المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في المُوَطَّأ" (١) أن أشهر نُسَخِ "الموطَّأ" بالأندلس نُسْخة ابن الطَّلَّاع تلميذ ابن مُغِيث، ونُسْخَة ابن أبي الخِصَال تلميذ ابن عبد البرّ وأبي عمر الطَّلَمَنْكِيّ المقابَلَةُ على كتابَيْهِما بخطِّ يده، ونُسْخَة أبي مروان بن مَسَرَّة بخَطَّ يده، ونُسخة أبى محمّد بن عَتَّاب وهو من شيوخ ابن بَشْكُوَال، ونُسخة القاضي ابن فُطَيْس المتوفَّى ستة:٤٠٢ هـ (٢)
قلنا: وقد يَسَّرَ الله لنا الوقوف على نُسخة أبي عبد الله محمَّد بن فَرَج، مَوْلَى ابن الطَّلَّاع القرطبي [ت.٤٩٧] (٣)، تلميذ يونس بن مُغِيث [ت.٤٢٩] (٤)، وهي نُسْخة عتيقةٌ مجوّدةٌ، على رقّ غزال، تحت رقم ٧٠٨ ج، في الخزانة العامة بالرباط، كُتِبَت بخطٍّ أندلسىٍّ جميل، تشتمل على ٣٥٦ ورقة، في كل صفحة: ٢٧ سطرا، وشكلّت أغلب كلّماتها، وجاء في مقدمتها بعد التسميه والصلاة على النبي ﷺ : "وقوت الصّلاة، حدّثنا الفقيه أبو عبد الله محمّد بن فَرَج ﵁ قراءة عليه وأنا أسمع، في مسجده بقرطبة في صدر ربيع الآخر سنة: أربع وتسعين وأربع مئة، قال: حدّثنا القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله بن مُغِيث قاضي الجماعة بقرطبة، المعروف بابن الصفّار
стр. 142
- ﵀: قال: حدّثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عمَّ أبيه عُبَيْد الله بن يحيى، عن أبيه يحيى، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب ... ".
وجاء في آخرهاة "كَمُلَ كتاب "الموطَّأ" والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيِّدنا محمّد خاتم النَّبيِّين، وعلى آله وصحبه الطَّيِّبين الطّاهرين وسلّم تسليمًا. وكان الفراغ منه في السّابع والعشرين من شهر ربيع الآخر عام ثلاثة عشر وستّ مئة".
ثم قال: "انتهت المقابلة والتّصحيح وكتب الطُّرر من أصل الشّيخ الفقيه الأجلّ، المحدِّث النّحويِّ، الضَّابط المُتْقِن اللّغويّ أبي العباس أحمل بن سَلَمَة الأنصاري ﵁[ت.٥٩٨] وولده الشّيخ الفقيه المحدِّث الضّابط المُتْقِن اللُّغَويّ أبو عبد الله محمّد بن أحمد ابن سَلَمَة الأنصاري -أكرمه الله- يُمْسِكُ الأصل المذكور".
وذكَرَ النّاسخ في نهاية الكتاب الرّموز والعلامات المستعملة في الدّلالة على مختلف الرِّوايات فقال: "كلّ ما فيه من العلامات: "هكذا عـ" بهذه الصّورة فهو لعُبَيْد الله وما في هذه الصّورة "ح" لابن وضّاح، إمّا رواية عن يحيى أو إصلاح عليه، وما فيه "هكذا ط " فهو لابن فُطَيْس، وما فيه "هكذا ش" فهو ابن المشّاط، و"هـ كذا" أبو الوليد الوقّشي، وما فيه "ك كذا" فإنّما هو تقييدٌ عن البكريّ في أسماء المواضع، وما فيه "ع هكذا" فه وابن عبد البرّ، وما فيه "ع كذا" فهو أبو علىّ الجيّانيّ، وما فيه "جـ هكذا" فهو الباجي، وقد أصرِّح فيه في بعض الأوقات باسم الرّاوي: "ابن سهل" و"ابن حمدين" وغيره، و"ش هكذا" ابن سراج أبو مروان، وإذا كَتَبْتُ "ق هكذا" فإنّما هو ما نقَلتُه
стр. 143
من كتاب شيخي أبي إسحاق بن قرقول ﵀ وما فيه "ص هكذا" فهو الأصيليّ، وإذا كان "ط" في شرح لفظٍ فهو البَطَلْيَوْسِيّ".
وتحتوي هذه النّسخة على سماعات مهمّة لكبار العلماء، زادت من قيمة الرِّواية، وأحاطتها بسياج دقيق من الضوابط المختلفة، والشيخ المسمِّع في محطوطنا هو الحافظ أبو عبد الله محمّد بن عمر بن رُشَيْد السَّبْتي [ت.٧٢١] حيث كتب بخطِّه: "قاله محمّد بن عمر بن محمّد ... بن رُشَيْد السَّبتِي الفِهرِيّ- وفقه الله - وكتبه في وسط محرّم عام عشرين وسبع مئة ... ".
وقد اعتمد الأستاذ الأعْظَمِيّ في نشرته لموطأ يحيى (١)، على هذه النّسخة، ولكن استفادته منها كانت محدودة جدًّا في نظرنا، بدليل أنّه لم يحسن قراءة كلّ ما في المخطوط، وهذا ما صرَّحَ به في المقدمة (٢) عندما قال: "الكتابة واضحة باهتة على وجه العموم، ولكن في أماكن باهتة جدًّا، خاصّة الهوامش، ولا يمكن قراءتها وليس هذا العيب في التصوير فحسب، ولكن في الأصل نفسه"
قلنا: هذا الكلام فيه نظر؛ لأن العارف المتمرِّس بالخطِّ المغربي والأندلسيّ، لن يجد صعوبة في قراءة ما استشكلّه الأستاذ، بل والغريب حقا أن يقول (٣): "حسب علمي، هذه النّسخة فريدة، ولم أطلع على آية نسخة أخرى تشتمل
стр. 144
على فروق الرِّوايات بالتّوسُّع كما في هذه المخطوطة ... وبالرغم من كلّ المحاسن، ففيها عيب؛ لأنّها خالية من أيّه سماع، لا في البداية ولا في النهاية، ولا في داخل الكتاب في موضع ما".
قلنا: وكأننا بالأستاذ الفاضل وقد استعجمت عليه الخطوط الأندلسية وغَمُضَت، فأصبحت نظراته في الكتاب يُعْوِزُها كثير من الصّبر والتَّأَنِّي والممارسة؛ وإلاّ كيف يخطئ نظره قراءة السّماعات المختلفة المثبتة في بداية المخطوط، وهي أبين من فَلَقِ الصُّبح وضوحًا، نرجو أن يتمكّن من مراجعة الأمر في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى.
مع موطّأ يحيى في نَشَرَاتِه:
وتكاد هذه العناية بدراسة "الموطَّأ"وتمحيصه وضبط نُسَخِه تؤولُ في مُعظَمِها إلى المدرسة الحديثيّة للغرب الإِسلامي، ولذلك فإنَّ خزائن الكتب في العالم تحتوي على نفائس من رواية يحيى، وبالرّغم من هذه الكثرة، فإنَّ هذه الرَّوإية لم تُرْزَق إلى حد الآن ما يليقُ بها من القراءة والنّشر العِلْميّ السّليم.
وتُعتبَرُ رواية يحيى من أقدم الرَّوايات نشرًا، فقد أحصينا بعض الطّبعات المتوفرة في بعض الخزائن فوجدناها كالتّالي:
١ - "الموطَّأ" رواية يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ، طُبعَ في دهلي بالهند، سنة: ١٢١٦هـ،١٨٠١ م (١) ولم نقف عليه.
стр. 145
٢ - ""المُوَطَّأ" المطبوع في الطبع الأحمدي، بدهلي، في الهند، سنة: ١٢٦٦هـ،١٨٥٠م. (١)
٣ - النّسخة المطبوعة بمطبعة الحجَر بخطٌ باب اللّوق بالقاهرة في مصر، في ٧ رمضان ١٢٨٠ هـ، في جزأين (٢)، يشتمل الأول على: ٢١٥ صفحة، والثاني على: ٢٥٣ صفحة، بخط مشرقي مشكول، بتصحيح الشّيخ مصطفى عز الشافعي الأزهري (٣).
٤ - ما طُبعَ في المطبعة الرّسمية بتونس عام: ١٢٨٠ هـ (٤)، بعناية كوكبة من
стр. 146
علماء تونس الأفاضل: محمود الشّريف، وسالم بن عمر بو حاجب، ومحمد البشير البجائي التواتي، وأحمد الورتاني.
تقع في مجلد كبير، يشتمل على: ٤٠٧ صفحة، مع مقدّمة في: ٤ صفحات، وفهرست للمحتوى مع قائمة بالخطأ والصّواب في صفحتين.
