← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

المسألة الثّالثة: هذا في الخروج، وأمّا الدُّخول، فعلى اليمين أفضل، لما رُوِيَ أنّ رسولَ الله ﷺ كان يحب التَّيَامُنَ في جميع أحواله (١). فرع: وهل ذلك في كلِّ وقتٍ، أو في سائر الأيّام سواء؟ فقال ابنُ عبّاس: ذلك كلّه سواء إلّا يوم الجمعة، فإنّه يراعى يمين الخطيب، فهذا فيه نَظَرٌ. وأمّا السُّنَّة الآن الّتي لا خفاءَ فيها، فهي أنّ يدخلَ على اليمينِ ويخرجَ على اليسار. وكان (٢) الحَسَنُ وطائفةٌ من أهل العلم يَسْتَحِبُّون الدُّخول (٣) والانصراف على اليمين، لحديث وكيع وغيره (٤) عن سفيان، عن السُّدِّي (٥)، عن أنس؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ كان يَنْصَرِفُ عن يمينِهِ (٦). وقوله: "كانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ في أَمْرِهِ كُلِّه" كما بيناه في "كتاب الطّهارة"، وحديثُ وكيعٍ ليس بالقَوِيِّ (٧). حديث مالك (٨)، عن هشامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن رَجُلٍ من المهاجرين، لَمْ يَرَ به بَأسًا؛ أنّه سألَ عبد الله بن عمرو بن العاصي: أَأُصَلِّي في عَطَنِ الإبِلِ؟ فقال عبدُ الله: لا، ولكن صَلِّ في مُرَاحِ الغَنَمِ. الإسناد (٩): قال الإمام: هكذا هو في الموطّأ عند جميع الرُّواة (١٠)، ورواه

стр. 1157

وكيع (١)، وعبدة بن (٢) سليمان (٣) عن هشام، قال: حدَّثني رَجلٌ من المهاجرين. وبعضهم يقول: عن هشام، عن رجلٍ من المهاجرين، لا يذكر فيه: عن أبيه. وزعمَ مُسْلِمٌ أنّ مالكًا وهِمَ فيه، وأن وكيعًا ومن تَابَعَهُ أصَابُوا. تنبيه على وهم (٤): قال الإمام: وهذا عندي وَهْمٌ لا دليلَ عليه، ومعلوم أنّ مالكًا كان أحفظ ممّن خالَفَهُ في ذلك، وأعلم بهشامٍ، ومالك في نَقْلِهِ حُجَّةٌ، ومثل هذا من الفرق بين الغَنَم والإبِل لا يُدرَكُ بالرَّأْيِ. الفقه في ثمان مسائل: المسألةُ الأولى: قال الإمام: أعطانُ الإبِلِ، جمعُ عَطَن -بفتح العين والطّاء- وهي المواضعُ الّتي تبركُ الإبل فيها. قال الإمام (٥): هذا الحديث ذكر النَّاسُ فيه عِلَلًا كثيرةً مختلفةً، فقال بعضهم: لأنّها لا تكادُ تسلَمُ من النَّجاسة، وعلى هذا التّعليل تجوزُ الصّلاةُ فيها إذا أَمِنَتِ التجاسةُ ببَسْطِ ثوبِ وغيره، وقد رُوِيَ ذلك عن ابنِ القاسم (٦). المسألةُ الثّانيةُ: قال بعضُ العلماء: إنَّ المنعَ (٧) من ذلك لانّها (٨) خُلِقَتْ من الشّياطين (٩)، أو

стр. 1158

خلِقَت مِن جَانٍّ (١)، تعلُّقًا بظاهر الحديث، وقد كُرهت الصّلاةُ في مواضع الجِنِّ، لقوله صلّى الله عليه يوم الوادي: "اقتادوا، إنّ هذا وادٍ به شَيْطَانٌ" (٢). وكان أبو حنيفة يذهب إلى أنّ العلَّة في ذلك طُلوع الشّمس (٣)، وليست هذه بعلَّةٍ عند العلماء، لأنّ العلّة في ذلك نِفَارُ الإبِلِ، وذلك يُؤَدِّي إلى ترك الخُشوع في الصَّلاة. وقيل: إنّ العلةَ فيها؟ أنّ الصّحابةَ كانوا يستترون بها (٤) عند اتيانهم الغائطَ، فلا تجوزُ الصّلاةُ فيها. ومن قال من العلماء أنّ ذلك شرطٌ، لم يُجِز أيضًا الصَّلاة فيها بحالٍ، ولذلك قال أهلُ الحديث: إنّ أوامرَ النَّبيِّ ﷺ محمولةٌ على الوُجوبِ. المسألةُ الثّالثة: اختلفَ العلماءُ في هذا المعنى، هل هو نهيٌ معلَّلٌ، أو شَرْعٌ بغير عِلَّةٍ، أو نهي تنزيهٍ، أو نهي تحريم؟ فأجمع العلماءُ على أنّه نهى تنزيهٍ، إلَّا ما رُوِيَ عن عبد الملك بن حبيب؛ أنَّه قال: من صَلَّى فيها عامدًا أو جاهلًا، أعادَ الصَّلاةَ أبدًا (٥). وكذلك ذهب أكثر العلماء إلى أنّ النَّهيَ معلَّلٌ، واختلفوا في العِلَّةِ المُوجِبَةِ لذلك، على ما تقدَّمَ ذِكْرُهُ. ورُوِيَ عن عبد الله بن مغفّل؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "صلّوا في مُرَاح الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإبِلِ، فإنّها خُلِقَتْ من جَانٍّ" (٦).

стр. 1159

المسألةُ الرّابعة (١): أمّا الصلاةُ في مُرَاحِ الغَنَمِ، فإنّها جائزةٌ لسلامتها من العِلَلِ المذكورة، لا خلافَ في ذلك نَعْلَمُه. والأصل في ذلك: قولُه ﷺ : "جُعِلَت لِي الأرضُ مَسجِدًا وطَهُورًا" (٢). ويدلُّ على جواز ذلك أيضًا: طهارةُ أَبْوَالِهَا وبَعْرِها، وكذلك ما يُؤكَلُ لَحْمُه. وكذلك قال مالك (٣) وابن حنبل (٤). وقال الشّافعيّ (٥) وأبو حنيفة (٦): أَبوَالُها نَجِسَة. والدّليلُ على ذلك: ما تقدَّمَ في "كتاب الطّهارة" فَلْيُنْظَر هناك. المسألة الخامسةُ: في ذِكْرِ المواضع الّتي لا تجوز فيها الصَّلاة رُوِيَ عنه ﷺ أنّه نَهَى عن الصّلاةِ في المقبرة والحَمَّامِ (٧)، وعلى قارعة الطّريق (٨)، وعلى ظَهْرِ الكعبة (٩)، وفي الجُحْرِ (١٠). أمّا المقبرةُ، فإنّها تنقسمُ قسمين: مقبرةُ المشركينَ، ومقبرةُ المسلمين. فأمّا مقبرة المشركين، فلا تجوز الصّلاة فيها بحالٍ، فإنّهم يعذَّبُونَ والسّخط نازلٌ عليهم، ولا تجوز الصَّلاة فيها، ولا يجوز المقام فيها. وأمّا مقبرة المسلمين، فعلى ضربين: قديمة، وحديثة.

стр. 1160

فإن كانت لا نتنَ فيها، فالصّلاةُ فيها جائزةٌ في قولِ أكثرِ أهل العلمِ من أصحاب مالك (١). ومنهم من ذهب إلى أنّ الصَّلاة لا تجوز فيها، أخذًا بظَاهِرِ الحديث وعُمُومِهِ. وأمّا إنّ كان فيها نتنٌ، فالصّلاةُ فيها ممنوعةٌ. المسألة السّادسة: أمّا الصّلاةُ في الحمّام، فإن كان فيه موضع طاهرٌ، وبسطَ ثوبًا طاهرًا، جازت صلاته إلا أنّ يكون ... (٢) فالصّلاةُ فيه ممنوعة؛ لأنّه قد رُوِيَ أنّها مأْوى للجِنِّ، ولأنه ليس من البناء المختصِّ بالصَّلاة، وإنّما هو للرَّاحة والتَّنظيف. وأمّا الجُخر (٣)، فإنها ممنوعةٌ؛ لأنّه لا تخلو في الأغلب من النَّجاسة. المسألة السّابعة (٤): وأمّا الصّلاةُ في البِيعَةِ والكنائس، فكره عمر وابنُ عبّاس الصَّلاة فيهما من أجل الصُّوَر (٥)، وقال عمر بن الخطّاب: انضحوها بماءِ وسِدْرٍ (٦)، وهو قول مالك (٧). وذَكَرَ إسماعيل بن إسحاق عن مالكٌ، قال: أكرهُ الصّلاة في الكنائس لِمَا فيها من لُحُومِ (٨) الخنازيرِ والخمور، وقِلَّةِ أحتياطهم (٩) من النَّجس. وكره الصَّلاة فيها الحسن. وأحلّ الصّلاة فيها إبراهيم النَّخَعيّ، والشَّعبىّ (١٠)، وعطاء (١١)، وابن سِيريِن، وهو قول الأوزاعىّ.

