← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قال أبو عبد الله (١): "والأشبه (٢) عندي بقوله: "بخَمسِ وَعِشرِينَ وسَبعٍ وعِشرِينَ جُزْءًا، راجعٌ إلى أحوال المصلِّي وحال الجماعة، فإذا كانت (٣) متوافرة، وكان المصلِّي على غاية من التَّحْفُظِ هاكمال الطّهارة، كان هو الموعود بسبع وعشرين. وإذا كان على دون تلك الحال، كان هو الموعود بخمس وعشرين، والله أعلم". الفائدة الثّانية (٤): في الكلام على الدّرجات والأجزاء منها في حديث أبي هريرة أربعة، لقوله: لأوذلك أنَّه إذا تَوَضَّأَ، ثمَّ خَرَجَ إلى المسجدِ" (٥) لأنّ ذلك إشارة إلى تفسير المُجْمَلِ (٦) المذكور في أوَّلِ الكلام، " بقوله: "لم يَخْطُ خَطْوةً إلَّا كتبَ اللهُ له بِهَا درجةٌ، وحَطَّ عنه بها سيِّئَةٌ" وقوله: "لا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيتِهِ إلَّا الصّلاة - أي بِنيَّتِهِ - إلَّا رُفِعَت لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ" وقوله: "إذا صَلَّى، لم تزَلِ الملائكةُ تُصَلِّي عليه ما دَامَ في مُصَلِّاهُ " فهذه ثلاثة. وقولُه أيضًا: "فهو في صلاةٍ ما دَامَ في الصّلَاة" أو"مَا انتَظَرَ الصَّلاةَ" وفي حديث آخر: "لوْ يَعلَمُ النَّاسُ مَا لَهُم في النِّداءِ أَوِ الصَّفِّ الأوَّلِ" (٧) الحديث. وقوله: "تَجْتَمعُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةُ اللَّيل وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ" (٨). ومنها: لزومُ الخضوعِ والخُشوع في السَّيْرِ إلى المسجد، لقوله ﵇: "ائتُوا الصَّلَاة وَعَلَيْكمُ السَّكِينَةُ وَالوَقار" (٩). ومنها: لزومُ الذِّكْرِ في مسيره، وقوله ﷺ من حديث أبي سعيد الخُدرِيِّ، قال: "من قال إذا خرجَ إلى المسجدِ أو إلى الصّلاةِ: اللهُم إِنِّي أسأَلُكَ بحقِّ السَّائلينَ عليكَ، وبِحَقِّ مَمْشَايَ إليكَ، لم أَخْرُج أَشَرًا ولا بَطَرًا, ولا رِيَاءً ولا سُمعَةً، خرجتُ اتِّقَاءَ سخْطِكَ، وابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أنّ تُبعدني من النَّارِ، وأن تُدْخِلَنِي الجَنَّةَ، وأن

стр. 982

تغْفِرَ لي ذُنُوبِي , فإنّه لا يَغْفِرُ الذنُوبَ إلّا أنتَ. خرجَ معه سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يستغفرونَ له، وأقبلَ اللهُ عليه بوَجْهِهِ حتّى يقضي صَلاَتَهُ" (١) ومثلُ هذا لا يُدْرَكُ بالرَّأْيِ، ولا يكون إلَّا عن النّبيِّ ﵇. ومنها: السّلام على النّبيّ ﷺ ، والدُّعاء عند دخول المسجد، وعند خروجه، فهاتان درجتان. وَرَوَى النّسائي (٢) من حديث المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال النّبيُّ ﷺ : "إذا دخل أحدُكُم المسجدَ، فَلْيُسَلِّم على النَّبيِّ: ﷺ ولْيَقُلْ: اللهمَّ افتح لي أبوابَ رَحْمَتِكَ وإذا خرجَ فَلْيُسَلِّم على النَبيِّ ﷺ ، وليقل: اللهُمَّ اعْصِمْنِي من الشَّيطَانِ". ومنها: السلامُ عند دخول المسجد ولو كان فارغًا؛ فقد رُويَ عن ابن عبّاس في قوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية (٣)، قال: هو المسجد إذا دَخَلْتَهُ فَلْتَقُل: السَلاَمُ علينا وعلى عباد الله الصّالحين (٤). ومنها: الرُّكُوع في المسجد عند دخوله، فقد أمر النّبيُّ ﵇ بذلك، وهي تحيّة المسجد. ومنها: تَرْكُ الخوضِ في أَمْرِ الدُّنيا، لحرمة المسجد والصّلاة، وذِكرُ الله تعالى فيه، لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية (٥).وكان عمر يضرب النَّاسَ على ذِكْرِ الدُّنيا في المسجد، واتَّخَذَ البطيحاء لمن أراد اللَّغَطَ فيه. ومنها: إجابةُ الدَّعوةِ حضرة النِّداء للصلاة، فقد قال ﵇: "ساعتان تفتح فيهما أبواب السَّماء للدُّعاء: حضرة النِّداء للصَّلاة، والصَّف في سبيل الله". ومنها: اعتدالُ الصُّفوفِ وإقامتها، والتّراصّ في الصّلاة، وإلزاق الْمَنْكِبِ

стр. 983

بالمْنْكِبِ، والقَدَم بالقَدَمِ، فقد جاء الحديث أنّ ذلك من تمام الصّلاة (١). ومنها: استماع قراءة الإمام والتَّدَبُّرِ لها، وقد جاء في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية (٢) أنّ ذلك في الصّلاة. ومنها: قوله: "ربَّنَا ولَكَ الحمدُ" إذا قال الإمام: "سَمعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ" كما جاء في الحديث (٣). ومنها (٤):التَّأمِينُ، وموافقةُ تأمين الملائكة، ودعائهم للمصلَّين، كما جاء في الحديث (٥). والموافقةُ هنا ما قدَّمنَاهُ في باب التأمين على الأقوال الخمسة: إمّا أنّ يوافقَ اللَّفْظُ اللَّفظَ. وقيل: هو الإخلاص. وقيل: في المُدَّةِ. وظاهرُ اللَّفظِ يشهد للزَّمان. وأمّا أنّ يوافِقُ اللَّفظَ اللّفْظَ، فهو خطأٌ؛ لأنّ المُصِرَّ على الكفْرِ لو وافَقَ تأمين الملائكة لم يغفر له. والصّحيح أنّه لا يوافق تأمين الكُفَّار، وإنّما يوافقُ تامينَ المخلِصين للهِ في العبادة (٦) , لقوله: "موافقة" المعنى: وحينئذ يغفر له. ومنها: شهادةُ الملائكةِ لمن حضَرَ الجماعة، لقوله مُخْبِرًا عن الملائكة: "أتيناهم وهم يُصَلُّون، وتركناهم وهم يُصَلُّون" (٧). ومنها: تَحَرِّي موافقة الإمام، فلا يختلف على الإمام في القول والعمل، لقوله ﵇ "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُوتَمَّ به فلا تختلفُوا عليه" (٨).

стр. 984

ومنها: الاعتصام من سَهوِ الشَّيطان، لقوله: "أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ" (١) ولا يجوز على الجماعة كلِّها السَّهو، فَتَمَّتْ سبعًا وعِشْرِينَ دَرَجَة. نكتةٌ (٢): فإن قال قائل: ما مَعْنى اختلاف الدَّرَجَة والأجزاء في الآثار" فمرَّة قال: "بخمس وعشرين" ومرة قال: "بسبع وعشرين درجة". الجواب: أنّ الفضائل لا تُدْرك بالرَّأي، وإنّما تُدْرَك بالتَّوقيفِ، وهذا الاختلاف له معنى صحيح يُؤَيَّد بعضه بعضًا. وذلك أنَّه يحتمل أنّ يكون النّبيَّ ﵇ أَعْلَمَهُ اللهُ أنّ فضل صلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ بخمس وعشرين جُزْءًا، ثم زاد في فضل الجماعة درجتين، فَكَمُلَتْ سَبْعًا وعشرين. وفيه وجه آخر: يحتمل أنّ تكون السَّبع والعشرون الدَّرجة للعِشَاء والصُّبح، وتكون خمس وعشرون لسائر الصلوات، والله أعلم. ٣ - الحديث الثّالث: مالكٌ (٣)، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "وَالَّذي نفسي بِيَده، لقد هَمَمْتُ أنّ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَب، ثمَّ آمُرَ بالصّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لها، ثمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُم النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رجالٍ فَاُحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهُم. والَّذِي نفسي بِيَدِهِ لو يجدُ أحدُهم عَظْمًا سمينًا، أو مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ". الإسناد: قال الإمام هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجَهُ الأيمّةُ (٤) اقتداءً بمالك ﵁: الفو ائد: فيه ثلاث فوائد:

стр. 985

الفائدة الأولى: استدل جماعة من العلماء بهذا اللَّفْظِ على أنَّ شُهودَ الجماعة ليس بواجبِ، لما لم ينفذ ما أهمَّ به، وليس هذا بصحيح (١)؛ لانّه قد توعَّد على التخلُّف عن الصّلاة، ولا يتوعّد إلَّا في ترك الواجب. قال الإمام: والصحيحُ في هذا -والله أعلم- أنّ هذا الحديث في قومٍ مخصوصينَ من المنافقين ممّن كان لا يعتقد فَرْضَ الصّلاة، ويعلم من حاله الاستخفاف بها. تَبَيَّنَ (٢) بذلك أنّه لابدّ أنّ يكون. هؤلاء المتخلِّفونَ عنها مَوْسُومِينَ عندَهُ بذلك بالتّكرَارِ لفعلهم لذلك، أو بِوَحْيٍ أو بغير ذلك؛ لأنّه لا يجوز أنّ يهمَّ بذلك إِلَّا فيمن يعتقد منه الاستخفاف والتّضَييع. ولذلك أُعْلِمَ صلّى الله عليه من حالهم أنّهم أشدَّ مسارعةً إلى مِرمَاتَين، ولا يكون هذا إلَّا فيمن استخفَّ أَمْرَها ولا يعتقد وُجُوبَها (٣). الفائدة الثّانية (٤): قوله: "ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا، فَيَؤُمَّ الناَّسَ ثم أُخَالِفُ إلى رجالٍ فَأحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهُمْ" قال علماؤنا (٥): هذا دليلٌ واضحٌ أيضًا على أنّ حضور الجماعة ليس بفَرْضٍ على

