← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قبل (١) يوم عَرَفَة، على ما نذكره في كتاب الحج إنّ شاء الله. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّ الضَّحايا نسكٌ، وأنّ الأَكْلَ منها مباحٌ مندوبٌ إليه. باب الأمر بالأكل قبل الغُدُوِّ في العيد قال الإمام: ليس في هذا الباب حديث إلا ما رواهُ البخاريّ (٢) عن أنس ابن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ لا يَغدُو لِيَوْمِ العِيدِ حتّى يأكُلَ ثَمَرَاتٍ، ويأكُلُهُنَّ وِترًا". وكان يفعلُ ذلك يوم الفطر. الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (٣): قال الإمام: الآثارُ والأمرُ بالأكل قَبْلَ الغُدُوِّ في العيدِ يدُلُّ على أنّ الأكلَ في الفِطر عنده مؤكَّدٌ، يجري مَجْرَى السُّنَّنِ المندوبِ إليها الّتي يُحْمَل النّاسُ عليها، وأنّه في الأَضْحَى من شاءَ فَعَلَهُ ومن شاءَ لم يَفعَلْهُ، وليس بسُنَّةٍ في الأَضْحَى ولا بِدْعَة. وغيرُ مالكٍ يَسْتَحِبُّ ألَّا يأكلَ في يوم الأضَحى إلَّا من أُضْحيته وَلَوْ مِن كبِدِها. رَوَى أبو سعيد الخدري؛ أنّ رسولَ الله ﷺ كان لا يخرج يوم الفطر إلى المُصلّى حتّى يأكل (٤). وكان الصحابة والتّابعون يأمرون النّاس بالأكل يوم الفِطْرِ قبل الغُدُوَّ، ولا يأكلون يوم النَّحْر حتّى يرجعوا. المسألة الثّانية (٥): قال الإمام (٦): والَّذي عليه الأكثر من أهل العلم استحباب الأَكْلِ، والنكتة

стр. 1227

القاطعة (١) في ذلك: لِئلَّا يظنَّ ظانٌّ أنّ الصِّيام يَلْزَم يوم الفِطْر حتّى تُصَلَّى صلاة العيد، فخشي الذَّريعة إلى الزِّيادة في حدود الله، فاسْتَبْرَأَ ذلك بالأكل. والدّليل على ذلك: أنّه لم يكن يأمر بالأكل قبل الغُدُوِّ إلى المصلَّى في الأضحى. وأكله وِتْرًا هو إشعارٌ (٢) للوحدانية، وكذلك كان يفعل في جميع أموره ﷺ . ما جاء في التكبير والقراءة في صلاة العيدين الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (٣): قال الإمام الحافظُ ابن العربىّ: أمّا التكبير في صلاة العيد قبل القراءة، فاختلف فيه العلماء اختلافًا كثيرًا، وليس فيه حديث صحيح يُعَوَّلُ عليه، ولكن يترجَّحُ مذهب مالكٌ على غيره في عدد التّكبير فيه بالاصل الّذي مَهَّدْنَا لكم من نَقْلِ أهل المدينة للعبادات وهيئاتها. المسألة الثّانية (٤): اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأوّل: ذهب مالكٌ والشّافعىّ (٥) وابنُ حَنْبَل (٦) وأبو ثَوْر إلى أنّ التّكبير في الأُولى سَبْعٌ. وقال أبو حنيفة: التّكبيرُ في الاُولى ثلاث، غير تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الرُّكوع (٧). والدَّليلُ على ما نقوله أنّ الحُجَّةَ لِمالك: الحديث المرويّ؛ ما رُوِيَ عن

стр. 1228

عائشة: أنّ رسول الله ﷺ كان يُكبِّر من الأولى سبع تكبيرات، وفي الثّانية خمس تكبيرات قبل القراءة (١). وهذا الحديث وإن لم يمن ثابتًا إلَّا أنّه يترجّح به (٢) المذهب (٣). المسألة الثّالثة (٤): إذا ثبت هذا، فإنّه يُعْتَدُّ بتكبيرة الإحرام في السَّبْعِ عند مالكٌ والثَّوْريّ وأحمد. وقال الشّافعيّ (٥): هي سبعٌ سِوَى تكبيرة الإحرام. والدّليلُ لمالك: العمل بالمدينة على خلاف ما قاله الشّافعيّ، وإطلاق الألفاظ بأنّه (٦) كَبَّر سَبْعًا، يقتضي أنّ ذلك جميع ما كبَّر. وكذلك في الرّكعة الثّانية خمْس تكبيرات غير تكبيرة القيام. وقال الشّافعيّ (٧): هي خمس تكبيرات سِوَى تكبيرة (٨) القيام. والدّليل على ما نقوله: أنّ تكبيرة القيام هي في نفس القيام، ولا يعتدّ من التّكبير إلَّا ما كان عند الاعتدال. المسألة الرّابعة (٩): إذا ثبت ذلك، فقد رُوِيَ عن مالكٌ؟ أنّه خَيَّرَ في رفع اليدين مع كلِّ تكبيرة من الزّوائد، وعنه (١٠) في "المدوّنة" (١١): لا يرفع إلَّا عند الإحرام، وروى عنه مُطَرِّف وابن كنانة؟ أنّه قال: يستحبُّ أنّ يرفع يَدَيْهِ في العِيدَيْن مع كلِّ تكبيرة، وبه قال

стр. 1229

أبو حنيفة والشّافعيّ. والكلامُ في مثل هذا يَقرُبُ من الكلام في رفع اليدَيْن عند الرّكوع في الصّلاة. وقوله (١): "وَفِي الآخرَة خَمْسَ تكبيراتِ قبل القراءة" * لم يختلف فقهاء الأمصار أنّ التكبير في الركعة الأولى قبل القراءة. وأمّا في الرّكعة الثّانية فإن التكبير عند مالكٌ قبل القراءة* (٢) أيضًا، وبه قال الشّافعيّ (٣). وقال أبو حنيفة: القراءة (٤) قبل التكبير (٥). والدّليل على حُجّة مذهب مالك: عمل أهل المدينة المُتَّصل بذلك. ودليلنا من جهة القياس: أنّها إحدى ركعتي صلاة العيد، فكان محلّ زَوائد التكبير فيها قبل القراءة كالأُولى. المسألة الخامسة (٦): قال علماؤنا (٧): ليس بين التكبيرات محلّ للدّعاء، ولا لغيره من الأذكار، وقاله أيضًا ابن حبيب. وقال الشّافعيّ: يقف بين كلِّ تكبيرَتَيْنِ مِقدارًا متوسَّطًا، يحمدُ الله ويُهَلِّله ويُكبِّره (٨). المسألة السّادسة (٩): قال الشّافعيّ (١٠): ومن السُّنَّةِ فيها أنّ يقرأ بسورة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾؛ لأنّ النّبيّ ﷺ كان يقرأ بهما (١١)، ويقول (١٢):

стр. 1230

يصلِّيها المسافر، والنّبي ﷺ إنّما كان يصلّيها في الحَضَرِ. فإن قيل: لما كانت تُصَلَّى في الحَضَرِ أو يبرز (١) عن المدينة، صارت كسائر النّوافل. قلنا: وَلِمَ لَم (٢) ينظر إلى الجماعة والخُطْبَة، وذلك أقعد بها من البروز لها؟ وكذلكَ اختلفوا في التكبير المُطْلَق اختلافًا كثيرًا في مذهبنا وعند غيرنا، وأقواهُ في النَّظر أنّ يكون التكبير من غُروب الشّمس آخر أيّام الصّوم، لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ الآية (٣)، ففرَّقَ بينهما. المسألة السّابعة (٤): وفي أيِّ المواضعِ تكون أو تلزم، فَرَوى ابن نَافِع وأَشْهَب عن مالكٌ (٥): ليست (٦) إلَّا على من عليه صلاة الجمعة. ورَوَى ابنُ القاسم عن مالك؛ أنّها تلزم لقرية فيها عشرون رَجُلًا، والنّزول إليها من ثلاثة أميال كالجمعة. ترك الصّلاة قبل العِيدَيْن وبعدَهُما الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٧): أجمعَ العلماءُ أنّ رسولَ الله ﷺ لم يصلَّ في المُصَلَّى قبل صلاة العيدِ ولا بَعْدَها، فصار (٨) النّاسُ كذلك.

стр. 1231

وذهب الكوفيّون إلى ألَّا يصلِّي أحدٌ في المصلَّى قبل صلاة العيد، ويصلِّي بعدها إنّ شاءَ (١). قال الثّوريُ: يصلِّي بعدها (٢) أربعًا، ان شاء يفصل بينهنَّ (٣). وذهب البصْرِيُّون إلى إباحة ذلك في المصلَّى قبل الصّلاة وبعدها، وهو قول الشّافعيّ، وقال: يصلِّي كما يصلِّي قبل صلاة الجُمُعَة. نكتةٌ قاطعة لهم (٤): قال الإمام: التَّنَفُّلُ في المصلِّى لو كان مفعولًا لكان منقولًا، وإنّما رأى من رأى جواز الصّلاة؛ لأنّه وقتٌ مُطْلَقٌ للصّلاة، وإنّما تَرَكَهُ مَنْ تركَه لأنَّ النّبي ﷺ لم يفعله، ومَنِ اقتدى فقد اهْتَدَى. المسألة الثّانية (٥): قال علماؤنا (٦): صلاةُ العِيدَيْن تُقَامُ بموضعين: أحدهما: الموضع المختصّ بها. والآخر: الجامعُ. فأمّا الموضعُ المختصُّ بها، فاختلفَ العلماءُ في التَّنَقُّل فيه قبل الصّلاة وبعدَها. فمذهب مالكٌ؟ ألَّا يتنقَّل قبل الصّلاة ولا بعدها. وأمّا الجامعُ فيركع فيه بعد الصّلاة (٧). وقيل: إذا كان وقتَا واسعًا، والأحسن ألَّا يفعل.

