← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أنَّه في أصول الفقه، كما نسبه إليه صاحب "عدّة البروق" (١). - "الإنصاف لتكملة كتاب الإشراف" أحال عليه المؤلِّف في المسالك (٢) والظّاهر أنّه هو كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف" الّذي أورده محمَّد السليماني - في مقدمة "قانون التأويل" (٣)، ويحتمل أن يكون هذا الكتاب تتمة موضوعية لكتاب "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب، أو تذييلا عليه. الكلام والفلسفة: - "الإملاء على التهافت" (٤) الظاهر أنَّ هذا الكتاب عبارة عن تعليقات على كتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي، ويحتمل أيضًا أن يكون غير ذلك، وقد ذكره في "العواصم" فقال: "وسترى ذلك في "الإملاء على التهافت" إن شاء الله تعالى".

стр. 107

- "أحكام العباد في المعاد" ذكره المؤلِّف في "أحكام القرآن ": ١/ ٥١٣،في إثناء كلامه على مسألة تتعلَّق بالمجاهرة بالظلم، والدعوة على الظالم، وذِكرِ الظُّلم من غير زيادة عليه. - "ورقات في الحيض" ذكره المؤلِّف في "العارضة" (١) فقال: "وقد كنا جمعنا فيه نحوا من خمس مئة ورقة، أحاديثه نحو من مئة، وطرقها نحو من مدّة وخمسين، ومسائله بتفريعها ودليلها مثلها". - "رسالة في الأيمَان المكروهة" ذكرها المؤلف في "أحكام القرآن": ٢/ ٤٤٥. - "رسالة تقويم الفتوى على أهل الدَّعوى" ذكرها المُؤلّف في "أحكام القرآن": ٣/ ١٢١٢. - "جزء في تعليق الطلاق على أجل" ورد ذكره في "أحكام القرآن": ٤/ ١٩٦٨. - "جزء في مسح الأرجل" ذكره المؤلّف في "أحكام القرآن" (٢) بقوله: "وقد بيَّنَّا أيضًا أنَّها تكون ممسوحة تحت الخُفَّين، وذلك ظاهر في البيان، وقد أفردناها مستقلَّة في جزء".

стр. 108

الحديث وعلومه: - رسالة في حديث: "من كذب عليّ متعمدا ... " ذكره المؤلّف في العارضة: ١٠/ ١٢٦، وأشار إلى أنّه جمع في هذا الحديث جزءا رواه عن النبي ﷺ أكثرمن أربعين رجلًا. - "شرح حديث الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن" ذكره في المسالك: ٢/ ٢٣٣. - "الفوائد الخمسون " ورد ذكره في "العارضة": ٣/ ٢٦٤، في معرض شرحه حديث: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" قال ابن العربيّ: هذا حديث صحيحٌ عزيزٌ لم يقع لأحَدٍ من أهل المغرب قبل رحلتي، وهو من فوائد الخمسين الّتي انفردتُ بإبلاغها عن الشّريعة إلى أهل المغرب، فظنُّوا أنّه لا يوجد صحيحًا. قلنا: ويحتمل أن تكون هذه الفوائد مبثوتة في مختلف كتبه، ولم يجمعها في كتاب مستقل. "الصريح في شرح الصحيح" ورد ذكره عند ابن رُشَيْد السَّبْتي في "مِلْئ العَيْبَة بما جمع بطول الغَيْبَة" (١)، وذكَرَهُ المؤلف في "العارضة ": ٢/ ١٤١، ولعلَّه الكتاب الّذي رجع إليه ابن حجر في "فتح الباري":-١/ ٨٣.

стр. 109

"كتاب أوهام الصحابة" ذكره الؤلّف في "العارضة":١/ ٢١٥، بقوله: "وقد زعم الخطيب البغدادي أن حرام بن معاوية هو حزام بن حكيم الدمشقي، وقد بيَّنَّا ذلك في "كتاب أوهام الصحابة". "جزء في خبر الواحد". ذكره في "أحكام القرآن": ٢/ ٥٧٩. "مصافحة البخاري ومسلم" نسبها إليه ابن خير في فهرسته (١)، ورواها عنه، قال: "حدَّثني بها القاضي أبو بكر ابن العربيّ ﵀ وهم أحد وأربعون رجلًا، خرَّج عن كلّ واحد منهم حديثا، قرإته على شيخنا القاضي أبي بكر ابن العربيّ ﵀. كتاب "آداب الأكلّ": ذكَرَهُ المؤلِّف في "العارضة": ٨/ ٢٥، فقال: "قد ذكرنا آداب الأكلّ في القسم الرابع من علوم القرآن، وبلغنا نحوا من مدّة وثمانين أدبا، وقد كُنَّا تذاكرنا في مجلس الملك آداب الأكلّ، فقلت: هي نحو من مدّة وخمسين، فقال بعض الحاسدين من المتوسمين بالفتوى: ما جمعها اللوح المحفوظ، فأطلق الحسد لسانه حتّى أوقعه في الكفر، وسألني الملك جمعها ففعلتُ، فخزي المسكين، وباء به إلى حزبه اللعين".

стр. 110

كتب اللغة والرحلات: "الرحلة الصغرى" نسبه إليه المنتوري في فهرسته: الورقة ١٠٦، فقال: الرحلة الصغرى للقاضي أبي بكر بن عبد الله بن العربيّ المعافري "قرأت بعضها على شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمَّد بن محمَّد القيجاطي، وأجاز لي جميعها، وحدَّثني بها عن القاضي أبي البركات محمّد بن محمّد بن الحاج، عن الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الغافقي، عن القاضي أبي عبد الله محمّد إنما محمّد الحجري عنه". ومما يتصلُ بهذا، ما ذكر عبد الحي الكتّاني في تقريظ كتاب "دليل الحجّ والسياحة" (١) لمؤلفه أحمد بن محمّد الهواري من أنَّه وقف على "ترتيب رحلة ابن العربيّ لشرف الدين المغيلي المالكي". قلنا: يغلبُ على الظَّنّ، أن كلّ ذلك يتعلَّق كما يسمَّى بمقدِّمة "قانون التأويل" الّذي عوَّضَ به رحلته الضائعة: "ترتيب الرحلة في الترغيب إلى الملة". - "المنار" ذكره المؤلِّف في "أحكام القرآن": ٤/ ٩٢٩، فقال: "كنت قيَّدت في فوائدي بالمنار".

стр. 111

- "أخبار سابق البربري" نسبه إليه ابن خير في فهرسته: ٤٠٧. كتب منسوبة لابن العربيّ: ١ - كتاب الحق نسبه إليه الأستاذ سعيد أعراب في كتابه "مع القاضي أبي بكر ابن العربيّ" (١)، ونسبة هذا الكتاب خطأً نتج عن تصحيف في "العارضة" (٢)، حيث ورد العبارة: داوقد بيَّنَّا في كتاب الحق" والصواب: "وقد بيَّنَّا في كتاب الحجّ". ٢ - "الوقف والابتداء" نسبه إليه الشيخ سليمان النَّدْويّ في "مذكَّراته" (٣) عند زيارته لكتبة رباط سيدنا عثمان بالمدينة النبوية المنورة. ٣ - "لبّ العقول" نسبه إليه ابن كمال باشا في "رسالته في حال أبوي النبي ﷺ " (٤)، فقال: "الإمام أبو بكر ابن العربيّ، أكدَّ هذا في كتابه المُسمَّى بـ "لبّ العقول"، فقال: أما أبو النبي ﷺ هو من أشراف الجنة ... ".