стр. 986

الأعيان؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ لا يخبرُ عن نفسه بما يكون فيه معصية. الفائدة الثّالثة (١): قوله: " فَأحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهُمْ" فيه بيان أنّه هَمَّ أنّ يُوَدِّبَ بإتْلافِ الأموالِ على سبيل الإبلاغ في النّكاية (٢). ويحتمل أنّ يريد: تشبيه عقوبتهم بعقوبة أهل الكُفْرِ في تحريق بيوتهم وتخريب. ديارهم. نكتةٌ لغوبة: قوله: "لو يَعْلَمُ أَحَدُهُم أنْه يَجِدُ عَظْمًا سمينًا" يعني بذلك لحمًا، فكَنَّى بالأَدْنَى عن الأَعْلَى، ومِنَ العرب من يفعل ذلك كثيرًا. وقولُه: "مَرْمَاتَيْنِ" اختلف الشّارحون للحديث في هذه اللفظة، فقال الأخفش (٣): "المَرْمَاتَانِ وَاحِدُها مرماة، وهي حديدةٌ لها طرفٌ كَطَرَفِ السِّنَانِ كانوا يقاتلون (٤) بها في الجاهلية". وقال (٥) ابنُ وَضاح: هي حديدة كالسِّنان كانوا يُكَوِّمُونَ كَوْمًا من تُرابٍ، ويقفون منه على أَذْرُعٍ يرمونه بتلك الحديدة، فايّهم أثبتها فقد غلب. وقيل: المِرْمَاتَان السَّهمان، رواه ابنُ حبيب (٦) عن مالكٌ. وقال أبو عُبَيْد (٧): "المرماتان: ما بين ظلفَي الشّاة" وقال (٨): "هذا حرفٌ لا أدري ما هو ولا ما وجهه، إلَّا أنّ هذا تفسيره". قال الإمام: وإنّما قال ذلك النَّبيُّ ﷺ على معنى التّحقِيرِ لما يُؤْثِرُهُ المنافقون ويبادرون إليه. ويتخلَّفون مع ذلك عن العشاء والصُّبح.

стр. 987

حديث مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْرِ، حديثٌ موقوفٌ (٢)، وهو أيضًا حديثٌ مرفوعٌ عن زيد، عن النَّبيِّ ﷺ (٣)، ويَتَّصلُ من وجوه صِحَاحٍ (٤). الفقه (٥): قوله (٦): "أفضلُ الصّلاةِ صَلاتُكُم في بيوتِكُم، إلَّا المكتوبةِ" يعني بذلك أنَّ المكتوبةَ إظهارها والاجتماع إليها أفضل، وأمّا التّنفُّل ففي البيوت أفضل؛ لانّ الإخفاءَ (٧) والاستتار بها أفضل وأسلم من الآفات، وقد رَوَى ابنُ القاسم عق مالك؛ أنّ التَّنفُل في البيوت أفضل من التَّنفُلِ في مسجد النّبيِّ ﷺ صلّى الله عليه، إلَّا للغُرَبَاء فإنّ تَنَفُّلَهُمْ في مسجد النّبيِّ ﷺ أحبُّ إليَّ. ما جاء في العَتَمَة والصُّبْح الترجمة: روع ابنُ بُكَيْر في "موطئه" (٨) أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "بَينَنَا وبينَ المنافقينَ شُهُودُ العَتَمَةِ والصُّبْحِ" فتعلَّقَ بالتَّرجمةِ، وكذلك رواه القَعْنَبِيُّ (٩)، وعند يحيى بن يحيى (١٠) "شهودُ العِشَاءِ والصُّبْحِ" بخلاف التَّرجمةِ، وهو الصّحيح. الفقه (١١): قال أشياخنا (١٢): هذا الحديث يدلُّ على أنَّ الّذين كانوا يتخلَّفونَ عن الصّلاة

стр. 988

هم المنافقون، وأن بحضور (١) هاتين الصّلاتين يَتَمَيَّزُ المؤمنُ من المنافقِ. وقد جمع معنى الحديثين أبو صالح في روايته (٢)، وقد قال النبيُّ ﷺ (٣): "لا يَسْتَطِيعُونَهُمَا"، والظاهر من هذا الحديث أنّه أراد به التأكيد في حضورهما في الجماعات والمساجد، ومفارقة حال المنافقين بالتّخَلُف (٤) عنها. تكملة (٥): وقوله: " أَوْ نَحْو هذا"،: يحتمل أنّ يكون شَكًّا من الرَّاوي. ويحتملُ أنّ يكون على معنى التَّوَقِّي في العبارة عنهما، مع ما رُوِيَ عن ابن مسعود؛ أنّه كان يفعل ذلك في حديث النّبيِّ ﷺ . حديث مالكٌ (٦)، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أبي بَكرٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: بَينَمَا رجلٌ يمشِي بطريقٍ، إذ وَجَدَ غُصْنَ شَوكٍ على الطَّرِيق، فأَخَّرَهُ (٧)، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجَهُ الأيمّة (٨)، وهو أشهر من أَنْ أُنَبِّهَ عليه. قال علماؤنا (٩): نبَّهَ بذلك على تعلُّقه (١٠) بالتّرجمة في أوّل الباب على رواية يحيى؛ أنّه ذكر المنافقين، وقال: "بَيْنَنَا وَبَيْنَهُنم إتيانُ العِشَاءِ والصُّبْحِ" ثمّ أدخلَ هذا الحديث، وبَيَّنَ به أنّ الفعلَ وصِغَرِهِ في نفسي، فكف العشاء والصّبح (١١)

стр. 989

! وهذا حَضٌّ على المبادرة إلى إتيانها. إيضاح مشكل (١): قوله: "فَشَكَرَ اللهُ لَه" يحتمل أنّ يريد: جازاهُ الله على ذلك يالمغفرةِ، وأَثنَى عليه بما اقتضى المغفرة له. ويحتمل أنّ يريد به أحد (٢) المؤمنين بشكره له (٣) والثناء عليه (٣). وقد وصف الله تعالى نَفْسَهُ بالشُّكرِ، فقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ (٤) وقوله: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ" يأتي بيانُه في كتاب الجنائز إنّ شاءَ اللهُ. حديث عمر بن الخطّاب (٥)؛ أنّه فَقَدَ سُلَيْمَانَ بن أبي حَثْمَةَ في صلاة الصُّبحِ. فيه فوائد: الفائدة الأولى (٦): قوله: "فَقَدَ سُلَيمَانَ" يدلُّ على مواظبة الصّلاة في الجماعةِ، الصُّبح وغيرها، ولذلك أَوْجُه: أحدها أنّه مختص به للقَرَابَةِ الّتي بينهما، وسؤاله عنه من مكارم الأخلاق ومواصلة الأهلين، فسأل عنه لأنّه قد يجوز أنّ يحبس سليمان عن الجماعة عُذْر مرضٍ أو غيره. الفائدة الثّانية: قوله: "لأنّ أَشهَدَ صلاةَ الصُّبْحِ في جماعةٍ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنّ اْقُومَ ليلةً" هو حضٌ على شُهُودِ الجماعةِ. حديث: قولُ عثمان بن عفُان في صلاة العِشَاءِ والصُّبحِ (٧)، صحيحٌ

стр. 990

لفْظًا (١). وقوله: "جاءَ عثمانُ إلى صلاةِ العِشَاءِ فرأَى أهلَ المسجدِ قَلِيلًا، فاضْطَجَعَ في مُؤَخَّرِ المسجدِ". قال علماؤنا (٢): إنّما فعل ذلك لأنّه من آداب الأيمّة ورِفْقِهِمْ بالنّاسِ، وانتظارهم الصّلاة إذا تأخّروا، وتعجيلها إذا اجتمعوا، وقد رَوَى جابِر عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنَّه كان يفعلُ ذلك في صلاة العشاء، فكان (٣) فعل عثمان لذلك اقتداءً به ﷺ . الفائدة الثّالثة (٤): قوله: "فَأَتَى (٥) ابن أبي عَمْرَةَ فَجَلَسَ إَلَيهِ" يحتمل أنّ يكون جلس إليه ليقتبسَ منه عِلْمًا، ويقتدي به في عَمَلٍ، أو يسأله حاجة، فسأله مَنْ هُوَ وما معه من القرآن. قال علماؤنا (٦): وهذا أيضًا اهتبالٌ من الأيمّة بأحوال النّاس وبما يحصلُ معهم من العلم والقرآن، وتعرف منازلهم بذلك (٧). وإخبارُ عثمان له بذلك بما كان معه (٨) من العلم في صلاة الصُّبحِ والعِشَاء لَمَّا رآه أهلًا لذلك، ولَمَّا رَجَا أنّ ينشط بذلك على المواظبة عليها. وهذا يدلُّ على أنّ حُضُورَ الجماعةِ ليس بفَرْضِ على الأَعْيَانِ؛ لأنَّ النّبيَّ ﷺ سَاوَى بينها (٩) وبين النّوافل، ولا يعدل الفَرْضُ النَّفْلَ ولا يساويه، أَلَاَ ترى أنّه مَنْ تركَ صلاة فَرْضٍ لا يُجْزِىء عنه قيام ليلة. إعادةُ الصّلاةِ مع الإمام مالكٌ (١٠)، عن زيد بن أسلم، عن رَجُلٍ من بني الدِّيلِ، يقال له: بُسْرُ ابْن

