ يصعد لي في تلك السّاعة خير" قال: قلت: يا رسول الله، نفصلُ بينها بسلام أو كلام؟ قال: "لا" (١). ذكر الفوائد المتعلِّقة بهذا الحديث: وهي أربع عشرة فائدة: الفائدة الأولى: رُوِيَ أنّه صلَّى بالاتِّفاقِ (٢) لا بالقَصْدِ. وقد اخْتُلِفَ في حديث أمِّ هانئ، فرُوِيَ أنّ ذلك كان في بيتها، ورُوِيَ أنّها قالت: جئت رسول الله ﷺ وهو بالأبطَح يغتسل في قُبَّهٍ له، وابنته فاطمة تستره، فعاجلتُهُ بالكلام قبل أنّ يكمل غسلَهُ، وكلَّمَهَا النّبيُّ ﷺ في تلك الحالة (٣). وإذا كان الرَّجُلُ على حاجةٍ لايتكَلَّم ولا يُكَلَّم. وإذا كان في غسلهِ ووضوئه، فقد رُوِيَ أنّ الافضلَ ألَّا يتكلَّم. وحديث أم هانئ أصَحّ. الفائدة الثّانية (٤): فيه من الفقه: الاغتسال بالعَرَاء إلى سُتْرَةٍ؛ لأنّ اغتسالَهُ ذلك كان منه وهو بالأبطَح، وفيه كان نزوله يومئذٍ. الفائدة الثّالثة: قوله (٥): "مَنْ هَذهِ؟ فقالت: أم هانئ. فقصَّتْ عليه القِصَّة، فقال لها رسول الله ﷺ : قد أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أمَّ هَانِيء" اختلف العلماء في أمان المرأة، وفي هذا ردٌّ على أشهب، وذلك أنّه يرى إجارة المرأة المشرك لا تجوز، إلَّا أنّ يجيزها الإمام، وجوّزها ابن القاسم. وأمّا الأيمّة قال بعضهم (٦): هذا دليلٌ على جواز أَمَانِ المرأة، وأنّها إذا أَمَّنَتْ مَنْ أَمَّنَتْ حرمَ قَتْلُه وحُقِنَ دَمُهُ، وأنّها لا فرقَ بينها وبين الرَّجُل

стр. 1053

وإن لم تقاتل. هذا مذهبُ جمهور الفقهاء بالحجاز والعراق: مالكٌ (١) والشّافعىّ وأبي حنيفة وابن حنبل وأصحابهم وداود والأوزاعي. وقال ابن الماجِشُون: أَمَانُ المرأةِ موقوف على جواز الإمام، فإن أجازه جازَ، وإن رَدَه رُدَّ؛ لأنّها ليست ممن يُقاتل، ولا لها سهمٌ في الغنيمة. واحتجَّ بها من ذهب إلى أنّ أمان أمِّ هانئ لم يكن جائزًا على كلِّ حالٍ دون الإمام، ولو كان كذلك لقتل من لا يجوز قتله، لا أمان من لا يجوز أمانه (٢)، ولو كان أَمَانُهَا جائزًا، لقال لها رسول الله ﷺ : من أمّنت أنت أو غيرك من النِّساء، فلا يحلّ قتله، فلمّا قال لها: " قد أمّنا من أمّنتِ، وأَجَرْنَا من أَجَرْتِ"، كان ذلك دليلًا على أنّ أمانَ المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام أو ردِّه. نكتةٌ أصولية (٣): قال الإمام: هذه المسألة تبيِّنُ أنّ المرأة وإن (٤) كان لا يلزمها القتال، فلها أن تقاتل، ولها أنّ تُؤَمِّن، وهذا أيضًا ينبني على أصل: وهو أنّ الأَمان هل هو ولاية، أم عقد يعقد؟ فعندنا أنّه عَقْدٌ. وقال أبو حنيفة: هو ولاية (٥) , لأنّ فيه إنفاذ قول الغَيْرِ، وتحجيرُ ما كان مُبَاحًا في الأصل. والعُمدَةُ فيه: قولُ النّبيِّ ﷺ : "المسلمونَ تتكافأ دِمَاؤُهُم، ويسعَى بذِمَّتِهِم أَدَنَاهُمْ، ويَرُدُّ؛ عليهم أَقْصَاهُمْ، وهم يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُم" الحديث إلى آخره (٦). تنبيهٌ على إغفالٍ: قال الإمام: وهذا الرّجل الّذي أجارته أمّ هانئ، قيل: إنّه زوجها. وقيل: حموها، وهو الّذي ذَكَرَهُ ابن إسحاق.

стр. 1054

وقد قيل -كما قدمناه-: إنّه هبيرة بن أبي وهب (١)، والله أعلم. الفقه (٢): واختلفَ أيضًا العلماء في جواز إجارة الصّبيِّ والعبد، فجوَّزَ ذلك مالك، والشّافعي، والثّوري، وابن حنبل، وداود، وسواءٌ قاتلَ أو لم يقاتل. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: أَمَانُهُ غير جائز إلَّا أنّ يقاتل، وروي عن ابن عمر معناه. وأمّا العبدُ والصبيُّ فسواء عندهم، على الخلافِ فيهم وفي المرأة. أصطلام (٣): قال الإمام: ليس في حديث أمِّ هانئ بيان بجواز إجارة المرأة إلَّا من حيث أقرها على قولها: "قد أَجَرْتُه" ولم ينكر ذلك عليها. الفائدة الرّابعة (٤): قوله (٥) "وفاطمةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ" فيه من الفقه: ستر ذوي المحارم من النِّساء لمن يحرم عليهنّ من الرِّجال، وهو حَسَنٌ مُبَاحٌ. الفائدة الخامسة (٦): فيه من الفقه: جواز السّلام على من يغتسل، وفي حُكمِ ذلك السّلام على من يتوضَّأ، وردُّ المتوضِّئ السّلام في حال عمله ذلك، كُرِهَ ذلك لو لم تكق تلك حَالُهُ؛ لأنّه أخذَ بالأَدَبِ في قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٧) ولم يخصّ حالًا من حالٍ، إلّا حالًا لا يجوز فيها الكلام.

стр. 1055

الفائدة السادسة (١): قوله (٢): "مَنْ هَذ؟ " يحتمل أنَّه لم يعرفها بنطقها بالسّلام. وقد استدلَّ بهذا من زعم أنّ شهادةَ الأعمى لا تجوز؛ لأنّ (٣) الأصوات لا يقع التّمييز بها. وهذا ليس فيه تعلّق؛ لأنّ من يجيزُ ذلك لا يقول: إنّ كلّ من سمع متكلَّمًا يميِّز صوته، ولكنّه يقول: إنّ منها ما يقع التّمييز به. الفائدة السّابعة (٤): فيه: التّرحيب بالزّائر (٥)، وما كان عليه رسول الله ﷺ من الأخلاق الجميلة الحسنة، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وطِيب الكلام، ألَّا ترى إلى قوله: "مَرْحَبًا يا أمَّ هانئ". ويروى" مرحبًا بأمِّ هانئ" (٦). والتّرحيب والابتهال (٧) ممّا يستدلُّ به على فرح المزُورِ بالزّائر، وفرح المقصود إليه بالقَاصِد، وهذا معلومٌ عند العرب، قال شاعرهم في ذلك وهو عمرو بن الأهتم (٨): فقلت له (٩) أَهْلًا وَسَهلًا وَمرحبًا ... فهذا مَبِيتٌ (١٠) صَالحٌ وَصَدِيقٌ الفائدة الثّامنة (١١): "زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَليٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ" (١٢) فيه من الفقه: ما كانوا عليه من تسمية كلِّ شقيق (١٣) بابن أُمّ، دون ابن أَبٍ عند

стр. 1056

الدُّعاء لهم والخَبَرِ عنهم، ليدلُّوا بذلك على قُرْبِ المحلِّ من القلب، والمنزلة من النّفس، إذا جَمَعَهُنم بطنٌ واحدٌ، وبهذا نطقَ القرآنُ على لغتهم، قال الله تعالى حاكيًا عن هارون أخي موسى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ (١). الفائدة التّاسعة (٢): قوله (٣): "صَلَّى حينَ طلعتِ الشّمْسُ (٤) ثمانِ رَكَعَاتٍ" يريد بذلك انّها صلاة نافلة (٥)، ولم يبيِّن ذلك في الحديث. وليست (٦) صلاة الضُّحى من الصّلوات المحصورة بالعدد فلا يزاد عليها ولا ينقص منها, ولكنّها من الرّغائبِ الّتي يفعلُ الإنسانُ منها ما أمكنه. وإن قصدَ بذلك التَّأسَّي بالنّبيِّ ﷺ فليصلّها (٧) ثمان ركعات من غير أنّ يجعل ذلك حدًّا ولا (٨) بأس به. وليس في الحديث ما يدلُّ أنّه يسلِّم من كلِّ ركعتين، ولا أنّه صلّاها بإحرامٍ واحدٍ، وإنّما قَصَدَت إلى ذِكْرِ عدد الرَّكعاتِ. وقد رَوَى ابن وَهْب في حديث أمِّ هانئ أنّه سلَّم من ركعتين (٩). الفائدة العاشرة (١٠): في وقتها وذلك أنّ صلاته كانت إذا أشرقت الشّمسُ وأّثَّرَ حرُّها على الأرض، والجُهَّالُ يصلُّونها عند طلوع الشّمس (١١)، وليس ذلك وقتها، وإنّما وقتها إذا طلعت مقدار ثلاثة أعصية (١٢).