стр. 112

هذا وإننا نشكّ في صحة نسبة كتاب "التقريب والتبيين في شرح التلقين" (١)، و"أحكام الآخرة والكشف عن أسرارها الباهرة" (٢)، فقد كتبا بأسلوب لا ينسجم مع أسلوب ابن العربيّ، لا منهجا ولا روحًا ولا شكلًا ولا يمكننا الآن أن نُدَلِّل على هذا صحَّة ما ندَّعيه، لبعد الأصول المخطوطة لهذين الكتابين عنّاولعلَّنا نرجع لهما فيما يُستقبل من الأيام إن شاء الله تعالى.

стр. 113

الباب الثاني موطّأ الإمام مالك بن أنس وعناية العلماء به

стр. 114

موطّأ الإمام مالك بن أنس وعناية الأُمَّة به تمهيد: نبذة عن سيرة مالك لا يمكننا في هذه التوطئة أن نُتَرْجِمَ للإمام مالك ترجمة مستوفاة لعدّة اعتبارات، لا طليعتها سعَةٌ مجال مشاركته في مختلف المعارف والمواقع؛ في القرآن وعلومه، والحديث وفنونه، وفي المواقع السياسية والفكرية من تاريخ أمته، مما أفسح المجال للقول، فأسهم فيه على تتالي العصور القدامى والّمحدَثون. فقد كتب عنه المتقدَّمون عشرات المؤلّفات الّتي استقصت مناقبه وفضائله، واستوعبت سيرته بشكلّ دقيق، كما اهتم به المعاصرون، فألَّفوا عنه الكتب الماتعة الَّتي أبرزت أثره العظيم في الحياة الإِسلامية من القرن الثاني للهجرة إلى يوم النَّاس هذا، وقد ساق القاضي عياض قائمة حفيلة بالأيمة الَّذين تناولوا أخبار الإمام ومناقبه، مما يُغني عن الإعادة والتَّكرار (١). ولكن هذا لا يمنعنا من الإشارة باقتضاب إلى نبذة مختصرة عنه رحمة الله عليه. فهو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمر وابن

стр. 115

الحارث، الأصْبُحيّ صَلِيبةَ، نسبة إلى ذي أصْبُح من ملوك اليمن، الحِمْيَريّ، القَحْطانيّ، اليميىّ، ثم المدَنيّ (١). طلب العلم وه وابن بضع عشرة سنة: (٢)، وطاف على شيوخ الحرمين وتخرَّج على أيديهم. يقول الإمام الذّهبيّ: "تأهَّلَ للفُتيا وجلس للإفتاء وله إحدى وعشرون سنة، وحدَّثَ عنه جماعة وهو شاب طريّ، وقَصَدَهُ طَلَبَة العِلم من الآفاق في آخِر خلافة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا في خلافة الرشيد إلى أن مات" (٣). وقد عرف مالك بشذَّة التَّحرِّي في الحكم على رجال العلم، فكان يقول: لا يؤخذ العِلْم من أربعة ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤخذ من سَفِيهٍ مُعلن بالسَّفه وإن كان أرْوَى الناس، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذّاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتّهمه أن يكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرفُ ما يحدِّث به (٤).

стр. 116

وقال: أدركتُ في مسجدنا هذا ستّين أو سبعين من التّابعين لم أكتب إلّا ممن يعرف حلال الحديث وحوامه وزيادته ونقصانه (١). ويقول سفيان بن عُيَيْنَة: ما كان أشدّ انتقاء مالك للرّجال وأعلمه بشأنهم (٢). وقال: إن مالكًا لا يحدَّث إلّا عن ثِقَة (٣). وقال الشّافعيّ: إذا جاء الحديث عن مالك فشدّ به يدك (٤). وقال أبو حاتم: مالك نقيّ الرِّجال، نقيّ الحديث، وهو أنقى حديثا من الثوريّ والأوزاعي (٥). الموطأ: لم يكن مالكٌ ﵀ حريصًا على الإكثار من الرّواية، فكان يقول: ليس العلم بكثرة الرِّواية، وإنما هو نُورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء. بهذه الكلمة خطَّ الإمام منهجه في العلم، وعليها بَنَى صنيعه في كتابه، فقد جعل هذا الكتاب قليلًا من كثير، هو القليل الَّذي أثبته وحدَّث به وأشاعه في النّاس، من الكثير الَّذي رواه وحفظه وكتبه، ثم تركه فلم يحدِّث به ولم يعتمده. قال سليمان بن بلال: "لقد وضع مالك "الموطَّأ" وفيه أربعة آلاف حديث -أو

стр. 117

قال أكثر - فمات وهي ألف حديث ونيف، يخلِّصها عامًا عامًا، بقدر ما يرى أنَّه أصلح وأمتن في الدِّين" (١)، وبذلك كان مالك لهذه الأُمَّة إمامًا هاديًا، أراها كيف تخدم الفقه بالعلم، وتجمع بين الأثر والنَّظَر، ونُقيم مِعْيار النّقد للأخبار المأثورة عن النَّبيّ ﷺ ، حتى لا يختلط عليها من أمر دينها ما يُنافي عِصمته ويخلّ بأحكامه. وقد أظهر مالك طريقته الَّتي سار عليها في الرِّواية في كتابه "الموطَّأ" فأثبت فيه أحسن ما صحّ عنده من الآثار المرويّة عن رسول الله ﷺ ، وما رُوِي عن الخلفاء الرّاشدين، وفقهاء الصّحابة، ومَنْ بعدهم من فقهاء المدينة، وما جرى عليه عملهم بالمدينة، مما يرجع إلى تَلَقَّي المأثور من عمل رسول الله ﷺ ، والخلفاء الرّاشدين، وقضاة العدل وأيمّة الفقه (٢).

стр. 118

ذلك هو المنوال الَّذي نسج مالك بن أنس عليه موطّأه (١)، فوثق به النّاس، وأقبلوا عليه روايةً ودرسًا، ثم شرحًا وتعليقًا. وقد بوُّبَ مالك كتابه "الموطَّأ" على أبواب بحسب ما يحتاج إليه المسلمون في عباداتهم ومعاملاتهم وآدابهم، من معرفة العمل فيها الَّذي يكون جاريًا بهم على السَّنَنِ المرضيّ شرعًا؛ فإنّ الأُمَّة ما قصدت من حفظ كلام رسول الله ﷺ وأفعاله إلَّا الاقتداء به في أعمالهم، وقد تبعه على هذا التبويب البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم. وجعل مالك في كتابه بابًا جامعًا في آخره (٢)، ذكَرَ فيه ما لا يدخل في باب خاصِّ من الأبواب المخصصة بفقه بعض الأعمال، وأضاف إلى ذلك ما استنبطه من الأحكام في مواقع الاجتهاد، مما يرجع إلى جمع بين متعارضين، أو ترجيح أحد الخبرين، أو تقديم إجماع أو قياس، أو عرض على قواعد الشريعة، فكان بحق كتاب شريعة الإسلام (٣).

