← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قال الإمام: وغُدَيقَة تَصغِيرُ غَدَقَة، والغَدَقَةُ: الكثيرةُ الماءِ، مصداقُه قولُه تعالى: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾ (١) أي كثيرًا، وقد يكون التّصغير هنا أُريدَ به التّعظيم. قال عمر بن الخطّاب في ابن مسعود: كنُيفٌ مُلِىء عِلْمًا (٢)، وقيل: إنّ قولَ عمر كان لِصغَرِ (٣) قَدِّ ابن مسعود ولَطَافَةِ جِسْمِه. وقول رسول الله ﷺ هذا القول خَرَجَ على العادة المعهودة من حِكْمَةِ (٤) اللهِ وفَضلِهِ؛ لأنّه لا يعلم نزول الغَيْث إلَّا الله سبحانه، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥) هذا قولُ الجمهور من أهل السُّنَّة. الأصول: قال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب (٦): وكيف يجتمعُ في قَلْب مؤمنٍ تصديقُ الرُّسُل (٧) وتصحيحُ الآيات، مع الاعتقاد بتصحيح أحكام النُّجوم، وقد سمع الآيات الواردة عليهم والأحاديث القاطعة بهم؟ أمّا الآيات، فقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٨) وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ الآية (٩)، ولقول النّبيّ ﷺ : "من أَتَى كاهِنًا أو عَرَّافًا أو مُنَجِّمًا فَصَدَّقَه بما (١٠) يقول، فقد كفر بما أُنْزِلَ (١١) على قلب محمّد (١٢) " (١٣)، ومن قال: غدًا ينزل الغيث، ضُرِبَ وسُجِنَ واسْتُتِيْبَ من ذلك، على هذا نَصَّ (١٤) أهل العلم من أهل السُّنَّة والجماعة، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

стр. 1297

النَّهْيُ عن استقبالِ القِبْلَةِ والإنسان على حَاجَتِه الأحاديث في هذا الباب ستّةُ أحاديث (١): الحديث الأوّل: حديث أبي أيُّوب (٢). الثّاني: حديث ابن عمر (٣)؛ كان يقول إنَّ ناسًا يقولون: إذا قَعَدْتَ على حاجَتِكَ فلا تستقبل القِبْلَة ولا تستدبرها (٤) ولا بَيْتَ المَقْدِسِ. الحديث الثّالث: حديث سلمان؛ قال: إنّما أنَا لَكُمْ بمَنْزِلَةِ الوَالِدِ أُعَلِّمُكُم، لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ لغَائِطٍ ولا بَوْلٍ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا (٥). وهذه أحاديثٌ صِحَاحٌ لا إشكالَ في صحَّتِها. الحديث الرّابع: حديثُ أبي هريرة نحو حديث سلمان، خَرَّجَهُ أبو داود (٦). الخامس: حديث جابر؛ نَهَى رسولُ الله ﷺ أنّ نسْتَقبِلَ القِبْلَةَ لِغَائِطٍ أو بَوْلٍ، ثُمَّ رأيتُه قبلَ أنّ يُقبَضَ بعامٍ يَسْتَقبِلُهَا، خَرَّجَهُ التّرمذيّ (٧). السّادس: حديث عائشة؟ قالت: بلغَ رسولُ الله ﷺ أنّ ناسًا يقولون: لا تُستقبل القِنلَة لبَوْلٍ ولا لغائطٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَوَقَدْ فَعَلُوهَا، حَوِّلُوا بمقْعدِي إلى القِبْلَة" خَرَّجه الدّارقُطْنِي (٨).

стр. 1298

العربية: فيه ثلاثة ألفاظ: الأوّل (١): قوله (٢): "الغائط" هو المكان المطمئنّ من الأرض، وكانوا إذا أرادوا قَضاء الحاجة أتَوْهُ للتَّستُّر (٣) فيه، فسُمِّيَتِ الحاجةُ به وغلب ذلك عليها، حتّى صار هذا اللِّفْظ في الحاجة أعرف منه في مكأنّها، وهذا أحد (٤) قِسْمَي المجاز. الثّاني (٥): قوله في حديث أبي أَيُّوب (٦): "كَيْفَ أَصْنَعُ بهذه الكَرَابِيسِ" يعني بها المراحيض، وَاحِدُها كِرْبَاس (٧). الثّالث (٨): قوله في الحديث الآخر (٩): "فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ مُسْتَقبَلَ القِبْلَةِ" المراحيض وَاحِدُها مِرْحَاض (١٠)، مِفْعال، من رحض إذا غسَل، يُقال: ثوبٌ رحيضٌ، أي غسيل، والرُّحَضَاءُ: عَرَقُ الحُمَّى، والمرحضة (١١): اناءٌ يتوَضَّأ فيه. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (١٢): اختلفَ العلماء في العمل بهذه الأحاديث على ثلاثة أقوال.

стр. 1299

حديث (١) أبي أيوب فيه من الفقه: استعمالُ عُمُوم الخِطَابِ على كلِّ مَنْ سمِعَه في السُّنَّة (٢)؛ لأنّ (٣) أبا أَيُّوب سمع النّهي عن استقبال القِبْلَة واسْتِدْبَاره، فاستعمل ذلك مُطْلَقًا عامًّا في البيوت وغيرها، إد لم يخصّ شيئًا من ذلك في الحديث (٤). وقال بهذا (٥) أهل الظّاهر (٦) الّذين ليسوا بحُجَّةٌ. وقالوا (٧): هذا الحديث على من بَلَغَهُ أنّ يستعملَهُ على عُمُومِهِ حتّى يثبت عنده (٨) ما يخصّصه أو ينسخه (٩)، ولم يجمع معهم (١٠) أحدٌ على هذا (١١)، وهو مذهب ابن حنبل وسُفيان. ورُوِي (١٢) أنّ ذلك في الصَّحَاري خاصّة وممنوع في البيوت، قاله ابن عُمَر ومالك والشّافعيّ (١٣)، ورُوِي عن مالكٌ؛ أنّ ذلك في مَوْضِعِ يقدرُ فيه على الانحراف، وأمّا المواضع الّتي قد عُمِلت لذلك (١٤) فلا بأس به. ومنهم من قال: حديثُ ابن عمر معارِضٌ لحديث أبي أيّوب، فتعارض القولان، واختلفَ النّاس في تعارُضِ القَوْلَين والفِعلَيْن والقولُ الفعل اختلافًا كثيرًا، بيَّنَّاه في كتب الأصول (١٥)، لُبابه: أنّ القَوْلَيْن إذا تعارَضَا بأن يتعلَّقا بمعنيين متنافيين

стр. 1300

في حق شخصٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ، فإن ذلك مستحيلٌ؛ لأنّ ذلك من باب تكليف المُحَالِ. فإن وردَا، فَأَحدهما ناسخٌ للآخر. وأمّا إنِ اختلفَ الفعلانِ، فلا تضَادَّ بينهما لذاتِهِما، كالقولين أيضًا لا تضادَّ بينهما لذاتيهما، فلا تعارض بينهما إلَّا أنّ يقتضيا بيان معنى ويتعلَّقا في بيانه تعلُّقَ القولين كما قدَّمْنَا، فالحُكمُ فيهما واحدٌ. وأمّا إذا تعارض القولُ والفعلُ، فقال قوم: يُقَدَّمُ القولُ لأنّه عَامٌّ، والفعْلُ مُخْتَصُّ بالنبي ﷺ فيقف عليه، ولا يكون هنالك تعارضٌ، وهذا كلامٌ إنّ ظَهَرَ عند الإطلاق لم يصحّ عند السَّبْر والتّقسيم لنُكْتَةٍ بديعة، وهي أنّ كلَّ أَمْرٍ واردِ من جهة الله تعالى على النّبيِّ (١) بتكليف الخَلْقِ، فإنّ النّبيَّ ﷺ داخلٌ فيه، يلزمه من ذلك ما يلزمهم، وهي مسألة خلافٍ في أصول الفقه، هل يدخل الآمِرُ تَحْتَ الأوامر أم لا؟ وهي مسألة مُعْضِلةٌ، قد بيّنّاها في أصول الفقه، فهذا ثبت أنّ (٢) النّبيَّ ﷺ داخلٌ في الأمر مع الخَلْقِ، ثمّ ثبت أنّه تركَ ذَلِكَ، فذلك نَسْخٌ في حَقِّه، وبَقِيَ أنّ يُنْظر هل يكون نَسْخًا (٣) في حقِّ غيره أم لا؟ والصّحيح أنّ النَّسْخَ مقصورٌ عليه، إلَّا أنّ يدلُّ الدَّليلُ على تَعَدِّيه، وقد دَلَّ الدَّليلُ الصّحيح (٤) العامّ (٥) على تَعَدِّيه إلى غيره، فقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٦) فارشدنا إلى الاقتداء به، وثبتَ بالتّواتُر المعنَوِيِّ أنّ الصّحابة - رضوان الله عليهم- كانوا يلجاون إلى فعله عند المشكلات كما يلجاون إلى قوله، فهذا ثبت هَذَا وصَحَّ جواز الاستدبار في البُنْيان، فجوازُ الاستقبال يؤخذ من طريقين: أحدهما: طريق المعنى، وهو قياس الاستقبال على الاستدبار في البُنْيان في جوازه، كما استوى الاستقبال والاستدبار في الصّحراء في (٧) منعه. وتحريره أنّ نقول: الاستقبال في البنيان أحد القَصْدَين إلى الكعبة للحاجة، فاستوى حكمها في محلّها، كالاستقبال والاستدبار في الصّحراء والبُنْيَان.

