← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقيل (١): إنّ الصّلاة على النَّبيِّ فرضٌ في (٢) الجملة، غير محدود (٣) بوقت، لأَمْرِ الله تعالى بالصّلاة عليه، وحمل الأُمَّة والعلماء ذلك على الوجوب، وأجمعوا عليه أنّه واجبٌ على الجملة (٤). وحكى أبو جعفر الطَّبريّ؛ أنّ مَحْمَلَ الآية عنده على النَّدْبِ، وادَّعَى فيه (٥) الإجماع فيما زاد (٦) على مَرَّةٍ، والواجبُ منه الّذىِ يسقُطُ (٧) به الحَرَج، وما تمَّ بذلك الفَرض (٨) مرّة، كالشّهادة له بالنُّبُوَّة، وما عدا ذلك منه فمُرَغَّبٌ فيه، من سُنَنِ الإسلام وشِعَارِ أَهْلِه. قال الإمام (٩): والمشهور عند علمائنا أنّ ذلك واجبٌ على الجملة، وفرضٌ على الخَلِيقَة (١٠) بأنْ يأتي (١١) بها مرَّةً من دَهْرِهِ مع القُدْرة على ذلك. وقال القاضي أبو بكر بن بُكيْر (١٢): افترضَ اللهُ على خَلْقِه أنّ يصلُّوا على نَبيِّه ويسلِّمُوا تسليمًا، ولم يجعل ذلك لوقتٍ معلومٍ؛ فالواجبُ على المرءِ أنّ يُكْثِرَ منها ولا يغفل في طُولِ عمره. وقال القاضي أبو محمّد عبد الوهّاب بن نصر ﵀: الصَّلاةُ على النَّبيِّ واجبةٌ في الجملة (١٣).

стр. 1122

وقال (١): قد نقل عن مالكٌ أنّه قال: الصَّلاة (٢) على النَّبيّ ﷺ فَرضٌ بالجملة بعَقدِ الإيمان (٣) بذلك، وأن مَنْ صلَّى عليه مَرَّةً واحدةً من عمره سقَطَ عنه الفرض. المسألة الثّانية (٤): أمّا الصَّلاة عليه في صلاة الفريضة، فحكى الإمامان أبو جعفر الطّبريّ والطحاويّ (٥)؛ أنّ إجماع جميع المتقدِّمين والمتأخِّرين من علماء الأُمَّة على أنّ الصَّلاة على النَّبيّ في التَّشَهُّدِ غير واجبةٍ. وشذَّ الشّافعيّ (٦) في ذلك فقال: من لم يصلِّ على النَّبيّ (٧) بعد التّشهّد الآخر، وقبل السّلام فصلاته فاسدة، وإن صلّى عليه قبل ذلك، لم يجزه. وهذا قول ساقط. وقال أبو بكر بن المنذر: ويستحبُّ ألاّ يصلِّي أحدٌ صلاةً إلَّا صلَّى فيها على النَّبيِّ (٧)، فإن تركَ، فصلاتُه مجزئةٌ في مذهب مالكٌ وأهل المدينة. وقال سفيان الثّوري بذلك وأهل الكوفة، وهو قولُ جُمْلَة أهل العلم. وقال أبو حنيفة: الصّلاة على النَّبيِّ ﷺ الصَّلاة مستحبَّةٌ. وحَكَى ابنُ القصّار (٨)، وعبد الوهّاب (٩)؟ أنّ محمّد بن الموّاز يراها فريضة في الصَّلاة كقول الشّافعيّ. نكتةٌ قاطعة بهم (١٠): الدّليل على أنّها ليست من فروض الصَّلاة: عملُ السَّلفِ وأهل المدينة (١١) قبل

стр. 1123

الشّافعيّ، وقد شَنَّعَ النّاسُ عليه في (١) هذه المسألة جِدًّا، وإنّ (٢) تشهُّدَ ابن مسعود الّذي اختاره الشّافعيّ (٣) ليس فيه الصَّلاة على النّبِيِّ ﵇ (٤). وكذلك كلُّ من روى التَّشَهُّد عن النِّبيِّ (٥) كأبي هريرة، وابن عبّاس، وجابر، وأبي سعيد، وابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، كلُّهم كان يقول: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التَّشَهُّد كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن. المسألة الثّالثة (٦): في ذِكْرِ المواطن الّتي يُستحبُّ فيها الصَّلاة على النَّبَيَّ ﷺ وترغّب. فمن ذلك: التَّشَهُّد كما قد جاء (٧)، وكذلك بعد التَّشَهُّد، وبعد الدُّعاء وقَبْلَهُ، وعند طلب الحاجات. وقال مالك في "المجموعة": وأُحِبُّ للمأموم إذا سلّم أنّ يقول: السّلام على النَّبيّ ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال علماؤنا (٨): واستحبُّ أهلُ العلم أنّ ينوي الإنسانُ حين سَلامِهِ كلَّ (٩) عبدٍ صالحٍ، في السَّماء والأرض، من الملائكة والإنس والجنّ. وقال (١٠): قد كرِهَ ابن حبيب ذِكْر النَّبىِّ (١١) عند الذّبح. وكَرِهَ سحنون الصّلاةَ عليه عند التَّعجُّب، وقال: لايصَلًى عليه إلَّا عن طريق الاحتساب وطَلَبِ الثؤاب. وقال أَصْبَغُ عنِ ابْنِ القاسم؟ أنّه قال: مَوْطِنَانِ لا يُذْكَر فيهما إلَّا الله: الذّبح،

стр. 1124

والعُطاس؛ فلا يقال فيهما بعد ذِكْرِ الله: محمّدٌ رسولُ الله، ولو قال بعد ذلك: صلّى الله على محمّد، لم تكن تسمية له مع الله، وقاله أشهب. المسألةُ الرّابعة (١): قال علماؤنا: ولا ينبغي أنّ تجعل الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ فيه (٢) استنانا (٣)، فقد أسندنا حديثًا رواهُ النَّسَائى (٤) عن أوس بن أوس، عن النّبيِّ ﷺ الأمْرَ بالإكثارِ من الصَّلاة عليه يوم الجمعة. قال ابنُ شَعْبَان: وينبغي لمن دخل المسجد أنّ يصلِّي على النَّبِيِّ وعلى آله، ويبارك، ويقول: "اللهمَّ افتَحْ لي أبوابَ رَحْمَتِكَ، واغفِر لي ذُنُوبي" (٥)، وإذا خرج قال مثل ذلك، وجعلَ مَوْضِعَ: "رحمتك" "فضلك" (٦). قال عمرو بن دينار (٧) وجماعة من المُفَسِّرِينَ في قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٨) قال: إنّ لم يكن في البيت أحدٌ، فقل: السّلامُ على النَّبيِّ ورحمةُ الله وبركاته. قال ابنُ عبّاس: والمراد بالبيوت ها هنا المساجد (٩). وقال النّخَعى: * إذا لم يكن في المسجد أحدٌ، فقل: السّلامُ على رسول الله ﷺ ، إذا لم يكن في البيت أحدٌ فقل: السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين* (١٠). قال علماؤنا (١١): ومن مواطن الصَّلاة عليه أيضًا: الصّلاة على الجنائز. وذكر عن أبي أُمَامَة؛ * أنّها من السُّنَّة.

стр. 1125

ومن مواطن الصَّلاة الّتي مَضَى عليها عمل الأمّة ولم تنكرها: الصّلاةُ على النَّبيّ ﷺ (١) في الرّسائل، والكتابة بعد البسملة، ولم يكن هذا في الصّدْرِ الأولِ، وأُحْدِثَ عند ولد (٢) بني هاشم، فمَضَى به عملُ النَّاس في أقطار الأرض، ومنهم من يختُم به أيضًا الكُتُب (٣). المسألةُ الخامسةُ (٤): قال علماؤنا: ويستحبُّ الصّلاة عند الأذان وعند الإقامة، لقوله: "ثُمَّ سَلُوا لي الوَسيلَة" (٥). ورُوِيَ عن ابنِ عبّاس أنّه كان يقول: اللَّهُمَّ تقبَّلْ شَفَاعته الكبرى، وارفع درجته العليا، وآتِهِ سُؤلَهُ في الآخرة والأُولَى، كما آتيتَ إبراهيم وموسى (٦). وعن وهيب بن الوَرْد؛ أنّه كان يقول في دعائه: اللهم أعْطِ محمّدًا أفضلَ ما سأَلَكَ لنفسه، وأعْطِ محمّدًا أفضلَ ما سألك له أحدٌ من خَلقِكَ، وأَعْطِ محمّدًا ما يسئل له (٧) إلى يوم القيامة. الأصول والعربيّة (٨): قال الإمام: العارضةُ هاهنا؛ أنّ يقالَ: الصّلاةُ على النَّبِيِّ (٩) معروفة عربيةً وشرعًا (١٠): من الدّعاء والعبادة المخصوصة، والكُلُّ واحدٌ. قال علماؤنا: هي من الله رحمةٌ، ومن الخَلْق دُعَاءٌ.

