← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

٤ - والقنوتُ أيضًا بمعنى القيام؛ الدليلُ عليه قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ (١). الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٢): اختلفَ الفقهاءُ في القُنوتِ، فذهب مالك (٣) والشّافعيّ (٤) إلى أنَّ القُنوتَ مشروعٌ في الصُّبْحِ، وأنّه من فضائل الصَّلاة (٥). المسألة الثّانية (٦): قال أبو حنيفة والثّوريّ: لا يقنتُ في شيءٍ من الصَّلاة (٧)، وإليه ذهب يحيى بن يحيى (٨) من أصحابنا. والدّليلُ على صحَّةِ مذهب مالك: ما رُوِيَ عن عاصم؛ أنَّه قال: سألتُ أنس بن مالكٌ عن القُنوتِ، فقال: إنه كان يَقنُتُ، قلتُ: قبلَ الرُّكُوع أو بعدَهُ؟ قال: قبله. قال: فإنّ فلانًا أخبرني عنك أنّك قلتَ بعد الرُّكوع، قال: كَذَبَ، إنّما قنتَ رسول الله ﷺ بعد (٩) الرُّكوع شهرًا، أَرَاهُ بَعَثَ قومًا يقالُ لهم القُرَّاءُ، وكانوا (١٠) سبعين رَجُلًا، إلى قومٍ من المشركين دونَ أولئك، وكان (١١) بينهم وبين رسولِ الله ﷺ عَهْدٌ (١٢)، فقتلوا القُرَّاء، فقنتَ رسولُ الله ﷺ يَدْعُو عليهم (١٣).

стр. 1087

المسألة الثّالثة: فهذا ثبت هذا، فنقول: إنّ رسول الله ﷺ قنتَ في الصُّبحِ والمغرب والعشاء، فاستقرَّ عمل أهل المدينة على أنَّ القنوتَ في الصُّبح. وهو الدُّعاء، وهو الطّاعة، ولا يكون إلَّا في قيامٍ كما فَعَلَهُ رسول الله ﷺ ، فقد اجتمعتِ الثّلاثة في معنى واحد. المسألة الرّابعة (١): إذا ثبت هذا، فالقنوتُ عند مالكٌ (٢) قبل الرُّكوع أفضل، وهو الّذي اختاره مع جملة من أصحابه. واختار الشّافعيّ (٣) بعد الرُّكوع، واختاره أيضًا ابن حبيب (٤). والدّليلُ على مذهب مالك: خبر أنس المذكور، وهو نَصٌّ في موضع الخلاف. ودليلنا من جهة المعنى: أنَّ القنوتَ قبل الرُّكوع أَوْلَى؛ لأنّه سبب لإدراك صلاة بعض من يأتي بعده (٥). وإذا جعل بعد الرُّكوع لم تكن فيه فائدة لمدرك الصَّلاة. المسألة الخامسة (٦): رأى ابن حنبل (٧): أنّ قُنوتَ النّبيِّ ﷺ إنّما كان لسببٍ فيما كان (٨) ينزل بالمسلمين، والأحكامُ إذا كانت معلولة بالأسباب زالت بزَوَالها. ورأى مالكٌ والشّافعيّ أنّ ذلك من كَلَبِ العدوّ ومفزعته، معنى دائمًا، فدامَ القنوتُ بدَوَامِهِ، ونظروا أيضًا إلى أنّ النَّبيَّ ﷺ استمرَّ عليه فقَضَى باستمراره (٩).

стр. 1088

المسألة السّادسة: وقد وهمَ فيه محمد بن عبد الحَكلم لأنّه يرى القُنوتَ سُنَّة، وأنّه يسجد له قبل السّلام. وهو في المذهب مستحبٌّ ولا سجودَ عليه فيه. واختلف قولُ مالكٌ في سجود السَّهْوِ لمن تركه، فلم يُدْخِل في ترجمة الموطَّأ فيه إلّا رواية نافع عن ابن عمر (١)؛ أنّه كان لا يَقْنُتُ في صلاة (٢)، تنبيهًا على أنّه خفيفٌ لا يلزم في أصله فعلًا ولا يشرع له سجودُ وجبرانٌ. المسألةُ السّابعة (٣): قال علماؤنا (٤): ليس في القنوت دعاء مُؤقَّتٌ (٥)، وليدعُ في القنوت بما شاءَ من حوائجه، رواه عليّ بن زياد عن مالكٌ، ويختصّ عند مالكٌ بصلاة الصُّبح. المسألة الثّامنة: في تحديد القنوت قال أبو محمد بن أبي زَيْد في الرِّسالة (٦): "والقنوتُ عندنا: اللهُمَّ إنا نستعينُك، ونَسْتغفرُك، ونُومِنُ بك ونَخنعُ لك ونَخلَعُ، ونترُكُ من يَكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ، ولكَ نصلَي ونسجُدُ، وإليك نسعَى ونَحْفِدُ، نرجوا رَحْمَتك، ونخافُ عذابَكَ الجدَّ، إنّ عذابَكَ بالكافرين مُلْحِقٌ" (٧). شرحٌ وعربيةٌ: قوله: "نَخْلَعُ" أي نترك من يكفرك ونطرحه بأخرة، فلا يكون منّا في شيءِ، كما نخلع الثّوب عن الظّهر (٨).

стр. 1089

وقوله: "نَسْعَى ونَخفِدْ" بكسر الفاء. أي: نخدم باجتهاد (١). والحَفْدُ والعَسَلاَنُ والنَّسَلاَنُ: تقارب الخَطو مع الإسراع. "ونَخَافُ عَذَابَكَ الجِدَّ" بكسر الجيم وفتحها، وكسرها أحسن، والجِدُّ: الحقّ. قوله: "إنَّ عَذَابَكَ بالكافرين مُلْحِقٌ " بكسر الحاء؛ لأنّه مفعل بمعنى فاعل، ويقال: مُلْحَق بفتح الحاء، قد ألحق بالكافرين، والأوّل أحسن. تتميم: قول مالكٌ: القنوتُ في رمضان، أي إدامة الصَّلاة فيه باللّيل، هذا معناه عندي. وزاد (٢) عليّ عن مالك: وفي الوِتْرِ منَ النِّصف الآخِرِ من رمضان. وروى عنه ابن نافع المَنْع عنه في رمضان (٣). النَّهيُ عن الصَّلاةِ والإنسانُ على (٤) حَاجَتِهِ الحديث (٥) صحيحٌ متَّفَقٌ عليه. قوله ﷺ : "إذا أرادَ أَحَدُكُمُ الغَائِطَ، فَلْيَبْدَأ بِهِ قَبْلَ الصَّلاَةِ". الحديث الثّاني: قوله من حديث عائشة: "لا يُصَلِّي أَحَدُكُم بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثين" يعني: الغائط والبول (٦). الحديث الثّالث: "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيهِ" (٧). واختلف العلماء في تعليله بعلّتين - إحداهما أَقْوَى من الأُخْرَى-: ١ - قيل: إنّه إذا كان ضامًّا بين وَرِكَيْهِ كان حاملًا لنجاسة.

стр. 1090

والثّانية: أنّه يشتغل سرُّه كما قال: "إذا حضرتِ الصَّلاةُ والعَشَاءُ، فابدؤوا بالعَشَاءِ" (١). وقيل: عِلّتُه عدم الخُشوع معه، والإقبال على أفعال الصَّلاة. ومنهم من قال: إنّ علّته أنّه انصبَّ للخروج، فإذا حقنه فكأنّه حبسه في ثوبه. وأغفلوا علّة ثالثة، وهو إذا حقنه، فكأنّه قد نقضَ طهارته، فيكون مصلِّيًا بغير وضوء، وهذا إذا أخْرَقَه وحزقه. وأمّا إذا كان يسيرًا فلا اعتبار فيه (٢). الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): أجمعَ العلماءُ على أنّه لا ينبغي لأحدٍ أنّ يصلِّي وهو حاقنٌ، إذا كان حَقنُهُ ذلك يشغلُهُ عن الصَّلاة، أو عن إكمال الصَّلاة (٤). المسألة الثّانية (٥): قال مالكٌ (٦): إذا كان الرَّجُلُ حاقنًا كان إمامًا أو مأمومًا، فإنّه ينصرف، وإن لم ينصرف وتَمَادَى في الصَّلاة، فإنَّ عليه الإعادة. وقال في، "المجموعة": أحبّ إِليَّ أنّ يعيد في الوقت وبعدَهُ. قال الإمام- ووجه ذلك: أنّه مأمور بتقديم الغائطِ لمعنى التَّفَرُّغِ (٧). وقال أبو حنيفة (٨)، والشّافعيّ (٩): إنّ فَعَلَ، فبئس ما صنع، ولا إعادةَ عليه. والدّليلُ على ما نقوله: الحديث المذكور؛ أنّه أمر بتقديم الحاجة، وفيه النّهي