стр. 1057

وقولها (١): "وذلك ضُحىً" يريد أنّها ليس بوقت صلاة فَرْضً. وهذا أصل في صلاة الضحى. الفائدة الحادية عشر (٢): قول أمّ هانئ (٣) "وذَلِكَ ضُحًى" فيه: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي الضُّحَى، وليس في (٤) قول عائشة (٥): "ما سَبَّحَ رسولُ الله سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وإنِّي لأَسْتَحِبُّهَا" (٦). وقولها (٧): "سُبْحة الضُّحَى" تعني صلاة الضُّحَى، والسُبْحَةُ صلاةُ النَّافلة في الأغلب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٨) قال أهل التّفسير: يعني من المصلِّين، إلَّا أنّ السُبْحَةَ إنّما لزِمت النّافلة في الأغلب. الفائدة الثّانية عشر (٩): وأمّا الصّحابة - رضوان الله عليهم - فمنهم من كان يُصَلِّي الضّحَى، ومنهم من كان لا يصلِّيها. قال الشّعبي (١٠)، سمعت ابن عمر يقول: ما صَلَّيْتُ الضُّحَى منذ أسْلَمْتُ (١١). وقال ابنُ عمر ما صَلّاها أبو بكر ولا عمر (١٢). وقال غيره: لم يخبرني أحد أنّه رأى ابن مسعود يصلِّي الضُّحَى (١٣).

стр. 1058

الفائدة الثّالثة عشر (١): أمّا التّابعون فكانوا يُصلُّون الضُّحَى، ويكرهون أنّ يدعوها كالمكتوبة، وصلّاها أيضًا ابن عبّاس (٢) وابن المسيَّب (٣) والضَّحَّاك (٤) وجماعة ذكرهم ابن أبي شَيْبَة (٥) وغيره. وكانوا أيضًا يختلفون فيها، فمنهم من كان يواظبُ عليها، ومنهم من لم يصلِّها قَطُّ. وأمّا عائشة، فكانت تصلَّيها ثمان ركعات، وكانت تقول: لو نشر لي أبواي ما تركتهن (٦). جامعُ سُبْحَة الضُّحى مالك (٧)، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، عن أنس بن مالكٌ؛ أنّ جدَّته مُلَيْكة دَعَت رسولَ الله ﷺ إلى طعامٍ، فأكلَ منه، ثمّ قال: "قُومُوا فَلأصَلِّيَ لَكُمْ" قال أنس: فقمتُ إلى حصير لنا قد اسْوَدَّ من طُولِ ما لُبِسَ، فنضَحْتُهُ بماءٍ. فقام رسولُ الله ﷺ ، وصَفَفْتُ أنا واليتيمُ وراءَهُ، والعجوزُ من ورائنا، فصَلَّى لنا ركعتين، ثمّ انْصَرَفَ. التّرجمة (٨): قال الإمام: أدخل مالك ﵀ حديث أنس في صلاته مع اليتيم في جامع سُبْحَةِ الضُّحَى، وليس للضُّحَى فيه ذِكْرٌ، وإنّما تَلَقَّفَهُ مِنْ قوله فيه: "أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رسولَ الله ﷺ إلى طعامٍ صَنَعَتْهُ". والظّاهرُ أنّ ذلك كان في وقتِ الغَدَاةِ عند تناول الغداء، وإن كان يحتمل سائر أوقات النّهار.

стр. 1059

الإسناد: قال أبو عمر (١):"في هذا الحديث أنّ جدَّته مُلَيْكَة، بعض الشّارحين يقول: إنّ الضمير الّذي في جَدَّتِهِ عائدٌ على إسحاق، وهي جدَّة إسحاق أمّ أبيه عبد الله بن أبي طلحة، وهي أمّ سُلَيم ابنة مِلْحَان زوجِ أبي طلحة الأنصاريّ، وهي أمّ أنس بن مالك، كانت تحت أبيه مالكٌ بن النَّضر، فوَلَدَت له أنس بن مالكٌ، والبراء بن مالكٌ، ثم خلف عليها أبو طلحة". الفوائد المتعلّقة بهذا الحديث: وهي ثمان فوائد: الفائدة الأولى (٢): دعوةُ مُلَيكة للنّبيِّ ﷺ وإجابته إياها، فيه من الفقه: إجابةُ دعوة المرأة الصّالحة، وأكل الطّعام عندها، هذا إذا كانت من القواعد الّتي قال الله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية (٣)، وأمّا الشّابّة وغير المتجالة فلا يجوز، وقيل أيضًا: إنها كانت من خالات النّبيّ ﵇ من الرّضاعة، وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان مسترضعًا في الأنصار، فلذلك أجاب دعوتها وتناول طعامها في بيتها. الفائدة الثّانية (٤): قوله: "فقمتُ إلى حَصِيرٍ لنا قد اسْوَدَّ من طُولِ ما لُبِسَ" يقتضي قلَّة ما عنده من الحُصُرِ، وإلّا فلم يكونوا يخصُّون النّبيّ ﷺ إلّا بأفضل ما عندهم ممّا يصلح للصّلاة. الفائدة الثّالثة (٥): فيه من الفقه: أنّ من حَلفَ ألَّا يلبسَ ثوبًا, ولم تكن له نية، ولا كان لكلامه بِساطٌ يعلمُ به مخرج نيته (٦)، فإنّه يحنث بما يتوطّأ ويبسط من الثّياب؛ لأنّ ذلك

стр. 1060

يسمَّى لباسًا، ألَّا ترى إلى قوله: "قد اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ". الفائدة الرّابعة (١): في نَضْحِ الحصير للعلماء فيه كلامٌ طويلٌ، لبابه وجهان: أحدهما: أنّه إنّما فعل ذلك لِيلينَ الحصير لا لنجاسةٍ فيه. قال ذلك إسماعيل القاضي وجماعة من أصحابنا. الثّاني: قال علماؤنا: إنّ النَّضْحَ طهارةٌ لما شكَّ فيه لتطيب (٢) النّفس عليه، اتِّباعًا لعمر في قوله: "أَغْسِلُ مَا رَأَيتُ، وأَنْضِحُ ما لم أَرَ (٣) " (٤). تركيب (٥): وتركّب على هذا ثوب المسلم، أمّا ثوب المسلم فمحمولٌ عندنا على الطّهارة حتّى يتيقَّن النّجاسة، وأنّ النَّضْحَ فيما يُحْبَس (٦) لا يزيدُه إلّا تنجيسًا (٧). وقد يسمَّى الغسل نَضْحًا، وقد ذكرنا في ذلك مَنْ قَصَدَ بالنَّضْحِ الّذي هو الرَّشُّ إلى قطع الوسوسة وحزازة النَّفْسِ فيما شكَّ فيه، اتِّباعًا لعمر وغيره من السَّلَفِ، واتِّباعًا للأصل في الثّوب أنّه على طهارته محمولٌ حتّى نَضْحِ النّجاسة، إلَّا أنّ في النَّفسِ شيئًا من ذلك يُقْطَعُ بالرَّشَّ (٨)، على ما قدجاء من الفعل لاحَرَجَ عليه فيه. نكتةٌ لغوية (٩): وأمّا قوله: "النّضخ" بالخاء، فالنَّقطُ فيه أشهر، يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ (١٠).

стр. 1061

ونَضْحُ أنس (١): إنمّا ذلك الفعل لتطييب نفس النّبيّ ﷺ ، وهذا يردّ قول من قال: ليس النَّضْح بشيءٍ، والنَّضْحُ طهرٌ لما شكّ فيه من الثِّياب وغيرها. اصطلام (٢): قال الإمام: وجهُ الدّليل أنّه أمرٌ بالنَّضْحِ، وظاهر الأمر الوجوب، وهو - والله أعلم- لما أخبرته من لبسهم البساط مع تصرف الطِّفل الّذي لا يتوقَّى النّجاسة. وأمّا قولُ إسماعيل القاضي: إنّما ذلك النَّضح لِيَلين الحصير، فليس بِبّيِّنٍ؛ لأنّه قد تقدَّمَ من كلامه ما يدلُّ على أنَّ نَضْحَهُ لم يكن لقساوةٍ، وإنّما كان لَأجل لونه وطُولِ لبسه، والله أعلم (٣). الفائدة الخامسة (٤): قوله (٥): "فقامَ عليه رسولُ الله ﷺ " فيه دليل على جواز القيام في الصّلاة على ما كان من نبات الأرض، ولم يتغيَّر عن حُكمِ الأرض (٦). الفائدة السّادسة (٧): قوله (٨): "فَصَفَفْتُ أنا واليتيمُ وراءَهُ " هو ضُمَيْرَة، وهو جَدُّ حسين بن عبد الله بن ضُمَيرَة، وهذا يقتضي أنّ يكون اليتيم ممّن يعقلُ الصّلاة، وإلَّا لم يعتدَّ به في جماعة المُؤْتَمَّين.