стр. 1126

تنبيه (١): قال الإمام: هذا وهمٌ؛ لأنّ هذا في حَقِّ البارئ سبحانه تفسير لها بما بيّنَ (٢) في العربية. ووجهه: أنّ فائدةَ الصّلاة الرّحمة، فسمّى اللهُ الرّحمةَ باسمِ سَبَبِها، كما بيّنّاه في كتب الأصول (٣) في حقيقة المجاز من تسمية الشَّيءِ باسم سَبَبِه أو فائدته. وقد صلَّى اللهُ على محمَّدٍ قبلَ حقيقة وبعد خَلْقِهِ إلى يوم بعْثِهِ، وهذا الّذي شرع من القول لنا، إنّما ترجعُ فائدتُهُ ومنفعَتُهُ إلينا في نُصُوعِ العقيدة وخُلُوصِ النِّيةِ، وإظهارِ المحبَّةِ والمداومة على الطَّاعة، والاحترام للواسطة الكريمة. فإن قيل: فإن كان اللهُ تعالى صلَّى عليه وكذلك هو، فما فائدة طلب الحاصل وإيجاد الموجود؟ قلنا: تلك عبادةُ الخَلقِ، وقد قَدَّرَ اللهُ المقاديرَ، وكتب الكائنات وقسم الدَّرجات، ووهب التَّوْبَة وغفرَ الحَوْبَة، وتعبَّدَ الخَلْقَ بطلَبِ ما قدر من ذلك، ليظهره لهم ويتم (٤)، ألَّا ترى أنّ الملائكة يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٥)، وجعل ذلك في البركات المبثوثة فينا، والخيرات المنزّلة علينا، وسبل الحسنات المكتوبة لنا (٦). اعتراض آخر (٧): فإن قيل: وكيف قال: "كما صَلَّيْتَ على إبراهيم" وهو أكرمُ على الله من إبراهيم؟ فالجواب من أوجه (٨):

стр. 1127

أحدها: أنّه قيل له ذلك قبل أنّ يعرف شفوف منزلته. الثّاني: أنّه سأل ذلك لنفسه وأهل بيته، ليتمّ النَّعْمَةَ عليه والبركة كما أتَمَّها على إبراهيم. الثّالث: أنّه سأل ذلك لنفسه ولأُمَّتِه (١). الرّابع: أنّه سأل ذلك ليضاعفَ له، فيكون لإبراهيم ﵇ أصليًا وله مضاعفًا. الخامس: أنّه سأل الدَّوامَ فيه ليجري (٢) ذلك إلى يوم القيامة، كما قال إبراهيم: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٣) أراد به جَرَيَان العمل والثّناء الحَسَنُ. السّادس: أنّه يحتمل أنّ يكون ذلك له بدعاء أُمَّتِهِ، أعطاهم اللهُ هذه الفضيلة بان يُكرم رسوله على أَلسِنَتِهِم. السّابع: أنّ الله شرعَ ذلك ثوابًا لهم، قال ﷺ : "من صلَّى عَلَيَّ صلاةً، صلّى اللهُ عليه عَشْرًا، (٤) مطابقٌ لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٥). فإن قيل (٦): فهذا كان هذا فما فائدته؟ قلنا: أعظمُ فائدةٍ، وذلك أنَّ القرآنَ اقتضَى أنَّ من جاء بالحسنةِ تضاعفَ له بعشرٍ، والصلاة على النَّبيِّ حسنةٌ، فيقتضي القرآن أنّ يُعْطَى عشر درجات في الجنّة. فأخبر اللهُ سبحانه أنّه يصلِّي على من صلَّى على نبيِّهِ (٧) عشرًا، وذِكْرُ اللهِ للعَبْدِ أعظم من الجنَّة مضاعفة. وتحقيق ذلك: أنّ اللهَ تعالى لم يجعل جزاء ذِكرهِ إلَّا ذِكرُهُ، كذلك جعلَ جزاءَ ذِكْرِ نبيِّه ذكره لمن ذَكَرَهُ وصلَّى عليه، وقد خَرَّجَ أبو داود (٨) والنّسائي (٩)؛ أنّ النَّبيَّ

стр. 1128

صلّى الله عليه قال: "صلاتكم معروضة عليَّ" قالوا: وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد رمت -يعني بليت- قال: "إنَّ اللهَ حرَّمَ على الأرضِ أنّ تأكلَ أجسادَ الأنبياءِ" ولم يثبت سَنَدُه (١). وقد رُوِّينَا في المنثور من الأحاديث: أنّ رسول الله- ﷺ قال: "إنَّ اللهَ وكِّلَ بالصَّلاة عليَّ مَلَكًا يُبَلِّغُنِي صلاةَ كلِّ من يصلّي علىَّ مِنْ أُمَّتِىِّ" (٢). الثّامن - قيل: أراد به أنّ يبقَى له ذلك لسان صِدْقٍ في الآخِرِين، مقرونًا بما وهب اللهُ من ذلك لإبراهيم ﵇. التّاسع - معناه: اللَّهُمَّ ارْحَمهُ رحمةً في العالَمِينَ تَبْقَى له إلى يوم القيامة (٣). العاشر - معناه: اللهُمَّ صلَّ عليه صلاةً تتَّخذه بها خليلًا، كما اتخذتَ بها إبراهيم خليلًا، لا جرمَ فإنّه صلّى الله عليه قال في آخر خُطْبَةٍ خطبَهَا "لو كنتُ متَّخِذًا خليلًا لاتّخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، لكن صاحبكم خليل الله" (٤). وقد تتبّعنا هذه الأقوال بالتَّنْقيحِ، وشرحناها بأوضح بيانِ في "شرح الصَّحيحِ" فخذوها هنا جملة، واطلبوها هناك تفصيلاً. والعمدةُ فيه (٥)؟ أنّ بعضهم (٦) قال: كان ذلك قبل أنّ يبيِّنَ (٧) اللهُ حالَهُ ومنزلته، ولذا قال له رجلٌ: يا خَيْرَ البَرِيَّةِ، فقال: "ذلك إبراهيمُ" (٨).

стр. 1129

قلنا: قد قال بعض الشَّارحينَ للحديث: إنّما سأل ذلك لكي ينال المثوبة معه، فجعله الله أفضل منه. إيضاحُ مُشكِلٍ (١): واختلفَ العلماءُ في الآلِ اختلافًا كثيرًا، بيِّنَّاهُ في "النهَّيِّرَينِ"، والحاضرُ الآنَ في الخاطرِ قولان: الأوَّل: أنّ الآل هم أمّةُ محمّدٍ (٢)، وقد صغا إلى ذلك مالكٌ. أمّا أنّ أبا هريرة رَوَى حديثًا فزاد فيه: "اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ النّبيِّ الأميِّ" وهو حديثٌ لا بأسَ به خرَّجَه الدَّاوُديّ (٣). القولُ الثّاني - قيل: إنّ الآلَ هم آلُهُ وأهل بيته (٤). وإن كان النّاس قد اختلفوا في الصَّلاة على غير الأنبياء هل هو جائز أم لا؟ فقيل: ذلك جائز. وقيل: الصّلاة للنّبيِّ، والرِّضوانُ لأصحابه، والرحمةُ لسائر المؤمنينَ. وقيل: الرحمةُ مبثُوثَةٌ للخَلْقِ (٥). وإن كنّا نقول نحن: إنّ الصّلاةَ على غير الأنبياء جائزةٌ، فإنّا لا نرى أنّ نُشْرِكَ في هذه الخصيصة أحدًا منَّا مع محمَّدٍ ﷺ وآله، بل نقفُ بالخَبَرِ حيث وَقَفَ، ونقول (٦) ما عرف، ونرتبط بما اتُّفِقَ عليه فيه دون ما اخْتُلِفَ. إشكال ثانٍ (٧): قوله (٨): "وعلَى أَزْوَاجِهِ وُذُزيَّتِهِ" أمّا الأزواج فمعروفات، وأمّا الذُّرِّيِّة فمن كانت عليه

стр. 1130

للنَّبيِّ صلّى الله عليه ولَدِهِ من وَلَدِهِ وولد وَلَدِهِ، ومن اتَّبعَ النّبيِّ ﷺ وأطاعه، وقد قال إبراهيم ﵇: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (١). وقوله (٢):"وآل إبراهيم" يريد أَتْبَاعُه ورهطُه، والأظهر عندي: أنّ الآل أتباع، من الرَّهطِ والعشيرة. إشكال ثالثٌ: فإن قيل: وما معنى السّلام عليه في قوله: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) الّذي أمرَ اللهُ به عبادَهُ أنّ يسلِّموا عليه. قال علماؤنا: نزلتِ الآيةُ على النَّبيِّ ﷺ ، فأمر أصحابه أنّ يسلِّموا عليه، وكذلك من بَعْدَهُم أمرهم أنّ يُسَلِّموا عليه عند حضورهم قَبْرَهُ عند ذِكْرهِ. وفي معنَى السّلام ثلاثة أوجهٍ (٤): أحدها: السّلامة لك ومعك، وتكون السّلامةُ مصدرًا، كالدَّارَةِ والدَّارِ. والثّاني: يكون السّلامُ بمعنى السَّلامة والانقياد، كما قال : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥) أي: ينقادوا لك انقيادًا. حديث مالكٌ (٦)، عن عبد الله بن دينارِ؛ أنَّه قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنِ عمرَ يَقِفُ على قَبْرِ النَّبيِّ ﷺ فَيُصَلِّي على النّبىِّ (٧) وعلى أَبِي بكرٍ وعمرَ. الإسناد: رواه ابنُ القاسم:، يصلِّي على النَّبيّ (٨) ويدعو لأبي بكرٍ وعمر" (٩) والقَعنَبِيُّ (١٠)