стр. 1232

غدُوُّ الإمامِ يومَ الفطر (١) وانتظار الخُطبَة الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٢): أمّا المشيُ، فرُوِيَ فيه حديث الحارث عن عليّ؛ أنّه قال: السُّنَّةُ أنّ يخرجَ ماشيًا (٣). قال الإمام: لم يثبت في هذا الباب شيءٌ، إلّا أنّ النّبيَّ ﷺ قال "مَنِ اغْبَرَتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ الله حَرَّمَهَا الله على النَّارِ" (٤). المسألة الثّانية (٥): جمهورُ العلماء يستحبُّونَ الرُّجوع يوم الفطر من طريق آخر. وقال أبو حنيفة: يستحبُّ له ذلك، فإن لم يفعل فلا حَرَجَ (٦). قال الإمام (٧): ورأيتُ للعلماء في معنى رجوعه ﵇ من طريقٍ آخر ثلاث روايات (٨)، أَوْلاَهَا عندي -واللهُ أعلم- ليرى المشرِكُون كَثْرَةَ عَدَدِ المسلمين ويغلظ (٩) بذلك عليهم. المسألة الثّالثة (١٠): اختلفَ العلماءُ فيمن فاتَهُ العيد مع الإمام:

стр. 1233

فقالت طائفة: يصلِّي ركعتين مثل صلاة الإمام، ورُوِيَ ذلك عن عطاء، والنَّخَعىّ، وابن سِيرِين، والحسن، وهو قوله مالك والشّافعىّ (١)، إلَّا أنّ مالكًا قال: أَسَتَحِبُّ (٢) له ذلك من غير إيجابٍ. وقال الأوزاعيُّ: يصلِّي ركعتين ولا يجهر بالقراءة، ولا يكبِّر تكبير الإمام، وليس بلازمٍ. وقالت طائفة: يصلِّيها أربعًا (٣). وقال أبو حنيفة: إنّ شاء صلَّى وإن شاء لم يصلِّ، وهو بالخِيَارِ بأن يصلِّي ركعتين أو أَرْبَعًا (٤). قال الإمام (٥): وأَوْلَى هذه الأقوال بالصّواب أنّ يصلِّيها كما سَنَّها رسول الله ﷺ ، وهو الّذي أشار إليه البُخَارِيّ. المسألة الرّابعة: هل على الصِّبيان والنِّساء والمُخَدَّرَات صلاة العيد؟ وفي الحديث عن أم عَطِيَّة؛ قالت: كنا نُؤْمَر أنّ نخرجَ يومَ العِيدِ حتّى نُخْرِجَ البِكْرَ من خِدْرِهَا، وحتى نُخْرِجَ الحُيَّضُ فيكنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بتكبيرهم، ويَدْعُونَ بدعائهم، يَرْجُونَ بَرَكةَ ذلك اليوم (٦). وقد (٧) اختلفَ العلماءُ في خروجِ المخدّرات والعواتق من النِّساء لصلاة العيد، فرُوِيَ عن أبي بكرٍ وعلىّ؛ أنّهما قالا: لا حقَّ على كلِّ ذات نَطاقٍ أن تخرج إلى العيدَيْنِ. وكان ابن عمر لا يخرج من استطاع من أهله في العيد.

стр. 1234

وقال أبو حنيفة: (١) لا يخرجن لشيءٍ من الصّلوات، إلَّا للعيدَيْن، وأمّا اليوم فأكرهه (٢). وقال الطّحاوي: أمرهُ ﵇ أنّ تخرجَ الحُيَّض والعواتق وذوات الخدور إلى العيد، يحتملُ أنّ يكون ذلك في أوَّلِ الإسلام والمسلمون قليلٌ، فأراد التَّكثُّر بحضورهنّ؛ وأمّا اليوم فلا يُحتاجُ إلى ذلك. قال الإمام (٣): وهذا التّأويل يحتاج إلى معرفة التّاريخ والوقت الّذي أمر فيه النّبيُّ- ﷺ بذلك، ونسخ أمره لهنّ بالخروج إلىِ العيدَيْن، وهذا لا سبيل إليه، فالحديثُ باقٍ على عُمُومِهِ لم ينسخه بشيءٍ. نكتةٌ لغوية (٤): قال ابن دُرَيْد (٥): عَتَقَتِ الجاريةُ، أي صارت عاتِقًا، إذا أَوْشَكت البلوغ. وقال ابنُ السِّكِّيت (٦): "فيما بين (٧) أنّ تُدْرِك إلى أنّ تَعْنُسَ (٨) ما لم تَتَزَوَّج". والخدور: البيوت. وقال غيره: العواتقُ جمعُ عاتقٍ. مسألة (٩): قال أبو حنيفة: لا أرى على النِّساء تكبيرًا، وخالفاه صاحباه أبو يوسف ومحمد (١٠)، فقالا بِقَوْلِ مالكٌ إنّ التكبير على النِّساء كما هو على الرِّجال، وذكر حديث البخارىّ (١١) في ذلك.

стр. 1235

صلاةُ الخَوْفِ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية (١). الأسانيد والأحاديث الواردة في هذا المعنى (٢): قال: رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه صلّى صلاة الخَوْفِ أَربَعًا وعشرينَ مَرة، المُتَشَابِهُ منها ستّ عشرة مرّة، والصّحيحُ منها ما نَذْكُرُهُ الآن من الأحاديث والصِّفَاتِ. أمّا الأحاديث فستَّهٌ، وأمّا الصِّفات فثمانية على هيئاتٍ مختلفات (٣). أمّا الأحاديث، فكانَ ابن حنبل والطّبريّ وطائفة من أصحاب الشّافعيّ يذهبون إلى جواز العمل بكلِّ ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ في صلاة الخَوْفِ. الحديث الأوّل: حديثُ يزيد بن رومان (٤)، وفيه أنّ طائفة صَفَّت معه، وطائفةٌ وَاجَهَتِ العَدُوُّ، فَصلَّى بالّتي معه ركعةً، ثمّ أَتَمُّوا لأَنْفُسِهِم. وجاءَت طائفةٌ اُخْرَى فَصَلّى بهم ركعةً، وأتَمُّوا لأنفسهم، ثمّ سلَّمَ بهم جميعًا. وهذا الحديث كتبه الأوزاعي عن مالك. وهذا الحديث رجع عنه مالك، وبه قال الشّافعيّ، واختاره ابن حبيب. وقال الشّافعيّ (٥): المصيرُ إليه أَوْلَى من حديث القاسم (٦)؛ لأنّه موقوفٌ. وحديثُ يزيد أَشْبَه بظاهر كتاب الله تعالى. قال الإمام: وموضِعُ الخلاف فيه بين مالكٌ والشّافعيّ؛ أنّ في حديثٍ أنّ الإمام لا يسلِّم من آخر صلاته حتّى تفرغ الطّائفة الثّانية ويسلِّم الإمام بهم قبل أنّ يقضي المأموم صلاته، في كلامٍ طويلٍ.

стр. 1236

الحديث الثّاني: حديث سهل بن أبي حَتْمَةَ (١)، فذَكَرَ مثل ما تقدَّمَ، لكنه قال: إنّ الطائفةَ الأُولى لمّا قضت الرّكعة، سَلَّمُوا وانْصَرَفُوا والامامُ قائمٌ، والطّائفةُ الثّانية صَلَّت مع النَّبيِّ ﷺ ركعةً، ثمّ سلَّمَ النَّبيُّ (٢)، ثم قَضَوْا بعدَ سَلاَمِهِ. الحديث الثّالث: حديث ابن عمر (٣)، فذكر أنّهم كانوا طائفتين، فيصلِّي الإمامُ بطائفةٍ ركعةً ثمّ يستَأخِرُونَ، وتأتي الطائفةُ الأخْرَى فيُصَفلُّونَ معه ركعةً، ثمّ ينصرفَ الإمامُ وقد صلَّى ركعتينِ ويُسَلِّم، ثمَّ تقومُ الطائفتان فَيُصَلُّونَ لأنفسهم ركعةً ركعةً. والأحاديثُ كلها في صلاة الخوفِ مختلفة الصُّورِ والهيئات. الحديث الرّابع (٤): حديث القاسم (٥) الّذي رجع إليه مالك، وقال به أحمد بن حنبل وأبو ثور. قال الإمام (٦): وحديثُ القاسمِ أيضًا على هذه الصّفة، موافقٌ لكتاب الله، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٧) يعني: الباقين (٨). ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ (٩) يعني: المصلِّين ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ (١٠) يعني: الّذين هم مواجهة العدو. فاشترط اللهُ تعالى أنّ تكون إحدى الطّائفتين في غير صلاة مواجهينَ للعَدُوِّ، والثّانية في الصّلاة، وقال سبحانه: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١١) فدلَّ على أنّ الأُولى قد صلّت تمام صلاتها (١٢).