стр. 991

محجَنٍ، عن أبيه (١)؛ أنّه كان في مَجلِسٍ مع رسول الله ﷺ ، فَأُذِّن بالصلاةِ. الحديث إلى آخره. الإسناد: قال الإمام: حديثُ مِحْجَنٍ صحيحٌ (٢)، واخْتُلِفَ في اسمه. فقيل: بسر. وقيل: بشر (٣). وأحاديثُ إعادة الصّلاة مع الإمام ثلاثة: الحديث الأوّل: حديث مِحجَن هذا الّذي ذَكَرَهُ مالك. وحديث سعيد ابن المسيَّب (٤). والثّالث حديثُ يَزِيد بن الأَسوَد، رواه التّرمذي (٥)، قال: "شَهِدْتُ مع النَّبيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فصلَّيتُ معه صلاةَ الصُّبحِ في مسجدِ الخَيْفِ، فلمَّا قَضَى صلاتَهُ وانْحرَفَ؛ إذ هو برَجُلَيْنِ: أحدُهما جالسٌ في آخرِ المسجدِ، أو في آخِرِ القَوْمِ، لم يُصَلِّيَا معه، فقال: "عَلَىَّ بِهِمَا" فجيءَ بهما تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا. فقال: "ما مَنَعَكُمَا أنّ تُصَلِّيَا معنَا؟ " فقالا: يا رسولَ الله، إنَّا كُنَّا قد صَلَّينَا في رِحَالِنَا. قال: "فلا تَفْعَلَا، إذا صَلَّيتُمَا في رِحَالكما ثمّ أتَيْتُمَا جماعة، فَصَلِّيَا مَعَهُمُ، فإنّها لَكُمَا نَافِلَةٌ". العربية (٦): قوله: "فَجيءَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا" الفريصةُ: لحمة في الجنب تَتَّصِلُ بالقَلْبِ ترعد عند الفَزَعِ (٧).

стр. 992

الأصول: اعلموا - أنار اللهُ قلوبكم للمعارف - أنّه لا صلاةَ في يوم واحدٍ مرَّتَين، إلَّا أنّ الشّريعة أذنت في إعادة صلاة الفَذِّ في الجماعة لفائدتين: إحداهما خاصّة، وهي استجلاب الأَجْرِ للمصلِّي. والثّانية عامّة، وهي تنقسم قسمين: أحدهما: إظهار شعار الدِّين. والثّاني: نفي الرّيبة والتُّهمة وسوء الظَّنّ، أَلاَ ترى إلى قول النّبيّ ﷺ : "ألَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمِ". وقال القاضي أبو الوليد (١): "قوله: "أَلسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ" يقتضي (٢) معنيين: أحدهما: التّوبيخ، وهو الأظهر، أَنَّه إنّما ذهب إلى توبيخه على ترك الصّلاة مع الجماعة الّتي لا يتركها مسلم، لكانما تركها من علامات النِّفاق. والوجه الثّاني: قد يحتمل أنّ يريد بقوله: "أَلسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ" الاستفهام والتّوبيخ أيضًا, ولا يقتضي قولُه أنَّ من لم يُصّلِ مع النّاس فليس بمسلمٍ، وهذا ممّا لا يقوله أحد، وإنّما ذلك كما يقول القائل لمن علم أنَّه قرشيٌّ: مالك لا تكون كريمًا، ألَسْتَ قرشيًا؟ لا يريد بذلك نفيه عن قريش، وإنّما يُوبِّخه لأنّه ترك أخلاق قريش". الفقه: إذا صلّى وَحْدَهُ ثمّ أدرك الجماعة، هل يصلِّي معهم أم لا؟ فيه للعلماء أربعة أقوال (٣): القول الأوّل: أنّه يصلِّي معهم كلّ صلاةٍ، قاله الحسن، والزّهري، وأحمد، وإسحاق، والشّافعىّ. الثّاني: يصلِّي معهم كلّ صلاة إلَّا الصُّبح والمغرب، قاله ابن عمر، والنّخَعي، والأوزاعي.

стр. 993

الثّالث: لا يعيدُ الصُّبح والعصر والمغرب، قاله أبو حنيفة (١). القولُ الرّابع: لا يعيدُ المغرب وحدها، قاله مالكٌ (٢)، والثّوريّ. تنقيح: قال الإمام: وَوَجْهُ القول الأوّل: عمومُ الحديث. ووجهُ القول الثّاني: أنّ مالكًا قال: وجدتُ العملَ في المدينة على المغرب وحدها (٣). ووجه (٤) القول الرّابع: أنّه قال: يعيد إلَّا الصّبح، فلا يعمل به ولا يُعَوَّل عليه. وسقطَ قولُ أبي حنيفة. تركيب (٥): فإذا صلّاهُمَا، فأيّتهما صلاته؟ فرُوِيَ عن عبد الله بن عمر (٦) وسعيد بن المسيِّب (٧)؛ أنّهما قالا: ذلك إلى الله تعالى، يَعْنِيَانِ القَبُول، فيتركَّب على هذا: أنّ الرَّجُل إذا صلَّى وأعَادَ في الجماعة، وكانت إحدى صلاته على غير وضوء، والثّانية بوضوء, وذلك (٨) سَهْوٌ، فأيّهما صلاته؟ فقال ابنُ القاسم: تُجْزِئه. ووبَّخهُ ابن الماجِشُون وقال: كيف تجزئ سُنّة عن فَرْضٍ. وهو كلامٌ قَوِيٌّ. فإن صلّاها ثانية، فذكر في أوّل ركعةٍ قبل أنّ يعقدَهَا خَرَجَ. فإن عقَدَها أضافَ معها أخرى وسلَّمَ.

стр. 994

فإن سَهَا، فليأتِ برابعةٍ لها بِالقُرْبِ، فإن طالَ ذلك، فلا شيءَ عليه. نَصَّ عليه مالك. وقال غيره من العلماء: يُصَلِّي المغرب ثالثه بعد أنّ يسلِّم مع الإمام فيعودُ شَفْعًا. والأوَّلُ أصحّ. وإذا صلّى في جماعةٍ، فلا يصلِّي في جماعةٍ أخرى، إلَّا في المساجد الثَّلاثةِ. ومنَ علمائنا من قال في الجوامع فضل على المساجد، ولا يُعَوَّلُ على ذلك؛ لأنّه ليس فيه أَثَرٌ ولا دَلِيلٌ (١). المسألة الثّالثة (٢): قوله (٣): "إذا جِئْتَ فَصَلِّ معَ النَّاسِ" يريد إذا جئت المسجدَ فهذا أَمْرٌ، له أنْ يصلِّي مع النّاس. ولا يخلو أنّ يأتي قبل أنّ تُقَامَ الصلاةُ، أو حين إقامتها، أو بعد إقامتها. فإن أَتَى قبلَ أَنْ تُقَامَ، فإنَّ لَهُ أنّ يخرجَ من المسجدِ ما لم تقم الصَّلاة وهو في المسجد، قاله ابن الماجِشُون. ووجه ذلك: أنّ الصّلاة لا تلزمه معهِم إلَّا بإقامتها عليه؛ لأنّ الصَّلاة إنّما تلزم بالأذَانِ لمن كان في المسجد ولم يكن أَدَّى فَرْضَها. المسألة الرّابعة (٤): فإنْ أَتَى المسجدَ فوجدَ الصَّلاةَ تُقَامُ، أو وَجَدَهُم قد شَرَعُوا في الصّلاة، فعليه أَنْ يصلِّيها معهم. ووجه ذلك: أنّ الصّلاة قد تَعَيَّنَتْ عليه لدخوله المسجدَ في ذلك الوقت، أو دخول (٥) موضع لا تجوز له فيه ركعتا الفجر. فامّا مَنْ رأى النَّاس يصلُّون وهو مارٌّ، فإنّه لا تلزمه إعادة الصّلاة. وقال في

стр. 995

"المبسوط": ولا يدخل المسجدَ وليرجع، فإنَّ (١) بدخوله يُوجِبُ على نفسه أن يتعمَّدَ الصّلاة مع الإمام بعد أنّ صَلَّى وَحْدَهُ، وذلك ممّا لا ينبغي. المسألة الخامسة (٢): قوله (٣): "وإنْ كُنْتَ قد صَلَّيْتَ" فيحتملُ أيضًا فَذًّا أو في جماعةٍ. ويحتملُ الفَذِّ خاصّةً؛ لأنّه (٤) إنّ حملَ على الأغلب من أحوال النّاس في أنّ مَنْ صلَّى في بيته صلَّى فَذًّا، قصر (٥) على الفذِّ، وبهذا قال مالكٌ وأبو حنيفة والشّافعيّ. وقال (٦) أحمد وإسحاق أنّ ذلك في الفَذِّ وغيره. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور: ما رُوِيَ عن سليمان بن يَسَار؛ أنّه قال: رأيت ابن عمر جالسًا على البلاط والنّاسُ يصلُّونَ. قلتُ: يا (٧) أبا عيد الرحمن، مالكٌ لا تُصَلِّي؟ قال: إنِّي قد صلَّيْتُ، إنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تُعَادُ الصَّلاةُ في يوم مَرَّتَيْن" (٨). قال الإمام (٩): ودليلُنا من جهة القياس: أنَّ هذه الصّلاة فَرضٌ أداؤها مع الإمام، فلم يكن مأمورًا بإعادتها مع إمام غيره كالْعَصْرِ، وهذا في الجماعات ومساجد الآفاق (١٠). نكتةٌ لغوية (١١): قوله (١٢): "فإنْ فَعَلتَ فَلَكَ (١٣) سَهْم جَمعٍ، أو مِثْلَ سَهْم جَمْعِ" قال

