← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وحديث العَبْدَيْن (١) اللَّذَيْن يُعَذَّبان على البَوْل والنَّميمة. وقولُه في مُنكر ونَكِير وهما: "مَلَكانِ أَسوَدَانِ" (٢) عظيمان، وذَكَر رسولُ الله ﷺ من غلظهما وفضَاعتهما أمرًا عظيمَا، يقيمان الميِّتَ أوَّل مدخَلِه بعد تسوية التُّرَابِ عليه، حتّى أنّه ليسمع قَرْع النِّعَالِ، فيقولان له مَنْ ربُّكَ؟ ومن نَبيُّكَ وما دِينُكَ. الحديث (٣). ومن دعائه ﵇؟ "أنّ يقِيَهُ اللهُ فِتْنَةَ القَبْرِ" وكان كثيرًا ما يستعيذُ من ذلك، وقولُه: "إنّ للقبر ضمّة" لا بُدَّ منها لكلِّ مَقْبُورٍ، حتّى يفسحها عليه حسن عمله، أو تزيدها ضيقًا سيِّئاته. وتلك الضّمة هي ضيق القبر وفتنته وظلمته ووحشته. وأمّا الدّليلُ والشّواهدُ على ذلك من القرآن العزيز، فشيءٌ ظاهرٌ لأهل البصائر والمعارف، وذلك في ثمان آيات: أحدها - قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ الآية (٤) الثّانية - قوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ الاَية (٥). الثّالثة - قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٦). الرّابعة - قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٧). الخامسة - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الآية (٨). السّادسة - قوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية (٩). السّابعة - قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الاَية (١٠).

стр. 1262

الثامنة - قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية (١). والآيُ في القرآن لا تُحْصَى. الأصول: قال المؤلِّفُ -أيَّدهُ الله-: قد بيَّنَّا في عذاب القبر الأحاديث الصِّحاح، والآيات الفِصَاح، النِّيِّرات مثل فَلَقِ الصَّباح، وإنّها أصلٌ من أصول السُّنَّةِ الّتي أَطْبَقَتْ (٢) عليها الأُمَّة، وهذه المسألة لا يُنكرها إلَّا غَبِيٌّ أو جاهلٌ مُلْحِدٌ. فإن قيل: كيف قال: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية (٣)، والموتُ موضع إشكالِ؟ الجوابُ - قلنا: اعلم أنّ المرءَ يُصَرَّفُ بين الحياة والموت منذ خُلِقَ إلى أنّ يدخلَ الجَنَّة أو النّار خمس مرات. الأولى: في صُلْبِ آدم، ولا يُؤمِن بها إلَّا سنِيٌّ، على ما يأتي بيانُه في "كتاب الجامع". والثّانية: حياةُ الدُّنيا ولا ينكرها أحدٌ؛ لانّها مشاهَدَةٌ. والثالثة: في القبر، ولا تَضِيقُ عنها إلَّا حَوْصَلَة مُلْحِد. والرّابعة: حياة الآخرة. والخامسة: رُوِيَ في بعض الآثار؟ أنّ الله أَمَرَ إبراهيم يُنَادِي: أيّها النَّاس حجُّوا، ثمّ أَوْجَد لهم الخَلْقَ وأسمعهم النِّدَاء، فَمَن أجابَ حَجَّ. وهذا جائزٌ في حُكْمِ الله سبحانه وقُدْرته لَوْ صحَّ. ومعنى قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٤) أي اعلِمْهُم أنّ لله عليهم هذه الفريضة.

стр. 1263

اعتراض (١): فإن قيل: فأنتم تقولون: يقام الميت ويقعد، ونحنُ نشاهِدُه ساكنًا لا يتحرّك بوَجْهٍ! قلنا: إنّ كان هذا السّائل كافرًا، فكلامُنَا معه في كُتُبِ الأصول، فيتبين متعلّق القدرة وكيفيّة الادراك، كان كان من القَدَرِيّة الّذين يقولون إنّ كان الميِّت يقام ويقعد ولا يُرَى، ويصيحُ فلا يُسْمَع، فهو من باب إنكار المحسوسات. قلنا: قد كان جبريل ﵇ ينزلُ على النّبي ﷺ بالوحي مثل صَلْصَلَةِ (٢) الجَرَسِ (٣)، فيفهم عنه ولا يسمع أحدٌ ما يقول. والذي تحومون عليه مع إخوانكم الفلاسفة الكَفَرَة على إنكار ذلك كلِّه. ونحن لا نشترط أنّ يسمع واحدٌ مِنَّا مَا يَسمعه الآخر معه في موضعه، ولا أنّ يراه كما يراه، وإنّما السَّمعُ والرُّؤية أمران يجعلهما الله تارة للحيِّ (٤) بِجَرْيِ العادةِ ليستوي فيها المجتمعون. وتارةً يَخرُق العادة فيتقاولونَ في ذلك ويختلفون، ومَن لم يؤمن إلَّا بما يرى ويسمع فهو كافرٌ مُلْحِدٌ، وإنّما يسمع كلٌّ من حيث أُسْمعَ، ويُبصِر الّذي أُبْصرَ، ويختار الّذي اخْتِيرَ له. وهذا الغرض كافٍ والحمدُ لله، وسيأتي بيانُه في "كتاب الجنائز" (٥) إنّ شاء الله. الفائدة الثّامنة (٦): قوله (٧):" وأمّا المنافقُ أوِ المُرْتَابُ" وقوله (٨): "المُؤمِنُ أوِ المُوقِنُ " هو شكٌّ من الرَّاوي (٩)، والأظهرُ أنّه المُؤْمِن، لقوله: "فآمَنَّا" ولم يقل: أَيْقَنَّا. "فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ" النّومُ ها هنا العودةُ إلى ما كان عليه. ووَصْفُه بالنَّوم وإن كان مَوْتًا لما يصحبه من الرَّاحة وصلاح الحالِ.

стр. 1264

وقولُهُ: "قَدْ عَلِمْنَا إنّ كنتَ لَمُؤمِنًا" يدلُّ على أنّه المُؤمِنُ المذكورُ في هذا الحديث لا المُوقِن. الفائدة التّاسعة (١): قوله (٢): "وأمّا المُنَافِقُ أوِ المُرْتَابُ" فالمنافقُ عندنا هو الّذي ينطقُ بخِلاَف ما يُظْهِر، والمرتابُ هو الشَّاكُ، ومعناهما متقارِبٌ في الكُفْرِ. "تقُولُ لا أَدْرِي، سمعتُ النَّاسَ يقولونَ قَوْلاَ (٣) فَقُلْتُهُ" وهو أقربُ إلى المَعْنَى من المُرْتَاب، وقد أوضحنا الحُكمَ فيمما تقدَّمَ، فَلْيُنْظَر هنالك، والحمدُ للهِ.

стр. 1265

كتاب الاستسقاء وفيه ثلاثة أبوابٍ: الباب الأوّل العمل في الاستسقاء العربية (١): الاستسقاء هو طَلَبُ السُّقيِ (٢)، كما أنّ الاستصحاء هو طَلَبُ الصَّحْوِ (٣)، وقد استسْقى النَّبيُّ ﷺ واسْتَصْحَى. الإسناد: مالك (٤)، عن عبد الله بن أبي بَكر بن محمّد بن عَمْرِو (٥) بن حَزمٍ؛ أنّه سمعَ عَبَّادَ بن تَمِيمٍ يقولُ: سمعتُ عبد الله بن زَيْدٍ المَازِنِىَّ يقولُ: خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى المصلِّى فَاسْتَسْقَى، وحَوَّلَ رِدَاءَهُ حينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. تنبية على وَهْمٍ: قال الإمامُ: ومنَ الغريبِ قول ابن عُيَيْنَة على سَعَةِ مَعْرِفَتِهِ وبحبوحَتِه بالأخبار؛ أنَّه كان يقول (٦): عبدُ الله بن زَيْد هذا هو صاحب الأَذَانِ. وهو (٧) وَهَمٌ؛ لأنّ عبد الله بن زَيْد بن عاصِم المَازنى الأنصاري هو مازِنُ الأنصار. ومالك هكذا روى هذا الحديث الأوّل ولم يذكر فيه الصّلاة، رواه سُفْيَان ابن عُيَيْنَة،

стр. 1266

عن عبد الله بن أبي بكر، فذَكَرَ فيه: فَصَلَّى ركعَتَيْنِ (١). ورواه أبو داود (٢)، عن معمر، عن الزَّهريِّ، عن عبَّاد بن تَمِيمٍ، عن عمَّه؛ أنَّ النّبيّ ﷺ خرج بِالنَّاسِ فَصَلَّى ركعتين جَهْرًا بالقراءة فيهما، وحوَّل رِدَاءَهُ، ورَفَعَ يَدَيهِ يَدْعُو، فدعى وَاسْتسْقَى واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. رواه البخاريُّ (٣) عن أبي نُعَيْم (٤)، عن ابن أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهْرِيّ، عن عبّاد، نحوه، وهو حديثٌ صحيحٌ، والعملُ عليه بالمدينة؛ أنَّه صلّى ركعتين جَهَرَ فيهما بالقِرَاءَةِ. والأحاديثُ فيه كثيرةٌ، فلا معنى للتَّطَوُّلِ بها عليكم. الفقه في أربع عشرة مسألة: المسألة الأولى (٥): قوله: "خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى المُصَلَّى" قال علماؤنا (٦): هو نَصٌ في البُرُوزِ إلى الاستسقاء، ولا خلافَ أنّه يبرزُ إليها؛ لأنّ (٧) أهل العلم أجمعوا على جواز الخروج إلى الاستسقاء عند إمساك الغَيْثِ عَنْهُم. وصِفَةُ الخروجِ (٨) عند مالك: أنّ يخرجَ الإمامُ إلى المصلَّى متواضعًا ماشيًا غيرَ مُظهِر لزِينَتِهِ. ووجه ذلك: أنّه خرج على وجه التَّضَرُّعِ والتَّذَلُلِ. وحُجَّتُه (٩): الحديث الّذي أخرجه التّرمذيّ (١٠)؛ أنّ رسولَ الله ﷺ خرجَ إلى الاسْتِسْقَاءِ مُتبَذِّلًا لَا مُتَقَنِّعًا (١١).