стр. 1131

يرويه كما رواهُ يحيى. وهذه الرِّواية تشهد لمن قال إنه جائزٌ أنّ يصلَّى على غير الأنبياء. ومن حُجَّةِ من يرى ذلك: قولُه (١) "اللهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتَهِ" ومعلومٌ أنّ أزواجَهُ وذُرِّيَّتَهُ غَيْرُه. وفي الحديثِ أيضًا حُجَّة، قولُه: "اللهم صلِّ على آل أَبِي أَوْفَى" (٢) وأمّا مذهب ابن عبّاس فإنه قال: لا يصلِّي أحدٌ إلَّا على النَّبِيِّ ﵇ (٣). وقال علماؤنا: لا حُجَّةَ فيمن تعلّق بحديث ابن أبي أَوْفَى؛ لأنّه كان مخصوصًا بالنَّبيِّ ﵇، أُمِرَ أنّ يصلِّي على من جاء بصدَقَةٍ عِوَضًا له منها، فقيل له: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٤) وهذا معنى يختصّ به. وهذه مسألة اجتهادية قد بيَّنَّاها في موضعمها. والصحيحُ عندي؛ أنّ الصَّلاة مخصوصةٌ بالنّبىِّ ﷺ . وأمّا (٥) ما رُوِيَ عن ابنِ عمر (٦)؛ أنَّه كان يصلِّي على النّبيِّ وعلى أبي بكرٍ وعمر؛ فإنّ معناه: يَدْعُو لأبي بَكْرٍ وعمرَ، كما رواهُ ابن القاسم، ولكنّه ألحق الثّاني في الأوّل لَفظًا، كما قال الشّاعر (٧): أعلفتها (٨) تِبنًا وماءً بارِدًا وكما قال الآخر (٩): ورَأيتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمحًا

стр. 1132

الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (١): قال علماؤنا (٢): فهذا ثبت هذا، فإنّ من دخل المسجدَ وخرجَ، لم يلزمه أنّ يقف بالقَبْرِ، قال مالك في "المبسوط": وإنّما ذلك على الغُرَباء إذا دخلوا وخرجوا. قال ابنُ القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا أرادوا الخروج منها أتَوا القبرَ فسلَّمُوا، وإذا دخلوا فعلوا مثل (٣) ذلك. وقال ابنُ القاسم: هو رأيي. وفرَّقَ مالكٌ بين أهل المدينة والغُرَباء؛ لأنّ الغُرَباء قصدوا لذلك، أمّا أهل المدينة فهم مقيمون بها لم يقصدوها (٤) من أجل القبر والمسجد. المسألة الثّانية (٥): والّذي يُشرَعُ لمن وقفَ بالقبر؛ أنّ يسلِّم على النّبيِّ (٦) وعلى أبي بكرٍ وعمرَ (٧)، على ما تقدَّم من الخلافِ. ورأيتُ لابنِ وهبٍ عن مالكٌ؛ أنّ المُسَلِّمَ على النَّبِّي (٨) يدنو فيسلِّم ولا يمسّ القبر بيده. المسألة الثّالثة (٩): قال مالكٌ في "المبسوط": لا أرى أنّ يقف الرَّجُلُ عند القبر يدعو، ولكن يسلِّم ثمّ يمضِي، ورَوَى عنه ابن وهب (١٠) أنَّه يدعو وهو مستقبل القِبْلة وظَهْره إلى القبر (١١).

стр. 1133

العملُ في جامعِ الصَّلاة مالك (١)، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّي قبلَ الظُّهرِ ركعتين، وبعدَهَا ركعتينِ، وبعد المغرب ركعتين في بَيْتِه، وبعدَ العِشَاء ركعتينِ. وكان لا يُصَلِّي بعد الجمعة حتَّى ينصرفَ، فيركعَ ركعتينِ. الإسنادُ: قال أبو عمر (٢): "هكذا روى هذا الحديث يحيى ولم يذكر فيه: * "في بيته" إلّا بعد المغرب فقط، وتابعه القَعْنَبِيّ (٣) على ذلك. وقال ابن بُكيْر (٤) في هذا الحديث * (٥): "في بيته" في موضعين: أحدهما في الرّكعتين بعد المغرب، والآخر في الرّكعيتن قبل الجمعة في بيته". وفي الباب في المعنى حديث أمّ حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ :"مَنْ صلَّى كلّ يومٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ركعةً بَنَى اللهُ له بَيْتَا في الجَنَّةِ" (٦). قال بعض العلماء: لو لم يبيّنها لتَقَطَّعَتْ فيها الرِّقاب، ولمن قال (٧): "هي أربع قبل الظّهْرِ، واثنان بعدَهَا، وركعتَانِ بعدَ المغربِ، وركعتان بعد العِشَاءِ". الفقه في ثلاث مسائل: المسألةُ الأولى (٨): اختلفتِ الآثارُ في صلاة النّافلة في المسجد بعدَ المغربِ، فَكَرِهَهَا قومٌ لهذا الحديث، ولأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نظر إلى قومٍ يصلُّونَ بعد المغرب في المسجدِ، فقال: "هذه صلاةُ البيوتِ" (٩).

стр. 1134

ورخَّصَ فيها آخَرُونَ لحديث ابن عبّاس؛ أنّ رسولَ الله ﷺ -كان يُطِيل القراءةَ في الرَّكعتين بعد المغربِ حتَّى يفترق أهل المسجد (١). المسألة الثّانية (٢): في المعمول من هذه الأحاديث قال الإمام (٣): والّذي عليه العلماءُ؛ أنّه لا بأس بالتَّطَؤُع في المسجد لمن شاء، إلَّا أنّهم مجتمعون على أنّ صلاةَ النَّافلةِ في البيوت أفضلُ، لقوله صلّى الله عليه: "صلاةُ المرءِ في بيته أفضلُ من صلاته في مسجدي هذا (٤) إلَّا المكتوبة" (٥). المسألة الثّالثة (٦): أمّا قوله (٧): "وكان لا يُصَلِّي بعدَ الجُمُعَةِ حتَّى يَنْصَرِفَ" فإنَّ الفقهاء اختلفوا في ذلك - أعني التَّطوُّعُ بعد الجمعة خاصّة -: فقال مالكٌ (٨): "ينبغي للإمام إذا سلَّمَ منَ الجمعة أنّ يدخُلَ منزله ولا يركع في المسجد، ويركع الرَّكعتيَنِ في بيته إنّ شاءَ"، على حسب ما رواه في ذلك. قال (٩): "وأمّا مَنْ خَلْف الإمام، فأحبُّ إلَيَّ أنّ ينصرفُوا أيضًا ولا يركعوا في المسجد، وإن ركعوا فذلك واسعٌ". وقال الشّافعيّ: ما أكثرَ المُصَلِّي التَّطَوُّعُ بعد الجمعةِ فهو أحبُّ إلَيَّ (١٠). وقال أبو حنيفة: يصَلِّي أربعًا. وقال في موضع آخر: يُصَلِّي ما شاءَ (١١).

стр. 1135

وقال الثوّريّ يصلّي سِتًّا أو أربعًا (١). وأمّا الرّكعتان بعد المغرب، فاختار العلماء أنّ تكون في البيت. المسألة الرّابعة: اختلفَ العلماءُ في تخصيصه الرَّكْعتَين بعد المغرب بالبَيْتِ على خمسة أقوال (٢): الأوّل - قيل: لأنّها من صلاة اللّيل، وصلاةُ اللّيل مخصوصة بالبيت. الثّاني - قيل: كان ينصرف إلى فطره، وتقديم الفطر أفضل من صلاة النّافلة. الثّالث - قيل: إنّما كان ينصرف لينصرف أصحابه إلى عشائهم وراحتهم؛ لأنّه كان يشقُّ عليهم أنّ يتركوه في المسجد ويذهبوا عنه. الرّابع - قيل: إنّما كان ينصرف إلى بيته ويخصُّه بالصَّلاة فيه في ذلك الوقت؛ لأنّه الوقت الّذي قال الله فيه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٣) فكان يحبّ أنّ يجعل من صلاته في مضجعه في ذلك الوقت، وكذلك الرّكعتان بعد الجمعة كان يصلِّيهما في بيته (٤). وأمّا المأموم فيصلِّيهما حيث شاء. الخامس - قيل: إنّما كان يصلِّيهما في ذلك الوقت؛ لأنّه وقت غفلة، وهو الوقت الّذي خرج فيه موسى خائفًا يترقّبُ (٥). حديثٌ ثانٍ: مالك (٦)، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أتَرَوْنَ قِبْلَتِي هاهنا؟ فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَىَّ خُشُوعُكُمْ ولا رُكُوعُكُمْ، إنِّي لأَرَاكُم مِن وَراءِ ظَهْرِي".