стр. 1237

وقوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١). يقتضي بقيّة صلاة النّبيّ ﷺ كلَّها، وإذا اقتضى ذلك، وَجَبَ أنّ يسلَّم؛ لان آخر صلاته السّلام. وقال غيرُه (٢): وهذا أشبه بالأصول؛ لان المأمومَ أَبَدًا إنّما يقضي بعد فراغ إمَامِه وسلامه، فهو أَوْلَى. الحديثُ الخامس (٣): حديث جابر (٤)، حُكِيَ عن الشّافعيّ (٥)؟ أنّه قال به، وقال: صلاةُ الخَوْفِ يُصَلِّي الإمامُ بكل طائفةٍ ركعتين، وهو على أَصْلِهِ في جواز صلاة المفترض خَففَ المُتنَفُّل، ولم يحفظ ذلك (٦). وقال أصحابه: وهذا إذا (٧) كان في سَفَرِ، وهو مُخَيَّرٌ عنده بين القَصْر والإتمام في السَّفَر. ولم يُحْفَظ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه صلَّى صلاةَ الخوفِ قطّ في حَضَرِ، ولم يَكن له حَرْبٌ في حَضَرٍ إلَّا يوم الخندق، ولم تكن نزلت عليه صلاة الخوف بَعْدُ. ودفع مالكٌ هذا التأويلَ مع أبي حنيفة (٨)، وقال أصحابهما: إنّ النّبيَّ ﷺ لم يكن مسافرًا، وإنّما كان في حَضَرٍ بِبَطْنِ نَخْلَةٍ على باب المدينة. قال الإمامُ (٩): لا يصحّ أنّه كان في حَضَرٍ؛ لأنّ جابرًا ذكر انّهم كانوا بذاتِ الرِّقَاع، وقد كانت صلاة الخوف قد نزلت؛ وكانت غَزْوَةُ ذات الرِّقَاع على خمسٍ من الهِجْرَةِ. وقوله (١٠): "يَوْمِ ذَاتِ الرِّقَاعِ" أضاف اليوم إلى جَبَلٍ يقال له الرِّقاع، فيه بياضٌ وحمرةٌ وسَوَادٌ.

стр. 1238

وقيل: إنّ غَزْوة ذات الرِّقاع سُمِّيَت بذلك لأنّ المسلمينَ لم يكن لهم إِبلٌ تحملهم، فكان أكثرهم مُشَاة، فتخرّقت نِعالُهُم، فلقُوا الرِّقَاع على أَرْجُلهم. وقال ابن حبيب (١) أنّ صلاة الخَوف نزلت بذات (٢) الرِّقَاع. الحديث السّادس: حديث ابن مسعود (٣)، كما ثبت في الصّحيح، وحديثُ حُذَيْفَة عن النّبيِّ ﷺ (٤). الأصول: قال الإمام الحافظ: اختلف العلماء في هذه الأحاديث وهذه الصفات على ستّة أقوال (٥). القولُ الأوّل: قال أبو يوسف (٦): هي منسوخةٌ ساقطةٌ كلها، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية (٧)، فإنّما أقام الصّلاة خَوْفِيّة (٨) بشرط إقامة النَّبيّ ﷺ لها بهم. الجواب عنه من وجهين: الأوّل - قلنا له: الآن نرى ما تصنع، فإن قال بتَرْكِ الصّلاة مع الذِّكرِ لها والعِلْمِ بوقتها، لم يكن ذلك احتجاجًا واقتداءً. فإن قال بفعلها على الحالة المعتادة فيها، فلا يمكن، ولَا ينبغي (٩) إلَّا الاقتداء بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية (١٠)، والائتمامُ بالنِّبيِّ ﷺ ، وقد قال الّذي الصِّحَاحِ: "صَلُّوا كما رَأَيْتُمُويي أُصَلِّي" (١١)، فالله (١٢) قال

стр. 1239

له (١): ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية (٢)، وهو قال لنا (٣): "صَلُوا كما رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي". القولُ الثّاني: قالت طائفة: أيّ صلاة صلَّى من هذه الصّلوات الصِّحاح المرويّة جازَ ذَلِكَ، وبه قال أحمد بن حنبل. القول الثّالث: أنّ الّذي يعلم تقدُّمه ويتحقّق تأَخُّره (٤)، فإن المتأخِّر ينسخ المتقدم، وإنّما يبقي الترجيحُ في ماجهل تاريخه. وقد تكلَّمْنَا في نَسْخِ الفِعْلِ للفعل في "الأصول" (٥). القول الرّابع - قال قومٌ: ما وافق صِفَةَ القرآن منها فهو الّذي نقولُ به؛ لأنّه مقطوعٌ عليه (٦). القول الخامس - قالت طائفة: صلاةُ الخوفِ إنّما هي صلاة ضرورة، فإنّما تكون بحال الضّرورة، ولذلك اختلفت صلاة النّبيّ ﷺ ؛ لأنّه قَصَدَ الإمكان، وهو الّذي أختارُهُ (٧). الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٨):

стр. 1240

قال مجاهد (١): إذا اختلطوا رجالًا ورُكبَانًا، فليصلُّوا كيف ما أمكن. وقال بذلك ابن عمر في الموطّأ (٢): "إنّ كان خوفُ شديدًا، صَلُّوا رجالًا قِيَامًا على أَقْدَامِهِمْ أو رُكبَانَا مُسْتَقبِلِي القِبْلَةِ أو غيرِ مُسْتَقبِلِيهَا". هذا قولُ طائفةٍ من التّابعين. وذهب آخرون إلى أنّ الرّاكِبَ إنّ كان يقاتِلُ فلا يصلّي، وإن كان رَاكبًا لا يمكنه النُّزُول ولا يُقَاتِل صَلَّى. المسألة الثّانية (٣): أمّا الصّلاةُ عند مُنَاهَضَةِ الحصون (٤) ولقاء العَدُوّ، فهي صلاة حال المُسَايَفَةِ. وقال الأوزاعي (٥): إنّ كانَ تهيَّاُوا للفَتْح (٦) ولم يَقدِرُوا على الصّلاة، صلُّوا إيماءً كلُّ امرئ لنفسه، وإن لم يَقدِرُوا على الإيماءِ أَخَّرُوا الصَّلاةَ حتّى ينكشفَ القتالُ ويَأمَنُوا فيُصَلُّوا ركعتين، وإن دم يَقدِرُوا صَلُّوا ركعةً وسجدتين، فإن دم يَقدِروا فلا يُجزِئهم التّكبيرُ، ويؤخِّرونها حتّى يَأْمَنُوا، وبه قال مكحول. وقال أنس بن مالك (٧): حضرتُ مناهضةَ حِصْنٍ تُسْتَرَ عند صلاة (٨) الفَجر، واشتَدَّ أشتغال النّاس بالقتال (٩)، فلم يَقْدِرُوا على الصّلاة، فلم تُصَلّ إلّا بعد ارتفاع النهار، ونحن مع أبي موسى فَفُتِحَ لَنَا. قال أنس: وما يَسُرُّنِي بتلك الصّلاةِ الدُّنْيَا وما عليها (١٠).

стр. 1241

المسألة الثّالثة (١): صلاة الطّالب والمطلوب رَاكِبًا، فذهبتْ طائفةٌ إلى أنّ الطّالب لا يصلِّي على الدَّابّة وينزل فيُصَلِّي بالأرض، وهو قولُ عطاء والحسن، وإليه ذهب الشّافعيّ وأحمد. وقال الشّافعيّ: إلّا في حالة واحدةٍ، وذلك أنّ يَقطع الطّالبون (٢) أصحابهم، فيَخَافونَ عَوْدَة المَطلُوبِينَ إليهم. فهذا كان هكذا جاز لهم (٣). وذكر ابن حبيب عن ابن عبد الحكم؛ (٤) أنّ صلاةَ الطَّالِب بالأرض أَوْلَى من الصَّلاة على الدَّوابِّ (٥). وفيها قولٌ ثالثٌ - قال ابنُ حبيب (٦): هو في سَعَةٍ من ذَلِكَ، وإن كان طالبًا لا ينزل ويصلِّي إيماءً؛ لأنّه مع عَدُوٍّ لم يصر إلى حقيقة أَمْنٍ (٧)، وقاله مالك أيضًا، والحمدُ لله ربِّ العالمين. كتاب صلاة الكُسوف قال الإمام: بوَّب مالكٌ ﵀ في هذا المعنى بابين: البابُ الأوَّلُ: العملُ في صلاة كُسوفِ الشَّمْس وإنّما بوَّبَ ذلك؛ لأنّه رَوَى الكُسُوفَ عن النَّبيِّ ﷺ سبعة عشر رَجُلًا، وفي كيفيّة فِعْلِها اختلافٌ، وأصولها هاتان الرِّوايتان على ما في الموطَّأ، على ما يأتي بيانُه إنّ شاء الله.