стр. 1301

الثّاني (١): التعلُّق (٢) بحديث جابر (٣) وعائشة (٤) المتقدِّمَيْن، وإنّما قدَّمْنَا المعنى عليهما لعَدَمِ صحّتهما عند علمائنا -رحمة الله عليهم- فإنهم قالوا: إنّ الحديث بالنّهي عن الاستقبال والاستدبار لوْ وَرَدَ مطلقًا لما لزم تكليفه له في البيوت لوجهين: أمّا أحدهما: فقدل (٥) النّبيّ ﷺ : "إذا ذهبَ أحدُكُم إلى الغائط" (٦) فجعل محلَّ الحُكم الصّحراء، وهذا تَعلُّقٌ بالظّاهر، لكن تبقى ههنا نُكْتَة، وهي أنّ العلماء اتّفقوا على أنّ الحُكم الواردَ لا تأثير له في المكان، ولا يختصّ به إلَّا بدليلٍ، وكذلك الزّمان وأنّ الحُكم يسترسلُ عليهما جميعًا حتّى يوقفه الدّليل أو يَصدَّه، وههنا دليلٌ قويّ (٧) يوقف هذا الحُكْم على الصّحراء، وهو أنّ النّاس لو كُلَّفُوا ذلك في البُنْيَان لحرجوا وما استطاعوا، واللّفظ العامّ لا يتناول موضع المَشَقَّة ولا يتعلّق بما فيه حرج وكُلْفَة، واللهُ أعلم. المسألة الثّانية (٨): في المحترم بهذا النّهي ما هو؟ فاختلف العلماءُ في تعليل ذلك في المنع في الصحّراء: فقيل: ذلك لحُرمَةِ المُصَلِّين. وقيل: لحُرْمَة الملائكة. وقيل: للمُصَلِّين من خَلْقِهِ (٩)، يعني من الجِنِّ والإنْسِ، فلزم أن يحترموا ولا يكشف (١٠) عليهم. وهذا ضعيفٌ لوجهين: أحدهما: أنّ الفعل (١١) المباح لا يسقط بالاحتمال البعيد، ومِنْ أين يعلم

стр. 1302

المتوضِّىء أنّ هناك من يصلِّي ومن (١) أين يظنّه، والمُصَلِّي يلزمه أنّ يكون بصره بين يَدَيْه، على ما قاله كثير من العلماء، فذلك أجمع لخُشُوعِهِ وأضمّ لنشر خَاطِرِه. الثّاني: أنّ الله تعالى لم يَتَعَبَّدنا إلَّا بما نرى ونسمع، وهذا بَيِّنٌ عند العلماء (٢). قال الإمام: والصّحيح عندي انّ التّعليل إنّما هو لحُرْمَةِ القِبْلَةِ، والدّليل على ما نقوله خمسة أوجه (٣): أحدها: أنّه ذكرها بلفظها، وأضافَ الاحترام إليها (٤). الثّالث: لِمَا رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ في حُرمَةِ القِبْلَةِ؛ أنّه قال: "مَنْ جَلَسَ يَبُولُ قبالة القِبْلَةِ فتذكَّر وانحرف (٥) عنها إجلالًا لها، لم يقم من مَجْلِسِهِ حتّى يغفر له". أخرجه البزّار في مصنِّفه (٦). الرّابع: أنّ ظاهر الأحاديث يقتضي أنّ الحُرْمَة للقِبْلَةِ، لقوله (٧): "لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ" فَذَكَرَهَا بلَفْظِهَا. الخامس: "كنا ننحَرِف ونسْتَغْفِرُ اللهَ" (٨) يحتمل ثلاثة أَوْجُهٍ (٩): الأوّل: أنّ يستغفرَ من الاستقبال. الثاني: أنّ يستغفرَ اللهَ من ذَنْبِه، فالذَّنْبُ يُذْكَر بالذَّنْب. الثّالث: أنّ يستغفرَ الله (١٠)، فإنَّ الاستغفار للمُذْنِبِينَ سُنَّة.

стр. 1303

فإن قيل: فكيف جازَ لابنِ عمر أنّ ينظر إلى مقعد رسول الله ﷺ . فالجوابُ عنه من وجهين: أحدهما: أنّه يجوزُ أنّ يكون حانت (١) منه التِفَاتَة، فرآهُ ولم يكن يقصد ذلك قصْدًا، فقال ما رأى، وقصدُ هذا لا يجوز، كما لا يتعمَّد الشُّهود النَّظَر إلى الزِّنا، ثمّ قد يجوز أنّ تَقَعَ أبصارُهم عليه، ويجوز أنّ يحملوا الشّهادة بعد ذلك. جواب الثّاني - قال علماؤنا: قد يحتمل أنّ يكون ابن عمر قصدَ ذلك ورأَى رأسه دون ما عَدَاهُ من بَدَنِه، ثمّ تأمَّل قُعُودَهُ، فعرف كيف هو جالسٌ ليستفيد فِعْلَهُ، فيقول ما شاهدَهُ. وقع (٢) في "المبسوط" عن نافع عن ابن عمر؟ أنّه قال: كانت منِّي لفتة، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ في المخدع مستقبلَ القِبْلَة، فاقتضى ذلك أنّ ابنَ عمر لم يقصد النَّظَرَ إلى رسول الله ﷺ على تلك الحالة. الرُّخصة في استقبال القِبْلَة لبَوْلٍ أو غائطٍ الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (٣): اختلفَ العلماءُ في الرُّخْصةِ في ذلك، فرُوي عن أبي حنيفة -كما تقدَّم- الاستدبار في الصَّحَارِي، وفي (٤) البُنْيَان جائز ولا يجوز الاستقبال. وقال عُرْوَة ورَبِيعَة: يجوز الاستقبال والاستدبار جميعًا في الصّحَارِي والبُنْيَان. وقال مالك (٥) والشّافعىّ: لا يجوز ذلك في الصّحراء، ويجوز في الأبنية، كما تقدَّمَ.

стр. 1304

وأمّا أبو حنيفة فتعلَّقَ بجواز الاسْتِدْبَارِ بحديثِ ابنِ عُمَر هذا (١)، ورآهُ (٢) ناسخًا فيه، وهذا باطلٌ؛ لأنّه قد بَيِّنَّا في "أصول الفقه" (٣) أنّ (٤) شروط النَّسْخ أربعةٌ، وهي ههنا مَعْدُومة، ولا يُسَلَّم له أنّ الأصل للإباحة. وأمّا مالك والشّافعيّ فَجَعَلَا حديث ابن عمر أصلًا في جواز الاستدبار في الأبْنيَة، وقاسَا (٥) عليه جواز الاستقبال فيها. قال الإمام: والمختار من ذلك؛ أنّه لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار في الصّحراء ولا في البُنْيان؛ لأنّا إنّ نظرنا إلى المعاني فقد بيَّنَّا أنّ الحُرْمَة للقِبْلَة، فلا تختلف في البادية ولا في الصّحراء، وإنْ نظرنا إلى الآثار، فإن حديث أبي أيّوب عامٌّ في كلِّ موضعٍ، مُعَلَّل بحُرمَةِ القِبْلة، وحديثُ ابن عمر لا يعارِضُه ولا حديث جابر لأربعة أَوْجُهٍ: الأوّل: أنّه قولٌ وهذان فِعْلانِ، ولا معارضة بين القَوْلِ والفعل. والثّاني: أنّ الفعلَ لا صِيغَةَ له، وإنّما هو حكاية حالٍ، وحكاياتُ الأحوال (٦) معارضة (٧) للأعذار، والأسبابُ والأقوالُ لا يحتمل فيها مِنْ ذلك شيءٌ، كما تقدَّم بيانُه، فلا معنى للتّطويل (٨). المسألة الثّانية (٩): قال علماؤنا (١٠): فإن كان التّعليل لحُرْمَةِ القِبْلَةِ، فلا يجوز الوَطْءُ إلى القِبْلَةِ. قلنا: قد حَكى عبد الوهّاب (١١) عن ابن القاسم إباحته، وعن ابن حبيب

стр. 1305

كراهيته، والذي في "المُدوّنة" (١) عن ابن القاسم؛ أنّه سُئِلَ: أيُجَامع الرَّجُل مستقبلَ القِبْلَةِ؟ فقال: لا أحفظُ عن مالكٌ فيه شيئًا، وأرى أنّه لا بأس به؛ لأنّه لا يرى بِالْمَرَاحِيضِ بأسًا في المُدُنِ والقُرَى مستقبلَ القِبْلَةِ، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنّ جوابه إنّما كان في البُنْيَان، وأمّا في الصّحارِي فلم يجب عنها. والثّاني: ما تأوَّله القاضي أبو محمّد (٢)؛ أنّ المنع إنّما كان لاستقبال القِبْلَةِ بالغَائِط والبَوْل في الصَّحارِي إكرامًا للقِبْلَةِ لعَدَمِ السُّتْرَةِ، فإذا ستر البُنْيان جازَ ذلك. وإذا كان الوطءُ (٣) لا يكون إلَّا تحت سترة، لم يكن فيه استقبال القِبْلَة (٤)، والأولُ أظهر عندي، والله أعلم. تكملة الباب: قال القاضي أبو الوليد الباجي (٥): "أدخلَ مالك هذا الحديث في باب الرُّخْصَة في استقبال القِبلَة لبَوْلٍ أو غائطٍ، وإنّما الحديث في (٦) استقبال بيت المَقْدِس دون مَكَّة (٧)، ويحتمل ذلك معنيين: أحدهما: أنّ يريد أنّ الاستقبالَ والاستدبارَ في ذلك سواء. والمعنى الثّاني: أنّ تكون القِبْلَة في التّرجمة بيت المَقدِس؛ لأنّها قد كانت قِبْلَة ثُمَّ نُسِخَت الصّلاة منه إلى مكة، والله أعلم".