٥ - نسخة "الموطَّأ" بشرح الزّرقاني (١)، طُبعَت بالطبعة الكَاسْتَّلَّيَّة بمصر عام١٢٨٠هـ، بتصحيح العلامّة نصر أبي الوفا الهوريني، في أربع مجلدات، وبهامشها سنن أبي داوود.
٦ - النّسخة المطبوعة في الطبع الفاروقي، بعناية محمّد معظم الحسَنِي، بدهلي في الهند، في ٢١ شوال ١٢٩١هـ،١٨٧٤ (٢) م.
٧ - "الموطَّأ" برواية يحيى، مع شرح شاه ولي الله الدهلوي، باللغة الفارسية، المسمىَّ: "المصَفَّى" بعناية المولوي: بخش البهاري، طبع الجزء الأول
стр. 147
في مطبعة الفاروقي، في ٤٢٠ صفحة، والجزء الثاني في مطبعة متضوي في ٢٨٠ صفحة، بدهلي، سنة:١٢٩٣هـ،١٨٦٧م. (١)
٨ - النُّسخة المطبوعة في المطبع الْمُجْتَبَائِي الواقع في دهلي [دلهي] بالهند، عام١٣٠٧هـ. (٢)
٩ - نسخة مطبوعة على الحجر في لاهور (٣)، [بالهند يومئذ وباكسنان حاليا] سنة: ١٣٠٧هـ،١٨٨٩ م، في: ٤٠٠ صفحة.
١٠ - نسخة مع شرح الزرقاني، طبعت في المطبعة الخيرية لصاحبها عمر حسين الخشاب، بحي الجمالية يحوار الأزهر الشريف، وتقع في أربع مجلدات، سنة: ١٣١٠هـ، ١٨٩٢م (٤).
١١ - نسخة حَجَريّة مطبوعة بمطبعة العربيّ الأزرق بفاس عام: ١٣١١هـ، ١٨٩٣م، مع تعليق على الموطَّأ لأبي عبد الله محمّد بن المدني كَنُّون [الكبير] بتصحيح: أحمد بن المأمون البلغيثي، يشتمل الجزء الأول منها على: ٤٢٦
стр. 148
صفحة، والثاني على: ٣٦٨ صفحة (١).
١٢ - نسخةٌ حَجَرِيّة مطبوعةٌ بفاس، سنة:١٣١٨هـ،١٩٠٠م، في أربعة أجزاء، ضِمْنَ مُجلَّدين، يشتملُ الجزء الأوّل على: ١٦٧صفحة، والثّاني على: ١٧٢،والثّالث على: ١٨٤، والرّابع على: ١٨٧، بتصحيح الشّيخ التّهامي بن المدَني كنُّون، [ت. ١٣٣١هـ] والناشران هما: محمّد التّهامي بن الفقيه العربيّ بن موسى، والعبّاس بن العلاّمة سيدي المختار حفيد الشّيخ أبي العبّاس البدَوي زوِيتن (٢).
١٣ - نُسْخَةٌ حَجَرِيَّةٌ صدَرَت عن مطبعة "فَخْر المطابع" بدهلي، في الهند، سنة:١٣٢٠هـ، باهتمام نياز أحمد، تشتمل على: ٣٩٢ صفحة (٣).
١٤ - نسخة طبعت في الطبعة الشُّرَفِيَّة بمنطقة الجمَّاليّة بالقاهرة، وذلك في
стр. 149
غرّة شهر جمادى الاَّولي عام:١٣٢٠هـ،١٩٠٢م، وتقع في جزأين ضِمْن مجلَّد واحد، يشتمل الجزء الأوّل على: ١٩١ صفحة، والثّاني على: ٢٣٨ صفحة (١).
١٥ - نسخةٌ حَجَريّة مطبوعة في قازان، سنة:١٣٢٨هـ، ١٩١٠م (٢).
١٦ - النُّسخة المطبوعة بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، عام: ١٣٢٩هـ،١٩٢٠م، في جزأين في مُجَلَّدٍ واحدٍ، يشتمل الجزء الأوّل على: ٢٨٨ صفحة، والثّاني على: ٣٤٤ صفحة، مشكولًا شَكْلًا تامًا.
وهناك طبعاتٌ أخرج كثيرة، ذكَرَتها المصادر، ووقفنا على بعضها، وأهملناها عمدا؛ لأنّ أغلبها لم يقف على نشره أعلام المصحِّحين من علماء وطلبة الأزهر وغيره، فلا قيمة لها تُذْكَر في العالَميِن؛ ولكنّنا سنحاول أن ننظر بعين ناقدة إلى الطبعات المعتمدة الآن عند العلماء والباحثين.
طبعة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي:
تعتبر طبعة الأستاذ عبد الباقي عام: ١٩٥١هـ من كثر الطبعات ذيوعًا وانتشارًا، ومن الغريب حقًّا ألَّا يعتمدَ الأستاذ عبد الباقي على أيّ نُسخةٍ مخطوطةٍ، وإنّما اكتفَى في ظبط النَّص على بعض المطبوعات الَّتي أشرنا إليها
стр. 150
آنفا، وحول منهجه هذا يقول في مقدّمة طبعته للموطّأ: "فكنتُ أقارنُ نصوص بعضها [أي المطبوعات] ببعض، فما اتَّفق الجميع عليه وأيقنتُ أنَّه الصَّواب أثبتُّهُ، وما اختلف فيه رجَّحتُ الجانب الَّذي به شرح الزَّرقاني والنسخة المطبوعة في الهند عام: ١٣٠٧هـ، بعد أن أرجع إلى معاجم اللّغة وكتب الحديث والرجال، فخلصت لي من هذه النُّسخ جميعها نسخة ما ألوتُ جهدًا في أن تكون أصحّ ما أخرجته المطابع العربية في العالم الإِسلامي".
قلنا: لا شكّ أن هذا المسلك الَّذي سلكه الأستاذ محمّد فؤاد عبد الباقي ﵀ وغفر لنا وله- يُعدُّ خَرْقَا واضحًا للنَّهج الأمثل في قراءة النُّصوص وإعدادها للنّشر، فالتّهاون في البحث عن النُّسَخ المخطوطة، والاقتصار في النّشر على المطبوع عمل غير علميّ، وقد أدَّى هذا التّهاون إلى نتائج غير مرضية، فطبعةُ عبد الباقي المتداوَلَة بين النّاس اليوم لا يعتمدُ عليها، إذا ما طبَّقنا عليها موازين النَّقد عند المحدِّثين، وأصول التّوثيق العِلْميّ عند المعاصِرِين.
عبد الباقي والأعْظَمِيّ وتصرّفهما في كُتُب وأبواب رواية يحيى:
وأوُّل ما يُستَغرَب في صنيع الأستاذ محمّد فؤاد عبد الباقي، هو قيامه بالتصرّف في تقسيم كُتُبِ وأبواب "الموطَّأ"، فاجتهد في وضع كتب وأبواب لا توجد في أيّ من الأصول المخطوطة، ومُسْتَنَدُه في اجتهاده: هو أن ترقيم كتب وأبواب "الموطَّأ" سيتلاءم مع الأرقام الَّتي وضعها المستشرق الهولندي فنسيك في "مفتاح كنوز السنة"، وما صنعه جماعة المستشرقن الأعاجم في "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النّبويّ".
стр. 151
وبهذا الصّنيع لم يعد لكتاب الجامع الَّذي تَمَيَّزَ به الإمام مالك عن أترابه أيّ معنى، فقد قسمه الأستاذ عبد الباقي إلى سبعة عشر كتابا، كلّ كتاب يشتملُ على أبواب، والأبواب تشتمل على مجموعة من الأحاديث المختلِفَة الَّتي لا تنتظم تحت معنى مُعَيَّنِ، فنجدُ كتاب صفة النبي ﷺ قد اندرج تحته باب: ما جاء في نَزْعِ المعَالِيقِ والجرَسِ من العُنُقِ، فأيّ علاقة ظاهرة أو خفيّة بين صِفَتِه ﷺ وبين نزع المعاليق؟! وهكذا دواليك نجد هذا التَّحَكُّم الظّاهر في جلِّ الأبواب الَّتي ابتدَعَها الأستاذ عبد الباقي لتتماشى مع ما فَهْرَسَه المستشرقون الأعاجم، مما أدى إلى غُموضٍ مُرْبكٍ في فقه ترجمة الباب، تَنَكَّرَتْ معه واستعجمت حِكْمَةُ الإمام مالك في وضع تراجمه.
ومن أسَفٍ، فقد قَلَّدَ الأعظميُّ (١) عبد الباقي في بدعته عن إرادة واختيار -بئس الاختيار- يقول في مقدِّمته (٢): "وبما أنّ هذا التغيير [في الكتب والأبواب] يسبب بلبلة في أوساط طَلَبَة العلم؛ لأنّ عَشَرات الألوف من النُّسَخ المطبوعة منتشرة في العالم، فإذا غيّرنا التّرتيب حسب مخطوطة ما فقد قَضَينا على تلك النُّسَخ والبحوث الَّتي كتِبَت منذ مئة سنة أو كئو وهي ترمز إلا تلك الكتب والأبواب، لذلك قرّرنا اتِّباع المألوف، وتطويع المخطوطات في التّرتيب بما هو [في] المطبوع".