стр. 1242

العربية (١): قال علماؤنا: خسوفُ القمر (٢) هو ذهاب نُورِه (٣). وخسفُ الأرض ذهابُها إلى اَسْفَل. والكسوفُ: التَّغيُّر، يقال، كَسَفَ وتغَيَّرَ وخسف، وهذا (٤) في الشّمس والقمر جميعًا (٥). فالكسوفُ تغير لونها (٦) بالسَوَادِ والصُّفْرة. وقيل: الكسوفُ والخُسُوف بمعنى واحد. الأصول (٧): قال علماؤنا: خَسفُ الشَّمس والقمر وكسفُهما هو أمر يخلُقُهُ اللهُ تعالى خلافَ العادةِ، لما يشاءُ من معنى، فيكون آية. وقالت طائفة: هو أمرٌ معقولٌ من جهة الحساب، فأمّا كسوفُ الشّمس، فإن القمر يَحُولُ بينها وبين النَّظَر. وأمّا كسوفُ القَمَر، فإنَّ الشَّمسَ تخلع نورها عليه، فإذا وقع في ظلِّ الأرضِ لم يكلن له نورٌ. وبحسبِ ما تكون المقابلة ويكون الدُّخول في ظلِّ الأرضِ، يكونُ الكُسوفُ من كلِّ أو بعضٍ (٨)، وهذا أَفر يدلُّ عليه الحساب ويصدقُ فيه البرهان. قلنا: كذبتم وبَيْتِ (٩) اللهِ لا تعرِفُونَهَا". متى حاذَى (١٠) مَجرَاهَا ظلٌّ فواداها؟ قلتم بالبرهان: إنّ الشّمس أضعاف القمر في الجَرْمِيّة بالعقل (١١). فكيف يحجبُ الصّغير الكبير إذا قَابَلَهُ ولا يأخذ منه عشره؟ جواب ثانٍ: وذلك أنّ الشّمس إذا كانت تُغَطِّيه بنورها، فكيف يحجب نورَهَا

стр. 1243

ونُورُهُ من نُورِهَا؟ وهذا اختلاطٌ لا يصحّ. جوانبٌ ثالثٌ: إذا كان نُورُ القمر قليلًا ونُورُ الشّمس كثيرًا، فكيف يظلم الكثيرُ بالقليل، لا سيّما وهو من جِنْسِه أو بعضه؟ جوانبٌ رابعٌ - قلتم: إنّ الشّمس أكبر من الأرض بسبعين ضِعْفًا أو نحوها، وقلتم: إنّ القمر أكبر منها بأقل من ذلك، فكيف يقطع الأعظم في ظل الأصغر؟ وكيف تحجبُ الأرضُ نورَ الشّمس وهي زاوية منها؟ جوابٌ خامسٌ: وذلك أنّه إنّ كان كما قالوا: إنّ الشّمس تخلعُ نورها على القمر، فهذا كسف رأيناهُ مُظْلِمًا (١)، فهذا يدلُّ على أنّه جرْمٌ مُظْلِمٌ والنُّور عرضٌ (٢) يَعْلُوهُ. وعُمْدَتُهُم؛ أنّ الشّمس والقمر نورانِ مَحْضَانِ لا خلط (٣) فيهما، والعِيَان تكذب (٤) برؤية جرْمِهِ أسود عند الكُسُوف. جوابٌ سادسٌ -وهو الّذي يستقيم-: وذلك أنّ الشَّمسَ لها فَلَكٌ ومَجْرى، والقمرَ له فَلَكٌ ومجرى، ولا خلافَ أنّ كلّ واحد (٥) منهما لا يعدُو مجراه كلّ يومٍ إلى، مثله من العام فيجتمعانِ ويتقَابَلاَنِ، ولو كان الكُسوتُ لِوُقُوعِه في ظِلِّ الأرض في وقتٍ، لكان ذلك الوقت محدودًا معلومًا؛ لأنّ المَجْرَى بينهما (٦) محدودٌ معلومٌ، فلمَّا كان يأتي في الاوقات المختلفة والجريُ واحدٌ والحساب واحدٌ، عُلِمَ قطعًا فساد قولهم هذا، وأنت ترى القمر مُثَلَّثًا ومنصفًا، وهو مع الشَّمس في الأُفُقِ (٧) الأعلى والأرض تحتهما، فعُلِمَ قَطعًا أنّ هذا التخليط لا يُقَدَّر له قَدْرٌ ولا يُقبَل لقائله عُذْرٌ. فإن قيل: فلم تُصَدِّقونَهُم في استخراج الغيب. قلنا: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٨)

стр. 1244

وهؤلاء الّذين يُصَدِّقون باستخراج الغَيْبِ من الكُهَّانِ، وفي ذلك حجة لهم في التّبرِّي من البُهْتَان، فالحمدُ للهِ على ما وَهَبَ للعَالِمِينَ من العلم (١) والدِّينِ بمقدارهم في العِلْمِ الّذي يَدَّعُونَه. الفقه في سبع مسائل: المسألة الأُولى (٢): اختلاف (٣) الروايات في صلاة الكسوف قوله: "فَصَلَّى ركْعَتينِ" (٤) لا خلافَ في أنّها ركعتان في الأصل، ولكن اختلفتِ الرِّواية هل كلّ ركعة من ركعة، أو ركعتين، أو من ركعات. ففي رواية عائشة الّتي ذكر التّرمذيّ (٥) أنّها كانت ثلاث في واحدة. وكذلك في "صحيح مسلم" (٦) و"البخاريّ" (٧) ورواية أبى: خمْس ركعات (٨). وفي رواية أبي بَكرَة صلّى ركعتين (٩)، وبه أخذ أبو حنيفة (١٠). وفي رواية قبيصة: صَلَّى كأّحْدَثِ صلاةٍ صَلَّيتمُوهَا (١١). وفي روايات كثيرة: "صَلَّى حتَّى انْجَلَتِ الشَّمْس" (١٢) وكانت صلاتُه في الطُّولِ والقِصَرِ، وكَثْرَةِ الرَّكَعات وقِلَّتها (١٣). قال الإمامُ: والَّذي عندي أنّها كانت أفعالٌ في أحوالٍ، ولا يعلم المتأخّر من المتقدِّم منها، فيكون سواء، أو يرجَّح أكثر، والله أعلم.

стр. 1245

المسألة الثّانية (١): أجمعَ الفقهاءُ على (٢) أنّ صلاةَ الكسوف ليس فيها أذان ولا إقامةٌ، إلَّا أنّ الشّافعىّ (٣) قال: يؤذَّن للصّلاة جامعة (٤)، ليجيء النّاس إلى المسجد. المسألة الثّالثة (٥): واختلفَ العلماءُ في القراءة فيها، فقال مالكٌ والشّافعيّ (٦) وأبو حنيفة (٧): القراءة فيها سِرًّا. وفي حديث ابن عبّاس (٨) في هذا الباب قوله: "نَحْوًا من سورةِ البقَرَةِ" دليل على أنّ القراءة كانت سِرًّا. وقد رَوَى سَمُرَة بن جندب، عن النّبيِّ ﷺ في صلاة الكُسوف، فقال: قام كأَطوَلِ ما قَامَ بنَا قَطّ لا نسمع له صوتًا (٩). قال الإمام: وحُجَّةُ من قال بالجَهْر، إجماعُ العلماء على أنّ كلّ صلاة تكون في الجماعة من الصّلوات المسنونات، فسنَّتُها الجهر، كالعِيدَيْن والاستسقاء، قالوا: وكذلك صلاة الخسوف (١٠). المسألة الرّابعة (١١): اختلف الفقهاء في وقت صلاة الكُسُوفِ، وهل تُصَلَّى في النَّهار أم لا؟ على قولين:

стр. 1246

القول الأوّل: روى ابنُ وَهْب عن مالكٌ، قال: لا تُصَلَّى إلَّا في وقت تجوُز فيه الصّلاة النّافلة، فإن كسفت (١) في وقت لا تجوز فيه الصّلاة لم يصلُّوا، فإن جَازَ وقتُ الصّلاة ولم تنجل صَلُّوا، كانِ انْجَلَت قبلَ ذلك لم يُصَلُّوا. القول الثّاني: روى ابنُ القاسم عن مالكٌ؛ أنّه قال: لا أرى أنّ يُصَلَّى للكُسُوفِ (٢) بعد الزَّوال، وإنّما سنّتها أنّ تُصَلَّى ضُحىً إلى الزَّوال. قال اللَّيْثُ: *تُصَلَّى الكسوفُ نصفَ النَّهار؛ لأنّ نصف النهار لا يكاد يثبت لسرعة الشّمس* (٣). وقال أبو حنيفة: لا تُصَلَّى *صلاة الكسوف في الأوقات المنهي عنها (٤). وقال الشّافعيّ: تُصَلَّى صلاة الكسوف في كلِّ * (٥) وقت نصف النَّهار وبَعْدَ العَصْرِ، وهو قولُ أبي ثَوْر. وحجَّتُهم: أنّ رسول الله ﷺ لم يَنْهَ عن الصّلاة بعد العصر والصُّبح إلّا عن النّافلة المُبْتَدَأَة، لا عن المكتوبات (٦) ولا عن المسنونات. وأمّا قولُ ابن القاسم، فقد خَطَّأَهُ فية عبد الملك في "الواضحة"، فقال: لا تجوز (٧). وقال إسحاق: تُصَلَّى في كلِّ وقتٍ إلَّا عند طلوع الشّمس وعند غروبها، إنّ شاء أربع ركعات في ركعتين، وإنْ شاءَ ستّ ركعات في ركعتين، كلُّ ذلك واسعٌ. قال الإمام (٨): والصّحيحُ عندي أنّها تُصَلّى في كلِّ وقتٍ أربع ركعات في أربع سجدات، فعليه فَليُعَوَّل.