стр. 1267

العربية (١): قوله (٢):" مُتبَذلًا" يريد في بذلته، لم يجدِّد كسوته ولا استأنف لبسه (٣) كما في العيد. "متواضِعَا مُتَضَرِّعَا": متخشعًا، فيَبْدُو عليه أثر التَّذَلُّلِ حال المُذْنِبِ الخَائِفِ، متوَسِّلًا إلى الله. والوسيلةُ: فعيلةٌ، وهي السبب الّذي يحاول به المطلوب. وقوله: "مُتَقنِّعًا" (٤) يريد أَقْنَعَ إذا رَفَعَ رأسَهُ إلى السَّماء وصوته ويَدَيْهِ في الدُّعاء. وقال أهلُ اللُغة: أَقنَعَ، إذا رَفَعَ رأسَهُ لا يلتفتُ. وقوله (٥): "قَحَطَ المَطَرُ" يعني قِلَّته وانقطاعه (٦). كما يقال: زمانٌ قاحطٌ، وعامٌ قاحطٌ. قال الإمام (٧): قحطَ المطرُ، وأَقحَطَ النّاسُ، يعني: دَخَلُوا في القَحْط. نكتَةٌ صوفيَّةٌ (٨): قوله (٩): "خَرَجَ مُبْتَذِلًا" يعني لم يتجمَّل كما يتَجَمَّل للعيد، والحكمة في ذلك - والله أعلم- أنّ الرَّجُلَ يخرجُ للعِيدِ بهيئته (١٠) وقد قدّم عمله ليَفِدَ بِهِ (١١) على مَوْلَاهُ، فيتجمَّل تَجَمُّلَ الوَافِدِ، والمُسْتَسْقِي يرى أنّه معتوبٌ، فيخرجُ خروجَ الذَّليلِ المتوَسِّلِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 1268

المسألة الثّانية (١): قال علماؤنا: الخروج عندنا للاستسقاء سُنَّةٌ، والصَّلاةُ والخُطْبَةُ وتحويلُ الرَّداء. وقال أبو حنيفة: هي بدعةٌ (٢). وما قلناه أصحّ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ ثبت ذلك عنه مرارًا. أمّا أنّ أبا حنيفة له تعلُّقٌ بأنّه قد اسْتَسْقى في المسجد، ولو كان سُنَّة لما كان إلَّا بروزًا كالعيد (٣). قلنا: استسقاؤُهُ في المسجدِ يحتملُ أنّ يكون قبلَ خروجه وخُطْبَتِهِ وصلاته ويحتملُ أنّ يكون بَعد، فلا تُتْرَكُ السُّنَّة بالاحتمال. ويحتمل أنّ يكون ذلك دعاءًا مطلقًا في المسجدِ، ويكون هذا خروجًا مقصودًا (٤) للسُّنًّة. المسألة الثّالثة (٥): قال أبو جعفر محمّد بن عليّ: استسقَى رسولُ الله وحوَّلَ رِدَاءَهُ ليتحوَّلَ القَحْطُ. قال الإمام: هذه إشارةٌ بَيْنَهُ وبينَ ربِّه لا على طريق الفَأْلِ، فإن من شَرْط الفَأْلِ أنّ (٦) لا يكون بقصدٍ، وإنّما قيل له: حَوِّل رِدَاءَكَ فيتحوَّل حالك. فإن قيل؟ فَلَعَلَّ سَقَطَ رداؤه فَرَدَّهُ، فكان ذلك اتِّفاقًا. قلنا: الرَّاوي الشّاهد للحال أعْرَف، وقد قَرنَهُ بالصّلاة (٧) والخُطبَة والدُّعاء، فَدَلَّ (٨) على أنّه من السُّنَّةِ، وهو جَهْلٌ عظيمٌ أنّ يفسّر الفِعل مَنْ لم يشاهده بِخلافِ تفسير من شَاهَدَهُ. قال الإمام: والّذي حكاهُ النَّاس من تحويل الرِّدَاءِ إنّما هو على معنى التّفاؤل، والانتقال من حال الجِذْبِ إلى حال الخِصْبِ، وكان النّبيُّ ﵇ يحبُّ الفَأل الحَسَنُ. فالحُجَّةُ ما قدَّمناهُ، من أنّ ذلك لم يكن للفَأْل؛ لأنّ من شَرْطِ الفَاْلِ ألَّا

стр. 1269

يكونَ بمقصدٍ، وإنّما قيل له: حوِّل رِدَاءَكَ فيتحوّل حالك. المسألة الرّابعة (١): قوله (٢): "وَاستَقْبِلِ القِبْلَةَ" يريد للشُّروع في الصّلاة، وإلّا فليس في الدُّعاء استقبالٌ، إنّما السّماء قِبْلَة الدُّعاء، والكعبةُ قِبْلَة الصّلاة، وهو أمر ممّا اختلفَ العلماءُ فيه: فقال مالكٌ والشّافعىّ (٣): هو سُنَّةٌ. وقال أبو حنيفة: ليس ذلك من سُنَّةِ الاستسقاء. وحُجَّةُ مالك: أنَّه قال في حديث الزُّهريّ: "واسْتَقْبِلِ القِبْلَة" وهو نصٌّ في موضع الخلاف. وقد اختلفَ قولُ مالكٍ في استقبالِ القِبْلَةِ متى يكون؟ فَرَوَى عنه ابنُ القاسم أنّه يفعلُ ذلك إذا فَرَغَ من خُطْبَتِهِ. وقال عنه ابن زياد: يفعل ذلك في أثناء خُطْبَتِهِ يستقبلُ القِبْلَةَ ويَدْعُو ما شاءَ، ثم ينصرف فيستقبلُ النّاس ويُتمَّ (٤) خُطْبَتَه. ورَوَى ابنُ حبيب عن أَصْبَغ؛ أنّه اختارَ ذَلِكَ. المسألة الخامسة (٥): قولُهُ (٦): "يبدأُ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطبَةِ" هذه مسألةٌ اختلفَ فيها قولُ مالك، فكانَ يقولُ زَمَانًا: إنَّ الخُطْبَةَ قبلَ الصّلاة، وبه قال اللَّيث. ثمَّ رجعَ مالك إلى ما في المُوطّأ، فقال: "الصّلاةُ قبلَ الخُطْبة" كصلاة العيد (٧)، وبه قال جماعة الفقهاء (٨).

стр. 1270

وقال أبو حنيفة: لا صلاةَ فيها، وإنّما هي تذكيرٌ وتخويفٌ (١). واحتجَّ بالحديث الّذي لم تذكر الصّلاة فيه، حديث زيدٍ. والحُجَّة لنا: أنّه صلاةٌ كصلاةِ العيدِ ركعتان. المسألة السّادسة (٢): قوله (٣): "وكَبّر" قال الإمام: هذا أَمْرٌ تَفَرَّدَ به بعض الرُّواة عنِ ابنِ عبَّاس بضَعْفِ طريقه. ويحتملُ أنّ يكون من تَمَامِ تفسير الرَّاوِي لِصِفَةِ صلاة العيد المُجْمَلَة في سائر الطُّرُقِ، فلا تكون فيها حُجَّة. وقال (٤) مالك: لا تكْبِيرَ في صلاة الاستسقاء. وقال الشّافعيّ (٥) يُكَبِّرُ فيها كالعِيدَيْن. وحُجَّتُه (٦) الحديث الّذي في التّرمذيّ (٧)؟ أنَّه كَبَّرَ. قال الإمام: والأظهر عندي أنّه لم يثبت فيها تكبيرٌ، فهو كصلاةِ الكُسُوفِ سواء. المسألة السّابعة (٨): هل يُخْرَجُ لها مِنبَرٌ أم لا؟ وقد رُوِيَ في ذلك حديث أبي داود (٩)؛ الخروج بالمِنْبَرِ. قلنا: الحديثُ ضعيفٌ؛ لأنّه لم يكن للنَّبىِّ ﵇ مِنْبَرٌ، وإنّما كان في موضع مُرتَفِعٍ، أو وُضِعَ له شيءٌ لا مرتفعٌ للسَّمَاعِ لجميعِ النَّاسِ (١٠)، ورُبّما تعلَّقَ مروان

стр. 1271

بهذا في اتِّخاذه المِنْبَر للعيد، واللهُ أعلم. المسألة الثامنة: في القراءة فيها أمّا الحديث، ففيه أنّ رسول الله ﷺ صلّى ركْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بالقِرَاءَةِ (١). قال الإمام (٢): وهي السُنَّةُ المجتَمَع عليها: الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء، وإنّما اختلف العلماء في صلاة الكسوف، كما تقدَّم بيانُه. ويُقرَأ فيهما بما تَيَسَّرَ وسهل وبآيات الرَّحْمَة. وقيل: يُقرَأبـ: ﴿إنا أرسلنا نوحا﴾ *، وهذا ضعيفٌ لم أره. المسألة التّاسعة: في الخُطْبَةِ قوله (٣): "وَلَمْ يَخْطُبْ خُطبَتكُم هَذِهِ" لا حُجَّةَ فيه لأبي حنيفة في إسقاط الخُطْبَة (٤)؛ لأنّه لم يقل بشيءٍ من الحديث، فلا تَعَلُّق له بِبَعْضِهِ. وإنّما أشارَ ابنُ عبّاس بذلك إلى عادة النّبيِّ ﷺ في خُطَبِهِ؛ لأنّه لم يكن أَمْرُهُ كلُّه تكَلُّفًا ولا تَصَنُّعًا، وإنّما كان بحسبِ ما يقتضيه الحال وما يحضره من المقال، والخُطْبةُ عندنا في ذلك كصلاته. المسألة العاشرة: في الدُّعاء قال علماؤنا: ويَدْعُو الإمام قائمَا، وليس في الدّعاء شيءٌ مُوَقَّتٌ. ويُسْتَحَبُّ أنّ يَدعُوَ بدعاء النّبىِّ ﷺ لما يُرْجَى فيه من البَرَكَةِ، ويكونُ ذلك مُسْتَقْبلَ القِبْلَةِ وظهره إلى النَّاسِ. وقال بعضُ العلماص (٥): سُنَّةُ من برزَ إلى الاستسقاءِ أنّ يستقبلَ القِبْلَةَ ببعضِ دُعَائِه، وسُنَّةُ من خَطَبَ النَّاسَ مُعَلِّمًا لهم وواعظًا أنّ يستقبِلَهُم بوَجْهِهِ أَيْضًا، ثمَّ يدعو بدُعَاءِ الاسْتِسقَاءِ (٦).