стр. 119

وكان هذا العمل التمحيصي النّقدي الَّذي أتاه مالك في "الموطَّأ" مبنيَّا على أن بيئة الفقه في المدينة قد حوت من مختلف الآثار ورسوخ السُّنَنِ المتصلة، ما يُمكَّن القائم على فقه مجتهديها أن يجعل من مجموع المرويّ عنهم سندًا، لتصرُّفه في الأحاديث بالنقد والتمحيص، وذلك مرجع مذهبه في الاحتجاج بعمل أهل المدينة، احتجاجًا تسمو فنزلته على منزلة أخبار الآحاد؛ لأنّه ليس شيئًا مأثورًا عن واحد، وإنما هو معرفة مستنبطة من مجموع أشياء مأثورة عن كثيرين (١)، ففي "الموطَّأ" -كلما سبقت الإشارة إليه- الآثار النّبوية، وفيه المدارك الاجتهادية لأقوال الصّحابة والتّابعين، وفيه سُنَن عملية مأثورة منقولة بطريق الاستفاضة عند أهل المدينة، وفيه اجتهادات شخصية لمالك. فالآثار النبوية بعضها منقول بطريق الإسناد، وهي ست مئة حديث موصولة سلسلتها من مالك إلى النّبيّ ﷺ بذِكْر أسماء الرُّواة واحدًا عن واحدٍ ذِكْرَ تعيينٍ، وهي الَّتي اعتمدها المحدَّثون، وزكّوا أسانيدها، وخرّجوها عن مالك في كتبهم، ورُوَيت عنه في صحيحَي البخاريّ ومسلم. ومنها أحاديث لم تتّصل أسانيدها، إمّا لعَدَم التّصريح بسماعها من النَّبيّ ﷺ وهي الموقوفة، أو لعدم تعْيينِ الصّحابي الَّذي سمعها منه، وهي المُرْسَلَة، وهذه الأحاديث الموقوفة والمرْسَلة الَّتي في "الموطَّأ وإن لم يروها رجال الصّحيح بعد مالك عنه لأنّهم يختلفون معه في الاستدلال بالمرسل والموقوف، إلَّا أنهم رَوَوْها من طرق أخرى ليس فيها وقف ولا إرسال، فثبتت من تلك

стр. 120

الطرق عن غير مالك موافقة لا خرّجها به مالك مُرْسَلَة أو موقوفة، فكان ذلك آية توثيق وحُجّة تزكية زائدة لحديث مالك عند أهل الصّحيح، بحيث أن كلّ ما ورد في "الموطَّأ" مُرْسَلًا أو موقوفًا قد ثبت مسندًا عند أهل الصحيح، إلَّا أربعة أحاديث معروفة. وأما المدارك الاجتهاديّة المتّفَق عليها، فهي الَّتي يقول مالك فيها: "الأمر الَّذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنا" ويقول: "الأمر المجتمع عليه عندنا". وأما السُّنَن العمليّة المأثورة، فهي الَّتي يقول فيها: "الأمرُ عندنا". وأمّا اجتهاداته الشخصيّة، فهي الَّتي يقول فيها: "فيما نرى والله أعلم". وقد حَمَلَه جمعهُ لهذه الفنون من العلم على اختلافها، أن يسلك بينها مسلك الترجيح الَّذي لا يعتمدُ على سلامة الإسناد وثِقَةِ الرُّواة وإتقانهم فحَسْب؛ بل يتعدّى ذلك إلى النّظَر في المعاني والاجتهاد في الأقْيسَة والاستحسانات، حتّى ينتهي به ذلك إلى أن يروي الأحاديث مُسْنَدة من أوثق السلاسل عنده، وهي السِّلسلة المشهورة عند علماء الحديث بسلسلة الذَّهَب (١): مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فيخرج بها حديث: المتبايعانِ كلّ واحد منهُما بالخيار على صاحبه ما لم يتفَرَّقا، إلّا بيعَ الخِيَار" (٢) ثم يقول عقبة: "وليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمر معمول به فيه" فيبقى

стр. 121

الحديث المرويّ غيها مأخوذ به مع كونه سليم الإسناد، عملًا بمقتضى المعارض له من سُنَّةِ عمليّة مشهورةٍ، واجتهاد بالرّأي، فعلى ذلك بُنِيَ "الموطَّأ" على الاختيار والنقد، وشَدِّ الأثر بالنّظر، ومعارضة الأخبار والأقيسة والآثار والاجتهادات بعضها ببعض. فرَوَى عنه الآثار من وافَقَه على محاملها ومعانيها ومن خالفه في ذلك، فكان الرُّواةُ عنه من المخالِفِينَ له في المعاني والمحامل مجرّدين للأحاديث عما اتّصل بها من فقه، أو مصرِّحن بالمخالفة فيه (١)، فهم مقتبسون من الكتاب اقتباسًا، لا آخذون يحملته؛ لأنّه في جملته كتاب فقه بالأصالة لا كتاب حديث، لم يقصد منه تبيين ما روى، وإنما قصد منه تحقيق ما اجتهد وإسناد مانظر، فما مورد الأحاديث فيه إلّا مورد الأحاديث فيه إلّا مورد الأدلة للفقه والمدارك للأحكام (٢). ومن هذا المعنى نشأ في "الموطَّأ" الترَّدد الَّذي لم يزل شاغلًا لبال الكثير من العلماء قديما وحديثا، وهو أن هذا الكتاب هل يُعتَبر كتاب فقه أو يُعتبر كتاب حديث؟ فإنَّه في منهجه جديرٌ بأن يثيرَ هذا الترَّدُد؛ لأنَّه منهج يقوم على الجمع بين الفقه والحديث بصورة لا يكاد يتبيَّن معها أنَّه يخلص إلى الفقه أو يخلص إلى الحديث.

стр. 122

ويرى شيخ شيوخنا محمّد الفاضل بن عاشور (١) أن الَّذي يتأمّل "الموطَّأ" تأمُّلًا شافيًا، يتبيَّن له أن مالكا في "الموطَّأ" يعتبر الأحاديث أساسا لا يُبْنَي الفقه إلَّا عليها، فلا يمكن أن يُبْنَى الفقه على غير سُنُّةٍ، ولا يمكن أن يبادر إلى إقامة الفقه على قياس إلَّا عند الضّرورة، حيث يتعذَّر إقامته على مُدْرَكٍ من مدارك السُّنَّة، وهذا هو الَّذي يُكَوِّنُ التّمايز بمن طريقة مالك وطريقة أبي حنيفة من جِهَة؛ لأنَّه يقتصد جدًّا في إعمال القياس باعتبار أنَّه المرجع الأوَّل في ذاته، وبينه وبن الشّافعيّ باعتبار أنّ الشّافعيَّ لا يَقْبَلُ بحالٍ إلغاءَ دَلالةِ حديثٍ من الأحاديث أو تعطيل حمله، وبذلك يختلف مع مالك اختلافه الواضح الَّذي بَيُّنَه في كتاب "اختلاف مالك والشافعي" من كتاب "الأم". وبهذا المعنى كان للموطّأ تأثيره الواضح في تقرير مبدأ التّفاعل والتّواصل بين المذاهب الأربعة السُنِّيُّة؛ فإنَّ معنى تبويب الفقه وترتيبه على الطريقة الَّتي لم تزل مُتَّبَعَة بصورة تكاد تكون متحدَّة أكثر من كونها متقاربة بين المذاهب الأربعة، إنّما يرجع في ذلك إلى "الموطَّأ" نظرًا إلى أنَّه الوضع الأوَّل من بين جميع الأوضاع الفقهية، ولم يُعْطِ هذه الصّورة في التبويب والتّرتيب لكتب الففه فقط، ولكنّه أعطاها أيضًا لكُتُب السُّنَّة الَّتي سُمَّيَت فيما بعد ذلك بالمُصنُّفات والسُّنَن، وسارت على طريقة التّرتيب الفقهي الَّتي أصَّلها مالك بن أنس ﵀.