стр. 1247

المسألة الخامسة (١): وأمّا من قال: إنها ركعتان، فهي السُّنَّة، وعليه عَوَّلَ الفقهاء؛ إلَّا أنّ (٢) في حديث عائشة وغيره (٣):" في كلِّ ركْعَةِ رُكُوعَانِ" وهي زِيَادَةٌ يجب قَبُولها. وخالف الكوفيُّون في ذلك، وقالوا: إنّها ركعتان كصلاة الصُّبحِ. وقد استدلَّ قومٌ من العلماء بقوله: "فَصَلُّوا" أراد بذلك: ادعوا، وليس في هذا دليلٌ على ذلك. المسألة السّادسة (٤): اختلف العلماءُ، هل فيها خُطْبَة أم لا؟ على قولين: القول الأوّل: قال الشّافعيّ (٥) وإسْحاق والطّبريّ: يخطب بعد الصّلاة كالعِيدَيْن والاستسقاء. واحتجُّوا بحديث عائشة (٦)؛ أنّه ﷺ خَطَبَ بعد ما صَلَّى، وانجَلَتِ الشَّمس قبل أنّ يَنْصَرِف، ثُمَّ قامَ وَأَثْنَى على الله بما هو أهله. القول الثّاني: قال مالكٌ والكوفيون (٧): لا خُطْبَةَ في الكُسوف. واحتجوا (٨): بأنّ النَّبيَّ ﷺ إنّما خطبَ لأنّ النّاس قالوا: إنّما كسفت لموت إبراهيم ابن النّبيَّ ﷺ فعرَّفَهُم أنّ الشَّمسَ والقمر آيتان من آيات الله لا يَكسِفَان لموتِ أحدٍ ولا لحياته، وأَمَرَهُم بالدُّعاء والصَّلاة والصَّدَقَة.

стр. 1248

قال الإمام أبو بكر بن العربي (١): والصحيحُ ليست في صلاة الكسوف خُطْبَة، وإنّما فيها كلامٌ بحسب الحالِ، وأفضله ما قال النّبيُّ ﷺ لما فرغ من الصّلاة، وذلك قولُه: "إنّ الشَّمس والقَمَرَ آيتان من آيات الله" (٢). وهو كلامٌ له بالٌ. المسألة السّابعة (٣): اختلف العلماءُ في صلاة كسوف القمر، فقال مالكٌ وأبو حنيفة (٤): لا يجمع فيها، ولكن يصلّي النّاس أفرادًا (٥) ركعتين ركعتين. والحُجَّةُ لهم من قوله: "صلاةُ المرءِ في بَيتِهِ أفضل إلَّا المكتوبة" (٦) وخصَّ صلاة كسوف الشّمس بالجَمْعِ بدَلِيلِها وما ورد التّوقيف فيها، وبقيت صلاة كسوف القَمَر على حالها وما عليه النّوافل. وقال اللَّيث وعبد العزيز بن أبي سَلَمة: لا يجمعُ لها، ولكن الصّلاة فيها كهيئة الصّلاة في كسوف الشّمس. وقال: ذلك قولُ النّبيُّ ﷺ : "إِذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلى الصّلاة" (٧). وقال الشّافعيّ (٨) وأحمد والطّبري وسائر أهل الحديث: الصلاةُ في القَمَرِ (٩) كما في الشّمس سواء، وهو قولُ الحسن وعَطَاء. وحجتهم في ذلك قوله: "إنَّ الشَّمس والقَمَرَ" الحديث؛ لأنّ رسول الله ﷺ جَمَعَ بينهما في الذِّكْر. قال أبو عمر بن عبد البرّ (١٠): "قد رُوِيَ عن ابن عبّاس وعثمان أنّهما صلَّيَا في

стр. 1249

القمر (١) جماعة ركعتين، في كلِّ ركعة رُكُوعان، مِثل قول الشّافعيّ". المسألة الثامنة (٢): قال مالكٌ والشّافعيّ: لا يُؤتَى للصّلاة عند الزَّلْزَلَة، ولا عند الظُلْمَةِ والرِّيحِ الشَّديد. ورآها جماعة من أهل العلم، منهم: أحموإسحاق وأبو ثَوْر. ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنّه صلَّى في الزَّلْزَلَة. وقال ابنُ مسعود: إذا سمعتم هادًّا (٣) من السَّماء فَافْزَعُوَا إلى الصَّلاة (٤). وقال أبو حنيفة: مَنْ فعلَ فقد أحسنَ، ومن لا فلا حَرجَ (٥). ولم يأت عن النّبيِّ ﷺ مِنْ وجهٍ صحيحٍ أنّ الزّلْزَلةَ كانت في عَصْرِهِ، ولا صحّ عنه فيها شيءٌ، وقد كانت أوَّل ما كانت في الإسلام على عَهْدِ عمر فانكرها، وقال: أَحْدَثْتُمْ واللهِ، لَئِنْ عَادَت لأَخْرُجَنَّ من بين أَظْهُرِكُمْ. رواه ابن عُيَيْنَة (٦). ورَوَى حمّاد بن سَلَمة، عن عبد الله بن الحارث، قال: زلزلت الأرضُ بالبَصْرَةِ، فقال ابنُ عبّاس: واللهِ ما أَدْري أَزلزلَتِ الأرضُ، فقام فصَلَّى بالنّاس مثل صلاة الكُسُوفِ (٧). وهذا (٨) ليس بمعمُول به. المسألة التّاسعة: ومن سُنَّةِ صلاة الكُسُوفِ أنّ تُصَلَّى في المسجد دون المُصَلِّى، حَكَى ذلك عبد الوهّاب (٩) عن مالك. ووجه ذلك: أنّ النَّبيّ ﷺ صلاها في المسجد.

стр. 1250

ذكر الفوائد المنثورة في هذا الباب: وهي عشر: الفائدة الأولى: قوله (١): "الشَّمسُ والقَمَرُ آيتان من آيات الله، لا يَخسِفَانِ لِموْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ" فَذَكَر ستّ خصالٍ عامّة وخاصّة: اذْكُرُوا الله، ادْعُوا الله، كَبِّرُوا، صَلُّوا، اعْتَقِوا، ذلك* قولُه: "آيَتَانِ منْ آياتِ الله". فإن قيل (٢): وأَيُّ آيةٍ في الكُسُوفِ، وإنّما (٣) هي حيلولة القمر (٤)، وكسوف (٥) القمر أنّ يقع (٦) في ظلِّ الأرض، وهي أمورٌ حسابيّة؟. الجواب - قلنا: طُلوعُ الشّمس وغُرُوبها آية، والسّموات والأرض كلّها آيات، إلَّا أنّ الآيات على ضربين: منها: مستمرٌّ عادةً. ومنها: ما يأتي نادرًا يخالف الاعتياد. فأمّا المستمرُّ، فقد رتّبت الشّريعة ما رتبت عليه، وأمّا النّادرُ فيشق (٧) أنّ يُحْدَثَ لها عبادة (٨)، فيكون جريان ما يخالف الاعتياد ذكرًا لقلبه وصقلًا لصَدئه (٩). مزيد إيضاح (١٠): اعلموا -وفقكم الله للرَّشادِ- أنّ شيئًا من الأمور العُلْوِيّة في السّموات ليس لها

стр. 1251

تأثيرٌ في الموجودات الأرضيّة، لا من الأَبْدَانِ ولا مِنَ الأَموال (١)، ولا من شيءٍ من الأشياء؛ لأنّه قال قوم من الّذين لا يعلمون: إنّ قوله: "لا يَخسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ" إشارةٌ إلى أنّها مُوجِبَة لمَوْتٍ وَفَقْرٍ وعَزل ونازِلَة سواء، وهذا كلام كافر ملحد لا يُلْتَفَتُ إليه مع هذا الحدَيث الصّحيح. ولأنَّ الكُلَّ يتعلَّقُ بقدرة الله سبحانه، وهو الّذي يخلقُ بعضها من بعض، ويخلق بعضها في إثر بعض. فإذا رآه الغافل (٢) قال: هذا من هذا ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٣). نكتةٌ (٤): قال الإمام: ومن أَغْرَبِ ما سمعتُ في الدُّنيا، ما أخبرنا أبو الحسن المبارَك بن عبد الجبَّار ببغداد، قال: حدَثنا أبو القاسم محمّد بن عبد الملك (٥)، قال: حدّثنا محمّد بن عطية الزّاهد؛ أنّه قال: أَنْفَاسُ العَبْدِ الّتي تجري في بَدَنِهِ وتخرجُ على فَمِهِ، هي الّتي تُحرِّكُ الأفلاكَ في السّماوات عَدَدًا بعَدَدٍ، وتقديرًا بتَقْدِيرٍ. وذُكِرَ ذلك عن جماعةٍ من الأوائل الكَفَرَةِ، فاضْرب طائفة بطائفة، وارجع إلى الله في الجميع. الفائدة الثّانية: قوله (٦):" يُخَوِّف اللهُ بهما عِبَادَهُ" أمّا على تقدير أهل الحساب، فيخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه الّذين لا يعقلون من العَوَّامِّ، وأمّا أهل الخصوص الذين أَحَاطُوا بالسّماوات والأرض (٧) ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية (٨). ووجه التّخويف: أنّ الشّمس والقمر إذا أدركه التّغيير مع عُلُوِّ شأنه وارْتِفَاعِ مكانه، فكلُّ شيءٍ دُونَه أَوْلَى بذلك منه أو مثله، وفي الّذي يُصيبُه من التّغيير اليسير الآنَ علامةٌ وإنذارٌ لما يصيب (٩) من الفساد.

