← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

هذه الخطبة في كلِّ عشيّة خميس لا يَدَعُها، وذكر أنّ النَّبيَّ ﷺ كان يخطبُ بها: "إنَّ أَحْسَنَ الحديث كتاب الله، وأَوْثَقَ العُرَى كلمة التَّقوَى، وخَيرَ المِلَلِ ملَّةَ إبراهيم ﵇، وخَيْرَ السُّنَنِ سُنَّةَ محمّد ﷺ ، وأشرفَ الحديثِ ذكر الله ، وأحسنَ القصصِ هذا القرآن، وخيرَ الأمورِ عزائمها (١)، وشرّ الأمور مُحْدَثاتُها، وأحسنَ الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل (٢) الشّهداء، وأَغْوَى الضَّلالة الضلالة بعد الهُدَى، وخير العمل ما نَفَعَ، وخير الهُدَى ما اتُّبعَ، وشر العَمَى عَمَى القلب. واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفْلَى، وما قلَّ وكَفَى خيرٌ ممّا كثر وأَلْهَى، ونَفْسٌ تُنْجِيها (٣) خيرٌ من إمارةٍ لا تُحْصِيها، وشرّ المعاذِيرِ حينَ يحضرُ الموتُ، وشرّ النَّدامَةِ نَدَامَةُ يوم القيامة (٤). ومن النَّاس من لا يأتي الجمعة إلَّا دُبرًا، ولا يذكر الله إلَّا هجرًا. وأعظم الخطايا اللِّسان الكذوبُ، وخير الغنى غِنَى النَّفْس، وخير الزَّادِ التَّقوَى، ورأس الحكمة (٥) مخافة الله، وخير ما أُلقِيَ في القَلْب اليقينُ، والنَّوْح من عمل الجاهليّة، والشِّعر مَزَاميرُ (٦) الشّيطان، أو قال إبليس. والخمر جِمَاعُ الآثامِ، والنِّساء حِبَالات (٧) الشّيطان، والشّباب شُعْبَة من الجنون، وشرّ المكاسب كسب الرِّبا، وشرّ المآكِلِ أكل أموال اليتامَى. والسّعيد من وُعِظَ بغيره، والشَّقِيّ من شقي في بَطنِ أُمِّه، وإنّما يكفي أحدكم ما يغيثُ به (٨) نفسَهُ، وإنمّا يصير إلى موضع أربعة أَذْرعُ، ومِلَاك العمل خواتمه، وشرّ الرِّوايا رِوَايا الكلذب، وكلّ ما هو آتٍ قريبٌ، وسِبَابُ المؤمنِ فِسْقٌ، وقتاله كُفْرٌ، وأكلُ لحمه معصية، وحُرْمة مَالِهِ كحُرْمة دَمِهِ. مَنْ تَأَلَّى على الله يُكَذِّبُه، ومن يَغْفِر يغفر الله له، ومَنْ يَعْفُ يعفُ اللهُ عنه، ومَن يَكْظِمُ الغيظ يأجره الله، ومن يصبِر على الرَّزَايَا يُعقِبه الله (٩)، ومن يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرفه ينكره (١٠)، ومنْ يبتغ السُّمْعَةَ يُسَمِّع الله به، ومَنْ يستكبر يضعه الله، ومَنْ يتولَّى الدُّنيا يعجز عنه، ومَنْ

стр. 1192

يُطعِ الشّيطانَ يعص الله، ومَن يعصِ الله يعذِّبه" (١). مَنَحَنَا اللهُ وإياكم من معرفته ما يقطَعُنا به إليه شُغلًا عن جميع خَلْقِهِ، حتَّى نَسْلُوا به (٢) عن كلّ محبوبٍ سِوَاهُ، برحمته إنّه عَلَّامُ الغُيُوبِ. قال الامامُ: فلأجل هذا قال ابقُ مسعود في حديثه: "يُطِيلُونَ الخُطْبَةَ ويَقصُرُونَ الصَّلاة" كأنّه عَابَ ذلك عليهم، لمّا كان حَفِظَ ذلك من النّبيِّ ﷺ هذه الخُطْبَة وشِبْهها، واللهُ أعلمُ. حديث مالكٌ (٣)، عن يحيى بن سعيد؛ أنّه قال: بَلَغَنِي أنَ أَوَّلَ ما يُنْظَرُ فيه مِنْ عملِ العَبْدِ الصّلاة الحديث. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٤): "هذا الحديثُ عند مالكٍ بَلاَغٌ، ويُرْوَى من وُجوهٍ صِحَاحٍ من حديث تميم الدّاري (٥)، ومن حديث أبي هريرة، قال: إذا أتيتَ أهلَكَ فأَخَبِرْهُم أنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: أَوَّلُ ما يُحَاسَبُ به العبدُ المسلمُ الصَّلاةُ المكتوبةُ، فإنْ أتَّمَهَا، وإلَّا قيلَ: انظروا هل له من تَطَوُّعٍ، فإن كانَ له تطوُّعٌ أُكْمِلَتِ الفريضةُ من تَطَوُّعِهِ، ثم يفعلُ بسائر الأعمال المفروضةِ مثلُ ذلك" (٦). ومن حديث أبي هريرة الصّحيح الثّابت؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أوَّلُ ما يحاسَبُ به العبدُ يوم القيامة الصَّلاة، فإن صَلُحَت فَقَد أَفْلَحَ، وإن فَسَدَتْ فَقَد خَابَ وَخَسِرَ" (٧).

стр. 1193

الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وفيه خمس فوائد: الفائدة الأولى: اختلف النّاس في هذا النقصان وفي هذا التكميل على ثلاثة أقوال (١): ١ - أحدها: أنّ معناه من سَهَا عن فَرْضِهِ ونَسِيَهُ ولم يذكره فلم يأت به (٢)، فهذا لا تُكْمل (٣) له فريضة من تَطَوُّع أبدًا -والله أعلم- هذا إنّ كان عامِدًا، أمّا النّاسي، فأرجو له الكمال من تَطَوُّعِهِ؛ لأنَّ تركَ الصَّلاةِ عَمْدًا هو من باب الكبائر، فلا يُكفِّرها إلَّا الإتيانُ بها لمَن كان قادِرًا عليها، هي تَوْبَتُهُ لا يجزئه غير ذلك. الفائدة الثّانية (٤): قولى: "أوَّلُ ما يُنْظَرُ فيه من عَمَلِ العبدِ الصَّلاَةُ" قال علماؤنا (٥): هذا يقتضي تأكيدها؛ لأنّه بدأ بالنَّظَر فيها لمرتبتها (٦)، ومن هذا قول عمر المتقدِّم: "إنّ أهمَّ أُمُورِكُمْ عندي الصَّلاة" (٧). الفائدة الثّالثة (٨): قوله: "فَإنْ قُبِلَتْ " فمعنى القَبُول هاهنا - واللهُ أعلمُ- أنْ توجدَ تَامَّة على ما يلزمه منها لزوم فَرْضٍ، فإذا وُجِدَتْ كذلك، قُبِلَتْ ونُظِرَ في سائر أعماله. قال الشّيخ أبو عمر (٩): "وآثارُ هذا الباب تَعضُدُ هذا التّأويل، لا يصحُّ غيره على

стр. 1194

الأصول الصِّحاحِ، واللهُ أعلمُ". الفائدةُ الرّابعة: اختلفَ العلماءُ في قوله (١): "أُكْمِلَت لَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ". فمنهم من قال: إنْ تَرَكَ العصرَ مثلًا وصلّى أربع ركعات مُتنفِّلًا جبرت بها. وقالتِ الصُّوفية وأرباب القلوب: لا يرفع الجديد بالحذف (٢)؛ لأنّه لو صلَّى مدّة ركعة تَطَوُّعًا لم تقم مقامَ فريضةٍ واحدةٍ. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: والّذي أراه -وهو الأوْلَى بنا والأقوى في النَّظَر وفي أدلتنا- أنّ الرّجُلَ إذا عَزُبَت نِيَّتُه مغلوبًا، إنّ صلاته كلّها مقبولة؛ لأنّ الله قد رَفَعَ الحَرَج عنَّا. وإنّما بقيت هاهنا نكتةٌ أصولية ننبِّهكم عليها حتّى تكونوا من أهلها إنّ شاء الله: وهو عُزُوبُ النِّيَّه إنّ كان بأمر حَضَرَ في الصَّلاة وبسببٍ عارِضٍ، فالمسألة (٣) كما ذكرنا من غيرِ شَكٍّ، فإذا كانت بأسبابِ متقدّمةٍ قد لزمت العبد من الانهماك في الدُّنيا والتَعلُّق بعلائقها الزائدة، والتَشَبُّث بفصولها الّتي تسعى عنها، فيقوى هاهنا ترك الاعتذار بالصَّلاة؛ لأنّ ذلك من قِبَلِهِ، وسبَبُهُ وقع باختياره، ألَّا ترى أنّ النَّبيّ ﷺ لمّا ألْهَتْهُ الخَمِيصَة عن لحظةٍ في الصَّلاةِ ونَظَرَ إلى عَلَمِها كيف أخرَجَها من بَيْتِهِ (٤)، وأسقط المنفعة أصلًا حتّى لا يتعلّق بها خاطرٌ، فكان الّذي أصابه في الصَّلاة من الاقبال على الأعلام بحُكمِ التَّبْرِئَةِ، وكان إخراجها عن مُلْكِهِ حتّى تسلم عبادته مرتبة النُّبُوَّة، وقد روى أبو داود (٥)؛ أنّه قال: "اذهبوا بهذه الخَمِيصَة إلى أبي جَهْمٍ، وَأْتُوني بكُرْدِيّة" قالوا: يا رسول الله، الخميصةُ كانت خيرًا من الكُرْدِيّ. فاختار رسول الله ﷺ الخيرَ من جهةِ العبادة على الخيرِ من جهَةِ المالية. تتميم: قال: ومن الغريب ما رَوَى بعض المُتَوَسِّمِينَ بطلب العلم؛ أنّه كان يقول في معنى الحديث: "أُكْمِلَتْ له من تَطَوُّعِهِ" إنّما أراد أنّ تكمل له المكتوبة من السَّهْوِ الّذي