стр. 1272

المسألة الحادية عشرة (١): في رَفْعِ الأيدي في الدُّعاءِ في الاستسقاء وغيره قال علماؤنا: هو مُسْتَحبٌّ. ومنهم من قال: سُنَّة الدُّعاء رفع الأَيدِي؛ لانَّه خُضُوعٌ وتَذَلُّلٌ وتَضَرُّعٌ إلى الله . روى أبو داود (٢)، عن النّبيِّ ﷺ ؟ أنّه قال: إنّ اللهَ تعالى حَييٌّ كريمٌ يَستَحِي إذا رَفَعَ إليه عبده يَدَيهِ أنّ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا. وحديثُ أنس بن مالك (٣)؟ أنّ النّبيَّ ﷺ لم يكن يرفع يَدَيهِ في شيءٍ من دُعَائِهِ إلَّا في الاستسقاء (٤). وفي التّرمذيّ (٥)؛ أنّ النّبيَّ ﷺ كان يرفعُ يَدَيهِ حتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. قال الإمامُ: كان هذَا من جَمَالِهِ ﷺ ؛ لأنّ كلَّ إِبطٍ أَسْوَد من سائر النّاس؛ لأنّه مغمومٌ مِرْواحٌ متفالّ، وكان منه ﷺ مُتَأرِّجًا عَطِرًا. المسألة الثّانية عشرة (٦): في صفة رفعهما ذكر ابنُ حبيب قال: كان مالك يرى رَفْعَ اليَدَيْنِ في الاستسقاءِ للنّاسِ والإمامِ وبطونهما إلى الأرض، وهو الرَّهَبُ. وأمّا عند الرَّغْبَّةِ والمسألة فَتُبسَطُ الأيدي وهو الرَّغْبُ، وهذا أيضًا معنى قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ الآية (٧). المسألة الثّالثة عشرة (٨): في تحويل الرِّداء قال الإمام (٩): ذهب مالك والشّافعيّ (١٠) وأحمد إلى أنّ الإمام يحولِّ رِدَاءَهُ، ويحوِّل النَّاس أرديتهم بتَحْوِيلِهِ. وقال اللَّيث وأبو يوسُف (١١) وابن عَبْدِ الحَكَم: يقلبُ الإمامُ رداءَهُ وحدَهُ،

стр. 1273

وليس على النّاس ذلك. واحتجَّ ابن عبد الحَكم؟ أنّه ليس في الحديث أنّ النّاس حَوَّلُوا أَرْدِيَتَهُم. وكذلك كان ابن وهب لا يرى التَّحويل للنّاسِ. ويحوِّل الإمام رداءَهُ وهو يَدْعُو قائمًا؛ لأنَّ الإمام سنّته القيام في دعائه مستقبل القِبلَة، فكان تحويلُه رداءَهُ على تلك الحال؛ لأنّه معنًى يُفْعَلُ في نفس الدُّعاءِ. ويحوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُم وهم قعودٌ، وهو مذهب مالك ﵀، ولا أعلم أحدًا قال: يحوِّل النَّاسُ أرديتهم قيامًا، وأمّا ابن وهب، فكان لا يرى ذلك على النّاس إلَّا على الإمام وَحْدَهُ؛ لأنّه من سُنَّتِهِ. واحتج علماؤنا عليه بقوله ﷺ : "إنّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ بهِ، فلا تختلفوا عليهإ (١) فما فعلَ الإمامُ وجبَ على المأمومِ فعله. المسألة الرّابعة عشر (٢): في صفة التَّحويل اختلِفَ في ذلك على ثلاثة أقوال: القولُ الأولُ: روى ابنُ القاسم عن مالك (٣)، قال: يجعل ما على اليُمْنَى (٤) على اليسرى، وما على اليسرى على اليمنى (٥). القولُ الثّاني: قال ابن عبد الحَكَم: إذا فرخ من خُطْبَتِهِ استقبلَ القِبْلَة وحوَّلَ رداءَ ما على ظَهْرِه ممّا يَلِي السَّماء، وما كان يلي السَّمَاءَ يلي ظهره. وبه قال أحمد بن حنبل (٦) وأبو ثَوْر. وقال الشّافعيّ (٧) بمِصر: يُنكِّسُ أعلاهُ أسفله وأسفله أعلاه. قال (٨) علماؤنا: التّنْكِيسُ لا يُطلَقُ عليه اسم التّحويل.

стр. 1274

وقولُه (١): "حينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ" يقتضي أنَّ قَلْبَ الرِّدَاءِ لا يكونُ إلّا عند ذلك (٢). وحجّته (٣) الحديث: "ما على اليمنى على اليسرى، وما على اليسرى على اليمنى" (٤). ما جاء في الاسْتِسْقَاءِ مالكٌ (٥)، عن يحيى بن سعيد؟ عن عَمْرِو بن شُعَيب؟ أنّ رسولَ الله ﷺ كان إذا استسقَى قال: "اللهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وبَهِيمَتَكَ، وانشُر رَحمَتَكً، وأَحْي بَلَدَكَ المَيِّتَ". الإسناد (٦): قال الإمام هكذا روى مالكٌ هذا الحديث مُرسَلًا، وتَابَعَهُ جماعةٌ على إرساله، ورواهُ جماعةٌ عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدِّهِ مُسْنَدًا منهم حفص بن غيّاث، والثّوري (٧) وعبد الرحيم بن سليمان (٨). تمهيد على مخّ العبادة: قال الإمام: "الدُّعَاءُ مُخُّ العبادة" (٩)، وقد استصرخَ النّاسُ إلى الله بالدُّعاء في الاستسقاء راغبين، وهي عادة الأنبياء والعلماء والصَّالحين والأخيار، صمامامهم ورأسهم النّبيُّ ﷺ ، فَرُوِيَ عنه أنّه اسْتَسْقَى مِرَارًا. وقدِ استَشْفَعَ جماعةٌ من المشركين بالمُسْلِمينَ عند القَحْطِ، منه حديث أبي سُفْيَان؛ أنّه جاء إلى النّبيِّ ﷺ فقال (١٠): يا محمّد، إنَّكَ تَأْمُرُ بصِلَةِ الرَّحمِ وإنّ قَوْمَكَ قد هَلَكُوا، فادْعُ اللهَ لَهُم، فقرأ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١١) ثمّ عادُوا

стр. 1275

إلى كُفْرِهِم، فذلك قَوْلُه تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ الآية (١) فسقوا الغَيْثَ (٢). حديث أنس بن مالكٌ (٣)؟ قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ : يا رسولَ الله، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَادعُ اللهَ، فَدَعَا رسولُ الله ﷺ فَمُطِرْنا مِنْ جُمُعَة الى جُمُعَة، فجاءَ رَجُلٌ (٤) إلى رسول الله. فقال: يا رسولَ الله، تَهَدَّمَتِ البُيُوت، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وهَلَكتِ المَوَاشِي، فقالَ رسولُ الله ﷺ : " اللَّهُمَّ رؤوسُ (٥) الجبال وَالآكَامِ، وبُطُونُ الأَوْدِيَةِ، ومَنَابِتَ الشَّجَرِ" فَاْنجَابَتْ عن المدينةِ انْجيَابَ الثَّوْبِ. غريبه وفقهه (٦): وفي ذلك عشرة ألفاظِ (٧). وفيه (٨) من الفقه فائدتان (٩): الفائدة الأولى (١٠): فيه الدُّعاءُ إلى الله تعالى في الاسْتِصْحَاءِ كما يُدْعَى في الاستسقاء؛ لأنّ كلّ أذىً يُفْزَعُ (١١) إلى الله تعالى في كشفه (١٢)، وقد سَمَّى اللهُ كثِيرَ (١٣) المطر أَذىً، فقال: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ (١٤). وفيه أيضًا: أنّه لا يحوَّل الرِّداء في الاستصحاء، إذْ لا بُرُوزَ فيه ولا صلاةَ له

стр. 1276

ينفرد بها، وإنّما يَكونُ الدُّعاء في الاستصحاء في خُطْبَةِ الجُمُعَة، أو في أوقات الصّلوات وأَدْبَارِها. الثّانية (١): فيه من الفقه: استعمالُ أدبه (٢) الكريم وخُلُقِهِ العظيم (٣)؛ لأنّه لم يدع الله (٤) تعالى في أنّ يرفع الغَيْثَ جُملَةً، لئلّا يردَّ على الله بَرَكَتَهُ وما رَغِبَ إليه فيه وسأله إيّاه، فقال: "اللَّهُمَّ على رُؤُسِ الجِبَالِ والآكامِ، وبُطُونِ الأَوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجَرِ" وإنّما قال ذلك؛ لأنَّ المَطَرَ لا يضرّ نزوله في هذه الأماكن، وقال: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلينَا" (٥). فيجب امتثال ذلك في نِعَمِ اللهِ تعالى إذا كَثُرَت، لا يسأل الله قطعها ولا صَرْفَها عن العباد. العربيهّ (٦): قوله: " فَانْجَابَتْ" تقول العربُ: جِبْتَ (٧) القَمِيصَ، إذا قَوَّرتَ (٨) جَيبَه (٩)، قاله ابن قُتيبَةَ (١٠)، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ (١١) أي قطعوه وثقبوه (١٢) ونحتوه. ومنه جِبْتَ الرَّحَا إذا ثقبت وسطها، مثل حبيب القميص، فَشَبَّهَ انْقطَاعَ السَّحَابِ عق المدينة بِتَدْوِيرِ انْجِيَابِ الثوّب إذا قوّرت جَيْبه.