стр. 1252

الفائدة الثّالثة: قوله (١): "أمّا بعد: إنّ الشَّمس والقَمَر". قوله: "أمّا بَعْدُ" فهي كلمةٌ تقولُها العرب الاُوَل، وهي من أفصح ما انْفَرَدَت به، وهو حرفٌ وُضِع لتجديد الخبر عمّا سواه بعد ما تَقَدَّمَهُ، جعلت مقدّمة له وفاتحة لسَوْقِهِ. وقال بعض الشّارحين للحديث: هذا من أفصح الكلام، وهو فصل بين الثَّنَاءِ على الله ، وبين ابتداء الخَبَرِ الّذي يريدُ الخطيبُ إعلامَ النّاس به. وقال بعض أهل التّأويل في قوله تعالى عن داود ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٢) إنه أمّا بعد (٣). الفائدة الرّابعة (٤): قوله (٥): "يا أُمَّةَ محمَّدٍ، والله، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثيرًا". قال الإمامُ: هذا موضع هوَّلت به المبتدعةُ والمُلْحِدَةُ على أهل الدِّينِ، فقالوا: إنّ فيما أخبر النّبيُّ ﷺ به من الأخبارَ الأُخْرَاوية أمورًا عظيمة ومعاني غريبة، وذكروا أَبَاطِيلَ كثيرة، وليس في قوله: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ" إلَّا أحد معنيين: أ- الأوّل - أنّ معناه: لو علمتم عذابَ اللهِ بالمشاهدة (٦) كما رأيتُه أنا في النّار، لَبَكَيْتُم. ٢ - أو يكون معناه: لو دام عِلْمُكم كما يدوم عِلْمِي؛ لأنّ علم الأنبياء صلوات الله عليهم متواصلٌ لا يقطعه (٧) جَهْلٌ، ولا يُدْرِكه سَهْوٌ ولا خَيَالاَتٌ ولا غفلات.

стр. 1253

وقال بعضُ الشّارحين للبخاري: إنّ قوله: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُم كثيرًا" إنّما قال لهم ذلك؛ لأنّهم كانوا مُقْبلِينَ على اللَّهْو واللَّعِبِ، وكذلك كانت عادة الأنصار قديمًا، يُحِبُّونَ الغِنَاء واللَّهو والضَّحِك. ألَّا ترى إلى قول النّبيِّ ﷺ لعائشة في إقبالها من عُرْسٍ: "هل كان عندكم لَهْوٌ؛ فإنّ الأنْصَارَ تُحِبُّ اللَّهْوَ" (١) فدلَّ أنّ اللَّهْوَ من الذُّنوب ألتي تَوَاعد النّبيُّ (٢) عليها بالآيات، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٣) وهذا ضعيف جدًّا. الفائدةُ الخامسة: قوله (٤): "فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ" يريد أنّه أتَى بكلامٍ على نَظْمِ الخُطْبَةِ (٥). ثمّ قال (٦): "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، واللهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ أَنْ يَرَى عَبْدَهُ يَزْنِي، أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي". توجيه (٧): قوله: "مَا مِن أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ" والغَيْرَةُ هي تغيّر النَّفْسِ عند الحِفَاظِ على الأهل والقيام بالأَنَفَةِ في حمايتمما، وذلك كله مُحَالٌ على الله تعالى؛ لأنّه الموجودُ الّذي لا يتغيّر. وإنّما ضَرَبَ ذلك مثلًا النّبيّ ﷺ عبّر به عن وعيد الله في الزِّنا، وعن (٨) عقوبته عليه في الدُّنيا بِالجلْد والرَّجْمِ، وفي الآخرة بالنَّار. والغيور إذا وجد في- نفسه الحِفَاظ قالَ وفعلَ، فعبَّرَ النّبيُّ ﷺ عن وَعِيدِه وعَذَابِه بالغَيْرَةِ، تقريبًا له إلى الأفهام، على ما قدَّمنا لكم من قَبْلُ. قال المُهَلَّبُ (٩): وفيه دليلٌ على أنّ أكثر ما يُهَدَّدنَ عليه في ذلك الوقت بالكُسُوفِ، كان ذلك من أجل الزِّنَا، وذَلك عظيمٌ.

стр. 1254

الفائدة السّادسة (١): قوله: "وَاللهِ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ" أقْسَمَ النّبيُّ ﷺ وإن كان لا ارْتِيَابَ في صِدْقِهِ - على معنى التَّأكيد والابلاغِ، ونادَاهُم: "يا أُمَّةَ محمَّد" على إظهار الإشفاق عليهم. الفائدة السّابعة (٢): في تحقيقِ قوله ﷺ (٣): "رأيتُ الجنَّةَ والنَّارَ في عُرْضِ هذا الحائط". قال الإمامُ: قد بَيَّنَّا لكم أنّ البارئ تعالى يخلقُ الإدراكَ لخَلْقِهِ لمن شاءَ إذا شاء حتّى يدرك وهو في مقامِهِ من العَرْش إلى الفَرْشِ، ومن آخِرِ المَلَكُوت إلى بَطْنِ الحُوتِ، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية (٤). وقد قالت قُرَيْش للنَّبيِّ ﷺ : إنّ كُنْت دخلت بيتَ المَقدِسِ فَصِفْهُ لنا، قال النّبيُّ ﷺ : "فَكَرِبتُ كُربَةً مَا كُرِبتُ مِثلَهَا قَطُّ، فَجَلَا اللهُ لِي عَنْ بَيْتِ المَقدِس عِنْدَ دَارِ أَبِي جَهْمٍ بالبَلَاطِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آياتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ" (٥). فيخرُجُ من هذا أنّ النّبيَّ ﷺ لَا تَخْلُو رؤيتُه للجنَّةِ والنَّار في عُرض الحائط من أَحَدِ معنيين: ١ - إمَّا أنّ يُمَثَّلَا له في عُرْضِ الحائِطِ، فينظر لذلك (٦) المثال الشّبهىّ المِثْليّ. ٢ - وإمّا أنّ ينظر إليها حقيقة، كمانظر إلى بيت المَقْدِس، وكما نظر إبراهيمُ إلى ملكوتِ الله تعالى ففرجت له السّماوات، فَنَظَرَ إلى ما فيهنَّ، حتّى انتهى بَصَرُهُ إلى العَرْشِ. وفُرِجَتْ له الأَرْضُون السَبع، فَنَظَر إلى ما فيهنّ، حتّى انتهى بَصَرُهُ إلى الفرش الّذي عليه الحُوت، إلى آخر الملكوت ملكوت السَّماوات والأرض. اعتراض (٧): فإن قيل: وَكيف تكون الجنَّة والنّار في عُرْضِ الحائطِ، وهما أعظم من

стр. 1255

السماوات والأرض؟ قلنا: حضرتُ يومًا مجلسًا جرى فيه السُّؤالُ، فقال بعض الأشياخ: "صقلَ اللهُ له الحائطَ، ثم كشفَ له الحُجُبَ، فتمثَّلَت له الجنَّة والنَّار في ذلك الجِرْمِ الصَّقِيلِ" فهذا تقصير (١) عَظيمٌ، وذلك وإن كان جائزًا في حُكمِ الله وهو دون قُدْرَتِه، ولكن لا تَدعُو الحاجةُ إليه، وإنّما يُعدَلُ عن الظَّواهر إذا خَالَفَتْهَا أدلّة العقول. وقوله: "في عَرْضِ الحَائِط" متعلّقٌ بقوله: "رَأَيْتُ" كما قال (٢): (وَجَدَهَا تَغْرُبُ في عَينٍ حَمِئةٍ" (٣). فقيل: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ متعلق جـ ﴿وجدها﴾، لابـ ﴿تَغْرُبُ﴾، كما تقول: غَرَبتِ الشّمس في البَحْرِ، وذلك مجازٌ ما رأَتْه العين، وغاية ما أَدْركَهُ البصر. والقولُ الأوَّل أصحّ. وأمّا الثّاني، يجوز أنّ يكون قوله: ﴿في عَين حمَئَة﴾ متعلقًابـ: ﴿تَغرُبُ﴾. نكتةٌ فقهية لغوية (٤): قوله في الحديث (٥): "رَأَينَاكَ تنَاوَلْتَ مِنْهَا شَيئًا ثُمَّ تَكَعْكَعْتَ" معناه عند أهل اللُّغَةِ: احْتَبَسْتَ وتَأَخَّرْتَ. ومعناه عند الفقهاء: تقهقرت، والمعنى واحدٌ (٦). الفائدة الثّامنة (٧): قوله (٨): " تَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، فَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنيَا". قال علماؤُنا: وإنّما ذلك؛ لأنّ طعام الجنَّة مخصوصٌ بصِفَتَيْنِ: إحداهما: عدم التَّغيير والاستحالة.