стр. 1195

يدخل عليه فيها، إذ لا يصلحُ ولا يصحُّ أنّ تكون ألف ركعة من التَّطَوُّعُ تقومُ مقامَ صلاةٍ واحدةٍ مفروضةٍ بوَجْهٍ ولا على حالٍ. وهذا ضعيفٌ لا خفاءَ فيه، والصّحيحُ ما قدّمناهُ، واللهُ أعلمُ. حديث مالك (١)، عن هاشم بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّها قالت: كانَ أَحَبُّ العَمَلِ إلى رسول الله ﷺ الّذي يَدُومُ (٢) عليه صاحِبُهُ. قال الشّيخ: وهذا حديثٌ مرويٌ من طُرُقٍ كثيرةٍ صِحَاحٍ، في بعضها "أَحَبُّ العَمَلِ ما دَاوَمَ عليه صاحِبُهُ وإنْ قَلَّ" (٣). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي أربعٌ: الفائدة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): المداومةُ على ضربين: أحد هما: بالنّيّة. والثّاني: بتكرَارِ العمل على الإتيان به مَتَى ما أَمْكَنَ. وأمّا تَكْرَارُ العملِ، فهو أنّ تكون له نافلة صومٍ أو صلاةٍ أو صَدَقَةٍ فيداومها، فتكون (٦) هذه النّافلة أحبّ الأعمال إليه. فإن قَلَّت فتراها (٧) أفضل من كثير النّافلة الّذي لا يداومها. ويحتمل أنّ يكون ذلك لمعنيين: أحدهما: أنَّ يَسِيرَ العملِ الّذي يُدَاوِم صاحبُهُ عليه، يكون منه في جميع العمر أكثر من الكثير الّذي يفعل (٨).

стр. 1196

الفائدة الثّانية (١): قال علماؤنا (٢): العزمُ على العمل الصّالح ممّا يُثَابُ عليه. والثّاني: أنّ العملَ الّذي يداومُ عليه هو المشروعُ، وأمّا ما توغّلَ فيه بعنفٍ ثمّ قطعَ (٣)، فإنه غير مشروعٍ. الفائدة الثّالثة: قال الشّيخ أبو عمر (٤): "معنى هذا الحديثِ مفهومٌ؛ لأنّ العملَ الدّائمَ يتَّصِلُ أَجْرُهُ وحَسَنَاتُه، وما انقطعَ منَ العملِ انقطعَ أَجْرُهُ". الفائدة الرّابعة (٥): فيه من الفقه دليلٌ على أنّ اللهَ يحبُّ الرِّفْقَ في الأمور كلِّها ويرضَاهُ، ولا يَرْضَى العُنْفَ، وقد مَضَى القولُ على معنى هذا الحديث في حديث الحَوْلاَء بنت تُوَيْتٍ في باب صلاة اللّيل، فليُنْظر هناك. حديث مالكٌ (٦)؛ أنّه بَلَغَهُ عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه؛ قال: كانَ رَجُلاَنِ أَخَوَانِ، فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا قبلَ أنّ يَهْلَكَ الآخَر بأربعينَ لَيْلَةً، فَذُكِرَتْ فَضِيلَةُ الأوَّلِ عند رسول الله ﷺ ، فقال: "ألم يَكُنِ الآخَرُ مُسْلِمًا"؟ قالوا: بلى يا رسولَ، وكان لا بأس به. فقال رسولُ الله ﷺ : "وما يُدْرِيكم اْين (٧) بَلَغَت به صَلاَتهُ؟ إنَّما مَثَلُ الصَّلاةِ كمَثَلِ نَهْرٍ عَذبٍ غَمْرٍ بِبَابٍ أَحَدِكُمْ، يَقتحِمُ فيه كلَّ يومٍ خَمْسَ- مَرَّاتٍ، أتَرَوْنَ ذلك يُبْقِي مِنْ دَررَنِهِ؟ فإنّكم لا تَدْرُونَ ما بَلَغَتْ به صَلاَتُهُ". الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٨): "قصّةُ الأَخَوَين لا يعلمها أهل العلم بالحديث من

стр. 1197

حديث ابن أبي وقّاص. قال البَزَّارُ: لا نعرفُ قصّضةَ الأَخَوَين من حديث سعد بوَجْهٍ من الوجوه (١). قال الإمام (٢): قال البزَّارُ هذا الكلام؛ لأنّه لا يعرف حديث ابن وهب، عن مَخرَمَة بن بُكَيْر، عن أبيه، عن عامر بن سعد عن أبيه (٣). كذلك رواه ابن وهب بهذا الإسناد مثل حديث مالكٌ سواء. وقد يمكن أنّ يكون مالكًا أخَذَهُ من كُتُبِ بُكَيْر، أو خبَّرَهُ به ابنه مَخْرَمَة عنه. وهو مع ذلك حديثٌ انْفَرَدَ به ابن وهب ولم يروه بهذا الإسناد غيره. قال الإمام (٤): وإنّما يُحْفَظُ حديث الأَخَوَيْنِ من حديث طَلْحَة بن عُبَيْدِ الله (٥)، ومن حديث أبي هريرة (٦)، ومن حديث عُبَيْدِ بن خالد صاحب رسول الله ﷺ (٧)، إلّا أنّ حديث ابن وهب، عن مَخرَمَة، عن أبيه، عن عامر بن سعد عن أبيه، أقوى من بعض الأسانيد عن هؤلاء". الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي ستّ فوائد: الفائدة الأولى (٨): قوله: "فَذُكِرَتْ فَضِيلَةُ الأوَّلِ" قال علماؤنا (٩): فيه دليلٌ على جواز الثَنَّاءِ على الميِّتِ بما فيه من الخير، وقد رُوِيَ من طريق صحيحٍ عن أنس ابن مالكٌ؛ أنّه مُرَّ بجنازةٍ فأَثْنَوْا عليها خَيْرًا، فقال رسول الله ﷺ : "وَجَبَتْ" ثمّ مُرَّ بأُخْرَى فأَثْنَوا عليها شَرًّا، فقال: "وَجَبَتْ" فقال عمر: وما وجَبت يا رسول الله؟ فقال: "هذا أثنيتم عليه خَيْرًا فَوَجَبَتْ له

стр. 1198

الجَنَّةُ، وهذا أَثنَيْتُمْ عليه شَرًّا فَوَجَبَت له النارُ، أنتم شُهَدَاءُ اللهِ في الأرضِ" (١). قال الإمام: وإنّما يجوزُ الثّناءُ عليه بفِعْلِهِ، ولا يخبر عمّا يصير إليه فإنّه مغيبٌ عنّا، وكذلك (٢) رُوِيَ عن أُمِّ العلاء أنّها قالت لعثمان بن مَظْعُون: رحمةُ الله عليكَ يا أبا السّائِب فشهادتي عليك لقد أَكرمكَ اللهُ، فقال رسول الله ﷺ : "وما يُدْرِيكِ أنَّ اللهَ أَكرَمَهُ" (٣). قال الإمام (٤): هذا للميِّت، وأمّا الحيّ، فإنْ كان ممّا يخافُ عليه الفتنة بِذِكْرِ ما فيه من المحاسن، فهو ممنوعٌ (٥)، لما رُوِيَ أنّ النّبى ﷺ قال لعمر ابن الخطّاب: "والَّذي نَفْسِي بِيَدِه مَا لَقِيَكَ الشَّيطَانُ سَالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَهُ" (٦). الفائدة الثّانية (٧): قوله ﵇: "ألَمْ يَكُنِ الآخرُ مُسْلِمًا" فانّه يحتمل أنّ يكون على معنى الاستفهام؛ لأنّه لم يعرف حاله، ويحتمل أنّ يكون على معنى التّقرِيرِ. وقولُه: "لاَ بَأْسَ بِهِ" هذا اللّفظ يستعمل في التّخَاطُبِ لما يقرُبُ معناه، ولا ترادُ (٨) المبالغة في تفضيله. الفائدة الثّالثة: قوله: "إنَّمَا مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ" (٩) قال الشّيخ أبو عمر (١٠): "هو حديثٌ

стр. 1199

متَّصِلٌ محفوظٌ من حديث أبي هريرة (١)، وجابر بن عبد الله (٢)، وأبي سعيدٍ (٣)، مِن طُرُقٍ صِحَاحٍ، ويُرْوَى: "مَثلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ" (٤). ففيه من الفقه: أنّ الصَّلوات الخمس تُرْفَعُ بها الدّرجاتُ وتُمحَى بها السيِّئاتُ" (٥). هذا إذا كانت على الكم الّذي إِتمَامِ الرُّكوع والسّجود، واستكمال الطّهارة. وأمّا إنّ كانت في جماعة، فهو أفضل وأكمل. قال سَهْل بن عبد الله التُّسْتَرِيّ: مَنْ صلَّى الصّلوات الخمس في جماعةٍ دَخَلَت عليه العبادة من غيرِ أنّ يدعيها. الفائدةُ الرّابعة (٦): قوله ﷺ : "كَمَثلِ نَهْرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ" قال علماؤنا (٧): وإنّما خصَّ العَذْبَ لأنّه أبلغ في الانقاءِ والنَّهْرُ الغَمْرُ هو الكثيرُ الماءِ. وقال بعضُ الأَشياخِ (٨): هذا مَثلٌ ضرَبَهُ النَّبيّ ﷺ للمُصَلِّي يُخْبِرُ بأنَّ صلاتَه تكفِّرُ عنه سيِّأَتِهِ، فهو محمولٌ عندنا على اجتناب الكبائر. الفائدة الخامسة (٩): قوله: "بِبَابِ أَحَدِكُمْ" يريد بقُرْبِ موضعه منه، فإنه لا يتكلَّف فيه طول مسافة. "فَيقتَحِمُ فيه كلَّ يومٍ خَمسَ مرّاتٍ" يريد بذلك عدد الصّلوات، وهذا يدلُّ على نَفْيِ وُجُوبِ غيرها.