стр. 1062

الفائدة السّابعة (١): فيه: إباحة الإمامة في النّافلة. وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أنّ المصلِّين يقفون وراء الإمام. وقوله: "والعجوز من ورائنا" دليلٌ على تأخير النِّساء عن صفوف الرَّجال. ويقتضي أنّ المرأةَ المفردة إذا صلَّت خَلْفَ الصَّفِّ صَحَّت صلاتُها, ولا خلافَ في ذلك نَعْلَمُه. وأمّا الرَّجُل يصلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فقد قال مالك: صلاتُه صحيحةٌ، وبه قال أبو حنيفة (٢) والشّافعيّ (٣). وقال ابنُ حنبل وأبو ثور: تبطل صلاته. الفائدةُ الثّامنة (٤): فيه ردٌّ؛ على الكوفيِّينَ الذين يقولون: إذا كانوا ثلاثة وأرادوا أنّ يصلُّوا جماعة، قام إمامُهُم وسطهم، لحديث رَوَوْهُ (٥) عن علقمة والأسود؛ أنّ ابن مسعود صلَّى بهما فقام في وسَطِهِمَا (٦). وقال أهل الحجاز وأكثر أهل العلم: يقومون خَلْفَهُ (٧). وقد بيَّنَّا مواقف الصّلاة مع الإمام في باب الأذان في حديث سعيد بن المسيَّب، فلينظر هناك، وأنّها سبعة مواقف وحكمها على الاختلاف، والحمدُ لله على ما وَهَبَ من الصّواب. التَّشديدُ في أنّ يمرّ أَحَدٌ بين يَدَي المُصَلِّي في هذا الباب أحاديث كثيرة، الْمُعوَّلُ منها على ثمانية أحاديث (٨): أحدها: حديثُ أبي سعيد الخدريّ (٩): "إذا كان أَحَدُكُم يُصَلِّي، فلا يَدَعْ أَحَدًا

стр. 1063

يَمُرُّ بين يَدَيْهِ" الحديث. الحديثُ الثّاني: حديث أبي جُهَيْم (١). الحديث الثّالث: حديثُ ابن عبّاس: إذا جاءَ أَحَدُكُم رَاكبًا عَلَى الأَتَانِ بِمِنىً (٢). الحديث الرّابع: حديث ابن عمر؛ كان رسولُ الله ﷺ تُركز له الحَربَة يوم العيد، فَيُصَلِّي إليها والنَّاسُ يمرُّونَ من ورائها" (٣). الحديثُ الخامسُ: حديث طلحةَ بن عُبَيد الله: "إذا صلَّى أحدُكم، فليجعل بين يَدَيْهِ مِثل مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ، ولا يُبَالِ مَا مَرَّ وراءَهَا" (٤). الحديثُ السادسُ: حديث سَلَمَة بن الأَكوَع؛ كانَ بَينَ مُصَلَّى رسولِ الله ﷺ وبَينَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ (٥). الحديثُ السّابعُ: حديث أبي ذَرّ عن النبيّ صلّى الله عليه؛ أنّه قال: "يقطع الصّلاة الحمار والمرأة والكلب الأَسْوَد" قلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود؟ قال: "الكلبُ الأسودُ شيطانٌ" (٦). الحديثُ الثّامنُ: حديث عائشة، وقد ذُكِرَ عندها ما يقطع الصّلاة، فقالت: بئسما عَدَلْتُمُونَا بالكِلاَبِ، لقد رَأَيْتُنِي نائمةً في قِبْلَةِ رسولِ الله ﷺ وهو يصلِّي، فإذا سجدَ غَمَزَني فَقَبَضْتُ رِجْلىَّ، فإذا قامَ بَسَطْتُهُمَا، والبيوتُ يَومِئذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ (٧). وفيه حديثٌ تاسعٌ: خرَّجهُ التّرمذيّ (٨)؛ حديث زيد بن خالد الجُهَنِيّ؛ أنّه أَرْسَلَ

стр. 1064

إلى أبي جُهَيْم يسألُهُ ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المارِّ بين يدَي المصلِّي؟ قال أبو جُهَيْم: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلمُ المارُّ ما له في ذلك، لكان له أنّ يقف أربعين" الحديث. وغَرَّبَهُ أبو عيسى، وقال فيه: "حديث غريب" (١) وهو عندي صحيحٌ. الإسناد (٢): أبو جُهَيْم هذا: هو أبو عبد الله بن جُهَيْم (٣)، روى عنه بُسْر (٤) مولى ابن (٥) الحضرمي، ورَوَى هذا الحديث ابن عُيَيْنَة (٦). العربية (٧): يُروَى برفع "خير" ونصبه. فهذا رفعت "خيرًا" فخبر كان في جملة: "أَنْ يقفَ". وإذا نصبته فهو الخبر. وهاتان الجملتان نكرتان تعرفتا (٨) بالإضافة، والثّانية الّتي في "خَيرٌ لَه" أعرف من الأُولَى. الفوائد (٩) المتعلِّقة (١٠): قوله (١١): "أَرْسَلَ إلى أبي جُهَيْمٍ" فيه: طلب العلم. وفيه: جواز الاستنابة (١٢) فيه.

стр. 1065

وفيه: طلب العُلُوِّ في السَّنَدِ. وفيه: قَبول خبر الواحد. وفيه: جواز التكلَّم بِلَوْ في باب الوعيد والتّهديد (١) في الشّريعة. وفيه: إخفاء مقدار الإثم كما خفي مقدار الأَجْرِ، وعلمه عند ربِّنَا. ومعنى قوله: "أَنْ يقفَ أربعينَ" رَدٌّ على طَلَبِهِ الاستعجال في المشي، فلو علم مقدار الإثم في المرور، لاختار أنّ يقف أربعين من الدَّهْرِ، لما فيه من الوعيد والوزر. وفيه: وجوبُ التوقُّفِ في الحديث عمّا لم يحفظ. وقد قال مالكٌ (٢)، عنّ كعب: "لكانَ أَنْ يُخْسَفَ به خَيرًا لَهُ" يعني أنّ عقوبة الدُّنيا وإن عَظُمتْ أهون من عقوبة الآخرة وإن صَغُرت. وفيه (٣): أنّه يجوز أنّ يقال للرَّجُل إذا فَتَنَ في الدِّين: شيطانٌ، ولا عقوبةَ على من قال ذلك. وفيه (٤): أنّ الحُكمَ للمعاني لا للأسماء، بخلاف ما يذهب إليه أهل الظاهر في نفيهم القياس؛ لأنّه يستحيل أنّ يصير المارّ بين يدي المصلِّي شيطانًا، وإنّما أراد به أنّه فعلَ فعل شيطان، لا أنّه انقلب شيطانًا بمروره. فثبت أنَّ الحكْمَ للمعاني لا للأسماء، وهو قول جمهور الأيمّة. وفيه: قول أبي النضرِ: "لا أدري، أقال أربعينَ يومًا أو أربعينَ شهرًا أو سَنَةً" قال المؤلِّف (٥): وقد رُوِيَ: "مئة عام" ذكره ابن أبي شَيْبَة (٦) قال: أخبرنا وكيع عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب (٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو

стр. 1066

يعلم أَحَدُكُم ما له في أن يمرَّ بين يدي المصلِّي معترضًا، لكان أنّ يقف مئة عام خيرٌ له من الخطوة الّتي خطاها". فهذا الحديث يدلٌّ أنّ الأربعين الّتي وجدت في حديث أبي جُهَيْم هي أربعون عامًا. الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى (١): العلماء متَّفِقُونَ على دفع المارّ بين يدي المصلِّي إذا صلّى إلى سُتْرةٍ وليس له إذا صلّى إلى غير سترة (٢) أنّ يدفع من يمرّ بين يديه؛ لانَّ النّبيَّ ﷺ جعل ما بينه وبين العَنَزَةِ (٣) من حقّه الّذي يجب له منعه ما دام مصلِّيًا. فأمّا إذا صلَّى إلى غير سُتْرَةٍ، فليس له أنّ يردَّ (٤) أحدًا؛ لأنّ التَّصَرُّفَ والمشي مباحٌ لغيره في ذلك الموضع الّذي صلّى فيه، هو وغيره فيه سواء، فلم يستحق أنّ يمنع شيئًا، إلَّا ما قام الدّليل عليه وهي السُّتْرَة الّتي وردت السُّنَّة بمنعها. المسألة الثّانية (٥): قال مالك: لا يرده وهو ساجدٌ، وإنّما (٦) استحقّ المقاتلة؛ لائه لا عذر (٧) له بعد أنّ جعل له عَلَمًا يمرّ من ورائه. والمقاتلة هنا المدافعة في لُطفٍ (٨). المسألة الثّالثة (٩): أجمع العلماءُ أنّه لا يقاتله بسيفٍ ولا يخاطبه، ولا يبلُغ به مَبْلَغًا يُفْسِدُ به صلاته؛ لأنّه إنّ فعل ذلك كان أضَرّ على نفسه من المارّ بين يَدَيْهِ.