стр. 1256

والثّانية: عدم الانقطاع بدَوَامِ البَقَاء، كلَّما قُطِعَت منه حبَّة نشأَت مئة، كطعام البَرَكَة. وقد قال بعض النَّاس (١): إنّ طعام الجنَّة إذا رآه العبدُ، خَلَقَ الله له مثله في البَطْنِ. وليس كذلك، بل نقول: يقطعه وياكله، ويخلف موضعه، وقد بيَّنَّا ذلك. الفائدة التّاسعة (٢): قال علماؤنا (٣): فيه الكلام با "لو"، وذلك أنّ العربَ تقولُ في "لو" إنّها تجيء لامتناع الشَّيْءِ بامتناع غيره (٤)، كقوله ﵇: "لوْ كان بَعْدِي نَبيٌّ لكان عُمَر" (٥) ولا سبيل أنّ يكون بعدَهُ نبيٌّ، كما لا سبيلَ أنّ يكون عمر نبيًّا، فلم يأخذه ﷺ ولم يأكل منه في الدُّنيا؛ لأنّ طعام الجنَّة باقٍ أَبدًا لا يَفْنَى، ولا يجوز أنّ يكون شيءٌ من دار البَقَاء في دار الفَنَاءِ. وقد قَدَّرَ اللهُ تعالى أنّ رزق (٦) الدُّنيا لا ينال إلَّا بالتَّعبِ فيه والنَّصب، ولا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيه. وأيضًا: فإن طعام الجنَّة إنّما شَوَّقَ اللهُ إليه عبادَه وَوَعَدَهُم نَيْله جزاءً لأعمالهم الصّالحة، والدُّنيا ليست بدار جَزَاء، فلذلك لم يصلح لهم أَكْلُه في دار الدُّنيا (٧). الفائدةُ العاشرة: قوله (٨): "وَرَأَينَا أَكثَرَ أَهْلِهَا النِّساء". وفي حديث آخر: "قمتُ على بَابِ الجَنَّةِ، عَامَّةُ من يدخلها المَسَاكِين. وإذا أَصحابُ الجَدِّ محبوسونَ، إلَّا أصحابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ، إلى النَّارِ وقمتُ على بَابِ النَّارِ، فإذا عَامَّةُ مَنْ يَدخلها النِّساءُ" (٩)

стр. 1257

قالوا (١): لِمَ يا رسولَ الله، أيَكفُرْنَ باللهِ؟ قال: "لَا، ولكن يَكْفُرنَ العَشِيرَ، ويَكفُرْنَ الأحْسَانَ". تنبيه على وهم (٢): قال الإمام: هكذا رواه يحيى: "وَيَكفُرْنَ العَشِيرَ وَيَكفُرْنَ الإحْسَانَ" بالواو، والمحفوظ فيه عن مالكٌ من رواية ابن القاسم (٣)، والقَعْنَبِىّ (٤) وابن وهب (٥)، وعامّة رواة "الموطَّأ" (٦):"يَكْفُرْنَ العَشِيرِ" بغير واو، وهو الصّحيح في الرِّواية في الظّاهر والمعنى. نكتةٌ لغوية: قال ابن السِّكِّيت وأهل اللُّغة (٧): العشير الخليطُ من المخالطة والمعاشرة، وعليه ينطلق قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ فالعشيرُ ها هنا هو الزَّوج، والكُفْرُ هو الكُفْرُ بإحْسَانِهِ. وقد أَمَرَ اللهُ تعالى بشُكْرِ (٨) النِّعَم، وقد جاء في الحديث: "لا يَشْكُرِ اللهَ مَنْ لا يَشْكرِ النَّاسَ" (٩) وكُفْرُ نِعْمَةِ الزَّوج هو من باب كُفْرِ نعمة الله ؛ لأنّ كلَّ نعمةٍ تصل إليها أو يصل بها العَشِير زوجَهُ، فمن نِعْمَةِ الله أَجْرَاها الله على يَدَيْهِ، وهو معنى قوله: "يَكفُرْنَ الإحسَانَ"، أراد كفرهنّ حق الزَّوج ونعمة الله الّذي ينعم بها عليها، فهي تُعَذَّبُ على ذلك في النَّار. وقد جاء في الحديث من طرق صحاح (١٠)، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "لا ينظر اللهُ إلى امرأةٍ لا تعرفُ حقَّ زوجِهَا، ولا تشكره، وهي لا تستغني عنه" (١١).

стр. 1258

قال علماؤنا: في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ العَبْدَ يُعَذَّبُ على الجحد للفَضْلِ والإحسان وشُكْرِ المُنْعِمِ. وقد قيل: إنّ شُكْرَ المُنْعِمِ فريضةٌ. الأصول (١): اعلم أن الله تعالى خَلَقَ الجنَّةَ وخلقَ لها أَهْلًا، وخَلَقَ النَّار وخلَقَ لها أهلًا، ثمّ يسَّرَ كل أحدٍ لما خَلَقَهُ له، ويسَّرَهُ لعَمَل يُؤَدِّيه إليه وجَبَلَهُ (٢) عليه. فخَلَقَ المعصيةَ في النِّساء أكثر، ونُقْصَان الجِبِلَّة فيهن أَوْفَى. فيكون في هذا الحديث: أن العبدَ يدخلُ النّار بالمعاصي، وإن كان معه الإيمان، ردًّا على المرَجئة، وقد بَيَّنَّاه في موضعه. ما جاء في صلاة الكسوف مالك (٣)، عن هشام بن عُروَة، عن فاطمة بنت المُنْذِر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ؛ أنّها قالت: أَتيتُ عائشةَ زوجَ النَّبيَّ ﷺ حين خَسَفَتِ الشَّمسُ، فإذا النّاسُ قِيَامٌ يُصَلَّونَ، وإذا هي قائمةٌ تُصَلِّي. الحديث إلى آخره. الفوائد المتعلِّقة بهذا الحديث: الفائدة الأولى: قال علماؤنا: إنّما أرادت أسماء بقولها: "أتَيتُ عَائِشَةَ حينَ خَسَفَتِ الشَمسُ" أن تُبَيِّنَ بهذا الحديث رَدّ قول من قال: إن الكسوتَ للشَّمس والخُسُوف للقمر، لقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (٤) رُوِيَ ذلك عن عروة بن الزُّبير في الآثار (٥) الثّابتة؛ أنّ الكسوف والخُسوفَ مقولان في الشَّمس والقمر جميعًا، فمنها حديث عائشة في هذا الباب؟ أنّهما آيتان من آيات الله لا يَخسِفَانِ لموتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ (٦). وكذلك رواه أبو بَكْرٍ، وأَنَس، وابن عمر، والمُغِيرَة، وشُعْبَة، وأبو مسعود الأنصاري، فلا معنى لإنْكَارِهِ.

стр. 1259

الفائدةُ الثّانية (١): فيه من الفقه؟ حضورُ النِّساء صلاة الكُسُوف مع الجماعة، واختلفَ الفقهاءُ فيمن يشهدها من النِّساء. فرخَّصَ مالك والكوفيُّونَ للعجائز أنّ يحضرن ويخرُجْن في الكسوف، وكرهوا ذلك للشَّابَّةِ. وقال الشّافعيّ (٢): لا أكرهه لهن -أعني العجائز- ولا لمن لا هيئة لها بارعة من النِّساء، ولا للصَّبِيَّةِ شهودَ صلاة الكسوفِ مع الإمام، بل أحبُّه لهنّ وأحِبُّ لذاتِ الهَيْئَةِ أنّ تصلِّي في بيتها. ورأى إسحاق أنّ يخرجن شبابًا كُن أو عجائز ولو كن حُيَّضًا، وتعتزلُ الحُيَّضُ المسجدَ ويعتزِلنَ منه (٣). الفائدة الثّالثة (٤): فيه من الفقه: جواز استماع المُصَلِّي إلى ما يُخْبِره به مَنْ ليس في الصّلاة. الفائدة الرّابعة (٥): فيه جواز (٦) إشارة المُصلِّي بَيَدِهِ أو بِرَأْسِه لمن يسأله مرَّة بعد أخرى؛ لأنّ أسماء قالت (٧):"فَقُلْتُ: آيةٌ؟ فأشارت عائشة أنّ نَعَم" وإنّما أشارت نَعَمْ برأسها، وقد كانت أَشَارَت بِيَدِها إلى السَّماءِ (٨). الفائدةُ الخامسة (٩): فيه: أنّ صلاةَ الكُسوفِ قيامها طويلٌ (١٠)، لقولها: "فَقُمْتُ حتَّى تَجَلَّاني

стр. 1260

الغَشيُ" وهو حُجَّةٌ لمالك والشَّافعيّ (١) على أبي حنيفة في قوله: إنّ صلاة الكُسوفِ إنّ شاءَ قصرها كالنَّواَفِلِ (٢). الفائدة السّادسة (٣): قولها (٤): "وجعلتُ أَصُبُّ فوقَ رَأْسِي المَاءَ" دليلٌ على جواز العمل اليسيرِ في الصّلاة. الفائدةُ السابعة (٥): فيه (٦): أنّ تفكُّرَ المصلِّي ونَظَرَهُ إلى القِبْلَة في صلاته جائزٌ، لقوله ﷺ (٧): "ما من شيءٍ كنتُ لم أَرَهُ إلَّا وَقَدْ رأيتُه في مقامِي هذا، حَتَّى الجنَّةُ والنّارُ". الفائدة الثّامنة: في تحقيق عذاب القبر قوله (٨): "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفْتَنُونَ في القُبُورِ" فيه دليلٌ على أنَّ فِتْنَةَ القبر حقٌ لا رَيْبَ فيه (٩)، وقد اصطفقت (١٠) عليه أهل السُّنَّة والجماعة. والدليل عليه: الحديثُ الصّحيح والقرآن الفصيحُ. أمّا الأحاديث، فهي كثيرةٌ لا تُحْصَئي، وأبين وأشهر من أنّ تُسْتَقصى. منها حديث أسماء في "الموطَّأ" (١١)، و"البخاريّ" (١٢)، و"التّرمذيّ"، و"النّسائي" (١٣).