стр. 1200

الفائدة السّادسة (١): قولُه: "فَمَا تَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي مِن دَرنِهِ " الدَّرَنُ: الوَسَخُ. ومعنى ذلك التّقرير وإن كان بلفظ الاسْتِفْهام. وإذا كان هذا حكم الصّلاة، فإنّها (٢) لا تُبْقِي ذَنبًا إلّا كفَّرته، فما علمكم أينَ بلغت بالثّاني صلاته مدّة حياته بعد أخيه؟ حديث مالك (٣)، عن عَطَاء بن يَسَار، كان إذا مَرَّ عليه بعضُ مَنْ يَبِيعُ في المسجدِ، دَعَاهُ فسأَلَهُ مَا مَعَكَ؟ وما تريدُ؛ فإنْ أخبرَهُ أنّه يريدُ أنّ يبيعَ قال: عليك بسُوقِ الدُّنيا، فإنّما هذا سوقُ الآخرةِ. الإسناد: فهذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ (٤)، خرّجه الأيمّة: البخاريّ (٥)، والتّرمذيّ (٦) وغيرهما (٧)، ورواه أبو داود (٨) عن أبي هريرة حَسَنًا مثله، قال: إنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ سَمعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّة في المسجدِ فليقُل: لا رَدَّهَا اللهُ إليكَ؛ فإنَّ المساجدَ لم تُبْنَ لهذا". ومن غير طريق أبي داود، عن أبي هريرة؟ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "من رأيتم يبيع أو يبتاع في المسجدِ فقولوا: لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارتَكَ" (٩). وحديثُ مالكٍ في هذا الباب أحسن شيءٍ؛ لأنّ (١٠) عطاء بن يَسَار كان فاضلًا واعظًا من جُمْلَةِ أهل العلمِ، وَرَوَى عنه الثِّقات (١١).

стр. 1201

الفقه والفوائد في مسائل (١): المسألة الأولى (٢): اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من كرهه، ومنهم من رخَّصَ فيه. وقد أجمعَ العلماءُ على أنّ ما عُقِدَ من البَيْعِ في المسجد أنّه لا يجوز نَقْضُه، إلَّا أنَّ المسجد ينبغي أنّ يجتنب من جميع أمور الدُّنيا، ولذلك بَنَى عمر البطحاءَ خارج المسجدِ، وقال: منْ أرادَ أنّ يَلْغَطَ فَلْيَخْرُجْ إليها (٣)، فوَجبَ تنزيه المسجد عمّا لم يكن من أمورِ الله تعالى. وهذا مبنيٌ على قوله تعالى: ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية (٤)، وهي (٥) أعمال البرَّ كلها الزّكية (٦)، ولا عملَ أفضل من الصّلاة وانتظارها، ولزوم المساجد من أجلها. المسألة الثّانية: فيه من الفقه: حرمة المسجدِ، وأنّه إنّما وُضِعَ للعبادة كما قدّمناه، فلا يجوز فيه غير هذا. وفيه من الفقه (٧): أنّ ذلك الزّمان كان فيه من عَوَامِّ أَهْلِهِ مَنْ يبيعُ ويَشْتَرِي في المسجد، ولكنّه كان فيه من يُنْكِرُ ذلك، وكان عطاءُ منهم، ولا يزال النَّاسُ بخيرِ ما أنكروا المُنْكَرَ بينهم، فإن تَوَاطَؤُا عليه ولم بنكروه هَلَكُوا. وسيأتي بيانُه في موضعه - إنّ شاء الله- وصفة الاحتساب والمُحْتَسب عليه بأَبْدَع بيانٍ. المسألة الثّالثة (٨): أمّا التَّقَاضِي والمُلاَزَمَة في المسجد، فإنَّ البخاريَّ (٩) ذَكَرَ فيه عن كعب ابن مالك؛ أنّه كان يَتَقَاضَى من ابن أبي حَدْرَدٍ دَيْنًا كان له عليه في المسجد، فارتفعتْ

стр. 1202

أصواتُهُمَا حتَّى سَمِعَها رسولُ الله ﷺ وهو في بيته، فخَرَجَ إليهما حتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فنادى: "يا كَعْبُ " قال: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله، قال: "ضَعْ مِنْ دَيْنكَ هذا" (١)، وأَوْمَأَ إليه، أي الشَّطْرَ. قال: قد فعلتُ يا رسولَ الله، قال: "قُمْ فَاقضِهِ". الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي ستّ فوائد (٢): الفائدةُ الأولى: فيه من الفقه: المُخَاطَبةُ (٣) في المسجدِ في الحقوقِ والمطالبة بالدّيون، وقال مالكٌ: لا بَأْسَ أنّ يقضي الرَّجلُ الرّجلَ فيه دَيْنًا (٤). فأمّا بمعنى التِّجارة والصَّرْف فيه، فلا أُحبُّه (٥). الفائدةُ الثّانية: فيه من الفقه: الحضُّ على الوضع عن المُعْسِرِ. الفائدةُ الثّالثة: فيه: القضاءُ بالصُّلح (٦) إذا رآه السّلطان صَلاحًا، ولم يشاوِر الموضوع عنه إنّ كان يقبل الوضعيّة (٧) أم لا؟ الفائدةُ الرّابعة: فيه: الحُكمُ عليه بالصّلح (٦) إذا كان فيه رُشْدٌ وصَلَاحٌ، لقوله: "قُمْ فَاقْضِهِ". الفائدةُ الخامسة: فيه: الملازمةُ في الاقتضاء.

стр. 1203

الفائدةُ السادسة: فيه: إنكارُ رفعِ الصَّوتِ في المسجد بغير القراءة، إلَّا أنّه ﵇ لم يعنفهما على ذلك، لما كان منهما ما لابدّ لهما منه. تركيب (١): قال مالك في السؤال الّذين يسألون النّاس في المسجد: أرى أنّ ينهوا عن ذلك. مسألة (٢): وأمّا الكتابة في المسجد، ففي "المجموعة" عن مالكٌ (٣) في ذِكْر الحقِّ يُكْتَبُ في المسجدِ، قال: أمّا الشّيءُ الخفيفُ فَنَعَم، وأمّا ما يَطُولُ فلا احبُّه، ولم أَرَ به بَأْسًا في كُتَّابِ المُصْحَفِ في المسجد. وقد كره سحنون تعليم الصِّبيان في المسجد، وإنّما كره ذلك لقلّة تَوَقِّيهِمْ. وأمّا الرَّجُل المُتَوَفِّي والذي يصونُ المسجدَ ويكتبُ المُصْحَفَ، فظاهره الجواز وإن كان منعه سحنون؛ لأنّه عملٌ ظاهرٌ على صورة الصَّنائِع (٤)، فيلزم على هذا منع كتابة المصحف فيه (٥). قال الإمام (٦): والذي عندي جواز كتابة المُصْحَف فيه وغير ذلك من العلم النّافع للآخرة، واللهُ أعلمُ. مسألة (٧): وأمّا الخياطة وغيرها من الأعمال الظاهرة الّتي لا تتعلَّق بالقُرَبِ، فقد قال

стр. 1204

سحنون: لا يجلس فيه للخياطة، ويلزم أنّ تكون سائر الأعمال الّتي تُشْبِه الخياطة على ذلك. مسألة (١): وأمّا الأكل في المسجد، ففي "المبسوط": كان (٢) مالك يكره أكل الأطعمة (٣) مثل اللّحم ونحوه في المسجد. زادَ ابنُ القاسم في"العُتْبِيّة" (٤): أو رحابه. وأمّا الصّائمُ يأتيه من داره السَّوِيق ونحوه، فقال ابنُ القاسم (٥): الطّعام الخَفيفُ لابَأْس به. وروى ابن نافع في "المجموعة" في القوم يفطرون في المسجد على كَعْك وتَمْرٍ منزوع النَّوَى، ثم يخرجون ويتمضمضون، قال: أرجو أنّ يكونَ خفيفًا. وقال ابنُ القاسم في "العُتْبِيّة" (٦): وأرخصَ للبعيد الدَّارِ أنّ يأتيه فيه طعام (٧). وقال ابن زياد عن مالكٌ: والمعتكِفُ والمضطرّ (٨) والمجتازُ. قال ابن القاسم (٩): وكذلك المساجد تُتَخَّذُ في القُرَى للأضيَافِ يبيتُونَ ويأكلون فيها. فاتّفقت أقوالهم على المنع على وجه الإكثار وإحضار الكثير من الطّعام، والغِنَى عن (١٠) ذلك، ويجوز (١١) في الشَّيءِ اليسير كشرب الماء والسَّوِيقِ بغير عُذرٍ، وتجويزه في المتوسِّط مع الحاجة إلى ذلك، وكره (١٢) مع عدم الحاجة. مسألة (١٣):

стр. 1205

وأمّا المبيت في المسجد، فجوَّزَ مالكٌ للغُرَبَاء دون الحاضر، قال ابنُ القاسم في "العُتْبِيَّة" (١): لا بأس بذلك للحاضِرِ الضَّيف (٢) دون من له منزل. وجوّز مالكٌ التَّعزير في المسجد الأسواط اليسيرة، دون ما كثر من الضَّرْبِ وإقامة الحدود، واللهُ أعلمُ. مسألة (٣): وأمّا الجلوسُ في المسجد لما لا لَغْوَ فيه من إلحديث مِنْ غير رَفْعِ الصَّوت، فلا بأس به. قال مالكٌ في "العُتْبيّة" (٤): وقد كان عمر يجلس في المسجد ويجلس إليه رجالٌ، فيحدِّثهم عن الأخبارَ، ويحدّثونه بالأحاديث، ولا يقولون كيف تقول، كما يصنع أهل الزّمان هذا. وإنّما (٥) منعَ الكلامُ في مساجدنا اليوم من أجلِ أنّ يَقَعَ في النّاس، واللهُ أعلمُ. حديث مالك (٦)؟ أنَّه بَلَغَهُ أنّ عمر بَنَى رَحْبَةً في المسجدِ (٧) تُسَمَّى البُطَيْحَاءَ، وقال: من كان يريدُ أنّ يَلْغَطَ، وينْشدَ شِعْرًا، فَلْيَخرُجْ إلى هذه الرَّحْبَةِ. الإسناد (٨): قال الإمام: وهذا الخبر عند القَعْنَبِىّ (٩) ومُطَرِّف وأبي (١٠) مصعب (١١)، عن مالكٌ، عن أبي النَّضر، عن سالم بن عبد الله؛ أنّ عمر بن الخطّاب بَنَى رَحْبَةً تُسَمَّى البُطَيْحَاء، ورواهُ (١٢) طائفةٌ كما رواه يحيى.