стр. 152
ويقول في موضع آخر (١): "في المخطوطات كافة الَّتي اعتمدناها للتحقيق لا توجد عناوين الكتب الكثيرة خاصة في كتاب الصلاة وكتاب الجامع، لكننا وضعنا عناوين تلك الكتب في كلّ المخطوطات نظرا لترتيب الأحاديث على نسق الكتاب المطبوع، وكذلك العمل في كتاب الجامع".
قلنا: وهذا المنهج الَّذي ارتضاه الأستاذ الأغظميّ منهج باطل جملةً وتفصيلًا، فهو نقبٌ يمكنُ أن يدخلَ منه أعداء الأمّة والملّة، فيعيثونَ في إرْثِنا الإسلاميّ فسادًا، بالتّبديل والتّغيير، والزِّيادة والنقص، بدون ضابطٍ ولا رادعٍ، متَّكِئينَ على ما أَلِفَهُ النّاس واستأنسوا به، وهذا المنهج الباطل هو الَّذي وقع فيه مَنْ قَبْلَنَا من أهل الكتاب، الّذين سمحوا لرهبانهم وقساوستهم التّصرُّف في كتبهم المقدَّسة زعموا، فكانت النتيجة ما نشاهده من فوضى عارمة في كتبهم الَّتي لا تثبت على النَّقْد، وفيها من المطاعن والمغامز ما ملأ الخزائن "الكبرى" كما هو معلوم عند الباحثين في علم مقارنة الملل والنحل [الأديان].
ونحن نجلّ الأستاذ الفاضل عن إتيان مثل هذا الفعل المشين، ونَرْبَأ به عن أن يكون أداةً لأعداء الدِّين في ما يضمرون وينتوون، من القضاء على إِرْثِ أمَّتِنا، بتهذيبه تارةً، وبتيسيره تارةً أخري، وبتغير مناهجه حتّى يتلاءم مع العصر. نسأل الله الثّبات، والاستقامة على الطريقة المثلى في العلم والمنهج والعمل.
стр. 153
عبد الباقي وبشّار والأعْظَمِيّ وزياداتهم على رواية يحيى:
كثيرا ما كان الأستاذ محمّد فؤاد عبد الباقي يُرجِّح ما يظنُّه صحيحًا، على ما جاء في رواية يحيى، وهو أمر مخالفٌ لقواعد القراءة والنَّشر العلمي الدّقيق، وآية ذلك: أنَّ المعتني بالنَّصِّ إنّما يهدفُ إلى إثبات ما دوَّنه المؤلِّف أو الرّاوي عنه، بغضِّ النَّظَر عن الصّواب أو الخطأ، فإنْ تَعْجَب -أخي القارئ - فاعْجَب من صنيعه في حديث مالك (١) عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن محمد بن الصديق، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
فهذا الحديث لم يروه يحيى بن يحيى اللَّيثيّ باتِّفاق علماء هذا الشَّأن، يقول ابنُ عبد البرّ في "التّمهيد" (٢): "طَلْحَةُ بن عبد الملك الأيليّ، رَوَى عنه مالكٌ حديثّا واحدًا مُسْنَدًا صحيحًا، وليس عند يحيى عن مالك، وقد رواه القَعْنَبِيُّ (٣)، وأبو مصْعَب (٤)، وابن بُكَيْرٍ (٥)، والتِّنِّيسيُّ (٦)، وابن وَهْبٍ (٧)، وابنُ
стр. 154
القاسم (١)، وجماعةُ الرُّواة (٢) للمُوَطّأ ... وما أظنُّه سَقَطَ عن أحدٍ من الرُّواة إلّا عن يحيى، فإنِّي رأيتُه لأكثرهم، والله أعلم".
قلنا: أقحم الأستاذ عبد الباقي هذا الحديث في رواية يحيى، مع أنه لم يرد في مخطوطة ابن الطَّلاَّع، وربّما وَرَدَ -وهو الغالب- في المطبوعات المصرية القديمة، وقد أدّت هذه الإضافة إلى جُنُوح بعض المعاصرين لتَخْطِئة ابن عبد البرّ بأسلوب فجٍّ قبيح، فقال (٣): "لا يحزنك يا أبا عمر [في الأصل: عمرو] أنك لم تجده في مُوَطَّأ يحيى، فهو فيه تحت رقم: ١٠٣١، ك: النذور والأيمان، ب: ٤ ما لا يجوز من النذور في معصية الله، ص: ٢٩٦. ولم يشذّ [في الأصل: يشد] عن غيره من رواة "المُوَطَّأ"، ومن عجيب أنك لم تجده عنده، كان الأولى أن تتهم نسختك من "المُوَطَّأ" أو حفظك له، أو من رويته عنهم، وتحاول استقراء البحث قبل أن تقع في هذه الأعجوبة، ولكن لكلّ جواد كبوة".
فانظر أخي القارئ إلى هذا التّعالُم الكَرِيه، والادِّعاء الأجوف، الَّذي لا يقع فيه من شَدا من علوم الحديث والرِّجال، وعُذْرُ الرّجل أنّه طَلَبَ هذا الفنّ من العلم بأَخَرَة، فهو قاصر الآلة، لا يمكن أن يستبطن دخائل علم الرِّواية ويقف على دقائق أغراضها، بدون تلق واع من الشيوخ، وممارسة ومدارسة لهذا العلم مع أهله.
стр. 155
ولكن الغريب حقا أن يقع في هذا الخطأ نفسه عالم من العلماء الّذين لهم اشتغال بهذا العلم، وكتبوا فيه كتابات جيدة، ونقصد الأستاذ محمد مصطفى الأعْظَمِيّ (١)، الَّذي قَلَّدَ محمد عبد الباقي وقال في تخريجه: "هذا الحديث ليس في الأصل [أي نُسخة ابن الطَّلَّاع] ولا في "ق" [أي مخطوطة صائب سنجر بأنقرة] وقد أضيفت من النُّسخة المطبوعة، ومن رواية أبي مصعب الزهري".
قلنا: وهكذا يُقْحِمُ الأعظميُّ ما ليس في رواية يحيى بحجَجٍ واهية، ظاهرة البطلان، فما قيمة النُّسخة المطبوعة وبين يديه نسخة ابن الطَّلاَّع الَّتي حقّقها [بالتعبير المعاصر] المحدِّث الثبت ابن رُشَيْد، وبين يديه أيضًا نسخة صائب سنجر الَّتي قرأ فيها أمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني؟ هذا أمر منكر لا يرضاه أهل الحديث، بتعبير القاضي عياض (٢). وأيضًا ما دخل رواية أبي مصعب حتى يستعين بها في الاستدراك والتعقيب؟
نعود إلى ذكر ما أفسد به الأستاذ عبد الباقي موطّأ يحيى، فنقول: يصعُبُ على الباحث تتبُّع كلّ كتب وأبواب الموطّأ، فهذا أمرٌ يحتاج إلى تفرُّغٍ كاملٍ، مع توفير أغلب النُّسخ المعتبرة، والمقارنة بينها، وإبراز نسخة مُتْقَنَة من رواية يحيى كما سمعها ورواها عن الإمام مالك. ولكن حسبُنا في هذا المقام أن ننبِّه القرّاء والباحثين إلى ضرورة الاعتناء بهذا الموضوع، وسنقتصر على ذكر بعض
стр. 156
الأخطاء الواقعة في كتاب الصلاة وكتاب الجامع، لضيق المقام في مثل هذه المقدمة عدى ضرب الأمثلة من جميع كتب وأبواب "المُوَطَّأ".
جاء في طبعة عبد الباقي (١) وبشار (٢) في كتاب الصلاة، ما جاء في النداء، أنّ رسول الله ﷺ قد أراد أن يتخذ خشبتين يُضْرَبَ بهما ليَجْتَمِعَ النَاسُ للصّلاة.
وقوله: "لِيَجْتَمِعَ" هي رواية ابن القاسم ومُطَرَّف، أمّا رواية يحيى فهي بلفظ: "لِيُجْمَعَ" هذا ما وُفِّقَ فيه الأعظميّ في طبعته، وهو الثّابت في طُرَّةٍ من طُوَرِ نسخة ابن الطَّلاَّع.