стр. 1067

المسألة الرّابعة (١): وهي: إذا دَفَعَ المصلِّي المارّ بين يَدَيْه فماتَ، ففيه عن مالكٌ ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ عليه دِيَته، وكذلك رَوَى عنه ابن شعبان؛ أنّ عليه الدَّيَة في مَالِهِ كاملة (٢). والرَّوايةُ الثّانية: أنّ الدِّيَة على عاقلته. والرَّوايةُ الثّالثة: أنَّه لا شيءَ عليه. تنقيح: أمّا وجه من قال: لا شيء عليه، أنَّه قال: فيه شيطانٌ ومن قتل شيطانًا فلا شَيْءَ عليه، لقوله ﵇: "إنّما هو شيطانٌ". قال المؤلِّفُ: وهذا باطلٌ قطعًا؛ لأنّه قتلَ إنسانًا. ووجه من قال: عليه ديته؛ لأنّه تَعَمَّدَ - دفعه، ومن تعمَّدَ لزِمَهُ دون غيره. ووجه من قال: على عاقلته، أنّه دفعه لأمْرِ النّبيِّ ﷺ بذلك، ولم يقصد قتله، فهو (٣) خطاٌ والخطاُ على العاقلة. نكتةٌ لغوية: قال أهل العربية في قوله ﵇: "فَلْيُقَاتِلْه" معناه: فليلعنه (٤)؛ لأنّ القتال في لسان العرب اللَّعْنَة، ولذلك قال سبحانه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ الآية (٥)، أي لعن. ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (٦) أي لعن. نكتةٌ أصوليهّ: قال بعض الأصوليين: المرورُ يصلح أنّ يقال فيه: مكروةٌ، ومحرمٌ. أمّا المكروه فمِنْ قوله: "لكان أَنْ يَقِفَ أربعينَ خيرًا لَهُ" ومن لفظ "خير" يعرف وجه

стр. 1068

الكراهية، ولا يُوجِبُ التّحريم. ومن لفظ: ﴿فَلْيُقَاتِلْهُ﴾ يعرف التّحريم؛ لأنّ القتال لايكون إلَّا على الحرام. وإذا قلنا: إنّ اللَّعْنَ هو مراد قوله: " ﴿فَلْيُقَاتِلْهُ﴾ فاللَّعنُ لا يكون إلَّا لمن ارتكبَ محظورًا، وقد يكون معنى: ﴿فَلْيُقَاتِلْهُ﴾ الدَّفع، وقد يكون التوبيخ. وقول كعب (١): "لكانَ أنّ يَخْسِفَ بِهِ" لا دليل فيه؛ لأنّه تابع. وأيضًا: فإنّما يخبر عن التّوراة، وقد قال ﵇: "لا تُصَدِّقُوا أهلَ الكتابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ" (٢). المسألةُ الخامسة (٣): اختلف العلماء إذا جاز بين يَدَيْهِ ثمّ أدركه، هل يردّه أم لا؟ على ثلاثة أقوال: الأوّل: قال ابن مسعود: يردّه، ورُوِيَ ذلك عن سالم (٤) والحسن البصريّ. القول الثّاني: قال الشّعبي: لا يردّه إذا جاز بين يَدَيْه؛ لأنّ ردَّهُ مرورٌ ثانٍ، ولا وجه له. وهذا قول مالك والثّوري وإسحاق. المسألةُ السّادسة (٥) - وهي مسألة أصولية-: قوله (٦): "فإنّما هو شَيْطَانٌ" اعلم أنّ الشَيطانَ ليس آدميًا, ولا الآدميّ شيطانًا، ولكنّه لمّا أراد أنّ يفعل فعل شيطان (٧) في الشَّغْلِ عن الصّلاة وقطع المرء عن العبادة جعل له مَثلًا، فكان تقدير الكلام: فإنّما هو شيطان شَغْلًا عن الصّلاة وقَطْعًا. الّذي بَيَّنهُ ما رواه مسلم (٨) عن ابن عمر في هذا الحديث بعينه، قال الّذي: "فإنْ أَبَى، فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّ معه القَرِين" إشارةَ بأنَّ صاحبَهُ من الشيطان هو الّذي قَادَهُ إلى القطع لصلاته. وقد ثبت عن النَّبيِّ ﵇ أنَّه قال: "مَا مِنكُمْ مِن أَحَدٍ إلا وَلَهُ شَيْطَانٌ" قيل له: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: "ولا أنا، إلَّا أَنَّ الله أَعَانَنِي عليه فأَسْلَمَ، فلا يَأمُرُنِي إِلَّا بِخَيرٍ" (٩).

стр. 1069

المسألةُ السّابعة (١): اعلم أنّه لا يقطع الصّلاة شيءٌ كائنًا ما كان، وبه قال عامّةُ العلماء من الصّحابة فمن دونَهُم، وللهِ دَرُّ، مالكٌ فإنه ذَكَرَ (٢) الأحاديث الّتي تمنع القَطعَ، وعلم أنّ هناك أحاديث سِوَاها، فأدخل (٣) عن عليَّ بن أبي طالب آخر الخلفاء؛ (٤) أنّه قال: "لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شيْءٌ" وإذا عمل أحَدُ الخلفاءُ بأحَدِ الحديثين كان ترجيحًا له. المسألةُ الثّامنة (٥): قال ابنُ عمر والحسن بن أبي الحسن البصري (٦): يقطعُ الصّلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسودُ. القولُ الثّاني: قال أحمد بن حنبل: في نفسي شيءٌ من الحمار والمرأةِ (٧). القول الثّالث - قيل: يقطعها الكلبُ الأسود خاصّة (٨). القول الرّابع - قيل: تقطعها المرأة الحائض. المسألة التاسعة (٩): في ترجيح هذه الأقوال وتنقيحها أمّا ما رواه أهل الخلاف عن عبد الله بن عمر، فضعيفٌ؛ لأنَّ مالكّا روى (١٠) عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه؛ أنّه قال: "لا يقطَعُ الصّلَاةَ شيءٌ" ومالك أصحُّ روايةً ممّن سواه، وسالم ابنه أقعد به من غيره. وأمّا الحائض، فقد رُوِي عن ابن عبّاس مُسْنَدًا إلى النبيَّ ﷺ أنّه قال: "يقطع الصّلاة ... " فذكر حتّى قال: "والحائض" (١١) وهو حديث ضعيف أيضًا (١٢)، ذكره

стр. 1070

الدّاودي (١) والدّراقطني (٢) وضعّفاه. وأمّا سائر الأقوال فقد أسقطها حديث عائشة: "بِئْسَ ما عَدَلتُمُونَا بالكِلَابِ"، وأقواها ما رواه مسلم (٣) عن أبي ذرّ في قوله: "الكلب الأسود شيطانٌ". وقد قال في ذلك علماؤنا قولًا بديعًا: إنّ معنى قوله: "يَقطَعُ الصَّلَاةَ" يشغل عنها، ويَحُولُ دون الإقبال عليها, ولو أراد غير ذلك، لقال: يفسد الصّلاة ويبطلها. فأمّا المرأةُ، فعند علمائنا أنّها تقطعها بفتنتها. وأمّا الحمار، فَبِبَلاَدَتِهِ ونكُوصِهِ؛ فإنّه إذا زُجِرَ لم يَنزَجِر، وإذا دُفِعَ لم يَندَفِع. وأمّا الكلب الأسود، فتنفرُ النَّفس منه، فإنّ الأسودَ والسَّوَادَ مكروةٌ عند النَّفْسِ، فإذا رأيتَ معه لمعة بيضاء سَكنَتْ إليه، فإنّها خُلِقَت من نُورٍ، ولذلك تستوحش الظلام والغيم، وجعلت جهنم سوداء كالقارْ، ولذلك جعل علامة العذاب اسوداد الوجوه، وجعلت علامة النّجاة ابيضاض الوجوه. الرُّخصةُ في المرور بين يَدَي المصلِّي الحديثُ صحيحٌ في البابِ. الترجمة (٤): هذه التّرجمة تحتمل معنَيَيْنِ: أحدهما: أنّ تكون الألف واللّام لاستغراق جِنْس المصلِّي، وتكون الرُّخْصَة تناولت بعض أحواله، وهو أنّ يكون مأمومًا. ويحتمل أنّ تكون الألف واللّام للعهد، فتكون الإباحة تناولت مصلِّيًا معهودًا تقدَّمَ ذِكرُهُ، وهو المأموم.