стр. 1206

وقد عارضَ بعضُ التاسِ هذا الخبر بحديثِ أبى هريرة؛ أنّ حسّان كان لما أَنْكَرَ عليه عمر إنشاده الشِّعْرَ في المسجد، قال: قد كنتُ أُنْشِدُ فيه وفيه مَنْ هُوَ خيرٌ منكَ، فسكتَ عمرُ (١). ووقع في البخاريّ (٢) عن أبي سَلَمَةَ؛ أنّه سَمعَ حسَّانَ بنَ ثَابِتِ يَسْتشَهِدُ أبَا هُريرةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، هل سَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عن رسول الله، اللَّهُمَّ أَيّدْهُ بِرُوح القُدُسِ " قال أبو هريرة: نَعَمْ. قال الإمام (٣): ليس في حديث هذا الباب أنّ حسّان أنشدَ شِعْرًا في المسجد بحَضْرَةِ النّبيّ ﷺ ، والظَّاهرُ أنّه كان ذلك في المسجدِ وأنّه أنشدَ فيه ما جاوبَ به المشِركينَ. الفقه في ثلاث مسائل (٤): المسألة الأرلى: اختلف العلماء في إنشادِ الشِّعْر في المسجد، فاجازه طائفة إذا كان الشِّعْرُ ممّا لا بأس به (٥)، وإذا كان فيه حِكْمَة، أو فيه ذِكر فخر النَّبيِّ (٦) والصّحابة، فذلك جائزٌ لا خلافَ فيه؛ لأنّ الشِّعْرَ إنّما هو كلامٌ موزونٌ، فَحَسَنُهُ حَسَنٌ، وقبيحُه قبيحٌ. أمّا الحَسَنُ فجائزٌ لما قدمناه، ولما رَوَى عبد الملك بن حبيب، قال: رأيتُ ابن الماجِشُون ومحمد بن سلام يُنْشِدَانِ فيه الشِّعْرَ ويَذْكُران أيّام العَرَب. المسألة الثّانية: وأمّا ما كان قبيحًا ممّا لا حِكْمَةَ فيه ولا عِلْمَ، فينبغي أنّ يُنَزَّهَ المسجدُ عن

стр. 1207

إنشادِهِ فيه. وأمّا الّذين منعوا ذلك ولم يُجَوِّزُوهُ، فاحتجُّوا بحديث رواه اللَّيث، عن ابنِ عَجلاَنَ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدَّه؛ أنَ النّبيّ صلّى الله عليه كره (١) إنشاد الشِّعْر في المسجد، وأن يُبَاعَ فيه أو يشترَى. ذكره أبو داود (٢) وغيره (٣). وحُجَّةُ أهل المقالةِ الأُولى أقوى لما روى البخاريّ وغيره بالجواز في ذلك (٤). باب جامع التّرغيب في الصّلاة مالك (٥)، عن عَمِّهِ أبي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عن أَبِيهِ؛ أنَّهُ سَمْعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله، يقولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى- رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهلِ نَجْدٍ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ (٦) مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنٍ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ في الْيَوْم وَاللَّيْلَةِ". قَالَ: هَل عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: "لَا إِلَّا أنّ تَطَّوَّعَ". قَالَ: * "وصيامُ شهر رمضانَ" قال: هل علىَّ غَيْرُهُ؟ قال: "لا" إلا أنّ تَطَّوَّعَ" قال* (٧): وَذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَل عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وهُوَ تقُولُ: وَاللهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِن صَدَقَ". التّرجمة: قال الإمام ابن العربي: انظروا إلى فقه مالكٌ ﵀ إنه ذَكَرَ "جَامِعَ التَّرغِيبِ" فإنَّه أراد بهذا الصّلاة وغيرها، ولم يذكر فيه إلَّا الصّلاة لما ذكر "جامع التَّرغيب " وإنَّما ذكره لقوله: هَل عَلَيَّ غَيرَهُنَّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: "لَا إِلَّا أنّ تَطَّوَّعَ" فأراد أنّ

стр. 1208

يُبَيِّنَ أنّ فيه دليلًا على أنّ النّافلة تلزم بالشُّروع فيها، وحَعَلَهُ استثناءً من الجِنْس، وجعلَهُ الشّافعيّ استثناءً منقطعًا. الإسناد: قال الإمام: هذا الحديثُ صحيح مُتَّفَقٌ عليه، خرّجه الأيمّة، أمّا البخاريّ فخرّجه في خمسة (١) مواضع: في الإيمان (٢)، والصّوم (٣)، والحجّ (٤)، والشّهادات (٥). وروي هذا الحديث عن مالكٌ وإسماعيل بن جعفر المدَنىّ، عن أبي سُهَيْل نفسه -وهو عمّ مالكٌ بن أنس- فزادَ فيه: " أَفلَحَ وَأَبيهِ إِنْ صَدَقَ" (٦). وقد رُوِيَ في نُسخَةٍ مشرقيَّةٍ بثَغْرِ الإسكندريّة: "أَفْلَحَ وَاللهِ إنّ صَدَقَ" وكلمة "وَأَبِيهِ" تقربُ أنّ تُصَحَّف بقوله "وَاللهِ" لأنّ جميع الرُّواة في الصّحيح اتفقوا على قوله: "وَأَبيهِ" والله أعلمُ. ورُوِيَ أيضًا عن مالكٌ؟ أنّه كان على ناقةٍ فأنَاخَها، ونهضَ النَّبيُّ- ﷺ وكان كلامُه مِن بعد، ومن ذلك في الّذي الحديث: "وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ" لبُعْدِه، والله أعلمُ. وفي بعض طُرُقِهِ: "لَا نَفْقَهُ" و"لا يُفْقَه" بالياء والنون، قُيِّدَ فيه. وليس لطلحة بن عُبَيْدِ الله (٧) في "الموطَّأ" غير هذا الحديث. ولم تكن (٨) فريضة الحجِّ قد نزلت (٩) في ذلك الوقت؛ لأنّ الإسلام بُنِيَ على خمس، كما في الحديث (١٠).

стр. 1209

ورُوِيَ عن أبي طَلْحَة؛ أنّ أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ الحديث (١). قال الشّيخ أبو عمر (٢): " هذا الأعرابيُّ النَّجْدِيُّ هو ضِمَام بن ثَعْلَبَة السَّعْدِيّ، من بني سَعْد بن بَكْر، روى حديثه ابن عبّاس (٣)، وأبو هريرة (٤)، أكمل من حديث طَلْحَة هذا، وفيه (٥) ذِكْر شرائع الإسلام، وشرائع الإسلام فيها الحجّ لا شكَّ فيه". العربية: وفيه ستّة ألفاظٍ: الأوّل: قوله: "ثَائِرُ الرَّأسِ" يريد: منتفش الشَّعر مرتفعه؛ لأنّه لم يسرِّحه بمشطٍ ولا دَهَنَهُ بدهنٍ. الثّاني: "الفقه" و"اللهم" و"العلم" ألفاظٌ متقاربةٌ، والفقهُ والفهمُ أخوان، كما أنّ العلم والمعرفة جاران، يقال: فَقِه يفقه بكسر القاف إذا فهم، وبضمِّها إذا صار فقيهًا، وهو الثّالث. الرّابع: قوله: "في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" اختلفَ العلماءُ فيه: فمنهم من قال: إنّ اليوم عبارة عن اللَّيل والنَّهارِ. ومنهم من قال: اليومُ عبارة في الصّوم عما بين طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، والنّهارُ عبارة عمّا تصحب (٦) الشّمس من الزَّوال، والبحثُ عنه في اللُّغة قليل الجَدْوَى، فأمّا الشّريعة فقد استقرّت على أنّ اليوم عبارة في الصّوم عمّا بين طُلوع الفجر إلى غروب الشّمس، وما وراء ذلك لا يتعلّق به حُكم، إلَّا في باب اليمين، لو حلفَ ألَّا يأكل هذا اليوم كذا أو يوم كذا، أو لا يدخل داره يوم كذا أو يوم كذا، فإن كانت له نيّة فله ما نَوَى، وإن لم تكن له نيّة وكان بينهم عرف أو بساط حُمِلَ عليه، فإن عُدِمَ ذلك حُمِلَ على عُرْفِ الشَّرْعِ في الصَّوم. وقد تطلق العرب اليوم (٧) على النّهار واللّيل معًا، وقد تطلق اللّيل على النهار

стр. 1210

واللّيل معًا، فتقول: سرتُ ثلاثين ليلة، تريد بنهارها. وقال أنس: "صُمنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ خَمْسًا" (١) معناه: أيّامًا، والقولُ فيه طويلٌ، وهذا القَدْرُ فيه كافٍ للَّبِيبِ. الخامس: قوله: "إِلاَّ أنّ تَطَّوَّعَ" يريد: تتنفَّل من الطّاعة، والطّاعةُ متعلّق الأمر، وهذا يدلُّ على أنّ المندوب مأمور به، وهي مسألة أصوليّة بيانُها في موضعها. السّادس: قوله: "أَفْلَحَ" الفلاحُ عند العرب هو البقاء؛ لأنَّ الصّلاةَ لمّا كانت هي الّتي تُوَرِّثُ بقاءَ للأَبَدِ، سُمِّيت به من باب تسمية الشّيء باسم فائدته، وهو أحد قسمي المجاز الّذي لا ثالثَ لهما. الأصول. فيه ثلاث مسائل: المسألةُ الأولى: سكوتُ النّبيِّ ﷺ لهذا الأعرابىّ عن ذِكْرِ التّوحيد؛ لأنّه فهم منه قَبُوله والاعتقاد به (٢) حين سأله عن شرائعه، ولو كان ابتداء التّعليم (٣) لبَدَأَهُ بالمبادىء والأوائل كما فعل بغيره ﷺ . المسألةُ الثّانية: أراد بقوله ﷺ : "الإسْلَام" الدِّين ها هنا، وهي جُمْلَةُ الطّاعات الّتي شهِدَ الله ﵎ أنّها الدِّين. و"الإسلام" على قراءة من فتح الهمزة والّتي أخبر على قراءة من كسرها (٤)، وهو المراد بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٥) يعني: شرائع الإسلام على أحد الأقوال. المسألة الثّالثة: كان هذا الأعرابى قد عرف الصّلاةَ ولم يعرف الوُجُوب، وكذلك سائر الأركان الّتي ذكر له أو سمعها واعتقد وُجُوبها ولم يعلم الكيفيّة، فأرجا له النّبيُّ ﷺ بيان الكيفيّة إلى وقت الحاجة، فإذ حَلَّ لم يعدم معلِّمًا.