стр. 1306

النهيُ عن البُصاقِ في القِبْلَةِ الحديث صحيح (١)، وفيه من الفقه سبع مسائل: المسألةُ الأولى (٢): أمّا حَكُّهُ ﷺ البُصَاقَ منَ القِبْلَةِ، ففيه دليلٌ على تنزيه المساجد من كلِّ ما يُسْتَقْذَرُ وإنْ كان البُصَاقُ طاهرًا، ولو كان نَجِسًا، لأمَرَ بغَسْلِهِ في الحينِ، ودلَّ ذلك على طهارته. والحُجَّةُ لنا فيه: حديث حُذَيفَة (٣) وأبي سَعيدٍ وأبي هُرَيرةَ (٤)؛ أنّ رسول الله ﷺ أباح للمُصَلِّي أنّ يَتَنَخَّمَ ويَبْصُقَ في ثَوْبِهِ وعن يَسَارِهِ" ولو كان نَجِسًا ما أباح لَهُ حَمْله (٥) في ثوبه. قال الإمام (٦): ولا أعلمُ في طهارته خلافًا، إلَّا ما رواهُ سَلْمَان، والجمهورُ على خلافه، والسُّنَنُ الثّابتةُ وردَت بردِّه. نكتةٌ لغوية (٧): قال الإمام: البُصَاقُ: ما خرجَ من الفَمِ، وفيه لغتان: بُصَاقٌ وبُزَاقٌ، ويُكتَب بالسِّين كما يُكتب بالصّاد. والنّخَامَةُ: ما خوجَ من الحَلْقِ، والمُخَاطُ: ما خرجَ من الأَنْفِ. المسألة الثّانية (٨): قوله: "إذا كان أَحَدُكُم يُصَلِّي" خَصَّصَ بذلك حال الصّلاة، ويحتمل معانٍ:

стр. 1307

أحدها: أنّه نصَّ في الحديث على النَّهي عن البُصاق (١)، لفضيلة تلك الأحوال، فخصَّها بالذِّكر. ووجه ثان: وهو أنّ يكون خصَّ بذلك حال الصّلاة؛ لأنّه حينئذٍ يكون مستقبلَ القِبْلَةِ، وفي سائر الأعمال (٢) قد تكون القِبْلَة عن يساره، وهي الجهة الّتي أمر بالبُصَاقِ إليها. المسألة الثّالثة (٣): وأمّا من بصقَ في المسجد وسَتَرَهُ، فإنه لا إثْمَ عليه. والأصل في ذلك: ما رُوِيَ عن أنس بن مالك؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "البُصَاقُ في المسجدِ خطيئةٌ وكفَارَتُه دَفْنَه" (٤) وذلك لطهارته، على ما قدَّمنَاهُ لكم. وأمّا الدَّم وهي: المسألة الرّابعة (٥): قال علماؤنا (٦): وأمّا الدَّم وما كان نَجِسًا، فقد رَوَى ابنُ حبيب عن مالكٌ: مَنْ دَمِيَ فَمُه فلينصرف، ومع ذلك فإنَّ الدَّمَ نَجِسٌ فيجب أنّ ينزَّه المسجد منه ظاهرًا أو باطنًا، والبُصَاقُ ليس بنَجِسٍ، ولكنّه كريه المنظر، فمنعَ من ظهوره ولا يمنع منه إذا سُتِرَ. المسألة الخامسة (٧): فإن قيل: هل له أنّ يَبْصُقَ عن يمينه؟ قلنا: قد رُوي أنّه يَبصُق عن يمينه ويساره، قال مالكٌ: لا بأس بذلك عن يمينه ويساره. فإذا ثبتَ ذلك فإن الأفضل أنّ يبصُقَ عن يساره، وكذلك رَوَاهُ ابنُ نافع عن مالك.

стр. 1308

والأصل في ذلك: ما روى أبو هريرة، عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "إذا قام أحدُكم إلى الصّلاة فلا يَبصُق أَمَامَهُ، فإنّما يُنَاجِي اللهَ تعالى، ولا على يمينه فإنَّ على يمينه مَلَكٌ، ولْيَبْصُق عن يساره أو تحتَ قَدَمَيْه" (١). المساْلةُ السّادسة: قال علماؤنا: فإذا ثبتَ هذا، فهل هو حديث مُعَلَّلٌ أم لا؟ فقالى جماعة: إنّ ذلك لحُرْمَةِ المَلَكِ الّذي يكتُبُ الحَسَنَات. وقال قوم: إنَّ ذلك لشَرَفِ اليمين؛ لأنّ الله تعالى قد شَرَّفَهُ. المسألة السّابعة: قال علماؤنا: إذا بصقَ المرءُ عن يساره أو تحت قَدَمَيهِ، فلا يخلو ذلك من العبث في الصَّلاةِ. وفيه (٢) في دليلٌ على النَّفخ في الصّلاة لا يضرُّها (٣) إذا كان يسيرًا والتَّنَحْنُح (٤) مثل النَّفْخ إذا لم يكن جوابًا ولا يوجد معه الكلام. واختلف العلماءُ في هذا النَّصِّ (٥)، فكان مالك يكرَهُ النَّفْخَ في الصَّلاة، فإن فعَلهُ فاعلٌ لم يقطع صلاته، ذَكَرَهُ ابنُ وهب عن مالك. وقد رُوِيَ ذلك عن مالكٌ مُسْنَدًا؛ أنّه قال: التَّنَحْنُحُ (٦) والنفْخُ في الصّلاة لا يقطعها، رواه ابن عبد الحَكَم عن مالكٌ (٧). وقال ابنُ القاسم: التَّنَحْنُحُ والنَّفْخُ يقطعان الصَّلاة (٨). وقال الشّافعيّ (٩): كلُّ ما كان لا يُفْهَمُ منه حروفُ الهجاء فليس بكلامٍ، ولا

стр. 1309

يقطعُ الصَّلاةَ إلَّا الكلامُ، وبه قال أبو حنيفة (١). وقال ابن حنبل (٢) وابن رَاهَوَيْه: لا إعادة على من نَفَخَ في صلاته، وهو عندنا مكروهٌ. توحيدٌ وتنزيهٌ: قوله: "فلا يَبْصُقْ في القِبْلَةِ فإنَّ الله قِبَلَ وَجْهِهِ" قال علماؤنا: إنّما قال ذلك تشريفًا للقِبْلَةِ، كما قال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ الآية (٣)، فإنّ البارئ تعالى يتنزَّهُ ويتقدَّسُ أنّ يحلَّ بالجِهَاتِ أو تكتَنِفُه الأقطار، ولكن في ذلك معْنيَان: أحدهما: ما قدّمناه لكم من أنّ الله بِلُطْفِهِ وسابِغِ نِعْمَتِهِ إذا أراد أنّ يُكرمَ شيئًا من خَلْقِهِ أضافَهُ إليه، أو أخبر بنَفْسِهِ عنه. والثّاني: أنّ هذا المصلِّي قد اعْتَقَدَ أنّه بين يَدَي اللهِ كما هو، والْتَزَمَ التَّعظيمَ لِمَن تَوَجَّه له، والبُصَاقُ إهانَةٌ، فكيف يصحُ أنّ يأتي بفعل يناقضُ اعتقاده، وهذا بديعٌ في فَنَّه فَتَأَمَّلْهُ (٤). ما جاء في القبلة الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ (٥). قوله (٦): "بينَمَا النَّاسُ بقُبَاءٍ في صلاةِ الصُّبْحِ، إذ جاءَهُمْ آتٍ، فقال: انّ رسولَ الله ﷺ قد أُنْزِلَ عليه اللَّيلَةَ قُرْآنٌ، وقد أَمَرَ أنّ نستقبلَ الكَعْبَةَ، فاسْتَقبلُوهَا" الحديث. وقال ابنُ وضّاح: الآتي هو عبّاد بن بِشْر الأنصاري (٧).

стр. 1310

وقيل: هو عباد بن نهيك الخطمي (١) الأنصاري (٢). وهو مختلَفٌ فيه. الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٣): قال الإمام: اختلف العلماء في أَمْرِ القِبْلَةِ اختلافًا كثيرًا: فقيل: أذِنَ اللهُ لنبيِّه ﷺ أنّ يصلِّي إلى أيِّ قِبلَةٍ شاءَ، بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ الآية (٤). فاستقبلَ النّبيُّ ﷺ بيت المقدس حِرصًا على اتِّباع اليهود له، ثمّ تمادَى اليهودُ في غَيِّهم، فاحبَّ النبيَّ ﷺ أنّ ينصرفَ (٥) إلى الكعبة، فصُرف بقوله تعالي: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٦). وقيل: صَلَّى جبريلُ بالنّبيِّ ﷺ أوَّلَ صلاةِ صلَّاهَا العصر (٧) إلى الكعبة مع بيت المَقْدِس، فلمّا هاجرَ رسول الله ﷺ إلى المدينة، حُوَّلَ إلى الكعبة كما أَحَبَّ، وكان دخولُه المدينة (٨) في العشر الوسط من ربيع الأوّل، وصُرِفَ إلى الكعبة في رَجَب، في قول ابن شعْبان (٩). وقيل: في شعبان يوم الثّلاثاء مُنْتَصَفه (١٠) في قول الوَاقِدِيّ (١١). قال الإمام: فإذا أسقطتَ (١٢) ربيع الأوّل من العدد لا يدخل فيه (١٣)، وأسقطتَ رَجَبًا لا شعبان (١٤) لأنّها فُرِضَتْ فيه، بقيت أربعة عشر شهرًا. وإذا أسقطتَ أحدهما