стр. 1071

الأصول: قال علماؤنا (١): "الرُّخْصةُ في الشَّرعِ بمعنى الإباحة للضَّرورة أو الحاجة، وقد تُستعمل في إباحة نوعٍ من جنسٍ ممنوعٍ"وهذا من فقه مالكٌ ﵀؛ فإنه بَوَّبَ في التّشديد ثُمَّ أَرْخَصَ فيه. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٢): قوله (٣): "وأَنا يومئذِ قد ناهزتُ الاحْتِلاَمَ " أي قَارَبْتُه. ووصفُه بذلك نفسه يفيدُ أنّ إقرار النّبيِّ ﵇ له (٤) على المرور بين يدي بعض الصَّفِّ دليلٌ على إباحته؛ لأنّه قد كان يعقل الأمرَ والنَّهيَ، ويصحّ منه امتثالهما وقد ورد الشَّرعُ بتقرير (٥) من هو دون ذلك السّنّ على الشّرائع ومنعه من المحظور. المسألة الثّانية: في حدِّ إلاحتلام والبلوغ اختلف علماؤنا فيه: فقيل: خمس عشرة، ذَكَرَهُ ابن وهب. وقال ابنُ القاسم: ثمانية عشر. وحديث ابنُ وهب في ذلك حديث ابن عمر؛ أنّه قال: عرضت على النَّبيِّ صلّى الله عليه في جيش وأنا ابن أَربع عشرة، فلم يقبلني، وعرضت عليه من قابل في جيش وأنا في خمس عشرة، فقبلني (٦). العارضة: قال: رفعَ اللهُ الحرجَ عن الآدميّ حتّى يبلغ الحُلُم وينتهي إلى النّكاح بالإجماع ونصّ القرآن، فإذا قال الغلامُ: احتلمت، في سنِّ احتمالِ ذلك وعادته، قُبِلَ منه، إلَّا

стр. 1072

أنّ يعارضَه ريبٌ (١). فإن لم يكن احتلام، ففي الإنْبَات عن مالكٌ في ذلك روايتان: ١ - إحداهما: أنّ ذلك علامةٌ. وقال الشّافعيُّ: إنّ ذلك علامة في الكفّار بلا خلاف، وقال: في المسلمين قولين. وقال أبو حنيفة: لا يعتبر الإنبات بحالٍ. ٢ - وقال في الرِّواية الأخرى عن مالكٌ: لا يعتبر إلَّا السّنّ. وقد صَحَّ عن النّبيّ ﷺ ؛ أنّه قتل من بني قُرَيْظَة من جرت عليه المواسي (٢) فصارت ثلاث طرق: أحدها: الاحتلام. الثّاني: الإنْبات. الثّالث: السِّنّ. وفي كلِّ ذلك حديث وآية ومذهب، فأيّها بلغ الغلام فقد صار في حدِّ التكليف. وأمّا الزيِّادة على خمس عشرة سنة إلى ثمان عشرة سنة، فدَعْوَى ليس لها في الشَّرْعِ أصلٌ، فلا ينبغي لأحدٍ أنّ يعوِّلَ عليها، والحمدُ الله. سُتْرَةَ المُصلِّي في السَّفر الكلامُ في هذا الباب في ثلاث مآخذ: المأخذ الأوّل في سَرْدِ الأحاديث وهي أربعة: الحديث الأوّل: قال الإمام: هذا بابٌ لم يذكر فيه حديثًا مُسْنَدًا ولا مرفوعًا عن النّبيِّ ﷺ ، وإنّما ذكر فعل الصَّحابة: ابن عمر (٣) وغيره (٤).

стр. 1073

والصّحيح عندي: أنّه لم يبلغه ما في هذا الباب من الآثار، فيه ابن عمر؛ كان رسولُ الله ﷺ إذا خرجَ يومَ العيدِ أَمَرَ بِالْحِرْبَةِ فَتُوضَعُ بين يَدَيهِ، فيصلِّي إليها، والنّاسُ وَرَاءَهُ، وكان يفعلُ ذلك في السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الاُمَرَاءُ (١). الحديث الثّاني: فيه أبو جُحَيفَةَ؛ أنّ النّبيَّ ﷺ صَلَّى بهم في البَطْحَاءِ الظُّهْرَ والعَصْرَ، وبين يَدَيهِ عَنَزَة، تَمُر بين يَدَيْهِ المرأةُ والحمارُ (٢)، وحديث ابن عبّاس المتقدِّم. الحديث الثّالث: رَوَى طَلْحَةُ، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا وَضَعَ أحدٌ بين يَدَيْهِ مثلَ مُؤَخِّرةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، ولا يُبَالِي من مَرَّ وراءَ ذلك" حديثُ حَسَنٌ صحيحٌ في الباب، خَرَّجَهُ التّرمذيّ (٣). إسناده (٤): ومن غريب (٥) الحديث عن طلحة، خَرَّجَهُ مسلم في صحيحه (٦) عنه، قال: كنَّا نُصَلِّي والدَّوَابُّ تَمُرَّ بين أيدينَا، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "فَلْيَكُن مثل مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ بَين يَدَي أحَدِكُم، ثم لا يضرُّه مَنْ مرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ". لغته (٧): مُؤخِرَةُ الرَّحْلِ بضمّ الميم، وهو المعروف، وصوابُه آخرة الرَّحْلِ، والمحدِّثون يروونه مُؤّخِّرة الرَّحْلِ مشدَّدًا، ومُؤخِرات الضُّلوع بضمِّ الميم وخفض الخاء والهمز كالأَوَّل. وقد قيل: إنّ المُؤخِرة إنّما هو في العين (٨). الحديثُ الرّابع: فيه في البخاريّ (٩): أبو سعيد؛ أنّه كان يصلِّي إلى سُترَةٍ، فأراد شابٌ من بني أبي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بين يَدَيْه، فدفَعَ أبو سعيدٍ في صَدْرِهِ،

стр. 1074

فَنَظَرَ (١) الشّابُّ فَلَمْ يجد مَسَاغًا إلَّا بَين يَدَيهْ الحديث. العربية: قولُه: "لمْ يجد مَسَاغًا" يعني طريقًا يمكنه المرور منها. يقال: سَاغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ سَوْغًا: سلس، وساغّ الشَّيء: إذا طَابَ، من "كتاب الأفعال" (٢). الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): اختلفَ العلماءُ في وجوبِ وضعِ السُّتْرَةِ بين يدي المصلِّي على ستة أقوال: القول الأوّل: أنّه واجبٌ، فإن لم يجد وضعَ خَطًّا، قاله أحمد (٤) وغيره. والخطُّ باطلٌ عند مالك (٥). الثّاني: أنّها مستحبَّهٌ، قاله الشّافعيّ (٦) وأبو حنيفة (٧) ومالك. وفي "المدوّنة" (٨) و"العُتْبيّة" (٩) جواز تركها، وهذا إذا كان في موضعٍ يُؤْمَنُ من المرور فيه، فإن كان في موضع لا يؤمن من المرور فيه، فإنّه عند علمائنا تأكيد، وعند بعض علمائنا أمرٌ وَاجبٌ. والحكمة فيه (١٠): ما قال النَّبيُّ ﷺ من منع المرور، فإنّ المصلِّي لا يستحقّ بصلاته أكثر ممّا يشغل (١١) بها من الأرض في قيام ركوع وسجود، فذلك حقٌّ له، وما وراء ذلك ليس فيه حقّ. فإن لم يجعل سُترة، فلا يخلِّي أحدًا يمرُّ بين يَدَيْهِ ما استطاع. فإن أَبَي، فليدافعه، وهي المقاتَلَة، وهي أيضًا المنازعة بالأيدي، وقد جَهِلَ قومٌ هذا المقدار اليوم.