стр. 1161

وصلّى أبو موسى الأشعري في كنيسة بالشَّامِ (١). ومالك يجيز ذلك للضّرورة (٢). المسألة الثامنة (٣): الصَّلاة في موضع الخَسْفِ والعذاب فذُكِرَ أنّ بعضَ العلماء كره الصَّلاة بخَسْفِ بابل، لقوله: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبِينَ" الحديث (٤). قال المُهَلَّب: إنّما ذلك من جهة التّشاؤُم بالبُقْعَةِ الّتي نزلَ فيها العذاب، يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية (٥)، فوَبَّخَهُمُ اللهُ على ذلك، وتشاءم ﷺ بالبُقعة الّتي نَامَ فيها. نكتةٌ (٦): قال علماؤنا: وكراهيةُ الخَسْفِ أَوْلَى؛ إلَّا أنّ (٧) إباحته ﵇ الدُّخول فيها على وجهِ البكاءِ والاعتبار، يدلُّ أنّ مَنْ صلَّى هناك لا تفسد صلاته؛ لأنَّ الصَّلاةَ موضع بكاءٍ وخشوعٍ وتَضَرُّعٍ واعتبارٍ. فرع (٨): فإن صلَّى هناك غير باكٍ، لم تبطل صلاته. وزعم أهل الظّاهر أنّ من صلَّى في الحِجْرِ في بلاد ثَمُود وهو غير باكٍ، فعليه سجود السَّهْوِ قبلَ السّلام ان كان ساهيًا، وإنْ تعمَّدَ ذلك بطلت صلاته. فرع (٩):

стр. 1162

وكذلك من صلَّى في موضع (١) مسجد الضِّرار، وهذا خلُفٌ من القول، لا يجوز من قولهم في هذا شيءٌ (٢). تكملةٌ: قال ابن المنذر (٣): "أجمعَ أهلُ العِلْمِ كلّ من يحفظ عنه العلم إلى إباحة الصَّلاة في مَرَابِضِ الغَنَم، إلَّا الشّافعيّ فإنه خالفَ في ذلك" (٤). حديث مالك (٥)، عن ابن شهاب، عن ابن المسيَّب؛ أنّه قال: ما صلاةٌ يُجْلَسُ في كلِّ ركعةٍ منها؟ قال سعيد: هِيَ المغربُ، إذا فاتَتْكَ منها ركعةٌ، قال: وكذلك سُنَّةُ الصَّلاةِ كُلِّها. الفوائد في ذلك ثلاث: الفائدةُ الأولى (٦): في هذا الخبر من الفقه: طرح العالِمِ المسألة على جُلَسَائِهِ ومَنْ عِنْدَهُ، ومن يتعلَّم منه ليعلِّم من عنده (٧)، فيجيبُ عمّا وُقِفَ عنه من ذلك. وهو بابٌ من أَدَبِ العالِمِ والمتعلِّم، على ما يأتي بيانه في كتاب الجامع (٨) إن شاء الله. الفائدة الثّانية (٩): أمّا قوله: "هي المغرب" فهو كما قال عند جماعة من العلماء، لا أعلم اختلافًا في ذلك، وكذلك سُنَّةُ صلاة المغربِ إذا فاتتك منها ركعة فهي جلوس كلّها (١٠).

стр. 1163

الفائدة الثّالثة (١): أمّا قوله: "وكذلك سُنَّةُ الصَّلاة كلُّها" فإنّما أراد أنّ سنة الصّلاة كلّها إذا فاتتِ المأموم منها ركعة * أنّ يقْعُدَ إذا قضاها؛ لأنّها آخر صلاته. وكذلك لو أدرك منها ركعة * (٢)، قعد في الأولى لأنهّا ثانية له (٣). وقوله: "وكذلك سُنَّةُ الصّلاةِ" يحتمل أنّ يكون اراد بقوله ذلك؛ أنّها سنّة صلاة المغرب وحدَها الجلوسُ في كلِّ ركعةٍ منها لمَن فاتَتْهُ منها ركعةٌ، وأدرك (٤) ركعة، فإن (٥) سنّته فيها الجُلوس في كلِّ ركعةٍ منها، وهي السُّنَّة (٦).

стр. 1164

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلّى الله على سيدنا محمّد. عونك يا الله (١) جامع الصّلاة مالك (٢)، عن عامر بنِ عبد الله بنِ الزُّبير، عن عمرو بن سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عن أبي قتَادَة الأنصاريّ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ كان يُصَلِّي وهو حاملٌ أُمَامَةَ بنتَ زينبَ ابنةِ رسول الله ولأبي العاصي بن رَبيعَةَ (٣) بن عبدِ شَمسٍ، فإذا سَجَدَ وضَعَهَا، وإذا قَام حَملَها. الإسناد: رُوِيَ في الصّحيح؛ أنّه كان يصلِّي بالنّاس (٤)، ورُوِيَ؛ أنّه كان يَؤُمُّ النَّاسَ إذا خرج النَّبيَّ ﷺ وأُمَامَة على عُنُقِهِ وأحرمَ وهي كذلك، فلمّا أرادَ أنّ يركعَ وضَعَها في الأرضِ، فلمّا قام أخذَها فردَّها إلى مَوْضِعِها حتّى أكمل صلاته (٥). الفقه في ثلاث مسائل: الأولى: اختلف العلماء في هذا (٦) الحديث وفي تأويله:

стр. 1165

فقيل: كان ذلك في الفريضة (١). وقيل: كان ذلك في النّافلة، وقد رُوِيَ عن مالك (٢)؛ أنّه قال: كان ذلك في النّافلة. المسألة الثّانية (٣): تكلّم النّاسُ في هذا (٤) الحديث، هل هو معمول به أم (٥) لا؟ قال الإمام: فقرأنا من "موطَّأ عبد الله بنيوسف التّنيسي" أنّه قال: سألتُ مالكًا ﵀ عن هذا الحديث، فقال: هو منسوخٌ، ؤالمنسوخُ لا يجوز به العمل. وقال غيره: إنّما احتملها لأنّه لم يجد كافلًا في الوقتِ. وقيل: إنّما احتملها لأنّها علقت به، فلو تركها لأضرَّ ذلك بها. وَسُئِلَ أحمد بن حنبل (٦) عن الرَّجُلِ يأخذُ وَلَدَهُ وهو في الصَّلاة أَوَ هُوَ يصلِّي؟ قال: نعم، واحتجَّ بحديث أبي قتادة في قِصَّة أُمَامَة. نكتةٌ قاطعة (٧): قال الإمام: والصّحيحُ عندي من هذه الأقوال، ما أشار إليه مالكٌ من أنّه متروك به العمل؛ لأنهّا إنْ علقتْ به فيمكن أنّ يشغلها بشيءٍ آخر سواه، لضَعْفِ عقل الصّبيِّ؛ إذْ لا (٨) يثبت له إلَّا ما يراه، فهذا غاب عنه نَسِيَهُ، وإن احتاجَ الصّغيرُ إلى الضَّبط فليُدْفَعْه إلى غيره، ولو كانت أمّها زينب مشتغلة فَغَيرُها كان فارغًا، فليس يثبتُ إلَّا أنّ الصَّلاة كانت في صدر الإسلام تحتملُ العملَ والكلامَ، ثُمَّ نسخَ اللهُ ذلك، فلا يجوز فيها عمل ولا كلامٌ، إلَّا أنّ يعودَ إلى مصلحتها، على اختلافٍ بين العلماء قد تقدَّمَ بيانُه قبل هذا.

стр. 1166

الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: فيه (١) من الفقه: جوازُ العملِ الخفيفِ في الصَّلاة، والعلماءُ يُجمعونَ (٢) على جوازه، وأنّ العملَ الكثيرَ لا يجوزُ، وأنّ ذلك مُفْسِدٌ للصّلاةِ. الفائدة الثّانية: فيه من الفقه: طهارةُ ثيابِ الصِّبيان (٣). فإن قيل: وكيفَ تجوزُ الصلاةُ بثياب الصِّبيان وثيابهم غير طاهرة؟ الجواب - قلنا: أمّا ثيابُهُم في حالِ الصِّغَر، فمحمولةٌ على الطّهارةِ عند جماعةٍ من أهل العِلْمِ، بخلاف إذا كانوا كبارًا. جوابٌ آخر- قيل: يحتملُ أنّ يُخبِرَه بطهارتها جبريل ﵇، كما جاء في حديث الصَّلاة بالنَّعْلِ، واللهُ أعلمُ. الفائدة الثّالثة: قد استدلّ بعضُ العلماءِ (٤) على أنّ حملَ الطِّفل في الصَّلاةِ كان ذلك خُصوصًا بالنّبيّ ﷺ ؛ لأنّه لا يُؤمَن من الطِّفلِ البَولُ على حامِلِهِ. حديث مالكٌ (٥)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرجِ، حمت أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "يتعاقَبُونَ فيكُم ملائكةٌ باللَّيلِ وملائكةٌ بالنَّهارِ" الحديث. الإسناد: الحديث صحيحٌ متّفق عليه (٦).

стр. 1167

الأصول (١): قوله: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَة بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ" الحديث، البارىءُ سبحانه محيطٌ بالكلِّ، عالِمٌ بالجميعِ، له الحُجَّةُ البالغةُ الّتي لا يتطرَّقُ إليها اختلالٌ، ولا يتوجَّهُ عليها سؤالٌ، فلو شاء ما قرنَ الملائكة بالخَلْق لكَتْب الأعمال، ولكنّه كما جاء في الحديث؛ إنه قال: "عِبَادِي إنّما هي إعمالكم أُحْصِيهَا عَلَيْكم" (٢) فيوقف كلُّ واحِدٍ (٣) على عَمَلِهِ، فإن أقَرَّ أخذَ به (٤)، وإن أنكرَ شهِدَتْ عليه كلّ جارحةٍ على نفسها، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ (٥). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي عشر فوائد: الفائدة الأولى (٦): قوله: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ" خَلَقَ البارىءُ تعالى الأَزْمِنَة كما قدَّمنا سواء، وفَضَّلَ بعضها على بعضٍ بما شاء، حسب ما (٧) تقدَّمَ بيانُه. فمن فضائل النهار: تعاقب الملائكة ونزولهم بالأَمْرِ. ومن فضائل اللّيل: نزولُ الرَّبِّ إلى السّماء الدُّنْيَا، على ما يأتي بيانُه في حديث النُّزُولِ إنّ شاء الله. الفائدة الثّانية (٨): قال علماؤنا (٩): فيه من الفقه شهودُ الملائكةِ للصّلوات، والاظهرُ أنّ ذلك في الجماعات. ويحتملُ الحديثُ الجماعات وغيرها.