وجاء في طبعة عبد الباقي (٣): "مالك، عن نافع، عن ابن عمرة أن رسول الله ﷺ قال: الحمَّى من فَيْحِ جَهَنَّمَ، فأطفئوها بالماء"، وهذا الحديث لا وجود له في موطّا يحيى باتِّفاق الحفَّاظ، إذ يشير الدَّارَقُطنِيّ في "أحاديث المُوَطَّأ" (٤) إلى أنّ هذا الحديث هو من رواية ابنِ وَهْبٍ (٥)، وابن القاسمِ (٦)، وابن عُفَيْرٍ، والشّافعيّ (٧)، كما يقول: ابن عبد البرّ في التّمهيد (٨): "وهذا حديثٌ ليس في الموطّأ عند أكثر الرُّواة، وهو فيه عندَ ابنِ القاسمِ، وابنِ وَهْبٍ، وابنِ عُفَيْرٍ".
стр. 157
وعن هذا الحديث أيضًا يقول الدَّانيّ في الإيماء (١): "هذا عند ابنِ القاسم، وابنِ عُفَيْرٍ، والشّافعيّ بهذا الإسناد [أي: مالك عن نافع عن ابن عمر] ".
ومع هذا البيان فقد قَلَّد الأعظمِيُّ عبدَ الباقي وأثبته في طبعته. (٢)
اهتبال عبد الباقي وبشّار والأعْظَمِيّ بإصلاحات ابن وضّاح وإثباتهم لها:
من نِعَمِ الله على هذه الأمّة أنْ قَيَّضَ لها علماء الحديث، الّذين وضعوا المناهج السّديدة، والقواعد العلميّة الضابطة، الَّتي تحيط إرثنا الإِسلامي بسياج قَوِيٍّ من الحماية والحفظ، تمنع عنه تحريفات الجاهلين، وتَعَسُّف وتأويلات المبطلين، وقد كان للمُحَدِّثين منهجهم الواضح في بيان اختلاف الرِّوايات للَّفظ الواحد، فلا يخلطون ولا يُلَفِّقُون؛ لما في التّلفيق من الالتباس، إلَّا أنّه دار نقاشٌ وخلافٌ حول إصلاح اللّحن الوارد في الرِّواية، لا نريد الدّخول فيه، ولكن حسبُنا ما كتبه القاضي عياض في "الإلماع" (٣) فهو شافٍ كافٍ إن شاء الله تعالى، يقول ﵀: "الَّذي استمرَّ عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرِّواية كما وصلت إليهم وسمعوها، ولا يغيِّرونها من كتبهم ... ولكن أهل المعرفة منهم ينبِّهُون على خطئها عند السُّماع والقراءة في حواشي الكتب، ويقرءون ما في الأصول على ما بَلَغهُم. ومنهم من يجسر على الأصلاح، وكان
стр. 158
أجرأهم على هذا من المتأخِّرين القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الوَقشِيّ؛ فإنّه لكثرة مطالعته وتَفنُّنِهِ ... جَسَرَ على الإصلاح كثيرا، وتَحَكَّمَ فيها بما ظهر له، وبما رآه في حديث آخر، وربّما كان الَّذي أصلحه صوابًا، وربّما غلط فيه وأصلح الصّواب بالخطأ ... وحماية باب الإصلاح والتغيير أولى؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، ويتسلط عليه من لا يعلم، وطريق الأشياخ أسلم مع التبيين، فيذكر اللفظ عند السماع كما وقع، وُينَبَّه عليه، ويذكر وجه الصواب، إما من جهة العربية أو النقل، أو وروده كذلك في آخر، أو يقرؤه على الصواب، ثم يقول: وقع عند شيخنا أو في روايتنا كذا، أو من طريق فلان كذا، وهو أولى؛ لئلا يقول على النبي ﷺ ما لم يقله".
ويقول القاضي عياض أيضًا في "مشارق الأنوار" (١): "والصّوابُ من هذا كلَّه لمن رزقا فهمًا وأُوتي عِلْمًا، إقرار ما سَمِعَه ورواهُ كما سمعه ورواه، والتَّنبيه على ما انتقَدَهُ في ذلك ورآه، حتّى يجمع الأمرين، ويترك لمن جاء بَعْدُ النَّظَر في الحرفين، وهذه كانت طريق السَّلَف فيما ظهر لهم من الخلَلِ فيما رَوَوْهُ من إيراده على وجهه وتبين الصَّواب فيه، أو طرح الخطأ البَيِّنِ والإضراب عن ذِكْرِه في الحديث جملةً، أو تبييض مكانه والاقتصار على رواية الصّواب، أو الكناية عنه كما يظهر ويُفْهَم لا على طريق القطع، وقد وقَعَ من ذلك في هذه الأمّهات ما سنوقف عليه ونشير في مَظانِّه إليه، وهي الطّريقة السّليمة، ومذاهب الأيمة القويمة، فأمّا الجسارة فجسارةٌ، فكثيرا ما رأينا من نَبَّهَ بالخطأ على الصّواب، فعكسَ الباب، ومن ذهب مذهب الإصلاح والتّغيير،
стр. 159
فقد سَلَكَ كلّ مسلكٍ في الخطأ، ودلاه رأيه بغرور ... وتحقق من تحقيقه أنّ الصّواب مع من وقَفَ وأحجَمَ، لا مع من صَمَّمَ وجَسَرَ، وتأمَّل في هذه الفصول ما تكلمنا عليه وتكلم عليه الأشياخ والحفَّاظ فيما أصلحه أبو عبد الله بن وضّاح في "الموطَّأ" على يحيى بن يحيى ... واظهار الحجَجِ على الغلَطِ في كثير من ذلك الإصلاح، وبيان صحَّة الرِّواية في ذلك من الأحاديث الصِّحاحِ".
قلنا: لعلّنا بهذه النُّصوص الواضحة الَّتي تنمُّ عن إدراك واعٍ وحيطةٍ حازمة، نكون قل أوضحنا المنهج الحقّ الَّذي ينبغي أن يُتَّبَع في مثل. هذه الإشكالات المعاصرة في التصحيح والتصويب، وكم كنا نَوَدُّ من الفاضِلَين بشّار والأعظميّ -ومقامهما في علوم الحديث معلوم- لو سلكا مسلك شيوخ الرِّواية" لكانا قد أبدعا في خدمتهما لهذا المصدر الأول، مُوَطَّأ الإمام مالك.
وهذه أمثلة من إصلاحات ابن وضّاح الَّتي أقحمها النّاشرون في طبعات رواية يحيى بن يحيى اللَّيثيّ:
١ - جاء في طبعة عبد الباقي (١)، وطبعة بشّار (٢)، وطبعة الأعْظَمِيّ (٣)، في كتاب الصلاة، القراءة في الغرب والعشاء: "مالك، عن أبي عُبَيْد سليمان بن عبد الملك، عن عُبَادَةَ بن نَسِيٍّ، عن قيس ... " يقول محمد بن الحارث
стр. 160
الخشني (١): "وهم فيه يحيى فقال: عن عَبَّاد بن نَسِىٍّ، وإنما هو عبادة بن نسي، قاضي الأردن، هكذا رَوَتْهُ الرُّواةُ عن مالك". وبلفظ "عباد" ورد في نسخة ابن الطلاُع: لوحة٢٣، والغريب أن الأعظَمِىّ قال في الهامش: "رمز في الأصل [وهو نسخة ابن الطَّلّاع] على "عباد" علامة عـ، وبهامشه في "ح" [أخطأ الأعْظَمِي فأثبت خ] عبادة".
ومعنى هذه الرموز -الَّتي لم يستفد منها الأعْظَمِيّ شيئًا- أنّ علامة "عـ" معناها أنّ هذه هي رواية عُبَيْد الله بن يحيى، وعلامة: "ح" معناها أنّ هذا هو من إصلاح ابن وضّاح.
٢ - جاء في طبعة عبد الباقي (٢)، وبشار (٣)، والأعْظَمِيّ (٤)، في كتاب الصلاة، ما جاء في صلاة القاعد في النافلة، حديث "مالك، عن عبد الله بن يزيد، وعن أبي النضر، عن أبي سلمة ... "، يقول الخشني (٥): "وهم فيه يحيى، إنما هو: عن عبد الله بنيزيد وأبي النَّضرِ، كما رواه أصحاب مالك"، والتّصرف في نَصِّ رواية يحيى وقع في نسخة ابن الطَّلّاع لوحة: ٤١، إلَّا أنّه جاء في طُرَّتِهَا ما يوضح اللّبس، ويكشف عن إصلاح ابن وضاح، فقال الْمحَشَّي: "الَّذي في داخل الكتاب من إصلاح ابن وضاح، وأمّا عبيد الله بن
стр. 161
يحيى فرواه: مالك عن عبد الله بن يزيد عن أبي النضر، أسقط الواو، وهو خطأ، إنما لحديث مالك عنهما جميعا، وكذلك رواه سائر رواة الموطَّأ".
والغريب أن بشّار عواد معروف لم يشر إلى إصلاح ابن وضّاح، مع أنه وعدنا في مقدِّمته (١) ببيان الأخطاء الواقعة في رواية يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ، وتوضيح وجه الصّواب فيها.