стр. 1277

قوله: "الآكَام" هي الكُدَى واحدها أَكَمَة (١)، ويقال: آكَامٌ وإكَامٌ (٢) وأكَمٌ قاله الخليل (٣). والظَّرَابُ (٤) الجبال الصِّغار، واحِدُها ظِربٌ، عن الخليل (٥) وأبي عُبَيْدَة (٦). وقوله (٧): "ليس في السّماءِ قزَعَةٌ" سحابةٌ، القَزَعُ السَّحابُ الصِّغار، وهو من أَحَبِّ السَّحاب إلى النّاس. وقال أبو حنيفة (٨): "وسَلْع" (٩) جبل بقُرْبِ المدينة، بإسكان اللّام (١٠). وأمّا ما يقال عند المطر، فكان ابنُ عبّاس يقول (١١): ﴿كَصَيِّبٍ﴾ (١٢) المَطَرُ (١٣). وقال أهلُ اللُّغة، صَابَ وأَصَابَ يَصُوبُ (١٤)، ومنه كان النّبيُّ ﷺ إذا رأى المطر قال: "صَيِّبًا نَافِعًا" (١٥) فيه الدُّعاء في الازدياد في (١٦) الخير والبركة والنفع به. وقال ابنُ عُيَيْنَة حفظناه: "سيبا نافعًا". قال الخَطّابي (١٧): "السَّيبُ العطاءُ، والسَّيبُ مَجرَى الماء، وجمعُه سُيُوب،

стр. 1278

وقد ساب سوبا إذا جرى. وأمّا الصَّيبُ فأصلُه (١) من صابَ يَصُوبُ إذا نَزَلَ، قال الشّاعر (٢): تَحَدَّرَ مِن جَوِّ السَّمَاء يَصُوبُ وقال المُبَرّدُ: هو من صابَ إذا قصدَ" (٣). وقوله (٤): "حتّى صارتِ المدينةُ في مثل الجَوْبَة حتّى سألَ الوَادِي"، قال ابن دُرَيد (٥): "الجَوبَةُ الفَجوَةُ بين البيوت، والجَوْبَةُ أيضًا: قِطعَة من الأرض". والجَوْبُ: الشّقُّ والقَطْعُ. فالمعنَى: أنّ السَّحاب تَقَطَّعَ حول المدينة مستديرًا، وانكشف عنها حتّى مالَتِ البيوت. وقال ابن دُرَيْد (٦): "الجَوْبَةُ هي القِطْعَة السَّهلة من الأرض وما حَوَالَيها من الأَرْضِين الغِلَاظ". وقال غيره: الجوبُ المَطَرُ الغَزير. حديث: قال ابنُ عمر: ربّما ذكرتُ شِعْرَ أبي طالب وأنا أنظرُ إلى وَجْهِ النّبيِّ ﷺ يَسْتِسْقِي: وأبيض يُسْتَسْقَي الغَمَامُ بوَجْهِهِ ... ربيع اليتامَى عصمةٌ للأَرَامِلِ فما ينزل حتّى يجيش كلّ (٧) ميزاب (٨)، فَمُطِرَ النّاس جمعة. فقال رَجُلٌ: يا رسولَ الله. تقطَّعَتِ السُّبُلُ وانْهَدَمَتِ البُيُوتُ، وَهَلَكَتِ المَوَاشِي، فادْعُ اللهَ لَنا (٩).

стр. 1279

وفيه (١): عن (٢) أنس؛ أنّ عمر إذا قَحَطَ النَّاسُ اسْتَسْقَى بالعَبَّاس بن عبد المُطَّلِب، فقامَ عمر فحمد اللهَ وأَثْنَى عليه، ثم قال: اللهُمَّ إنَّا كنًا نتوسَّلُ إليكَ بنَبِيِّنَا محمَّد ﷺ فكنت تَسْقِينَا، ونحن نَتَوَسَّلُ إليكَ الآن بِعَمِّ نَبِيِّنَا محمَّد ﷺ فَاسْقِنَا (٣)، فلَمَّا فرغ من دعائه، قام العبّاس فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثمّ صلّى على النّبيِّ ﷺ ثمّ جعلَ يقول: اللَّهُمّ إنه لم ينزل من السَّمَاءِ بلاءٌ إلَّا بذَنْبٍ، ولن تكشفه إلَّا بتوبة، وقد تَوَسَّلَ القومُ بِي إليك لمكاني من نَبِيِّكَ، وهذه أَيدِينَا إليكَ بالذُّنُوبِ، ونواصينا إليك (٤) بالتَّوبَة، وإنَّكَ الرَّاعِي لا تهمل الضَّالَّة، ولا تدع الكسِيرَ بدارِ مَضْيَعَةٍ، وقد ضرعَ الصَّغير ورقَّ الكبير، وازتَفَعَتِ الشَّكوَى، وأنتَ تعلمُ السِّرَّ وأَخْفَى، اللَّهُمَّ فَأَغِثْهُم بغَيثِكَ قبلَ أنّ يقنطُوا فيهلكُلوا، فإنّه لا ييأس من روح الله إلَّا القوم الكافرون. قال: فما تمَّ كلامه حتّى أَرْخَتِ السَّماء مثل الجِبَال (٥). وقال في خبر آخر: فما اسْتكمَل الدْعاء (٦) حتّى اكتست (٧) السَّماء بالغَمَامِ، وجاء المطرُ من كلِّ مكانِ، وأنشدوا (٨). سأل الخليفة (٩) إذ تتابع جَدْبُه (١٠) ... فسَقَى الغَمام بغُرَّةِ العبَّاسِ عمُّ النّبيَّ وصِنْوُ وَالِدِهِ الّذي. ... وَرِثَ النّبيَّ بذاكَ دونَ النّاسِ أَحْيَا به الله البلاد (١١) فَأَصْبَحَتْ ... مُخضَرَّةَ الأرجاءِ (١٢) بعدَ اليَاس

стр. 1280

وفي الحديث الحسن (١)؛ أنّ أعرابيُّا أَتَى النَّبيَّ ﷺ فَوَجَدَهُ في المسجدِ، فقال له: يا رسولَ الله، أتَينَاكَ وما لنا بعيرٌ ينضحُ، ولا صبيٌّ يصطبح. ثمَّ أنشد يقول: أتَينَاكَ والعَذْرَاءُ يَدْمَى لَبَانُها ... وقد شُغِلَت أمُّ الصَّبِيِّ عن الطِّفلِ وأَلقَى بِكَفَّيهِ الصّغيرُ (٢) استكانَةً ... من الجُوعِ موتًا (٣) ما يُمِرُّ وما يُحْلِي ولا شيءَ ممّا يأكُلُ النَّاسُ عِنْدَنَا ... سِوَى الحَنْظَلِ المأكولِ في زَمَنِ المَحْلِ (٤) وليس لنا إلَّا إليك وسيلةٌ (٥) ... وأين فرارُ الخَلقِ (٦) إلَّا إلى الرُّسْلِ قال: فقام رسولُ الله ﷺ يجُرُّ رِدَاءَهُ حتَّى صَعِدَ المنبرَ، فرفع يَدَيهِ، فَحمِدَ الله وأَثْنَى عليه، وشَخَصَ بِبَصِرِه نحو السَّماء، وجعل يقول: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيثًا سريعًا غَدَقًا، مَرِيعًا طيبًا، هطلًا غيرَ رائثٍ، نافعًا غيرَ ضَارٍّ"، تملأُ به الضَّرْعَ، وتُنْبِتُ به الزَّرْعَ، وتُحِيي به الأرضَ بعد مَوْتِها، وكذلك تُخْرَجُونَ". فو اللهِ ما ردَّ يَدَيهِ إلى نَحرِهِ حتَّى أَلْقَتِ (٧) السَّماءُ بأوْدَاقِهَا، وجاءَ المطرُ من كلِّ مكانٍ كأفْواه القِرَبِ، وجاءَ النَّاسُ والمَطَرُ قد دامَ منَ الجُمُعَةِ إلى الجمعة، وجاءَ أهل البطاح (٨) يَصِيحُونَ: يا رسول الله، الغَرَق الغَرَق. قال: فرفَع رسولُ الله يَدَيْه نحو السَّماء، وجعل يقول: "اللَّهُمَّ حَوالَيْنَا لا عَلَينَا" قال: فانجَابَ (٩) السّحابُ إلى المدينة انجِيَابَ الثَّوْبِ الخَلِقِ، حتّى أَحْدَقَ بها كالإكْليلِ، فضَحِك رسولُ الله ﷺ حتّى بدَت نَوَاجِذُه، ثمّ قال: "للهِ دَرُّ أبي طالبٍ، لو كان حَيًّا لقرَّت عيناه". فقال علىّ ﵁: لَعَلَّكَ يا رسول الله تريدُ قولَهُ: وأبيضَ يُسْتَسْقى الغَمَامُ بوجهِهِ ... ربيعُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ يلوذُ به الهُلَّاكُ من آلِ هاشمٍ ... فهم عندَهُ في نعمةٍ وفَواضِلِ

стр. 1281

فقال رسول الله ﷺ : أجل. قال: فقام رَجُلٌ من كِنَانهً، فقال (١): لكَ الحَمْدُ والحمدُ مِمَّنَ شَكَرْ ... سُقِينَا بوَجهِ النَّبِيِّ المَطَرْ دَعَا رَبَّهُ المُصْطَفَى دَعْوَةً ... فأَسْلمَ مَعْهَا إليه البَصَرْ به يُنْزِلُ اللهُ غيثَ السَّماء ... فأهدى العبادَ لذاك الخَبَر ولم يَكُ إلَّا أنّ الْقَى الرِّداءَ ... وأَسْرعَ حتّى رأينا الدَّرَرْ (٢) ولم يرجع الكَفّ عند الدُّعاء ... إلى النَّحْرِ حتّى أفاص الغُدُرْ فمن يَشكرِ اللهَ يلقى المزيدْ ... ومَنْ يكفُرِ اللهَ يَلْقَ الغِيَرْ سَحَابٌ وما في أَدِيمِ السَّماء ... سحابٌ يراهُ الحديدُ النّظر فكانا كما قالَهُ عمُّه ... وأبيضَ يسقي الغمام الغُرَرْ (٣) قال موسى ابن عقبة: فأمر له النّبيُّ ﷺ برَاحِلَتَيْنِ وكَسَاهُ ثَوْبَانِ. ذكرُ الأخبار الواردة في الاستسقاء من أخبار الأنبياء والصَّالحين والعُلماء والخُطَبَاء الوَرِعينَ الخَائفِينَ الضّارعين إلى ربِّ العالمين قال علماؤنا؟ الأصلُ في ذلك "قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ الآية (٤)، فكان الخروجُ سُنَّةَ ماضيةَ وأمرًا مُجتَمَعًا عليه من الاُمَمِ السَّالفة وطريقتهم، ولا يكون (٥) الخروجُ والبروزُ إلَّا بإذْنِ الإمام، لما في الخروج للاجتماع من الآفات الدّاخلة على السُّلطان، وهي سُنَّةُ الأُمَمِ السَّالفة والقُرونِ الخالية. رُوِيَ في الأَثَر؛ أنّ بَنِي إسرائيل قالوا لموسى ﵇: اسْتَسْققِ لنا (٦) يا نبيّ الله، قال: تُوبُوا إلى الله وتَصَدَّقُوا. قالوا: نَعَمْ، فخرج فاستسقى، فقال: ما بالنا لم نسق؟! تُوبُوا بأّجمَعِكُم من النَّمِيمَة. قال: فَتَابُوا، فأرسلَ اللهُ عليهم الغَيْثَ (٧) فسُقوا.