стр. 123

وفي هذا الموضوع يقول شيخنا عبد الفتاح أبو غدة (١): "تأليف الحديث وجمعه في كتاب على الأبواب الفقهية، لا ينهض به إلَّا فقيه يَدْرِي معاني الأحاديث، ويفقهُ مداركها ومقاصدها، ويُمَيِّز بين لفظ ولفظ فيها، وهذا النّمَط من العلماء المحدِّثين الفقهاء يُعَدُّ نَزْرًا يسيرَا بالنّظر إلى كثرة المحدِّثين الرُّواة والحفّاظ الأثبات، إذ الحفظ شيءٌ؛ والفقه شيءٌ آخر أميز منه وأشرف، وأهم وأنفع، فإنّ الفقه دِقَّةُ الفهم للنّصوص من الكتاب والسُّنَّة - عبارةً وإشارة، صراحةً أو كناية - وتنزيلُها منازلَهَا في مراتب الأحكام، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، ولا تَهَوُّرَ ولا جمود. وهذه الأوصاف عزيزةُ الوجود في العلماء قديمًا، فضلًا عن شِدَّة عزّتها في الخَلَفِ المتأخِّر، ويخطئ خطأ مكعبًا من يظنّ أو يزعم أنّ مجرّد حفظ الحديث أو اقتناء كتبه والوقوف عليه، يجعلُ من فاعل ذلك عارفًا بالأحكام الشرعية ودقيق الاستنباط ... فلا شكّ في يُسْرِ الرِّواية بالنّظر لمن توجُّه للحِفْظ والتَّحَمُّل والأداء، وآتاه الله حافظةَ واعيةً، فلهذا كان المتأهِّلون للرِّواية أكثر من المتأهِّلين للفقه والاجتهاد، روى الحافظ الرَّامَهُرْمُزِي في كتابه " المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي" (٢) بسنده عن ابن سِيرِين، قال: "أتيتُ الكُوفة، فرأيتُ فيها أربعةَ آلافٍ يطلبون الحديث، وأربعَ مدّة قد فَقهُوا".

стр. 124

روايات "الموطَّأ " شاع ذِكْرُ مالك بن أنس في عصره، فملأ العالم - الإِسلامي ما بين المشرق والمغرب، وتحدَّث النّاسُ بعِلْمِه وفِقْهه، وتذاكروا موطّأه وعجيب تصنيفه له، وعظيم تحَرِّيه فيه، فسرعان ما ضربت النَّاس إليه أكباد الإبل، يسألونه الفُتْيا، ويطلبون عنده العِلْم، ويتخرّجون بين يدَيه في الفقه، فكان مجلسه غاصَّا بالمستفتن والرّاوين والمتفقهين، بين المقيمين منهم والعابرين، وبذلك كَثُرَت الرِّواية عنه واختلفت أوجهها. وكان كتاب "الموطَّأ" نظام ذلك العِقْد وقُطب تلك الدّائرة. ولم يكن تأليف الإمام مالك للموطّأ كعادة الطّبقات المتأخِّرة في تصانيفهم، بل كَتَبَه بيده، لئلّا يغلط فيما يلقيه على الجماعة، ثم وكّل به كاتبًا له اسمه "حبيب" فنَسَخَه له، وكان يقرأه حبيب للنّاس في حلقته بين يديه، وهو على منصّته يسمع ورواد الحلقة يكتبون، وأحيانًا يقرأ من كُتُبٍ من إملاء حبيب، لتصحيح ما كَتَبَ بسماع مالك إياه وإقراره عليه (١)، وفي هذه القراءة

стр. 125

يعرض التوقّف ويثور السؤال الَّذي يقتضي البيان، ولذا كان يزيدُ فيه وينقصُ منه حسبَ ما يبدو له في كلّ دورٍ من أدوار التسميع المختلفة، فاختلفت نُسَخُ "الموطَّأ" ترتيبًا وتبويبًا، وزيادة ونقصًا، وإسنادًا وإرسالًا، على اختلاف مجالس المستَمْلِين، فمنهم من سمع عليه "الموطَّأ" سبعَ عشرةَ مرّة، أو كثر أو أقل، بأن لازَمَهُ مُدَدًا طويلةً تسَعُ تلك المرات، ومنهم من سمعه عليه في ثمانية أشهر، ومنهم من سمعه في أربعين يومًا. وكان الإمام يعرف ما عاناه في تأليف الكتاب من جهد جهيد؛ فكان يطمح إلى أن يُقابَل بالصبر والتَّأني من المتلَقِّين، فلذلك نراه برمًا كن يتعجَّل التحمُّل، عاتبا على من لا يطيل في أيام الرِّواية، فيقول: "كتاب ألَّفته في أربعين سنة: أخذتموه في أربعين يومًا! ما أقلَّ ما تفقهون فيه .. ! " (١). ومنازل هؤلاء المستمْلِين تتفاوتُ فهمًا وضبطًا، وضعفًا وقوّةً، فتكون مواطن اتّفاقهم في الدّروة من الصِّحَّة عن مالك، ومواضع اختلافهم وانفرادهم متفاوتةً المنازل حسب ما لهم من المقام في كتب الرِّجال (٢). وقد تكفَّلت كتب اختلاف الموطآت بإبراز ما فيها من فروق، ترجع مرَّة إلى التقديم والتأخير، أو إلى عدد الأحاديث أو طبيعتها من حيث كونها من المرفوعات أو الموقوفات أو المقاطع، أو من حيث كونها متصلَّة أو مرسلة.

стр. 126

وقد نقل السُّيوطي في مقدِّمة "تنوير الحوالك" (١) "عن الحافظ صلاح الدين العلائي قوله: روى "المُوَطَّأ" عن مالك جماعات كثيرة، وبن رواياتهم اختلاف -من تقديم وتأخير وزيادة ونقص- ومن أكثر زيادة الرِّوايات زيادة رواية أبي مُصْعَب، فقد قال عنها ابن حزم: في موطَّأ إبي مصعب -زيادة على سائر الموطآت- نحو مائة حديث، وقال الغافقي فيْ "مسند الموطَّأ": "اشتمل كتابنا هذا على ست مئة حديث وستة وستين حديثا، وهو الَّذي انتهى إلينا من مسند مُوَطَّأ مالك. قال (٢): وذلك أنِّي نظرت "الموطَّأ" من ثنتي عشرة رواية رُوَيت عن مالك -وعدَّدها- قال السُّيوطي (٣): "وقد وقفتُ على "الموطَّأ" من روايتين أخريين سوى ما ذكر الغافقيّ، إحداهما رواية سُوَيد بن سعيد، والأخرى رواية محمّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة". وينبغي التنبيه على أنَّ الَّذين رَوَوا عن مالك "الموطَّأ" هم طبقة أخصُّ من الرُّواة عن مالك بإطلاق، وأقلُّ عددا وأقربُ صلةً. وكان القُدَماء يُدركون تبايُن منزلتيهما ولا يخلطون بين الطّبقتين، وقد تصدَّى مؤرِّخ المذهب القاضي عياض ﵀ في كتابه الحجّة "التّرتيب (٤) لذِكْر هذه الطّبقة، فعَقَد لهم بابًا سَرَدَ فيه أسماءهم، معلِّقا على ذلك بقوله (٥): "فهؤلاء الَّذين حقّقنا أنّهم رَوَوا عنه "الموطَّأ" ونصَّ على ذلك أصحاب الأثر، والمتكلِّمون في