стр. 1136

كان (١) ﷺ يعلم مَنْ وراءَهُ، ومَنْ كان على يمينه ويساره، فإنّه كان يلتفتُ إليه التفاتًا لا يلوي عنقه. وهذا ضعيفٌ لا يميل إليه إلَّا ضعيف الحَوْصَلَةِ في العِلْمِ، بل كان النَّبيُّ ﷺ يرى ما وراءَهُ كما يرى ما أمامه. الأصول (٢): قال الإمام: وقد وقعت طائفةٌ من أهل الزَّيْغِ في معنى هذا الحديث، ونفوا أنّ نقول هذا المعنى (٣)، واعترضوا بأحاديثَ وقالوا وذكروا حديث أبي بكرة أنّه ركعَ دونَ الصَّفِّ، وذكروا حديث الرّجل الّذي أسرع المشيَ فقال: "مَنِ الراكع دون الصَّفِّ؟ " قالوا: أبو بَكْرَةَ (٤). وحديث الّذي انتهى إلى الصّف، فقال: الحمدُ للهِ حَمْدًا كثيرًا، مُبَارَكًا فيه، فلمّا قَضَى رسول الله صلّى الله عليه صلاته، قال: "منِ المُتكلِّمُ آنِفًا" الحديث (٥). قالوا: ألَّا تَرَوْنَ أنَّ النّبيَّ (٦) لم يعلم مَنِ الرّاكعُ دون الصفِّ ولا مَنِ المتكلِّمُ حتّى أُعْلِمَ. فأجاب علماؤنا عن ذلك بثلاثة أَوْجُهٍ: الجواب الأوّل (٧): قال علماؤنا المتكلِّمون: بل كان النّبيُّ ﷺ يرى ما وراءَهُ حقيقةً، كما يرى ما أمامه حقيقةً، وذلك بأحد وجهين: إمّا بقوَّةِ المعرفة الّتي جعلَ اللهُ في قَلْبهِ، لمعرفته بهم ومعرفته بأفعال المنافقين. وأمّا بالإدراك الّذي خَلَقَ اللهُ له في العَيْنِ على قَدْرِ ما يريدُ أنّ يُبْصِرَ الرَّائي من المرئيات، أَوَلاَ تراه يرى الجَنَّةَ في عُرْضِ الحائطِ (٨)، ولا يراها أحدٌ، ويرى جبريل

стр. 1137

-﵇ (١)، ولا يراه أحد غيره. فهذا أدرك نبيّك أنّها العبد ما لم تدرك، فاعلم أنّه يَرَى مِنْ حيث لا تَرَى وذلك سواءٌ، ولا يستبعدُ ذلك إلَّا جاهلٌ فقد خَلَقَ اللهُ المرآةَ دليلًا على غَيْبِ القُدْرةِ، فانظر (٢) ترى فيها نفسك وترى فيها ما وراءك، وليس الّذي تراه في المرآة مثالًا، بل هو نفس المرئيّ بعينه. والدّليلُ القاطع على ذلك: أنّ المرآة تكون في غِلَظِ قِشْرِ البيضة، ثم تقابلُ بها وجهَكَ، فَتَدْنُو من المرآة فَتَرى الدُّنُوَّ فيها، وتبعدُ عنها فترى البُعْدَ فيها، ومحالٌ أنّ يكون ذلك الدُّنُّوُّ والبُعْدُ الكثير في غِلَظِ قشر البيضة، فدَلَّ على أنّ الّذي تُدْرِك إنّما هو حقيقة المرئيّ. الجواب الثّاني (٣): وقال آخَرون من علمائنا (٤): إنّ رسولَ الله ﷺ كانت فضائله تزيدُ في كلّ يومٍ وفي كلِّ وقتٍ إلى أنْ ماتَ، ألَّا ترى أنّه كان عبدًا عربيَّا ثم كان نبيًّا ثمّ رسولًا (٥)، ولم يعرف أنّه خير من موسى ولا يُونُس بن مَتَّى حتّى أَوْحَى اللهُ إليه أنّه خير وَلَدِ آدم (٦)، وفي ذلك الوقت قال "إنِّي أراكُمْ مِن وَرَاءِ ظَهْرِي". وقد تَعَرَّض بعضُ الشّارِحِينَ للحديث فقال: قوله: "إنِّي أَرَاكُمْ" إنّما هي بمعنى أعلم، كما قال حاكيا عن شُعَيب - وكانَ أَعْمَى-: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ (٧) أي: أعلم، فأرى بمعنى أعلم في لسان العرب. فأراد بقوله: "فإِنِّي أَرَاكُمْ" أعلم خشوعَكُم وتمامَ ركوعكم، بما يُلْقِي اللهُ في قلبي من العِلْمِ بذلك والمعرفة باحوالكم. وهذه دَعْوَى فيها تحديدٌ للمُخَالفةِ للظَّاهر (٨).

стр. 1138

وقال بعضهم (١): بل ذلك مِنْ رؤية العين لا رؤية المعرفة. وقال جماعة (٢) من المتكلِّمين: بل خلقَ اللهُ إدراكًا في قَفَاهُ، وهي له خَرْق عادة وأعلام نبوّة، ويكون ذلك في مُدَّةٍ (٣)، فيكونُ قولُنا على ظاهِرِ ما قالَهُ ﷺ ، وإن كان لا سبيلَ إلى كيفيته، وهو علم من أعلام النُّبُوَّةِ (٤)، وإنّما (٥) استنكرتِ المعتزلةُ هذا؛ لأنّ البِنْيَةَ عندهم شرطٌ في الإدراك مخصوصة، والردّ عليهم مستقصَى في كُتُب الأصول (٦). تتميم (٧): قال الأثرمُ: قلتُ لأحمد بن حنبل: قولُ النَّبيِّ ﷺ : "إنِّي أراكُم مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي" فقال: كان يرى مَنْ خَلْفَهُ كما يرى مَنْ بينَ يَدَيْهِ، فقلت له: إنّ إنسانًا قال لي: هو في ذلك كغيره، وإنّما كان يراهم كما ينظرُ الإمامُ عن يمينه وشمالِهِ. قال: فأنكر ذلك إنكارًا، شديدًا (٨). وصحيحُ قول أحمد؛ أنّ النّبيَّ كان لا يلتفتُ في صلاته، وإنّما كانت هذه الخصيصة فيه معجزة. وقد رَوَى مجاهد في قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (٩) قال: كان النّبيُّ ﷺ يرى مَنْ خَلْفَهُ ممّن يسجد، كما يرى مَنْ أمامه في الصَّلاة (١٠). حديث (١١) مالكٌ (١٢)، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ كان يَأْتِي قُبَاءً ماشيًا وراكِبًا.

стр. 1139

الإسناد: قال أبو عمر (١): "هكذا رَوَى (٢) عن مالك عن نافع، وتابعه القعنبيّ (٣) وإسحاق بن عيسى (٤)، وابن نافع، ورواه (٥) جلُّ رواة الموطّأ عن نافع، عن عبد الله بن دينار (٦)، عن ابن عمر (٧). والحديث صحيحٌ لمالك عن نافع". وعبد الله (٨) فيه ضعيف من حديث أهل المدينة، إنّ قَصْدَ مسجد قُبَاء والصَّلاةَ فيه تعدلُ عمرة. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٩): قال علماؤنا (١٠): ليس في إتيانه مسجد قُبَاء ما يعارضُ قوله: "لا تُعْمَلُ المَطِيُّ إلَّا إلى ثلاثَةِ مساجِدَ" (١١)؛ لأنّ معنى ذلك عند جماعة العلماء؟ أنّه من نَذَرَ على نفسه الصَّلاة في أحد المساجد الثَلاثة؛ أنَّه يلزمه إتيانّها دون غيرها. المسألة الثّانية (١٢): ثبتَ فضلُ هذه المساجد الثّلاثة، وليس في الأرضِ مسجدٌ فُضِّلَ على غيره إلَّا مساجد الثّغور، لما فيها من فضل الرِّباطِ. ولكن تفطّنَ مالكٌ - رضوانُ الله عليه- بِسَعَةِ بَاعِهِ في العِلْم وعِظَمِ اطِّلاعه في النَّظَر إلى مسألة فاتت سواهُ، وذلك أنّه

стр. 1140

قال (١): "من نَذَرَ أنّ يصومَ في مسجدِ الرِّباط لَزِمَهُ أنّ يأتيه. ومن نَذَرَ أنّ يصلِّي فيه لم يكن عليه شيءٌ" وذلك لأنّ حمايةَ الثُّغور تجتمع مع الصّوم، ولا تجتمع مع الصَّلاة. وقال بعض علمائنا: ثبت في صحيح مسلم (٢)؛ أنّ رسولَ الله ﷺ كان يأتي قُبَاء كلّ سَبْتٍ ماشيًا وراكبًا، فيصلِّي فيه، فبيَّنهُ بالفضلِ. وقد قال بعضُ الأشياخ: إنه تُشَدُّ الرِّحالُ إليه، وقال: إنّه مَنْ نَذَرَ صلاةً في رباطٍ لا يلزمه إلَّا أنّ تكون ركعتان، ومن نَذَرَ صومًا فيه لَزِمَهُ، وفرق بينهما، فإنّ الصّلاةَ تشغله عن الجهاد ولا يشغله الصّوم. قال الإمام: هذا باطلٌ، بل يشغله الصّوم، ألَّا ترى أنّه يُضعفه ولا يقدر على القتال. نكتةٌ بديعةٌ: قال ابنُ العربي: والنُّكتُة الّتي أشار إليها مالكٌ، إنّما تنبني على أنّ من قال: أصومُ يوم كذا وكذا، لزمه ذلك. فإن قال: عَلَىَّ أنّ أصلِّي كذا وكذا، لم يلزمه تلك السّاعة ولا عينها. والفرقُ بينهما: أنّ للزَّمن في الصوم تأثيرٌ ليس للصّلاة، وهذا التّاثير إنْ قُدِّرَ الصَّومُ بالزّمان، والصّلاةُ مُقدَّرةٌ بالأفعال، والّذي يتقَدَّرُ بالزَمان يُعَيَّرُ باليوم، واليومُ معيارُ الصّوم، ولم يُعَيَّر الوقت بالصّلاة؛ لأنّ الوَقْتَ ليس للصّلاة بمعيارٍ ولا بمُقَدَّرِ به، وهذا حسن؛ لأنّ النّافلةَ تصلِّى بكلِّ موضعٍ، وليست من المندوب، والصّومُ مندوبٌ إليه؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ قال: "صيامَ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها" (٣) فندب إلى الصّوم ولم يندب إلى الصَّلاة، مع الإجماع على أنّ الصّلاة أفضل، ولم ينقل من الصَّلاة إلى الصوم إلّا بدليل، وهو أنّ الصَّلاة في السَّفَر والحَضَر واحدٌ، بخلاف الصَّوْمِ.