стр. 1091

عن تقديم الصَّلاة، والنَّهيُ يقتضي فساد المنهي عنه، فوجب أنّ يكون مفسدًا لها. المسألة الثّالثة (١): قال علماؤنا: إنّ ما يجده الإنسان من ذلك على ثلاثة أضرب: أحدها: أنّ يكون خفيفًا، فهذا يصلِّي ولا يقطع. والثّاني: أنّ يكون ضَامًّا بين وَرِكَيْهِ، فهذا يقطع، فإنْ تمادَى صَحَّتْ صلاتُه، ويستحبُّ له أنّ يعيدَ في الوقتِ. والثّالث: أنّ يشغله ويعجله عن استيفائها، فهذا يقطعُ، فإنْ تَمَادَى أعادَ أبدًا. المسألةُ الرّابعة (٢): قال ابن القاسم (٣): والقَرْقَرَةُ (٤) في البَطْنِ بمنزلة الحَقْنِ. وأمّا الغَثَيَان: فلم يُجِب عنه. وعندي: ألّا (٥) تقطع له الصَّلاة، والفَرْقُ بينه وبين الحَقنِ، أنّ الحَقنَ يقدر على إزالته، والغَثَيَانَ لا يقدر على إزالته، فلا معنى لقطع الصَّلاة من أجله. المسألة الخامسة (٦): رَوَى ابنُ نافع عن مالكٌ؛ أنّه من أصابَ ذلك في صلاته، خرج واضعًا يده على أَنفِهِ كالرَّاعِفِ. ومعنى ذلك: أته قد يمنعه (٧) خَجَلُهُ من الخروج على ذلك من التَّمَادِي على الصَّلاة. فإذا خرج على صفة الرَّاعِفِ، سهل عليه وبَادَرَ إلى الخروج، والله أعلم.

стр. 1092

انتظارُ الصَّلاة والمشيُ إليها الأحاديث في هذا النَّوع صِحَاحٌ متَّفَقٌّ عليها، خَرَّجَهَا الأيمَّة. قوله (١): "إنَّ الملائكة تُصَلِّي على أَحَدِكِمُ - ويُرْوَى: تُصَلِّي على العبدِ (٢) - ما دَامَ في مُصَلَّاه، وما دامَ ينتظر الصَّلاة، فيه ثمان فوائد: الفائدة الأولى: قوله: "تُصلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ" يريد تدعو (٣)؛ لأنّ الصّلاةَ في كلام العرب تنقسم على أقسام: فمَد تكون بمعنى الترَحُّم. وبمعنى الدُّعاء. وبمعنى الرُّكُوع والسُّجود، كما بينَّاهُ في أوَّلِ الكتاب. ويحتمل أنّ يكون بعد ما صلّى، إذا جلس للذِّكْرِ ولانتظار صلاةٍ أخرى. الفائدة الثّانية (٤): قوله (٥): "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ" بَيَّنَ معنى الصَّلاة الّتي أضافها إلى الملائكة. الفائدة الثّالثة (٦): قوله (٧): "لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ" فَبيَّنَ معنى قصده المسجد (٨). والخيرُ يشتملُ على جميع أنواع الصَّلاة وغيرها، وإدخاله (٩) في هذا الباب، وليس فيه ذكر الصَّلاة، على أنَ الصَّلاة من جملة الخير، فكلٌّ من جلسَ في المسجد فإنه في خيرٍ.

стр. 1093

وقيل: المنافقُ في المسجدِ كالطَّيْر في القَفَصِ (١) يغلق فيه (٢) وينظر موضعًا للخروج. الفائدة الرّابعة (٣): ويدخل في هذا الحديث المرأة، فإنّها لو قعدت في مصلَّى بيتها تنتظر دخول الوقت للصّلاة، فإنّها تدخل في معنى هذا الحديث؛ لأنّها حبست نفسها عن التَّصرُّفِ رغبةً في الصّلاة، فهي داخلةٌ في معنى الحديث، واللهُ أعلمُ. الفائدة الخامسة: قوله (٤): "مَا لَمْ يُحْدِث" اختلف العلماء في معناه على أربعة أقوال: الأوّل (٥) - قال مالك (٦): هو الحَدَث الّذي ينقضُ الوضوءَ والطّهارة، وهو قولٌ صحيحٌ؛ لأنّ المُحْدِثَ القاعدَ في المسجد على غيرِ وضوء لا يكون منتظرًا للصلاةِ في حال تجوزُ له الصَّلاة. القولُ الثّاني - قال غيره: هو حَدَثُ الاثم، يريد ما لم يعص، فإذا قطع صلاة الملائكة حدَث الوضوء، فحدَثُ المعصيةِ أَوْلَى وأَحْرَى أنّ يقطع (٧). القولُ الثّالث - قال أبو هريرة: هو حدَثُ البَطْنِ. ومذهب سعد بن أبي وقّاص أنّه حدث الإثم. القولُ الرّابع - قال عبد الملك: إنه ما أحدثَ النّاس اليوم من الكلام في المساجد. الفائدة السّادسة (٨): فيه: التّرغيب في عمارة المسجدِ لمشاهدة صلاة الجماعة، فإن لكلِّ امريءٍ مَا نَوَى.

стр. 1094

الفائدة السّابعة: قوله (١):"مَنْ رَاحَ إلى المَسجِدِ لا يريدُ إلَّا تعلّم خير لا غيره، كان كَالمُجَاهِدِ في سبيلِ اللهِ" فيه من الفقه (٢): أنّ العالم والمتعلِّم في الأَجْرِ سواء. وقوله (٣): "كالمُجَاهِدِ يرجع بالغَنِيمة" يحتمل أنّ يريد: إنّما يرجع من الأجر كاجر المجاهد الغانمِ، واللهُ أعلم. حديث مالكٌ (٤)، عن العَلاَء بن عبد الرّحمن، عن أبيه؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أَلاَ أُخبِرُكُم بما يمحو اللهُ به الخطايا، ويرفَعُ به الدَّرجاتِ؟ إسباغُ الوُضُوءِ عند المكارِهِ، وكَثرْةُ الخُطَا إلى المساجد، وانتظارُ الصّلاة بعد الصّلاة. فذَلِكُمُ الرِّباطُ، فذلكمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ " ثَلاَثًا. الإسناد: حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه، خرَّجَهُ مالك (٥) ومسلم في صحيحه (٦)، وهو حَسَنٌ في الباب في التّرغيب، ومن أفضل حديث يُرْوَى في فضل الأعمال، وفيه سبع فوائد: الفائدة الأولى (٧): فيه من الفقه: طرح المسألة على المتعلِّم، وإبتداؤُه بها، وعَرْضُها على من يرجو حِفْظَهَا وحملَها. الفائدة الثّانية: قوله (٨): "يَمْحُو اللهُ به الخَطَايَا" هذا كنايةٌ عن العَفْوِ عنها. وقد يكون مَحْوُها من كتابِ الحَفَظَة دليلًا على عَفْوه تعالى عمّن كتبت عليه باكتسابه لها، وقد بَيَّنَّا في

стр. 1095

تفسير قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) في تمثيل الملكوت على ثلاث وخمسين قولًا للعلماء فلتنظر هنالك (٢). الفائدة الثّالثة (٣): قوله: "ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرجاتِ" يريد المنازل في الجَنَّة. ويحتمل أنّ يريد به درجته في الدنيا بالذِّكرِ الجميل، وفي الآخرة بالثَّواب الجزيل. الفائدة الرّابعة (٤): قوله: "إسباغُ الوُضُوءِ عِنْدَ المَكَارِهِ" قال علماؤنا (٥): الإسباغ: الإكمال والإتمام (٦). قال المفسِّرون في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً﴾ (٧) يعني: أتَمَّها عليكم وأكملها. وإسباخُ الوُضوءِ هو أنّ يأتي بالماءِ على كلِّ عُضْوٍ يَلْزَمُهُ غسله مع إمْرَارِ اليد، فهذا فعلَ ذلك وأكملَ، فقد توضَّأَ كما أَمَرَهُ اللهُ. الفائدةُ الخامسة (٨): قولُه: "على المَكَارِهِ" يريد: على أنواعهِنَّ من شدَّةِ بردٍ، وألم جسمٍ، وقلّة ماءٍ، وحاجة نوم، وعجلةٍ، وغير ذلك. وقال الشّيخ أبو عمر في "الاستذكار" (٩): "أراد بقوله: "على المكاره" شدّة البَرْد، وكلّ حالِ يكره المرء عليها (١٠) نفسه على الوضوء".