أما صاحبُنا الأعْظَمِي فقد نقل طرَّة نسخة ابن الطَّلَّاع الَّتي اعتبرها أصلا، وأبقى على إصلاح ابن وضّاح.
٣ - جاء في طبعة بشّار (٢) والأعْظَمِيّ (٣)، حديث مالك، عن يحيى بن سعيد، قال: "بلغني أنّ أسعد بن زُرَارَةَ اكتَوَى في زمان رسول الله ﷺ ".
هكذا وقع في الطبعتين: "أسعد" مصحّحًا، وأصل رواية يحيى: "سعد" وهو الثابت في طبعة عبد الباقي (٤)، وتعَقبه بشّار بقوله: " في م [أي طبعة عبد الباقي]: وهو خطأ بين، وما أثبتناه من ن والتمهيد، وهو الموافق لروايتي أبي مُصْعَب وسُوَيْد".
قلنا: هذه الرواية الَّتي أثبتها عبد الباقي هي عين الصواب، وإن كانت وهما ظاهرا ليحيى بن يحيى.
стр. 162
كما وقع الاسم مصَحَّحا في نسخة ابن الطَّلاعّ: لوحة ٣٣٧، وعُلّمَ على لفظ "أسعد" بعلامة "ح"، أي أنّ هذا اللَّفظ هو من إصلاح ابن وضّاح، وقد أشار الأعْظَمِيّ إلى هذا في حاشيته، ومع هذالم يحافظ على أصل رواية يحيى.
ذِكْرُ بعض التّصحيفات الَّتي وقَعَت فيها الطّبَعات الثلاث:
قد يطول بنا المقام إذا ما حاولنا تَتبُّع الطبعات الثلاث في هفواتها وسقطاتها، ولكن لا بأس إن نشير إلى نماذج معدودة مما وقع فيه الأساتذة الأفاضل، حتّى ننبه الباحثين إلى ضرورة تكاثف الجهود للعمل من أجل نشر إرثنا الإِسلامي المخطوط على أسس علمية خالصة، مبنية على القواعد والمناهج الّتي قررها علماؤنا -رحمة الله عليهم-.
١ - جاء في طبعة عبد الباقي (١)، كتاب الجهاد، ما جاء في الغلول: "عن مالك، عن عبد الرحمن بن سعيد ... " وقولهم: "عبد الرحمن" خطأ ظاهر، والصواب كما في نسخة ابن الطّلاّع: لوحة ١٤٨، وطبعة بشّار (٢)، وطبعة الأعْظَمِيّ (٣): "مالْك، عن عبد رَبَّه بن سعيد ... ".
٢ - جاء في طبعة عبد الباقي (٤)، وبشّار (٥)، كتاب الحج، ما جاء فيمن أحصر بغير عدو: "مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار؛ أن
стр. 163
سعيد بن حُزَابَة ... "، وقولهم: "سعيد" تصحيف ظاهر، والصّواب كما في نسخة
ابن الطّلاّع: لوحة ١٢٠، وطبعة الأعْظَمِيّ (١): "مَعْبَد بن حُزَابَة".
٣ - جاء في طبعة بشّار (٢)، كتاب البيوع، الحكْرَةُ والتَّرَبُّص: "مالك؛ أنه بَلَغه أنّ عمر بن الخطاب قال: لا حُكرَةَ في سُوقِنَا، ولا يَعْمِدُ رجالٌ بأيديهم فُضولٌ من أَذهَابٍ، إلى رِزْقٍ من رِزْقِ الله نزل بساحتنا، فَيَحْتَازُونَهُ علينا، فَيَحْتَكِرُونَهُ ... " ولا ندري من أيّ مصدر استقى الأستاذ بشّار زيادة: "فيحتونه علينا"؟ وأسقط كلّمة: "علينا" الَّتي تلي كلّمة: "فيحتكرونه"؟ على أن الصّواب الَّذي في نسخة ابن الطَّلّاع: لوحة ٢٤٣، وطبعة عبد الباقي (٣)، والأغظَمِيَ (٤): " ... بساحتنا، فيحتكرونه علينا ... ".
نكتفي بهذا القدر من ببان بعض الهفوات الَّتي لا يخلو منها كتاب، وأبى الله الحفظ إلا لكتاب الله ، وكم كنا نوَدُّ لو تمهَّل الأستاذان الفاضلان، فأرجآ نشر كتابيهما إلى حين، حتّى يتمكّنا من الاطلاع على عيون نُسَخِ "الموطَّأ" بالخزائن المغربية، وبعض النّوادر في إستانبول وغيرها من العواصم العالمية، ونعتقد أن ظروف الحصار الظالم قد حالت دون تحقيق هذه الأمنية لأخينا بشّار، وهو الَّذي صرَّح به في مقدمة كتابه عندما قال: "على أن نُسَخَ "الموطَّأ" في خزائن الكتب كثيرة تبلغ المئات، يتعذَّر على من هو في مثل ظرفنا
стр. 164
جمعها والمقابلة بينها ودراستها ... فبدأنا ندرُس النُّسَخ المتوفرّة في بلادنا لا سيّما في مدينة السلام بغداد حرسها الله"، ولا ندري ما هو عذر الأستاذ الأعْظَمِيّ في عدم تقصِّيه، واقتصاره على النُّسَخ الَّتي اقتصر عليها؟
وفي ختام هذا المبحث، نرى من المناسب أن نذكر بعض النُّسَخ من "موطأ يحيى" الَّتي وقفنا عليها في الخزانة العامة في الرِّباط، تُمثِّل أنموذجًا جيِّدًا لما تحويه الخزائن المغربية من نوادر وعيون "مُوَطَّأ يحيى" (١)، وهي كالتالي:
١ - جزء من "الموطَّأ"، تحت رقم: ٢٣١ ك، وهو نسخة أندلسية عتيقة جدًا، بُتِرَ أوّلُها وآخرها، قديمة الخطِّ، كُتِبَت حوالي سنة: ٥٠٠هـ تقديرًا، تشتمل على ١٤٤ ورقة، شديدة الضَّبط والإتقان، مقابلة بعناية، وعليها سماعات تدلُّ، على أنَّه قرئ منها على الإمامين: أبي القاسم خَلَف بن محمّد الشّاطبيّ [ت.٥٢٠] وأبي الحسن عبُّاد بن سَرْحَان بن مسلم المعافري الشاطبي، صرَّح باسم الأول في موضعين: في أَخر باب ميراث ولد الملاعنة وولد الزنا، وفي آخر كتاب القراض. ووقع التصييح بالسماع على الثاني آخر باب الطاعون.
٢ - جزء من "الموطَّأ" تحت رقم: ٢٩٤٧ ك، ٥٥ ورقة، كتب على رقِّ غزال، وهو الجزء الثاني والعشرون، وهو الثالث من كتاب البيوع وكراء
стр. 165
الأرض، نهايته: باب ما جاء في الإحداد، وجاء في الورقة الأولى: "وهو مما كتبه لخزانة أمير المسلمين عليّ بنيوسف بن تاشفن -أدام الله تأييده ونصره- يحيى بن محمْد بن عبَّاد اللَّخْمِيّ" كما ورد في النسخة: "بلغ مقابلة عام: ٥٠٣ هـ".
كنا قد اطلعنا على هذه النُّسخة أيام كُلَّفنا من الاتّحاد الأُمَمِي للمجامع العلمية التابع للمنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة [اليونيسكو] للبحث عن النسخ النادرة لموطأ يحيى، واقتصرنا في بحثنا -يومئذ- على الخزانتين العامّة والملكية بالرّباط، ومن حُسن الحظّ أن أحد الطّلبة النابهين المقتدرِين، استطاع بهمَّتِه الشَّمَّاء، أن يستقصي البحث عن النُّسخ العتيقة في الخزائن المغربية، واستنفد طاقته -مشكورا مأجورا إن شاء الله- وبذل جهده في تلَمُّسِ النوادر في مظانها، وقد تقدم ببحثه لنيل شهادة الدراسات العليا المعمقة في دار الحديث الحسنية، بالرباط، في الغرب الأقصى، تحت إشراف الأستاذ محمد الراوندي، وسنستعين به -بعد الله- في وصف القِطَعِ الموزَّعَة بين خزائن المغرب من هذه النُّسخة القيمة.
القطعة الأولى: تحت رقم: ٦٠٥ من محفوظات خزانة القرويَّين، عدد أوراقها: ٧٢ ورقة، تشتمل على كتاب الصيام.
القطعة الثانية: تحت رقم: ٦٠٥ بخزانة القرويين أيضًا، عدد أوراقها: ٥٩ ورقة، تشتمل على كتاب الجنائز.
القطعة الثالثة: تحت رقم: ١٩٨٨ بخزانة القرويين، عدد أوراقها: ٢٤ ورقة، تشتمل على أوراق مبعثرة، لكتب ناقصة، وهو النكاح والطلاق والبيوع.