стр. 127

الرِّجال ... إنّما ذكرنا من بَلَغَنا نصًّا سماعُهُ له منه، وأخذُهُ له عنهُ، أو اتصلَّ إسنادا له فيه عنه، والَّذي اشتهر من نسخ "الموطّأ" ... نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون نسخة". وقد قيَّد القاضي عياض العشرين نسخة الَّتي ذكَرَها بكونها ممّا رواه أو وَقَفَ عليه، أو كان في رواية شيوخه، أو نقَلَ منه أصحاب "اختلاف الموطآت" وفي هذا التّقييد من الفوائد ما لا يخفى، إذ لولاه لتلقَّفه من يتعلَّق بالإغراب، فيدَّعي أنَّ القاضي عياضا رَوَى أو وقف على عشرين رواية، أو كان في عصره من شيوخه من يروي عشرين رواية إلى فذلك ما أراد دفعه عياض؛ لأنّه إنّما بلغ هذا العدد بضمِّ ما في روايته إلى ما في روايات شيوخه من جهة، إلى ما عند أصحاب "اختلاف الموطآت". ولعلَّ من المفيد أن نأتي على ذكر ما بَلَغَنا من هذه الرِّوايات، دون أن نتكثر بالتّفصيل فيها، إذ يكفي الإحالة على طبعاتها ليُسْتَغْنَى بذلك عن التّرجمة لرُواتها والتّعريف بنُسخها وخصائصها: ١ - رواية عليّ بن زياد التونسي (ت. ١٨٣هـ) وهي من أوائل الرِّوايات، إلَّا أنها كانت قليلة الانتشار، وقد تكفّل الشّيخ محمّد الشاذلي النيفر بالاعتناء بالقطعة الَّتي وصلتنا من الكتاب وطبعها سنة:١٩٧٨م في الدار التونسية للنشر، ثم في دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الخامسة سنة:١٩٨٤.

стр. 128

٢ - رواية محمّد بن الحسن الشيباني (ت. ١٨٩هـ) (١) وقد تعدَّدت النّسخ الخطيّة لهذه الرِّواية، وطبعت طبعات مختلفة، أشهرها طبعة المجلس الأعلى للشئون الإِسلامية بالقاهرة، باعتناء الشّيخ عبد الوهاب عبد اللطيف. ٣ - رواية أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم (ت. ١٩١هـ) ذكر الأستاذ محمَّد بن علوي المالكي أنه وقف في الكتبة الوطنية بتونس [ملف: ٢١٨ - ٧٧] على قطعة نادرة من هذه الرِّواية، مكتوبة بخط مغربي واضح، تشتمل على بقية من باب أحكام الرقيق، ثم الأبواب المتعلقة بببع الثمار، ثم الأبواب المتعلقة ببيع النقدين والصرف، ثم الأبواب المتعلقة ببيع الطعام، إلى باب ما يجوز في السلف (٢). وكان شيخ شيوخنا محمّد الفاضل بن عاشور قد أشار في مقال له (٣) إلى هذه النُّسخة فقال: "رواية عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري،

стр. 129

وتوجد منها قطعة ذات بال برواية الإمام سحنون عنه هي أيضًا مما اشتملت عليه مكتبة الجامع الأعظم بالقيروان"، كما أشار إليها أيضًا شيخنا محمّد الشاذلي النيفر في مقدمته لموطأ ابن زياد (١). ووصلنا تلخيص أبي الحسن عليّ بن محمّد القابسي (ت.٤٠٣ هـ) الَّذي اقتصر فيه على الروايات المرفوعة، وما في حكم الرفع، وقد اعتنى بهذا الملخص الأستاذ محمّد بن علوي المالكي، ونشوه بدار الشروق بجدَّة، سنة:١٤٠٥. ٤ - رواية أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة القَعْنَبيّ (ت. ٢٢١هـ) وتوجد من هذه الرِّواية عدة نسخ من أجودها نسخة عند محمّد السّقّاط بالدّار البيضاء، بالمغرب الأقصى، حَصَلَت على جائزة الحسن الثاني للمخطوطات، وقد طُبعَت قطعة من هذه الرِّواية (٢)، والقطعة تشكو من الخلل الواضح والنّقص الفاضح، جَبَرَ الله خللَها ونقصها، وقيَّض من يقول بقراءتها وضبطها وطبعها طبعة متقنة مجوَّدة (٣).

стр. 130

٥ - رواية أبي عبد محمّد عبد الله بن وهب المصري (ت.١٩٧هـ) قال شيخ شيوخنا محمَّد حبيب الله الشَّنْقِيطِيّ (١): "وتوجد الآن نسخته بمكتبة فيض الله شيخ الإسلام بالأستانة العليّة كما أخبرني به بعض علماء التُّرك الأفاضل". قلنا: وصلتنا قطعة نادرة من هذه الرِّواية محفوظة بمكتبة القيروان بتونس، تحت رقم: ٢٤٤، مكتوبة على الرّقّ، بخطَّ كوفيِّ قديم، وتشتمل على كتاب المحاربة، ونشرها مؤخرا المستشرق الأعجمي ميكلّوش موراني الألماني، في دار الغرب الإِسلامي، ببيروت، سنة: ٢٠٠٢. ونشر بعض أدعياء التحقيق (٢) قطعة من كتاب ادَّعى جهلًا أنّها جزء من موطّأ ابن وهب، والصّحيح أنّها جزء مختصر من "الجامع" لابن وهب، باختصار أبي العباس محمّد بن يعقوب الأصَمّ [ت. ٣٤٦ هـ] ومن أسفٍ طُبع الكتاب للمرّة الثانية في دار كنا نظنّ أنها من دُورِ النّشر المحترمة الَّتي تحتكم في طبع منشورائها إلى آراء أهل الذِّكْر، إلَّا أن واقع الحال يدلُّ أنها انضمُّت إلى دُورِ نشر الأُمِّيَّة بتعبير الحاج الحبيب اللمسي صاحب دار الغرب الإِسلامي.

стр. 131

٦ - رواية سُوَيْد بن سعيد الحدَثاني (ت. ٢٤٠ هـ) وقد تصدَّى للاعتناء بها عبد المجيد تركي، معتمدا على ثلاث نسخ خطية، وطبعها بدار الغرب الإِسلامي، سنة:١٩٩٤، وفي السنة نفسها طُبعَت هذه الرِّواية في وزارة العدل والشؤون الإِسلامية بالبحرين، بالاعتماد على نسخة واحدة في ظاهرية دمشق. ٧ - رواية أبي زكريا ير بن عبد الله بن بُكَير (ت. ٢٣١هـ) وقد وصلتنا أربع نسخ خطية: إلاَّولي: في المكتبة السُّليمانية في إستانبول (١)، تقع في ٢٠٦ لوحة، كتبت سنة: ٧٨٥هـ وهي كاملة، وعليها سماعات. والثانية: في ظاهرية دمشق، تحت رقم: ٣٧٨٠، في ٢٧٣ ورقة، كتبت سنة: ٦٠٠هـ، ناقصة الأبواب الأولى، وتبدأ من كتاب الزكاة، وهي مجزّأة إلى سبعة عشر جزءًا حديثيًّا، وتوجد في بداية كلّ جزء ونهايته سماعات لكبار العلماء الأثبات.