стр. 1096

الفائدة السادسة (١): "وانتظارُ الصَّلاةِ بعد الصَّلاةِ، فذلكمُ الرِّبَاطُ " أمّا قوله: "انتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ" يريد: كالعصر بعد الظّهر، والعِشَاء بعد المغرب. وأمّا انتظار الصُّبْح بعد العِشَاء، فلم يكن من عمل النّاس؛ لأنّه وقتٌ يتكرَّر فيه الحَدَث، وكذلك الظُّهر بعد الصُّبْح. وأمّا المغرب بعد العَصْرِ، فلا أذكرُ (٢) فيه نَصًّا، وحكمه عندي حكم الصُّبْح (٣) بعد العِشَاء؛ لأنّه ينتظر صلاةً ليس بينها وبين الّتي صَلَّى اشتراكٌ في وقتٍ. الفائدة السّابعة (٤): قوله: "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" يعني أنّه من الرِّباطِ المُرَغَّبِ فيه؛ لأنّه قد ربطَ نفسَهُ على هذا العمل. ويحتمل التّفضيل لهذا الرِّباط على غيره من الرِّباط في الثُّغُور، يريد أنّه أفضل أنواعه، ولذلك يقال: جهاد النّفس هو الجهاد. قال الشّيخ أبو عمر في الاستذكار (٥): "الرِّباطُ هاهنا الملازمةُ في المسجدِ لانتظارِ الصّلاةِ، وذلك معروف في لُغَةِ العربِ. قال صاحب العين (٦): "الرِّباطُ: ملازمة الثُّغور (٧). والرِّباطُ: مواظَبَةُ الصَّلاة" (٨). قال أبو سَلَمَة بن عبد الرحمن (٩): في قوله: ﴿اصْبِرُوا﴾ (١٠) قال: ما كان الرِّباط

стр. 1097

على عهد رسول الله ﷺ ، ولكن نزلت في انتظار الصّلاة بعد الصَّلاة (١). وقال محمد بن كعب في ذلك: "اصبروا على دِينكُم، وصَابِرُوا على الوَعْدِ الّذي وَعَدْتكم، ورابِطُوا عَدُوِّي وعدوَّكُم حتّى يتركَ دينَهُ لديِنكُم، واتَّقوني فيما بيني وبينكم (٢) " (٣). وقال في قوله: ﴿اصْبِرُوا﴾ على صلاة الصُّبْح ﴿وَرَابِطُوا﴾ على الظُّهرِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في العصر ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ في المغرب والعشاء. ومن حديث عليّ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إسْبَاغُ الوُضوءِ في المكارِهِ، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة، يغسلُ الخطايا غسلًا" (٤). حديث أبي قَتَادَة الأنصاريّ (٥)؛ أنّ رسول الله قال: "إذا جاءَ (٦) أحَدُكُمُ المسجدَ، فَلْيَرْكَع ركعتين قبلَ أنّ يجلِسَ". الإسناد: قال الإمام: حديث حسن صحيح (٧) في الباب، خرَّجه الأيمَّة: مسلم (٨) والبخاري (٩). الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (١٠): اتَّفَقَ جماعةُ أَيِمّة الفَتْوَى على أنّ تأويل هذا الحديث محمولٌ على النّدب

стр. 1098

والإرشاد، مع استحسانهم (١) الرُّكوع لكلِّ مَنْ دخلَ المسجدَ وهو طاهرٌ، في وقتٍ تجوزُ فيه النّافلة. وقال مالكٌ (٢): هو حسنٌ وليس بواجب. وأوجب أهلُ الظّاهر (٣) ذلك فَرْضًا على كلِّ من دخلَ المسجدَ في كلّ وقت؛ لأنّ فعلَ الخير لا يُمْنَعُ منه إلَّا بدليلٍ مُعَارِض. قال الإمام: وهذا القولُ لا يُلْتفَتُ إليه، فإن الأدلَّةَ مَعَنَا قائمةٌ، ولا يقوم بقوله أهل الظّاهر حُجَّة. قال الطّحاوي (٤): وحُجَّةُ الجماعة في ذلك: اْنّ رسولَ الله ﷺ سُلَيْكًا حين جاء يوم الجمعة وهو يخطبُ أنّ يركعَ ركعتين (٥)، وأمر مرّة أخرى رجلًا رآه يتخطَّى رقابَ النَّاسِ بالجلوس (٦)، ولم يأمره بالرّكوع عند دخوله. وفي حديث آخر: "اجلس فقد آنيتَ وآذَيْتَ" (٧). فهذا يخالفُ حديثَ سُلَيْك، فاستَعْمل الأحاديث على ما تأوَّلَها جماعة الفقهاء (٨). وقول أهل الظّاهر في ذلك خطأ، لقوله: "ونهيه عن الصّلاة عند طلوع الشّمس وعند غروبها" (٩) وغير ذلك من الأوقات المنهي، فمن دخل المسجدَ في هذه الأوقات، فليس بداخلٍ في أَمْرِهِ ﵇ بالرُّكوع عند دخوله. المسألة الثّانية (١٠): قال علماؤنا (١١): قوله: "إذا دخلَ أحدُكُم المسجدَ فَلْيَرْكَعْ ركعتينِ" لَفْظُه لفظ الأمر وهو محمولٌ على النَّدْبِ، بدليل أنّه لا يجب من الصَّلوات

стр. 1099

إلَّا الخمس. ومعنى ذلك: أنّ المساجد إنّما بُنِيَت للصّلاة، وإنّما تُقْصَدُ للصّلاة، فَيُسْتَحَبُّ أنّ يبدأ فيها بالصّلاة، ليأمن بذلك ذوات ما قصد له بحَدَث أو غيره. المسألة الثّالثة (١): قال أشياخنا (٢): ولا يخلو أنّ يدخل للصّلاة أو لغيرها. فإنْ دخلَهُ للصّلاة، فإنه يستحبُّ له أنّ يركع ركعتين قبل أنّ يجلس، تحيّة المسجد. المسألة الرّابعة (٣): قال علماؤنا (٤) فيمن أتَى العيد (٥): إنّه يجلس ولا يركع. واختُلِفَ فيمن أتى الجامع لصلاة العيد: ورَوَى ابنُ القاسم عن مالكٌ؛ أنّه يركع. وروى ابنُ وَهْب وأشهب؛ أنّه لا يركع. ويحتمل ذلك معنيين: أ- أحدهما: أنّ يكون المنعُ من الصَّلاة لأجل المكانِ. ٢ - ويحتمل أنّ يكون لأجل الصَّلاة. فإن قلنا لأجل المكان، فإنّ الصَّلاة في الجامع لمن أتى (٦) العيد غير ممنوعة، وفي غيره ممنوعة. ووجه ذلك: أنّه فِعْلٌ متَّخَذٌ لصلاة سُنَّ لها البُرُوز، ولم يُسَن الرُّكوع قَبْلَها كصلاة الجنازة. * وإن قلنا: إنَّ المنع لأجل الصَّلاة، فلائها صلاة قد لحقها التّغير، وسُنَّ لها

стр. 1100

البروز، فلم يُشْرَع لمن جاء الرُّكوع قبلها كصلاة الجنازة* (١)، فعلى ذلك (٢) لا يركع من أتى المسجد للعيد، ولا يمنع من أراد أنّ يركع في المصلَّى إذا خرج إلى الاستسقاء. وكذلك قال مالكٌ: يركع في المصلَّى من خرج (٣) قبل الإمام أو بعده. المسألة الخامسة (٤): ومن دخل المسجدَ لغير صلاة، فلا يخلو أنّ يريد الجلوس أو الجواز. فإن أراد الجلوس، فلا يجلس حتَّى يركع. وإن أراد الجواز،، فقال مالكٌ: ليس عليه أنّ يركع. ورُوِيَ عن زيد بن ثابت؛ أنّه قال: يركع. وجه ما قاله مالكٌ: أنّ الأمر إنّما تَوَجَّه على مَنْ يريد الجلوس، ولذلك قال ﷺ (٥): "فَلْيَرْكَغ رَكعَتَيْنِ قبلَ أنّ يَجْلِسَ". وأمّا المارّ فلم يَتوَجَّه إليه الأمر، والأصلُ عدمه. المسألة السّادسة (٦): قال علماؤنا (٧): وهذا إنّما يكون في مساجد الآفاق، وأمّا المسجد الحرام، فقد قال مالكٌ في العُتْبِيّة (٨): يبدأ بالطواف قبل الرُّكوع. ووجهه: أنّ الطّواف صلاة، وهو مختصٌّ بهذا المسجد، فلذلك ابتدأَ به قبل الصَّلاة الّتي لا تختصّ به، بل يشاركه فيها سائر المساجد، على أنّ الطّواف لا بد بعده من ركعتين، فيجتمع له (٩) الأمران.