стр. 1261

وحديث العَبْدَيْن (١) اللَّذَيْن يُعَذَّبان على البَوْل والنَّميمة. وقولُه في مُنكر ونَكِير وهما: "مَلَكانِ أَسوَدَانِ" (٢) عظيمان، وذَكَر رسولُ الله ﷺ من غلظهما وفضَاعتهما أمرًا عظيمَا، يقيمان الميِّتَ أوَّل مدخَلِه بعد تسوية التُّرَابِ عليه، حتّى أنّه ليسمع قَرْع النِّعَالِ، فيقولان له مَنْ ربُّكَ؟ ومن نَبيُّكَ وما دِينُكَ. الحديث (٣). ومن دعائه ﵇؟ "أنّ يقِيَهُ اللهُ فِتْنَةَ القَبْرِ" وكان كثيرًا ما يستعيذُ من ذلك، وقولُه: "إنّ للقبر ضمّة" لا بُدَّ منها لكلِّ مَقْبُورٍ، حتّى يفسحها عليه حسن عمله، أو تزيدها ضيقًا سيِّئاته. وتلك الضّمة هي ضيق القبر وفتنته وظلمته ووحشته. وأمّا الدّليلُ والشّواهدُ على ذلك من القرآن العزيز، فشيءٌ ظاهرٌ لأهل البصائر والمعارف، وذلك في ثمان آيات: أحدها - قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ الآية (٤) الثّانية - قوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ الاَية (٥). الثّالثة - قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٦). الرّابعة - قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٧). الخامسة - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الآية (٨). السّادسة - قوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية (٩). السّابعة - قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الاَية (١٠).

стр. 1262

الثامنة - قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية (١). والآيُ في القرآن لا تُحْصَى. الأصول: قال المؤلِّفُ -أيَّدهُ الله-: قد بيَّنَّا في عذاب القبر الأحاديث الصِّحاح، والآيات الفِصَاح، النِّيِّرات مثل فَلَقِ الصَّباح، وإنّها أصلٌ من أصول السُّنَّةِ الّتي أَطْبَقَتْ (٢) عليها الأُمَّة، وهذه المسألة لا يُنكرها إلَّا غَبِيٌّ أو جاهلٌ مُلْحِدٌ. فإن قيل: كيف قال: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية (٣)، والموتُ موضع إشكالِ؟ الجوابُ - قلنا: اعلم أنّ المرءَ يُصَرَّفُ بين الحياة والموت منذ خُلِقَ إلى أنّ يدخلَ الجَنَّة أو النّار خمس مرات. الأولى: في صُلْبِ آدم، ولا يُؤمِن بها إلَّا سنِيٌّ، على ما يأتي بيانُه في "كتاب الجامع". والثّانية: حياةُ الدُّنيا ولا ينكرها أحدٌ؛ لانّها مشاهَدَةٌ. والثالثة: في القبر، ولا تَضِيقُ عنها إلَّا حَوْصَلَة مُلْحِد. والرّابعة: حياة الآخرة. والخامسة: رُوِيَ في بعض الآثار؟ أنّ الله أَمَرَ إبراهيم يُنَادِي: أيّها النَّاس حجُّوا، ثمّ أَوْجَد لهم الخَلْقَ وأسمعهم النِّدَاء، فَمَن أجابَ حَجَّ. وهذا جائزٌ في حُكْمِ الله سبحانه وقُدْرته لَوْ صحَّ. ومعنى قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٤) أي اعلِمْهُم أنّ لله عليهم هذه الفريضة.

стр. 1263

اعتراض (١): فإن قيل: فأنتم تقولون: يقام الميت ويقعد، ونحنُ نشاهِدُه ساكنًا لا يتحرّك بوَجْهٍ! قلنا: إنّ كان هذا السّائل كافرًا، فكلامُنَا معه في كُتُبِ الأصول، فيتبين متعلّق القدرة وكيفيّة الادراك، كان كان من القَدَرِيّة الّذين يقولون إنّ كان الميِّت يقام ويقعد ولا يُرَى، ويصيحُ فلا يُسْمَع، فهو من باب إنكار المحسوسات. قلنا: قد كان جبريل ﵇ ينزلُ على النّبي ﷺ بالوحي مثل صَلْصَلَةِ (٢) الجَرَسِ (٣)، فيفهم عنه ولا يسمع أحدٌ ما يقول. والذي تحومون عليه مع إخوانكم الفلاسفة الكَفَرَة على إنكار ذلك كلِّه. ونحن لا نشترط أنّ يسمع واحدٌ مِنَّا مَا يَسمعه الآخر معه في موضعه، ولا أنّ يراه كما يراه، وإنّما السَّمعُ والرُّؤية أمران يجعلهما الله تارة للحيِّ (٤) بِجَرْيِ العادةِ ليستوي فيها المجتمعون. وتارةً يَخرُق العادة فيتقاولونَ في ذلك ويختلفون، ومَن لم يؤمن إلَّا بما يرى ويسمع فهو كافرٌ مُلْحِدٌ، وإنّما يسمع كلٌّ من حيث أُسْمعَ، ويُبصِر الّذي أُبْصرَ، ويختار الّذي اخْتِيرَ له. وهذا الغرض كافٍ والحمدُ لله، وسيأتي بيانُه في "كتاب الجنائز" (٥) إنّ شاء الله. الفائدة الثّامنة (٦): قوله (٧):" وأمّا المنافقُ أوِ المُرْتَابُ" وقوله (٨): "المُؤمِنُ أوِ المُوقِنُ " هو شكٌّ من الرَّاوي (٩)، والأظهرُ أنّه المُؤْمِن، لقوله: "فآمَنَّا" ولم يقل: أَيْقَنَّا. "فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ" النّومُ ها هنا العودةُ إلى ما كان عليه. ووَصْفُه بالنَّوم وإن كان مَوْتًا لما يصحبه من الرَّاحة وصلاح الحالِ.

стр. 1264

وقولُهُ: "قَدْ عَلِمْنَا إنّ كنتَ لَمُؤمِنًا" يدلُّ على أنّه المُؤمِنُ المذكورُ في هذا الحديث لا المُوقِن. الفائدة التّاسعة (١): قوله (٢): "وأمّا المُنَافِقُ أوِ المُرْتَابُ" فالمنافقُ عندنا هو الّذي ينطقُ بخِلاَف ما يُظْهِر، والمرتابُ هو الشَّاكُ، ومعناهما متقارِبٌ في الكُفْرِ. "تقُولُ لا أَدْرِي، سمعتُ النَّاسَ يقولونَ قَوْلاَ (٣) فَقُلْتُهُ" وهو أقربُ إلى المَعْنَى من المُرْتَاب، وقد أوضحنا الحُكمَ فيمما تقدَّمَ، فَلْيُنْظَر هنالك، والحمدُ للهِ.

стр. 1265

كتاب الاستسقاء وفيه ثلاثة أبوابٍ: الباب الأوّل العمل في الاستسقاء العربية (١): الاستسقاء هو طَلَبُ السُّقيِ (٢)، كما أنّ الاستصحاء هو طَلَبُ الصَّحْوِ (٣)، وقد استسْقى النَّبيُّ ﷺ واسْتَصْحَى. الإسناد: مالك (٤)، عن عبد الله بن أبي بَكر بن محمّد بن عَمْرِو (٥) بن حَزمٍ؛ أنّه سمعَ عَبَّادَ بن تَمِيمٍ يقولُ: سمعتُ عبد الله بن زَيْدٍ المَازِنِىَّ يقولُ: خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى المصلِّى فَاسْتَسْقَى، وحَوَّلَ رِدَاءَهُ حينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. تنبية على وَهْمٍ: قال الإمامُ: ومنَ الغريبِ قول ابن عُيَيْنَة على سَعَةِ مَعْرِفَتِهِ وبحبوحَتِه بالأخبار؛ أنَّه كان يقول (٦): عبدُ الله بن زَيْد هذا هو صاحب الأَذَانِ. وهو (٧) وَهَمٌ؛ لأنّ عبد الله بن زَيْد بن عاصِم المَازنى الأنصاري هو مازِنُ الأنصار. ومالك هكذا روى هذا الحديث الأوّل ولم يذكر فيه الصّلاة، رواه سُفْيَان ابن عُيَيْنَة،
следующие страницы →