стр. 1311

بقيت خمسة عشر. وإذا عددت بهما جميعًا كانت ستّة عشر شهرًا، وليس لقوله (١) "سَبعَةَ عَشَرَ شَهرًا" وجهٌ، إلَّا أنّ يصرف في رمضان فيعدّه. روى مالك في الموطَّأ (٢)؛ أنّ القِبْلَةَ حُوَّلَت قبلَ بَدّرٍ بشَهرَينِ، فهذا يعضِّدُ قول ابن شَعبَان ويتركّب (٣) عليه العَدَدَ. وقال في حديث البراء في التّرمذيّ (٤): أَنَّه كان إعلام الرَّجُل في صلاة العصر، وفي حديث ابن عمر الّذي رواه مالكٌ (٥)؛ أنّه كان في الصُّبح، وكلاهُما صحيحٌ. الأصول (٦): نسخَ اللهُ تعالى أَمْرَ القِبْلَةِ مرَّتين، ونكاح المُتعَة مرَّتين، ولحم الحُمُر الأهليّة مرَّتين، ولا أحفظُ رابعًا، واللهُ سبحانه يَمْحُو ما يشاء ويُثّبِّت وعندَهُ أمّ الكتاب (٧)، ينسخُ ما أراد ولا يُبدَّلُ القولُ لَدَيْه، وهو أوَّل شيءٍ نسخَ من القرآن شأن القِبْلَة. وهو أصلٌ قويُّ في المعنى. وقوله (٨): "فَاسْتَقْبِلُوهَا" أكثر رُوَاة الموطَّأ رَوَوْا "فَاسْتَقْبَلُوهَا" على لفظ الخَبَر، بفتح الباء (٩) وبكسر الباء على الأمر، وقد رواه بعضهم على لفظ الأمر (١٠). المسألة الثّانية (١١): فيه كرامة النّبيِّ (١٢) ﷺ ، فإنه أُعطِيَ من غير سُؤالٍ حين علِمَ اللهُ اختياره، فيسَّر

стр. 1312

له مراده في الوَجْهَيْن جميعًا، وكفاه (١) بِالتَعَرُّضِ عن التّصريح بالطّلَبِ لما كان فيه من الخشية حيث كان أمر الصّلاة إلى بيت المقدس باختياره (٢). المسألة الثَّالثة (٣): فيه من الفقه: أنّ نسخَ العبادةِ لا يلزم إلَّا عند البُلُوغ، ألَّا ترى أنّه اعتدَّ بما مَضَى من صلاتهم (٤) إلى بيت المقدس. وقد كان استقبالهم إليه بعد نسخ ذلك. المسألة الرّابعة (٥): فيه قبول خبر الواحد في مسائل الدِّين، وذلك إجماع المسلمين. ووجهُ الجمعِ بين اختلاف الرِّواية في الصُّبح والعصر؛ أنّ الأمر بلغَ إلى القوم في صلاة العصر، وبلغ إلى قُباء (٦) في صلاة الصُّبح. المسألة الخامسة (٧): فيه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه لم يقدم بالبعث والإرسال إلى قُباء يُعْلِمهم بذلك حتّى يصل الخبر من قوم إلى قوله؛ لأنهم كانوا أَوَّلًا على شريعة بأمر مبلّغ، فدَامُوا (٨) عليها حتّى يصل الأمرُ الثّانى (٩)، كان ذلك من حُكمِ الشّريعة ولا يلزم التَّهَمُّم بالارسال ولا التقَدُّم بالبعث (١٠)؛ لأنّ الكُلَّ دِينٌ حتّى يترتّب على وجهه ويبلَّغ (١١) الكُلّ على طريقة المبلّغ وصفته.

стр. 1313

المسألة السّادسة (١): فيه جواز إبلاغ الدِّين، وإعلام الشّرع، ونقل الأخبار على من عَلِمَها ومن تحقّق عنده (٢). المسألة السّابعة (٣): فيه دليل على أنّ من عَلِمَ بفساد صلاته صحّ ما مضَى منها، كمن صلَّى في ثوبٍ نجِسٍ فتذَكَّرَ في نفسِ الصَّلاةِ فخلَعَهُ، فإنّه يعتدُّ بما صَلَّى. المسألة الثامنة (٤): فيه ثبوتُ الوكالة حتّى يعلمَ الوكيلُ العزلَ، واللهُ أعلمُ (٥). حديث مالك (٦)، عن نَافع؛ أنّ عمر بن الخطّاب قال: ما بينَ المشرقِ والمغرب قِبْلَةٌ، إذا تُوُجِّهَ قِبَلَ البَيْتِ. الإسناد (٧): صحيحٌ (٨)، والزيادةُ (٩) الّتي فَسَّرَهَا (١٠) عُمَر وابْن عمر مُعَيَّنَةٌ (١١) في حديث النّبيِّ ﷺ ثابتةٌ فيه، فلأَجْلِهِ أَسقَطَها الرَّاوي.

стр. 1314

الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (١): قال علماؤنا: قوله: "ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِب قبْلَةٌ" يصحُّ ذلك إذا كان الرَّجُلُ جَنُوبيًا أو شماليًا، فهذا كان ذلك، صحَّ أنّ يُقال فيه ذلك، وإذا كان مشرقيَّا أو مغربيَّا لم يصحّ أنّ يقال فيه ذلك بحال (٢). وحيث ما كان فليعتمد (٣) الجهة، وليحفظ (٤) الميل والتّيامُنَ إلى المشرق إنْ (٥) مالت داره في الشّمال إلى المغرب، ولْيَتَيَامَن (٦) إلى المغرب إنّ (٧) مالت داره في الشّمال إلى المشرق غ وهكذا مثله في جميع الجِهَات يتحرَّى (٨) القصد، والقصدُ النحْوُ، والله أعلم. المسألة الثّانية (٩): فهذا ثبتَ هذا، فالفرضُ في الاستقبال لِمن عَايَنَ البيتَ عينُه، ولمن غاب عنه (١٠) نحوه، قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية (١١)، يعني نحوه. وقال بعض علماثنا: يلزمه طلب العَيْن، وهذا باطلٌ قَطعًا، فإنّه لا سبيلَ إليه لأحَدٍ، وما لا يمكن لا يقع به تكليفٌ، وإنّما المُمْكِن طلب الجِهَة، فكلُّ أَحَدٍ يقصدُ

стр. 1315

قصدَها وينحو نحوها حسب (١) ما يغلب على ظنِّه إنّ كان من أهل الاجتهاد، فإنْ لم يكن من أهل الاجتهاد قَلَّدَ أهلَ الاجتهاد. المسألة الثّالثة (٢): إذا ثبتَ هذا، فالحواضرُ الّتي تُبنى فيها المساجد كيف العمل فيها وهي مختلفة المَباني متباينة الجهات في القِبْلَة؟ قلنا: إنّ الّذي تولَّى بُنْيَانَها عامّتُهُم جُهَّالٌ، فالذي وقع منها على وجه الخَطَإِ، فذلك مُوجب الجهل، والّذي وقع منها على الإصابة، فإمّا أنّ يكون وقع بالاتِّفاق، وإمّا أنّ يكون بُنيَ على علمٍ بالصّواب، فالعاميّ يصلِّي في كلِّ مسجدٍ، واللهُ حسيب كلِّ أَحَدٍ، والمجتهدُ يجْتنبُ المساجدَ المخالفة للحقِّ، فإذا دعَتْ (٣) إلى ذلك ضرورة صلَّى وانحرفَ إنّ أَمِنَ الارتجاج والعقوبة (٤)، هان لم يَأمَن صلِّى هناك وأعاد على الحقِّ في بيت أو مسجدِ مبنيٍّ على الصّواب، والله أعلمُ. المسألة الرّابعة (٥): إذا صلّى الرَّجل إلى غير القِبْلَةِ في الغَيْمِ فروى عامر بن ربيعة عن أبيه (٦) قال: كنَّا مع رسولِ الله ﷺ في سَفَرٍ في لَيْلَةٍ مُظلِمَةٍ، فلَم نَدْر أينَ القِبْلَةُ، فصلَّى كلُّ أَحَدٍ (٧) منَّا على حِيَاله، فلَمَّا أصبَحْنَا ذَكَرْنَا ذلك للنَّبيِّ ﷺ فَنَزَلَت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية (٨). والحديث ليس بذلك الإسناد (٩)، والآيةُ اختُلِفَ فيها على ثلاثة أقوال:

стр. 1316

قيل: نزلت في استِقبَالِ بيت المَقدِسِ حين عاتَبَهُ اليهود (١). الثّاني - قيل: نزلت في شأن النَّجَاشي (٢). الثّالث - قيل: نزلت في نافِلَةِ السَفَر (٣). وهي كلُها أقوالٌ ضعيفةٌ، وأصَحُّها أنّها نزلت في شأن قِبْلَةِ المسجد الأقصى. وعمومُ الآيةِ يَقَعُ فيمن اجتهدَ فأخطأَ فصلَّى إلى غير القِبْلَةِ، والمسألةُ عظيمة المَوقعِ (٤). قال مالك وأبو حنيفة (٥): تُجْزِئْهُ (٦). وقال الشّافعيّ لا تُجزِئْهُ (٧). والمسألةُ تُبْنَى (٨) على أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيب أم لا؟ وعندي أنّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، كما بينَّاه في "المحصول" (٩). المسألة الخامسة: فإن قيل: لِمَ جُعِلَتِ الصّلاةُ للكَعْبَةِ؟ قلنا: لفَضْلِها، ولذلك شُرِعَت إليها الصّلاة. وإنّما جُعلتِ الصّلاة لجِهَةِ واحدةٍ لتَوَفر (١٠) الهِمَّة وتغلّب الخُشوع، ولو جعلَ اللهُ الصلاةَ إلى جهاتٍ، لما كان فيها من الوَقَار والسّكينة ما في الجِهَةِ الواحدة؛ لأنّ الارتباط إلى شيءٍ واحدٍ أوفَر للنَّفْسِ وأجمع.