стр. 1168

الفائدة الثّالثة: قوله: "الملائكة" يحتمل أنّ تكون الملائكةُ الّذين همُ الحَفَظَةُ الكرَامُ الّذين قال الله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١). ويحتمل أنّ تكون المعقِّبات، لقوله: "يَتَعَاقَبُونَ". الفائدة الرّابعة (٢): قوله: "يَتَعَاقَبُونَ" أي: طائفة بإِثْرِ طائفةٍ، وإنّما يكون التَّعَاقُبُ بين طائفتين، أو بين رَجُلَينِ، مرَّةً هذا ومرَّةً هذا، ومنه قوله (٣): الإمامُ يعقب الجيوش، أي: يُرْسِلُ هؤلاء وَقْتًا شَهْرًا وشُهُورًا *. وأمّا قولُه: "يَتَعَاقَبُونَ" فجمع، وقد تقدَّمَ الفِعْلُ، وإنّما خاطَبَ بذلك مَنْ هذه لغته الّذين قالوا: "أكلوني البَرَاغِيث". الفائدة الخامسة (٤): ومعنى الحديث: أنّ ملائكةَ النَّهارِ تنزلُ في صلاة الصُّبحِ فيُحصونَ علي بني آدم، وتَعْرُجُ (٥) ملائكةُ اللَّيلِ الّذين باتُوا فيهم ذلكَ الوقت، أي: يصعدونَ، وكلُّ من صعدَ فقد عرجَ. فهذا كانت صلاةُ العصرِ نزلت ملائكةُ اللّيلِ فَأَحْصَوْا علي بني آدم، وعرجتْ ملائكةُ النَّهار، وهكذا أبدًا، حتّى ينفد عمر بني آدم (٦). اعتراض: فإن قيل: فهذا ماتَ العبدُ، ما تصنعُ الملائكةُ الحَفَظَةُ المُوَكَّلُونَ به؟ قال بعض العلماء: إنّهم يستغفرون له. وقال غيره من المتأَخِّرِينَ: إنّهم يكتبونَ له الحسنات في كلِّ من سَبَّهُ وأخذ في عرضه، فتكتبها له، واللهُ أعلمُ.

стр. 1169

الفائدةُ السّادسةُ: قوله: "يَجْتَمِعُونَ في صَلاَةِ الفَجْرِ" خاصّة "والعصر" وأظنُّ من مال إلى هذه الرِّواية أنّه احْتَجَ بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١) ويحتملُ (٢) أنَّه ذَكَرَ قرآنَ الفجرِ من أجلِ الجَهْرِ بالقراءة فيها؛ لأنّ العصرَ لا تُجْهَرُ فيها القراءة. الفائدة السّابعة: قوله: "قرآن الفجر" قال علماؤنا: فيه من الفقه: أنّه سَمَّى (٣) القرآن صلاة، وقد تُسَمَّى الصّلاة قرآنًا. الفائدة الثّامنة (٤): قال بعضُ أهلِ النظَر: في هذا الحديث فضل المُصَلِّين، لقولهم: "تَرَكْنَاهُمْ وَهُم يُصَلُّونَ، وأتَينَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ" ولم يذكروا سائرَ الأعمال، ففيه دليلُ فَضْلِ المُصَلِّينَ من هذه الأُمَّة، وأن الصّلاةَ أفضل الأعمال. الفائدة التّاسعة (٥): قوله تعالى (٦): "كَيْفَ تَرَكْتُم عِبَادِي؟ " قال علماؤنا: سؤالُ الباريء سبحانه للملائكة ليس هو سؤال استخبارِ، فإنّه أعلَمُ بهم وبسِرِّهِم وجَهْرِهِم، وإنّما هو على معنى التَّعَبُّد الّذي كلَّفَهُم وأَمَرَهُم أنّ يكتبوا ويحصوا جميع أعمال العباد. قال ابنُ العربي: إنّما هو سؤالُ تشريفٍ شَرَّفَهُمْ بِذِكْرِهِ، قال النّبيُّ ﷺ لأُبَيِّ بن كعب: "إنّ الله أَمَرَني أنّ أَقرَأَ عليكَ"، فقال: أَوَ ذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ (٧). قال: فتقولُ الملائكةُ: "تَرَكنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ" فيحبُّ البارئ أنّ يسمعَ ذِكرَهُم بالطَّاعةِ. قال أهلُ الإشارة: إنّما ذلك لتقوم الحُجَّةُ على الملائكة حين قالت: ﴿أَتَجْعَلُ

стр. 1170

فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية (١)، فكان سؤالُه لهم على معنى التَّوبيخِ لهم لِمَا قالوا، وهي الفائدة العاشرة، والحمد لله. حديث إمامة أبي بكر: مالكٌ (٢)، عن هثايِم بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مُرُوا أَبا بَكْرٍ يُصَلِّي (٣) بِالنَّاسِ" الحديث. وفي بعض طُرُقِهِ، قالت عائشة لِحَفْصَة: إنّ أبا بَكرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ (٤)، فَمُرْ عمرَ، فرُوِيَ أنَّ عمرَ صلَّى، فأَفَاقَ النّبِيُّ من غمرته، وسمع صوت عمر، فقال: "ما هذا؟ " قيل له: عُمَرُ يُصَلِّي بالنَّاسِ. فقال: "يَأْبَى اللهُ ذلك والمسلمون -ثلاثًا- مُرُوا أبَا بَكرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ" فأعادُوا عليه فأعادَ عليهم، إلى أنّ قال: "إنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ". الإسناد: قال الإمام: هكذا أخرجَهُ الأَيِمَةُ: مسلم (٥)، والبخاريّ (٦)، والتّرمذيّ (٧)، وغيرهم من المصنِّفِينَ (٨). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وفيه خمس عشرة فائدة: الفائدةُ الأولى (٩): تَعْييرُ (١٠) الجنْس كلّه بما يفعله بعضه (١١)، إذا عاد ذلك إلى حماية الدِّين ولم يكن بمتعلّقات (١٢) الدّنيا.

стр. 1171

الفائدةُ الثّانية (١): فيه من الإشارة إلى نقصان العقل -أعني عقلهنّ الّذي جُبِلْنَ عليه (٢) - في أصل الفِطرَة. الفائدةُ الثّالثة (٣): وهي أعظمها؛ أنّ معناه: أنا أدعوكنَّ إلى الحقِّ، وأنتنَّ تُرِدنَ أنّ تصرفننَي إلى الباطلِ، كما فعلت امرأة العزيز مع يوسف، فإنّه كان يَدْعُوها إلى العِصّمَة وهي تَدْعُوهُ إلى المعصية، وهذه شهادةٌ منه بالتَّبْرِئةِ ليُوسف ﵇، وقد مَهَّدْنَا ذلك في موضعِهِ، وهذا كقوله: (اللهمّ أعِنِّي عَلَيهِم بِسَبعٍ كَسَبع يُوسُفَ" (٤) معناه: أعنّي عليهم بجوع يُظهرني عليهم ويُبَيِّن صِدْقي، كما كان جوعُ مصرَ سببًا لتبرئة يُوسُفَ وظهور نُبوَّته. الفائدة الرّابعة (٥): قد قيل: إنّ هذه الصَّلاة الّتي جَرَى فيها هذا، كانت صلاة العِشَاء الآخرة. الفائدة الخامسة (٦): قوله: "مُرُوا أبا بَكرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ": قال علماؤنا (٧): إنّما قال ذلك لأنّه أفضلُ الصّحابة وأعلَمُهم. وقد اختلف الفقهاءُ فيمن هو أحقّ بالامامة؟ فذهب مالك والأوزاعيّ وأبو حنيفة (٨) والشّافعيّ (٩) إلى (١٠) أنّ أَحَقَّهم بالإمامة أفضلهم، وإنِ اختلفت عباراتهم:

стр. 1172

فقال مالك (١): "يؤمُّ القومَ أفقهُهم (٢) إذا كانت حاله حسنة". وقال ابنُ حبيب: ولا يكون عالِمًا حتّى يكون قارئًا. وقال الثّوريّ: يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهُم. قال الإمام (٣): ومعنى المسألة والخلاف في ذلك؛ أنّ يكون الرَّجُل (٤) فقيهًا عالمًا، ويقرأُ من القرآنِ ما يُقيمُ (٥) به صلاته ولا يقرؤه كلُّه. ويكون الآخَرُ قارئًا لجميعِ القرآنِ حَسَنَ التِّلاوةِ له، ويَعْلَمُ إقامَة الصّلاةِ على وجهها، إلّا أنّه لا يفقه في أحكامها، ولا يعلمُ أحكام دقائقِ السَّهْوِ فيها، فيكون أحقّ بالإمامة الفقيه (٦) إذا كانت له حالة حَسَنَة. والدّليلُ على ذلك: تقديم النَّبيِّ صلّى الله عليه لأبي بكرٍ لمّا كان أعلم الصّحابة وأفضلهم، وإن كان فيهم من هو أقرأ منه، وقد قال عمر: أُبيُّ بن كعب أقرؤنا للقرآن (٧). ودليلُنا من جهة المعنى: أنّ المقدارَ الّذي تفتقرُ إليه الصّلاة قد اسْتَوَيَا فيه، والصّلاةُ لا يُؤمَنْ أنّ يطرأَ فيها ما لا يعلمه القارئ من أحكامها فيفسدها؛ لأنّ ذلك ممّا ينفرد به الفقيه. وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألة في أوّل الكتاب، وسترى ذلك -إنّ شاء الله- مُبيَّنًا في تفضيل الصَّحابة واحدًا بعدَ واحدٍ، وما زاد كلُّ صاحبٍ على صاحبِه من الفَضل والمناقب في كتاب الجامع مُفَسَّرًا مُبَيَّنًا على التّحقيق إنّ شاء الله. الفائدة السادسة (٨): قولُ عائشة: "إنَّ أبا بَكرٍ إذا قَامَ مقامَكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ من البُكَاءِ" قال