стр. 1211

وقال علماؤنا (١): "إنّما ذكر له النّبيّ ﷺ خمس صلوات لأنّها عُمْدَة الدِّين ولم يذكر الإيمان ولا إظهار الشّهادتين؛ لأنّ السائل قد كان آمن بذلك كلِّه". قال الإمام أبو بكر بن العربي: وفي قوله: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ" إنّما اقتصر له على الفريضة دون النّوافل؛ لأنّ الفريضة رأس المال والنّافلة ربْحٌ، ولا يَصُون رأس المال عن العارض إلّا الرِّبْح. وقال بعض الأشياخ (٢): إنّما قال له ذلك لأنّه كان أوّل الإسلام، فأراد أنّ يطمئن فؤاده عليها، وبعد ذلك يفعل ما سواها بما يظهر من ترغيب الإسلام. ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي ثماني عشرة فائدة: الفائدة الأولى: فيه مشطُ الشَّعرِ وتسريحُهُ، ويأتي بيانُه في كتاب الجامع إنّ شاء الله. الفائدة الثّانية: فيه احتمالُ رَفْعٍ الصَّوتِ من الأعرابي الجافي، عَلَمَّهُ حُسْن الأدب حينَ (٣) لم يسمع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ (٤). الفائدة الثّالثة: فيه: قُرْبُ طلحة من النّبيّ ﵇ ودُنُوَّ مَجْلِسِه منه، وَلِمَ لَا وهو أمينُه على أَهْلِهِ وقد وقاهُ بنفسه. الفائدة الرّابعة: سمعت بعض أشياخي يقول: النَّهيُ عن الجَهْرِ بالقَوْلِ إنّما هو في غير (٥) السُّؤال عن الدِّين، وفيما لا يلزم البحث عنه (٦) من الشّرائع.

стр. 1212

الفائدة الخامسة: قال علماؤنا: هذا كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ (١) فإن السّائلَ سَأَلَ في أوَّلِ الهجرةِ، وهذه الآية نزلت في آخر الإسلام وعند قُدوم الرَّسُول (٢). الفائدةُ السّادسة: قال علماؤنا: فيه سقوط صلاةِ العيد أيضًا (٣)، وقد تقدّم بيانُه في باب الوتر. الفائدة السّابعة: فيه أيضًا: سقوطُ الوِتْرِ، فإن النّبىَّ ﷺ لم يبيِّنه له، ولو كان واجبًا كما أَوْجَبَهُ أبو حنيفة لبَيَّنَهُ النّبيّ (٤) له (٥). الفائدة الثّامنة: ذِكْرُ الحَجِّ في حديث هذا السائل مختلَفٌ فيه؛ لأنّه قيل: إنّما سَكَتَ له عن الحَجِّ؛ لأنّه لم ينزل فَرْض الحَجِّ، ولأنّه قيل أيضًا: إنه فُرِضَ عامَّ سبع. وقيل: عام تسع، على ما نُبَيِّنُه في كتاب الحجّ إنّ شاء الله. الفائدة التّاسعة: ذَكَرَ له النّبيُّ ﷺ خمس صلوات، وذلك نصٌّ فيها، والأعداد نصوصٌ عند من يُثْبِت النَّصّ، وإثباتُه هو الصّحيحُ. وإذا كان نصًّا، نَشَأَ ها هنا سؤالٌ، وهو قول السّائل: "هَلْ عَلَىَّ غَيرُهُنَّ" ولو كان ذِكرُهُ للعدد نَصًّا، لَمَا كَرَّرَ السُّؤال والبحث في تحقيق نَفْي الزِّيادة عليها والنُّقصان منها. قال علماؤنا: إنّما فعل الأعرابيُّ ذلك تأكيدًا، وقد كان التّأكيد عندهم فيما يحقِّقونه شائعًا (٦) مُقَيَّدًا، وعليه ينطلق قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٧) على أحَدِ التّأويلات العشرة.

стр. 1213

الفائدة العاشرة: قال علماؤنا: في هذا الحديث دليل على وجوب التَّطَوُّع إذا شُرِعَ فيه؛ لأنّه استثناءٌ من الوَاجِبِ، فيقتضي استثناؤُهُ أنّ يكون من جِنْسِهِ على حُكمِ الاستثناءِ وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك، وبيانُه في موضعه إنّ شاء الله. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي في مثل هذا النّوع من الاستثناء؛ كنتُ يومًا بالمسجد الأقصى - طَهرَهُ اللهُ- فجاءَ رجلٌ، فسأل عن حالف قال: امرأتي طالقٌ إنّ أَكَلَت من طعامكَ إلَّا هذا الرّغيف، ثمّ تركه ولم يأكله. فاختلفَ المفتونَ في ذلك: فمنهم من قال: يحنثُ، لقوله ﵇ للأعرابي: "إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ" فهذا تطوَّع لزمه. ومنهم من قال: إنّ قوله ﵇: "إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ" لا يلزم، فلم يلزمه حنثٌ. والّذي عندي أنّه لا يلزمه أكل الرّغيف؛ لأنّ ما بعده مرتبطٌ بما قَبْلَهُ، ولم يكن الأكلُ واجبًا حتّى يكون أكل الرّغيفِ المُسْتَثْنَى واجبًا، إنّما كان الأكل مباحًا، فيمينُهُ حَرَّمَ على نفسه الأكل، إلَّا هذا الرّغيف فإنّه أَبْقَاهُ على الإباحة، فإن شاء أَكَلَهُ وإن شاء تَرَكَهُ. الفائدة الحادية عشرة: قال علماؤنا: في هذا الحديث دليل على فَرْضِ صلاة الجمعة، فلو كانتِ الجمعةُ نَفْلًا لوجبت صلاة الظُّهْر. الفائدة الثّانية عشرة: في هذا الحديث: دليلٌ على أنّ الجمعة بَدَلٌ من الظّهر، وقد اختلف النّاس في البَدَلِ منها، والأصلُ ما هو اختلاف متباينٌ (١). بيانُه في كتاب الجمعة. والصّحيحُ عندي أنّ الظُّهرَ أصلٌ والجمعةَ بَدَلٌ، ويُرَكَّبُ على هذا فرعٌ وهو: إذا صلّى الظُّهْرَ بنيَّةِ الجمعة، والجمعةَ بنيَّةِ الظّهر، اختلف علماؤنا في تفصيله، وأرادوا أنّ يُخرِجُوه على هذا الأصل وليس له به تعلُّق، على ما بَيَّنَاهُ في كتاب الجمعة. الفائدة الثّالثة عشرة: بدأ له النّبيُّ ﷺ بصيام رمضان قبل الزَّكاةِ، والزَّكاةُ أَوْجَب من رمضان في مشهور الأقوال بِفعْلِ النَّبيِّ ﷺ جعلَ ذلك؛ لأنّ رمضان يلزم كلّ أحَدٍ، والزّكاة إلَّا من له

стр. 1214

مالٌ، فبدأَ بالعامّ الفريضة قبل الخاصّ تَارَةً، وبدأَ في موضع آخر بآكد منها مراعاةً للرُّتْبة. الفائدة الرّابعة عشرة: ذكر النَّبيُّ ﷺ الزّكاةَ، ولا خلاف بين الأُمَّة في وُجُوبِها، ورضوانُ الله على من مَهَّدَهَا حين كادت أنّ تَخِرَّ دعائهما، وقال: "لأَقْتُلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَلَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلتُهُمْ عَلَيْهِ" (١). الفائدة الخامسة عشرة: ذَكَرَ له الزَّكاة مُجمَلًا؛ لأنّ اعتقاد وُجُوبِها على كلِّ مسلم، وترك له البيان إلى وَقْتِ الحاجة كما سبقَ، وكذلك فَعَلَ في الصّوم. الفائدة السّادسة عشرة: قولُه: "وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ" قَيَّدْنَا فيه عن علمائنا أربع تأويلات: الأوّل - يعني: لا أزيد على اعتقاد وجوبها اعتقاد وجوب سواه. التّأويل الثّاني - يعني: لا أزيد على إبلاغَ قَوْمِي ما سمعتُ منكَ. التّأويل الثّالث: لا أزيد عليه فِعْلا وَاجِبًا، وإن تطوَّعت فتطوَّعًا أُنْزِلُ الواجبَ واجبًا والتّطوَّعُ تَطَوَّعًا. التّأويل الرّابع: ظن ظانُونَ أنّه حلفَ ألّا يتطوَّع بخيرٍ، وإنّما حملهم على ذلك ما رواه ابن جعفر المَدَنِي (٢) صاحب مالك في هذا الحديث؛ أنّه قال: "والَّذِي أَكْرَمَكَ بالحَقِّ لَا أَتَطَوَّعُ شَيئًا وَلاَ أَنْقُصُ مِنَ الْفَرْضِ" (٣) وروايةُ مالك أصحّ، على أنَّه يحتمل أَن يكون النّبيُّ ﷺ قَبِلَ ذلك منه؛ لأنّه كان في ابتداءِ الاسلامِ (٤). الفائدة السّابعة (٥) عشرة: قوله: "أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ" (٦) ما كان يكون أرفع للشَّغبِ لو كان: "أَفْلَحَ وَاللهِ" كما رُوِيَ في تلك النُّسْخَة، وكان يَجِىءُ مطابقًا لقول السّائل: "لَا أَزِيدُ" لكنّ