стр. 166
القطعة الرابعة: تحت رقم: ٢٠٠٥، بخزانة القرويين، عدد أوراقها: ٥٥ ورقة، تشتمل على كتاب الرجم والحدود.
القطعة السادسة: تحت رقم: ٦٠٥ بخزانة القروين، عدد أوراقها: ٨١ ورقة، تشتمل على الجزء الثالث من كتاب الجامع.
واسم الناسخ كما ذكرنا سابقا هو ولد المعتمد بن عباد، وخطها أندلسي، عدد الأسطر في الصفحة: ١٢ سطرا، مقاسها: ٢٧ سم/ ٢٠ سم.
وهي نسخة عتيقة، ناقصة من الأول والوسط والأخير، وبعض القطع مبعثر الوراق غير مرتب، وقد أصابت الرطوبة هذه النُّسخة فمحت كثيرا من صفحاتها.
وهذه النُّسخة معارضة بنُسْخَةٍ أُمَّ، ومقابلة، ففي كثير من المواطن أثبت الناسخ يحيى بن محمد في الحاشية: "بلغ العرض بالأمِّ فَصَحَّ" كما في الورقة الأولى من القطعة الأولى. (١)
-٣ - نسخة عتيقة جدًا، تحت رقم: ٣٤٧ ق، من مخطوطات الزّاوية النّاصرية بتمكروت، وخطّها أندلسيٌّ قديم جدًا كتب على رقِّ غزالِ، وفي آخرها: "وكتبه شُرَيْح ابن محمّد بن شُرَيْح الرُعَيْني لابنه محمّد - وفقه الله وسدَّده وعصمه وأيَّده-" وفيها سماع كُتِبَ في بعضه: "قرأه جميعه على الفقيه الأجل الخطيب ... أبي الحسن شُرَيْح ابن محمّد بن شُريح، وأبي الأصبغ عيسى ... وسمعه بقراءة ابنه محمّد والفقهاء: أبو بكر بن المرابط،
стр. 167
وأبو محمّد بن عصفور، ومحمد وأحمد أبناء ... وجماعة كثيرة سنة:٥٢٨ هـ وعلى النُّسخة طُررٌ وتصحيحات ومقابلات.
تكملة جعفرية (١): يبلغ عدد أوراق النُّسخة: ١٦٠ ورقة، عدد الأسطر: ٢٧ سطرا، مقاس الصفحة: ٢٥ سم/٢٠ سبم، وفي النُّسخة خروم بفعل الأرضة، وقد سقطت منها بعض الأوراق ابتداء من الصفحة: ١ - ٥، ومن: ٢٤ إلى: ٣١، وقد استدركت هذه الأوراق بخط متأخر.
ومما زاد هذه النُّسخة نفاسةً، أنها عُورِضَت من قبل عالم محدِّث هو عبد بن أحمد بن بليط، كان معتنيا بتقييد الحديث، سمع في إشبيلية من ابن العربّي، وفي قرطبة من ابن شُرَيْح، وله رواية عن غير هؤلاء.
وتحتوي هذه النُّسخة على حواش علمية نفيسة، تشير إلى اختلاف الروايات عن مالك، واختلاف الطرق عن يحيى، وشرح الغريب.
-٤ - نسخة قديمة تحت رقم: ٣٣٨٦ د، بخط أندلسي جميل، كتب في القرن السادس تقديرًا، عدد صفحاتها ٣٩١ صفحة، وهي مبتورة الأول والأخير، إلَّا أنَّه في العقود المُتأخرة استدرك النقص وكمِّل من نسخة أخرى [من صفحة ١ إلى ٩، وفي ٣٨٦ إلى ٣٩١] وعلى النُّسخة طُررٌ وتصحيحات.
-٥ - السَّفْر الثاني من "الموطَّأ" تحت رقم: ٣٢٣٩ د، عنوانه مُذَهّب، بخطٍّ مشرقيٍّ، ويحتوي على ٣٥٤ صفحة، وعليه تملُّك عام: ١١٩٨ لمحمد بن عبد الرحمن الحسني، وبدايته: كتاب البيوع.
стр. 168
وفي النُّسخة رموز ومختصرات تشير إلى خلافات روايات "الموطَّأ" كابن بُكير وغيره، وآراء بعض الشارحين كالقنازعي والبوني وغيرهما.
وفي اللوحة الأخيرة: ٣٥٤ كتب بخطٍّ أسود: "تمَّ التصحيح والتقييد" وكتب بخطٍ أحمر: "وتَّمت القابلة، وتمَّ كتاب الجامع من مُوَطَّأ مالك بن أنس بحمد الله وعونه، وبتمامه كمل "الموطَّأ"، وصلى الله على محمّد نبيِّه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، وذلك في شهر جمادى الأولى سنة: أربع وست مئة".
-٦ - نسخة عتيقة، تحت رقم ٢٩١١د، بخط أندلسيٍّ، وعليها بلاغات وتصحيحات وذكرٌ لاختلاف الرِّوايات، وبالأخصِّ القَعْنَبيّ وابن بُكَيْر ومُطَرِّف. وفي آخرها: "كمل كتاب الموطَّأ بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، وكان الفراغ منه مساء يوم الأحد السادس والعشرين من شهر شوال من ثلاث عشرة وستّ مئة، على يد ناسخه لنفسه عبد الله أحمد بن محمّد اللَّباد، وفقه الله وعفا عنه ".
تكملة جعفرية (١): كتبت بخط أندلسي، سوى ما استدرك فهو بخط مغربي، وعدد أوراقها: ١٢٠ ورقة، وعدد الأسطر: ٢٩ سطرا، مقاسها: ٢٥ سم/١٨سم. تشتمل على حواش هامة تشير إلى اختلاف الروايات عن مالك، واختلاف طرق الرواية عن يحيى، وإصلاحات ابن وضاح.
стр. 169
-٨ - نسخة تحت رقم: ٨٤٠ ج، بخطٍّ أندلسي جميل، وهي مكتوبة على رق ممتاز، وتحتوي على ٤٠١ صفحة، وعليها تصحيحات وبلاغات، وبعض الشروح عن ابن وضَّاح، وكان الفراغ من هذه النُّسخة سنة:٥٩٥ هـ.
ونرى أنّضه في ضوء هذه النسخ النَّادرة إالَّتي تحتويها مكتبة واحدة من مكتبات المغرب، ينبغي بل يجب على الأستاذين الفاضلين بشّار عوَّاد معروف ومحمد مصطفى الأعظمي أو غيرهما أن يعيدا النظر في نشرتيهما، حسب الأصول والقواعد المتفق عليها عند علماء الحديث، مستعينين بهذه النسخ الَّتي يكمل بعضها بعضا، وبغيرها مما هو محفوظ في مختلف المكتبات العالية.
رَواية أبي بكر بن العربيّ للمُوَّطأ:
ومما يثيرُ العَجَبَ أنَّه بالرّغم من شيوع رواية يحيى وذيوعها، واحتفال النّاس بروايتها، لم نقف لابن العربيّ على إسناد صريح لهذه الرِّواية، وإن كنَّا على يقين جازم بأنَّه قد تحملها كعادة أسلافه الأندلسيين، يؤكِّد هذا ما جاء في تكملة (١) ابن الأبّار في ترجمة أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الغُمَارِيّ، الواعظ الضَّرير (٢) [ت.٦٣٢ هـ] من أهل الجزيرة الخضراء، الَّذي روى عن أبي بكر بن العربيّ واستظهر عليه "الموَطَّأ" وأجازه له، بل وحدَّث عنه [أي عن الواعظ الضّرير] أبو عبد الله بن هشام النّحويّ وحكاه لابن الأبّار؛ أنّه سمع بلفظه بعض "الموطَّأ" يورده من حفظه، وأنّه كان يقول: هكذا كنت أعرضه على أبي بكر بن العربيّ.
стр. 170
قلنا: لا شكّ أنّ هذا النَّصَّ يُوضِّح بجلاءٍ لا يَعْتَريه لُبْسٌ قيام أبي بكرٍ بتدريس "الموَطَّأ" في مجالس العلم والتحصيل، بدليل أن الواعظ الضرير استظهره عليه، أي أنه قرأ "الموَطَّأ" عليه، وهو ما يُعْرَف عند المحدِّثين بالقراءة على الشّيخ، وقد اتفق علماء الحديث على أنها رواية صحيحة (١). ولم يكتف الواعظ الضّرير بالقراءة، بل طَلَبَ من شيخِه ابن العربيّ الإجازة، وقد أجازه، والإجازةُ هي إذنُ المحدَّثِ للطّالب أن يروي عنه حديثا أو كتابا، ولا يعطي الإجازة إلَّا من له حقّ تحمُّل الأداء، فنحن هنا أمام صورة تمثل المناولة المقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق.