стр. 1173

علماؤنا (١): في هذا دليلٌ على أنّ مِنَ الصّلوات ما حُكمُه الجَهْر. ودليلٌ على (٢) أنّ البكاء لا يقطعُ الصَّلاةَ، إذا كان ذلك من خوفِ الله، أو على المصيبة في دِين الله، وقد رَوَى مُطَرِّف بن الشَّخير، عن أبيه، قال: رأيتُ (٣) رسولَ الله ﷺ وهو يُصَلَّي ولجَوْفهِ أَزِيرٌ كَأَزِيرِ المِرْجَلِ منَ البُكَاءِ (٤). فرع: واختلفَ العلماءُ في الأنِين والتأَوُّهِ (٥) على ثلاثة أقوال: القول الأوّل - قال ابنُ المبارك: إنّ كان غالبًا فلا بأْسَ به. والثّاني - قال الشّافعيّ وأبو ثور: لا بأس به إلَّا أنّ يكون كلامًا مفهومًا. الثّالث - قالت طائفةٌ: يعيدُ الصلاةَ، هذا قول النَّخَعِي والكوفيَّينَ (٦). الفائدةُ السّابعةُ (٧): قول عائشة لحفصة: "إنّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ" قال الهرويُّ (٨): يعني أنّه سريع الحُزن والعِبْرَةِ والبُكاء، وهو الأسِفُ أيضًا، والأسف في غير هذا المعنى (٩)، وأمّا الأسِفُ فهو الغضبان، وعليه ينطلقُ قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (١٠). الفائدةُ الثّامنةُ: قولُه: "إنكنَّ لانتُنَّ صواحبُ يُوسُفَ" يريدُ: إنّكُنَّ فتنتنَّ يوسُف وصددتنّه عن الحقِّ (١١)؛ لأنّكنَّ سببٌ لاتَّباع الهَوى. وإنّهنَّ (١٢) لم يَزَلْنَ يَدعونَ إلى الباطل،

стр. 1174

ويصدّن (١) على الحقِّ، ولقوله: "إنّ منهُنَّ مائلاتٍ عن الحقِّ مُمِيلاَتٍ لأزواجِهِنَّ" (٢) وقال: "ما تركتُ بعدِي فتنةً أَضَرَّ على الرّجالِ من النِّساءِ" (٣) وخرجَ كلامُهُ هذا منه ﷺ على جهةِ الغَضَبِ على أزواجه وهُنَّ فاضلاتٌ، وإنّما أراد جِنْسَ النِّساء غيرهنَّ. وقد رُوِيَ في غير هذا الحديث في النِّساء: "هُنَّ صواحِبُ يوسُفَ، ودَاوُدَ، وجُرَيْج" (٤) أراد به الفتنة والامتحان (٥). الفائدةُ التّاسعة: قولُ حفصة لعائشة: "ما كنتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيَرًا": فيه ما يدلُّ على ضِيقِ صُدورهنَّ (٦)، ولأنّها هي الّتي تكلّمت فظنّت أنَّه قد غضب عليها وحدها. وروي (٧) عن ابن عمر عن عائشة أنّها قالت: "واللهِ ما كان مراجعتي للنّبيِّ إذ قال: مُرُوا أبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بالنّاسِ إلَّا كَرَاهِيَّةَ أنّ يتشاءَمَ النَّاسُ بأَوَّلِ رَجُلٍ يقومُ مقامَ رسولِ الله ﷺ ، فيكونُ ذلك الرَّجُلُ أَبِي" (٨). الفائدةُ العاشرة (٩): قالت (١٠): "فوجد رسول الله ﷺ في نفسه خِفَّةً، فخرجَ فهذا أبو بكرِ يؤُمُّ النَّاسَ، فلمّا رآه أبو بكرٍ اسْتأخَرَ، فأَوْمَأَ إليه أَنْ كما أنتَ، فجلسَ رسولُ الله ﷺ حِذَاءَ أبي بَكرٍ إلى جَنْبِهِ، فكانَ أبو بكرٍ يصلِّي بصلاةِ رسولِ الله ﷺ ، والنّاسُ يصلُّونَ بصلاةِ أبِي بكرٍ". قال علماؤنا (١١): سُنَّةُ الإمامِ تقديم الإمام وتأخير النّاس عنه، ولا يجوز أن يكون أحدٌ مع الإمام في صَفٍّ واحدٍ إلَّا في موضعينِ:

стр. 1175

١ - العلةُ الّتي في هذا الحديث وما كان في معناه، مثل أنّ يضيقَ الموضع فلا يَقدِرْ على التّقدُّم، فيكون معهم في صفِّ وفي المواضع الّتي تضيق. ٢ - والموضعُ الثّاني: أنّ يكون رجلٌ واحدٌ مع الامامِ، فإنّه يصلِّي على يمينه في صفٍّ واحدٍ معه، كما فعلَ النّبيُّ ﷺ بابن عبّاس إذ أداره من خَلفه إلى يمنيه (١). فرع (٢): فإن صلَّى الامامُ في صفِّ المأمومينَ لغير عُذرٍ، فقد أساءَ وخالفَ السُّنَّةَ، وصلاتُهُ تامّةٌ. قال الطّبريُّ: إنّما أقامَ النّبيُّ ﷺ أبا بكرٍ إلى جَنْبِهِ ليعلم النّاس تكبيره وركوعه وسجوده، إذ كان النّبيَّ ﷺ قاعدًا وفي القومِ مَنْ لا يراه ولا يعلم ركوعَهُ ولا سجودَهُ، فبان أنّ الأيمَّة إذا كانوا بحيثُ لا يراهُم من يأتمّ بهم، أنَّ لهم أنّ يجعلوا بينهم وبين من يأتمّ بهم عَلَمًا يعلمون بتكبيره وركوعه إذا كان الامامُ لا يُسْمع. الفائدة الحادية عشرة (٣): قال علماؤنا: في إمامةِ أبي بكرٍ حجّةٌ لمن أجازَ الصّلاةَ بالمُسَمِّع، واختلف النَّاسُ في ذلك: فقال بعضهم: لا تصحُّ الصّلاةُ بالمُسَمِّع؛ لأنّ المقتدِي به اقْتَدَى بغير الإمام (٤). وقال بعضهم: إذا أَذِنَ الإمامُ للمُسَمِّعِ في الإسماعِ صحَّ الاقتداء به؛ لأنّه يصيرُ حينئذٍ منِ اقتدَى به إقتدى بالإمام، لمّا كان ذلك عن إِذنِهِ، وهو حُجَّةٌ لمن أجازَهُ على ما في نصِّ الحديثِ (٥).

стр. 1176

الفائدة الثّانية عشرة (١): قال علماؤنا (٢): في هذا الحديث اختلاف، هل كان النّبيُّ (٦) هو الإمامُ في هذه الصَّلاة أم لا؟، وفائدةُ الخلافِ فيه في إمامةِ الجالس بالقائم (٣)، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه في الباب الّذي قَبْلَهُ. الفائدة الثّالثة عشرة (٤): قوله: "فَلَمَّا رآهُ أبو بَكرٍ اسْتأْخَرَ": فيه دليلٌ واضحٌ أنّه لم يكن عندهم مسْتَنْكرًا أنّ يتقدَّمَ الرَّجُلُ عن مقامه الّذي قامَ فيه في صلاته ويتأخّر، وذلك عملٌ في الصَّلاة من غيرها، فإنّ من فعل ذلك في صلاته لأمرٍ دَعَاهُ إليه فصلاته جائزة. الفائدة الرّابعة عشرة: فإن قال قائل: لِمَ صَفَّقَ النَّاسُ لأبي بَكْرٍ حينَ ذهبَ النّبيُّ ﷺ إلى بني عَمْرو بن عوف ليُصْلحَ بينهم (٥)، ولم يصفِّقوا في مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ إذ رَأَؤهُ؟ ولأيِّ شيءٍ عزلَ النبيُّ (٦) أبا بَكْرٍ عن الصَّلاةِ وقتَ خُروجِهِ وهو مريض، ولم يعزل عبد الرحمن بن عوف وصلّى ركعة خَلْفَهُ؟ الجواب في ذلك من وجهين: الأوّل: أنهم لم يصفَّقُوا لأنّه قد كان تقدَّمَ لهم النَّهي عن التّصفيقِ، فقال: "إنّما التَّصفِيقُ للنِّساءِ" (٧) فوقَفُوا عند هذا، وبَقِيَ حكمُ التّسبيحِ للرِّجال والتّصفيق للنّساء؛ لأنّ أصواتهُنَّ فيها لِينٌ، فخَشِيَ الفتنةَ لذلك، ومن أجل هذا لا تُؤَذِّن المرأةُ ولا تَؤُمُّ ولا تقرأُ جَهْرًا خشيةَ الفِتنَة بأصواتهِنَّ. الجوابُ الثّاني: أنّ النّبيَّ صلّى الله عليه وقتَ أبي بَكرٍ كان النَّاسُ خائفينَ من مَرَضِهِ، فلمّا خرجَ واستبشروا بخروجه وفرحوا، فصفَّقُوا فَرَحًا به واستبشارًا، وتَبَرُّكًا بصلاةِ ركْعَةٍ خَلْفَهُ.