стр. 1101

المسألة السّابعة (١): قال علماؤنا (٢): وأمّا في مسجد النَّبيِّ ﷺ قال مالكٌ (٣): يبدأ بالسّلام (٤) على النّبيِّ ﷺ ، قال: وكلُّ ذلك واسعٌ (٥). قال ابنُ القاسم: يبدأ بالرُّكوع أحبُّ إليَّ (٦). ويتفرَّع على هذا مسائل كثيرة يطولُ بسردها الكتاب. وضعُ اليَدَيْنِ على ما يُوضَعُ عليه الوَجْهُ في السُّجود الفقه في ثلاث مسائل: قوله (٧): "يضع كَفَّيهِ على الّذي يَضَعُ عليه وجْههُ" هو السُّنَّة؛ لأنّ اليَدَيْن ممّا ترفع وتوضع في السُّجود كالوجه، بخلاف سائر الأعضاء، فلزم أنّ يكون حكمهما حكم الوجه. فإن كان على الكَفِّ غشاءٌ، فلا يصلّي (٨) به، رواه ابنُ القاسم عن مالكٌ. ومعنى ذلك: أنّها (٩) من اليد، فيلزم أنّ يباشر بها الأرض ما يسجد عليها. المسألةُ الثّانية (١٠): الأَنْفُ أمّا الأنفُ، فهو عند ابن القاسم تَبَعٌ للجبهة، فإن سجد عليها دون الأَنْفِ

стр. 1102

أجزأَهُ، وإِنْ سجد على الأَنْفِ دونها لم يجزه. وقال ابنُ حبيب: هما سواء، ومن لم يسجد عليهما لم يجزه. التوجيه: أمّا وجه قول ابن القاسم: فمعناه أنّ الأنفَ ليس مع الجبهة عظمًا واحدًا، وإنّما هو مضافٌ إلى الوجه، ولذلك لم تكن فيه مُوضِحَة، وإنّما يدخلُ مع الوجه على معنى التَّبَعِ. ووجه قول ابن حبيب: ما روي عنه؟ أنّه قال ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ على سَبْعِ ولا أَكْفِتَ الشَّعْرَ ولا الثِّيَابَ، الجَبْهَةِ، والأَنْفِ، وَاليَدَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ، والقَدَمَيْنِ (١) " (٢). حديث (٣): خَرَّجَ التّرمذيّ (٤)، عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِديِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سجدَ أمكنَ أَنْفَهُ وجَبْهَتَهُ منَ الأرضِ، وَنَحَّى يَدَثهِ عن جَنْبَيهِ، ووضع كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، حديث حسن (٥). قيل للبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ: أين كان رسولُ الله ﷺ يَضَعُ جَبْهَتَهُ إذا سجد؟ قال: بَيْنَ كَفَّيْهِ. حديث حَسَنٌ غريبٌ (٦). حديث العبّاس بن عبد المُطَّلِب؛* أنّه سمع رسول الله ﷺ يقولُ: "إذا سَجَدَ العَبْدُ سَجَدَ معه سَبْعَةُ آرَابِ: وَجْهُهُ، وكَفَّاهُ، ورُكبتاهُ، وقَدَمَاهُ" حَسَنٌ صحيحٌ (٧). ابن عبّاس * (٨)؛ قال: أُمِرَ رسولُ الله ﷺ أنّ يَسْجُدَ على سَبْعَةِ أَعْظُمٍ (٩)، ولا يَكُفَّ شَعْرًا ولا ثَوْبًا. حَسَنٌ صحيحٌ (١٠).

стр. 1103

العربية (١): الآرابُ: هي الأعضاء، واحدها إِرْبٌ (٢). الأصول (٣): قوله (٤): "أُمِرْتُ بالسُّجُودِ" مخصوصٌ في الظّاهر. واختلف العلماءُ فيما فُرِضَ على النَّبيِّ ﷺ من ذلك، هل تدخل معه الأُمَّةُ فيه؟ فقيل: تدخل. وقيل: لا تدخل إلّا بدليلٍ، وهو الأَصَّحُّ. وقيل: إذا خُوطِبَ النّبيُّ بأَمْرٍ ونَهْيٍ فالمرادُ به الأُمَّة مَعَهُ، وهذا أيضًا لا يثبت إلَّا بدليلٍ. والدَّليلُ على تَوَجُّه ذلك علينا: إجماع الأُمَّة على وجوب السُّجودِ على هذه الأعضاء، ولعلّ ذلك أيضًا مأخوذٌ من قوله: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" (٥) أو مِن دليلٍ آخر سِوَاهُ، ولا دليل (٦) أَعْلَمُهُ في الأعضاء السَّبعة، إلَّا الوجه، فإن فيه عُضْوَيْنِ يلصقان بالأرض: الجبهة والأَنْفُ. واختلف علماؤنا في وجوبِ السُّجودِ عليهما على ثلاثة أقوال: القولُ الأوّل: أنّ يسجد عليهما جميعًا، يعضدُه قولُه: "الوَجْه" في حديث ابن عبّاس، وقوله في الصّحيح: "الجبهة"، وأشار بيده إلى (٧) أنفه، فدخلت الجبهةُ في الوجه (٨) باللَّفظِ. والأنفُ با لاشارة. وقال ابن حبيب -وهو الثّاني (٩) -: سقط وجوب (١٠) السّجود عن الأَنْفِ؛ لأنّ

стр. 1104

النَّبيَّ لم يذكره، إنّما قال: "والجبهة" وإلاّ فهو ظَنٌّ من الرّاوي لا تقوم به حُجَّة، وقاله أيضًا ابن القاسم. والقولُ الثّالث: ذكر أبو الفَرَج المالكي (١) في "الحاوي": أنّه من صلَّى فسجدَ على أَنْفِه دون جبهته أنّه لا يعيد؛ لأنّ بعض الوجه وَجْهٌ، كما أنّ بعضَ الرَّأسِ رأسٌ. وقد بيَّنَّا فساده في "الكتاب الكبير". وأمّا السُّجودُ على العمامة، فقد أجازَهُ ابن القاسم. الالتفاتُ والتّصفيقُ في الصَّلاة عند الحاجة مالك (٢)، عن أبي حازِم بن دينار، عن سَهْلِ بن سعدٍ السَّاعديِّ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ ذهب إلى بني عَمْرو بن عوْفٍ لِيُصْلِحَ بينهم، وحَانَتِ الصّلاةُ، فجاءَ المُؤَذِّنُ إلى أبي بكرِ الصِّدِّيق، فقال: أتُصَلِّي للنَّاسِ فَأُقيمَى؟ قال: نعم، فَصلَّى أبو بكرٍ، فجاء رسولُ الله والنّاسُ في الصَّلاةِ، فَتَخَلَّصَ حتَّى وَقَفَ في الصَّفِّ الحديث. التّرجمةُ (٣): بوَّبَ مالكٌ ﵀ على الالتفات في الصّلاة؛ لأنّه عَمَلٌ خارج عنها، مضادّ لإقبال، ولكن سمح في اليسير عند الحاجة. وبَوَّبَ أيضًا عليه، لِمَا رُوِيَ أنّ رسول الله ﷺ كان يلتفتُ في صلاتِهِ يَمِينًا وشِمَالًا، غيرَ أنَّهُ لا يَلْوِي عُنُقَهُ. رواه الشّعبي وغيره (٤). قال علماؤنا: وإنّما نخافُ أنّ يدخل في قول النَّبيِّ ﷺ : "وأَمَّا الآخرُ فأَعْرَضَ، فأَعْرَضَ اللهُ عنه" (٥).

стр. 1105

الإسناد (١): اختلفت ألفاظُ النَّاقلين لهذا الحديث (٢) عن أبي حازم، وبانَ في ذلك أنّ الصَّلاةَ الّتي صلَّاها أبو بكرٍ كانت صلاةَ العصرِ، وأن المُؤَذِّنَ كان بِلاَلًا. وروى حمّاد بن زيد هذا الحديث عن أبي حازم مُسْنَدًا، وقال فيه النَّبِيُّ ﷺ لبلالٍ: "إذا حَضَرَتِ الصّلاةُ فقدّم أبَا بكرٍ" (٣). ذكر الفوائد المتعلقة بهذا الحديث وهي أربع عشرة فائدة: الفائدة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): فيه من الفقه: إصلاحُ الامامِ على رعِيَّتّه إذا تقاتَلُوا، لئلّا تفترق كلمتهم فيدخلها (٦) الفساد. وفيه: الحُكْمُ والإصلاحُ بين النّاس (٧)، وهو مندوبٌ إليه. قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية (٨). وفيه أيضًا (٩): أنّ الإمام والحاكم قد يذهب بنفسه فيما يحتاج إليه من المشاهدة للأمر من القضايا والأحكام. الفائدة الثّانية: قوله: "وَحَانَتِ الصَّلاة"، في هذا دليل على فضل الصَّلاة في أوّل الوقت، وإذا