стр. 1075

المسألة الثّانية: في هيئة السُّتْرَةِ فقال قوم: تكون في طُولِ الذِّراع، فإنّها بقَدْرِ الرَّحْلِ الوارد في الحديث. وأن تكون بغلظ الرُّمْحِ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ كان يصلِّي إِليه، وقد تفطَّنَ مالك لهذا، فجَمَعَ بينهُمَا حين قال (١): السُّتْرَةُ قَدْر الذِّراع في جلَّة الرُّمْحِ، فإذا وضعها بين يَدَيْهِ فلا يجعلها قِبْلَةَ وَجْهِهِ، لحديثِ المِقْدَادِ، قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى إلى عَمُودٍ أو شيءٍ يَصْمُدُ إليه صَمْدًا، إنّما كان يجعلُ ذلك عن يمينه ويساره (٢). وليجعل بينَهُ وبين سُتْرَيهِ من المسافة (٣) بمقدار ما يحتاج إليه لسُجُودِهِ، ولا يتأخّر عنها تاَخُّرًا كثيرًا, ولا يتقدّم إليها تَقَدُّمًا كبيرًا، حتّى إذا أراد أنّ يسجد تَأخَّرَ عنها؛ لأنّ ذلك عملٌ في الصّلاة. وقد رأيتُ بعض الغافلين ممّن ينتصبُ للتَّعليم يفعلُ ذلك، وهي جَهَالَةٌ، فإذا تركها خالية بمقدار السُّجود، فأراد ماشٍ أنّ يمرَّ بينَهُ وبينها فَلْيَمْنَعْهُ. كان رسولُ الله ﷺ يصلِّي، فارادت شاة أنّ تمرَّ بينه وبين السُّتْرَةِ، فَدَرَأَها حتَّى أَلْصَقَ بالحائط، فمرَّت من ورائه (٤). وكذلك يُفْعَلُ بِكُلِّ مريدٍ أنّ يدافعَهُ ويشير إليه، كذلك قال أشهب عن مالك. المسألةُ الثّالثة: قال: لم يحدّ مالكٌ في ذلك حَدًّا. وقال غيره: يجعل بينه وبين القِبْلَةِ ستَّة أَذْرُعٍ، وهذه جَهَالَةٌ. وقال الآخر نحوه، وهي فرجة. وقال مالكٌ: يُجزِئه غلظ السَّوْطِ والرُّمحِ والعَصَى، وارتفاع ذلك قَدْر عَظْمِ الذِّراع. ولا تفسد صلاة من صلَّى إلى غير سُتْرَةٍ، وإن كان مكروهًا له، وهو قولُ

стр. 1076

الشّافعيّ (١)، وقال عامّة الفقهاء - رأسهم أحمد (٢) - بحديث أبي هريرة: إذًا صلَّى أَحَدُكُم فليجعل بين يَدَيْهِ ما يستره، فإن لم يجد فَعَصا، فإنه لم يجد فليخطّ خَطًّا. خَرَّجَهُ أبو داود (٣) وغيره (٤). وقد اختلفوا في صورة الخطِّ: فمنهم من قال: متقوّسًا كهيئة مِحْرَابه. ومنهم من قال: يكون طولًا. ومنهم من قال: يكونُ من المشرق إلى المغرب. ومنهم من قال: من الشّمال إلى الجنوب. وهذا الحديث لو صَحَّ لقُلْنَا به، إلَّا أنَّه معلولٌ (٥)، فلا معنى للنَّصبِ فيه معهم. نكتةٌ بديعة (٦): اعلم أنَ السُّتْرَةَ من محاسن الصّلاة ومُكمِّلَاتِها، وفائدتها قبض الخواطر عن الانتشار، وكفّ البصر عن الاسترسال، حتّى يكون العبدُ مجتمعًا للمناجاة الّتي حضرها وألتزمها، وبه قال عامّة الفقهاء. خاتمةُ هذا الباب: قولُه (٧): "كان ابن عمر يَسْتَتِرُ بِراحِلَتِهِ" يجب أنّ تكون مناخَة؛ لأنّها على الصِّفَة الّتي يُؤمَن معها مشيها، وإمّا أنّ يستترَ بالخيل وبالبغال والحمير، فقد نهى عنه مالكٌ من رواية ابن القاسم. واحتجَّ لذلك بنجاسة أَرْوَاثِها. ووجه آخر: وهو أنّها في الاغلبِ قائمةٌ لا يُؤمَن مَشْيُها. تركيب: قال مالكٌ فيمن قام للقضاء بعد سلام الإمام: إذا كان عن يمينه أو عن يساره

стр. 1077

فيما يقرب منه سُتْرَة مشَى إليها، وإن كانت وراءَهُ رجعَ القَهقرى، فإن بَعُدَ منه صلَّى في موضعه. تركيب: وهو إذا كان أمامه أُسطُوَانَة، مَشَى إليها إنّ كانت بالقُرْبِ، وصَحَّتْ صلاتُه، والحديث له حُجَّة، لقوله: "الإمامُ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ" وعند جماعة العلماء: سُنَّةٌ مندوبٌ إليها، والله أعلم. مَسْحُ الحَصْباءِ في الصَّلاة قال الإمام: هذا الباب ليس فيه حديثٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، إنّما فيه الآثار وفعل الصَّحابة. أمّا فعلُ أبي ذَرٍّ (١)، فهو الاختيار أنّ يمسح موضع السُّجود مرَّةً واحدةً؛ لأنّ تركَ ذلك من التّواضع والتَّذَلُّلِ. وكذلك لا يمسح وجهه من التُّراب إلَّا مرَّةً واحدةً أيضًا في آخر صلاته. وأمّا فعل ابن عمر (٢)، فإنّه من العمل الخَفِيفِ الّذي لا يشغله عن الصّلاة. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٣): مسحح الحَصْبَاء في الصَّلاة ليزيلَ ما عليه من التّراب، وهو في الجملة ممنوع لمعنيين: أحدهما: الاشتغال عن الصَّلاة. الثّاني: تركُ التّواضع لله، فإذا دعت إلى ذلك ضرورة من تراب يتأذَّى به، فليمسح مَرَّة واحدة.

стр. 1078

المسألة الثّانية (١): قوله (٢) "مرّة (٣) واحِدَة" يقول: المباحُ من ذلك مرَّة؛ لأنّ في الزِّيادة على ذلك شُغْلًا. وأمّا المسحة الواحدة، فإنّه يحتاج إليها المصلِّي ليُزِيلَ ما يشغله عن الصّلاة، واستحبّ له مرّة لأنّه أخفّ ممّا يؤول إليه. العربية: قوله عن أبي ذَرٍّ: "تَرْكُهَا خَيرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعمِ" قال صاحب "العين" (٤): النَّعم: الإبل العتاق، وقيل: حُمْرُ النَّعمِ هي: الإبل الحمر، وهي أعتقها وأحسنها، وأغلاها ثَمَنًا، والحُمْرُ منها أرفعُها. رُوِيَ عن جابر بن عبد الله؟ أنّه قال: سألتُ النّبيَّ ﷺ عن مَسْحِ الحَصُبَاءِ في الصَّلاة؟ فقال: واحدةٌ، ولأن تُمْسِكْ عنها خيرٌ لكَ من مئة ناقة كلّها سُود الحدقَةِ (٥) وفي (٦) "المبسوط" عن مالكٌ: من صلَّى على ترابٍ يُؤذِيهِ فينتثر (٧) على وجهه إذا رفع رأسه من السجدة، لا بأس أنّ يمسحه. ما جاء في تسْوِيَةِ الصُّفوف قال الإمام (٨): أمّا تسويةُ الصُّفوف، فالآثار فيها متواترة من طُرُقٍ شَتَّى صِحَاحٍ، كلّها ثابتة (٩) في أَمْرِ رسولُ الله ﷺ بتسويةِ الصُّفوفِ، وعملَ الخلفاءُ الرَّاشدونَ بذلك بعدَهُ، وهذا ما لا خلافَ فيه بين العلماء.

стр. 1079

والأحاديث في ذلك أربعة: الحديثُ الأوّل: روى أنس عن النّبيِّ ﷺ قال: "سَوُّا صُفُوفَكُمْ، فَإِن تَسْوِيةَ الصَّفُوفِ من إقامَةِ الصَّلاةِ" (١). الحديثُ الثّاني: "لَتُسوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْلَيُخَالِفَنّ اللهُ بينَ وُجُوهِكُمْ" (٢). الحديثُ الثّالث: روى أنس أيضًا؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُم وَتَرَاصُّوا، فَإنِّي أَركُمْ مِنْ وَرَاء ظَهرِي" (٣). الحديثُ الرّابع: روى أَنس؟ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: رُّصُّوا صُفُوفَكُم وقارِبُوا بينَها، وحاذوا بالأعنَاقِ، فوالَّذي نفسِي بيَدِهِ إِنِّي لأَرى الشَّيطَانَ يدخلُ من خلالِ الصَّفِّ، كأنَّهُ الحَذَف (٤). الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى: تسويةُ الصّفوف مندوبٌ إليه، وتسويةُ الصُّفوف من هيئات الصّلاة أيضًا، والتّراصّ فيها وهو من إتمامها. المسألةُ الثّانية (٥): قوله (٦) في هذا الباب: "فلم أَزلْ أُكُلِّمُه حتّى جاءَهُ رِجَالٌ" دليل على جواز الكلام بعد إقامة الصّلاة قبلَ الإحرامِ فيها (٧)، وبهذا قال فقهاء الأمصار، غير أهل الكوفة فإنّهم قالوا: الكلامٌ ممنوعٌ بَعْدَ إقامة الصّلاة وقبل الإحرام لها.