стр. 1177

وأيضًا: فإنّ أبا بَكرٍ انعزل، ولم يكن شيءٌ من ذلك لعبد الرّحمن، ولا عرفَ النّاسُ يكون النَّبيّ (١) معهم، وكانت (٢) نفوسُهُم واثقةٌ بصِحَّتِهِ، فصفَّقُوا عند مَرَضِه ولم يصفّقوا عند صلاته وراء عبد الرّحمن لهذا الوجه (٣)، واللهُ أعلمُ. حديث مالكٌ (٤)، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عُبَيد الله (٥) بن عَديّ؛ أنّه قال: بَينَما رَسولُ الله ﷺ جالسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ، فَلَمْ يُدْرَ مَا سَارَّه به (٦)، حَتى جَهَرَ رسولُ الله ﷺ ، فَإِذَا هُوَ يَستأذِنْهُ في قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ المُنَافِقِينَ، فَقَالَ رسولُ الله حينَ جَهَرَ: "أليسَ يَشْهَد أنّ لاَ إِله إلَّا اللهَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى! وَلاَ شَهَادَةَ لهُ. قَال: "أَلَيْسَ يُصَلِّي؟ " قَالَ: بَلَى، وَلَا صلاَةَ لَهُ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : "أُولَئِكَ الّذِينَ نَهَانِي اللهُ عَن قَتْلِهِم" (٧). الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ حَسَنٌ في البابِ (٨). فقال أهل الحديث: إنّ الرَّجُلَ المنافِقَ هو مالكٌ بن الدُّخْشُم بن غنم (٩)، شهد بدرًا وتخلَّفَ في شُهُودِ العَقَبَةِ. الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي خمس فوائد:

стр. 1178

الفائدة الأولى (١): فيه من الفقه: إباحةُ المناجاةِ والتَّسَارِّ مع الواحدِ دونَ الجماعة (٢)، وإنّما المكروهُ بأن يتناجَى اثنان فما فَوْقَهُما دونَ الواحدِ، فإنّ ذلك يُحزِنُه، وأمّا مناجاةُ الاثنينِ دونَ الجماعة فلا بأس بذلك، بدليل هذا الحديث وغيره. ويحتملُ أنّ يحمل هذا الحديث (٣) على الرَّجُل الرَّئيسِ المُحْتَاجِ إلى رؤيته (٤) ورأيه ونفعه، فإنّه جائزٌ أنّ يُنَاجِيه كلُّ من جاءَهُ في حاجته. الفائدةُ الثّانية: قوله: "حَتَّى جَهَرَ رسولُ الله" فيه دليلٌ على جَوَازِ جَهْرِ من أسرَّ إليه بالسرِّ إذا أوجب ذلك الشّرعُ (٥)، ومما يحتاج أهل المجلس إلى عِلْمِهِ وسماعه. الفائدةُ الثّالثة (٦): فيه من الفقه: أنّ مَنْ أظهرَ الشّهادة بلا إله إلّا الله وأن محمّدًا رسول الله حَقنَت دمه، إلَّا أنّ يأتي بما يُوجِبُ إراقةَ دَمه بما افترضَ اللهُ عليه من الحقِّ المُبِيحِ لقَتْلِ النَّفْسِ الّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ. وفي قولِ رسولِ الله: "أَلَيْسَ يَشهَدُ ألَّا إله إلَّا الله" دليلٌ على أنّ الّذي يشهدُ بالشهادة ولا يصلِّي لا تمنعُ الشّهادةُ من إراقةِ دَمِهِ إذا لم يصلِّ، وقد تقدَّمَ الكلامُ في أحكامِ تَارِكِ الصّلاة. الفائدةُ الرّابعة (٧): قال علماؤنا (٨): فيه دليلٌ على أنّ من شَهِدَ ألَّا إله إلَّا الله وأن محمّدًا رسول الله لم يجُز قتله، إلَّا أنّ يرتدَّ عن دِينهِ، أو يكون مُحْصَنًا فيَزْني، أو يسعَى في الأرض

стр. 1179

فسادًا، أو يقطع السّبيل. وإذا لم يجز قتلُ مَنْ يصلِّي، جازَ قتلُ من لا يصلِّي. وفي (١) قولِ رسول الله ﷺ : "أُولَئِك الّذِينَ نَهَانِي اللهُ عَنْهُم" رَدٌّ لقول القائل له: "بَلَى، وَلاَ صَلاَةَ لَهُ، بَلَى وَلاَ شَهَادَةَ لَه" لأنّ رسولَ الله ﷺ قد أثبتَ له الشّهادةَ والصّلاةَ، ثمَّ أخبرَ أنَّ اللهَ نهاهُ عن قتلِ من هذه صفَتُه، وأنه لا يكلَّف أكثر من أنّ يُقِرَّ ظاهرًا ويُصَلِّي ظاهرًا، وحسابُه على الله. فهذا كان ذلك صادقًا من قلبه يَبْتَغِي بذلك وَجْهَ الله دخل الجنَّة، ومن خادع بها فهو منافقٌ من أهل الدَّركِ الأسفلِ من النّار، ولا يجوز قَتلُه مع إظهار الشّهادةِ والصّلاةِ. الفائدةُ الخامسة: قال علماؤنا: وإنّما امتنع رسول الله ﷺ عن قتل المنافقين لئلّا يقول النّاس: إنّ محمدًا يقتل أصحابه ويتحدّثون بذلك (٢). الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (٣): اختلفَ العلماءُ في استتابةِ الزِّنديق المشهودِ عليه بالكُفْرِ والتَّعطيلِ، وهو مُقِرٌّ بالإيمانِ مُظْهِرٌ له، جاحدًا لما (٤) نشهد به عليه. فقال مالكٌ وأصحابه: يُقتلُ الزّنادقةُ ولا يستتابون. وسُئِلَ مالك عن الزندقة، فقال: ما كان عليه المنافقون في عهد رسول الله- ﷺ * من إظهار الإيمان وَكِتمَانِ الكفر هو الزّندقة عندنا اليوم.

стр. 1180

وقيل لمالك: فَلِمَ يُقتلُ الزِّنديق ورسول الله لم يقتل المنافقين * (١) وقد عرفهم النّبيُّ ﷺ ؛ لأنّه لو قتلهم وهو يُقرُّونَ بالايمانِ لكان ذلك ذريعة إلى أنّ يمتنعَ خَلْقٌ كثيرٌ عن الدّخول في الإسلام، هذا معنى قول مالكٌ، ويشهد له قولُه ﷺ أنّه قال: "ألَّا يتحدَّثَ النّاسُ أنِّي أقتلُ أصحابِي" (٢). احتجّ ابن الماجِشُون في قتل الزِّنديقِ بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية إلى. قوله: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٣) يقول: إنَّ الحُكمَ فيهم أنّ يقتلوا حيث وُجِدُوا، ولم يذكر استتابةً، فمن لم يتب ولا انتهى عمّا كان عليه المنافقونَ في زَمَنِ رسول الله ﷺ قُتِلَ حيثُ وُجِدَ، ومالُه لوَرَثَته المسلمين. هذا تحصيلُ مذهب مالك. والحُجَّةُ له: أنّ الزِّنديقَ مُظهِرٌ لدِينِ الإسلام، والشّهادةُ عليه بأنه يُسرُّ الكُفرَ لا تُوجِبُ القَطعَ على عِلْمِ ما يشهده الشّهود. والعمدةُ فيه: أنّ مال كلِّ مقتولٍ ومَيِّتٍ لِوَرثتَهِ، إلَّا أنّ يصحّ أنهّم على دِينٍ سوى دينه. واختلف غيره في اسْتِتَابَةِ الزِّنديقِ المشهودِ عليه بالزَّنْدَقَة؛ أنّه لَوْ استُتيبَ لثبتَ قولُه أنّه مسلم، فلهذا كلِّه لم ير مالك نقل المال عن وَرَثَتِهِ. المسألة الثّانية (٤): أمّا ابنُ نافع، فإنّه يجعل ماله فيئًا لجميع المسلمين، وكلاهما أيضًا مرويٌّ عن مالك. قال الإمام - ووجهُ روايةِ ابن نافع: أنّ الدَّمَ أعظم حُرْمَةَ من المالِ، والمالُ تَبَعٌ للدَّمِ. المسألة الثّالثة (٥): اختلف قولُ أبي حنيفة وأبي يوسف في الزِّنديق، فقالا مرّة: يُسْتتابُ الزِّنديقُ.

стр. 1181

ومرَّةَ قالا: يُقتلُ الزنديقُ، فإنّ توبته لا تعرف (١)، وبهذا أخذ مالك (٢). وقال الشّافعيّ: يستتابُ الزِّنديق كما يستتاب المرتدُّ ظاهرًا، فإن لم يتب قُتِلَ (٣). المسألة الرّابعة (٤): قال علماؤنا (٥): إنْ شَهِدَ شاهدان عَدْلاَنِ على رَجُل بالزَّندقةِ قُبِلَا عليه (٦). وإنّ الزِّنديقَ إذا أَظْهرَ الزَّندقةَ فإنه يُستتابُ عند أحمد بن حنبل (٧)، قيل له: إنّ أهل المدينة يقولون: يُقْتَلُ ولا يُسْتَتَابُ. فقال: نعم يقولون ذلك، ثم قال: من أي شيءٍ يستتابُ وهو لا يظهر الكفرَ وهو يُظْهِرُ الإيمانَ، فتناقضَ قولُه. والحجّةُ (٨) القاطعة لمالك بأنّه يُقْتَلُ ولا يستتاب؛ لأنّه (٩) لا تعرف توبته، ولا يُوقَف على صحيحِ ذلك. المسألة الخامسة: اختلفوا أيضًا في السّاحر، فروى ابنُ حنبل أنّه لا يقتل ولا يلزم قتله ويستتاب (١٠). وأهلُ المدينة يقتلونه ولا يستتاب؛ لأنّه لا تعرف توبته (١١). المسألة السادسة: أمّا الجاسوس من المسلمين، ففيه خمس روايات: قال مالك (١٢): الأمرُ فيه إلى الإمام. القول الثّاني - قال ابنُ القاسم: يُقْتَل (١٣).