стр. 996

الأخفش (١): "الجمعُ الجيشُ، قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ (٢) وقال (٣): وسهم الجمع هو السَّهْمُ من الغَنِيمَةِ". وقال ابنُ وهب: معنى ذلك أنَّ له سَهْمَينِ من الأَجْرِ. ويحتمل عندي (٤)؛ أنّ ثوابه مثل سهم الجَمْعٍ (٥) من الأجر كما قال. ويحتمل أنّ يريد به: مِثْلُ سَهْم من يَبِيتُ بالمزدلفة في الحَجِّ (٦)؛ لأنّ جَمْعًا اسم المزدلفة، حكاهُ ابن سحنون عن مُطَرِّف، فلم يعجب سحنونًا. ويحتمل أنّ يريد به: سهمًا بين الصّلاَتين: صلاة الفَذِّ وصلاة الجماعة، والله أعلم. العمل في صلاة الجماعة مالك (٧)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا صَلَّى أَحَدُكُم بالنَّاس، فَليُخَفِّفْ؟ فإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمُ وَالضَّعِيفُ وَالكَبِيرُ (٨)، وإذا صلَّى أحدكم لنَفْسِهِ فَليُطِل مَا شَاءَ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديث صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٩)، خرَّجَه الأيمّة (١٠) بألفاظ مختلفة.

стр. 997

الفقه: قوله (١): "فَلْيُخَفِّفْ " يريد التّخفيف من القراءة والرّكوع والسجود الّذي لا يبلغُ الإخلال بالفَرْضِ، وإنّما التَّخفيف ممّا زاد على الفَرْضِ الّذي لا تُجْزِى (٢) إلَّا به. والدّليلُ على ذلك: ما رُوِيَ عن أنس؛ انّه قال: "كان النّبيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلاة ويُكْمِلُهَا" (٣) وحديث معاذ بن جبل؛ أنّه طوّل في الصّلاة, وقرأ فيها بسورة البَقَرَة، فشكاهُ قَوْمُهُ إلى النّبيِّ ﷺ ، فقال النّبيُّ ﷺ : " أفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ، إذا صلَّى أحدكم بالنّاس فَلْيُخَفَّفْ، فإن فيهم الضّعيف والسّقيم وذَا الحَاجَةِ" (٤) فَأَمَرَهُ بالتَّخْفِيف في القراءة بعد أنّ يُتِّم الرُّكوع والسُّجود. وقد قال بعض العلماء: مِنْ حديثِ معاذ يخرج جواز صلاة المفترض خَلْفَ المُتَنَفِّلِ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. حديث مالكٌ (٥)، عن يحيى بن سعيد؛ أنّ رَجُلًا كان يَؤُمُّ بالعَقِيقِ، فأَرْسَلَ إليه عمرُ بن عبد العزيز ونهاه. وقال (٦) إنّما نهاه, لأنّه كان لا يُعْرَفُ أَبُوهُ. الفقه: اختلفَ (٧) النّاسُ في وَلَدِ الزِّنَا، هل يكون إمامًا راتبًا أم لا؟ على قولين: الأوّل: مذهب (٨) مالك ﵀ أنّه يكره ذلك (٩). فإن أمَّ جازَتْ صلاة من ائتَمَّ به، وبه قال اللَّيْث والشّافعيّ. والقولُ الثّاني: قال ابن دينار: لا تُكْرَهُ إمامته إذا كان في نفسه أَهْلًا لذلك، وبه

стр. 998

قال الأوزاعيّ (١) والثّوري وابن عبد الحَكَم. والدليل على ما ذهب إليه مالكٌ: أنّ موضعَ الإمامة موضع رِفْعَةٍ وكمالٍ (٢)، وصاحِبُهُ يُنَافَسُ ويُحْسَدُ، ومن كان على هذا (٣)، يكره له أنّ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ (٤) لألسنة النَّاسِ. والدليل على رفعة ذلك: أنّ الخلفاء يقومون بذلك، فيُكْرَهُ أنّ يقومَ بذلك من فيه شيءٌ من النّقائص، أَلاَ ترى أنّه لا تكون المرأة إمامًا لنُقْصَانِهَا. المسألة الثّانية (٥): في ذِكْرِ الأسباب المانعة من ذلك (٦)، وهي على ضربين: أحدهما: يمنع صحّتها. والثّاني: يمنع فضيلتها. فامّا ما يمنع صحّة الإمامة عند مالكٌ، فعلى ثلاثة أَضْرُبٍ. أحدها: الاُنوثةُ. والثّاني: الصِّغَرُ وعدم التّكليف. والثّالث: نقصُ الدِّين. تفصيل: أمّا الأنُوثة، فإنّ المرأةَ لا تَؤُمُّ رجالًا ولا نساءًا في فَرْضٍ ولا في نافلةٍ (٧). ولا يثبت فيها أثرٌ ولا شيء يُعَوَّلُ عليه، وبهذا قال أبو حنيفة (٨) والشّافعيّ (٩) وجمهور

стр. 999

الفقهاء. وروى ابن أَيمن (١): تَؤُمُّ المرأةَ (٢)، ووافقه الطّبرّيّ وداود (٣). قال: لا تؤمُّ المرأة الرِّجال ولا النِّساء. والدّليلُ على صِحَّةِ هذا (٤) القول: أنّ هذا جنْسٌ وُصِفَ في الشَّرعِ بنقصان العقل والدِّينِ، فلا تصحّ إمامته كالكافر (٥). فإذا ثبتَ هذا، فمن صلَّى خَلْفَ امراة أعاد أبدًا، قاله ابنُ حبيب، وهي: المسألة الثّالثة. المسألة الرّابعة (٦): وفي "نوازل سحنون" إنْ كان الخُنْثَى ممّا يُحكَم له بحُكْمِ النِّساء، أعادَ أَبَدًا مَنِ ائْتَمَّ به. وإن كان ممن يُحْكَمْ له بحُكْمِ الرِّجال فلا إعَادَةَ عليه. المسألة الخامسة (٧): إمامةُ الصّغير روى ابنُ القاسم عن مالك في "المدوّنّة" (٨) أنّه لا يؤمّ الصّبىّ رجالًا ولا نساءً، في فريضة ولا نَافِلَةٍ. وفي"العُتْبِيّة" (٩) من سماعِ أشهب، عن مالكٌ: "فأمّا النّوافلُ، فالصِّبيانُ يَؤُمُّونَ النَّاسَ فيها، ويقومون في رمضان ولا بأس بذلك". وقال أبو مصعب (١٠): إنْ أمَّ الصّبيُّ مَضَتْ صلاة من ائتَمَّ به، وبه قال الشّافعيّ (١١).

стр. 1000

والدّليل على ما نقوله: أنّ هذا غير مكلَّفِ، فلم يجز الائتِمَام به كالمجنون، فَمَنْ صلَّى معه، فإنّه يعيدُ أَبَدًا، قاله ابنُ حبيب، وبه قال أبو حنيفة (١). قال القاضي (٢): وهذا مَبْنِيٌّ على أنّه (٣) لا يجوز أنّ يصلِّي أحدٌ الفريضةَ وراءَ من يصلِّي النّافلة. وقول أبِي مُصْعَب يحتملُ عندي وجهين: ١ - أحدُها: أنّ هذه الصّلاة جازت وراء الصّبىِّ لَمَّا صلّاها بنِيَّة الفَرْضِ، فعلى هذا لا تجوز الصّلاة وراء المُتَنَفِّل. ٢ - ويحتملُ أنّ يُبْنَى على تجويز صلاة الفريضة خَلْفَ المُتَنَفِّل؛ لأنّ صلاة الصَّبىِّ نافلةٌ، وهو مذهب الشّافعيّ. والدَّليلُ على المنع من ذلك: أنّ كلَّ مَنْ أدَّى بنيَّةِ إِمَامِهِ أجزأته (٤)، فإذا أَدَّاها بغير نيَّتِهِ لم تجزئه كالجمعة. المسألة السادسة (٥): أمّا الّنقصان في الدِّين، فإنه فِسْقٌ وكُفْرٌ. فأمّا الفسقُ، فقد حَكَى القاضي أبو محمد عبد الوهّاب (٦) عن مالك؛ أنّه يمنع صِحَّةَ الإمامةِ، وحكاه ابن القصّار (٧). والدليل على ذلك: أنّ هذا نوع فِسْقٍ يجب أنّ يمنع الإمامة كالكُفْر. المسألة السابعة (٨): من صلَّى وراءه (٩)، فقد قال الأبْهَرِيُّ: إنّ ذلك على قسمين (١٠): فما كان بتأويلٍ أَعَادَ في الوقت. وما كان فسقًا باجماعٍ أعاد أبدًا.