стр. 1080

المسألة الثّالثة (١): الدّليلُ على صِحَّةِ ما ذهب إليه مالك والجمهور من جواز ذلك: ما رواه أنس ابن مالكٌ قال: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ والنبيُّ ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما. قام إلى الصَّلاة حتّى قام القوم (٢)، وإنّما كان يكلّمه في أنّ يفرض له اغتنامًا لخلوته. المسألة الرّابعة (٣): قوله "حتّى جَاءَهُ رِجَالٌ" فيه دليل على اهتبال الأَيمَّة بتسويتها؛ لأنّه أمرٌ يلزم الأيمَّة مراعاته، على حسبِ ما تقدَّم من فعلِ عثمان وعليّ. قال ابن حبيب: وقد رأيتُ أميرَ المدينة قد وكَّلَ رِجَالًا لتسويةِ الصُّفُوفِ في مسجد رسولِ الله ﷺ ، فمن وجده دون الصَّفِّ وهو يمكنه أنّ يدخل فيه ساروا به بعد الصَّلاة إلى السِّجْن. المسألة الخامسة (٤): قال: ويلزم الإمام أنّ يتربّص بعد الإقامة يسيرًا، حتّى يعتدل النّاس في صفوفهم، رواه ابنُ حبيب عن مالكٌ. وضعُ اليَدَيْنِ إحداهُما على الأُخْرَى في الصَّلاةِ مالكٌ (٥)، عن عبد الكريم بن أبي المخَارِقِ البَصْرِيّ؛ أنّه قال: مِنْ كلامِ النُّبُوَّةِ: "إذًا لَمْ تَسْتَحْي فَافْعَل مَا شِئتَ" ووضعُ اليَدَينِ إحْدَاهُمَا على الأُخْرَى في الصَّلاةِ، يَضَعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، وتعجيلُ الفِطرِ، والاسْتِينَاءُ بالسُّحُورِ. الإسناد: قال أبو عمر (٦): أرسلَ مالكٌ هذا الحديث ولم يُسْنِدْهُ، ويُسْنَدُ من حديث أبي

стр. 1081

مسعود الأنصاري عن النَّبيِّ أنّه قال: ممّا أدركَ النَّاس من كلام النَّبُوَّةِ: "إذا لم تسْتَحْي فَافْعَل مَا شِئتَ" (١) هو حديثُ مُسنَدٌ، وفي حديث مالك المُرْسَل زيادة من قوله: "وَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في الصَّلاة". الأصول: قال بعض أهل الأصول (٢): هذا الحديث لفظه الأمر، ومعناه التّوبيخ. وقيل: إنّه على الإباحة. وكلا الأمرينِ ضعيفٌ. وفي هذا الحديث وعيد لمن ترك الحياء. وقال علماؤنا (٣): "لفظ هذا الحديث يقتضي التّحْذِير والذَّم على قلَّة الحياء، وهو أَمرٌ في معنى الخبر. فإنَّ مَنْ لم يكن له حياء يحجزهُ عن محارم الله، فسواءٌ عليه فعلُ الكبائر منها والصّغائر". وأمّا (٤) قوله: "مِنْ كَلاَم النُّبُوَّةِ" أي من حِكَمِهِمْ على أَلْسِنَةِ النّاس: إذا لم تستحي فافعل ما شئت. وقد تأول النّاسُ هذا الحديث تأويلين: أحدهما: إذا كنت لا تستحي من القبيح الّذي يستحي النَّاس منه وأهل الصّلاح (٥)، فاصنع ما شئت، فلا مانع لك، وهذا وإن كان لفظه لفظ الأمر فإن معناه التّوبيخ. التّأويل الثّاني: أنّه إنّ كان ما تفعله ممّا لا يُسْتَحْيَا منه، فافعل ما شئت، فإنه لا يرتدع أهل الدِّين إلَّا بما يُسْتَحْيَا منه، ويكون قوله: "فَافْعَل مَا شِئتَ" على الإباحة، وهذه (٦) صفة أهل النِّفاق. قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٧).

стр. 1082

وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الآية (١)، أي سترون عاقبة أمركم ما يؤول أمرها في الآخرة، وهذا تهديدٌ ووعيدٌ. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى: قوله: "وَضْعُ اليُمْنى على اليُسرَى في الصّلاة" حديثٌ مسْنَدٌ صحيحٌ عن النّبيِّ ﷺ (٢). رواه شُعبة والثّوريّ (٣) وشريك (٤). وقد اختلفتِ الرِّوايات عن مالك في ذلك، فعنه في ذلك ثلاث روايات (٥): إحداهما: تَرْكُها، ورواية ابن القاسم عنه إرسالهما في الصَّلاة، وهو قول اللّيث (٦)، وقد يتركها في كلِّ الصَّلاة؛ لأنّها عملٌ واعتمادٌ يستعينُ به عندَ فِعْلِهَا. الرِّواية الثّانية: رُوِي عنه أنّه يفعل ذلك في التافلة دون الفريضة (٧)؟ لأنّها

стр. 1083

استكانَهٌ وخُضوعٌ، وهو الصّحيح (١). روى مسلم في "صحيحه"، (٢): أمرنَا أنّ نضعَ أيماننا على شمائلنا في الصَّلاة. وقد رُوِي أيضًا عنه ذلك. وروى (٣) أشهب عن مالكٌ (٤)؛ أنّه لا بأس بذلك في الفريضة والنّافلة (٥). وروى مُطَرِّف وابن المَاجِشُون (٦) عن مالكٌ؛ أنّه استحسنه. ورَوَى العراقيُّونَ من أصحابنا عن مالكٌ في ذلك روايتين أيضًا: الاستحسان. والثّانية: المنع. وما رأيتُ من فهِمَ المسألةَ غير الشّيخ (٧) أبي محقمّد عبد الوهّاب؛ فإنّه قال (٨): ليس هذا من باب وضع اليُمْنى على اليُسرى، وإنّما هو من باب الاعتماد. والّذي قاله هو الصّواب.

стр. 1084

وقال عبد الوهّاب (١): المذهب وضعهما تحت الصَّدْرِ وفوق السُّرَّة، وبه قال الشّافعيّ (٢). وقال أبو حنيفة (٣): السُّنَّة وضعها تحت السُّرَّة (٤). وقال ابنُ حبيب: ليس لذلك موضعٌ (٥). المسألةُ الثّانية (٦): الدَّليلُ على صِحَّةِ مذهب مالك: أنّ ما تحت السُّرَّة محكوم له بأنّه من العورة، فلم يكن مَحَلًّا لوَضعِ اليُمْنَى على اليسرى كالفخذ (٧). ورُوِيَ عن الأوزاعي أنّه قال: من شاء فعل، ومن شاء ترك (٨)، وهو قولُ عطاء. وعند أحمد بن حنبل (٩)، وابن رَاهُويَة، وداود (١٠)، والطَّبريّ: يضعُ المصلِّي يمينه على شماله في الفريضة والنّافلة، وهو عندهم حَسَنٌ وليس بواجبٍ. ومنهم من قال: إنه سُنَّةٌ مسنونةٌ. والحديثُ يشهدُ لمن قال: انه سُنّة. القُنُوتُ في الصُّبح أمّا القنوتُ في الصُّبْحِ، فاختلفتِ الآثارُ المُسْنَدَة في ذلك، وكذلك اختلف الفقهاء من أصحاب النّبيِّ (١١) في ذلك أيضًا.

стр. 1085

التّرجمةُ (١): ذكر مالكٌ هذه التّرجمة: "القُنوتُ في الصُّبْحِ" ولم يُدْخِل في الباب ما فيه القنوت في الصُّبح على ما كان يعتقده من القنوت، ثمّ أدخل فعل ابن عمر مخالفًا لما يعتقده هو في ذلك. العرببة: المراد بالقُنوت هاهنا الدُّعاء في آخر الصَّلاة، وهو في اللُّغة على أربعة أضرب (٢): ١ - قيل: الدُّعاء (٣). ٢ - والضربُ الثّاني: القنوتُ بمعنى السُّكوت (٤). ٣ - والثّالث: القنوت الطّاعة (٥). الدّليل على أنّه الدُّعاء: قوله في الحديث: قنَتَ رسولُ الله ﷺ شَهْرًا يَدْعُو على رِعْلٍ وذَكوَانَ وعُصيَّةَ (٦). والدليل أيضًا على أنَ القُنوتَ بمعنى السُّكوت: حديث زيد بن أرقم؟ قال: كُنَّا نتكلَّمُ في الصَّلاة حتّى نَزَلَت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٧) أي: ساكنين صامتين، فأمرنا بالسُّكوت. والدّليل أيضًا على أنّه بمعنى الطّاعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ الآية (٨)، أي طائعًا لله تعالى.