стр. 1317

المسألةُ السّادسة: فإن قيل: لأيَّ شيءِ لم يهتد للصّلاة أهل قُباء؟ قلنا: لأنهم كانوا يصلُّون لمكانٍ مشروعٍ ولم يبلغهم النَّسْخ، وهذه مسألة تتركَّبُ، هل النَّسْح يقعُ من ساعةِ النَّسْخِ، أو مِنْ وَقْتِ بُلُوغِهِ؟ وقد تقدَّم بيانُها في أَوَّلِ البابِ في رَجُلٍ وكَّلَ وكِيلًا وبعثَهُ إلى بلدٍ ليبيعَ له شيئًا، أو يبتاعه، ثم عَزَلَهُ وأَشْهَدَ على ذلك، هل تُرَدُ أفعالُ الوكيلِ من وقتِ عَزْلهٍ، أو بَعْدَ معرِفَةِ عَزْلهِ؟ وبيانُها في موضعها ان شاءَ اللهُ. ما جاءَ في مسجدِ النَّبيِّ ﷺ - مالك (١)، عن زَيْدِ بن رَبَاحٍ وعُبَيْدِ اللهِ بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله الأَغَرَّ، عن أبي هريرة؛ أنَ رسولَ الله ﷺ قال: "صَلاَةٌ في مسجدِي هذا، خَيْرٌ مِنْ أَلفِ صلاةٍ فيما سوَاهُ، إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامِ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٢)، خرِّجه الأيمّة (٣). وليس لزَيْد ابن رَبَاح في المُوَطَّأ حديث غير هذا. وكذلك عُبَيْد الله بن أبي عبد الله لم يُذْكَر في المُوَطَّأ إلَّا ههنا. قال الإمام: ولهذا الحديث نظائر؛ لأنّه قد رُوِّينَا في الأحاديث المنثورات؛ إنّه قال ﷺ : "مَنْ صلَّى في مَسْجِدِ مَكَّةَ فهو خيرٌ من مِئَةِ أَلفْ صلاةٍ فيما سِوَاهُ" ولمْ أرْضَ أنّ أَكْتُبُه لبُطلانِه، ومِثْله في البُطْلَان والضَّعْفِ ما رُوِيَ في الكتب البعيدة؛ أنّه ﷺ قال: "صلاةُ الرَّجُل في بَيْتِه بعَشرِ صلواتٍ، وفي مَسْجِدِ القبائلِ بخمسٍ وعشرينَ صلاةٍ، وفي المسجد الجامِعِ بخَمْسِ مِئَةِ صلاةٍ، وفي مسجدي هذا بخمسين ألف صلاة، وفي بيت المَقدِسِ بخمسين ألف صلاة، وفي مكّة بمِئَةِ أَلفْ صلاةٍ (٤)، وصلاةٌ

стр. 1318

على السَّاحِلِ بِمِئَتَي (١) صلاة، وصلاة بالسِّواك بأربع مئة صلاة، وبالطِّيبِ بخمسين صلاة، وبالنَّعْل (٢) اليماني بمئتي صلاة، وصلاة المناهل (٣) بمئتي صلاة، وصلاة بعمامة تحت الذَّقَنِ بمئة صلاة، وركعتان في جَوْفِ اللَّيل خيرٌ من هذا كلّه". قال الإمام: وهذا كلُّه لا يصحّ عن النّبيِّ ﷺ فلا يُلتَفَتُ إليه، وإنّما الصّحيحُ إلذى صحَّحَهُ أحمد بن حنبل وجماعة المحدِّثينَ: "صلاة في مسجدي هذا خيرٌ من أَلفِ صلاةٍ فيما سواه إلَّا المسجد الحرام، فإنّه يزيد على هذا بمئة صلاة" (٤). الأصول: اختلفَ العلماءُ في معنى الاستثناء في هذا الحديث حيث يقول (٥): "إلَّا المَسْجِدَ الحرامَ" فعندنا أنّ المراد بقولهِ: "إلَّا المسجدَ الحرام" أي مسجدي يفضله بدون الأَلْف، وهذا ينبني على أنّ المدينةَ أفضل من مكَّة، وهو مذهبُ مالك ﵀. قال الإمام ابن العربي: ليس في قوله: "صلاةٌ في مَسْجِدِي هذا خيرٌ من أَلْفِ صلاةٍ" دليلٌ على تفضيل مكَّة وغيرها، وإنّما الدّليل في قوله: "صلاةٌ في المسجدِ الحرامِ خيرٌ من مئة صلاةٍ في مسجدي هذا" (٦).

стр. 1319

مسألة (١): قال علماؤنا (٢): هذه المسألة مبنيَّةٌ على أي البلدين أفضل؟ وسنُبيّن الكلام فيه في كتاب الجامع إنّ شاء الله. وأمّا الّذي يقتضي (٣) الاستثناء في هذا الموضع، فأَن يكون حُكم مكَّة خارجًا عن أحكام سائر المواطن في الفضيلة، ولا يعلم حُكْم مكَّة من هذا الخبر، فيصحُّ أنّ تكون الصّلاة في مكَّة أفضل، ويصحّ أنّ تكون في المدينة أفضل، ويصحّ أنّ يتساويا، والمسألةُ قريبة المَأْخَذِ. مسألة (٤): وسُئِل مُطَرِّف عن حدِّ الفضيلة، هل هي في النَّافلة أيضًا؟ قال؟ نعم. ورواه ابن سحنون في "تفسيره للموطَّأ"، قال: قال لي عمر حدَّثه (٥): جمعةٌ خيرٌ مِنْ جمعة، ورمضان خيرٌ مِنْ رمضان. حديث مالك (٦): عن خُبَيْب بن عبد الرّحمن، عن حَفْصِ بنِ عاصِمٍ، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد الخُدريّ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ -قال: "ما بَينَ مِنْبَرِي وبَيْتِي رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الجَنَّةِ، ومِنْبَرِي على حَوْضِي". الإسناد: قال الإمام: هذا حديث صحيحٌ، كذا رواهُ يحيى وسائر الرُّواة للموطَّأ على الشَّكِّ (٧). والجمع (٨) بين أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة، ورواهُ عُبَيْد الله بن عمر، عن خُبَيْب بن عبد الرّحمن، عن حَفْص بن عاصم، عن أبي هريرة وَحْدَهُ، عنِ النّبيِّ ﷺ (٩)، وعُبيد الله أحد أيِمَّة أهل المدينة في الحديث.

стр. 1320

الأصول: قال المتكلِّمون من أهل الأصول: هذا الحديث يحتمل معنيين (١): أحدهما: أنّ ملازمته بالطّاعة والصّلاة تؤدِّي إلى رياض الجَنَّةِ، لِفَضِيلةِ الصّلاة في ذلك الموضع؛ لأنّ مالكًا ﵀ تأوَّل فيه هذا الوجه، ولذلك أَدْخَلَهُ مالك في بابٍ واحدٍ مع فضل الصَّلاة في مسجد النّبيِّ ﷺ على الصّلاة في سائر المساجد. المعنى الثّاني: يحتملُ أنْ يريدَ أنَّ ملازمته والتَّقرُّب إلى الله فيه يؤدِّي إلى رياضِ الجنَّةِ، فلا يكون فيها للبُقعَةِ فضيلة إلَّا بمعنى الاختصاص بهذه المعاني، وكما يقال "الجنَّةُ تحتَ ظِلَالِ (٢) السُّيُوفِ" (٣). وقال بعضهم: إنّ هذه حقيقة وليس بمجاز من القَوْلِ؛ لأنّه إذا كان يوم القيامة، يُعِيدُ اللهُ ذلكَ المِنْبَرَ ويرفَعُه بعَيْنِهِ، فيكون يَؤْمئذٍ على حَوْضِهِ. وقال آخرون: إنّما عنَى به أنّ مِنْبَرَهُ في الجنَّة يُخْرَجُ ويُجْعَل له على حَوْضِهِ. وقالت فرقةٌ أخرى: بَلْ يُنقل ذلك الموضع إلى الجنَّة فيكون من رياضِهَا. والأوّل أصحّ، ويشهدُ له الحديث: "أَلاَ أَدُلُكم على رِيَاضِ الجنَّة قيل: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: حِلَقُ الذِّكْر" (٤). وقال بعض العلماء: يريد من صلّى فيه يصير إلى روضة من رياض الجَنَّة، وفي حديث: "إنَّ مِنْبَرِي على تُرْعَةٍ من تُرَعِ الجَنَّةِ" (٥) يريد على باب من أبواب الجَنَّة. وهذا مثل ما تقدَّمَ.

стр. 1321

ما جاء في خروج النِّساء إلى المسجد مالك (١)؛ أنّه بَلَغَهُ عن عبد الله بن عمر؛ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ". الإسناد: قال الإمام: ذَكَرَ مالك في هذا الباب أربعة أحاديث كلّها صِحَاح، الحديث الأوّل منها بلاغٌ لم يُسْنِدْهُ مالك، وأَسْنَدَهُ حمّاد (٢)، عن نافع، عن ابن عمر (٣). الفقه في أربع مسائل (٤): المسألة الأولى (٥): قوله: "لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ" قال علماؤنا (٦): فيه دليلٌ على أنّ للزوج منعها من ذلك، ولا خُرُوجَ لها إلّا بإذْنِه، ولوْ لَمْ يكن للرَّجُل منع المرأة من ذلك، لَمَا خُوطِبَ الرِّجال (٧) بالمَنع من الخروج كما خُوطِبْنَ بالصّلاة، ولم يخاطب الرِّجال (٨) بأن لا يمنعوهنّ (٩). المسألة الثّانية: الأصلُ في الشّرْعِ جوازُ خروج النِّساء، وهي مسألةٌ خلافيةٌ اختلفَ فيها الصّحابة.