стр. 1282

رواه كعب الأحبار (١). فأصلُ (٢) ذلك: الإجابة والتَّوْبَةُ وردُّ المظالِمِ، والإقبال على الله بكُنْهِ الهِمَّة، فذلك هو السَّبَب القريب للإجابة. وفي التّرمذيّ (٣)، خرج سليمان يستسقي، فإذا بنَمْلَةٍ قائمةٍ على قوائمها تدْع الله، فقال سليمان: ارجعوا فإنّ الله قد سَقَاكُم بدُعَاءِ نَمْلَةٍ. نكتةٌ: قال علماؤنا: في هذا دليلٌ على أنّ البهائم لها عند الله رِزقٌ معلومٌ، ولها فيه سؤال، ولكن يحتمل إظهار ذلك للنَّبيِّ ﷺ معجزة وآية، وجعلت له حُجَّة ولأهل زمانه عِبْرَة. ولا يكون ذلك على العموم، واللهُ أعلم. فجميع ما ذَرَأَ وبرَأَ، فإنّ اللهَ تعالى ينشر الرَّحمَة على جميع خَلقِه ممّن ذَرأَ وبَرَأَ بغُفْرَانِه لَهُم، فإذا أَمْطَرَ اللهُ قومًا عفَا عَنهُم، وأنشدوا: نشَرَ اللهُ علينا رحمةً ... وسَقَانَا الغيثَ سَقيًا والمَطَرْ قبلَ اللهُ دُعَانَا كُلّنا ... وعَسَى الرَّحمانُ عنَّا قد غَفَرْ يبسطُ الرَّزقَ علينا وكذا ... يرزق الدُّودَةَ (٤) في بَطنِ الحَجَر وقيل (٥) لمالك بن دينار: ألَّا تستسقي لنا؟ فقال: أنتم تنتظرون المَطَر وآنا أنتظر الحَجَر، ألَّا تشكرونَه على جميل سترِه وعافيته، فلو شكرتُموه ما رَزَقكُم، لسقَاكُم وأرضا كُم، وأنشدوا: جَلَّت أَيَادِيكَ عنِ الشُّكرِ ... وجلَّ في تحديدها فكر ما (٦) ينقضي منك يد ثَيّب ... حتّى يوافي بيد بكر والشُّكرُ في عَفْوِكَ مُسْتَغْرقٌ ... كلجَّةِ الغَرِيقِ في وَسطِ البَحْرِ

стр. 1283

قال (١) عطاء (٢): مُنِعْنَا الغَيثَ، فخرجنا نَسْتَسْقِي، فهذا نحن بِسَعْدُون المجنون في المقابر، فنظر إليَّ فقال: يا عَطَاء، أهذا يوم النُّشُور؟ أو بُعْثِرَ ما في القبور؟ فقلت: لا، ولكنا مُنِعْنَا الغَيْثَ فَخَرجنا نستسقِي. فقال: يا عَطَاء، بقلوب أَرْضِيَّةِ أم بقلوبٍ سماويةِ؟ فقلت: بل بقلوبٍ سماوية. فقال: هَيهَات يا عَطَاء، قُلْ للمُتبَهْرِجينَ لا تتبهرجوا فإنَّ النَّاقِدَ بصيرٌ، ثمّ رمقَ السَّماءَ بطَرْفهِ، وقال: إلهي وسيِّدِي، لا تُهْلِك بلادك بذنوب عبادك، ولكن بالمكنون (٣) من أسمائك، وما وَارَاتِ الحُجُبُ من آلائك إلَّا ما سَقَيْتَنْا ماءً غَدقًا، تحيي (٤) به العباد، وتروي به البلاد، يا مَنْ هو على كلِّ شيءٍ قديرٍ. قال عطاء: فما استتَمَّ من كلامه (٥) حتّى أَرْعَدَتِ السَّماء وأبرقت، وجاء المطرُ كأفواهِ القُربِ، فَوَلَّى وهو يقولُ: نعْمَ (٦) الزَّاهدونَ والعابدُونَ ... إذْ لِمَوْلاهُم أجاعوا البُطُونَا أسْهَرُوا الأعينَ العليَّة فيه (٧) ... فانْقَضَى لَيلُهُمْ وهُم سَاهِرُونا شَغَلَتهُم عبادة الله حتّى قيل ... في النّاس (٨) إنّ فيهم جُنُونَا هم ألباء ذووا عقولٍ ولكن ... قد شجاهم جميع ما يعرفُونَا (٩) وأنشدوا لسعدون المجنون أيضًا (١٠): مَنْ عَامَلَ اللهَ بتَقواهُ ... وكان في الخَلوَةِ يَخشَاهُ

стр. 1284

سقَاهُ كَأسًا مِن لَذِيذِ الصَّفَا ... يَمْنَعُ لذَّةَ (١) دنياهُ وحُكِيَ (٢) عن عبد الله بن المبارَك أنّه قال: قدمتُ المدينةَ في عامٍ شديد القَحْطِ، فخرجَ النَّاسُ يَسْتَسْقُونَ وخرجت معهم، إذْ أقبل غلامٌ أَسْوَد، عليه قِطْعَتَا خَيْشِ، قد ارتدَأ (٣) بإحداهما وألقْى الأخرى على عاتِقِه، فجلس إلى جنبي فجعل (٤) يقول: إلهي، أَخلَقتِ الوجوهُ عند (٥) كثرة الذّنوب ومساوىء الأعمال، وقد حبستَ عنَّا غيثَ السَّماء لتُؤدِّب عبادك بذلك، فاسألك يا حليمًا ذَا أناةٍ، يا مَنْ لا يعرف عباده منه إلَّا الجميل، أنّ تسقيهم السّاعة السّاعة، فلم يزل يقول السّاعة السّاعة، حتّى اكتست (٦) السّماء بالغمام، وأقبل المَطَرُ من كلِّ مكانٍ (٧). قال ابنُ المبارَك: فجئت إلى الفضيل، فقال لي: مالي أراك كئيبًا؟ فقلت: أمر (٨) سبقنا إليه غيرنا فتولّاهُ. قال: فقصصتُ عليه القِصَّة، فصاحَ الفُضَيْل وخَرَّ مغشيًّا عليه. وللإمام في ذلك أبياتٌ (٩): إليك إلهَ الخَلْقِ قاموا تَعَبُّدَا ... وذلّوا خضوعًا يرفعون الْيَدَا بإخلاصِ قَلْبٍ وانتصابِ جوارحٍ ... يخِرُّونَ للأذقان يبكون سُجَّدَا نهارُهُمُ صومٌ وليلُهُمُ هُدى ... وَدِينُهُمُ سِرُّ ودنياهُم سُدَا

стр. 1285

وَرُوِيَ (١) أنّ الله -جلَّت قدرتُه- أَوْحَى إلى مُوسى ﵇ أنّ يستسقي ببني إسرائيل بعد أنّ قحطوا سبع سنين، فخرج موسى ﵇ يستسقي لهم (٢) في سبعين ألفًا، فأَوْحَى اللهُ إليه: كيف استجيبُ لهم وقد أظلمت عليهم ذُنُوبهم سرائرهم، ويدعونَنِي على غير يَقِينٍ، ويَأمنون مَكْرِي، ارجع فإنّ عبدًا من عبادي يقالُ له: برخ، قل له: اخرج حتّى استجيب له. فسأل عنه موسى (٣)، فبينما موسى ﵇ يمشي ذات يومٍ في طريقٍ، فإذا هو بعَبْدٍ أَسْوَد قد استقبلَهُ، بين عيْنَيْه ترابٌ من أثَرِ السُّجود وهو في شملةٍ قد عقدها في عُنُقِه، فَعرَفَهُ موسى ﵇ بنور الله ، فسلَّم عليه، وقال: ما اسْمُكَ؟ قال: اسمي برخ. فقال له: أنْتَ طلَبُنَا منذ حينٍ، اخرُج فاسْتَسْقِ لبني إسرائيل، قال: فخرجَ، فكان من كلامه: ما هذا من فِعَالِكَ، ولا هذا من حُكْمِكَ، فما الّذي بَدَا لك؟ أَنَقَصَت (٤) عليك غيوثك؟ أم غارت الرِّياح عن طاعَتِكَ؟ أم نفد (٥) ما عندك؟ أم اشتد (٦) غضبك على المُذْنِبِينَ؟ ألستَ كنتُ غَفَّارًا قبل خَلْقِ الخَاطِئِينَ؟ خلقتَ الرَّحمة وأمرتَ بالعَطفِ فتكون لما تأمن (٧) الخائفين، أم تُرِينَا أنّك تمنع؟ أم تخشى الفَوْت فتُعَجَّل العقوبة؟ قال: فما بَرِحنَا حتّى اختلط بنو إسرائيل بالمَطَرِ، فأنبتَ اللهُ العُشْبَ في نِصْفِ يومٍ حتّى بلغ إلى الرِّكَابِ. قال: فخرج برخ فاستقبله موسى ﵇، وقال: كيف رأيتَ حين خَاصَمْتَ ربِّي كيف أَنْصَفَنِي، فَهَمَّ موسى ﵇ بِهِ، فأَوْحَى اللهُ تعالى إليه: إنّ برخًا يُضحِكني في كلِّ يومٍ ثلاث مرَّات. قال الإمام: ومعنى الضَّحِك من البارى تعالى هو بمعنى الرَّضَا، كان برخ يُرْضِي ربَّه في كلِّ يوم ثلاث مرَّات؛ ولأن ذلك لا يجوز على الله؛ لأنّ الضَّحك من صفات المخلوقين لا من صفات الخَالِقِ، وأنشدوا:

стр. 1286

جلَّ أمرُ الله في كلِّ حال ... فتعالى ربُّنْا ذو المِحَالْ مَلِكٌ يُعْطِي العَطَايَا الّتي ... لايُهْتَدَى فيها بحُسْنِ سُؤَالْ من مَعَاشٍ في سُهُولٍ (١) ... ومعاش واسعٍ في الجبالْ فَجَّرَت قُدْرَتُهُ الصَّخرَ فَجْرًا ... واسْتَقَلَّت بالسَّحاب الثِّقال ولقد قَسَّمَ من كلِّ رِزقِ ... في جَنُوبٍ مرَّةً أو شِمَال فهو اللهُ الكثيرُ العَطَايَا ... وهو اللهُ الجَزِيلُ النَّوالْ وخرجَ يعضُهم يستسقي، فقال نظمًا يأتي ذِكرُهُ: أروني لكم ربًّا دحا الأرضَ وحدَها ... وأرسى الجبالَ الصُّمَّ من فوقها أَلْقَى وأخرَجَ مَرْعَاهَا وأَجْرَى مِيَاهَهَا ... وسَهَّلَ في تَوْعِيرِها لكُم الطُّرْقَا أَرُونِي لكم ربًّا يريدُ وحدَه (٢) ... وسوَّى كما سوَّى لنا الغَربَ والشَّرْقَا أرُونِيَ رَبًّا غّيْرَ رب سَمَائِنَا ... يُنَزِّلُ منها مثلَ تَتزِيلِهِ الوَدْقَا أَرُونِي له بحرًا أَرُوني له سَمَا ... أَرُونِي له رَعْدًا أَرُوني له بَرْقَا أَرُونِي له لَيلًا أَرُونِي له نَجما ... أَرُونِي له بَدْرًا أَرُونِي له الأُفْقَا أَرُونِي إلاَهًا غيرَهُ عزَّ وَجهُهُ ... إذا ماتَ كلُّ الخَلقِ يَبْقَى كما يَبْقَى إلاَهِيَ أنت الفَرْدُ والصَّمَدُ الّذي ... بعَفْوِكَ أؤجُو عفوتك (٣) العَتْقَا تَوَحَّدْتَ يا قَيُّومُ بِالمُلْكِ حينَ لا ... سِوَاكَ وما أحْدَثتَ عَرْشًا ولا خَلقَا فلمّا خَلَقْتَ العَزشَ والخَلْقَ لم تَزَل ... على العَزشِ فَرْدًا حين لا يبصر الرّزقا وأنت الّذي لا شيء مثلُك، لم تلِذ ... إلاهِي ولم تُولَد فارْفَق بنا رِفْقا حُكِيَ عن بعض الخُطباء أنّه خرج يستسقي بقومه، فقال: الحمدُ لله المبدىء بالنِّعَمِ قبلَ الاستحقاق، المُتكَفِّل لجميع بَريَّتِهِ بالإرزاق، فالق الإصباح بقُدْرَتِهِ، خالق الأشياء (٤) بِحِكمَتِه، ومُرْسِل الرِّياحَ نَشرًا بين يَدَي رحمته. الكريم الجواد، الّذي ليس لنعمائه نفاد، ولا يستغني عنه جميع العباد. سيحانه عمَّ الخلائقَ قضاؤُه، ووسع كلّ شيء رحمته، الّذي لا يكديه إلحاحٌ، الّذي لا يخاف الافتقار (٥)، وكلَّ شيءٍ عنده

стр. 1287

بمقدار، عالم الغيب والشّهادة العزيز الغفار. المنزل الغَيْثِ من السّماء، والضّامِن لأقوات الوَرَى، النّاشر لرحمته، والعائد على خَفقِه بالنِّعمَة، والكاشف للكُرْبَة، والمُتَغَمِّد بحِلْمِهِ ذنوب المُذنِبينَ، والمادِّ جناح ستره على العاصين، الّذي شملَ فضلُه جميع العالَمِين من بريَّته منَ أهل طاعته ومعصيته، وعمَّ جُودُه جميع العَالَمين، كلُّ ذلك بفضل نبيه محمّد سيّد المُرسَلِين ﷺ وعلى آله وأهل بيته الطَّيِّبِين. أيها النّاس، اعلموا أنّه مَنْ أنعمَ عليه بنعمةٍ فلم يشكره، ابتلاهُ ببلاء يعجزُ عنه صبرُه، ومن استعتبَ فله العتاب، ومن أحسن فله الحُسْنَى، وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كَثيرٍ، وقد أصابتكم مصيبةٌ عظماء (١). ونزلت بكم نازلة دهماء (٣)، وحلت بكم رزيّة كرباء (٢). وذلك (٣) أنكم بَدَّلْتُم بِلينِ الأسعار شدَّتها، ويِبَسْطِ النِّعَم قبضها، وبرطوبة الأرضِ جَدْبَها، وأَمسَكَتِ السماءُ عنكم مطرها وبركتها، وفَوَّقَتْ إليكم الرَّزايا سِهَامَها، وأفضت إليكم المنايا حِمَامَها. فأنتم بقليل العيش تفرحونَ. وعلى سَيِّءِ الأعمال لا تبكون ولا تَنْتَحِبُون، فإنّا للهِ وإنّا إليه راجعون. كلُّ ذلك بتركِكُمُ التَّفَكُر في الآخرة، واشتغالكم بالأعمال الخَاسرة، وحلفكُم بالأَيْمان الفاجرة، فضعُف يَقينكم (٤)، وكثرت ذنوبُكُم، وظهرت عُيُوبُكُم، ولم تُحْسِنُوا إلى فقرائكم، وبَعُدَت آمالُكُم، وتمادَيتُم في طُغيَانِكُم. أَذْهَبتُمُ الأمانةَ، وأظهرتُمُ الخيانة، وأخذتم نِعَمَ اللهِ بقِلَّةِ الشُّكر، أَطَلْتُمُ الأملَ، وقصَّرتمُ العملَ حتّى أتاكم الأجل، إنّما خَلَقكُم لتعبدوهُ، ورزَقَكُم لتشكرُوهُ، وأَنْذَرَكُم لتخافُوهُ، ودعاكُم لتُجِيبُوه، وقرَّبَكُم لتُطِيعُوهُ، وأَمهَلَكُم لتستغفرُوهُ، وحذركُم لترجوهُ، لئلّا يكون للنّاس على الله حُجَّة بعدَ الرُّسُل، استحللتم الرّيبة، وأَظهَرْتُم (٥) الغِيبَة، وفعلتم كلّ عجيبة، وعَظُمت في أيديكم المُصِيبَة. قلَّلْتُم صدقاتِكُم، ومنعتم زكواتِكُم، وكَثَّرْتُم سيِّئاتِكُم. وزَهَدْتُم في المعروف، ولم تغيثوا (٦) الملهوف، وقطعتم دَهرَكُم بالتَّواني، وأفسدتم أعماركم بالأَمَانِي، بسوف ولعَلَّ وعسى، ونَسيتم العرضَ على الموَلى، والوقوف بين

стр. 1288

يدي الله تعالى. اتّبعتُم الشهوات، ولزمتم السَّيِّئات، واشتغلتم بالتِّجارات الخاسرات، وتركتم الجماعات، وصلَّيتم في غير الأوقات، ورفعتم في المساجد الأصوات، ولم تراقبوا إله السماوات. فلو راقَبْتُمُوهُ وكنتم ممَّن تتوبوا إليه وتستغفروه، لكنتم أَهْلًا للإجابة وترجوه. استغفروا (١) الله وتوبوا إليه، فإنّه يقبل التّوبة من المُذْنِبِين، ويرحم الباكين والمتضرِّعين. قال الله العظيم في مُحكم كتابه المبين، في قوم نُوح الكافرين ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآية (٢). قال: فما تَمَّ من خُطْبته حتّى (٣) سُقوا. فقال بعضىُ المريدين: لِلَّه دَرّه من خطيبٍ لبيبٍ، يقرعُ مَسَامع كلّ عبدٍ مذنبٍ مريبٍ، وأنشدوا في صِفَتِه: لمَّا عَفَفْتَ وكلُّ النَّاسِ قد فسَقَا ... دعوتَ ربَّكَ فَاسْتَسْقَيْتَهُ فَسَقَا لله دَرُّ خَطِيبٍ إذ دَعَا وَرَقَا ... أَضْحَتْ (٤) مزارعنا مخضرَّة وَرَقَا وفي الحديث الحسن؟ أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لم يعرف الله في الرَّخاء لم يعرفه في الشِّدَّة" (٥). وفي الحديث الحسن؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما مَنْ زَرع ولا (٦) ثمار إلا وعليها مكتوب بسم الله الرحمان الرحيم، هذا رزق فلان بن فلان" (٧).

стр. 1289

وقال بعضُ العلماء: ما مِنْ زَرعٍ إلا وعليه اسْم صاحبه مكتوبٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١). ويحكى عن بعض الخُطَبَاءِ أنّه خرجَ يستسقِي، فأَنْشَدَ يقول (٢): يا مَنْ إليه جميعُ الخَلق يبتهلُ ... وكلُّ حيٍّ على رُحمَاهُ يتَّكِلُ يا من نَأَى فرأى ما في الغيوب ... وما تحت الثرى وحِجابُ اللَّيل مُنْسَدِلُ يا مَنْ دَنا فنأَى عن أنّ تحيطَ به إلَّا ... فكارُ والعقلُ والأوهام والعِلَلُ أنت المَلَاذُ إذا سا أَزْمةٌ شَمِلَت ... وأنتَ ملجأُ من ضاقت به الحِيَلُ أنت المنادَى به في كلِّ حادثةٍ ... أنت الملاذُ وأنت الذُّخْرُ والأَمَلُ أنت الغيّاث لمن سُدَّت مذاهِبُهُ ... أنت الدَّليلُ لمن ضلَّت به السُّبُلُ إنّا قَصَدْنَاك والآمالُ واقفةٌ ... عليك والكلُّ ملهوفٌ ومُبْتَهِلُ فإن عفوْت فعن طَوْلٍ وعن كرمٍ ... وإن سَطَوْتَ فأنت الحَاكِمُ العَدلُ والأخبار في هذا الفنِّ كثيرةٌ، لُبابُها ما ذكرناه لكم، والحمدُ لله ربِّ العالمين. باب الاسْتِمْطَار بالنُّجوم مالك (٣)، عن صالح بن كَيْسَان، عن عُبَيْدِ الله بن عبد الله بن عُتْبَة، عن زَيْد بن خالد الجُهْنِيّ، قال: صَلَّى لَنَا رسولُ الله ﷺ الصُّبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ على إِثْرِ سَمَاءٍ كانت من اللَّيلِ، فلمَّا انصرفَ، أَقْبَلَ على النّاسِ، فقال؟ "أَتدْرُونَ ماذا قال رَبُّكُمْ؟ " قالوا: اللهُ ورسولُه أَعلَمُ، قال: "أَصْبَحَ من عبادِي مُؤْمِنٌ بِي، وَكافِرٌ بِي، فأمّا من قال: أُمطِرنَا بفَضلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ، فذلك مُؤمِنٌ بِي كافرٌ بالكوْكَبِ" ومن قال: أُمْطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ".