стр. 132

والثالثة: في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمّد بن سعود الإِسلامية بالرياض، تحت رقم: ٥٩٨٧، ضمن مجموع رقم: ٤٣، لم نقف عليها. والرابعة: في المكتبة الأزهرية، تحت رقم: ٤٤٥، لم نقف عليها، وقد صوَّرَها شيخنا إسماعيل الدَّفتار للأستاذ محمّد مصطفى الأعْظَمِيّ الَّذي وصفها بالناقصة وبالمشوّشة التّرتيب (١). واختصر هذه الرّواية محمَّد بن تُومَرْت، مهدي الموحِّدين [ت. ٥٢٤] رواها عبد المؤمن بن عليّ عن المهدي بسَنَدِهِ إلى يحيى بن عمر الكناني، عن يحيى بن عبد الله بُكَيْر بن المخزومي، وأملاه عبد المؤمن في مراكش يوم الاثنين: ٣ ذي الحجة سنة: ٥٤٤هـ، وأملاه الهدي في أول رمضان سنة: ٥٤٤ هـ في هرغة من بلاد سوس، بالمغرب الأقصى، وقد أتبع الهدي كلام مالك بخلاف ووفاق، وطبع باسم: "السِّفر الأول من مُوطّأ الإمام المهديّ ﵁" في مطبعة فونتانا الشرقية بالجزائر، سنة: ١٣٢٣هـ، ١٩٠٥ م (٢)، وقامت على نشره: ولاية عموم القطر الجزائرى، أيام إلاحتلال الفرنسي الكريه، وقام على تصحيحه ومقابلته على الأصل المخطوط: الحفناوي، هكذا ورد في آخر المطبوع، والغالب في الظن أنه أبو القاسم محمَّد

стр. 133

الحفناوي صاحب كتاب "تعريف الخلف برجال السلف" (١)، ويحتوي على: ٧٥١ صفحة، من: ٧٤١ إلى: ٧٤٦ فهرست الخطأ والصواب، ومن: ٧٤٧ إلى آخر الكتاب الفهرست العام (٢). واعتمد الناشر على نسخة محفوظة بالمكتبة الوطنية بالجزائر، ويسمّى أيضًا: "محاذي الموطّأ" وأخطأ سزكين (٣) عندما ذكر أنّه طُبعَ في عَليكرة بالهند سنة: ١٩٠٧ (٤). وقامت الطالبة هُدَى بكُّوش بالاعتناء كوطّأ المهدي، فألحقت ما أسقَطَهُ

стр. 134

ابن تُومَرْت من أسانيد، وذلك بالاعتماد على نسخة السليمانية (١)، وربّما على غيرها، وتقدّمت به لنَيل شهادة العالمية العالية بعنوان: "الموطَّأ برواية يحيى بن بكير، لمحقيق وتأصيل لرواية المهدي ابن تومرت المختصر" جامعة ابن طفيل، كلّية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة، المغرب الأقصى. كما تقدمت الطالبة صباح الزخنيني لنيل شهادة عالية في كلّية الآداب بجامعة الحسن الأول بوجدة في المغرب الأقصى. ٨ - رواية يحيى بنيبيح اللّيثي المصمودي (ت.٢٣٤هـ) (٢)؛ وقد كُتِبَ لها في القرون المتأخرة وبخاصة في العصر الحاضر ذيوعٌ وشُيوع، بتعدُّدِ الطَّبَعَات، وتوارد المعتنين بها: محمّد فؤاد عبد الباقي سابقا، وبشار عوَّاد معروف ومحمد مصطفى الأعْظَمِيّ لاحقًا. يقول الإمام عبس العزيز بن ولي الله الدهلوي (٣): "وهي-أي رواية يحيى- أكثر الرِّوايات رَوَاجًا واشتهارًا وتداولًا بين العلماء، وإذا أطلق موطّأ مالك انصرف لها وتبادرَ الذِّهن إليها".

стр. 135

وهذه الرِّواية انتشرف في الغرب الإِسلامي، وتوارد العلماء عليها نسخًا وروايةً وشرحًا وتعليقًا، وسنعودُ لتفصيل أوجُه العناية بها متنًا وإسنادًا. ٩ - رواية أبي مُصْعَب أحمد بن أبي بكر الزُّهريّ (ت. ٢٤٨ هـ)، وهي من الرِّوايات الَّتي حجَبَها عدم الإعمال حتّى كاد يطويها النّسيان، وُيعتبر راويها من آخر من روى "الموطَّأ" عن مالك من الثِّقات. قال ابن حزم: "آخر ما رُوي عن مالك: موطّأ" أبي مُصْعَب، و"موطّأ" أبي حذافة، وفيهما زيادات على الموطّآت نحو مئة حديث" (١)، وقد قام بالاعتناء بها بشّار عوّاد معروف ومحمود خليل، ونشرفها مؤسسة الرّسالة (عام: ١٤١٢ هـ) ومن أسَفٍ فقد اعتمدا على نسخة واحدة محفوظة بمتحف سالار جنك بحيدر آباد بالهند، تحت رقم: ٨٤، مع توَفُّر نُسَخٍ جيِّدة، منها مخطوطة الظّاهرية بدمشق، تحت رقم: ١٨٧٩ في ثمانية أجزاء حديثيّة. وفي الختام نقول: إنّنا لا نقطع بأنَّ هذا آخر ما يمكن أن يكون موجودًا من روايات "الموطَّأ"، فالرّجاء معقودٌ على هِمَمِ الباحثين، لنسعدَ بمزيدٍ من الجديد الَّذي يُثري ميدان البحث في مجال روايات "الموطَّأ". ومن أهم وجوه الاختلاف بن هذه الموطآت تتمثل في: - الاختلاف في الترتيب الكتب والأبواب. - الاختلاف في عدد الأحاديث المرفوعة.

стр. 136

- الاختلاف في عدد الأحاديث المرسلة والموقوفة والبلاغات وأقوال الصحابة والتّابعين، وأقوال مالك. - الاختلاف في كثير من الألفاظ سواء كان ذلك في المرفوع أم المرسل، أم أقوال الإمام مالك. يحيى بن يحيى اللَّيثيّ وروايته للمُوَطَّأ: اعتمد أبو بكر ابن العربيّ على رواية يحيى بنيبيح اللّيثيّ (١)، فهي المشهورة المتداوَلة في الغرب الإِسلامي، الَّتي اتّصلت بها الأسانيد، وكُتِبَت عليها الشُّروح، يقول ابن العربيّ في مقدمة كتاب "المسالك" (٢): "والكلام في شرح "الموطَّأ" إنَّما هو على كتاب يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ الَّذي دخل الأندلس وأدخله" وكان يحيى آخر من قَدِمَ على الإمام مالك من بلاد المغرب والأندلس، إذ كان ذِكْرُ مالك بن أنس وموطَّأه قد اشتهر، والرِّحلةُ إلى المدينة المنوَّرة قد عَمَّت، بحيث إذا ذكر "الموطَّأ" في تلك الأصقاع فإنما يُذْكَر مُوَطَّؤُهُ، ولا ينصرف الذِّهن إلَّا إليه، لتفرُّده بالانتشار بين الناس في تلك الأمكنة والأزمنة، تتلمذ يحيى على جملة من أصحاب الرِّحلة إلى المدينة النَّبويّة المنوَّرَة من فقهاء الأندلس، وبخاصُّة على زياد بن عبد الرحمن اللَّخمي