стр. 1182

الثّالث - قال ابنُ وهب: إن تاب تُرِكَ. الرّابع - قال سحنون: يُؤَدَّبُ أَدَبًا وَجِيعًا. الخامس - قال ابنُ حبيب: يُنْظَر، فإن تكرَّرَ ذلك منه قُتِلَ، وإن لم يتكرّر أُدِّبَ. وسيأتي من هذا النوع في كتاب الحدود بدائع جمّة وغرائب من العلوم إنّ شاء الله. حديث مالك (١)، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَارِ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مسَاجِدَ". الإسناد (٢): قال الإمام: لا خلافَ عن مالكٌ في إرسال هذا الحديث على ما رواهُ يحيى سواء، وهو حديثٌ غريبٌ -أعني قوله: "لَا تَجْعَل قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدْ"- لا يكاد يُوجد إلّا عن مالكٍ (٣). وأمّا قوله: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ والنَّصَارَى اتخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائهم مَسَاجدَ" فهو حديثٌ محفوظٌ من طُرُقٍ كثيرةٍ صِحَاحٍ، خرّجها الأيمّة: مسلم (٤) والبخاريّ (٥). تنبيه على وهم (٦): زعم البزّارُ (٧) أنّه لم يتابع أحد مالكًا على هذا الحديث إلّا عمر بن محمّد، عن زيد بن أسلم، وقال: ليس بمحفوظٍ عن النّبيِّ إلّا من هذا الوجه، رواه زيد، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، عن النّبيِّ ﷺ . قال الإمام: ولا قولَ للبزَّار؛ لأنّه لا خلافَ بين علمائنا أهل الحديث بالخبر والأثر، أنّ الحديثَ إذا رواهُ ثقة عن ثقةٍ حتّى يتَّصلَ بالنّبيِّ ﷺ أنَّه حُجَّةٌ يعمل بها، إلَّا

стр. 1183

أنّ ينسخه غيره، ومالك عندهم ثقةٌ حُجَّةٌ فيما نَقَلَ، وقد أَسْنَدَ حديثه هذا جماعةٌ الثّوريُّ (١) وغيرُه (٢). الأصول (٣): قوله: "اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَل قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ" قاله ﵇ تواضُعًا والتزامًا للعبودية، وإقرارًا لله بالعبادة، وكراهية أنّ يُشرِكه أحدٌ في عبادته. وقوله: "اشتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا" الحديث. قال علماؤنا من أهل الأصول: غضَبُ الرَّبِّ سبحانه على قسمين: إمّا يرجع إلى إرادة العقاب، فذلك صفةٌ من صفاته لا تتغيَّر ولا تحول. والقسم الثّاني من الغضب: ما يرجعُ إلى الفعل من العقاب وغير ذلك. الفوائد المنثورة في هذا الحديث ثلاث فوائد: الفائدة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): إنّما منع من أنّ يصلِّى إلى قبره، فسائر آثاره (٦) أحْرَى بذلك. وقد كره (٧) مالك وغيره من أهل العلم طلب (٨) موضِع الشَّجَرةِ الّتي بُويِعَ تحتها رسول الله ﷺ بَيعَةَ الرِّضوانِ، وأنَّ ذلك - والله أعلم- مخافة لئلّا يتّخذ موضع عبادة كما فعلتِ اليهودُ والنّصارى في مثل هذا. الفائدة الثّانية (٩): قوله: "وَثَنًا يُعْبَد" الوَثَنُ هو الصَّنَمُ، يقول: "اللهُمَّ لاَ تَجْعَل قَبْرِي" صَنَمًا يُصَلَّى

стр. 1184

إليه ويُعْبَد "اِشتَدَّ غَضَبُ اللهِ" على مَنْ فعلَ ذلكَ. وروى ابن سَنْجَر (١) في حديث عن عائشة؛ أنَّ ناسًا تَذَاكرُوا (٢) عنده في مَرَضِهِ كنيسة رأوها (٣) في أرضِ الحَبَشَة، فقال رسولُ الله: "أُولئكَ قومٌ إذا ماتَ الرَّجُلُ الصّالحُ عندهم، بَنَوا على قبره مسجدًا، ثم صوَّرُوا فيه تلك الصُّورة، أُولئكَ شرُّ الخَلْقِ عندَ اللهِ" (٤). وذكر ابنُ إسحاق أيضًا (٥)، عن عائشة؛ أنّها قالت: قال رسول الله ﷺ في مَرَضِهِ الّذي لم يقم منه: "لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبورَ أنبيائهم مساجد"، ثمّ قالت: ولولا ذلك لأبرزَ قبره غير أنّه خَشِيَ عليه أنّ يُتَّخَذَ مسجدًا (٦). وقوله: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ" يريد عذابه. الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (٧): أمّا الصّلاة في مقابر المسلمين فغيرُ منهيٍّ عنها، قال مالكٌ في "العُتبِيّة" (٨): لا بَأسَ بها في المقابر الّتي قد دريسَت وغيّرت (٩). وقال: إنمّا هي مثل غيرها من الأرضِين. وهذا مبنيٌّ على أنَّ المؤمنَ الميِّتَ لا ينجسُ بالموتِ. المسألة الثّانية (١٠): أمّا مقابرُ المشركينَ، فقد نصَّ ابن أبي زَيدٍ على المنعِ من ذلك؛ لأنّها حُقرَةٌ من حُفَرِ النَّارِ (١١).

стр. 1185

وقال بعضُ علماءنا: معنى ذلك؛ لأنّها (١) بُقْعَةٌ خُصّتْ بالعذاب وبالسَّخطِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المعاني في الباب الّذي قَبْلَهُ في حديثِ النَّهي عن الصّلاةِ في مرابِضِ الغَنَم. حديث مالك (٢)، عن ابنِ شهابِ، عن محمود بن لبيد (٣) الأنصاري؛ أنّ عِتْبَانَ ابن مالكٍ كان يَؤُمُّ قَومَهُ وهوِ أعمى، وأنّه قال لرسولِ الله ﷺ : إنّها تكونُ الظُّلمةُ والمَطَرُ والسَّيلُ، وأَنَا رجلٌ ضريرُ البَصَرِ، فَصَلِّ يا رسولَ الله في بيتي مكانًا أَتَّخِذُهُ مصلَّى، فجاءَهُ (٤) رسولُ الله ﷺ فقال: "أينَ تُحبُّ أنّ أُصَلِّي؟ " فأشار إلى مكانٍ في البيتِ، فَصلَّى فيه رسولُ الله ﷺ . تنبية على وَهمٍ (٥): قال الإمام الحافظ: هكذا قال يحيى فيه: "عن مالك، عق ابن شهاب، عن محمود بن لَبِيد" وهو من الغَلَط والوَهْم الشّديد، ولم يتايعه أحدٌ من رُوَاةِ "الموطّأ" (٦) ولا غيرهم على ذلك، وإنّما رواه ابنُ شهاب عن محمود بن الرّبيع لا محمود بن لَبِيد، ولم يختلف أصحابه عليه في ذلك، وهو حديث محفوظٌ لمحمود بن الرّبيع لا لمحمود بن لَبِيد. الفقه والفوائد المنثورة: وهي خمس فوائد: الفائدة الأولى (٧): قوله: "كانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وهو أَعْمَى" فيه دليلٌ على جواز إمامة الأعْمَى؛ لأنّ مثلَ

стр. 1186

هذا لا يخفَى على النَّبيّ ﷺ مع تَكَرُّرِهِ. الفائدة الثّانية (١): فيه من الفقه: جواز إمامة الزّائر إذا أَذِنَ له المَزُور؛ لأنّ السُّنَّةَ الثّابتة في حديث أبي (٢) مسعود الأنصاري: "لا يُوَمَّ أحدٌ في سُلْطَانِهِ ولا في بَيْتِهِ، ولا يُقْعَدْ على تَكْرِمَتِهِ (٣) إِلاّ بإذنِهِ" (٤). ورُوْيَ عن ابنِ مسعود وجماعة (٥) من السَّلَفِ أنّهم قالوا: صاحبُ البيتِ أعلمُ بعْورَةِ بيْتِهِ (٦)، فلا يقعد الزّائر إلا حيث يُشارُ إليه من البيت. وفيه: جواز إمامة الأعْمَى، ولا أعلمُ أنّهم يختلفون فيه. الفائدة الثّالثة (٧): فيه من الفقه: أنّ من تخلَّفَ عن الجماعة أنّ له أنّ يَجْمَعَ بأهله وجُلَسَائه، ولم يتخلّف عِتبانُ بن مالكٍ عن رسول الله ﷺ إلّا لِعُذرٍ، فإن تخلَّفَ لِعُذرٍ فلا حَرَجَ عليه، كان تخلَّفَ لغيرِ عُذرٍ فقد بَخَسَ نَقسَهُ حَظَّهَا في فضل الجماعة. الفائدةُ الرّابعة (٨): فيه أيضًا: جوازُ إِخْبارِ الإنسانِ عن نفسه بعَاهَةٍ نزلت به، وليس ذلك شَكْوَى منه لرَبِّهِ، لقوله: "أنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ". وقد قيل: إنّ هذا الرَّجُل هو عِتبُان بن مالك الّذي قيل له: "أتسمع النّداءَ؟ " قال: نعم. قال: "أجِبْ، ما أجِدُ لَكَ رُخصَةً" (٩). ومن المحدِّثَةِ من قال: ليس هو هذا الرَّجُل (١٠).