стр. 1001

وليس هو ممّن تجوز (١) إمامته، إلَّا أنّ يكون الوالي الّذي تؤدَّى إليه الطّاعة، فلا إعادة على من صَلَّى وراءَهُ، إلّا أنّ يكون في وقت ذلك سكران، وكذلك قال لي من لقيتُ من العلماء من أصحاب مالك، وقد خَالَفَ ابن وهب من رواية ابن الحسن عنه (٢)، فقال: لا يصلَّى خَلْفَ عاصرِ الخمر، فمن صلَّى وراءَهُ لم يُعِدْ، وهذا يقتضي أنّ الفِسْقَ بإجماعٍ لا يمنعُ صِحَّةَ الائْتِمَامِ. ووجه القول الأوّل: أنّ الإمامةَ مبنيَّةٌ على الفضيلة في الدِّين، ولا شكَّ أنَّ المرأةَ أَتَمّ دِينًا من الفاسقِ، ومن صلَّى وراءها أَعَادَ أيدًا. ومن صلَّى وراءَ الفاسقِ أوْلَى وأحرَى أنّ يُعِيدَ. المسألة الثامنة (٣): وأمّا النقائص الّتي تمنعُ فضيلة الإمامة فالأُنوثة وما يَقرُبُ من الأُنوثة، والنّقائص الّتي تحطُّ المنزلةَ. فأَمّا ما يمنعُ كمالِ الفَرْضِ، فمنه الرِّقّ، فيُكْرَهُ للعبدِ أنّ يكون إمامًا رَاتِبًا. فروى ابنُ زياد عن مالكٌ؛ أنّه قال: لا يؤُمُ العبدُ الأحْرَارَ، إلَّا أنّ يكون يقرأ القرآن وهم لا يقرؤون في موضع الحاجة. وقال ابن الماجِشُون: يَوُمُّ العبدُ راتبًا دائِمًا. والدليل على ذلك: إمامة سالم مَوْلَى إبي حُذَيْفَة يالمهاجرين وكبار الصحابة؛ لأنّه كان أقرؤُهُم؛ لأنّه كان ممّن جَمَعَ القرآن. المسألة التّاسعة: إمامةُ الأعرابىّ للحضَريِّين وإن كان أقرؤهم (٤). وقال علماؤنا: إنْ كان الأعرابيُّ عالمًا فهو والحَضَريّ سواءٌ. ولكن الكلام خرج ممّن كره إمامته على الأغلب ممّن جهلهُمْ بحدود الصّلاة، وكرهَ إمامَتَهُ مالكٌ وأبو مجلز، وأجازَ إمامته الثّوريّ وأبو حنيفة (٥) والشّافعي إسحاق.

стр. 1002

قال الإمام (١): ويحتملُ هذا الكلام وجهين: أحدهما: ما ذَكَرَهُ ابن حبيب، وهو جَهْلُه بِسُنَنِ الصَّلاة. والثّاني: وهو الأصحّ (٢) عندي أنّ يكون ذلك لأنّه يستديم نقص الفضائل والفرائض فامّا نقص الفرائض، فلأنّه ليس من أهل الجمعة. وأمّا نقص الفضائل، فلأنّه لا يشهد الجماعات. المسألة العاشرة (٣): أمّا ما تقْرُبُ من الأُنوثة، فكالخصيَّ، فقال مَالك (٤): لا يكون إمامًا راتبًا، قال ابنُ حبيب ﵀: فَنَجَا به ناحية التأنيث. وقال ابن الماجشُون وابن دينار: لا بأس أنّ يكون الخصيُّ إمامًا راتبًا في الجُمُعَة وغيرها. توجيه: قال الإمام: ووجه قول مالكٌ: أنّ حَالَهُ تقربُ من الأنُوثة، فوجبَ أنّ يكون ما قَرَبَها مثلها, ولا يلزم سوى ذلك. ووجه القول الثّاني: أنّ قطع عضوٍ من أعضائه لا يمنع من استدامةَ الائْتِمَام به، كقطع اليد والرِّجْلِ، فعلى (٥) هذا يكونُ إمامًا عند الضّرورة ولا يكون إمامًا راتبًا. المسألة الحادية عشرة (٦): وأمّا ماكان نقصًا في الخِلْقَةِ، فإنه على ضربين: أحدهما: أنّ يكون العُضْوُ الناقص له تعلُّقٌ بالصّلاة، أو لا تَعَلُّقَ له بها ولم يقرُبْ من الأنُوثة، فإنّه لا يمنع صحَّة ولا فضيلتها، كالأعمى والأصمّ. وإن كان له تعلّق بالصلاة، فلا يخلو أنّ يتعلَّق بها تعلّق فضيلةٍ أو فريضةٍ، كاليد الّتي يتعلّق بها السُّجود وغيره. فالّذي عليه جمهور أصحابنا؛ أنّ ذلك يمنعُ الائْتمامَ

стр. 1003

بِهِ , ورَوَى ابن الحسن (١) عن ابن وهب منع هذا. المسألة الثّانية عشرة (٢): إمامةُ الأقطع قال ابنُ وهب: لا أرى إمامته كان حَسُنَتْ حالُه. المسألة الثّالثة عشرة (٣): الأشلُ هل يكون إمامًا أم لا؟ فقال علماؤنا (٤): إنّ لم يَقدِر أنّ يضع يده بالأرضِ فلا يكون إمامًا، وإن كان يقدر على ذلك فيكون إمامًا. المسألة الرّابعة عشرة: إمامةُ الأعمى هي جائزة عند علمائنا المالكية أجمع. المسألة الخامسة عشرة: إمامةُ الأصمَّ إنّ كان من أهل القرآن والذِّكر، فإنّ إمامته جائزة بإجماعٍ. المسألة السادسة عشرة: إمامة الأعرجِ، قد تقدم الكلام على الأقطع، فلا فائدة في تكرَارِهَا هنا. خاتمة (٥): فعلى القول الأوّل: إنّ ما نقص من خَلْقِهِ لا يمنعُ شيئًا من فروض الصَّلاةِ، فلا يمنعُ الائتمامَ به , كالأصَمِّ والأَعْمَى. صلاة الإمام وهو جالس مالك (٦)، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك؛ أنّ رسولَ الله ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ، فَجُحِشَ شِقُهُ الأَيْمَنُ، فصلَّى صلاةً من الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قاعدٌ، وصَلَّيْنَا وراءَهُ قعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قال:،"إنّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فإذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا

стр. 1004

قِيَامًا. إلى قوله: فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ خَرَّجَهُ الأيمّة (١)، وفيه للناس أغراضٌ وكلامٌ طويلٌ. العربية (٢): قوله: " فَجُحِشَ" الجَحْشُ: الخَدْشُ والتَّوَجُعُ (٣). وقوله: "فَصَلَّى صَلاَةً من الصَّلَوَاتِ" يحتمل أنّ تكون "أل" (٤) للعهد. ويحتمل إنّ تكون للجنس (٥). وقوله: "قَاعِدٌ" يحتملُ ذلك، لعدم القُدْرةِ على القيام، إنّ جعلنا الألف (٦) للعهد راجعًا للصّلوات المفروضة. ويحتمل أنّ يكون في نافلة مع القدرة على القيام طلبًا للرِّفْقِ (٧). الفقه: قال علماؤنا: اختلف النَّاس (٨) في الإمام يؤمُّ القوم قاعدًا على قولين: القول الأوّل: تعلّق أحمد بن حنبل (٩) والمُحَدِّثَه؛ أنّ مَنْ فَعَلَ هذا اليوم، صَلَّى

стр. 1005

من خَلْفَهُ قُعودًا وإن لم تكن لهم علّة تمنعهم القيام. واحتجُّوا بالحديث، لقوله: "فَإذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا اجْمَعُونَ" وأنّه ﵇ صلَّى بهم قاعِدًا، فَأَمَرَهُم بالقُعُودِ (١). القول الثّاني: قال الشّافعيّ (٢) وفِرَقٌ كثيرة (٣): إنّ هذا الحديث منسوخٌ؛ لأنّه ﷺ صلَّى آخر صلاةٍ صَلَّاها قاعدًا والناسُ قيامٌ، فائْتَمَّ أبو بكرٍ برسول الله ﷺ ، وائْتَمَّ النّاسُ بابِي بكرٍ (٤)، وهذا آخر الأمْرَينِ من فعله ﷺ ، فإنّ هذا كان يوم مات ﷺ ، وأَمرُ النَّاسِ بالقُعُودِ كان يوم جُحِشَ شِقُهُ قَبْلَ مَرَضِهِ الّذي تُوُفيَ فيه. وقال الأوَّلون ابنُ حنبل وغيره: إنّ صلاة النَّبيِّ ﷺ هذه لا تُشْبِهُ الصَّلاةَ الّتي أَمَرَ فيها بالقُعُودِ، وتلك الصّلاة ابتدأَ فيها الإمام قاعدًا، فعليهم القُعُود بِسُنَّةِ النَّبيِّ ﵇، وهذه صلاةٌ ابتَدَأَ فيها أبو بكرٍ بالقيامِ فقاموا خَلْفَهُ، ثم جاءَ النَّبيُّ بعد ذلك فقعدَ إلى جَنْبِهِ وهو مريضٌ، فالصلاةُ ما ابتدئت، فلا تُشْبِهُ هذهِ هذهِ، ولا تنسخُ هذِهِ هذِهِ والأُولَى سُنّة على معناها, والأُخْرَى سنة على معناها. نكتةٌ: ثمّ افترقوا، فقالت فرقة أحمد وغيره: إِنْ وَجَدَ الإمامُ من نفسه خِفَّةً أمامَ العامَّةِ، فجاءَ وقد تقدَّمَ غيرُهُ وهو مريضٌ، قَعَدَ إلى جَنْبِهِ، وصلَّى الإمامُ الأوَّلُ على ما ابتدأَ الصَّلاة قائمًا، وصلَّى الإمامُ الجائي وهو مريضٌ قاعدًا كما فعل النَّبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ معه. وقالت فرقةٌ: كان خاصًّا للنّبيّ ﷺ لا لغيره، إلّا أنّ الفِرْقَتَيْنِ جميعًا اجتمعتا على أنّ الصّلاة اليوم خَلْفَ الجالس سُنَّةٌ من سُنَنِ النَّبيَّ ﷺ ، وإن فعل النّبىّ ﷺ في مَرَضِهِ سُنَّة أُخْرَى لا تشبه إحداهما الاُخْرَى. وقالت طائفة أخرى منهم مالكٌ وأبو يوسف: لا يَؤُمُّ النّاس جالسًا؛ لانّها منسوخةٌ، وقعودُ النّبيِّ ﷺ بِجَنْبِ أبي بكرٍ خاصٌّ للنّبيَّ ﷺ ؛ لأنّهما كانا إمامَيْنِ، ولا يجوز اليوم أَنْ يَؤُمُّ النّاس إمامان في الصّلاة.