стр. 137

[المعروف بشبطون] في قرطبة، وكان زياد قد سمعه من مالك في المدينة، فامتلأ يحيى إعظامًا لمالك، وشُغِف بعِلْمِه وفقهه وهَدْيه. وأشار عليه شيخه زياد بالرَّحيل إلى الإمام مالك وأخْذِ "الموطَّأ" منه ما دام حيَّا، فاتَّبع يحيى بن يحيى مقتضى همَّته السّامية، وامتثل لإشارة شيخه، فخرج من الأندلس يشدّ الرَّحلة إلى المشرق، وانتهى إلى المدينة، فلقي مالكا، وأقبل على ملازمته إقبالا عجيبًا، على نحو ما كان له من شوق إليه، وتعلّق به عن ظهر الغيب. وكان اتِّصال يحيى بمالك قد تقرَّر واستمرَّ حتّى السنَّة الأخيرة من حياته (١)، وبذلك استطاع يحيى أن يستجمع كلّ العناصر الَّتي تؤهله لأن يكون الأمين المؤتمن على علم مالك، فكانت شدة اهتمامه بالرِّواية وإتقانها، وحُسن إقباله على مالك وكثرة ملازمته له، إلى كونه آخر الرُّواة عنه أخذا للموطأ، بعد كلّ ما تعاقب على "الموطَّأ" من تهذيب وتنقيح متواصلين طيلة حياة مالك ﵀؛ مما جعل رواية يحيى للموطأ أهم الرِّوايات وأجدرها بالقبول، وأثبتها وأجلِّها وأوعبها. ورجع يحيى إلى الأندلس بهذا الكَنْز الفريد من العِلْم، وعرفَ النّاس فضل ما فاز به يحيى، فتعلَّقوا برواية "الموطَّأ" عنه، وطلبوه من طريقه، حتّى أصبحت أكثر الأسانيده في رواية "الموطَّأ" بالغرب الإِسلامي مقتصرة على رواية يحيى بنيبيح، وأغلب ما كُتِبَ على "الموطَّأ" شرحًا وتعليقًا وتبيينًا كان مبنيًّا على رواية يحيى.

стр. 138

ومع كلّ هذه الشُّهرة الَّتي نالتها رواية يحيى في بلاد الغرب الإِسلامي، فإنَّها لم تكن مشهورة عند الشارقة في القرن الثّالث الهجري، بدَلالة أنَّ أحدًا من أصحاب الدّواوين الحديثيّة لم يعتمدها. ويرى الأستاذ بشّار عوَّاد معروف (١) أنَّ ذلك ربّما رجع إلى أمور منها: أ- قِلّة شُهرة يحيى بن يحيى اللَّيثى بطَلَب الحديث، ووقوعه في أخطاء حديثيّة ليست بالقليلة. (٢) ٢ - قِلَّة الاتّصال بين أهل الأندلس والمشارقة في تلك المدَّة، واعتناء أهل الأندلس يومئذٍ بالفقه أكثر من عنايتهم بالحديث. ٣ - توفّر روايات "الموطَّأ" لِمَن هُم أكثر إتقانًا ومعرفةً بالحديث من يحيى، مثل: عبد الله بن مسلمة القَعْنَبي، وعبد الله بنيوسف التِّنيسي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي مُصْعَب الزّهري، ومَعْن بن عيسى القزَّاز، وقُتَيْبة بن سعيد، ويحيى بن سعيد القطّان، ويحيى بن يحيى النّيسابوري، ونحوهم ممن اعتمدهم أصحاب الكتب السِّتَّة، والإمام أحمد في "مسنده"، والدَّارميّ والطَّحاوِي وابن حِبَّان والدّرقُطْنِيّ والطَّبَرَانِيّ والبيهقي وغيرهم في مصنّفاتهم (٣).

стр. 139

وذكر شيخ شيوخنا محمّد الطّاهر بن عاشور في "كشف الُمغَطَّى" (١) أنَّ للنّاس في أسانيدهم الموصِلَة إلى "مُوَطَّأ" يحيى بن يحيى ثلاث طُرُقِ أصيلةٍ: ١ - طريق عُبَيْد الله (بضمِّ العين مصغّرا) بن يحيى بن يحيى اللّيثي (٢)، سمع من أبيه، ولم يسمع من غيره، وسمع الناس منه رواية أبيه. ٢ - والطريق الثّانية: طريق محمّد بن وضُّاح المروانيّ القرطبي (ت. ٢٨٧ هـ)، قال عنه ابن الفرضي (٣): "وبمحمد بن وضَّاح وبَقِيّ بن مَخْلَد صارت الأندلس دار حديثٍ، وكان محمّد بن وضَّاح عالمًا بالحديث، بصيرًا بطُرُقِه، متكلّمًا على عِلَلِه ... سمع منه الناس كثيرًا، ونفع الله به أهلَ الأندلس". وكان ابنُ وضُّاح من المتشدِّدين في نقد الحديث، فانْتُقِد لأجل ذلك، بل كان يُغيّر رواية يحيى في "الموطَّأ" إذا بدا له تصويب أو تخطئة (٤)، مع صحَّة ما رُوِيَ عن يحيى في ذلك عند التأمّلِ، فكان يعتمدُ على فهمه لا على روايته.

стр. 140

٣ - والطريق الثّالثة: طريق محمّد بن أحمد الأندلسي، المعروف بالعُتْبّي [ت. ٢٥٥ هـ]، (١)، كان من كبار الفقهاء، له رحلة إلى المشرق، ألَّفَ أجزاء فقهية سُمِّيَت: بـ"العُتْبيَّة" (٢) وهي المستَخْرَجَة من الأسْمِعَة المسموعة من الإمام مالك (٣). ومن كلّ طريقٍ من هذه الطُّرق تعدَّدت سَمَاعات وتفرَّعت أسانيد، وعن كلّ أصلِ كتابيٍّ من أصول هذه الطُّرق أخِدت نُسَخٌ، وقُوبلَت وحُقِّقَت، وانتقلت بالمناولة واشتهرت، ثم عُورضت بعضها ببعض، وضُبطَ ما بينها من اختلاف وتفاوُتٍ، في نُسَخٍ متقنَةٍ مدقّقة، كُتِبَت بخطوط أعلام الرُّواة وأيَّمة العلماء، فأصبحت مرجِعًا للنّاس، ومعوَّلًا يطمئنون بها إلى النَّقل الصّريح والضَّبط الصَّحيح، وتدورُ بها الرِّوايات على محورٍ من التثبُّت، عمادُه التأنُّق في الخطّ مع إثبات السّمَاعات، مع النَّقد والتَّرجيح بين الرِّوايات، ممَّا جعل كتاب "الموطَّأ" أصلًا لخزانة كاملة جليلة، تعتمدُ كلّها على رواية يحيى بن يحيى، إمَّا إفرادًا لها في الأكثر، وإمَّا جمعا لها مع غيرها في الأقلَّ (٤). وقد ذكر شيخ شيوخنا محمّد الطاهر بن عاشور في مقدِّمة كتابه "كشف

стр. 141

المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في المُوَطَّأ" (١) أن أشهر نُسَخِ "الموطَّأ" بالأندلس نُسْخة ابن الطَّلَّاع تلميذ ابن مُغِيث، ونُسْخَة ابن أبي الخِصَال تلميذ ابن عبد البرّ وأبي عمر الطَّلَمَنْكِيّ المقابَلَةُ على كتابَيْهِما بخطِّ يده، ونُسْخَة أبي مروان بن مَسَرَّة بخَطَّ يده، ونُسخة أبى محمّد بن عَتَّاب وهو من شيوخ ابن بَشْكُوَال، ونُسخة القاضي ابن فُطَيْس المتوفَّى ستة:٤٠٢ هـ (٢) قلنا: وقد يَسَّرَ الله لنا الوقوف على نُسخة أبي عبد الله محمَّد بن فَرَج، مَوْلَى ابن الطَّلَّاع القرطبي [ت.٤٩٧] (٣)، تلميذ يونس بن مُغِيث [ت.٤٢٩] (٤)، وهي نُسْخة عتيقةٌ مجوّدةٌ، على رقّ غزال، تحت رقم ٧٠٨ ج، في الخزانة العامة بالرباط، كُتِبَت بخطٍّ أندلسىٍّ جميل، تشتمل على ٣٥٦ ورقة، في كل صفحة: ٢٧ سطرا، وشكلّت أغلب كلّماتها، وجاء في مقدمتها بعد التسميه والصلاة على النبي ﷺ : "وقوت الصّلاة، حدّثنا الفقيه أبو عبد الله محمّد بن فَرَج ﵁ قراءة عليه وأنا أسمع، في مسجده بقرطبة في صدر ربيع الآخر سنة: أربع وتسعين وأربع مئة، قال: حدّثنا القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله بن مُغِيث قاضي الجماعة بقرطبة، المعروف بابن الصفّار