стр. 1141

المسألةُ الرّابعة (١): اختلفَ العلماءُ في المسجد الّذي أسس على التَّقْوَى، فذهب مجاهد وقتادة إلى أنّه مسجد قُبَاء. وذهبَ ابن عمر (٢) وابن المسيَّب (٣) إلى أنّه مسجد النّبيِّ ﷺ ، وقاله مالكٌ من رواية أَشْهَب عنه (٤)، وهو المَرْوِيُّ عن رسول الله ﷺ أنّه سئل عن ذلك فقال: "هو مسجدي" (٥). والّذين (٦) بنوا المسجد الّذي أُسِّسَّ على جرفٍ هارٍ هم بنو عمرو بن عوف؛ استأذنوا النَّبيَّ ﷺ في بُنْيَانِهِ، فأَذِنَ لهم، ففرغُوا منه يوم الجمعة، فصلّوا فيه السّبت ويوم الأحد، وأنّهار يوم الإثنين في نار جهنَّم. وقال ابن جُرَيْج، وابنُ جُبَيْر (٧): هو مسجد الضِّرار. قال الإمام: وكلامُ ابنُ جُرَيج لا أدري ما هو، والَّذي أنّهار في جهنَّم هو مسجد المنافقين، لا يختلف العلماء في ذلك، فلا حاجةَ إلى تفسير ابن جُرَيْج في هذا المعنى. عربية: قُباء هي لفظةٌ ممدودةٌ، وتقصر أيضًا. وهو موضعُ سُكْنَى الأنصار ببني عمرو ابن عَوْف وقريتهم (٨). وفيه دليل أنّ رسولَ الله ﷺ كان يأتي ذلك على معنى الزِّيارة للأنصار، ويتفرّج

стр. 1142

في حيطانهم، ونحو هذا. والأوّلُ أحسن. حديثٌ رابعٌ: مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، عن النُّعمان بن مُرَّةَ؟ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَا تَرَوْنَ في السَّارِقِ وَالشَّارِبِ وَالزَّانِي؟ " وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ ينْزَلَ فِيهِم شَيْءٌ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلاَتَهُ" قَالُوا: كَيفَ يَسْرِقُ صَلاَتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلاَ سُجُودَهَا". الإسناد: قال أبو عمر (٢): "هذا الحديث يُسْنَدُ ويتَّصِلُ من وجوهٍ صِحاحٍ من حديث أبي هريرة (٣)، وأبي سعيد الخُدْري (٤) عن النَّبيِّ ﷺ . وفي حديث عِمْرَان: "ما تَرَوْنَ (٥) الكبائر فِيكُم"؟ قالوا: الشِّركُ، والزِّنَا، والسَّرقةُ، وشُربُ الخمرِ، قال: "هنَّ كذلك كبائرُ، وفيهنَّ عقوباتٌ" وذكر الحديث (٦) " (٧). قال الحاكم: النَّعمان بن مُرَّة ليست له صُحْبَة (٨). قال: سُئلَ عن ثلاثة فأجاب عن شيءٍ بواحدٍ، وقال: إنّها مثلها؛ لأنّها جنايات كلّها. الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي ستّ فوائد:

стр. 1143

الفائدة الأولى (١): قوله: "مَا تَرَوْنَ في السَّارِقِ والشَّارِبِ؟ " هو اختبار منه بمسائل العِلْم على حسب ما يختبر به العالِمُ أصحابَهُ، هذا الّذي قاله علماؤنا. وهو من بابِ طرح المسألة على المتعلِّمين (٢). الفائدة الثّانية (٣): ويحتمل عندي وجهًا آخر، وهو أنّ يكون أراد تقريب (٤) العلم (٥) عليهم، فقرَّرَ (٦) معهم حُكم قضايا تسهل (٧) عليهم بما (٨) أراد تعليمهم إياه؛ لأنّه إنّما قصدَ أنّ يعلِّمهم أنّ الإخلال بإتمام الرُّكوع والسُّجود كبيرةٌ من الكبائر، وهو أسوأ ما يُقَدَّر (٩). الفائدة الثّانية (١٠): قال علماؤنا (١١): وسؤاله أصحابه عن حُكمِ الشَّارب والسَّارق والزَّاني قبل أنّ ينزل فيهم، صريحٌ في جواز الحُكمِ بالرَّأيِ؛ لأنّه إذا (١٢) لم ينزل عليه (١٣) حكمٌ ما سألهم عنه. فلم يسالهم إلّا ليقولوا بآرائهم وعلمهم (١٤). الفائدة الثّالثة (١٥): وقولُه: "وذلكَ قَبْلَ أنّ يَنْزِلَ فِيهِم" دليلٌ على أنّه قد نزلَ في شارِبِ الخمر حدّ بعد ذلك.

стр. 1144

الفائدة الرّابعة (١): قوله: "فِيهِنَّ عُقَوبَة" قال علماؤنا (٢): العقوبةُ ما يعاقَبُ به (٣) المعتدي، ولا يختصّ ذلك بجنسٍ منها ولا بِقَدْرٍ. الفائدة الخامسة (٤): قوله: "وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الذِي يَسْرِقُ صَلاَتَهُ" كذا رواه يحيى في "الموطّأ" (٥): "أَسْوَأُ السَّرِقَةِ" بكسر الراء، والمعنى: أسوأُ السَّرِقَة سرِقَة من يسرقُ صلاتَه. وقد جاء في القرآن: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٦) والمعنى: ولكن البَرَّ من آمن بالله، بفتح الباء. نكتةٌ لغويّة (٧): قال أهل العربيّة: ورُوِيَ: "أَسْوَأُ السَّرَقَةِ" بفتح الراء، يريد: أسوأُ السَّرقَةِ فِعْلًا (٨)، والسَّرَقَةُ جمعُ سارِقٍ، كالفاسق، والفَسَقَةِ، والكافر والكَفَرَة (٩) الفائدة السّادسة: فإن قيل: ما معنى هذه السَّرقة؟ قلنا: قد قَيَّدنَا فيها عن علمائنا ثلاثة تأويلات: ١ - أحدها: أنّه يسرق من الملائكة صلاته، كأنه شيء أرادتِ الملائكةُ كتابته فأعدمهم إياه. ٢ - وقال غيرُ وَاحِدٍ من المتكلَّمين: السَّرقة إنّما هي إعدام شيءٍ، فهذه أحد معاني السَّرقة في هذا الحديث، وهو أَقوَى من الأوَّلِ. ٣ - والثّالث: أنّه أُؤْتُمِنَ على الصَّلاة فَخَانَ.

стр. 1145

الفقه في أربع مسائل: المسألةُ الأولى (١): قال علماؤنا (٢): في هذا الحديث: أنّ شُربَ الخمر والسَّرقةِ فواحش، والزِّنَا، وكلُّ ذلك فيه الحدّ؛ لأنّ الله تعالى قد حرَّمَ الفواحش ما ظَهَرَ منها وما بطن، ومفهوم (٣) من قوله: "ما تَرَوْنَ في الشَّارِبِ" أنّه لم يرد به شارب الماء، وكذلك كلُّ ما أباح الله شُرْبَهُ، إلَّا أنّه أراد شُرْبَ ما حرَّم اللهُ عليه. ولا أعلم شرابًا مجتمعٌ على تحريمه إلّا الخمر، وكلُّ مُسْكِرٍ عندنا حرامٌ (٤)، على ما يأتي بيانه في "كتاب الأشربة". وفيه دليل على أنّ الشّارب يُعَاقَبُ ويُحَدُّ، وعقوبتُه كانت مردودة إلى الاجتهاد، فلذلك جمع عمرُ الصّحابة، فشاورهم في ذلك في حدِّ الخمر، فاتَّفقوا (٥) على ثمانين، فصارت سُنَّةً وحُكمًا مَاضِيًا، وعليه العمل عند جمهور العلماء، على ما يأتي بيانه في "كتاب الأشربة" إن شاء الله تعالى. المسألة الثّانبة (٦): أمّا السّرقة والزِّنا، فقد أَحْكَمَ اللهُ الحَدَّ فيهما في كتابه، وعلى لسان نبيِّه، بما لا مدخل للرَّأي فيه، على ما يأتي بيانُه في "كتاب الحدود" إنّ شاء الله. المسألة الثّالثة (٧): قال علماؤنا (٨): فيه من الفقه: أنّ تركَ الصّلاةِ وتركَ إقامتها على حدودها من أكبر الذُّنوبِ، ألَّا ترى أنّه ضربَ المثلَ لذلك بالزِّنا والسَّرقة وشُرْبِ الخمر، ومعلومٌ أنّ السَّرقة وشُرْبَ الخمر من الكبائر، ثمّ قال: "وشَرُّ السَّرِقَةِ" (٩) وفي رواية

стр. 1146

مالكٌ (١): "وَأَسْوَأُ السِّرِقَةِ الّذِي يسرقُ صلاتَهُ" يريد: وشرٌّ من ذلك كلِّه من يسرقُ الصَّلاة فلا يتمّ ركوعها ولا سجودها. وقد مَضَى القولُ في ذلك في تَارِكِ الصّلاة وما للعلماء في ذلك. المسألة الرّابعة (٢): أمّا من لم يُتمّ ركوعها ولا سجودها، فلا صلاةَ له، وعليه الإعادة. وقولهم: "كيفَ يسرقُ صلاتَهُ؟ ": سؤالٌ عن تفسير ما أَجْمَلَهُ، فقال مُفَسِّرًا لذلك: "لا يتمّ ركوعها ولا سجودها" وإنّما خَصَّهُمَا؛ لأنّ الإخلالَ في الغالب إنّما يقعُ بهما. وأقلُّ ما يجزئ من ذلك أنّ يضعَ يَدَيْه على رُكبَتَيْه، ويعتدلَ قائمًا وراكعًا متمكنًا. وأقلّ ما يقع عليه اسم الرُّكوع أنّ تطمئنَّ مفاصله. وكذلك لا يجزئه في السّجود أقلّ من وَضعِ وجهه بالأرض ويَدَيْهِ متمكنًا، وهو أقلُّ ما تقَعُ عليه اسم ساجدٍ غير ناقرٍ. خاتمة (٣) في حديثين: الحديثُ الأوّل: رُوي عن أبي مسعود (٤) حديث متَصل غير منفصلٍ؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا صلاةَ لِمَنْ لم يُقِمْ صُلْبَهُ في الرُّكوعِ والسُّجود" (٥). الحديث الثّاني: رَوَى واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حُذَيْفَة بن اليمان؛ أنّ رأَى رَجُلًا لا يتمُّ ركوعَهُ ولا سجودَهُ، فلما قَضَى الصَّلاةَ، دعاهُ فقال له: مُذْ كَمْ صلَّيتَ هذه الصّلاة؟ فقال: صلّيتُ مُذْ كَذَا وكذَا. فقال حُذَيْفَةُ: ما صَلَّيتَ لله صلاةً (٦).