стр. 1106

خشي فَوْت وقتها المختار، إنّه لا ينتظر الإمام فيها وإن كان فاضلًا (١) لأنّه قال: "وَحَانَتِ الصَّلاة" ولم يقل: فخيف فوت الوقت، وفي ذلك آثارٌ كثيرةٌ. الفائدة الثّالثة: قال علماؤنا: وإنّما استعجلوا بالصّلاة خَلْفَ أبي بكرٍ؛ لأنّ ظَنَّهُم أنّ النَّبيَّ ﷺ سَيُبْطِيءُ عن الصَّلاة، فكان يطول ذلك عليهم من انتظاره. الفائدة الرّابعة (٢): فيه من الفقه: أنّ الإقامة إلى المُؤَذِّنِ وهو أَوْلَى بذلك، وقد اختلف العلماء في هذا المعنى: فقال قائلون: مَنْ أَذَّنَ فهو أَوْلَى بالإقامة، ورَوَوْا فيه حديثًا مسنَدًا عن النَّبيِّ ﷺ (٣). وقال مالكٌ (٤) والكوفيون (٥): لا بأس بأذان مؤذِّنِ وإقامة غيره. واستحبَّ الشّافعيّ (٦) أنّ يقيمَ المؤذِّن، وإن أقام غيره فلا بأس به. الفائدة الخامسة (٧): قوله (٨): "تُصَلِّي فَأُقِيمُ" بيانٌ أنّ الإقامةَ متّصلةٌ بالصّلاةِ، ولذلك استفهمه، ولم يحتج ذلك في الأذان؛ لأنّه ليس بِمُتَّصِلٍ (٩) بالصّلاة.

стр. 1107

الفائدة السّادسة (١): جواز تَخَلُّلِ (٢) الصّفوف، والإتيان إلى الصَّفِّ، الأوّل حتَّى يصل إليه من يليق (٣) به الصَّلاة فيه؛ لأنّ شأن الصَّفِّ الأوَّل أنّ يكون فيه أفضل القوم وأعدلهم، لقوله ﷺ في الحديث الثّابت الصّحيح: "لِيَلِني منكم أُولُو الأحلام والنُّهَى، وإيّاكُمْ وَهيْشَاتِ الأَسْوَاقِ" (٤). نكتةٌ لغويةٌ: قال أبو عبيْدٍ في غريبه (٥): "إياكم وهَوْشَات الأسواق. الهوشةُ: الفِتْنَة والهيج والاختلاط، يقالُ: هوشَ القوم إذا اختلطوا" أو ما قرب من هذا المعنى. وقوله (٦): "أولو الأحلام والنُّهَى" يعني العقلاء الفضلاء الّذين يحفظون عنه صلاته، ويَعُونَ (٧) ما يكون منه في صلاته. وكذلك ينبغي أنّ يكون في الصَّفِّ الأوّل من يصلُحُ أنّ يُلَقِّنَه، ومن يصلُح أيضًا للاستخلاف في الصَّلاة. الفائدة السابعة (٨): قوله (٩): "حتّى وقفَ في الصَّفِّ" يريد الصَّفّ الأفضل، والألف واللّام للعهد، وهذا أصلٌ فيمن دخلَ فوجدَ النَّاسَ يصلُّونَ، فرأَى فُرْجَة في الصَّفِّ المتقدِّم أنّه يشقُّ إليها. وروى ابن القاسم عن مالكٌ: أنّه لا بأس أنّ يخترقَ صَفَّا إلى فُرْجَةٍ يراها في صف آخر.

стр. 1108

قال ابن حبيب: إنّ كان عن يمينه ويساره فليدعها. الفائدة الثامنة (١): قوله (٢): "فصفَّقَ النّاسُ" وإنّما صَفَّقُوا لمّا كانوا ممنوعين من الكلام. ورأَوْا ما استعظموه من تقديم أبي بكرٍ بحَضرةِ النَّبيِّ ﷺ . وفيه: أنّ التّصفيقَ لا يفسدُ صلاة الرِّجال (٣) وإن فعلوه فيها؛ لأنهم لم يُؤْمَرُوا بإعادة الصَّلاة، وإنّما قيل لهم (٤): "مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ في صَلاَتِهِ فَلْيُسَبَّحْ". نكتةٌ أصولية (٥): قوله: "إنّمَا التَّصْفِيقُ للنِّسَاءِ" قال الشّافعيّ: أراد به شرعًا، أو بيان شرع (٦). وقال مالكٌ: أراد به بيان حالٍ؛ لأنّ هذا حُكمٌ (٧) في الشّريعة، والحقُّ أحقُّ أنّ يُتَّبَعَ (٨) قال النّبيُّ ﷺ : "إنَّ الشّيطانَ تَعَرَّضَ لي في صلاتي، فإن كان شيءٌ فَلْيُسَبِّح الرِّجالُ، وليصفّق النِّساءُ" (٩) وهذا نصّ، وقوله: "فإن أنساني الشّيطان شيئًا من صلاتي فليسبح الرِّجال، وليصفِّق النّساءُ" (١٠). اعتراض (١١): فإن قيل: كيف سُلِّطَ الشَّيطانُ عليه والعصمةُ قد ضمنت له؟ الجواب عنه من ثلاثة أَوْجُهٍ: أحدها - أنا نقول: إنّما ضمنت له العصمة *في الآية من النّاس لا من الشيطان.

стр. 1109

وضمنت له العصمة * (١) بدليلِ آخر من الشّيطان في المعاصي، دون الوسوسة والفَزَع، ألَّا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الآية (٢). الثّاني: أنّه إنّما أضاف السَّهْوَ إلى الشيطان، اقتداءً بموسى ﵇ في قوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَه﴾ الآية (٣). وقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٤) فاقتدى به. الثّالث: أنّه إنّما كان معصومًا من شيطانه، قال ﷺ : "ما منكمْ من أحدٍ إلَّا وله شيطانٌ. قيل: ولا أنت؟ قال: ولا أنا" الحديث (٥). فأمّا مِنْ غيره، فقد قال ﷺ : "إنّ عِفْرِيتًا تَفَلّتَ عَلَيَّ البارحةَ في الصّلاةِ، فأخذتُهُ وهممتُ أنّ أُوثقَهُ إلى سارِيَةٍ من سَوَارِي المسجد، ثم ذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ الآية (٦) فَدَعَتُّهُ" (٧). نكتةٌ لغوية: قوله: "التَّصْفِيقُ للنِّسَاءِ" التّصفيقُ: صوتُ الكَفِّ يقعُ على الكَفِّ، ولذلك قالوا في الصفقة إذا تمّت صفقة؛ لأنهم إذا أتمّوا النكاح جعلَ المنكح يده في يد النّاكح، فكان ذلك عندهم دليلًا على تمام العَقْدِ، فكان للكَفَّيْن حينئذٍ صوتٌ. والتصفيق بالسِّين والصّاد لأنّها قبل القاف، ذُكِرَ ذلك في كتاب العين (٨) عن الخليل بن أحمد: أنّ كلّ سين أو صاد تكون قبل القاف، فإنّ السِّين في مكان الصّاد جائز، والصّاد مكان السِّين أيضًا.

стр. 1110

مزيد بيان: فإن قيل: فلم خَصَّ النّبيُّ ﷺ النِّساء بالتّصفيق والرّجال بالتّسبيح؟ أجاب علماؤنا عن ذلك بأجوبة: أحدها: أنّ المرأة عورةٌ، وكلامها عورةٌ فَخَشِيَ الفتنةَ؛ لأنّ صوتَها فيه لِينٌ، فأمرَ الرِّجالَ بالتّسبِيحِ والنّساء بالتَّصفيقِ، على ما جاء في الحديث. الفائدة التّاسعة (١): قوله (٢): "وكانَ أبو بكرٍ لا يتلفتُ في صلاته" هذا من فضائل الرَّجُل الفاضل أنّه لا يلتفتُ في الصّلاةِ، ولذلك وصف به أبا بكر مدحًا له. "فلمَّا أكثرَ النَّاسُ منَ التّصفيقِ الْتَفَتَ" وفي ذلك دليلٌ على أنّ الالتفاتَ القليل لا تعاد منه الصَّلاة. وقوله: "كانَ لا يَلْتفِتُ" فيه دليلٌ على أنّ مِنْ سُنَّةِ الصّلاة أنّ يكون نظره في قِبْلَتِهِ؛ لأنّ أبا بكر دام على ذلك حتّى وُصِفَ به. وأنكر مالكٌ (٣) أنّ ينكس الرّجل رأسه، ولا يتكلَّف رفعه ولا خَفْضه. وقوله: "فَالْتَفَتَ" دليل على أنّ ذلك ليس بواجبٍ (٤). الفائدة العاشرة (٥): قوله: "فأشارَ إليه أَنِ امْكُثْ" قال علماؤنا (٦): في ذلك دليل أنّ الإشارة في الصَّلاة للعُذرِ لا تبطلها؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ فعل ذلك. الفائدة الحادية عشرة (٧): أنّ الإشارة في الصَّلاةِ باليد والغَمْزَ بالعينِ لا تضرُّ المصلِّي، وقد روى نافع،