стр. 142

- ﵀: قال: حدّثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عمَّ أبيه عُبَيْد الله بن يحيى، عن أبيه يحيى، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب ... ". وجاء في آخرهاة "كَمُلَ كتاب "الموطَّأ" والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيِّدنا محمّد خاتم النَّبيِّين، وعلى آله وصحبه الطَّيِّبين الطّاهرين وسلّم تسليمًا. وكان الفراغ منه في السّابع والعشرين من شهر ربيع الآخر عام ثلاثة عشر وستّ مئة". ثم قال: "انتهت المقابلة والتّصحيح وكتب الطُّرر من أصل الشّيخ الفقيه الأجلّ، المحدِّث النّحويِّ، الضَّابط المُتْقِن اللّغويّ أبي العباس أحمل بن سَلَمَة الأنصاري ﵁[ت.٥٩٨] وولده الشّيخ الفقيه المحدِّث الضّابط المُتْقِن اللُّغَويّ أبو عبد الله محمّد بن أحمد ابن سَلَمَة الأنصاري -أكرمه الله- يُمْسِكُ الأصل المذكور". وذكَرَ النّاسخ في نهاية الكتاب الرّموز والعلامات المستعملة في الدّلالة على مختلف الرِّوايات فقال: "كلّ ما فيه من العلامات: "هكذا عـ" بهذه الصّورة فهو لعُبَيْد الله وما في هذه الصّورة "ح" لابن وضّاح، إمّا رواية عن يحيى أو إصلاح عليه، وما فيه "هكذا ط " فهو لابن فُطَيْس، وما فيه "هكذا ش" فهو ابن المشّاط، و"هـ كذا" أبو الوليد الوقّشي، وما فيه "ك كذا" فإنّما هو تقييدٌ عن البكريّ في أسماء المواضع، وما فيه "ع هكذا" فه وابن عبد البرّ، وما فيه "ع كذا" فهو أبو علىّ الجيّانيّ، وما فيه "جـ هكذا" فهو الباجي، وقد أصرِّح فيه في بعض الأوقات باسم الرّاوي: "ابن سهل" و"ابن حمدين" وغيره، و"ش هكذا" ابن سراج أبو مروان، وإذا كَتَبْتُ "ق هكذا" فإنّما هو ما نقَلتُه

стр. 143

من كتاب شيخي أبي إسحاق بن قرقول ﵀ وما فيه "ص هكذا" فهو الأصيليّ، وإذا كان "ط" في شرح لفظٍ فهو البَطَلْيَوْسِيّ". وتحتوي هذه النّسخة على سماعات مهمّة لكبار العلماء، زادت من قيمة الرِّواية، وأحاطتها بسياج دقيق من الضوابط المختلفة، والشيخ المسمِّع في محطوطنا هو الحافظ أبو عبد الله محمّد بن عمر بن رُشَيْد السَّبْتي [ت.٧٢١] حيث كتب بخطِّه: "قاله محمّد بن عمر بن محمّد ... بن رُشَيْد السَّبتِي الفِهرِيّ- وفقه الله - وكتبه في وسط محرّم عام عشرين وسبع مئة ... ". وقد اعتمد الأستاذ الأعْظَمِيّ في نشرته لموطأ يحيى (١)، على هذه النّسخة، ولكن استفادته منها كانت محدودة جدًّا في نظرنا، بدليل أنّه لم يحسن قراءة كلّ ما في المخطوط، وهذا ما صرَّحَ به في المقدمة (٢) عندما قال: "الكتابة واضحة باهتة على وجه العموم، ولكن في أماكن باهتة جدًّا، خاصّة الهوامش، ولا يمكن قراءتها وليس هذا العيب في التصوير فحسب، ولكن في الأصل نفسه" قلنا: هذا الكلام فيه نظر؛ لأن العارف المتمرِّس بالخطِّ المغربي والأندلسيّ، لن يجد صعوبة في قراءة ما استشكلّه الأستاذ، بل والغريب حقا أن يقول (٣): "حسب علمي، هذه النّسخة فريدة، ولم أطلع على آية نسخة أخرى تشتمل

стр. 144

على فروق الرِّوايات بالتّوسُّع كما في هذه المخطوطة ... وبالرغم من كلّ المحاسن، ففيها عيب؛ لأنّها خالية من أيّه سماع، لا في البداية ولا في النهاية، ولا في داخل الكتاب في موضع ما". قلنا: وكأننا بالأستاذ الفاضل وقد استعجمت عليه الخطوط الأندلسية وغَمُضَت، فأصبحت نظراته في الكتاب يُعْوِزُها كثير من الصّبر والتَّأَنِّي والممارسة؛ وإلاّ كيف يخطئ نظره قراءة السّماعات المختلفة المثبتة في بداية المخطوط، وهي أبين من فَلَقِ الصُّبح وضوحًا، نرجو أن يتمكّن من مراجعة الأمر في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى. مع موطّأ يحيى في نَشَرَاتِه: وتكاد هذه العناية بدراسة "الموطَّأ"وتمحيصه وضبط نُسَخِه تؤولُ في مُعظَمِها إلى المدرسة الحديثيّة للغرب الإِسلامي، ولذلك فإنَّ خزائن الكتب في العالم تحتوي على نفائس من رواية يحيى، وبالرّغم من هذه الكثرة، فإنَّ هذه الرَّوإية لم تُرْزَق إلى حد الآن ما يليقُ بها من القراءة والنّشر العِلْميّ السّليم. وتُعتبَرُ رواية يحيى من أقدم الرَّوايات نشرًا، فقد أحصينا بعض الطّبعات المتوفرة في بعض الخزائن فوجدناها كالتّالي: ١ - "الموطَّأ" رواية يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ، طُبعَ في دهلي بالهند، سنة: ١٢١٦هـ،١٨٠١ م (١) ولم نقف عليه.

стр. 145

٢ - ""المُوَطَّأ" المطبوع في الطبع الأحمدي، بدهلي، في الهند، سنة: ١٢٦٦هـ،١٨٥٠م. (١) ٣ - النّسخة المطبوعة بمطبعة الحجَر بخطٌ باب اللّوق بالقاهرة في مصر، في ٧ رمضان ١٢٨٠ هـ، في جزأين (٢)، يشتمل الأول على: ٢١٥ صفحة، والثاني على: ٢٥٣ صفحة، بخط مشرقي مشكول، بتصحيح الشّيخ مصطفى عز الشافعي الأزهري (٣). ٤ - ما طُبعَ في المطبعة الرّسمية بتونس عام: ١٢٨٠ هـ (٤)، بعناية كوكبة من
следующие страницы →