стр. 1187

الفائدة الخامسة (١): فيه من الفقه: التَّبَرُّك بالمواضِعِ الّتي صلّى فيها النّبي ﷺ ووطئها وقام عليها. تنبيه على مقصد (٢): قال الإمام: أدخل مالك هذا الحديث بإثرِ الّذي قَبْلَهُ -والله أعلم- ليُبَيِّنَ لك أنّ معنى هذا الحديث مخالفٌ للّذي قَبْلَهُ. والاقتداءُ بأفعالِ النَّبيِّ ﷺ وأخلاقِهِ، والإيمانُ والتّصديقُ والحبُّ في دِينِ الله (٣)، وما كان عليه رسول الله ﷺ من حُسْنِ الخلق وجَمِيل الأَدَبِ في إجابةِ كلل من دَعَاهُ إلى ما دُعِيَ (٤) إليه ما لم يكن إِثْمًا. حديث مالكٌ (٥) عن ابن شهاب، عن عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ، عن عَمِّه؛ أنّه رأى رسول الله ﷺ مُسّتَلْقِيًا في المسْجِدِ، واضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. تنبيهٌ على وَهْمٍ (٦): قال الإمام: اعلم أنّ السَّبَبَ المُوجِبَ لإدخال مالك هذا الحديث في "موطّئه" للخلاف الّذي روى النَّاس في ذلك. ومِنَ النّهيِ عن مِثل هذا المعنى، ما روى جابر، قال: "نَهَى رسولُ الله ﷺ أَن يضعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجلَيهِ على الأخْرَى وهُوَ مُسْتَلقٍ على ظَهْره" (٧) وهذا حديثٌ لم يَرْوِهِ أهل المدينة، والعمل عندَهُ بخلاف هذا. ثمَّ أَرْدَفَة في "موطّئه" (٨) بما رواهُ ابنُ شهابِ عن ابن المسيِّب؛ أنّ أبا بَكْرٍ وعمر (٩) كانَا يفعلانِ ذلك. فكأنه ذهب إلى أنّ نهيَهُ عن ذلك منسوخٌ بفِعْلِهِ، واستدلَّ على نسْخِهِ بفعلِ الخَلِيفَتَين بعدَة، وهما ممّا لا يَخْفَى عليهما النَّسْخ في ذلك وغيره من المنسوخِ في سائر سُنَنِهِ (١٠) ﷺ .

стр. 1188

نكتةٌ أصولية (١): قال الإمام: وأقلُّ (٢) أحوالِ الأحاديث المتعارضة في هذا الباب أنّ تكون متعارضة، فتسقطُ وترجع إلى أصلٍ، والأصلُ الإباحة حتّى يردّ الحَظْر، ولا يثبتُ حُكمٌ على مسلمٍ إلَّا بدليل لا معارِضَ له. حديث مالك (٣) عن يحيى بن سعيد؛ أنّ ابنَ مسعودٍ، قال لإنسانٍ: إنَّكَ في زمانٍ كثيرٌ فقهاؤُهُ الحديث. الإسناد (٤): قال الإمام: قد رُوِيَ عن ابنِ مسعود من وجوه متَّصلَةٍ متواترةٍ حِسَانٍ (٥). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي خمس فوائد: الفائدة الأولى (٦): قول ابن مسعود في ذلك: "إنَّك في زَمَانٍ (٧) كثيرٌ فُقهاؤُهُ قليلٌ قرِّاؤُهُ" إنّه لم يُرِد بذلك أنّ مَنْ يقرأ القرآنَ كان قليلًا في زمانه، وإنّما أراد أنّ من يقرأ القرآن فيكون حظّه منه قراءته دون الفقه فيه قليل؛ لأنّ ابنَ مسعود إنّما قصدَ مدحَ الزَّمانِ الّذي كان فيه، وهو عصرُ الصّحابةِ وهو القرنُ الممدوح، فأَثّنَى عليهم لكثرة (٨) العلماء والفقهاء. وجلّ فقه أهل ذلك العصر إنّما كان من القرآن والاستنباط منه، الّذي قال الله فيهم: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٩) ولم يكونوا أهلَ ديوانٍ، ولا صنّفوهُ في القراطيس، وإنّما كان عِلْمُهُم في صدورهم، واستنباطُهُم من محفُوظِهِم، ومحالٌ أنّ

стр. 1189

يستنبطَ من القرآن مَنْ لا يحفظه؟ لانّ أصل الفقه ومعظمه كتاب الله تعالى الّذي لا يأتيه الباطل من بين يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه، وهو الكتابُ الّذي قال الله فيه ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، فمحالٌ أنّ يوصَفَ بالعِغِ مَنْ لا يقرأ القرآن، مع ما عُلِمَ من حال الصّحابةِ في اقتصارهم في العِلْمِ على القرآن. ولا يجوز أنّ يقصدَ ابن مسعود - مع فضله ومحلِّه من تلاوة القرآن وكونه أحد الأيمّة فيه - إلى أنّ يمدحَ زمنَ الصّحابةِ وصَدْرَ الأُمّةِ بِقِلَّةِ القُرَّاء فيه؛ لأنّ أهلَ ذلك العصر كانوا أَلْهَجَ (٣) النَّاسِ بتلاوة القرآن وتَلَقِّيه من الرّكبان، وبدراسته (٤) والعمل به في مواطن الشّدائد أين أصحاب البقرة ينادون بذلك (٥). الفائدة الثّانية (٦): قوله (٧):"تُحْفَظُ فيه حدودُ القُرآنِ وتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ" (٨) قال علماؤنا (٩): لا يخلوا أنّ يريد بها حووف القرآن من أَلِفٍ ولامٍ (١٠)، أو يريد به لغاته، وفي تضييعِ أحد الأمْرَيْن على الإطلاق منعٌ مِنْ تحفظه، وهذا ممّا لا يستجيزه مسلم. وإنمّا قصدَ ابن مسعود بذلك وصف الزّمان بإظهار الحقِّ وإقامةِ الحدودِ، وأنّ ذلك عامٌّ من بين راغب فيه ومَجْبُولٍ عليه ممّن يخشى أنّ يكون من المنافقين أو المُسْرِفِينَ على أنفسهم؛ لأنّه يشهد لهذا حديثُ عُقْبَة بن عامِر وغيره (١١): "أكثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قرّاؤها" (١٢).

стр. 1190

رَوَى مالكٌ أنّه قال: قد يقرأُ القرآنَ من لا خَيْرَ فيه (١)، والعِيَانُ في أهل هذا الزَّمانِ على صِحَّةِ هذا الحديث كالبرهان. الفائدة الثّالثة (٢): قوله (٣): "يُطِيلُونَ الخُطْبَةَ، ويَقْصُرونَ الصَّلَاةَ" يعني: أنهم يخالفون السُّنَّة في ذلك. وفيه معنى آخر: أنّ (٤) الخُطبَةَ معناها الوعظ، والصلاةُ عملٌ من أعمال البِرِّ. فمعنى ذلك: أنّ وَعْظَهُم يكثرُ وعملهم يقلُّ. وفيه (٥): أنّ طُولَ الصَّلاة محمودٌ ممدوحٌ عليها صاحبها (٦)، وهذا للمنفرد، وأمّا من أمَّ جماعةَ، فإنّ التّخفيفَ له محمودٌ. وأمّا قصر الخُطبة، فسُنَّةٌ مسنونةٌ، كان رسولُ الله ﷺ يخطبُ بكلماتٍ قليلةٍ طيِّباتٍ حِسَانٍ، وأهل العلم يكرهون التشَدُّقَ والتَّقَيْهُقَ. وإنهم يكرهون من المواعظِ ما يُنْسِي بعضُه بعضًا لطُولهِ، ويستحبُّون من ذلك ما وَقفَ عليه السّامعُ الموعوظُ فاعتبرَهُ بعدَ حِفْظِه له، وذلك لا يكون إلَّا مع القِلَّةِ، وابنُ مسعود هذا هو القائل: كان رسول الله ﷺ يتخَوَّلُنَا بالموعظةِ؛ مخافةَ السّآمةِ علينا (٧). وها أنا أذكر خُطَبَ النَّبيِّ ﷺ والصّحابةِ على ما اقتضاهُ الخاطرُ والعارضةُ (٨): روى عبد الرّحمن بن عابس (٩)، عن رَبِيعَة (١٠) قال: كان عبد الله بن مسعود يخطبنا

стр. 1191

هذه الخطبة في كلِّ عشيّة خميس لا يَدَعُها، وذكر أنّ النَّبيَّ ﷺ كان يخطبُ بها: "إنَّ أَحْسَنَ الحديث كتاب الله، وأَوْثَقَ العُرَى كلمة التَّقوَى، وخَيرَ المِلَلِ ملَّةَ إبراهيم ﵇، وخَيْرَ السُّنَنِ سُنَّةَ محمّد ﷺ ، وأشرفَ الحديثِ ذكر الله ، وأحسنَ القصصِ هذا القرآن، وخيرَ الأمورِ عزائمها (١)، وشرّ الأمور مُحْدَثاتُها، وأحسنَ الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل (٢) الشّهداء، وأَغْوَى الضَّلالة الضلالة بعد الهُدَى، وخير العمل ما نَفَعَ، وخير الهُدَى ما اتُّبعَ، وشر العَمَى عَمَى القلب. واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفْلَى، وما قلَّ وكَفَى خيرٌ ممّا كثر وأَلْهَى، ونَفْسٌ تُنْجِيها (٣) خيرٌ من إمارةٍ لا تُحْصِيها، وشرّ المعاذِيرِ حينَ يحضرُ الموتُ، وشرّ النَّدامَةِ نَدَامَةُ يوم القيامة (٤). ومن النَّاس من لا يأتي الجمعة إلَّا دُبرًا، ولا يذكر الله إلَّا هجرًا. وأعظم الخطايا اللِّسان الكذوبُ، وخير الغنى غِنَى النَّفْس، وخير الزَّادِ التَّقوَى، ورأس الحكمة (٥) مخافة الله، وخير ما أُلقِيَ في القَلْب اليقينُ، والنَّوْح من عمل الجاهليّة، والشِّعر مَزَاميرُ (٦) الشّيطان، أو قال إبليس. والخمر جِمَاعُ الآثامِ، والنِّساء حِبَالات (٧) الشّيطان، والشّباب شُعْبَة من الجنون، وشرّ المكاسب كسب الرِّبا، وشرّ المآكِلِ أكل أموال اليتامَى. والسّعيد من وُعِظَ بغيره، والشَّقِيّ من شقي في بَطنِ أُمِّه، وإنّما يكفي أحدكم ما يغيثُ به (٨) نفسَهُ، وإنمّا يصير إلى موضع أربعة أَذْرعُ، ومِلَاك العمل خواتمه، وشرّ الرِّوايا رِوَايا الكلذب، وكلّ ما هو آتٍ قريبٌ، وسِبَابُ المؤمنِ فِسْقٌ، وقتاله كُفْرٌ، وأكلُ لحمه معصية، وحُرْمة مَالِهِ كحُرْمة دَمِهِ. مَنْ تَأَلَّى على الله يُكَذِّبُه، ومن يَغْفِر يغفر الله له، ومَنْ يَعْفُ يعفُ اللهُ عنه، ومَن يَكْظِمُ الغيظ يأجره الله، ومن يصبِر على الرَّزَايَا يُعقِبه الله (٩)، ومن يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرفه ينكره (١٠)، ومنْ يبتغ السُّمْعَةَ يُسَمِّع الله به، ومَنْ يستكبر يضعه الله، ومَنْ يتولَّى الدُّنيا يعجز عنه، ومَنْ