стр. 1111

عن ابن عمر؟ أنّ رسول الله ﷺ "كان يشير في الصَّلاة" (١). وقد اختلف في هذا المعنى؟ فقالوا: إشارة النَّبيِّ ﷺ إلى أبي بكرٍ تحتمل معنيين: أحدهما: أنّ يثبت مكانه إمامًا. والثّاني: أنّ يثبتَ مأمومًا. والأوّل أظهر. والإشارة (٢) في الصَّلاة للعُذْرِ لا تبطلها؛ لأنّ النّبيّ ﷺ فعل ذلك. الفائدة الثّانية عشرة (٣): فيه ردّ السّلام بالإشارة باليد والرّأس؛ لأنّهما ممّا جرت بهما العادة، قال ابنُ الماجِشُون: ولا بأس بالمصافحة في الصّلاة. وهذا فيه نظر (٤). وروي عن ابن وهب: لا بأس أنّ يشير في الصَّلاة بلا ونعم. قال ابنُ الماجِشُون: وأمّا أنّ يشيرَ إليه بالشّيءِ يُعطِيهِ إيّاه، فلا أحبُّ ذلك. الفائدة الثّالثة عشرة (٥): فيه دليلٌ على أنّ رفع اليدين في الصّلاة حَمْدًا وشُكْرًا ودعاءً وضَرَاعَةً إلى الله، لا يضرُّ ذلك الصَّلاة، وهو جائز. وقد رُوِيَ عن مالكٌ جواز رفع اليدين في موضع الدّعاء. الفائدة الرّابعة عشرة (٦): قوله: "فَحَمِدَ الله" يريد على ما فَضَّلَهُ وأَهَّلَهُ له النَّبيّ ﷺ من تَقَدُّمِهِ وصلاته به. وقد رُوِي عن ابن القاسم (٧): فيمن أُخبِرَ في صلاته بما يَسُرُّهُ، فحمد الله، قال: لا يعجبني، وصلاته مجزئةٌ عنه. وقال أشهب: إلَّا أنّ يريد بذلك قطع صلاته.

стр. 1112

الفائدة الخامسة عشرة (١): قوله: "فَاسْتأخَرَ أَبُو بَكرٍ" في ذلك مسألتان: إحداهما: تأخّر أبي بكر. والثّانية: تقدّم النَّبيّ (٢). فأمّا تأخر الإمام لغير عذر، فليس بجائزٍ؛ لأنّه قد لزمه إتمامها، ولزم النّاس الائتمام به، فلا يجوز له إبطال (٣) ما دخل فيه ولا إبطال صلاة من قد ائْتَمَّ به. الفائدة السّادسة عشرة (٤): فيه دليل على جواز الاستخلافِ في الصّلاة إذا أحدثَ الإمامُ، أو مَنَعَهُ من إتمامِ صلاته مانعٌ، وقد تأَخَّرَ أبو بكرٍ من غير حَدَثٍ. الفقه في ذلك في أربعة فصول: الفصل الأوّل: في حكم الإمام إذا طرأ عليه ما يمنعه حكم الاستخلاف والمستخلف. الفصل الثّاني: في عمل المستخلف فيما بَقِيَ عليه. الفصل الثّالث: في عمل من استُخلِفَ للصّلاة بهم. الفصل الرّابع: في عملهم بعد إتمام صلاة الإمام. الفصل الأوّل (٥) قال علماؤنا (٦) في إمامٍ أَحْدَثَ فاستخلفَ، ثمّ أَتى فأخرج (٧) المستخلفَ وأتمّ صلاتَه: إنّ ذلك ماضٍ، واستدلَّ بفعلِ أبي بكرٍ حيثُ (٨) تأخّر، وذلك يدلُّ على أنّه يرى أنّ هذا الفعل لا يختصّ بالنّبىّ ﷺ .

стр. 1113

وقال يحيى بن عمر (١): إنّ ذلك مخصوصٌ بالنّبيّ ﵇، وذلك يفيد أنّ مثل هذا لا يصحّ من غيره، وهو الأظهر بتلك العلّة الّتي لها تأَخَّرَ، وهذا حُكمٌ يختصّ بالنَّبيِّ ﵇، ولو كان لابنِ أبي قحافة أنّ يصلّي بين يدي من هو أفضل منه، وأقره النّبيُّ (٢) على ذلك، لجَاز (٣) اليوم أنّ (٤) يتأخّرَ الإمامُ لمن يرى أنّه أفضل منه. والعملُ اليوم عند جماعة العلماء؛ أنّ (٥) ذلل مخصوصٌ بالنَّبيِّ ﵇، وكلّهم لا يجيز إمَامَين في صلاةٍ واحدةٍ من غير حَدَثِ يقطعُها على الإمام. وفي إجماعهم على هذا دليلُ (٦) خصوصِ هذا الموضع، لفضل (٧) رسول الله ﷺ وأنّه لا نظيرَ له. ولا يجوز لأحدٍ أنّ يتقدَّمَ قوْمًا إلَّا بإذنهم، أو إِذْنِ من له الإذْن منهم، ولا ضرورة بأحدٍ اليومَ إلى مثل هذا الفعل، فلذلك بانَ فيه الخصوص. وموضعُ الخصوصِ في هذا الحديث: هو تأخّر الإمام عن غير حَدَثٍ. وأمّا من تأخّر لعلّة الحدث، فذلك جائزٌ لما وصفنا. المسألة الثّالثة: وأمّا تأخّر الإمام لعُذرٍ، فلا خلافَ في ذلك (٨). والأعذار على وجوه: منها: ما يوجب للإمام كونه مأمومًا، وذلك إذا عجز عن شىءٍ من فَرْضِ الصَّلاة. الثّاني: يحدُث به ما يمنعُ صِحَّة الصَّلاة كالحَدَثِ، فإنّه يُقَدَّم (٩) وينصرف (١٠).

стр. 1114

المسألة الرّابعة: وعندنا أنّ المستخلفَ لا يكون إمامًا إلّا بعد أَخْذِهِ في الإمامة، وأَخْذِ النَّاس في الاقتداءِ به. ولمّا عدم ذلك في المستخلفَ لم يكن إمامًا، ولمّا وُجدَ ذلك في اَلّذي تقدَّمَ، صَحَّ ائتمامهم به. وقد قال ابن القاسم في "المدوّنة" (١): لم أسَمع من مالك أنّ المستخلفَ يكون إمامًا قبل أنّ يبلغ موضع الإمام. المسألة الخامسة: وعندنا لا يجوز أنّ يستخلف إلَّا مَنْ قد أحرَم. ولو استخلف مَنْ لم يحرم، لبطلت صلاة من ائتمَّ به، بمنزلة قومٍ أحرموا قبل إمامهم، قاله (٢) ابن القاسم في "الْمُدوّنة" (٣). فإذا أحدثَ بعد الرُّكوع وقبل السُّجود، فلا يستخلف من لم يدرك معه تلك الرّكعة. ورُوِيَ عن ابن القاسم في، "العتبيّة" (٤) قال: فإن فعل فليقدّم (٥). المسألة السادسة: قال: وان لم يستخلف الإمام أحَدا فصلوا أفذاذا، فقد قال ابن القاسم في "المدوّنة" (٦): لا يعجبني ذلك، فإن صلُّوا أجزأئتهم صلاتهم. المسألةُ السّابعة: قال علماؤنا (٧): ويستحبُّ للإمام أنّ يستخلفَ من الصَّفِّ الّذي يَلِيهِ. رواه ابن زيّاد عن مالكٌ في "المجموعة". ووجه ذلك: أنّه أقرب إليه وأقلّ لعمل المستخلفِ في التَّقدُّم إلى موضع

стр. 1115

الإمام، ولذلك شرع أنّ يلي الإمام أهل الفقه والعلم (١)، فيستخلف منهم إنِ (٢) احتاج إلى ذلك. الفصل الثّاني (٣) في عمل المستخلف وفيه أربع مسائل: المسألةُ الأولَى: أمّا عمل المستخلف فيما بقي من صلاة الإمام، فجملته أنّه إنّ كان استخلفه بعد أنّ قرأ بعض القراءة، فقد قال ابنُ القاسم في "العُتْبيّة": يقرأ من الموضع الّذي انتهى إليه الإمام، وءان استخلفه بعد تمام القراءة، فليركع ولا يعيدها (٤). المسألة الثّانية: روى عن ابن القاسم في "العتبية" (٥) أنّه إنّ أحدثَ راكعًا، استخلفَ من يدبُّ راكعًا إلى موضع الإمام ويرفع بهم. المسألةُ الثّالثة: روى ابن معاوية عن ابن القاسم (٦)؟ أنّ المستخلفَ في الجلوسِ يدبُّ جالسًا، وفي القيام يتقدّمُ قائمًا. ومعنى ذلك: أنّ المستخلفَ مَنْ حُكمُهُ أنّ يعملَ مثل عمل الإمام، ويتقدَّم إلى موضعه ليتمّ الاقتداء به على سُنَّتِه، وبذلك يعلم تقدّمه للإمامة؛ لأنّه ربّما اعتقدَ الاقتداءَ بغيره، وذلك يمنعُ صِحَّةَ الاقتداء به. المسألة الرّابعة: ولو صلّى وحده ركعةً من الصُّبْحِ، ثمّ دخل معه في الرَّكْعَةِ الثّانية من ائتمَّ به،