стр. 1322

رُوِيَ عن عائشة وابن مسعود وجماعة المنع وأن يَلْزَمْنَ قَعْرَ (١) بيوتهنّ. واحتجَّ بذلك من رَوَى حديث سعيد بن المنذر عن أمّ حميد السّاعدية؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "صلاةُ المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حُجرَتِها، وصلاتُها في حُجْرَتِهَا خيرٌ من دَارِهَا، ودارها خير لها من مسجِدِهَا. ومسجدُ عَشِيرَتهَا خيرٌ لها من مَسْجِدِي" (٢) وهو حديث ضعيف. المسألة الثّالثة: تحصيل مذهب مالك ﵀: الإباحة في الخروج إلى المساجد، ويخرُجْنَ للعيد. وروي (٣) عن مالك في "المبسوط" أنّه قال: لا تمنعوا النِّساءَ من الخروج. قال علماؤنا (٤): يحتمل أنْ يريدَ به أنَّه يُحْكَم لهنّ بذلك على الأزواج. ويحتمل أنّ يريد به حضّ الأزواج على الإباحة لهنّ في ذلك. وقال (٥) الثّوريّ: يُكرَهُ الخروج للمرأة لأنّها عَوْرَةٌ. وفرَّقَ أبو يوسف بين الشَّابَّةِ والمتجالَّة. وقال الثّوريّ: ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزًا. وقال ابن مسعود: المرأةُ عَوْرَةٌ، وأقربُ ما تكون إلى الله في قعْرِ بيتها، فإذا خَرَجَت اسْتشَرَفَهَا الشّيطانُ (٦). وكان إبراهيم النَّخَعِيّ يمنعُ نساءَهُ الجمعة والجماعة. وسُئِلَ الحسن بن أبي الحسن البصريّ عن (٧) امرأة حلفت إنّ خرج زوجها من السِّجن أنّ تصلِّي في كلّ مسجدٍ تجمع فيه الصّلاة بالبَصْرَةِ ركعتين، فقال الحسن: تُصَلِّي في مسجد قَوْمِها؛ لأنّها لا تُطِيق ذلك، ولو أَدْرَكَها عمر بن الخطّاب لأوْجَعَ رَأسها (٨).

стр. 1323

الحديث الثّاني: مالك (١)؛ أنّه بَلَغَهُ عن بُسْر بن سعيد؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا شَهِدَت إِحدَاكُنَّ العِشَاءَ فلا تَمَسَّنَّ طِيبًا". العارضة: إنّما قال ذلك النّبيُّ ﷺ مخافةَ الفِتْنَة بريحِ المرأةِ، فنهى عن ذلك. الحديث الثّالث: مالك (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن عَاتِكَةَ بنتِ زَيْدِ بن عَمْرِو ابن نُفَيْلٍ امرأةِ عمرَ بن الخطَّاب، أنّها كانت تَسْتَأْذِنُ عمرَ بن الخطّاب إلى المسجدِ، فَيَسْكُتُ، فتقولُ: واللهِ لأَخْرُجَنَّ إلَّا أنّ تَمْنَعَنِي، فلا يَمْنَعُها. الإسناد: قال الإمام: كانت عاتِكَةُ زوج عبد الله بن أبي بكر (٣)، فمات عنها، فتزوَّجها عمر، ثمّ تزوَّجَها بعد عمر الزُّبَيْر بن العَوَّام. الحديث الرّابع: مالك (٤)، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرَةَ بنتِ عبد الرّحمن، عن عائشة زوجِ النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّها قالت: لَوْ أَدْرَكَ رسولُ اللهِ ﷺ ما أَحْدَثَ النِّساءُ لمَنَعَهُنَّ المساجِدَ، كما مُنِعَهُ نساءُ بَنِي إِسرَائيلَ. قال يحيى (٥): فقلت لعَمْرَة: أَوَ مُنِعَ نِساءُ بَنِي إسرائيلَ المساجد؟ قالت: نعم. الإسناد (٦): قال الإمام: سائر رُواة الموطَّأ (٧) لهذا الحديث يقولون في هذا الحديث: ما أَحْدَثَ النِّساء لَمَنعهنَّ المَسْجِدَ، ولم يقولوا "المَسَاجِدَ"، ولا قاله أحد غير يحيى (٨)، ولا يوجد في رواية إلَّا في روايته.

стр. 1324

العارضة: قولها: "ما أَحْدَثَ النِّسَاءُ" تعني الطِّيب (١) والتَّجَمُّل وقلَّة التَّسَتُّر وتسرُّع كثير منهنَّ إلى المناكر (٢). أمّا التَّطَيُّب، فإنّه مكروهٌ للمرأة أنّ تَتَطَيَّبَ في غير بَيْتِها بِطِيبٍ، فإن تَطَيَّبَتْ فلا تَخْرُج. وقال بعضُ الأشياخ (٣): يحتمل أنّ تريد ما أدركن (٤) بعدَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه من الملابِس والتَّجمل الّذي يفتتن به النّاس (٥). ولهذا قال: "رُبَّ نسَاء مائلات مُمِيلَاتِ، كاسياتٍ عارياتٍ، لا يدخلن الجنَّة ولا يَجدْنَ رِيحَهَا، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ" (٦). وأمّا (٧) قولها: "كما مُنِعَهُ نساءُ بَنِي إِسرائيلَ" يحتمل أنّ يكون في شريعة بني إسرائيل منع النِّساء من المساجد. ويحتمل أنّ يكون نساء بني إسرائيل إنّما منعن بعد إباحة ذلك لهنَّ (٨)، لِمَا رواه عبد الرَّزَّاق في "مصنَّفه" (٩) أنّ نساءَ بني إسرائيل اتّخذنَ رِجْلًا من خَشبٍ، فأَشْرَفْنَ بها على المساجد، فابْتُلينَ بالحَيْضِ، فَمُنِعْنَ المساجِدَ. الأصول (١٠): قال علماؤنا (١١): وفي إطلاقه صلّى الله عليه لهنّ بالخروج إلى المساجد إباحة لا نَدْبٌ ولا فَرْضٌ، دليلٌ أنّ الإذن (١٢) لهنّ في كلِّ ما كان مُطلَقًا لَهُنَّ الخروج فيه، نحْو عيادة بعض أهلها، أو زيارة بعض الأهل والقرابات، وشُهُود عيد المسلمين،

стр. 1325

وزيارة قبر ميِّتٍ لها، وشبه ذلك، وإذا كان حقًّا عليهم أنّ يأذنوا لهنّ فيما هو مُطْلَقٌ لهنَّ الخروج فيه، فالإذْنُ لهُنَّ فيه (١). وروى ابن عمر قال: قال النّبيّ ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امرأةُ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَمْنَعْهَا" (٢). قال علماؤنا: هذا عمومٌ ونُقَيِّدُهُ (٣) بزيادة من زاد فيه: "فلا يمنعها باللَّيْلِ الصَّلاة في مساجد الجماعة". فيخرج من هذا الحديث أنّ الرَّجُل إذا استأذنته امرأته إلى الحَجِّ لا يمنعها، فيكون وجه نهيه عن منعها (٤) المسجد الحرام لأداء فريضة الحجّ نهي إيجابٍ، وهو قولُ مالك والشّافعي في أنّ المرأة ليس لزَوْجِها منعها من (٥) الحجِّ، ويكون على الوجه (٦) الأوّل -أعني النّهي عن الصّلوات في المساجد- نهي أدب؛ لأنّه واجبٌ عليه ألَّا يمنعها. تتميم: رُوي في الحديث: "لا تَمنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مساجِدَ اللهِ باللَّيْلِ"، تفرَّدَ بهذه الزِّيادة نصر بن عليّ وحده. الأَمْرُ بالوُضُوء لمَنْ مسَّ القرآنَ مالك (٧)، عن عبد الله بن أبي بكَر بنْ حَزْمٍ؛ أنّ في الكتاب الّذي كتب رسولُ الله ﷺ لعَمْرِو بن حَزْمٍ: "لا يَمسَّ القُرآنَ إلَّا طاهرٌ". الإسناد (٨): قال الإمام: هذا الحديث لم يتَجَاوَزْ به مالك عبد الله (٩) بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم.