стр. 1006

وروى مالكٌ عن رَبِيعَةَ؛ أنَ النّبيَّ ﷺ صلَّى خَلفَ أبي بَكرٍ بقباء (١)، وليس هذا يدفع صلاته خَلْفَ أبي بَكرِ في مَرَضِهِ، مع أنّ هذا الحديث منقطع السَّنَد، فلم يأخذ مالك (٢) وأبو يوسف بأمر الرَّسُول ﵇ الأوّل أنّ يصلُّوا خَلْفَهُ قُعُودًا, ولا فعله في مَرَضِهِ الآخر، فلم يأخذ بالنّاسخ ولا بالمنسوخ في الاختلاف. واحْتَجَّ أبو يوسف بحديث جَابِر الجعفي، عن الشَّعْبِيّ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَؤُمُّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا" (٣) وجابر قد شَهِدَ عليه غير واحدٍ بالكذِبِ في الحديث، ولو كان الحديثُ عن صادقٍ لما ردَّت الأخبار عنه في الصِّحَّة، والأخبارُ عنه في مَرَضِهِ ﵇ أنّه صلَّى بهم جالسًا بهذا الحديث، ولا ردّت السُّنَّة بغير السُّنَّة، ولا يثبت منقطعٌ، وإنّما اختلف العلماء قديمًا في نَسخِ صلاةِ المؤتَمَّ، ولم يختلفوا في صلاة الإمام جالسًا. إشكال وحلّه: قال الإمام: أَعْيَا العلماء هذا الحديث النّاسخ منه من المنسوخ، والصّحيح عندي والأظهر؛ أنَّه لا يُعْرَفُ نَسخُه، فلا حُجةَ لأحدِ في أنَّه منسوخٌ؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهم قد تعلَّقَ ببعض تلك الأحاديث، وقال: إنّ أبا بكر كان الإمام، لما رَوَى الأسود ابن يزيد عن عائشة؛ أنّ النّبيَّ ﷺ صلَّى خَلْفَ أبي بَكرٍ في مَرَضِهِ (٤). وقال قوم: بل النّبيُّ ﷺ كان الإمام، لقوله: "ما كان لابن أبي قُحَافَةَ أنّ يتقدَّمَ أمَامَ رسول الله " (٥). ومن العلماء من جوَّزَ أنّ يؤمَّ القاعدُ القائمَ بهذا الحديث. قال الإمام: الّذي عندي؛ أنّ النّبيَّ ﷺ كان الإمام، لما رُوِيَ أنّ أبا بكرٍ قام

стр. 1007

عن يمينه في موضع المأموم، وقوله: " فَصَلَّى أبو بَكْرٍ بصلاةِ النَّبِيِّ" (١)، وزاد آخر في روايته؛ أنّ النّبيَّ ﵇ بدأ بالقراءةِ. سرد المسائل في خمس: المسألة الأولى (٢): قال ابنُ القاسم في "العُتْبِيّة" (٣): لا بأس أنّ يَؤُمَّ في الفريضة؛ لأنّ حالَهُم قد اسْتَوَت كما لو طاقوا القيام، وبه قال الشّافعيّ (٤)، ومُطَرِّف، وابن الماجِشُون، وابن عبد الحَكم، وأَصْبَغ، هذا في القَوْم إذا عجزوا عنءالقيام. وقد روي عن سحنون أنّه قال: سألتُ ابن القاسم عن هذه المَسالة فقال: لا يؤمُّهُم؛ لأنّ هذا عاجزٌ عن القيام، فلا يَؤُمُّ مَنْ يَقْدِرُ عليه ولا من لا يَقْدِر عليه (٥) ولا من يعجز عنه، كما لو لم يقدر إلَّا على الاضطجاع، فإنه لا يَؤُمُّ مَنْ ساواهُ فيه. وقد روى (٦) ابن القاسم أنّه قال: لا يَؤُمُ المضطجع المضطجعينَ. فإنْ قلنا: لا يَؤُمُّ الجالسُ الجلوسَ، فوقع ذلك، فقد قال سحنون عن ابن القاسم: يجزئ للإمامِ ويُعيدُ من ائتَمَّ (٧). المسألة الثّانية (٨): فإنْ لم يقْدِر الإمامُ على الجلوس ولا من وراءَهُ، فقد رُوِي عن ابنِ القاسم: ألَّا إمامةَ في هذا. وقال يحيى بن عمر: فإن صلُّوا على ذلك أجزَأَته وأَعَادُوا. المسألة الثالثة (٩): قال: فإن كان مَنْ وراء الإمام قادرين على القيام، فالمشهورُ (١٠) أنَّه لا يجوز أنّ

стр. 1008

يأتمُّوا به، وبه قال ابن الحسن (١) وسحنون. وقد اختلف في هذا قول مالك في "النوادر" (٢) فرَوَى الوليد بن مسلم عن مالكٌ؛ أنَّه يجوز لهم الائتمام به قيامًا، وبه قال أبو حنيفة (٣)، والشافعيّ (٤)، والأوزاعي. توجيه: قال الإمام (٥): وَجْهُ القولِ الأوَّل: أنّ هذا رُكْنٌ من أركان الصّلاة، فلا يصحُّ الائتمام بمن عجز عنه كالقراءة. ووجه الرِّواية الثّانية: أنَّ النَّبيَّ ﵇ أَمَّ هو جالسٌ وأبو بكر والمسلمون معه (٦)، يقتدي أبو بكر بصلاة النَّبيِّ ﷺ ، ويقتدي النّاس بصلاة أبي بكر. فإن قلنا برواية الجمهور: فصَلّوا على ذلك، فقد قال مُطَرِّف وابن الماجشُون: تجزئه وعليهم الإعادة أبدًا (٧). وقوله: "إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" هذا يفيد الاقتداء به في كلِّ شيءِ إلَّا ما خَصَّهُ الدليلُ. المسألة الرّابعة (٨): اختلف العلماء (٩) فيمن ائْتَمَّ بمأمومٍ: فَرَوَى ابن سحنون عن أبيه؛ أنّه (١٠) إذا استخلفَ الإمامُ مَنْ فاتته ركعة، فَأَتَمَّ بهم الصّلاة، ثمّ قام يقضي، فَأْتَمَّ به من فاتته تلك الرّكعة أنّها تُجزئهم. قال (١١): ثُمَّ رجع فقال: أحبُّ إليّ أنّ يُعِيدُوا. وفي

стр. 1009

"الموازية" أنّه من اتَّبَعَهُ فيها فصلاته باطلةٌ. فإذا قلنا: تبطلُ صلاة من صلَّى معه فإنّ ذلك لمعنيين: أحدهما: أنّ من ائتَمَّ به فيها لزمه حُكم الإمام الأوَّلِ، فلا يجوز له أنّ يُتِمَّ صلاته متي ذلك المُستَخلَف ولا متي غيره، وإنّما حُكْمُه أنّ يقضي ما فاته (١) وحدَهُ. وقد روى موسى (٢) عن ابن القاسم؛ أنّ من فاتته ركعة فقضاها بإمامٍ فاتَتْهُ من الجماعة، فأحبُّ إليّ أنّ يعيدَ أبدًا، وروى ابنُ الموّاز: تبطل عليه. وقاله سحنون في "المجموعة". وقال ابنُ عبد الحَكَم: من لزمه أنّ يقضي فَذًّا فقضَى بإمامٍ بطلت صلاته. والوجهُ الثّاني: أنَّ مَنِ ائْتَمَّ بمأمومٍ فعليه (٣) القضاء. فإذا قلنا بجواز ذلك، فيحتمل أنّ يكون أبو بكر يأتم بالنَّبيِّ ﷺ ، والنّاس يأتمُّونَ بأبي بكر. وإن قلنا بالمتي من ذلك، فتاويلُه ما تقدَّمَ، ويحتمل أنّ يكون ذلك خاصًّا بالنّبيِّ ﵇. خاتمة (٤): قال ابنُ حبيب عن مالكٌ: إنه منسوخٌ بتَرْكِ أبي بكر وعمر وعثمان وعلىّ الإمامةَ في حال الجلوس (٥). وهذا فيه نظر؛ لأنّ النَّسْخَ لا يكون بعدَ النّبيِّ ﷺ ، إلَّا أنّ يريد أنّ الإمامة في حال الجلوس منسوخة (٦). قال القاضي أبو الوليد (٧): "يدلُّ على ذلك النَّسْخ: إجماع الأُمَّة على الامتناع من إمامة الجالس" (٨).