стр. 1116

فركع معه، ثمّ أحدثَ الإمامُ فاستخلف (١)، فقد قال ابن المواز: يُتِمُّ ركعته ويجلس، ثمّ يقومُ فيقضي * الأوّل. ووجه ذلك: أنّه قد لزمه حكم صلاة الإمام، فعليه أنّ يُتمَّ ما بَقِيَ من صلاة الإمام حتّى يبلغ محلّ السّلام، ثم يقوم فيقضي* (٢) ما فاتَهُ قبل أنّ يسلِّم، ثم يسلّم ويتمّ صلاته، وهذا يقتضي أنّ الجماعةَ إذا أحدث إمامُهُم فخرجَ ولم يستخلف وصلّوا أفذاذًا، فإنّ كلَّ واحدٍ منهم إنّما يبني على صلاة الإمام من فاته منهم بعض صلاة الإمام ومن لم يفت. الفصلُ الثّالث (٣) في عمل من استخلف للصلاة بهم وفي ذلك ثلاث مسائل: المسألة الأُولَى: قال علماؤنا في عمل المأموم مع المستخلفِ: إنّ حكم ذلك المأموم أنّ يتبع المستخلفَ فيما يبني (٤) عليه من صلاة الإمام. وذلك أنّه لا يخلو أنّ يكون المستخلف أدرك مع الإمام ابتداء ركعةٍ، أو لم يدركها معه، فإن أدرك معه الركعة، وكانت أوّل صلاة الإمام، فإنّ صلاتهم باقية على سنّتها لا يلحقها تغيير، ولو فاته ركعة من صلاة الإمام ثم استخلفه الإمام بعد أنّ أدرك معه الثّانية، فإنّه يتمّ بهم صلاة الإمام ثم يسلِّم بهم. المسألة الثّانية: فإذا قلنا: إنّ المأموم يقضي ما فاته قبل صلاة المستخلف، فقد حَكَى سحنون (٥) في "المجموعة": إنّ ائتمّ بالمستخلف بَطَلَت صلاتُه. وروى ابن سحنون

стр. 1117

أيضًا عن أبيه (١)؟ أنّه تجزئه، قال: ثمّ رجع وقال: يعيد أحبّ إليَّ. الفصلُ الرّابع في عملهم بعد إتمام الصّلاة وهذا الفصل فيه فروع كثيرة مهدناها في "الإنصاف" (٢) فلتنظر هنالك، والحمدُ لله. ما جاءَ في الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ - الإسناد: الأحاديث في هذا الباب صحَاحٌ، خرَّجها الأيمّة: مسلم (٣)، والبخاريّ (٤)، والترمذي (٥). وهي ثمانية أحاديث: الحديث الأوّل: ما في "الموطّأ" (٦). الحديث الثّاني: روى الدّارقطنيّ أحاديث كثيرة لكنّها ضعاف. الحديث الثّالث (٧): حديثُ ابن مسعود؛ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد أحدُكُم أنّ يسألَ الله حاجته، أو قال شيئًا، فليبدأ بحمد الله، والثنّاء عليه بما هو أهله،

стр. 1118

ثم يصلِّي على النّبيِّ، ثمّ يسأل الله حاجته، فإنّه أجدر أنّ ينجح" (١). الحديثُ الرّابع: عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوني كقَدَحِ الرّاكبِ، فإنَّ الرّاكبَ يملأ قَدَحَهُ ثمّ يضعُه، ويرفعُ مَتَاعَهُ، فإن احتاج إلى شرب شربه، أو لوضوء (٢) توضَّأَ منه وإلّا إهراقه، ولكن اجعلوني في أوّل الدّعاء وأوسطه، وآخره" (٣). الحديثُ الخامس: عن عمر بن الخطّاب؟ أنّه قال: الدّعاء والصّلاة معلّقان بين السّماء والأرض، ولا يصعد إلى الله منه شيءٌ بلا حتّى يصلِّي على النَّبيّ ﷺ (٤). وفي حديث آخر: إنّ الذعاءَ محجوبٌ حتّى يصلِّي الدّاعي على النّبيِّ ﷺ (٥). نكتةٌ صوفية (٦): قال ابنُ عَطَاء: للدّعاء أركانٌ وأجنحةٌ وأسبابٌ وأوقاتٌ، فإن وافق أركانه قَوِيَ. وإن وافق أجنحتَهُ طارَ في السَّماء. وإنْ وافق مواقيتَهُ فازَ. وإن وافق أسبابَهُ أنجح. فأركانُه: حضورُ القلبِ، والرّأفة (٧)، والاستكانة، والخشوع، وتعلّق القلب بالله، وقطعه من الأسباب. وأجنحته: الصِّدقُ. ومواقيتُه: الأسحار. وأسبابُهُ: الصّلاةُ على محمد المختار. وفي الخبر: "إنّ الدُّعاءَ بين الصَّلاتينِ عَلَيَّ لا يردُّ" (٨).

стр. 1119

وفي آخر: "محجوبٌ بين السّماء والأرض (١)، فهذا جاءتِ الصلاةُ صعدَ الدُّعاءُ". تمهيد على قاعدة: قد نخلَ العلماءُ من أهل الحديث هذه الأحاديث فقالوا: قد اختلفت الرِّواية في لفظ الحديث الصّحيح على ثلاثة أوجه: أحدها (٢): طريق كعب بن عُجْرَة؛ أنَّه قال: قلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نُسَلِّم عليك، فكيف نصلِّي عليك؟ فسكتَ حتّى أنزل الله الآية، فقال: "قولوا: اللهمّ صلِّ على مُحَمَّد" الحديث (٣). فتولّى الله بيان فضل الصَّلاة على النَّبيّ (٤)، وأنزله بالوحي، فصار حدًّا محدودًا، لا يحلُّ لأحدِ الزّيادة فيه ولا النّقصان منه. تنبيه على وهم (٥): إلَّا أنّه وهم في ذلك شيخُنا أبو محمد بن أبي زيد وهمًا قبيحًا خفي عليه فِيه علم الأثر والنّظر، فقال (٦) في صفة (٧) الصَّلاة على النَّبيّ (٤): "اللهمَّ صلِّ على محمّد .. وارْحَمْ مُحَمَّدًا" وقوله: "وارْحَمْ محمَّدًا" كلمة ليس لها أصلٌ إلَّا في حديث ضعيفِ وردت فيه زيادة خمسة ألفاظ: اللَّهمَّ صَلَّ، وارْحَمْ، وبارِكْ، وتحتَّنْ، وسَلِّم (٨). ومثلُ هذا الحديث لا ينبغي أنّ يُلْتَفَتَ إليه في العبادات. ثمّ نزلَ أبو محمد

стр. 1120

إلى درجة النَّظَر، فليته اختار قوله: "وسلّم" ولكنّه اختار: "وارْحَم" وخَفِيَ عليه أنّ قوله: "ارْحَم" معنى قوله: "صل"؛ لأنّ الصَّلاة رحمة، فحذار من أنّ تقولها، ولتقتد بالعالِمِ الأكبر محمّد ﷺ (١). الحديث الثّاني: من الصّحيح: "اللهم صلَّ على محمّدٍ، وعلى آل محمّدٍ، كما صلّيتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركتَ على إبراهيم" (٢). الحديثُ الثّالث: روي: "كما باركتَ على إبراهيم وآل إبراهيم" (٣). الحديث الرّابع: رُوِيَ: "وآل محمّد، وأزواجه، وذرتته" (٤). الحديث الخامس: وقع في الصّحيح لمسلم (٥)، وخَرَّجَهُ الترمذيّ (٦) وصحَّحَهُ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى عليَّ صلاةً، صلَّى الله بها عليه عَشرًا"، وهو مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٧). الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٨): في وجوب الصَّلاة عليه لا اختلاف (٩) بين الأُمَّة في أنّ الصّلاةَ على النّبيِّ ﷺ فرضٌ في العمر.