стр. 1147

وفي حديث آخر قال: لو ماتَ هذا، ماتَ على غيرِ الفِطْرَةِ. خرَّجَهُ البخاريّ (١). حديثٌ خامسٌ: مالكٌ (٢)، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه؟ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "اجْعَلُوا من صَلاَتِكُم في بيوتكم، ولا تَتَّخِذُوهَا (٣) قُبُورًا" (٤). الإسناد (٥): وقد رُوِيَ هذا الحديث مُسْنَدًا من وجوهٍ صحاحٍ (٦)، وأَسْنَدَهُ أبو داود (٧)، ولم يسنده مالك. وقد رُوِيَ أيضًا عن أنس بن مالك؛ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَكرِمُوا بيوتَكُم بِبَعضِ صَلاَتِكُم" (٨). الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (٩): للعلماء في معنى هذا الحديث قولان: أحدهما: أنّه أراد النّافلة، كأنّه قال: اجعلوا صلاةَ النّافلة في بيوتكم، وتكون "مِنْ" زائدة، كما قالوا: ما جاءني من أَحَدٍ، يريدون: ما جاءني أحدٌ.

стр. 1148

والقولُ الثّاني (١): ذهب بعض النّاس إلى أنّ المراد بذلك: أنّ يجعلَ بعض فرْضِهِ في بيته ليقتدي به أهله. وهذا ليس بصحيحِ؛ لأنّ النَّبيّ ﷺ لم يختلف عنه أنّه قد أنكر التَّخَلُّفَ عن الجماعات، والنِّساء كنَّ يخرجنَ في ذلك الزّمان إلى المساجد فيتعلَّمنَ ويقتدين بصلاة النَّبيِّ ﷺ . ووجه آخر: وقد كان أيضًا يقدر أنّ يعلِّم اْأهله بالقول؛ وإنّما معنى ذلك عندي أنّه أراد به صلاة النّافلة، وكذلك رواه (٢) ابن مُزَيْن عن عيسى ابن دينار وابنِ نافع. ووجه ذلك: أنّ إتيانَهُ في بيته بالنّافلة أفضل من أنّ يأتي بها في مسجده، هذا حكم النوافل كلّها ليستتر بها أفضل، بَيَّنَ ذلك قوله ﷺ : " أفضلُ الصَّلاةِ صلاة أحدكم في بَيتِهِ إلَّا المكتويةَ" (٣) فلا كلامَ لأحدٍ مع هذا الحديث، والحمدُ لله. حديث مالك (٤)، عن نافع؛ أنّ عبد الله بن عمر مَرَّ على رَجُلٍ وهو يصلِّي، فسَلَّمَ عليه، فَرَدَّ الرَّجُلُ كلامًا، فرجع إليه عبد الله بن عُمَرَ، فقال له: إذا سُلِّم على أَحَدِكُم وهو يصلِّي، فلا يتكلِّم وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ. الفقه في ستّ مسائل: المسألةُ الأولى (٥): أجمعَ العلماءُ على أنّه ليس بواجبٍ ولا سُنَّةِ أنّ يسلّم على المصلِّي. والسَّلام على المصلِّي جائزٌ، والأصلُ في ذلك: ما رَوَى جابر بن عبد الله قال: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة ثمّ أدركته وهو يصلِّي، فسلَّمْتُ عليه، فأشارَ إليَّ، فلمّا فرغ دعاني فقال: "إنَّكَ سلِّمتَ عَلَيَّ آنِفًا وأنَا أُصلِّي" (٦). فوجهُ الدّليلِ منه: أنّه سلّم عليه ولم ينكر عليه، وإنّما أظهر المانع له من ردِّ السّلام عليه نُطقًا.

стр. 1149

المسألة الثّانية (١): واختلفَ العلماءُ، هل يجوز أنّ يسلَّمَ عليه في المسجد أو غيره أم لا؟ فذهب منهم ذاهبون إلى أنّه لا يجوز أنّ يُسَلَّمَ عليه؛ لأنّه في شُغُلٍ عن ردِّ السّلام، وإنّما السّلامُ على من يمكنه رَدُّهُ. واحتج صاحب هذا القول بحديث ابن مسعود، عن النَّبيِّ ﷺ أنّه سلّم عليه والنَّبيُّ يصلِّي فلم يردَّ عليه، فلمّا سلِّمَ، قال: "إنّ في الصّلاةِ شُغُلًا" (٢). قال الإمام: والحُجَّةُ لنا حديث جابِر المتقدِّم (٣)، وحديث ابن عمر عن صُهَيبٍ؛ أنّه حدَّثَهُ، قال: "كنتُ مع النَّبيِّ ﷺ في بني عَمْرو بنِ عَوْفٍ، وكان الأنصار يدخلون عليه وهو يصلِّي فَيُسَلِّمون (*)، فيردّ عليهم إشارةً بِيَدِهِ ﷺ (٤).- رواه مالك وأيّوب عن ابن عمر عن صُهَيب بمعنى حديثِ مالك. المسألة الثّالثة (٥): قال الإمام: وقد تأوَّلَ بعض أهل العلم في حديث صُهَيْب؟ أنّ إشارته ﷺ كانت إليهم (٦): لا تفعلوا، وهذا وإن كان محتملاَ، ففيه بُعْدٌ، والأوّلُ أظهرُ. المسألة الرّابعة (٧): ولم يختلف الفقهاء أنّ من ردَّ السّلام وهو يُصلِّي كلامًا مفهومًا مسموعًا أنّه قد أفسدَ صلاتَهُ، وعلى هذا قول مالك، وأبي حنيفة، والشّافعيّ، وأحمد، وجمهور الأيِمَّة وأهل العلم. المسألة الخامسة (٨): وقد رخّص قومٌ من أهل العِلْم مِنَ التّابعين منهم الحسن وقَتَادَة (٩)، أنّهم

стр. 1150

أجازوا أنّ يردَّ المصلِّي السَّلامَ كلامًا، وقالوا: إنّ الكلام المنهيّ عنه في الصَّلاة هو ما لا يَحتاجُ إليه المصلِّي، وأمّا ردُّ السّلام فهو فرضٌ على كلِّ مُسلِمٍ سلّم عليه كان في صلاة أوغيرها، فمن فعل ما يجب عليه لم تبطل صلاته. وقال المخالِف: وقد أجازَ ابنُ القاسم الكلام في شأن إصَلاح الصَّلاة. المسألة السّادسة (١): قال قومٌ (٢): والحجةُ في هذا الباب: حديثُ زيد بن أَرْقَم: كنّا نتكلَّمُ في الصّلاةِ حتّى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) فاُمِزنا بالسّكوت ونُهينا عن الكلام (٤). وحديث ابن مسعود؛ إنّ الله يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ ما يشاءَ، وإنّ ممّا أحدثَ ألّا يتكلَّم في الصَّلاة (٥). فلا يجوزُ الكلامُ في الصَّلاة؛ لأنّه أمرٌ نُسِخَ، والمنسوخُ لا يجوز العمل به، وقد أعلمتكلم ما عليه مذاهب أهل الفتوى من أيِمَّةِ الأمصار؛ أنّ الكلام في الصّلاة لا يجوز، وهم الجمهور الأعظم. المسألةُ السّابعةُ (٦): عندنا أنّه إذا سلّم على المصلِّي أنّه يرذدّ بالإشارة، ولا يردّ المؤذَّن. وقال علماؤنا (٧): وأمّا المؤذِّن والمصلِّي، فلا يسلِّم عليهما ولا يرد واحد منهما (٨). والفرقُ بينهما: أنّ المصلِّي يقطعُ الكلامُ صلاتَه، والمؤذِّنُ والمُلَبِّي لا يقطع عبادتهما الكلام. وقال ابنُ العربي (٩): الفرقُ بينهما: أنّ المصلِّي يطولُ أَمْرُه، والمؤذِّن يقرُبُ