стр. 1290

التّرجمة (١): قال الإمام: بوَّبَ مالك ﵀ "الاستمطار بالنّجوم" وأَدخلَ هذا الحديث في باب الاستسقاء لوجهين: أحدُهما: كانتِ العربُ تنتظر السَّقْيَا في الأنواء، فقطع النّبيُّ ﷺ هذه العلاقة بين القلوب وبين الكوكب. والوجه الثّاني الّذي أدخلَ له مالك هذا الحديث وترجم هذه التّرجمة: وذلك أنّ النّاس أصابهم القَحط في زمان عمر، فقال عمر للعبَّاس: كم بقي لنوء الثُّريا؟ فقال له العبّاس: زَعَمُوا يا أمير المؤمنين أنّها تعترض في الأُفُقِ سَبْعًا، فمَا مرَّت حتّى نزل المطر (٢)، فأراد مالكٌ أنّ يقطع أمرَ النُّجومِ ولا يكون لها ذِكْرٌ إلّا للخَالِقِ الوَاحِدِ. الإسناد (٣): قال الإمام: هذا حديث صحيحٌ، خرَّجه الأيمة: مسلم (٤) والبخاريّ (٥) وغيرهما (٦)، وهو مُتَّفَقٌ عليه. والحُدَيْبيَةُ موضعٌ معروفٌ (٧)، وفيه كانت بَيْعَة الرِّضوان تحت الشَّجَرَة. الفوائد المنثورة في هذا الحديث والأصول المتعلِّقة به: وهي أربع فوائد: الفائدة الأولى (٨): قوله: "على إِثْرِ سَمَاءٍ كانَت منَ اللَّيْلِ" يعني بالسّماء المَطَر والغَيْث، وهي استعارةٌ حسنةٌ معروفة عند العربِ.

стр. 1291

الفائدة الثّانية (١): قوله حاكيًا (٢): "أصبحَ من عبادي مُؤْمِنٌ بِي وكافرٌ بِي" قال علماؤنا: إذا اعتقد المرء أنّ المطر مَنْ الأنواء وأنّها فاعلة له من دون الله فهو كافرٌ، ومَنِ اعتقدَ أنّها فاعلةٌ لكن بما جعلَ اللهُ فيها فهو أيضًا كافرٌ؛ لأنّه لا يصحّ أنّ يكون الخَلْقُ والأَمْرُ إلّا لله، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٣) ومن انتظرَها وتَوَكَّفَ (٤) المطر منها على أنّها عادة أجراها اللهُ فلا شيءَ عليه، فإنّ الله قد أَجْرَى العوائد في السَّحَاب والرِّيَاح والأمطار بمعاني تَرَتَّبَت في الخِلْقَةِ، وجاءت على نسق (٥) في العادة؛ ولهذاَ أدخل مالك هذا الحديث مُبيِّنَا لهذه الحقيقة، قوله: "إذًا أَنْشَاَتْ بَحْرِيَّة، ثُمَّ تَشَاءَمَتْ، فتلكَ عَيْنٌ غدَيقَةٌ" (٦)؛ لأنّ قدرةَ الباري تعالى قد يأتي المطر بالنَّوْءِ الثَّقيل، ومرَّة بغير نَوْءٍ كيف شاء، لا إله إلَّا هو. والَّذي أحبّ (٧) لكلِّ مؤمن أنّ يقول كمَا قال أبو هريرة (٨): مُطِرْنَا بفَضلِ اللهِ ورَحمَتِهِ (٩)، ويتلو الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الاَية (١٠). ورُوي (١١) عن ابن عبّاس في قوله : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (١٢)، قال ذلك في الأنواء (١٣)، وهذا قولُ جماعة أهل التّفسير (١٤). ورُوي عن سعيد بن أُمَيَّة؛ أنّ النّبيَّ ﷺ سمعَ رَجُلًا في بعض أَسْفَارِهِ يقولُ: مُطِرْنَا بِبَعْضِ عثانين الاسد. فقال رسول الله ﷺ : "كذبتَ، بل هو سُقْيَا الله وَرِزقُه" (١٥)

стр. 1292

قال سفيان: عثانين الأسد: الذِّراع والجَبْهَةُ. ورُوِيَ عن الحسن؟ أنّه سمع رَجُلًا يقولُ: طَلَعُ سُهَيلُ وبردَ اللَّيْلُّ، فكره ذلك، وقال: إنّ سُهَيْلًا لم يأت قَطُّ بِحَرٍّ ولا بَرْدٍ. وكره مالك أنّ يقول الرَّجُل للغَيْمِ والسَّحابة: ما أَخْلَفَها (١) للمطر، وهذا من قوله وروايته (٢): "إذًا أَنْشَاَتْ بَحْرِيَّةً" تدُلُّ على انّ القوم احتاطوا فَمَنَعُوا النَّاسَ مِن الكلام فيه، إذْ هو متعلّقٌ من أمر الجاهليّة في قولهم: "مُطِرْنَا بنَؤءِ كذا وكذا" على ما مهَّدْنا. وقال الشّافعيّ في كتابه "المبسوط " (٣) في غريب حديث النّبيِّ ﷺ ، قال: هذا حديثٌ يحتملُ (٤) المعاني، وكان النّبيُّ ﷺ قد أُوْتِيَ جوامع الكلم؛ لأنّه قال: "أَصْبَحَ مِن عِبَادِي مُؤمِنٌ بِي، وكافرٌ بي، فالمؤمنُ يقول: مُطِرْنَا بفَضْلِ اللهِ ورَحمَتِهِ" وذلك إيمانٌ بالله؛ لأنّه لا يُمْطِر ولا يمنع إلّا الله وحدَهُ لا النَّوْء؛ لأنّ النَّوْءَ مخلوقٌ لا يملك لنفسه شيئًا ولا لغيره. وهذا قريبُ المأخَذ فافْهَمْ. حديث سُفْيان بن عُيَيْنَة (٥)، عن عَمْرو بن دينار، عن عتاب بن حنين (٦)، عن أبي سعيد الخُذرِي؟ أنّ رسول الله ﷺ قال: لو أمسكَ اللهُ القَطرَ عن عِبَادِهِ خمْسَ سِنِينَ، ثمَّ أَرْسَلَهُ، لأصبحت طائفةٌ منهم به كافرينَ (٧) يقولونَ: مُطِرْنَا بنَوْءِ المِجْدَح. قال الإمام: هذا الحديث كحديثِ مالك سواء في المعنى. عربية: أمّا قوله: "بنَوءِ المِجْدَح" فإنّ الخليل زعم أنّه نَجْمٌ كانت العرب تزعم أنّها تمطر به، قال (٨): "ويقالُ أَرْسَلَتِ السَّمَاءُ مَجَادِيحَ الغَيْثِ". قال: ويقالُ: مِجْدَح ومُجْدَح بضمِّ الميم وكسرها.

стр. 1293

حديث مالكٌ (١)؟ أنّه بَلَغَهُ أنَ رسولَ الله ﷺ كان يقول: "إِذَا أَنْشَاَتْ بَحْريَّة، ثُمَّ تَشَاءَمَت؟ فَتِلكَ عَين غُدَيْقَةٌ". الإسناد: قال الإمام: وهذا حديثٌ من الأحاديث الثّلاثة الّتي بلغَتْهُ عن النّبيِّ صلّى الله عليه وليس توجد لغير مالك. الحديث الأوّل: "إنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأَسُنَّ" (٢). الثّاني: "إذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ، ثمّ تَشَاءَمَت". الثّالث: "اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا" (٣) وقد قيل: إنّ هذا وَحْدَهُ يأتي مُسْنَدًا (٤). وممّا أدخل مالك أيضًا في كتابه ولا يوجد عن ابن عمر ولم يأخذ هو بها، قوله: لا بَأسَ بفَضْل المرأة ما لم تكن حائضًا (٥). وترك القراءة خَلفَ الإمام (٦). وقراءته في ركعة بسُورَتَيْنِ وأكثر. وتأخير المَسْح (٧). وتشفيع الوِتْر (٨). وحديثُه في صلاة الخوف (٩). وَرَفْع اليَدَيْن عند الرُّكوع (١٠). والوُضوء من الرُّعاف (١١). والإعادة من مَسِّ الذَّكَرَ بعد الوَقتِ (١٢).

стр. 1294

وقوله (١): تُعَادُ الصَّلاة مع الإمام إِلَّا الصُّبْح والمَغْرِب، وخالَفَه (٢) في الصُّبح. ونَضَحَ (٣) الماء في عَيْنَيْهِ، هذا كلُّه أَدْخَلَهُ عن ابن عمر ولم يأخذ هو به ولا عملَ به. قال الإمام (٤): وحديثُ: "إذًا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً، ثمَّ تَشَاءَمَتْ" لا أعرفُه بوجهٍ من الوجوه في غير الموطَّأ، ومَنْ ذَكَرَهُ إنَّما ذَكَرَهُ من طريق مالكٌ في الموطاْ، إلّا ما ذَكَرَهُ الشّافعيّ في كتاب الاستسقاء (٥) عن إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى، عن إسحاق (٦) ابن عبد الله؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "إِذَا أَنْشَاَتْ بَحْرِيَّةً، ثُمَّ استَحَالَت شَامِيَّةً فَهُوَ أَمْطَرُ لَهَا". قال الإمام: وإبراهيم بن (٧) محمّد بن أبي يحيى مطعونٌ عليه متروك الحديث (٨). وإسحاق بن عبد الله* هو ابن أبي فروة ضعيف أيضًا متروك الحديث (٩). وهذا الحديث* (١٠) لا يحتجُّ به أحدٌ من أهل العلم بالحديث؛ لأنّه ليس له إسناد (١١).