стр. 1121

وقيل (١): إنّ الصّلاة على النَّبيِّ فرضٌ في (٢) الجملة، غير محدود (٣) بوقت، لأَمْرِ الله تعالى بالصّلاة عليه، وحمل الأُمَّة والعلماء ذلك على الوجوب، وأجمعوا عليه أنّه واجبٌ على الجملة (٤). وحكى أبو جعفر الطَّبريّ؛ أنّ مَحْمَلَ الآية عنده على النَّدْبِ، وادَّعَى فيه (٥) الإجماع فيما زاد (٦) على مَرَّةٍ، والواجبُ منه الّذىِ يسقُطُ (٧) به الحَرَج، وما تمَّ بذلك الفَرض (٨) مرّة، كالشّهادة له بالنُّبُوَّة، وما عدا ذلك منه فمُرَغَّبٌ فيه، من سُنَنِ الإسلام وشِعَارِ أَهْلِه. قال الإمام (٩): والمشهور عند علمائنا أنّ ذلك واجبٌ على الجملة، وفرضٌ على الخَلِيقَة (١٠) بأنْ يأتي (١١) بها مرَّةً من دَهْرِهِ مع القُدْرة على ذلك. وقال القاضي أبو بكر بن بُكيْر (١٢): افترضَ اللهُ على خَلْقِه أنّ يصلُّوا على نَبيِّه ويسلِّمُوا تسليمًا، ولم يجعل ذلك لوقتٍ معلومٍ؛ فالواجبُ على المرءِ أنّ يُكْثِرَ منها ولا يغفل في طُولِ عمره. وقال القاضي أبو محمّد عبد الوهّاب بن نصر ﵀: الصَّلاةُ على النَّبيِّ واجبةٌ في الجملة (١٣).

стр. 1122

وقال (١): قد نقل عن مالكٌ أنّه قال: الصَّلاة (٢) على النَّبيّ ﷺ فَرضٌ بالجملة بعَقدِ الإيمان (٣) بذلك، وأن مَنْ صلَّى عليه مَرَّةً واحدةً من عمره سقَطَ عنه الفرض. المسألة الثّانية (٤): أمّا الصَّلاة عليه في صلاة الفريضة، فحكى الإمامان أبو جعفر الطّبريّ والطحاويّ (٥)؛ أنّ إجماع جميع المتقدِّمين والمتأخِّرين من علماء الأُمَّة على أنّ الصَّلاة على النَّبيّ في التَّشَهُّدِ غير واجبةٍ. وشذَّ الشّافعيّ (٦) في ذلك فقال: من لم يصلِّ على النَّبيّ (٧) بعد التّشهّد الآخر، وقبل السّلام فصلاته فاسدة، وإن صلّى عليه قبل ذلك، لم يجزه. وهذا قول ساقط. وقال أبو بكر بن المنذر: ويستحبُّ ألاّ يصلِّي أحدٌ صلاةً إلَّا صلَّى فيها على النَّبيِّ (٧)، فإن تركَ، فصلاتُه مجزئةٌ في مذهب مالكٌ وأهل المدينة. وقال سفيان الثّوري بذلك وأهل الكوفة، وهو قولُ جُمْلَة أهل العلم. وقال أبو حنيفة: الصّلاة على النَّبيِّ ﷺ الصَّلاة مستحبَّةٌ. وحَكَى ابنُ القصّار (٨)، وعبد الوهّاب (٩)؟ أنّ محمّد بن الموّاز يراها فريضة في الصَّلاة كقول الشّافعيّ. نكتةٌ قاطعة بهم (١٠): الدّليل على أنّها ليست من فروض الصَّلاة: عملُ السَّلفِ وأهل المدينة (١١) قبل

стр. 1123

الشّافعيّ، وقد شَنَّعَ النّاسُ عليه في (١) هذه المسألة جِدًّا، وإنّ (٢) تشهُّدَ ابن مسعود الّذي اختاره الشّافعيّ (٣) ليس فيه الصَّلاة على النّبِيِّ ﵇ (٤). وكذلك كلُّ من روى التَّشَهُّد عن النِّبيِّ (٥) كأبي هريرة، وابن عبّاس، وجابر، وأبي سعيد، وابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، كلُّهم كان يقول: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التَّشَهُّد كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن. المسألة الثّالثة (٦): في ذِكْرِ المواطن الّتي يُستحبُّ فيها الصَّلاة على النَّبَيَّ ﷺ وترغّب. فمن ذلك: التَّشَهُّد كما قد جاء (٧)، وكذلك بعد التَّشَهُّد، وبعد الدُّعاء وقَبْلَهُ، وعند طلب الحاجات. وقال مالك في "المجموعة": وأُحِبُّ للمأموم إذا سلّم أنّ يقول: السّلام على النَّبيّ ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال علماؤنا (٨): واستحبُّ أهلُ العلم أنّ ينوي الإنسانُ حين سَلامِهِ كلَّ (٩) عبدٍ صالحٍ، في السَّماء والأرض، من الملائكة والإنس والجنّ. وقال (١٠): قد كرِهَ ابن حبيب ذِكْر النَّبىِّ (١١) عند الذّبح. وكَرِهَ سحنون الصّلاةَ عليه عند التَّعجُّب، وقال: لايصَلًى عليه إلَّا عن طريق الاحتساب وطَلَبِ الثؤاب. وقال أَصْبَغُ عنِ ابْنِ القاسم؟ أنّه قال: مَوْطِنَانِ لا يُذْكَر فيهما إلَّا الله: الذّبح،

стр. 1124

والعُطاس؛ فلا يقال فيهما بعد ذِكْرِ الله: محمّدٌ رسولُ الله، ولو قال بعد ذلك: صلّى الله على محمّد، لم تكن تسمية له مع الله، وقاله أشهب. المسألةُ الرّابعة (١): قال علماؤنا: ولا ينبغي أنّ تجعل الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ فيه (٢) استنانا (٣)، فقد أسندنا حديثًا رواهُ النَّسَائى (٤) عن أوس بن أوس، عن النّبيِّ ﷺ الأمْرَ بالإكثارِ من الصَّلاة عليه يوم الجمعة. قال ابنُ شَعْبَان: وينبغي لمن دخل المسجد أنّ يصلِّي على النَّبِيِّ وعلى آله، ويبارك، ويقول: "اللهمَّ افتَحْ لي أبوابَ رَحْمَتِكَ، واغفِر لي ذُنُوبي" (٥)، وإذا خرج قال مثل ذلك، وجعلَ مَوْضِعَ: "رحمتك" "فضلك" (٦). قال عمرو بن دينار (٧) وجماعة من المُفَسِّرِينَ في قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٨) قال: إنّ لم يكن في البيت أحدٌ، فقل: السّلامُ على النَّبيِّ ورحمةُ الله وبركاته. قال ابنُ عبّاس: والمراد بالبيوت ها هنا المساجد (٩). وقال النّخَعى: * إذا لم يكن في المسجد أحدٌ، فقل: السّلامُ على رسول الله ﷺ ، إذا لم يكن في البيت أحدٌ فقل: السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين* (١٠). قال علماؤنا (١١): ومن مواطن الصَّلاة عليه أيضًا: الصّلاة على الجنائز. وذكر عن أبي أُمَامَة؛ * أنّها من السُّنَّة.

стр. 1125

ومن مواطن الصَّلاة الّتي مَضَى عليها عمل الأمّة ولم تنكرها: الصّلاةُ على النَّبيّ ﷺ (١) في الرّسائل، والكتابة بعد البسملة، ولم يكن هذا في الصّدْرِ الأولِ، وأُحْدِثَ عند ولد (٢) بني هاشم، فمَضَى به عملُ النَّاس في أقطار الأرض، ومنهم من يختُم به أيضًا الكُتُب (٣). المسألةُ الخامسةُ (٤): قال علماؤنا: ويستحبُّ الصّلاة عند الأذان وعند الإقامة، لقوله: "ثُمَّ سَلُوا لي الوَسيلَة" (٥). ورُوِيَ عن ابنِ عبّاس أنّه كان يقول: اللَّهُمَّ تقبَّلْ شَفَاعته الكبرى، وارفع درجته العليا، وآتِهِ سُؤلَهُ في الآخرة والأُولَى، كما آتيتَ إبراهيم وموسى (٦). وعن وهيب بن الوَرْد؛ أنّه كان يقول في دعائه: اللهم أعْطِ محمّدًا أفضلَ ما سأَلَكَ لنفسه، وأعْطِ محمّدًا أفضلَ ما سألك له أحدٌ من خَلقِكَ، وأَعْطِ محمّدًا ما يسئل له (٧) إلى يوم القيامة. الأصول والعربيّة (٨): قال الإمام: العارضةُ هاهنا؛ أنّ يقالَ: الصّلاةُ على النَّبِيِّ (٩) معروفة عربيةً وشرعًا (١٠): من الدّعاء والعبادة المخصوصة، والكُلُّ واحدٌ. قال علماؤنا: هي من الله رحمةٌ، ومن الخَلْق دُعَاءٌ.
следующие страницы →