стр. 1151

أَمْرُه، والأحسن أنّ مالكًا ﵀ منع السّلام بالاشارة؛ لأنّ الأصل يقتضي ذلك. فوردَ النَّصُّ في الصَّلاة من النَّبيِّ ﷺ وبَقِيَ الأذانُ على الأصل. وسمَّى الأصوليّون هذه المسألة "ضد المقتضَى" (١) ولذلك كان الكلام في الصَّلاة بَدَلًا، ولم يكن فيها بَدَلٌ (٢)، وهذا كما قلنا: إنّ غسلَ الجنابة شرطٌ في صحَّةِ الصّلاة، وغسلَ الجمعة ليس بشرطٍ في صحّتها، وهما مشروعان. فكان للغسل من الجنابة بَدَلٌ وهو التّيمُّم، ولم يكن لغُسْلِ الجمعة بَدَلٌ، فكذلك في مسئلتنا. حديث مالك (٣)، عن رَبِيعَةَ، أنّ ابنَ عمر كان إذا دخل المسجد، أو جاءَ المسجدَ، وقد صلَّى النَّاسُ، بدأَ بالصّلاةِ المكتوبةِ، ولم يصلِّ قَبلَها شيئًا. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٤): قال الإمام: وإلى هذا ذهب جماعةٌ من أهل العلم قديمًا وحديثًا، ورخَّص آخَرون في الرُّكوع قبل المكتوبة إذا كان وقتٌ تجوزُ له فيه الصّلاة، وكان فيه سَعَةٌ، فإنه يركعُ ركعتين تحيَّةَ المسجدِ، ثمّ أقام الصَّلاة، فإنّه مباحٌ له، وذلك حسنٌ. وقد رُوِيَ ذلك عن مالكٌ؛ أنّه قال: إذا كان في الوقتِ سَعَة. وأمّا المسجد وقد صُلِّيَ فيه، فلا بأسَ أنّ يتطوَّع قبل المكتوبة، وهو أيضًا قول أبي حنيفة والشّافعيّ وداود. وقال الثَّوْريُّ: يبدأ بالمكتوبة ثمّ يتطوّع ما شاءَ. وقال الحسن (٥): يبدأ بالفَريضةِ ثمَّ يتطوَّع بعدَها. المسألةُ الثّانية (٦): قال اللّيثُ: كلُّ واجبٍ من صلاةِ فريضةٍ، أو صلاةِ نَذْرٍ، أو صيامٍ، بدأَ بالواجبِ قبلَ النَّفْلِ. وقد رَوَى ابنُ وَهبٍ عنه خلاف هذا؛ قال في الّذي يُدْرِكُ الإمامَ في قيام رمضان

стр. 1152

ولم يصلِّ العِشَاءَ؛ أنّه يدخلُ معهم ويصلِّي بصلاتهم، فهذا فَرَغَ صلَّى العِشَاء، قال: وإن عَلِمَ أنّهم في القيام قبلَ أنّ يدخل المسجدَ، فوجدَ مكانًا طاهرًا، فليصلِّ العِشَاءَ ثمّ يدخل معهم، والمسألةُ لمالكٍ أظهر (١)، والله أعلم. حديث مالك (٢)، عن نافع، عن ابنِ عمر؛ أنّه كان يقولُ: من نَسِيَ صلاةً فلم يَذْكُرْهَا إلَّا وراءَ إمامٍ (٣)، فهذا سلَّم الإمامَ، فَلْيُصلِّ الصَّلاةَ الّتي نَسِيَ، ثمّ يصلِّي بعدَها الأُخْرَى. الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (٤): اختلفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في هذه المسألة، فجملةُ قولِ مالكٍ: أنّه من ذَكَرَ صلاةً وهو في صلاةٍ، أو في آخِرِ وَقتِ صلاةٍ، فإنّه يبدأُ بالفَائتةِ قبلَ الّتي هو في آخر وقتها. وإن فات الوقت، فإن كان في صلاةٍ (٥) تَمَادَى معه (٦) وصلَّى الفائتةَ، ثمّ عادَ إليها فصلّاها. المسألة الثّانية (٧): قال علماؤنا (٨): في هذا الحديث دليلٌ على أنَّه إنّما يتمادَى لئلّا تفوته فضيلة الإمام، وأنّه (٩) لا يقطع بفساد صلاته مع الإمام فيتمادَى، ثمّ يعيدُ صلاتَه تلك عند مالكٌ، وأبي حنيفة (١٠)، وأحمد. وقال الشّافعيّ (١١): يعتدُّ بصلاته تلك، ويقضِي الفائتة خاصّة.

стр. 1153

قال الإمام (١): وهذه المسألة مبنيَّةٌ على مراعاة التّرتيب في الصّلوات، وذلك أنّ تكون قليلة أو كثيرة، فإن كانت قليلةٌ، فلا يخلو أنّ يذكرها في صلاةٍ أو في غير صلاةٍ. فإنْ ذكرَها في صلاةٍ، فلا يخلو أنّ يكون إمامًا أو مأمومًا أو فذًّا. فإن كان إمامًا قَطَعَ ما هو فيه، وَوَجَبَ عليه أنّ يبدأ بما عليه من الفوائت. فرع: فهذا كان إمامًا، هل تبطلُّ الصّلاة على مَنْ خَلفَهُ؟ في ذلك عن مالكٌ روايتان روَاهُما عنه ابن القاسم: إحداهما: أنّها تبطلُ على مَنْ خَلْفَه. ووجه ذلك: أنّ التّرتيب شرطٌ في صحَّةِ الصَّلاة، لا يُتَصَوَّرُ انفصالُه من الصَّلاة، فهذا بطلت (٢) صلاة الإمام لعَدَمِه، تَعَدَّى ذلك إلى صلاة المأمومِ، كتكبيرة الإحرام. والرِّواية الثّانية (٣): أنّ صلاتَه تامّةٌ. ووجه ذلك: أنّ هذا معنى لو ذَكَرَهُ الإمامُ قبلَ دخوله في الصَّلاة لم تجز له الصَّلاة مع عَدَمِهِ، فإذا ذَكَرَهُ في نفس الصَّلاة لم تفسد بذلك صلاة مَنْ خَلفَهُ، كالحَدَثِ. المسألة الرّابعة (٤): قال ابنُ حبيب: إنّ ذَكَرَ في العَصْرِ ظُهْرَ يَوْمِهِ، قطع على شَفْعٍ أو وِترٍ. وكذلك إنّ ذَكَرَ مَغرِبَ لَيْلَتِهِ في العِشَاءِ، فإنّه (٥) يَتَمَادَى مع الإمام ذَاكِرًا لصلاة خَرَج وَقتُها. وأمّا من ذَكَرَ صلاةً وهو في خنَاقٍ مع وقتها، فاستدراكُهُ لوقتها أفضل (٦) من صلاته. المسألة الخامسة (٧):

стр. 1154

فهذا فعلَ ذلك من الإعادة فإنّما صلاته (١) مذهبُ ابنُ القاسم أنّها فرضه، وإنّما يعيدُ الّتي ذَكَرَهَا لفضيلة التَّرتيبِ. وقال ابنُ حبيب: هي نافلةٌ. المسألة السّادسة (٢): هل يرى ترتيب الصَّلاة المفروضة؟ أو هل التّرتيب شرطٌ في صحّة الصَّلاة أم لا؟ فذهب عبدُ الوهّابِ (٣) إلى أنّه شرطٌ في صحَّةِ الصَّلاة، ورَوَى ابنُ الماجِشُون عن مالك معناه. المسألةُ السّابعة (٤): احتجَّ الشّافعيّ (٥) بأنّ (٦) الترتيبَ إنّما يلزمُ في صلاة اليوم واللّيلةِ في ذلك اليوم وفي تلك اللّيلة، فإن خرجَ الوقتُ سقطَ التّرتيب، استدلالًا بالإجماع على أنَّ شهرَ رمضان يجبُ التَّرتيبُ فيه ما دام قائمًا، فإذا انقضَى سقطَ التّرتيبُ على (٧) كلِّ مَنْ يصومُه عن مَرَضٍ أو سَفَرٍ، وجازَ له أنّ يأتي به على غيرِ نَسَقٍ، وكذلك ترتيبُ الصّلوات الخمسِ (٨). والله أعلم. حديث مالك (٩)، عن يحيى بن سعيد، عن محمّد بن يحيى، عن وَاسِع بن حَبَّانَ؛ أنّه قال: كنتُ أصلِّي وعبد الله بن عمر مُسْنِدٌ ظَهرَهُ إلى جدارِ القِبْلَةِ، فلمّا قُضِيَتِ الصَلاةُ (١٠)، انصرفتُ إليه مِنْ قِبَلِ شِقِّي الأيسر (١١)، فقال عبدُ الله بن عمر: ما منعكَ أنّ تنصرِفَ عن يمينك؟ فقلت: رأيتُك، فانصرفتُ إليكَ. فقال عبد الله: فإنّك

стр. 1155

قد أصبتَ، إنَّ قائلًا يقولُ: انصرف عن يمينك، فهذا كنتَ تصلِّي فانصرف حيثُ شئتَ، على يمينك أو يسَارِكَ. الإسناد (١): قال الإمام: هكذا رَوَى عنه يحيى هذا الحديث: عن مالكٌ، عن يحيى بن سعيد، عن محمّد بن يحيى، وتابعه طائفة من رُوَاةِ الموطّأ (٢). ورواه أبو مُصْعَب (٣) وغيره (٤)، عن مالك عن محمّد بن يحيى، ولم يذكروا يحيى بن سعيد. الفقهُ في أربع مسائل: المسألة الأولى (٥): قال علماؤنا (٦): فيه من الفقه: الاستنادُ إلى جدَارِ القِبْلَةِ في المسجد، إلَّا أنّ ذلك لا يفعله (٧) من يستقبل المصلِّي، ولا ينبغي للمصلِّي أَن يَبْتَدِىءَ صلاتَه مواجِهًا بها غيرَهُ، فهذا مكروه، لما رُوِيَ أنّ عمر أَبْصَرَ رَجُلًا يصلِّي وآخرَ مستقبله، فَضَرَبَهُمَا جميعًا (٨). وأيضًا: فلا يستند إلى القِبْلَةِ إلَّا أهل الأعذار والكِبَرِ، وأهل العِلم والدِّين الأفضل ألّا يستند (*). المسألة الثّانية (٩): أمّا انصرافُ المصلِّي إذا سلِّم عن يمينه أو يساره، فإن السُّنَّةَ أنّ ينصرفَ كيف شاءَ. وأكثرُ العلماءِ على أنّ الأفضلَ في الانصرافِ من الصَّلاة على اليمين، هانِ انصرفَ على شماله فسواءٌ أيضًا لا حَرَجَ.