стр. 1215

الأَيِمَّة قد قَيَّدُوا فيه ما قَيَّدُوا، ونَقَلُوا ما نَقَلُوا. وفي حلفِ النّبيِّ ﷺ ها هنا، فيه للعلماء خمسة أقوال، وفيه اعتراض. فإن قيل: كيف قال: "وَأَبِيهِ" وقد قال: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" (١)؟ قلنا: إنّ قولَه: "أَفْلَحَ وَأَبِيهِ" منسوخٌ بقوله: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ". وقيل فيه على وجه الجمع بينهما: إنه أراد بالنَّهيِ عن اليمين بالآباء الحلف في مقطع الحقِّ. وجواب آخر - قلنا: ليس هذا بتعارضِ؛ لأنّ القولَ والفعلَ من النّبيِّ ﷺ لا يتعارضان، فالقولُ محمولٌ على عُمُومِه، والفعلُ مخصوصٌ بِهِ، ألَّا ترى إلى قوله: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَليَحْلِف بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" (٢) ثمَّ أقسمَ اللهُ بالسَّموات والأرض والسَّحاب والرِّياح والسُّفن، ولم يكن ذلك معارضة. جوابٌ ثالثٌ - قيل: إنّ ذلك كان في صدر الإسلام؛ لأنّ نفوسَهُم كانت مملوءة بتعظيم غير الله، فنهوا أنّ يعظِّموا غيرَهُ، فلمَّا امتلأت صدورهم من تعظيم الله، وتَيقَّنوا أنّه لا عظيم سِوَاهُ، رخّص لهم في (٣) سائر الألسنة على الإقسام بما شاؤوا من الكلام، ما لم يكن ذلك من قَبيل الأصنام. جوابٌ رابعٌ- قيل: إنّما جَرَى ذلك في اللِّسان على غير قصد القَسَم، ألَّا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. الآية (٤)، قالت عائشة ﵂: هُوَ قَوْلُكَ: أَيْ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ (٥). وإنّما كلامه إذا لم يقصد بها اليمين، ورأت أنّها لا تكون يمينًا إلَّا مع القَصْدِ إلى ذلك. وعَظَّم مالك حرمة اللَّفْظِ، ورأى أنّ ذلك يمينٌ بمجرَّدِ القَصْدِ إلى (٦) الذِّكْر. عُدْنَا إلى سَرْدِ أقوال العلماء في الخمسة الأقوال المرويّة عنهم. فالأوّلُ: أنّه منسوخٌ بقوله: "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ"- كما تقدَّمَ ذِكْرُهُ

стр. 1216

- وقال عمر: وَاللهِ مَا حَلِفتُ بِهَا ذَاكِرًا وَلاَ آثِرًا (١). الثّاني: أنّ النّبيَّ ﵇ جَرَى ذلك على لسانه على عادةٍ، كَلَغْوِ اليمين المَعفُوِّ عنه. قال الإمام: وهذا عندي لا يجوز على النَّبيِّ ﷺ ، والنَّبيُّ (٢) كان أعظم قَدْرًا وأكثر معرفة من أنّ يجري على لسانه ذِكْر غير الله لَغْوًا، لا سيَّما وهو معصومٌ قولًا بالإجماع في العموم والخصوص. الثّالث - أنّ المعنى فيه: أفلح وربّ أبيه. الرّابع - قال بعض العلماء: ذلك جائزٌ عادةً، وإنّما نَهَى النّبيُّ (٦) عن الحَلْفِ بالآباء على طريق التَّأكيد للخبر والتّعظيم للمُقْسَمِ به. الخامس: أنّ النّهي عن الحَلْفِ بالآباء إنّما هو في مقطع الحقوق. تكملة (٣): قوله: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" قال علماؤنا (٤): أمّا الصِّدق فاستعماله في الخبر عن المستقبل، وقد قال ابن قُتَيْبَة (٥): إنّ الكَذِبَ في مخالفة الخبر عن (٦) الماضي، والخُلْفُ في مخالفته في (٧) المستقبل، ويجب أنّ يكون على هذا الصِّدق في الخبر الماضي، والوفاء في الخبر المستقل. وهذا الحديث دليلٌ على ذلك، وبالله التّوفيق. حديث مالك (٨)، عَن أَبِي الزِّنَادِ، عَن الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ، ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضرِبُ مَكانَ كُلِّ عُقدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ، فَإِنِ استَيَقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انحلَّتْ عُقدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقدَةٌ، فَإن صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُةُ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا، طَيَّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ".

стр. 1217

الإسناد: قال الإمام: هذا الحديثُ صحيح متَّفّقٌ عليه (١). الأصول (٢): قال علماؤنا (٣): قوله: "يَعْقِدُ الشَّيطَانُ" هذا العقد يحتمل أنّ يكون المعنى (٤) السِّحر للإنسان والمنع له من القيام إلى الصّلاة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٥). وقوله: "إِذَا هُوَ نَامَ" كان ظاهره أنّ عَقْدَهُ إنّما يكون عند النّوم. وفيه (٦): وجودُ الشّيطان (٧)، وأنّهم يفعلون أشياء تضرُّ بالإنسان. العربية (٨): قال صاحبُ "العين" (٩) القافية: مُؤَخَّرُ الرَّأسِ (١٠). وقال أيضًا: "وهو القفا، وقافيةُ كلِّ شيءٍ آخره، ومنه سمّيت قافيةُ البيت (١١) "، ومنه قيل في أسماء النّبيِّ ﷺ : المُقَفَّى؛ لأنّه آخر الأنبياء (١٢). الفوائدُ المنثورةُ في هذا الحديث: وهي خمس: الفائدة الأولى (١٣): قولُه: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ" أمّا عَقْدُ الشيطانِ على قافية رأس ابنِ

стр. 1218

آدَم، فلا يُوصلُ إلى كيفيّة ذلك، وأظنُّه مجازًا كناية عن حَبْسِ الشّيطان وقِلَّةِ نشاطِ ابن آدم (١) عن القيام في آخرِ اللَّيلِ وعَمَلِ البرِّ. وقيل: إنها عُقَدُ السِّحْر، من قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ (٢) كما تَقَدَّم ذِكرُ. الفائدة الثّانية (٣): فيه دليلٌ على أنّ ذِكرَ الله يُطرَدُ به الشّيطان، وكذلك الوُضُوء والصّلاة، لما فيهما (٤) من ذكر الله تعالى، وطردُ الشّيطانِ بالتِّلاوة والذِّكْر، والأذان مجتمع عليه معلومٌ. كان رسول الله ﷺ يَتَعَوَّدُ ويقولُ: "اللَّهُمَ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيطَانِ وَهَمْزِهِ وَنَفثِهِ وخَبْلِهِ" (٥). قال عبد الملك (٦): أمّا هَمزُه: فالخَبْطَةُ (٧)، وأمّا نَفْثُهُ: فالسِّحْرُ، وأمّا خَبلُه: فالجُنون. الفائدة الثّالثة (٨): قال أبو عمر (٩): "يُرْوَى "عُقَدُهُ" ورُوِيَ " عُقدَةٌ" على لفظ الواحد. وقد زعم بعضى الشّارحين للحديث؛ أنّ معنى قوله: "أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ" معارضة (١٠) لما رُوِيَ عن النَّبىِّ ﷺ من حديث عائشة وغيرها: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسي، وَلْيَقُلْ: لَقِسَت نَفْسِي" (١١). قال الإمام (١٢): وليس هذا بشيءٍ من المعارضةِ، وإنّما في حديث عائشة كراهية إضافة المرءِ إلى نفسه لفظة "الخُبْثِ"، كما رُوِي عنه أنّه سُئِلَ عن

стр. 1219

العقيقة (١) فقال: "لَا أُحِبُّ الْعقُوقَ" (٢) وكأنّه كره الاسم". الفائدة الرّابعة (٣): قوله: "فَيَنَامُ لَيْلًا طَوِيلًا" أمّا النّوم، فقد يكون آفة، وغير آفة، كما رُوِيَ؛ أنّ رسول الله ﷺ انصرفَ من الصّلاة فلم ير عَلِيَّا، فأقبل إلى ابنته ﵂ فألفاها نائمة معه، فَنَبَّهَهُ وأهله وعاتبهما، فقال عليٌّ: يا رسول الله، إنّما أَرْوَاحُنا بيَدِ الله إذَا نِمْنَا، يُرسِلُها اللهُ إذا شاء فانصرفَ رسولُ الله ﷺ وهو يقولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٤). وأمّا من كانت عادَتُه القيام إلى الصّلاة المكتوبة، أو إلى النّافلة (٥) من اللّيل، فغلَبَهُ عنها (٦) نومه، فقد جاء عنه ﷺ ؛ أنّه يُكتَب له أجر صلاته، وكان نَوْمُهُ صَدَقَة عليه (٧). وأمّا قول على: "وإِنَّمَا أَنْفسَنَا بيَدِ اللهِ" فهذا مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية (٨). ومعنى هذا الباب أنّه ندب على القيام آخر اللّيل، والذِّكر في الأسْحَار والاستغفار، فإنّ أحسن (٩) أحواله أنّ يكون مستيقظًا عند الفَجْر، فيكون متأَهَبًا بالوُضُوء للصّلاة، والله أعلمُ. الفائدة الخامسة (١٠): قوله:"عَلَيْكَ لَيلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ" فيه تسويفٌ له بالقيام والإلباس عليه، فإنّ في بقيّةَ اللَّيلِ من الطُّولِ ما فيه فُسْحَة، واللهُ أعلمُ. والحمد لله ربِّ العالمين.