стр. 1326

وروى ابن (١) داود (٢) عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جدِّه؛ أنّ في الكتاب الّذي كَتَبَهُ رسول الله ﷺ إلى أهل اليَمنِ في السُّنَنِ والفَرَائِضِ والدِّيَات: "ألَّا يَمَسُّ القُرآنَ إلَّا طَاهِرٌ" (٣). قال الإمام الحافظ (٤): وكتابُ عَمْرو هذا قد تَلقَّاهُ العلماءُ بالقَبُولِ والعَمَلِ، وهو عندهم أشهر وأظهر؛ لأنّه لا يجوز أنّ يمسَّ القرآن إلَّا طاهرٌ. وبهذا (٥) قال مالكٌ والشّافعىّ وأبو حنيفة وجماعة الفقهاء، إلّا داود (٦) فإنّه قال: لا بأس أنّ يمسَّ القرآن الجُنُب والحائض والمُحْدِث. والدَّليلُ على صحة ما ذهب إليه مالكٌ، قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الآية (٧)، هذا نَهْيٌ وإن كان لَفْظُه لفظ الخَبَر. الأصول (٨): قال علماؤنا: لا يجوزُ للمُحْدِثِ أنّ يمسَّ المُصْحَف، لقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٩). فإن قيل: هذا خبرٌ، والخبرُ من الله لا يجوز أنّ يقَعَ بخلاف مُخْبره؛ لأنّه يكون كَذِبًا، وذلك يستحيل في وَصْفِهِ، فدلّ أنّ المرادَ به خبر الله تعالى عن الملائكة المُقَرَّبِينَ في الصُّحُفِ الّتي عندهم، هذا منتهى كلامهم، وهو ساقطٌ جدًّا؛ لأنّ الخَبَرَ لا يجوز أنّ يكون بمعنى الأمر، كما لا يجوز أنّ يكون الأمر بمعنى الخبر، كما لا يجوز أنّ يكون كلَّ واحِدٍ منهما بمعنى النَّهْيِ. ولا يجوز أنّ يكون النّهي (١٠) بمعناهما؛ لأنّ الكلام له حقيقة يتفرَّد بها عن العِلْم والإرادة، وكذلك أيضًا أقسامه (١١)

стр. 1327

من الأمر والنّهي، والخبر والاستخبار، لها حقائق ينفرد كلّ واحدٍ منها بحقيقته عن صاحبه، ولهذا المعنى الّذي فهمه مالك ﵁ من أنّ الخبر لا يجوز أن يقع من الله كذِبًا، ومن أنّ الخَبَرَ لا يجوز أنّ يكون بمعنى الأمر، أو بمعنى النّهي، ثمّ قال (١) ﵁ إنّ هذه الآية (٢) والّتي في: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (٣) سواء، يريد أنّهما راجعتان إلى الملائكة وصُحُفِها، وهذا بديعٌ في البيان لمن كان له قَلْبٌ. بَيْدَ أَنِّي أقولُ في ذلك قولًا حسنًا، وهو أنَّ المُصْحَفَ لا يمسّه إلَّا طاهرٌ؛ لأنّ قَوْلَه ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٤) خَبَرٌ، والخَبَرُ لا يجوز أنّ يقع بخلاف مخبره من الله تعالى. ولكن ههنا دقيقة يجب أنّ يتفَطَّنَ لها اللَّبيب، وذلك أنّ قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٥) خبرٌ عن الشّرع وما بيّن (٦) فيه. وكذلك قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٧) خبرٌ عن الشّرع وما بين فيه (٨). فإنْ وجدنا مُحْدِثًا يمسُّ المصحف، ووجدنا مُطَلَّقة لا تلتزم التَّرَبُّص، فلا يكون ذلك من الشَّرْعِ، كما قال: "لا صلاةَ إلَّا بطَهُورٍ" (٩) فلا يريد نفي الوجود (١٠)؛ لأنّا نجد كثيرًا ممّن يصلِّي وهو مُحْدِثٌ، وإنّما معناه: لا صلاةَ إلَّا بطَهُورٍ شَرْعًا، فإنْ وُجِدَت بغير طَهُورٍ فلا تكونُ من الشَّرْعِ. وهذا تفسير يجمعُ لك (١١) فيه سلامة الحقيقة من خلطها (١٢) يغيرها، وبقاء اللّفظ على صيغة العربيّة الّتي وُضِعَ لها، وصِحَّة التّوحيد في تنزيه الله سبحانه عن الكَذِب، وقرار الشّريعة في نظامها، فلا (١٣) يشاركها في حكمها ما ليس منها.

стр. 1328

الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (١): قوله (٢): "وَلا يَحْمِلُ المُصْحَفَ أَحَدٌ بِعلاَقَتِهِ" هو كما قال، وبه قال الشّافعيّ (٣)، وأبو حنيفة: لا بأس أنّ يحمله على علاقة ويحمله على وسادة (٤). والدّليل على ما نقوله: أنّ هذا مُحْدِثٌ قاصِدٌ لحمْلِ المُصْحَف، فلم يجز له، كما لو باشَرَهُ بالحَمْل. ومن أصحّ الاستدلال فيه، ما استدلَّ به مالك في قوله (٥): ولو جاز ذلك لحمل في أخبيته (٦) إلى آخر الكلام. المسألة الثّانية (٧): أدخل مالك الآيةَ في هذا الباب؛ ما يصحِّح هو (٨) الاحتجاج به (٩) على الأمر بالوُضوءِ لمن مَسَّ القرآنَ. وأدخلَ في آخر الباب ما يحتجّ به النّاس في ذلك وليس عندَهُ بحُجَّةٍ، فأتى به وبيَّنَ ضَعفَ الاحتجاج به. وهذا ممّا يدلُّ على سَعَةِ عِلْمه وحَوطته على الدِّين والإنصاف. ووجه آخر: وهو أنّه أَذخَلَهُ على وَجْهِ الاحتجاج في وُجوب الوُضوء، وذلك أنّ الله تعالى وصفَ القرآنَ بأنّه كريمٌ، وذلك أنّه: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ الّذي ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١٠) فوصفه بهذا تعظيمًا له. والقرآن المكتوب في اللّوح المحفوظ هو المكتوب في المصاحفِ، وقد أمرنَا بتعظيمها، فيجب أنّ نمتثلَ (١١)

стр. 1329

ذلك بما وصف اللهُ القرآن بِه من أنّه لا يمسّ الكتاب الّذي هو فيه إلَّا مطهّر، وهذا وَجْهٌ صحيحٌ أيضًا. المسألة الثّالثة (١): وقد أُبِيحَ (٢) مسّ القرآن بغير طهارة ضرورة التّعلّم (٣)، وهل أبيح (٤) ذلك ضرورة للمعلم (٥)؟ فَرَوَى ابنُ القاسم عن مالك إباحته، وكره ابن حبيب ذلك. فوجه رواية ابن القاسم: أنّ المُعَلِّم يحتاجُ من تكرّر مسِّه ما تلحقه المشقَّة باستدامة الطّهارة له، فأَرْخَصَ له في ذلك كالمتعلِّم (٦). ووجه رواية ابن حبيب: أنّه غير محتاج إلى مسِّه لمعنى التعلّم لأنّه حافظٌ، وإنّما ذلك لمعنى الصّناعة والتَّكَسُّبِ، وهذا في المُصْحَفِ الجَامِعِ لِلْكُلِّ. المسألة الرّابعة (٧): وفي "العُتْبِيَّة" (٨) كرهَ مالكٌ أنّ يكتب القرآن أَسْدَاسًا وأَسْبَاعًا في المصاحف، وشدَّدَ فيه الكراهية، وقال: قد جَمَعَهُ اللهُ وهؤلاء يُفَرِّقُونَه. المسألة الخامسة (٩): ومنعَ مالكٌ نَقْط (١٠) المُصْحَفَ الّذي هو الإمام، قال (١١): ويكتب من الهجاء على الكَتَبَةِ (١٢) الأوّل ولا يحكم (١٣) على ما جعله (١٤) النّاس من الهجاء اليوم.

стр. 1330

قال (١): يبيِّن ذلك أنّ "براءَة" لا يُكتَبُ في أوّلها بسم الله الرحمان الرحيم* لئلا يوضع شيء في غير موضعه، ويكتب في الألواح في أولها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * (٢)، سواء بدأ بأوّل السّورة أو غيرها؛ لأنّه لا يجعل إمَامًا، قال (٣): وإنّما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ . المسألة السّادسة (٤): أمّا الذِّكرُ من غير القرآن، فلا يمنع المُحْدِث (٥) من النُّطق به ولا مِنْ مَسِّهِ، وبه قال جماعة العلماء (٦). الرُّخصَةُ في قراءةِ القرانِ على غيرِ وُضُوء مالك (٧)، عن أَيُّوب السَّخْتِيَانِيِّ، عن محمّد بن سِيرِينَ، أنّ عمرَ بن الخطّابِ كان في قَوْم وهم يقرؤونَ القرآنَ، فذَهَبَ لحاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ وهو يقرأُ القرآنَ. فقال له رَجُلٌ: يا أَمير المؤمنين، أتَقْرَأُ وأَنْتَ على غَيْرِ وُضُوءِ؟ (٨) فقال له عمرُ: من أَفْتَاكَ بهذا؟ أَمُسَيْلمَةُ؟ الإسناد: قال الإمام: القائل لعمر هذا الكلام اختلفَ النَّاسُ فيه: فقيل: هو رَجُلٌ من بني حنيفة (٩) ممّن كان قد آمَنَ بمُسَيْلِمَة، ثمّ آمن بالله ورسوله. وقيل: إنّه الّذي قتل زيد بن الخطّاب باليمامة، فكان عمر لذلك يستثقله ويبغضه.