стр. 1010

قال (١): "وهذا أيضًا يحتاج إلى أنّ يثبت عنهم ثبوتًا شائعًا مع عدم المخالف لهم، وإلّا لم يكن إجماعًا". المسألة الخامسة (٢): وهي إذا ائْتَمَّ الواقفُ بالجالسِ، فقد قال أبو القاسم في "تفريعه" (٣): "يُكْرَهُ، فإن أمَّهُم أَعَادُوا في الوقتِ"، وهذا عندي على رواية ابن مسلم عن مالكٌ (٤). وأمّا على المشهور من قول مالكٌ، فإنّهم يعيدون (٥) أبَدًا. نكتةٌ أصولية (٦): فإن قيل: فأين عصمة النُّبُوَّة حين جُحِشَ النّبيُّ ﷺ في سقطته؟ الجواب: أنّ عِصْمتَهُ من كلِّ شيءٍ يقدحُ في النُّبُوَّةِ، والسقوط عن الدَّابة لا يقدحُ فيها. فإن قيل: فأين العصمة يوم أُحُد حين جُرِحَ وَكُسِرَت أضراسُه؟ فالجواب: أنّ هذه الآية (٧) نزلت في القَتْلِ خاصّة كما عُصِمَ منه. وكان سبب هذه الآية؛ أنَّ أعرابيًا جاء إلى النَّبيِّ ﵇ ليقتلَهُ، فاخْتَرَطَ سيفُهُ (٨) ورفعه، فاستيقظَ النّبيُّ ﷺ وكان راقدًا تحت شجرة وحدَهُ - فقال له: من يعصمُك منِّي؟ فقال له النّبيُّ ﷺ : "الله"، فرفع يده ليضربه فتجَمَّدَ ذِرَاعه، فلم يستطع أنّ يرفعه، حتّى رغب لمحمَد ﵇، فدعا اللهَ محمَّدٌ ﷺ فأطلقَ يَدَهُ (٩). ففزع النبيّ ﷺ وعلم أنّما عَصَمَهُ اللهُ، وخشيَ أنّ يأتيه آخر فيقتله دون أنّ يوقظه، فنزلت الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١٠)

стр. 1011

فضل صلاةِ القائمِ على صلاةِ القاعدِ مالك (١)، عن إسماعيل بن محمد بن سَعْدِ بن أبي وقَّاص، عن مولَّى لعَمْرِو بن العاصِ، أو لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنّ رسول الله ﷺ قال (٢): "صَلاةُ أَحَدِكُم وهو قاعِدٌ، مِثْلُ نِصْفِ صَلاَتِهِ وهو قائمٌ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ (٣) من مراسيلِ ابنِ شهاب. وهكذا رواهُ جماعةُ الرُّواةِ للموطَّأ (٤). ويتّصلُ من وجوهٍ صِحَاحٍ (٥)، وقد خرَّجَهُ الأيمَّةُ في مُصَنَّفَاتِهِم (٦). التّرجمة (٧): قال الإمام: هذا التّرجمة تداني (٨) التّرجمة السّابقة (٩) في المعنى، من أنَّ النَّظَر في التّفاضل لا يكون إلَّا بعد التَسَاوِي في الأجر (١٠). الأصول (١١): قولُه: "مِثْلُ نِصْفِ صَلاَتِهِ" يريد إلأجر (١٢)؛ لأنّ الصّلاة لا تتبعَّض (١٣)،

стр. 1012

وهذا (١) وإن كان عامًّا (٢)، فإنّ الدَّليلَ قد دَلَّ على أنّ المرادَ بذلك بعض الصّلوات وبعض الحالات، وأصلُ ذلك: أنّ القيام رُكْنٌ من أركان الصّلاة، وشرطٌ في صحَّةِ الفَرْضِ منها مع القُدْرَة عليه. والدّليلُ على ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) ولا خلافَ في ذلك، فوجب (٤) بذلك القيام. وروي أنّ (٥) النّبيَّ ﷺ قال "صَلِّ قائمًا، فإنْ لم تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فإنْ لم تستطعْ فَعَلَى جَنْبِ" (٦) فخَصَ بهذا الخبر منَ الآية من لا يستطيع القيام، وبقيت الآية على عمومها في المستطيعين. وقد ثبت بحديث عائشة المرويّ بعد هذا (٧)، جواز التَّنَقُّل جالسًا مع القدرة على ذلك، فَخُصَّتْ (٨) بذلك الآية على قول من زعم أنّها تتناول (٩) الفَرْضَ والنَّفْلَ، وبقيت عامة في المستطيعين القيام في الفريضة، وثبت بذلك أنَّ صلاةَ القاعد إنّما تكون مثل نصف صلاة القائم في موضعين. أحدهما: من صلَّى الفريضة غير مستطيعٍ القيام. والثّاني: من صلَّى النَّافلة مستطيعًا أو غير مستطيعٍ. وقال ابنُ حبيبٍ عن ابن الماجِشُون في تأويل قول النّبيِّ ﷺ : "صَلاَةُ الْقَاعِدِ مِثْلُ نِصْف صَلَاةِ الْقَائِمِ": إنَّهم كانوا يستطيعون أنّ يُصَلُّوا قيامًا، إلَّا أَن القعودَ كان أَرْفَق بهم. فأمّا من أقعدَهُ المرض والضَّعف في مكتوبةٍ أو نافلةٍ، فإنّ صلاته قاعدًا في الثَّواب مثل صلاته قائمًا. وقد قيل (١٠): إنّ الحديث ورد في النّوافل (١١)، وهذا تخصيص يحتاج إلى دليلٍ.

стр. 1013

الفقه (١): وفي هذا مسألتان: إحداهما: في وَصْفِ مَنْ تجوز له صلاة الفريضة قاعدًا. * والثّانية: في وصف صلاته. فامّا من تجوزُ له صلاة الفريضة قاعدًا* (٢)، فهو المُقْعَدُ الّذي لا يقدر على القيام، والمريض الّذي لا يستطيع القيام بحال. وقال ابن مَسْلَمَة: من لا يقدر على القيام إلَّا بمشقَّة صَلّى جالسًا. وعندي أنّه كالمريض والمائد (٣) في السفينة. ووجه ذلك: قولُه ﷺ : "صَلَّ قائمًا، فإنْ لم تستطع فَقَاعدًا" وقد تقدم بَيَانُه. مسألة (٤): ومن أراد أنّ يقدحَ عينيه ويصلِّي جالسًا أربعين يومًا، ففي "الواضحة" عن مالكٌ: لا بأس بذلك (٥). مسألة (٦): ومن صلَّى جالسًا مع العجز عن القيام، ثمّ قدر على القيام في الوقتِ، لم يُعِدْ، رواه موسى عن ابن القاسم في "العُتْبِيّة" (٧). ووجه ذلك: أنّه أتَى بصلاةٍ على ما يلزم من فرضها، فلم تجب عليه إعادة في وقتها، كما لو صلَّى بتَيَمُّمٍ ثم وجدَ الماءَ.

стр. 1014

مسألة (١): ومن لم يقدر على القيام إلّا مُسْتَنِدًا أو مُتَوَكِّئًا، فإنّ ذلك أَوْلَى من صلاته جالسًا، قاله في "المختصر". ووجه ذلك: أنّ هذه الحال أقرب إلى الفريضة، فلا يجوز له الانتقال عنه مع القدرة عليه. مسألة (٢): ويصلِّي المريضُ جالسًا مُسْتَنِدًا أحبُّ إليَّ من أنّ يصلِّي مضطجِعًا، قاله ابن القاسم في "المدوّنة" (٣). ووجه ذلك: أنّ الجلوس هيئةٌ من هَيْئَاتِ الصّلاة، فلم يجز تركها مع القدرة عليها كالقيام. فإن لم يستطع ذلك كلّه، أَدَّى فرضه مضطجِعًا، ودليلُه: الدّليل المتقدِّم. مسألة (٤): والسُّنَّةُ أنّ يصلِّيَ على جَنْبِهِ الأيمن، وَوَجْهُهُ إلى القِبْلَةِ، ورَأْسُهُ إلى المغرب، وَرِجْلَاهُ إلى المشرق؛ لأنَّ التَّيَامُنَ مشروعٌ، ولا يمكن استقبال القِبْلَةِ معه إلّا على هذه الحال. فإن عجز أنّ يصلِّي على جَنْبِه الأَيْمن، فهل (٥) يصلِّي على الأيسر، أو على ظهره؟ قال ابنُ القاسم: يُصَلِّي على ظهره (٦). وقال ابنُ الموَّاز: يُصَلِّي على جَنْبِه الأيسر. ووجه القول الأوّل: أنّه لَمَّا عجزَ عن التَّيَامُنِ، كان الاضطجاع أَمْكَن في

стр. 1015

استقبال القِبلَة، والأشبَه بحال القيام الّتي هي الأصل. ووجهُ القولُ الآخر - قوله: "فَإن لم يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ" ولم يفرِّق، فإنْ صلَّى على جَنْبهِ الأيسر، فإنَّهُ يُصلِّي ورأسُه إلى المشرق ورِجْلاَهُ إلى المغرب؛ لأنّه لا يَتَأَتَّيَ (١) الاستقبال إلَّا كذلك. فإنْ عجز عن ذلك، صلَّى على ظهره وَرِجْلَاهُ إلى القبلة، وهو مستقبلٌ القِبلَةَ بوجهه؛ لانّ استقبالَها مشروعٌ. نكتةٌ (٢): قولُه في الحديث (٣) عن حَفْصَة: "ما رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ صَلَّى في سُبحَتِهِ قَاعِدًا قَطُّ، حتّى كان قَبلَ وفاتِهِ بعَامٍ، فكان يُصَلِّي في سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، ويَقْرَأُ بالسُّورَةِ فَيُرَتَّلُهَا". قال القاضي: السُّبحَةُ النّافلة، وقيل في قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٤) يريد المصَلِّين. وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ (٥) أي: حين تصلّون، قاله ابن عبّاس (٦). وقوله (٧):"نِصْف صَلاةِ القَائِمِ" هو تنشيط لهم على القيامِ، ونَدْبٌ لهم إلى فضيلته (٨). ما جاء في صلاةِ القَاعِدِ في النّافِلَةِ في هذا الباب حديث السّائب بن يزيد (٩)، قَدَّمَهُ المؤلِّفُ في هذا الباب الأَوَّلِ على طريقِ البيان. قولُ السَّائِبِ؛ إنّ النّبيَّ ﷺ ولم يروه عنه (١٠).