كما ينبغي الإشارة في هذا المقام إلى وجود نسخة عتيقة من "المُوَطَّأ" في عصر السَّعْدِيِّين، هي أصل نسخة ابن العربيّ الَّذي عليها خطّه، ذَكَرَها محمد ابن العربيّ الفاسي (ت. ١٠٥٢) في كتابه "مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن" (٢) في أثناء حديثه عن شيوخ محمد بن عبد الرحمن الفاسي، كما أشار إليها شيخنا محمد المنوني في كتابه "دور الكتب في ماضي المغرب" (٣)
وبالرغم من كلّ هذا، فقد رأينا من المُفيد أن نعوَّضَ عن هذا
-الَّذي ربما اعتبره بعضهم خلَلًا- بما يسدُّه ويجبُرُه، وهو أن نعتمد على رواية نَبيهِ من أنباه تلامذته، وحافظٍ من حُفَّاظ مدينته (٤)، لينوبَ عن شيخه أبي بكر
стр. 171
ابن العربيّ؛ فلم نجد أصْلَحَ ولا أوْفىَ بالمواد من حافظِ عَصْرِه أبي بكر بن خَيْر الفاسي المولد، الإشبيلي الدّار، اعتمادًا على "فهرسته" الَّتي ضمَّنها رواية الكُتُب الرّائجة في عصره، بطُرُقها المُسْندَة المُفضَّلة عن شيوخه، وها نحن نسوق هذه الرِّوايات عن شيوخه معتذرين عن التَّكرار والإطالة، وعن التصحيف الَّذي ربما وقع في بعض الأسماء، فالأمر يحتاج إلى مراجعة المصادر؛ لأن نسخة فهرست ابن خير تحتاج إلى عناية.
١ - أبو مروان الباجي:
" ... حدَّثني بها (أي بالرِّواية) الشّيخ الفقيه القاضي أبو مروان عبد الملك ابن عبد العزيز بن عبد الملك بن أحمد بن عبد الله بن محمَّد بن عليّ بن شريعة ابن رفاعة ابن صخر بن سماعة اللّخميّ الباجيّ، ﵁ وعن سلفه- سماعًا من لفظه، بقراءته علينا في شهررمضان المعظم سنة: ٥٢٠هـ، وسمعته أيضًا عليه مرّةَ أخرى بقراءة بعض أصحابنا في رمضان المعظم سنة: ٥٣٨هـ، قال: حدّثني بها أبي، وعمَّاي: أبو عمر، وأبو عبد الله محمّد، وابن عمي الفقيه المُشاوَر صاحب الصّلاة أبو محمّد عبد الله بن علي بن محمّد بن أحمد، قالوا كلّهم: حدّثنا بها الفقيه أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عبد الله، عن جدِّه الفقيه الراوية أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن عليّ بن شريعة، قال:
١ - حدّثنا بها أبو عمر أحمد بن خالد بن يزيد قراءةً عليه، وأبو عبد الله محمّد بن عبد الملك بن أيمن سماعًا عليه، قالا: حدّثنا بها أبو عبد الله محمّد بن وضَّاح، وإبراهيم بن محمّد المشهور بابن باز، قالا: حدّثنا بها يحيى بن يحيى.
стр. 172
٢ - وحدّثني بها أيضًا أبو عبد الله محمّد بن عمر بن لُبابة سماعًا عليه، قال: حدّثني بها أبو عبد الله محمد بن وضَّاح المذكور، عن يحيى ابن يحيى المذكور، عن مالك بن أنس، ﵁" (١).
٢ - أبو الحسن شُريح بن محمّد الرُعَيْنِيّ:
" ... حدّثني شيخنا الخطيب أبو الحسن شُرُيْح بن محمّد بن شُرَيْح ابن أحمد الرُعَيْنِيّ، قراءة منِّي بلفظي مرارًا، وسَماعًا عليه بقراءة غيري مرارًا، قال:
١ - حدّثني أبي ﵀ سماعًا من لفظه بقراءته عَلَيَّ، قال: سمعتُه على الشّيخ الإمام أبي عمرو عثمان بن أحمد بن محمّد بن يوسف اللَّخْميّ، المعروف بابن القيجطيلي المكَتب، قال: حدّثنا به أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عمّ أبيه أبي مروان عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك بن أنس ﵀".
٢ - وحدّثني به أيضًا خالي الراوية أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن عبد الله بن عبد الرحمن الخولاني إجازةً، عن أبي عَمْرو عثمان بن أحمد القيجطيلي المكَتّب المذكور، سماعًا عليه بالسَّنَد المذكور.
٣ - وحدّثني به أيضًا الفقيه المُشاوَر أبو محمّد عبد الله بن إسماعيل بن محمّد ابن خزرج اللَّخْميّ، سماعًا عليه، قال:
١ - حدّثني به أبو القاسم إسماعيل بن بدر الأنصاري الفَرَضِيّ، المعروف بابن الغَنَّام، قال: أخبرنا به أبو عمر أحمد بن نابت بن أحمد التّغلي، قال: أخبرنا به أبو مروان عُبيد الله بن يحيى بن يحيى بالسَّنَد المتقدِّم.
стр. 173
٢ - أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن زين القُرْطبُي، وأبو عمرو عثمان بن أحمد القيجطيلي المذكور، قالا: حدّثنا أبو عبد الله يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى بالسَّنَد المتقدم.
٣ - وحدّثني به أيضًا أبي: إسماعيل بن محمّد بن خزرج -رضى الله عنه- قال: حدّثني به أبو عثمان سعيد بن أحمد القلاس، قالا: حدثنا أبو الحزم وَهْب بن مَسَرَّة الحجاري، قال: حدّثنا محمّد بن وضّاح، قال: أخبرنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا مالك بن أنس.
٤ - وحدّثني به أيضًا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن يزيد اللَّخْمِيّ، المعروف بابن الأحدب، قال: حدّثنا الفقيه الراوية أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن عليّ بن شريعة اللَّخْمِيّ الباجي، قال:
١. حدّثنا أحمد بن خالد بنيزيد، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن، قالا: حدثنا محمّد بن وضّاح، وإبراهيم بن محمّد المشهور بابن باز، قالا: حدثنا يحيى بن يحيى ...
٢. وحدثنا به أيضًا محمّد بن عمرو بن لُبابة، عن محمّد بن وضّاح، عن يحيى ابن يحيى، عن مالك.
٣. وحدّثني ول أيضًا -إجازة- الفقيه المُشاور صاحب الصلاة أبو محمّد عبد الله ابن عليّ ابن محمّد الباجي، عن جده الفقيه أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن عبد الله، عن الراوية أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن عليّ بن شريعة الباجي، بسنده المتقدم" (١).
стр. 174
٣ - أبو الحكَم ابن نجاح اللَّخمِيّ:
" ... حدّثني بهذه الرِّواية أيضًا، الشّيخ الخطيب أبو الحكَم عَمْرو ابن أحمد بن محمّد بن أحمد بن نجاح اللَّخْمِيّ ﵀، مناولةً منه لي في أصل كتابه، قال: حدّثني به خالي أبو الحسن عليّ بن عبد الله ابن عليّ بن محمّد بن أحمد بن عبد الله ابن محمّد بن عليّ بن شريعة اللَّخْمِيّ الباجيّ، سماعًا عليه مرّتين في سنَتَيْ: ٤٨٦ و٤٨٧هـ، في رمضان منهما، قال: حدّثني به أبي أبو محمّد عبده الله بن عليّ بن محمّد بن محمّد، سماعًا عليه في رمضان سنة:٤٦٦هـ، قال: حدّثني به جَدِّي الرّاويةُ أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن عليّ، قراءةً مني عليه، قال: سمعتُه قراءة على محمّد بن عمر بن لُبابة، في ذي الحجة سنة: ٣١٠هـ، وسمعتهُ قراءة على أبي عبد الله محمّد بن عبد الملك بن أيمن، في ذي الحجّة من سنة:٣١٩هـ، وقرأتُ أنا عليه ما لا جوانب الكتاب من كلام ابن وضّاح، ومن كلامه، وقرأتُه على أحمد بن خالد بعد المقابلة بكتابه، في رجب سنة:٣٢٠هـ: حدّثني به محمّد بن عبد الملك بن أيمن، وأحمد بن خالد كلاهما عن محمّد بن وضّاح، وإبراهيم بن محمّد بن باز كلاهما، عن يحيى بن يحيى، عن مالك بن أنس ﵀" (١).
٤ - أحمد بن بَقِيّ وابن مُغِيث وابن أَصْبَغ والزُّهريّ:
"حدّثني بهذه الرِّواية أيضًا: الشّيوخ الجلَّة الفقهاء المشاوَرون: أبو القاسم أحمد ابن محمّد بن أحمد ابن بَقِيّ، قراءة عليه بلفظي. وأبو الحسن
стр. 175
يونس بن محمّد بن مُغِيث، سماعًا عليه. والقاضي أبو عبد الله محمّد بن أصْبَغ بن محمّد بن أصْبَغ الأزْديّ، قراءةً عليه أيضًا. والشيخ أبو الأصْبَغ عيسى بن محمّد بن أبي البَحْر الزُّهرِيّ، سماعًا عليه أيضًا. قالوا كلّهم: حدّثنا به الشّيخ الفقيه أبو عبد الله محمّد ابن فَرَج، المشهور بابن الطلَّاع.