стр. 1220

كتاب صلاة العِيدَيْنِ والتَّجَمُل فيهما قال المؤلَّفُ: بَوَّبَ مالكٌ ﵀ في صلاةِ العِيدَيْن سبعة أبواب: البابُ الأوّل العملُ في غُسْلِ العيدَيْن والنِّداءُ فيهما والإقامةُ التّرجمة: أشار مالكٌ في هذه التَّرجمة (١) أنَّ النِّداء والإقامة لم تُعْرَف بالمدينة، وأمّا في غيرها فقد عُرِفَ بها النِّداء والإقامة في العِيدِ (٢)، فأراد أنّ يُظهِرَ أنّ الخلافَ في هذه المسألة. العرببة (٣): قوله: "العيد" هو في العربيّة عبارة عن كلَّ شيءٍ يتكرّر لوقته، وهو يتكرّر فيه الفَرَح للمسلمين، فوجه المعنى فيه: أنّه اسم الفعل، من عادَ يعُودُ عَوْدَا، سمُّيَ به تفاؤلًا لأنّه يعودُ، كما سُمِّيَتِ القافلةُ في ابتداء خروجها إلى السَّفَرِ بذلك تفاؤلًا بعودتها، وهو يوم ينشرُ اللهُ فيه على العباد رحمته، ويُوَفِّيهم أجرهم، ويتقبّل فيه (٤) طاعتهم، وقال أبو حاتم في "كتاب الزِّينَة" (٥): "العيد* كلُّ يوم مجمع، وكذلك يقال لسائر الأعياد الّتي لغير أهل الإسلام. قال: واشتقاقه من عادَ يَعُودُ، كأنّه يوم كانوا اجتمعوا فيه، فإذا أتى كذلك مدّة عاد عليهم ذلك اليوم، فاجتمعوا وعادوا في مئل ذلك"* (٦).

стр. 1221

الإسناد: قال الشّيخُ أبو عمر (١): "لم يذكر مالك في هذا الباب حديثًا مُسْنَدًا ولا مرفوعًا، وإنّما ذكرَ أنّه سمعَ غيرَ واحدٍ من علمائهم يقول: لم يكن في الفِطْر والأضحى نداءٌ ولا إقامةٌ على عهد رسول الله ﷺ ، قال مالكٌ (٢): "وتلْكَ السُّنَّة لَا خِلاَف فيها" (٣) يعني عندهم في المدينة، وأمّا غيرها فالخلاف فيها لا يُلْتَفَتُ إليه. قال القاضي أبو الوليد (٤): "هذا الحديث وإن لم يُسْنِدْه مالكٌ فإنّه يجري عنده مَجْرَى المتواتر من الأخبار، وهو أقوى من المُسْنَدِ؛ لأنّه سمع ذلك من غيرِ واحدٍ من علمائهم، ولا يقول ذلك إلَّا من سَمِعَهُ من عددٍ كثيرِ، والعلماءُ الّذين سمع ذلك منهم هم التابعون الّذين شاهَدُوا الصّحابة وصَلّوا معهم، وسمعوا منهم وحققوا ذلك وأثبتوه باتِّصالِ العمل إلى وقت إخبارهم به، ثمّ أكَّدَ مالك ذلك بقوله (٥): وتلْكَ السُّنَّةُ الّتي لا خلافَ فيها عندنا". الفقه في خمس مسائل: المسألةُ الأولى (٦): الغُسلُ للعِيدَيْن مستحبٌ عند جماعة العلماء بالمدينة، كان ابن عمر وابن المسيَّب وسالم بن عبد الله يغتسلون للعِيدَيْن. ويأمرونَ النّاس بالغُسْلِ، ورُوِيَ ذلك عن علماء الحجاز والعراق، منهم: علىّ وابن عبّاس، وجماعة من التّابعين: الحسن وغيره. ومنهم من كان أيضًا لا يغتسل كابن عمر وغيره، قال نافع: ما رأيتُ ابن عمر اغتسل قطّ للعيد (٧). المسألة الثّانية (٨): قال مالك: ولا أُوجِبُ غُسلَ العِيدِ كغُسْلِ يوم الجمعة.

стр. 1222

قال الإمام (١) - ووجه ذلك: الاتفاق على غُسْلِ الجمعة والاختلاف في غُسْلِ العِيدَين. المسألة الثَّالثة (٢): قال مالكٌ: ويُستَحبُّ أنّ يكون غُسله متَّصِلًا بغُدُوَّهِ إلى الصّلاة (٣). قال ابنُ حبيب: أفضل أوقات الغسل للعيد وقت صلاة العيد (٤). قال مالكٌ في "المختصر": فَإِنِ اغتسلَ للعيدَيْن قبل الفجر فواسعٌ. المسألةُ الرّابعة (٥): قوله: "ولا أذانَ فِيهِمَا ولا إقامَة" (٦) لا خلافَ بين فقهاءِ الأمصارِ في أنّه لا أذَانَ فيهما (٧) ولا إقامة في العِيدَين، ولا في شيء من الصّلوات المسنونات (٨)، ولا في شيءٍ من النَّوافِلِ والتَّطوُّعُ، وهو الثاّبتُ عن النّبيِّ ﷺ (٩)، وعن ابن عبّاس؛ أنّه لم يكن يُؤَذذِن يوم الفِطْرِ ولا يوم الأضْحَى ولا يقام (١٠). المسألة الخامسة (١١): قال في، "المختصر": ولا أذانَ في عيدٍ ولا في خُسُوفٍ ولا اسْتِسْقَاءٍ. قال الإمام (١٢): ودليلُنا على ذلك من جهة المعنى: أنّ الأذانَ والإقامةَ إنّما شُرِعَا للفرائض، وأمّا النّوافل فلا يؤذَّن لها (١٣) ولا يقام، وصلاةُ العِيدَئن نافلةٌ، فكان

стр. 1223

ذلك حكمها، وقد قال ابن حبيب (١): إنّ أوَّلَ من أحدثَ الأذان لها هشام. باب الأمر بالصَّلاة قبل الخُطبة فيى العِيدَين مالكٌ (٢)، عن ابن شهاب؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يُصَلَّى يومَ الفِطْرِ ويومَ الأضْحَى قبلَ الخُطبةِ. الإسناد: قال الإمام: قد أسْنَدَ هذا الحديث أبو داود (٣) من حديث جابِر وَصَحَّحَهُ. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): لا خلافَ في هذا بين فقهاء الأمصار في الصّلاة قبل الخُطْبَة، واختلف العلماءُ فيمن بدأ بالخُطْبةِ قبل الصَّلاة على أربعة أقوال: القول الأوّل (٦) - قيل: عثمان، وروى يوسف بن (٧) عبد الله بن سلام، قال: كانت الصّلاةُ يوم العيد قبل الخُطبَة، فلمّا كان عثمان كَثُرَ النّاسُ، فقدَّمَ الخُطْبَةَ، وأراد بذلك ألَّا يفترق النّاسُ وأن يجتمعُوا (٨). القولُ الثّاني - قيل: أوّل من قدَّمَها عمر بن الخطّاب. القولُ الثّالث: أوّل من قدّمها ابن الزّبير، وقال ابن عبد البرّ (٩): "والصّحيحُ عندي أنّ أوَّلَ من قدّمها عثمان بن عفّان".

стр. 1224

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: لم يصحّ أنّ عثمان قَدَّمها، وهو كذِبٌ عليه (١)، وأنّ الّذي قدَّمها هو ابن الزّبير، وقيل: مروان بن الحَكَم، وإنّما فعلا ذلك لأنهما كانا يسُبَّانِ عليًّا. فهذا سَبَّاهُ افترق النّاس فَرَدَّاهَا قبلَ الصّلاة (٢). قال الإمام: وكذلك اختلفوا في أوَّلِ من أَحْدَثَ الأذان والاقامة من بني أميّة: فرُوِيَ أنّ أوَّلَ من فعل ذلك معاوية (٣). ورُوِيَ أنّ أوّل من أَحْدَثَ ذلك ابن الزُّببر (٤). وقيل: إنّ أوّل من قدّمها زياد. وقيل: إنّ أوّل من جلس على المِنْبَر في العِيدَيْنِ وأَذَّنَ فيهما هو زياد (٥). وقال أبو عمر بن عبد الله (٦): "والصّحيح عندي أنّ أوّل من أحدثه معاوية، وقولُ من قالَ: إنّه أَحدَثَهُ زياد موقوفٌ عليه" (٧). المسألة الثّانية- قوله (٨): "صلاة العيد" صلاةُ العِيدِ هي عند مالك سنّة. وعند أبي حنيفة واجبة (٩)، وحجّته: مواظبة النَّبيُّ ﷺ عليها. وهي بوقتٍ مخصُوصٍ، وتصلَّى في الجماعة، وشُرِعَت لها الخُطْبَة، فكانت واجبةٌ، أصله صلاة الجمعة. قال الإمام الحافظ (١٠): لا أعرفُ ولا أَعلمُ أحدًا قال: إنها فرض على الكفاية، إلَّا أبا سعيد الأصطخريّ من أصحاب الشّافعيّ (١١)، وهي دَعْوَةٌ لا بُرْهانَ عليها،