стр. 1295

وذكر الشّافعيّ (١) في حديثه هذا: "بَحْريّةً" بالنَّصْبِ، كأنّه يقول: إذا ظَهَرَتِ السَّحابةُ بحريَّةً من ناحية البحرِ. ومعنى "نَشَأَت" (٢): ظهرت وارتفعت. وقد قيل: أنشأَت تُمْطِرُ، أي ابتدأت، ومنه قيل للشّاعر: أنشأَ يقول (٣)، وإنّما سمِّيت (٤) السَّحابةُ بَحْرِيّة لظُهورها من ناحية البَحْرِ. يقول: إذا طلعت سحابة من ناحية البحر، وأخذت ناحية الشّام نحو الشمال (٥)، فهي عينٌّ غُدَيْقَةٌ تصدق (٦) بنزول الماء. وقوله: "فتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ" العينُ: مَطَرُ أيَّامٍ لا يَقْلَع. كذلك قال أهل العلم باللَّغة. وقالوا أيضًا: ناحية القبلة (٧). والعرب تقول: مُطِرْنَا بالعَيْنِ. وقد قيل: إنّ العين ماءٌ عن يمين قِبْلة (٨) العراق.

стр. 1296

قال الإمام: وغُدَيقَة تَصغِيرُ غَدَقَة، والغَدَقَةُ: الكثيرةُ الماءِ، مصداقُه قولُه تعالى: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾ (١) أي كثيرًا، وقد يكون التّصغير هنا أُريدَ به التّعظيم. قال عمر بن الخطّاب في ابن مسعود: كنُيفٌ مُلِىء عِلْمًا (٢)، وقيل: إنّ قولَ عمر كان لِصغَرِ (٣) قَدِّ ابن مسعود ولَطَافَةِ جِسْمِه. وقول رسول الله ﷺ هذا القول خَرَجَ على العادة المعهودة من حِكْمَةِ (٤) اللهِ وفَضلِهِ؛ لأنّه لا يعلم نزول الغَيْث إلَّا الله سبحانه، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥) هذا قولُ الجمهور من أهل السُّنَّة. الأصول: قال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب (٦): وكيف يجتمعُ في قَلْب مؤمنٍ تصديقُ الرُّسُل (٧) وتصحيحُ الآيات، مع الاعتقاد بتصحيح أحكام النُّجوم، وقد سمع الآيات الواردة عليهم والأحاديث القاطعة بهم؟ أمّا الآيات، فقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٨) وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ الآية (٩)، ولقول النّبيّ ﷺ : "من أَتَى كاهِنًا أو عَرَّافًا أو مُنَجِّمًا فَصَدَّقَه بما (١٠) يقول، فقد كفر بما أُنْزِلَ (١١) على قلب محمّد (١٢) " (١٣)، ومن قال: غدًا ينزل الغيث، ضُرِبَ وسُجِنَ واسْتُتِيْبَ من ذلك، على هذا نَصَّ (١٤) أهل العلم من أهل السُّنَّة والجماعة، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

стр. 1297

النَّهْيُ عن استقبالِ القِبْلَةِ والإنسان على حَاجَتِه الأحاديث في هذا الباب ستّةُ أحاديث (١): الحديث الأوّل: حديث أبي أيُّوب (٢). الثّاني: حديث ابن عمر (٣)؛ كان يقول إنَّ ناسًا يقولون: إذا قَعَدْتَ على حاجَتِكَ فلا تستقبل القِبْلَة ولا تستدبرها (٤) ولا بَيْتَ المَقْدِسِ. الحديث الثّالث: حديث سلمان؛ قال: إنّما أنَا لَكُمْ بمَنْزِلَةِ الوَالِدِ أُعَلِّمُكُم، لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ لغَائِطٍ ولا بَوْلٍ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا (٥). وهذه أحاديثٌ صِحَاحٌ لا إشكالَ في صحَّتِها. الحديث الرّابع: حديثُ أبي هريرة نحو حديث سلمان، خَرَّجَهُ أبو داود (٦). الخامس: حديث جابر؛ نَهَى رسولُ الله ﷺ أنّ نسْتَقبِلَ القِبْلَةَ لِغَائِطٍ أو بَوْلٍ، ثُمَّ رأيتُه قبلَ أنّ يُقبَضَ بعامٍ يَسْتَقبِلُهَا، خَرَّجَهُ التّرمذيّ (٧). السّادس: حديث عائشة؟ قالت: بلغَ رسولُ الله ﷺ أنّ ناسًا يقولون: لا تُستقبل القِنلَة لبَوْلٍ ولا لغائطٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَوَقَدْ فَعَلُوهَا، حَوِّلُوا بمقْعدِي إلى القِبْلَة" خَرَّجه الدّارقُطْنِي (٨).

стр. 1298

العربية: فيه ثلاثة ألفاظ: الأوّل (١): قوله (٢): "الغائط" هو المكان المطمئنّ من الأرض، وكانوا إذا أرادوا قَضاء الحاجة أتَوْهُ للتَّستُّر (٣) فيه، فسُمِّيَتِ الحاجةُ به وغلب ذلك عليها، حتّى صار هذا اللِّفْظ في الحاجة أعرف منه في مكأنّها، وهذا أحد (٤) قِسْمَي المجاز. الثّاني (٥): قوله في حديث أبي أَيُّوب (٦): "كَيْفَ أَصْنَعُ بهذه الكَرَابِيسِ" يعني بها المراحيض، وَاحِدُها كِرْبَاس (٧). الثّالث (٨): قوله في الحديث الآخر (٩): "فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ مُسْتَقبَلَ القِبْلَةِ" المراحيض وَاحِدُها مِرْحَاض (١٠)، مِفْعال، من رحض إذا غسَل، يُقال: ثوبٌ رحيضٌ، أي غسيل، والرُّحَضَاءُ: عَرَقُ الحُمَّى، والمرحضة (١١): اناءٌ يتوَضَّأ فيه. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (١٢): اختلفَ العلماء في العمل بهذه الأحاديث على ثلاثة أقوال.

стр. 1299

حديث (١) أبي أيوب فيه من الفقه: استعمالُ عُمُوم الخِطَابِ على كلِّ مَنْ سمِعَه في السُّنَّة (٢)؛ لأنّ (٣) أبا أَيُّوب سمع النّهي عن استقبال القِبْلَة واسْتِدْبَاره، فاستعمل ذلك مُطْلَقًا عامًّا في البيوت وغيرها، إد لم يخصّ شيئًا من ذلك في الحديث (٤). وقال بهذا (٥) أهل الظّاهر (٦) الّذين ليسوا بحُجَّةٌ. وقالوا (٧): هذا الحديث على من بَلَغَهُ أنّ يستعملَهُ على عُمُومِهِ حتّى يثبت عنده (٨) ما يخصّصه أو ينسخه (٩)، ولم يجمع معهم (١٠) أحدٌ على هذا (١١)، وهو مذهب ابن حنبل وسُفيان. ورُوِي (١٢) أنّ ذلك في الصَّحَاري خاصّة وممنوع في البيوت، قاله ابن عُمَر ومالك والشّافعيّ (١٣)، ورُوِي عن مالكٌ؛ أنّ ذلك في مَوْضِعِ يقدرُ فيه على الانحراف، وأمّا المواضع الّتي قد عُمِلت لذلك (١٤) فلا بأس به. ومنهم من قال: حديثُ ابن عمر معارِضٌ لحديث أبي أيّوب، فتعارض القولان، واختلفَ النّاس في تعارُضِ القَوْلَين والفِعلَيْن والقولُ الفعل اختلافًا كثيرًا، بيَّنَّاه في كتب الأصول (١٥)، لُبابه: أنّ القَوْلَيْن إذا تعارَضَا بأن يتعلَّقا بمعنيين متنافيين

стр. 1300

في حق شخصٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ، فإن ذلك مستحيلٌ؛ لأنّ ذلك من باب تكليف المُحَالِ. فإن وردَا، فَأَحدهما ناسخٌ للآخر. وأمّا إنِ اختلفَ الفعلانِ، فلا تضَادَّ بينهما لذاتِهِما، كالقولين أيضًا لا تضادَّ بينهما لذاتيهما، فلا تعارض بينهما إلَّا أنّ يقتضيا بيان معنى ويتعلَّقا في بيانه تعلُّقَ القولين كما قدَّمْنَا، فالحُكمُ فيهما واحدٌ. وأمّا إذا تعارض القولُ والفعلُ، فقال قوم: يُقَدَّمُ القولُ لأنّه عَامٌّ، والفعْلُ مُخْتَصُّ بالنبي ﷺ فيقف عليه، ولا يكون هنالك تعارضٌ، وهذا كلامٌ إنّ ظَهَرَ عند الإطلاق لم يصحّ عند السَّبْر والتّقسيم لنُكْتَةٍ بديعة، وهي أنّ كلَّ أَمْرٍ واردِ من جهة الله تعالى على النّبيِّ (١) بتكليف الخَلْقِ، فإنّ النّبيَّ ﷺ داخلٌ فيه، يلزمه من ذلك ما يلزمهم، وهي مسألة خلافٍ في أصول الفقه، هل يدخل الآمِرُ تَحْتَ الأوامر أم لا؟ وهي مسألة مُعْضِلةٌ، قد بيّنّاها في أصول الفقه، فهذا ثبت أنّ (٢) النّبيَّ ﷺ داخلٌ في الأمر مع الخَلْقِ، ثمّ ثبت أنّه تركَ ذَلِكَ، فذلك نَسْخٌ في حَقِّه، وبَقِيَ أنّ يُنْظر هل يكون نَسْخًا (٣) في حقِّ غيره أم لا؟ والصّحيح أنّ النَّسْخَ مقصورٌ عليه، إلَّا أنّ يدلُّ الدَّليلُ على تَعَدِّيه، وقد دَلَّ الدَّليلُ الصّحيح (٤) العامّ (٥) على تَعَدِّيه إلى غيره، فقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٦) فارشدنا إلى الاقتداء به، وثبتَ بالتّواتُر المعنَوِيِّ أنّ الصّحابة - رضوان الله عليهم- كانوا يلجاون إلى فعله عند المشكلات كما يلجاون إلى قوله، فهذا ثبت هَذَا وصَحَّ جواز الاستدبار في البُنْيان، فجوازُ الاستقبال يؤخذ من طريقين: أحدهما: طريق المعنى، وهو قياس الاستقبال على الاستدبار في البُنْيان في جوازه، كما استوى الاستقبال والاستدبار في الصّحراء في (٧) منعه. وتحريره أنّ نقول: الاستقبال في البنيان أحد القَصْدَين إلى الكعبة للحاجة، فاستوى حكمها في محلّها، كالاستقبال والاستدبار في الصّحراء والبُنْيَان.
следующие страницы →