أمّا ابن مُغِيث وحْدَه فقرأه عليه، وأمّا الباقون فسمعوه عليه، وحدَّثهم به عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مُغِيث، سماعًا عليه، قال: حدّثني به أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، سماعًا عليه، عن عمِّ أبيه أبي مروان عُبَيْد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك ﵀" (١).
٥ - محمّد ابن طاهر القيسي:
" ... حدّثني بهذه الرواية أيضًا، أبو بكر محمّد بن أحمد بن محمّد بن طاهر القيسي ﵀ قراءة عليه في كتابي، وهو يُمسكُ عليَّ أصل كتابه، الَّذي خَطَّهُ بيَدِهِ من كتاب أبي محمّد الأَصِيلِيّ، الَّذي خَطَّهُ بيده من كتاب أبي محمّد الأصيلي، الَّذي كان بخَطِّ يَدهِ، قال: حدّثني به الشّيخ أبو عليّ حسين بن محمّد الغَسَّانيّ، ثم الجيّانِيّ ﵀ قراءةً عليه في كتابه، وهو يُمسِكُ عليه أصل كتابه:
١. قال أبو عليّ الغَسَّاني: قرأتُه على أبي عمر يوسف بن عبد الله ابن محمّد بن عبد البر سنة:٤٥٣هـ، في منزله بشاطبة:
стр. 176
٢. قال ابنُ عبد البرّ: أخبرني به أبو الفضل أحمد بن قاسم التُّاهِرْتِي البزَّاز، عن أبي عبد الملك محمد بن عبد الله بن أبي دُلَيم، ووهب بن مَسَرَّة الحِجَارِيّ جميعًا، عن محمّد بن وضاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
٣. قال ابن عبد البرّ: وأخبرني به أبو عمرو أحمد بن محمّد بن أحمد بن سعيد بن الجسور الأمويّ مولى لهم، قال: حدّثنا أبو عمر أحمد بن مُطَرِّف بن عبد الرحمن، يُعرف بابن المشّاط، وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم المنتجيلي جميعا، عن أبي مروان عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى ابن يحيى، عن مالك.
٤. قال ابن عبد البرّ: وحدثني به إيضًا، أبو عمر ابن الجسور المذكور، عن وهب بن مَسَرَّة، عن محمّد بن وضاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
٣. قال أبو علي الغسَّانِيّ: وقرأتُه على أبي عبد الله محمّد ابن عتاب الفقيه سنة:٤٥٣ هـ، ومنه ما قرأتُ عليه أيضًا قبل سنة: ٤٤٨هـ، وقُرئ على أبي القاسم حاتم بن محمّد بن عبد الرحمن الطّرابلسي، وأنا أسمع سنة:٤٤٧هـ:
قال لي أبو عبد الله محمّد بن عتاب:
٦. حدّثني به أبو القاسم خَلَف بن يحيى بن غيث الفِهْرِيّ الطُلَيْطِلِيّ، في سنة:٣٩٨ هـ، وكان انتقل إلى قرطبة وسَكَنَها، وولد سنة:٣٢٨ هـ، قال: حدّثنا أحمد بن مُطَرِّف، وأحمد بن سعيد بن حَزْم،
стр. 177
ومحمد بن أحمد بن محمّد بن قاسم بن هلال القيسي، قالوا: حدّثنا عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك.
٧. قال أبو عبد الله محمّد بن عتُّاب: وحدّثني به أبو عثمان سعيد بن سَلَمَة بن عبّاس، وأبو بكر يحيى بن واقد القاضي، قالا: حدّثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عمِّ أبيه عُبَيْد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك.
٨. قال لي أبو القاسم حاتم بن محمّد الطرابلسي: حدّثني به أبو المطَرِّف عبد الرحمن بن محمّد بن عيسى بن فُطَيْس، وأبو عبد الله محمّد بن عمر بن الفَخَّار، في شوال سنة:٤١٧هـ، قالا جميعا: حدّثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عمِّ أبيه عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك.
- قال أبو عليّ الغسانى: وحدّثني به أبو شاكر عبد الواحد ابن محمّد بن
موهب التُجيي القبري، قال: حدثنا أبو محمّد عبد الله بن إبرأهيم الأصيلي،
قال:
١ - حدثنا وهب بن مسرُّة الحجاري أبو الحزم، سنة:٣٤٤ هـ بوادي
الحجارة، قال: حدثنا محمّد بن وضُّاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
٢ - قال أبو محمّد الأصيلي: وحدثنا أحمد بن مطرف بن عبد الرحمن بن
المشاط، سنتي: ٣٤٦ هـ و ٣٤٨هـ، قال: حدثنا عُبيد الله بن يحيى بن يحيى،
سنة:٢٩٧هـ، قال: حدثنا أبي: يحيى بن يحيى، عن مالك.
стр. 178
٣ - قال أبو عليّ الغساني: وحدّثني به أبو العاصي حكم بن محمّد بن حكم الجذامي، وُيعرف بابن إفرنك، قال: حدّثنا أبو بكر عباس بن أصبغ بن عبد العزيز الهمداني، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الملك بن أيمن، قال: حدّثنا: محمّد بن وضّاح، وأبراهيم ابن محمّد بن باز الفقيه، قال: حدّثنا يحيى بن يحيى، عن مالك ﵀ (١).
٦ - ابن عتاب وابن موهب:
" ... وحدّثني به أيضًا، أبو محمّد عبد الرحمن ابن عتاب، وأبو الحسن عليّ بن عبد الله بن موهب، إجازة فيما كتبابه إليّ، قالا: حدّثنا أبو عمر ابن عبد البرّ الحافظ، قال: إخبرني به أبو عثمان سعيد بن نصر، قراءة منه علينا، قال: حدّثنا أبو محمّد قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا محمّد بن وضّاح بن بزيغ، قال: حدّثنا يحيى بن يحيى، عن مالك ابن أنس ﵀" (٢).
٧ - ابن عتاب وابن مُغِيث بسند مغاير:
" ... وحدّثني به أيضًا، أبو محمّد عبد الرحمن ابن عتاب، بالإجازة المذكورة (٣)، وأبو الحسن يونس ابن محمّد بن مُغيث المذكور، بالسماع المذكور، عن الشّيخ أبي عمر أحمد بن محمّد بن إلحذاء التميمي القاضي، قال: حدّثنا قاسم بن أصبغ، ووَهْب بن مَسَرَّة، قالا: حدّثنا محمّد بن وضاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك بق أنس، ﵀" (٤).
стр. 179
٨ - ابنُ عَتَّاب بسَنَدٍ مُغايرٍ:
" ... وحدّثني به أبو محمّد عبد الرحمن ابن عتاب، بالإجازة المذكورة، عن أبيه، أبي عبد الله محمّد بن عتاب، وأبي القاسم حاتم ابن محمّد الطرابلسي المذكورين، قالا: حدّثنا أبو بكر عبد الرحمن بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن قاسم التُجيي- يُعرف بابن حوبيل- قال: حدّثني أبو عمر أحمد بن مُطرّف بن عبد الرحمن بن المشاط، وأحمد بن سعيد بن حزم المنتجيلي، وأبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، قالوا: حدّثنا أبو مروان عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، قال: حدّثنا أبي: يحيى بن يحيى، عن مالك" (١).
стр. 180
شروح مُوَطَّأ يحيى بن يحيى اللَّيثيّ إلى عصر ابن العربيّ
شروح الموطّأ من الكثرة بحيث تدلُّ، على أنّ هذا الكتاب قد شغل الناس، واهتبلوا به كأشدّ ما يكون الاهتبال والتقدير، ويلاحظ الباحث أن مصنِّفي هذه الشروح مختلفو الأمصار والديار، فمنهم القرطبي والبغدادي، والمصري والشامي، مما يدلُّ أيضا على أنّ الموَطَّأ طار صِيته في مُخْتَلِف الرُّبوع والأمصار، ونظرا لكثرة هذه الشروح فقد اقتصرنا في هذا البحث المختصر على بعض الشروح الَّتي وصلتنا من "مُوَطَّأ يحيى بن يحيى اللَّيثيّ" ووقفنا على بعضها، والَّتي هي في الوقت نفسه كانت المعين الَّذي استقى منه ابن العربيّ مادَّته العلميّة في "المسالك" وأهمّ الشروح هي كالآتي:
١ - "تفسير غريب الموطَّأ" (١) لعبلى الملك بن حبيب (ت. ٢٣٨ هـ) (٢).
ويعودُ الفضلُ- بعد الله لاكتشاف هذه النُّسخة للعالِم