стр. 1016

وفي هذا الباب مسألتان: المسألة الأولى (١): مَنِ افتتحَ نافلة قاعدًا ثمّ أرادَ القيام، فإنَّ ذلك له أنّ يفعله. ولو افتتح قائمًا ثمَّ أراد الجلوس، فإنَّ ذلك يجوز له عند ابن القاسم (٢). وقال أشهب: لا يجوز له ذلك (٣). المسألة الثّانية (٤): والجلوسُ في الصّلاة ليست له صفةٌ مخصوضةٌ لا يجزئ إلَّا عليه، بل يُجْزِىء على كلِّ صفةٍ من الاحتباء والتَّربُّع والتَّوَرُّك وغيرها. قال القاضي: غير أنّ أبا محمد عبد الوهّاب ذكر (٥) أنّ أفضلَها التَّربُّع؛ لأنّه أقرب (٦) هيئات الجلوس، إلّا أنَّ الاحْتِبَاءَ مع ذلك جائزٌ، وليس في احتباء سعيد وعُروة (٧) دليل على اختيارهما له، وإنّما فيه دليلٌ على أنّه كان يتكرّر منهما, ولعلّه كان يتكرّر عند السّآمة للتَّرَبُّع أو غير ذلك. واللهُ أعلمُ. الصّلاةُ الوُسْطَى التّرجمة: قال الإمام الحافظ: الألف واللّام في "الوُسْطَى" الّتي في القرآن (٨) هي للعَهْد (٩)؛ لأنّ الرَّبَ تعالى قد كان علَّمَها نبيَّهُ، فلمّا ذكرها له كأنّه قال: هذه الّتي أعلمتك بها.

стр. 1017

الإسناد: الأحاديث (١) صِحَاحٌ في هذا الباب لا ارتيَاب فيها، خرَّجها الأيمّة. العربية: يحتمل أنّ يريد بالوُسط الفضل، من قولهم: وسطا، أي خيارًا. ويحتمل أنّ يريد بها الوَسَط، وهو التّسَاوِي في البُعْد لكلِّ واحدٍ من الطّرفين. وقيل: الوسطُ العدلُ. الفقه (٢): اختلف العلماء في الصّلاة الوُسْطَى على سبعة أقوال (٣): أحدها: أنّها كلّ واحدة من الصّلوات. والثّاني: أنّها الجمعة. *والثّالث: أنّها الصّبح (٤). والرّابع: أنّها الظهر (٥). والخامس: أنّها العصر (٦). والسادس: أنّها المغرب* (٧). والسابع: أنّها لا تُعْلَم.

стр. 1018

واختار مالك (١) أنّها الصُّبح، واختار أبو حنيفة أنّها العصر (٢). وحُجَّةُ من قال: إنّها الصُّبح، فإنّها فاتحة العمل وإنّ القنوت لا يكون إلَّا فيها، لقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣). وأيضًا: فإنّ صلاتها تعدلُ قيام ليلة. واحتجَّ من قال: إنّها الظّهر، أنّها إذا صلّاها ظهرت ووقع الابتداء بها، فكان لها فضل؛ لأنّها أوّل صلاةِ صلّاها جبريل بالنّبيِّ ﷺ . واحتجَّ من قال: إنّها العصر، بما تقدَّمَ من الأحاديث الصِّحاح في "مسلم" (٤) و"البخاريّ "، ولم يصحِّحه البخاريّ ولا أَدْخَلَهُ في كتاب الصّلاة، وإنّما أدخله في كتاب المغازي في غزاة الخَندَق (٥). واحتجّ من قال: إنها المغرب، بأنّها ذات وقتٍ واحدٍ لا تأخيرَ لها. واحتجّ من قال: إنّها الجمعة، بأنّ شروطها أكثر، فدلَّ بها أنّها أفضل. واحتجّ من قال: إنّها أُخْفِيَت في الصّلوات، كما أخفيت ليلة القَدْر في الشَّهر. قال الإمام: والصّحيحُ عندي أنّها مخفيةٌ؛ لأنّ الأحاديث لم تُبيَّنها, ولا صحَّحَها أبو عبد الله (٦) لاختفائها زيادةً في فضلها، فعلى هذا هي مخبوءةٌ في جُمْلَةِ الصّلوات كما الكبائر في جملة الذّنوب، ترغيبًا منه في فضل الطاعة، وترهيبًا لاجتناب المعصية. الأصول (٧): قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية (٨)

стр. 1019

قال الإمام: افترقَ النّاسُ في الكلام في هذه الآية على أزيد من ثمانية أقوال: الأولُ: قولُه: ﴿حَافِظُوا﴾ المحافظةُ هي المداومةُ على الشيءِ والمُواظَبَةُ عليه، وذلك بالتمادي على فِعْلِها والاحتراس عن تَضْيِعها أو تضييع بَغضِها. نكتةٌ (١): وبناء المسألة؛ أنّ "وس ط " في تركيب لسان العرب عبارة عن أحد معنيين: إمّا عن الغاية في الجيد (٢). وأمّا عن معنى يكون ذا طرفين نِسْبتُهُ إلى الطّرفين من جهتيهما سواء، وذلك يكون بالعدد والزّمان والمكان. فأمّا الصّبح، فهي وسط في الزّمان، فإنّها زاهقةٌ عن ظُلمة اللّيل، مشرفةٌ على ضوء النّهار. وهي أيضًا وسطٌ في العدد؛ لانّها اثنتان، وللعدد طرفان: واحدٌ وأربعة. وهي وسطٌ في الفضل لأنّها مشهودَةٌ ويشاركها العصر؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى البَرْدَينِ دخلَ الجَنَّةَ" (٣) وصلاة الصُّبح في أولها، وهي وسطٌ في الفضل؛ لأنّها أثقل الصّلوات على المنافقين، ولقوله: "لو يعلمونَ ما في العَتَمَة والصُّبْح" (٤) وتشاركها فيه الْعَتَمَة، ولأنّها وسط في الفضل أيضًا، إذ مصلَّيها في جماعة كأنّما قام ليله، وهي خصيصةٌ لها لا يشاركها فيه واحدةٌ من الصّلوات. وأمّا الظُّهر، فهي وسطٌ في الزّمان؛ لأنّها نصف النّهار، ووسطٌ في الفَضْلِ؛ لأنّها أوّل صلاة صُلَّيت، كما تقدَّم ذِكْرُهُ. وأمّا العصر، فإنّها وسط في الفضل، فإنّها مشهودة، وبأنّها في أحد البَرْدَين، ولقول النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهم" خرَّجَهُ البخاريّ (٥)، وحديث البخاريّ (٦): "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسطَى صَلاَة العَصْرِ" وهذا نَصٌ، وقد تَأَوَّلَهُ

стр. 1020

بعضُهم بانها كانت وُسْطَى الثلاثة الّتي فاتتها، وهذا ضعيفٌ. وأمّا المغرب، فإنّها وسطٌ في الزمان؛ لأنّها مفعولة (١) عن إدبار النّهار والإشراف على اللّيل، ولأنّها وسطٌ في العدد، ولأنّها وِتْرُ النّهار، والوِتْر أفضل من الشَّفع، والله وِترٌ يحبُّ الوِتر (٢)، ولأنّها جمعت أحوال الصّلوات كلّها حتىّ الجَهْر في القراءة والسَّرّ. وأمّا العَتَمَة، فإنها وُسطَى في الفضل كما تقدم من فضائلها, ولأنّ الصّحيفة بها تُخْتَم كما تفتتح (٣) بالصُّبح، ولأنّها مصونة بالنَّهي عن الحديث بعدها برًّا بها. وأمّا الجمعة، فإنّها وسط في الفضل لكثرة شروطها، وكثرةُ شروط الشَّيء دليلٌ على فضله، ولأنّها مخصوصةٌ بهذه الأُمّة. هذا منتهى الإشارة إلى جماع الفضائل، فمن نظر إلى تعارض الأدلّة، قال: كلُّها وُسْطَى. ومنهم من قال -كما قلنا -: هي مخبوءةٌ ليحافظ على الكُلَّ. قال الإمام: وإذا أردت أنّ تقف على الصّحيح في ذلك لسلوك مدرجة النّظر إليه، فاعلم أنّ حديث عائشة في "الموطَّأ" (٤) على أنّ القراءة الشّاذَّة لا توُجبُ عِلْمًا ولا عَمَلًا (٥)، وأمّا سائر الأدلّة في سائر الصذلوات فَبَيَّنَةٌ، وإنّما يكون الإشكال بَيْنَ الصُّبح والعصر، والصّبح أكثر فضائل منها حسب ما سطَّرناه قَبْلُ. تنبيه (٦): وربَّما توهّم أنّ قوله: "مَنْ تَرَكَ صلاةَ العصرِ حَبِطَ عَمَلُهُ" *مزيَّةٌ لها على غيرها، وهو وهم؛ لأنّ من ترك صلاة المغرب حِبَطَ عَمَلُهُ* (٧) على الوجه الّذي يحبط بترك صلاة العصر, وكذلك بترك سائر الصلوات، فقد بهذا كلّه أنّها الصُّبح، حسب ما
следующие страницы →