стр. 1192

يُطعِ الشّيطانَ يعص الله، ومَن يعصِ الله يعذِّبه" (١). مَنَحَنَا اللهُ وإياكم من معرفته ما يقطَعُنا به إليه شُغلًا عن جميع خَلْقِهِ، حتَّى نَسْلُوا به (٢) عن كلّ محبوبٍ سِوَاهُ، برحمته إنّه عَلَّامُ الغُيُوبِ. قال الامامُ: فلأجل هذا قال ابقُ مسعود في حديثه: "يُطِيلُونَ الخُطْبَةَ ويَقصُرُونَ الصَّلاة" كأنّه عَابَ ذلك عليهم، لمّا كان حَفِظَ ذلك من النّبيِّ ﷺ هذه الخُطْبَة وشِبْهها، واللهُ أعلمُ. حديث مالكٌ (٣)، عن يحيى بن سعيد؛ أنّه قال: بَلَغَنِي أنَ أَوَّلَ ما يُنْظَرُ فيه مِنْ عملِ العَبْدِ الصّلاة الحديث. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٤): "هذا الحديثُ عند مالكٍ بَلاَغٌ، ويُرْوَى من وُجوهٍ صِحَاحٍ من حديث تميم الدّاري (٥)، ومن حديث أبي هريرة، قال: إذا أتيتَ أهلَكَ فأَخَبِرْهُم أنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: أَوَّلُ ما يُحَاسَبُ به العبدُ المسلمُ الصَّلاةُ المكتوبةُ، فإنْ أتَّمَهَا، وإلَّا قيلَ: انظروا هل له من تَطَوُّعٍ، فإن كانَ له تطوُّعٌ أُكْمِلَتِ الفريضةُ من تَطَوُّعِهِ، ثم يفعلُ بسائر الأعمال المفروضةِ مثلُ ذلك" (٦). ومن حديث أبي هريرة الصّحيح الثّابت؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أوَّلُ ما يحاسَبُ به العبدُ يوم القيامة الصَّلاة، فإن صَلُحَت فَقَد أَفْلَحَ، وإن فَسَدَتْ فَقَد خَابَ وَخَسِرَ" (٧).

стр. 1193

الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وفيه خمس فوائد: الفائدة الأولى: اختلف النّاس في هذا النقصان وفي هذا التكميل على ثلاثة أقوال (١): ١ - أحدها: أنّ معناه من سَهَا عن فَرْضِهِ ونَسِيَهُ ولم يذكره فلم يأت به (٢)، فهذا لا تُكْمل (٣) له فريضة من تَطَوُّع أبدًا -والله أعلم- هذا إنّ كان عامِدًا، أمّا النّاسي، فأرجو له الكمال من تَطَوُّعِهِ؛ لأنَّ تركَ الصَّلاةِ عَمْدًا هو من باب الكبائر، فلا يُكفِّرها إلَّا الإتيانُ بها لمَن كان قادِرًا عليها، هي تَوْبَتُهُ لا يجزئه غير ذلك. الفائدة الثّانية (٤): قولى: "أوَّلُ ما يُنْظَرُ فيه من عَمَلِ العبدِ الصَّلاَةُ" قال علماؤنا (٥): هذا يقتضي تأكيدها؛ لأنّه بدأ بالنَّظَر فيها لمرتبتها (٦)، ومن هذا قول عمر المتقدِّم: "إنّ أهمَّ أُمُورِكُمْ عندي الصَّلاة" (٧). الفائدة الثّالثة (٨): قوله: "فَإنْ قُبِلَتْ " فمعنى القَبُول هاهنا - واللهُ أعلمُ- أنْ توجدَ تَامَّة على ما يلزمه منها لزوم فَرْضٍ، فإذا وُجِدَتْ كذلك، قُبِلَتْ ونُظِرَ في سائر أعماله. قال الشّيخ أبو عمر (٩): "وآثارُ هذا الباب تَعضُدُ هذا التّأويل، لا يصحُّ غيره على

стр. 1194

الأصول الصِّحاحِ، واللهُ أعلمُ". الفائدةُ الرّابعة: اختلفَ العلماءُ في قوله (١): "أُكْمِلَت لَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ". فمنهم من قال: إنْ تَرَكَ العصرَ مثلًا وصلّى أربع ركعات مُتنفِّلًا جبرت بها. وقالتِ الصُّوفية وأرباب القلوب: لا يرفع الجديد بالحذف (٢)؛ لأنّه لو صلَّى مدّة ركعة تَطَوُّعًا لم تقم مقامَ فريضةٍ واحدةٍ. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: والّذي أراه -وهو الأوْلَى بنا والأقوى في النَّظَر وفي أدلتنا- أنّ الرّجُلَ إذا عَزُبَت نِيَّتُه مغلوبًا، إنّ صلاته كلّها مقبولة؛ لأنّ الله قد رَفَعَ الحَرَج عنَّا. وإنّما بقيت هاهنا نكتةٌ أصولية ننبِّهكم عليها حتّى تكونوا من أهلها إنّ شاء الله: وهو عُزُوبُ النِّيَّه إنّ كان بأمر حَضَرَ في الصَّلاة وبسببٍ عارِضٍ، فالمسألة (٣) كما ذكرنا من غيرِ شَكٍّ، فإذا كانت بأسبابِ متقدّمةٍ قد لزمت العبد من الانهماك في الدُّنيا والتَعلُّق بعلائقها الزائدة، والتَشَبُّث بفصولها الّتي تسعى عنها، فيقوى هاهنا ترك الاعتذار بالصَّلاة؛ لأنّ ذلك من قِبَلِهِ، وسبَبُهُ وقع باختياره، ألَّا ترى أنّ النَّبيّ ﷺ لمّا ألْهَتْهُ الخَمِيصَة عن لحظةٍ في الصَّلاةِ ونَظَرَ إلى عَلَمِها كيف أخرَجَها من بَيْتِهِ (٤)، وأسقط المنفعة أصلًا حتّى لا يتعلّق بها خاطرٌ، فكان الّذي أصابه في الصَّلاة من الاقبال على الأعلام بحُكمِ التَّبْرِئَةِ، وكان إخراجها عن مُلْكِهِ حتّى تسلم عبادته مرتبة النُّبُوَّة، وقد روى أبو داود (٥)؛ أنّه قال: "اذهبوا بهذه الخَمِيصَة إلى أبي جَهْمٍ، وَأْتُوني بكُرْدِيّة" قالوا: يا رسول الله، الخميصةُ كانت خيرًا من الكُرْدِيّ. فاختار رسول الله ﷺ الخيرَ من جهةِ العبادة على الخيرِ من جهَةِ المالية. تتميم: قال: ومن الغريب ما رَوَى بعض المُتَوَسِّمِينَ بطلب العلم؛ أنّه كان يقول في معنى الحديث: "أُكْمِلَتْ له من تَطَوُّعِهِ" إنّما أراد أنّ تكمل له المكتوبة من السَّهْوِ الّذي

стр. 1195

يدخل عليه فيها، إذ لا يصلحُ ولا يصحُّ أنّ تكون ألف ركعة من التَّطَوُّعُ تقومُ مقامَ صلاةٍ واحدةٍ مفروضةٍ بوَجْهٍ ولا على حالٍ. وهذا ضعيفٌ لا خفاءَ فيه، والصّحيحُ ما قدّمناهُ، واللهُ أعلمُ. حديث مالك (١)، عن هاشم بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّها قالت: كانَ أَحَبُّ العَمَلِ إلى رسول الله ﷺ الّذي يَدُومُ (٢) عليه صاحِبُهُ. قال الشّيخ: وهذا حديثٌ مرويٌ من طُرُقٍ كثيرةٍ صِحَاحٍ، في بعضها "أَحَبُّ العَمَلِ ما دَاوَمَ عليه صاحِبُهُ وإنْ قَلَّ" (٣). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي أربعٌ: الفائدة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): المداومةُ على ضربين: أحد هما: بالنّيّة. والثّاني: بتكرَارِ العمل على الإتيان به مَتَى ما أَمْكَنَ. وأمّا تَكْرَارُ العملِ، فهو أنّ تكون له نافلة صومٍ أو صلاةٍ أو صَدَقَةٍ فيداومها، فتكون (٦) هذه النّافلة أحبّ الأعمال إليه. فإن قَلَّت فتراها (٧) أفضل من كثير النّافلة الّذي لا يداومها. ويحتمل أنّ يكون ذلك لمعنيين: أحدهما: أنَّ يَسِيرَ العملِ الّذي يُدَاوِم صاحبُهُ عليه، يكون منه في جميع العمر أكثر من الكثير الّذي يفعل (٨).
следующие страницы →