стр. 1331

وقال قوم من المُحَدِّثين (١): إنّه أبو مريم الحنفي، وأَنْكَرَ ذلك آخرون؛ لأنّ أبا مريم قد ولاَّهُ عمر بعض ولايته. وذكر بعضهم أنّ هذا الرَّجُل إياس بن صبيح يُكْنَى بأبي مَرْيَم (٢). ومُسَيْلِمَةُ هو مُسَيْلِمَةُ الحَنَفِي الكذَّاب، كذّاب اليَمَامَة الّذي ادَّعَى النُّبُوَّة، اسمه ثمامة بن حبيب (٣)، يُكْنَى أبا هارون، ذكر ذلك ابن عفير (*)، ومُسَيْلِمَة لَقَبٌ له وليس باسم. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٤): سئل مالكٌ عن قُرَّاء مصر الّذين يجتمع النّاس إليهم، فكلُّ رَجُلٍ (٥) يقرأ في النَّفَر يفتح عليهم؛ إنّه حَسَنٌ لا بأسَ به. وقال مرَّة: إنه كرهه وعَابَهُ. وأمّا أنّ يجتمعَ القومُ فيقرؤون في السّورة الواحدةِ، مثل (٦) ما يعمل أهل الإسكندرية -وهو (٧) الّذي يُسمى القراءة بالادارة-؛ فكرهه (٨) مالكٌ، وقال: لم يكن هذا من عمل النَّاسِ. ووجه تلك الكراهية: للمباراة في حفظه والمَبَاهَاة بالتَّقَدُّم فيه (٩). المسألة الثّانية (١٠): وأمّا القوم يجتمعون (١١) يقرؤون القرآنَ، أو يَقْرَأ عليهم رجلٌ حسن الصّوت،

стр. 1332

فإنّه ممنوع، قاله مالك؛ لأنّ قراءة القرآن على وَجْهِ العبادةِ (١)، والانْفِرَاد بذلك أَوْلَى، وإنّما يقصد بهذا صرف وجوه النّاس والأكل به خاصّة، ونوعٌ من السُّؤال بِهِ، وهذا ممّا يجب أنّ يُنَزَّهَ عنه القرآن. المسألة الثّالثة (٢): قوله: "فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ" هو كنايةٌ عن البَوْلِ والغَائطِ. "ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ وَهُوَ يَقرَأُ" فلم يمنعه حَدثُه عن القراءة. والحَدَثُ عند علمائنا على ضربين: أكبر، وأصغر. فأمّا الأكبر فإنّه على ضربين: أحدهما: تُمْكِنُ إزالَتُه كالجَنَابَةِ. والثّاني: لا تُمْكنُ إزالَتُه كالحَيْضِ. وأمّا ما تمكن إزالته، فإنّه يمنع قراءة القرآن، وبه قال أبو حنيفة (٣)، والشّافعيّ (٤)، وقد رُوِيَ عن مالكٌ نحو ذلك في "مختصر ما ليس في المختصر" (٥). والدَّليلُ على ما نقوله: أنّ هذا ذِكْرٌ يتكَرَّرُ في الصَّلاة، فلم يكن للجُنُبِ فِعْله كالرّكوع والسّجود. المسألة الرّابعة (٦): فإذا (٧) ثبت هذا، فإنّه يجوز أنّ يقرأ اليسيرَ من القرآنِ الجنب وغيره، على وَجْهِ التَّعَوُّذِ والتَّبرُّكِ وذِكرِ اللهِ، ولا حدَّ لذلك (٨). وقال أبو حنيفة: يجوزُ له أنّ يقرأ بعضى آية وليس له إتمامها.

стр. 1333

وقال الشّافعيّ: لا يجوز أنّ يقرأ منه كلمة واحدة. والدَّليلُ على ما نقوله: أنّ هذا ممّا تَدْعُو الضّرورة إليه للتَّعَوُّذِ وذِكرِ الله على كلِّ حالٍ، فلم تمنع الجنابة منه كما لم يمنع الحَدَثَ من مسِّ الآية والشّيء اليسير من القرآن في الرِّسالة والخُطبَةِ. المسألة الخامسة (١): وأمّا القراءةُ في الطُّرُقِ على غيرِ وُضُوءٍ، فقد قال مالك في "العُتْبيَّهَ": أمّا الشيء اليسير لمن يتعلَّم القرآن، فلا بأس به، وأمّا الرَّجُل الّذي يطوفُ بالكعبةَ يقرأ القرآن في الطّريق، فليس من شَأنِ النَّاس. ما جاء في تحزيب القرآن مالك (٢)، عن داوُدَ بن الحُصَينِ، عن الأَعْرَجِ، عن عبد الرّحمن بن عَبْدٍ القاريِّ؛ أنّ عمر بن الخطّاب قال: من فَاتَهُ حِزْبُهُ من اللَّيْلِ، فَقَرَأَهُ حِينَ تزولُ الشَّمْسُ إلى صلاةِ الظُّهْرِ، فإنّه لم يَفُتْهُ، أو كَأَنّهُ أَدْرَكَهُ. الإسناد (٣): قال الإمام: هكذا هو في "الموطَّأ" عن داود، وهو وَهَمٌ ولا أدري ممّن هو؟! والغَالب أنّه من داود؛ لأنّ المحفوظ من (٤) حديث ابن شهاب، عن السَّائِب بن يَزِيد وعُبَيْد الله بن عبد الله، عن عبد الرّحمن بن عَبْدٍ القاري، عن عمر بن الخطّاب (٥) قال: من نَامَ عَن حِزبِهِ، فَقَرَأَهُ ما بين صَلاَةِ الفَجْرِ وصَلاَةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيلِ (٦). ومن أصحاب ابن شهاب من يرفعه إلى رسول الله ﷺ ، منهم: عقيل بنيزيد من رواية ابن وهب (٧)، وهو عند أهل العلم بالحديث أَوْلَى بالصَّوابِ من حديث دَاوُد

стр. 1334

حين جَعَلَهُ من زَوَالِ الشَّمْسِ إلى صلاة الظُّهرِ؛ لأنّ ضيق ذلك الوقت لا يُدْرِك فيه المرءُ حزبه من اللّيل. وَرُبَّ رَجُلٍ حِزْبُه نصفٌ وثُلُثٌ وَرُبُعٌ. وقد كان عثمان وتميم الدَّارِي وعَلْقَمَة وغيرهم يقرؤون القرآن كلّه في ركعةٍ واحدة (١). والَّذي رواهُ ابن شهاب أَوْسَع وقتًا، وابنُ شهابِ أَتقَنُ حِفْظًا وأثبتُ نَقْلًا. التّرجمة (٢): اعلموا- نَوَّرَ اللهُ بصائركم- أنّ "ح ز ب" موضوعٌ عند العرب لجَمْعِ المفترِقِ وضَمِّ المنتشر، فالحزبُ: كلُّ مجموعِ من مفترقٍ قبله. وإنّما بوَّبَ مالك ﵀ هذا الباب، لنُكْتَةٍ بديعةٍ، وهي أنّ الله قال لرسوله (٣): ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٤) فأخبرَ (٥) اللهُ أنّ جَمْعَهُ إليه، فوَجبَ أنّ يوقَفَ بذلك الإخبار عنه إليه، حتّى جاء قول عمر بن الخطّاب: "مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ من اللَّيْلِ" فصار ذلك قُدْوَة في الإذْنِ في إطلاقه، وهذا كما اختلفَ النَّاسُ هل يجوز أنّ يقال: حفظتُ القرآن، لقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٦) فَمِنَ العلماءِ من أَذِنَ فيه، ومنهم من مَنَعَهُ لهذه الخَصِيصة، وكما قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٧) كذلك قال؟ إنّ علينا قرآنه (٨). ثم يجوز إجماعًا أنّ يقول: قرأت، كذلك يجوز أنّ يقول: جمعتُ وحفظتُ، والمعنى واحد. ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث: الفائدة الأولى: قال مالكٌ: مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فذَكَرَهُ بعدَ طُلُوعِ الفجر، فإنّه يُصَلِّيهِ فيما بَيْنَهُ وبينَ صلاةِ الصُّبْحِ. ووجه ذلك: أنّ كلَّ وقتٍ كان محلًّا لصلاةِ الوِتْرِ، فإنَّهُ محلٌّ لصلاة اللَّيلِ. فإن

стр. 1335

فاته حتّى صلّى الصّبح في وقت الفجر، فالأفضل أنّ يصلِّيه ما بينه وبين صلاة الظُّهر؛ لأنّه أقرب وقت يمكنه فيه فعله والإتيان به، واللهُ أعلم. الفائدة الثّانية: فيه فضل صلاة اللّيل على صلاة النَّهار، وقيام اللّيل من أعمال البرِّ وقوافل الخير، وقد ألَّفَ النَّاسُ في أخبار المجتهدين في اللّيل كتبًا كثيرةً حِسَانًا. قالت عائشة: قام رسولُ الله ﷺ بآيةٍ من القرآنِ لَيْلَةً (١)، قال التّرمذيّ (٢): "هو حديث غريب" وأبو المتوكِّل (٣) مخصوصٌ بأبي سعيد، وعائشة منه بعيد. وقالت الصّوفيَّةُ: الليلُ أُنْسُ الأحباب، وميقاتُ مُنَاجَاتِ ربِّ الأرباب، وفي جَوْفِ اللَّيلِ المنازل والترقّي إلى أَشْرَفِ الطّاعات والفضائل، قال الله العظيم لنبيِّه الكريم: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ الآية (٤)، وقد تقدَّمَ الكلام عليها في "باب قيام اللّيل" في أوَّل الكتاب، فلتُنْظَر هنالك. مالك (٥)، عن يحيى بن سعيد؟ أنّه قال: كنتُ أنا ومحمدُ بن يحيى بن حَبَّان جَالِسَينِ، فَدَعَا محمدٌ رَجُلًا، فقال: أَخْبِرْني بالّذي سَمِعتَ من أبيكَ. فقال الرَّجُلُ: أَخْبَرَنِي أبي أنَّه أَتَى زَيْدَ بن ثابتٍ، فقال له: كيفَ تَرَى في قِرَاءَةِ القُرآنِ في سَبْعٍ؟ فقال زيد: حَسَنٌ، ولأَنْ أقرأهُ في نصف شهر أو عَشْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ، وسَلْنِي لِمَ ذاك؟ قال: فإني أسأَلُكَ. قال زيد: لكي أتَدَبَّرهُ وأَقِفَ عليه. الإسناد: رُوِيَ في هذا الحديث: "أو عِشْرِينَ" لغيْر يحيى من رواة "الموطَّأ" (٦)، وروايةُ عُبَيد الله: "أو عَشْرٍ" وزاد ابن وضّاح: "وعشرين" وليس في الحديث أَثَرٌ صحيحٌ عن النّبيّ ﷺ إلَّا ما قال لعبد الله بن عمر: "اقرأه في شهر" (٧) ثم انتهى تقسيم النّاس فيه
следующие страницы →