стр. 1225

فتنعَكِسُ على قائلها فلا يَقدِر على الانفصال عنها. وقد أجمع العلماءُ على أنّها صلاةٌ مخصوصةٌ بوَقْتٍ، ليس لها أذانٌ ولا إقامةٌ، فكانت كالضُّحَى. المسألة الثّالثة (١): فإن قيل: فهل يقاتَلُ أهل بلدِ اتَّفقوا على تركها؟ قلنا: لا نقول ذلك. ومن أصحاب الشّافعيّ من قال: يُقاتَلُونَ؛ لأنّها من شعائر الإسلام، وفي تَرْكِها تهاونٌ بالشّريعة (٢)، لقوله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الاَية (٣). والأوّلُ أصحُّ. المسألة الرّابعة (٤): قال علماؤنا (٥): ومن بدأ بالخُطبَةِ قبل الصّلاة أعادَهَا بعد الصّلاة. فإن لم يفعل، فذلك مجزىء عنه وقد أساءَ، قاله أشهب. قال الإمام: ووجه ذلك: أنّ تأخيرها ليس بشَرْطٍ في صحّة الصّلاة، وكذلك كلّ خُطبَةٍ بعد الصّلاة ليست بشرطٍ في صحَّتِها، ولكن السُّنَّة في العِيدَيْن أنّ يُؤْتَى بها بعد الصّلاة، فإذا لم يفعل فهو بمنزلة من لم يَخْطُب فصلاتُه صحيحةٌ، وقد أساء في تَرْكِ الخُطبَة. المسألة الخامسة (٦): قولُ عمر في حديث مالك (٧): إنّ هَذَيْنِ يومانِ نَهَى رسولُ الله ﷺ عن صِيَامِهِمَا. قال الإمام: لا خلاف بين العلماء في أنّ صيامَ يومِ الفِطْرِ والأَضْحَى لا يجوز بهذا الحديث وما كان مثله، لا لنَذْرٍ ولا لِتَطَوُّعِ. وقد اختلف العلماء في صيام أيَّام التّشريق للمُتَمتِّعِ الّذي لا يجد هَدْيًا ولم يصم

стр. 1226

قبل (١) يوم عَرَفَة، على ما نذكره في كتاب الحج إنّ شاء الله. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّ الضَّحايا نسكٌ، وأنّ الأَكْلَ منها مباحٌ مندوبٌ إليه. باب الأمر بالأكل قبل الغُدُوِّ في العيد قال الإمام: ليس في هذا الباب حديث إلا ما رواهُ البخاريّ (٢) عن أنس ابن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ لا يَغدُو لِيَوْمِ العِيدِ حتّى يأكُلَ ثَمَرَاتٍ، ويأكُلُهُنَّ وِترًا". وكان يفعلُ ذلك يوم الفطر. الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (٣): قال الإمام: الآثارُ والأمرُ بالأكل قَبْلَ الغُدُوِّ في العيدِ يدُلُّ على أنّ الأكلَ في الفِطر عنده مؤكَّدٌ، يجري مَجْرَى السُّنَّنِ المندوبِ إليها الّتي يُحْمَل النّاسُ عليها، وأنّه في الأَضْحَى من شاءَ فَعَلَهُ ومن شاءَ لم يَفعَلْهُ، وليس بسُنَّةٍ في الأَضْحَى ولا بِدْعَة. وغيرُ مالكٍ يَسْتَحِبُّ ألَّا يأكلَ في يوم الأضَحى إلَّا من أُضْحيته وَلَوْ مِن كبِدِها. رَوَى أبو سعيد الخدري؛ أنّ رسولَ الله ﷺ كان لا يخرج يوم الفطر إلى المُصلّى حتّى يأكل (٤). وكان الصحابة والتّابعون يأمرون النّاس بالأكل يوم الفِطْرِ قبل الغُدُوَّ، ولا يأكلون يوم النَّحْر حتّى يرجعوا. المسألة الثّانية (٥): قال الإمام (٦): والَّذي عليه الأكثر من أهل العلم استحباب الأَكْلِ، والنكتة

стр. 1227

القاطعة (١) في ذلك: لِئلَّا يظنَّ ظانٌّ أنّ الصِّيام يَلْزَم يوم الفِطْر حتّى تُصَلَّى صلاة العيد، فخشي الذَّريعة إلى الزِّيادة في حدود الله، فاسْتَبْرَأَ ذلك بالأكل. والدّليل على ذلك: أنّه لم يكن يأمر بالأكل قبل الغُدُوِّ إلى المصلَّى في الأضحى. وأكله وِتْرًا هو إشعارٌ (٢) للوحدانية، وكذلك كان يفعل في جميع أموره ﷺ . ما جاء في التكبير والقراءة في صلاة العيدين الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (٣): قال الإمام الحافظُ ابن العربىّ: أمّا التكبير في صلاة العيد قبل القراءة، فاختلف فيه العلماء اختلافًا كثيرًا، وليس فيه حديث صحيح يُعَوَّلُ عليه، ولكن يترجَّحُ مذهب مالكٌ على غيره في عدد التّكبير فيه بالاصل الّذي مَهَّدْنَا لكم من نَقْلِ أهل المدينة للعبادات وهيئاتها. المسألة الثّانية (٤): اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأوّل: ذهب مالكٌ والشّافعىّ (٥) وابنُ حَنْبَل (٦) وأبو ثَوْر إلى أنّ التّكبير في الأُولى سَبْعٌ. وقال أبو حنيفة: التّكبيرُ في الاُولى ثلاث، غير تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الرُّكوع (٧). والدَّليلُ على ما نقوله أنّ الحُجَّةَ لِمالك: الحديث المرويّ؛ ما رُوِيَ عن

стр. 1228

عائشة: أنّ رسول الله ﷺ كان يُكبِّر من الأولى سبع تكبيرات، وفي الثّانية خمس تكبيرات قبل القراءة (١). وهذا الحديث وإن لم يمن ثابتًا إلَّا أنّه يترجّح به (٢) المذهب (٣). المسألة الثّالثة (٤): إذا ثبت هذا، فإنّه يُعْتَدُّ بتكبيرة الإحرام في السَّبْعِ عند مالكٌ والثَّوْريّ وأحمد. وقال الشّافعيّ (٥): هي سبعٌ سِوَى تكبيرة الإحرام. والدّليلُ لمالك: العمل بالمدينة على خلاف ما قاله الشّافعيّ، وإطلاق الألفاظ بأنّه (٦) كَبَّر سَبْعًا، يقتضي أنّ ذلك جميع ما كبَّر. وكذلك في الرّكعة الثّانية خمْس تكبيرات غير تكبيرة القيام. وقال الشّافعيّ (٧): هي خمس تكبيرات سِوَى تكبيرة (٨) القيام. والدّليل على ما نقوله: أنّ تكبيرة القيام هي في نفس القيام، ولا يعتدّ من التّكبير إلَّا ما كان عند الاعتدال. المسألة الرّابعة (٩): إذا ثبت ذلك، فقد رُوِيَ عن مالكٌ؟ أنّه خَيَّرَ في رفع اليدين مع كلِّ تكبيرة من الزّوائد، وعنه (١٠) في "المدوّنة" (١١): لا يرفع إلَّا عند الإحرام، وروى عنه مُطَرِّف وابن كنانة؟ أنّه قال: يستحبُّ أنّ يرفع يَدَيْهِ في العِيدَيْن مع كلِّ تكبيرة، وبه قال

стр. 1229

أبو حنيفة والشّافعيّ. والكلامُ في مثل هذا يَقرُبُ من الكلام في رفع اليدَيْن عند الرّكوع في الصّلاة. وقوله (١): "وَفِي الآخرَة خَمْسَ تكبيراتِ قبل القراءة" * لم يختلف فقهاء الأمصار أنّ التكبير في الركعة الأولى قبل القراءة. وأمّا في الرّكعة الثّانية فإن التكبير عند مالكٌ قبل القراءة* (٢) أيضًا، وبه قال الشّافعيّ (٣). وقال أبو حنيفة: القراءة (٤) قبل التكبير (٥). والدّليل على حُجّة مذهب مالك: عمل أهل المدينة المُتَّصل بذلك. ودليلنا من جهة القياس: أنّها إحدى ركعتي صلاة العيد، فكان محلّ زَوائد التكبير فيها قبل القراءة كالأُولى. المسألة الخامسة (٦): قال علماؤنا (٧): ليس بين التكبيرات محلّ للدّعاء، ولا لغيره من الأذكار، وقاله أيضًا ابن حبيب. وقال الشّافعيّ: يقف بين كلِّ تكبيرَتَيْنِ مِقدارًا متوسَّطًا، يحمدُ الله ويُهَلِّله ويُكبِّره (٨). المسألة السّادسة (٩): قال الشّافعيّ (١٠): ومن السُّنَّةِ فيها أنّ يقرأ بسورة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾؛ لأنّ النّبيّ ﷺ كان يقرأ بهما (١١)، ويقول (١٢):

стр. 1230

يصلِّيها المسافر، والنّبي ﷺ إنّما كان يصلّيها في الحَضَرِ. فإن قيل: لما كانت تُصَلَّى في الحَضَرِ أو يبرز (١) عن المدينة، صارت كسائر النّوافل. قلنا: وَلِمَ لَم (٢) ينظر إلى الجماعة والخُطْبَة، وذلك أقعد بها من البروز لها؟ وكذلكَ اختلفوا في التكبير المُطْلَق اختلافًا كثيرًا في مذهبنا وعند غيرنا، وأقواهُ في النَّظر أنّ يكون التكبير من غُروب الشّمس آخر أيّام الصّوم، لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ الآية (٣)، ففرَّقَ بينهما. المسألة السّابعة (٤): وفي أيِّ المواضعِ تكون أو تلزم، فَرَوى ابن نَافِع وأَشْهَب عن مالكٌ (٥): ليست (٦) إلَّا على من عليه صلاة الجمعة. ورَوَى ابنُ القاسم عن مالك؛ أنّها تلزم لقرية فيها عشرون رَجُلًا، والنّزول إليها من ثلاثة أميال كالجمعة. ترك الصّلاة قبل العِيدَيْن وبعدَهُما الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٧): أجمعَ العلماءُ أنّ رسولَ الله ﷺ لم يصلَّ في المُصَلَّى قبل صلاة العيدِ ولا بَعْدَها، فصار (٨) النّاسُ كذلك.
следующие страницы →