стр. 1086

٤ - والقنوتُ أيضًا بمعنى القيام؛ الدليلُ عليه قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ (١). الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٢): اختلفَ الفقهاءُ في القُنوتِ، فذهب مالك (٣) والشّافعيّ (٤) إلى أنَّ القُنوتَ مشروعٌ في الصُّبْحِ، وأنّه من فضائل الصَّلاة (٥). المسألة الثّانية (٦): قال أبو حنيفة والثّوريّ: لا يقنتُ في شيءٍ من الصَّلاة (٧)، وإليه ذهب يحيى بن يحيى (٨) من أصحابنا. والدّليلُ على صحَّةِ مذهب مالك: ما رُوِيَ عن عاصم؛ أنَّه قال: سألتُ أنس بن مالكٌ عن القُنوتِ، فقال: إنه كان يَقنُتُ، قلتُ: قبلَ الرُّكُوع أو بعدَهُ؟ قال: قبله. قال: فإنّ فلانًا أخبرني عنك أنّك قلتَ بعد الرُّكوع، قال: كَذَبَ، إنّما قنتَ رسول الله ﷺ بعد (٩) الرُّكوع شهرًا، أَرَاهُ بَعَثَ قومًا يقالُ لهم القُرَّاءُ، وكانوا (١٠) سبعين رَجُلًا، إلى قومٍ من المشركين دونَ أولئك، وكان (١١) بينهم وبين رسولِ الله ﷺ عَهْدٌ (١٢)، فقتلوا القُرَّاء، فقنتَ رسولُ الله ﷺ يَدْعُو عليهم (١٣).

стр. 1087

المسألة الثّالثة: فهذا ثبت هذا، فنقول: إنّ رسول الله ﷺ قنتَ في الصُّبحِ والمغرب والعشاء، فاستقرَّ عمل أهل المدينة على أنَّ القنوتَ في الصُّبح. وهو الدُّعاء، وهو الطّاعة، ولا يكون إلَّا في قيامٍ كما فَعَلَهُ رسول الله ﷺ ، فقد اجتمعتِ الثّلاثة في معنى واحد. المسألة الرّابعة (١): إذا ثبت هذا، فالقنوتُ عند مالكٌ (٢) قبل الرُّكوع أفضل، وهو الّذي اختاره مع جملة من أصحابه. واختار الشّافعيّ (٣) بعد الرُّكوع، واختاره أيضًا ابن حبيب (٤). والدّليلُ على مذهب مالك: خبر أنس المذكور، وهو نَصٌّ في موضع الخلاف. ودليلنا من جهة المعنى: أنَّ القنوتَ قبل الرُّكوع أَوْلَى؛ لأنّه سبب لإدراك صلاة بعض من يأتي بعده (٥). وإذا جعل بعد الرُّكوع لم تكن فيه فائدة لمدرك الصَّلاة. المسألة الخامسة (٦): رأى ابن حنبل (٧): أنّ قُنوتَ النّبيِّ ﷺ إنّما كان لسببٍ فيما كان (٨) ينزل بالمسلمين، والأحكامُ إذا كانت معلولة بالأسباب زالت بزَوَالها. ورأى مالكٌ والشّافعيّ أنّ ذلك من كَلَبِ العدوّ ومفزعته، معنى دائمًا، فدامَ القنوتُ بدَوَامِهِ، ونظروا أيضًا إلى أنّ النَّبيَّ ﷺ استمرَّ عليه فقَضَى باستمراره (٩).

стр. 1088

المسألة السّادسة: وقد وهمَ فيه محمد بن عبد الحَكلم لأنّه يرى القُنوتَ سُنَّة، وأنّه يسجد له قبل السّلام. وهو في المذهب مستحبٌّ ولا سجودَ عليه فيه. واختلف قولُ مالكٌ في سجود السَّهْوِ لمن تركه، فلم يُدْخِل في ترجمة الموطَّأ فيه إلّا رواية نافع عن ابن عمر (١)؛ أنّه كان لا يَقْنُتُ في صلاة (٢)، تنبيهًا على أنّه خفيفٌ لا يلزم في أصله فعلًا ولا يشرع له سجودُ وجبرانٌ. المسألةُ السّابعة (٣): قال علماؤنا (٤): ليس في القنوت دعاء مُؤقَّتٌ (٥)، وليدعُ في القنوت بما شاءَ من حوائجه، رواه عليّ بن زياد عن مالكٌ، ويختصّ عند مالكٌ بصلاة الصُّبح. المسألة الثّامنة: في تحديد القنوت قال أبو محمد بن أبي زَيْد في الرِّسالة (٦): "والقنوتُ عندنا: اللهُمَّ إنا نستعينُك، ونَسْتغفرُك، ونُومِنُ بك ونَخنعُ لك ونَخلَعُ، ونترُكُ من يَكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ، ولكَ نصلَي ونسجُدُ، وإليك نسعَى ونَحْفِدُ، نرجوا رَحْمَتك، ونخافُ عذابَكَ الجدَّ، إنّ عذابَكَ بالكافرين مُلْحِقٌ" (٧). شرحٌ وعربيةٌ: قوله: "نَخْلَعُ" أي نترك من يكفرك ونطرحه بأخرة، فلا يكون منّا في شيءِ، كما نخلع الثّوب عن الظّهر (٨).

стр. 1089

وقوله: "نَسْعَى ونَخفِدْ" بكسر الفاء. أي: نخدم باجتهاد (١). والحَفْدُ والعَسَلاَنُ والنَّسَلاَنُ: تقارب الخَطو مع الإسراع. "ونَخَافُ عَذَابَكَ الجِدَّ" بكسر الجيم وفتحها، وكسرها أحسن، والجِدُّ: الحقّ. قوله: "إنَّ عَذَابَكَ بالكافرين مُلْحِقٌ " بكسر الحاء؛ لأنّه مفعل بمعنى فاعل، ويقال: مُلْحَق بفتح الحاء، قد ألحق بالكافرين، والأوّل أحسن. تتميم: قول مالكٌ: القنوتُ في رمضان، أي إدامة الصَّلاة فيه باللّيل، هذا معناه عندي. وزاد (٢) عليّ عن مالك: وفي الوِتْرِ منَ النِّصف الآخِرِ من رمضان. وروى عنه ابن نافع المَنْع عنه في رمضان (٣). النَّهيُ عن الصَّلاةِ والإنسانُ على (٤) حَاجَتِهِ الحديث (٥) صحيحٌ متَّفَقٌ عليه. قوله ﷺ : "إذا أرادَ أَحَدُكُمُ الغَائِطَ، فَلْيَبْدَأ بِهِ قَبْلَ الصَّلاَةِ". الحديث الثّاني: قوله من حديث عائشة: "لا يُصَلِّي أَحَدُكُم بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثين" يعني: الغائط والبول (٦). الحديث الثّالث: "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيهِ" (٧). واختلف العلماء في تعليله بعلّتين - إحداهما أَقْوَى من الأُخْرَى-: ١ - قيل: إنّه إذا كان ضامًّا بين وَرِكَيْهِ كان حاملًا لنجاسة.

стр. 1090

والثّانية: أنّه يشتغل سرُّه كما قال: "إذا حضرتِ الصَّلاةُ والعَشَاءُ، فابدؤوا بالعَشَاءِ" (١). وقيل: عِلّتُه عدم الخُشوع معه، والإقبال على أفعال الصَّلاة. ومنهم من قال: إنّ علّته أنّه انصبَّ للخروج، فإذا حقنه فكأنّه حبسه في ثوبه. وأغفلوا علّة ثالثة، وهو إذا حقنه، فكأنّه قد نقضَ طهارته، فيكون مصلِّيًا بغير وضوء، وهذا إذا أخْرَقَه وحزقه. وأمّا إذا كان يسيرًا فلا اعتبار فيه (٢). الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): أجمعَ العلماءُ على أنّه لا ينبغي لأحدٍ أنّ يصلِّي وهو حاقنٌ، إذا كان حَقنُهُ ذلك يشغلُهُ عن الصَّلاة، أو عن إكمال الصَّلاة (٤). المسألة الثّانية (٥): قال مالكٌ (٦): إذا كان الرَّجُلُ حاقنًا كان إمامًا أو مأمومًا، فإنّه ينصرف، وإن لم ينصرف وتَمَادَى في الصَّلاة، فإنَّ عليه الإعادة. وقال في، "المجموعة": أحبّ إِليَّ أنّ يعيد في الوقت وبعدَهُ. قال الإمام- ووجه ذلك: أنّه مأمور بتقديم الغائطِ لمعنى التَّفَرُّغِ (٧). وقال أبو حنيفة (٨)، والشّافعيّ (٩): إنّ فَعَلَ، فبئس ما صنع، ولا إعادةَ عليه. والدّليلُ على ما نقوله: الحديث المذكور؛ أنّه أمر بتقديم الحاجة، وفيه النّهي
следующие страницы →