стр. 1156

المسألة الثّالثة: هذا في الخروج، وأمّا الدُّخول، فعلى اليمين أفضل، لما رُوِيَ أنّ رسولَ الله ﷺ كان يحب التَّيَامُنَ في جميع أحواله (١). فرع: وهل ذلك في كلِّ وقتٍ، أو في سائر الأيّام سواء؟ فقال ابنُ عبّاس: ذلك كلّه سواء إلّا يوم الجمعة، فإنّه يراعى يمين الخطيب، فهذا فيه نَظَرٌ. وأمّا السُّنَّة الآن الّتي لا خفاءَ فيها، فهي أنّ يدخلَ على اليمينِ ويخرجَ على اليسار. وكان (٢) الحَسَنُ وطائفةٌ من أهل العلم يَسْتَحِبُّون الدُّخول (٣) والانصراف على اليمين، لحديث وكيع وغيره (٤) عن سفيان، عن السُّدِّي (٥)، عن أنس؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ كان يَنْصَرِفُ عن يمينِهِ (٦). وقوله: "كانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ في أَمْرِهِ كُلِّه" كما بيناه في "كتاب الطّهارة"، وحديثُ وكيعٍ ليس بالقَوِيِّ (٧). حديث مالك (٨)، عن هشامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن رَجُلٍ من المهاجرين، لَمْ يَرَ به بَأسًا؛ أنّه سألَ عبد الله بن عمرو بن العاصي: أَأُصَلِّي في عَطَنِ الإبِلِ؟ فقال عبدُ الله: لا، ولكن صَلِّ في مُرَاحِ الغَنَمِ. الإسناد (٩): قال الإمام: هكذا هو في الموطّأ عند جميع الرُّواة (١٠)، ورواه

стр. 1157

وكيع (١)، وعبدة بن (٢) سليمان (٣) عن هشام، قال: حدَّثني رَجلٌ من المهاجرين. وبعضهم يقول: عن هشام، عن رجلٍ من المهاجرين، لا يذكر فيه: عن أبيه. وزعمَ مُسْلِمٌ أنّ مالكًا وهِمَ فيه، وأن وكيعًا ومن تَابَعَهُ أصَابُوا. تنبيه على وهم (٤): قال الإمام: وهذا عندي وَهْمٌ لا دليلَ عليه، ومعلوم أنّ مالكًا كان أحفظ ممّن خالَفَهُ في ذلك، وأعلم بهشامٍ، ومالك في نَقْلِهِ حُجَّةٌ، ومثل هذا من الفرق بين الغَنَم والإبِل لا يُدرَكُ بالرَّأْيِ. الفقه في ثمان مسائل: المسألةُ الأولى: قال الإمام: أعطانُ الإبِلِ، جمعُ عَطَن -بفتح العين والطّاء- وهي المواضعُ الّتي تبركُ الإبل فيها. قال الإمام (٥): هذا الحديث ذكر النَّاسُ فيه عِلَلًا كثيرةً مختلفةً، فقال بعضهم: لأنّها لا تكادُ تسلَمُ من النَّجاسة، وعلى هذا التّعليل تجوزُ الصّلاةُ فيها إذا أَمِنَتِ التجاسةُ ببَسْطِ ثوبِ وغيره، وقد رُوِيَ ذلك عن ابنِ القاسم (٦). المسألةُ الثّانيةُ: قال بعضُ العلماء: إنَّ المنعَ (٧) من ذلك لانّها (٨) خُلِقَتْ من الشّياطين (٩)، أو

стр. 1158

خلِقَت مِن جَانٍّ (١)، تعلُّقًا بظاهر الحديث، وقد كُرهت الصّلاةُ في مواضع الجِنِّ، لقوله صلّى الله عليه يوم الوادي: "اقتادوا، إنّ هذا وادٍ به شَيْطَانٌ" (٢). وكان أبو حنيفة يذهب إلى أنّ العلَّة في ذلك طُلوع الشّمس (٣)، وليست هذه بعلَّةٍ عند العلماء، لأنّ العلّة في ذلك نِفَارُ الإبِلِ، وذلك يُؤَدِّي إلى ترك الخُشوع في الصَّلاة. وقيل: إنّ العلةَ فيها؟ أنّ الصّحابةَ كانوا يستترون بها (٤) عند اتيانهم الغائطَ، فلا تجوزُ الصّلاةُ فيها. ومن قال من العلماء أنّ ذلك شرطٌ، لم يُجِز أيضًا الصَّلاة فيها بحالٍ، ولذلك قال أهلُ الحديث: إنّ أوامرَ النَّبيِّ ﷺ محمولةٌ على الوُجوبِ. المسألةُ الثّالثة: اختلفَ العلماءُ في هذا المعنى، هل هو نهيٌ معلَّلٌ، أو شَرْعٌ بغير عِلَّةٍ، أو نهي تنزيهٍ، أو نهي تحريم؟ فأجمع العلماءُ على أنّه نهى تنزيهٍ، إلَّا ما رُوِيَ عن عبد الملك بن حبيب؛ أنَّه قال: من صَلَّى فيها عامدًا أو جاهلًا، أعادَ الصَّلاةَ أبدًا (٥). وكذلك ذهب أكثر العلماء إلى أنّ النَّهيَ معلَّلٌ، واختلفوا في العِلَّةِ المُوجِبَةِ لذلك، على ما تقدَّمَ ذِكْرُهُ. ورُوِيَ عن عبد الله بن مغفّل؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "صلّوا في مُرَاح الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإبِلِ، فإنّها خُلِقَتْ من جَانٍّ" (٦).

стр. 1159

المسألةُ الرّابعة (١): أمّا الصلاةُ في مُرَاحِ الغَنَمِ، فإنّها جائزةٌ لسلامتها من العِلَلِ المذكورة، لا خلافَ في ذلك نَعْلَمُه. والأصل في ذلك: قولُه ﷺ : "جُعِلَت لِي الأرضُ مَسجِدًا وطَهُورًا" (٢). ويدلُّ على جواز ذلك أيضًا: طهارةُ أَبْوَالِهَا وبَعْرِها، وكذلك ما يُؤكَلُ لَحْمُه. وكذلك قال مالك (٣) وابن حنبل (٤). وقال الشّافعيّ (٥) وأبو حنيفة (٦): أَبوَالُها نَجِسَة. والدّليلُ على ذلك: ما تقدَّمَ في "كتاب الطّهارة" فَلْيُنْظَر هناك. المسألة الخامسةُ: في ذِكْرِ المواضع الّتي لا تجوز فيها الصَّلاة رُوِيَ عنه ﷺ أنّه نَهَى عن الصّلاةِ في المقبرة والحَمَّامِ (٧)، وعلى قارعة الطّريق (٨)، وعلى ظَهْرِ الكعبة (٩)، وفي الجُحْرِ (١٠). أمّا المقبرةُ، فإنّها تنقسمُ قسمين: مقبرةُ المشركينَ، ومقبرةُ المسلمين. فأمّا مقبرة المشركين، فلا تجوز الصّلاة فيها بحالٍ، فإنّهم يعذَّبُونَ والسّخط نازلٌ عليهم، ولا تجوز الصَّلاة فيها، ولا يجوز المقام فيها. وأمّا مقبرة المسلمين، فعلى ضربين: قديمة، وحديثة.

стр. 1160

فإن كانت لا نتنَ فيها، فالصّلاةُ فيها جائزةٌ في قولِ أكثرِ أهل العلمِ من أصحاب مالك (١). ومنهم من ذهب إلى أنّ الصَّلاة لا تجوز فيها، أخذًا بظَاهِرِ الحديث وعُمُومِهِ. وأمّا إنّ كان فيها نتنٌ، فالصّلاةُ فيها ممنوعةٌ. المسألة السّادسة: أمّا الصّلاةُ في الحمّام، فإن كان فيه موضع طاهرٌ، وبسطَ ثوبًا طاهرًا، جازت صلاته إلا أنّ يكون ... (٢) فالصّلاةُ فيه ممنوعة؛ لأنّه قد رُوِيَ أنّها مأْوى للجِنِّ، ولأنه ليس من البناء المختصِّ بالصَّلاة، وإنّما هو للرَّاحة والتَّنظيف. وأمّا الجُخر (٣)، فإنها ممنوعةٌ؛ لأنّه لا تخلو في الأغلب من النَّجاسة. المسألة السّابعة (٤): وأمّا الصّلاةُ في البِيعَةِ والكنائس، فكره عمر وابنُ عبّاس الصَّلاة فيهما من أجل الصُّوَر (٥)، وقال عمر بن الخطّاب: انضحوها بماءِ وسِدْرٍ (٦)، وهو قول مالك (٧). وذَكَرَ إسماعيل بن إسحاق عن مالكٌ، قال: أكرهُ الصّلاة في الكنائس لِمَا فيها من لُحُومِ (٨) الخنازيرِ والخمور، وقِلَّةِ أحتياطهم (٩) من النَّجس. وكره الصَّلاة فيها الحسن. وأحلّ الصّلاة فيها إبراهيم النَّخَعيّ، والشَّعبىّ (١٠)، وعطاء (١١)، وابن سِيريِن، وهو قول الأوزاعىّ.
следующие страницы →