← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وقال قوم من المُحَدِّثين (١): إنّه أبو مريم الحنفي، وأَنْكَرَ ذلك آخرون؛ لأنّ أبا مريم قد ولاَّهُ عمر بعض ولايته. وذكر بعضهم أنّ هذا الرَّجُل إياس بن صبيح يُكْنَى بأبي مَرْيَم (٢). ومُسَيْلِمَةُ هو مُسَيْلِمَةُ الحَنَفِي الكذَّاب، كذّاب اليَمَامَة الّذي ادَّعَى النُّبُوَّة، اسمه ثمامة بن حبيب (٣)، يُكْنَى أبا هارون، ذكر ذلك ابن عفير (*)، ومُسَيْلِمَة لَقَبٌ له وليس باسم. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٤): سئل مالكٌ عن قُرَّاء مصر الّذين يجتمع النّاس إليهم، فكلُّ رَجُلٍ (٥) يقرأ في النَّفَر يفتح عليهم؛ إنّه حَسَنٌ لا بأسَ به. وقال مرَّة: إنه كرهه وعَابَهُ. وأمّا أنّ يجتمعَ القومُ فيقرؤون في السّورة الواحدةِ، مثل (٦) ما يعمل أهل الإسكندرية -وهو (٧) الّذي يُسمى القراءة بالادارة-؛ فكرهه (٨) مالكٌ، وقال: لم يكن هذا من عمل النَّاسِ. ووجه تلك الكراهية: للمباراة في حفظه والمَبَاهَاة بالتَّقَدُّم فيه (٩). المسألة الثّانية (١٠): وأمّا القوم يجتمعون (١١) يقرؤون القرآنَ، أو يَقْرَأ عليهم رجلٌ حسن الصّوت،

стр. 1332

فإنّه ممنوع، قاله مالك؛ لأنّ قراءة القرآن على وَجْهِ العبادةِ (١)، والانْفِرَاد بذلك أَوْلَى، وإنّما يقصد بهذا صرف وجوه النّاس والأكل به خاصّة، ونوعٌ من السُّؤال بِهِ، وهذا ممّا يجب أنّ يُنَزَّهَ عنه القرآن. المسألة الثّالثة (٢): قوله: "فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ" هو كنايةٌ عن البَوْلِ والغَائطِ. "ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ وَهُوَ يَقرَأُ" فلم يمنعه حَدثُه عن القراءة. والحَدَثُ عند علمائنا على ضربين: أكبر، وأصغر. فأمّا الأكبر فإنّه على ضربين: أحدهما: تُمْكِنُ إزالَتُه كالجَنَابَةِ. والثّاني: لا تُمْكنُ إزالَتُه كالحَيْضِ. وأمّا ما تمكن إزالته، فإنّه يمنع قراءة القرآن، وبه قال أبو حنيفة (٣)، والشّافعيّ (٤)، وقد رُوِيَ عن مالكٌ نحو ذلك في "مختصر ما ليس في المختصر" (٥). والدَّليلُ على ما نقوله: أنّ هذا ذِكْرٌ يتكَرَّرُ في الصَّلاة، فلم يكن للجُنُبِ فِعْله كالرّكوع والسّجود. المسألة الرّابعة (٦): فإذا (٧) ثبت هذا، فإنّه يجوز أنّ يقرأ اليسيرَ من القرآنِ الجنب وغيره، على وَجْهِ التَّعَوُّذِ والتَّبرُّكِ وذِكرِ اللهِ، ولا حدَّ لذلك (٨). وقال أبو حنيفة: يجوزُ له أنّ يقرأ بعضى آية وليس له إتمامها.

стр. 1333

وقال الشّافعيّ: لا يجوز أنّ يقرأ منه كلمة واحدة. والدَّليلُ على ما نقوله: أنّ هذا ممّا تَدْعُو الضّرورة إليه للتَّعَوُّذِ وذِكرِ الله على كلِّ حالٍ، فلم تمنع الجنابة منه كما لم يمنع الحَدَثَ من مسِّ الآية والشّيء اليسير من القرآن في الرِّسالة والخُطبَةِ. المسألة الخامسة (١): وأمّا القراءةُ في الطُّرُقِ على غيرِ وُضُوءٍ، فقد قال مالك في "العُتْبيَّهَ": أمّا الشيء اليسير لمن يتعلَّم القرآن، فلا بأس به، وأمّا الرَّجُل الّذي يطوفُ بالكعبةَ يقرأ القرآن في الطّريق، فليس من شَأنِ النَّاس. ما جاء في تحزيب القرآن مالك (٢)، عن داوُدَ بن الحُصَينِ، عن الأَعْرَجِ، عن عبد الرّحمن بن عَبْدٍ القاريِّ؛ أنّ عمر بن الخطّاب قال: من فَاتَهُ حِزْبُهُ من اللَّيْلِ، فَقَرَأَهُ حِينَ تزولُ الشَّمْسُ إلى صلاةِ الظُّهْرِ، فإنّه لم يَفُتْهُ، أو كَأَنّهُ أَدْرَكَهُ. الإسناد (٣): قال الإمام: هكذا هو في "الموطَّأ" عن داود، وهو وَهَمٌ ولا أدري ممّن هو؟! والغَالب أنّه من داود؛ لأنّ المحفوظ من (٤) حديث ابن شهاب، عن السَّائِب بن يَزِيد وعُبَيْد الله بن عبد الله، عن عبد الرّحمن بن عَبْدٍ القاري، عن عمر بن الخطّاب (٥) قال: من نَامَ عَن حِزبِهِ، فَقَرَأَهُ ما بين صَلاَةِ الفَجْرِ وصَلاَةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيلِ (٦). ومن أصحاب ابن شهاب من يرفعه إلى رسول الله ﷺ ، منهم: عقيل بنيزيد من رواية ابن وهب (٧)، وهو عند أهل العلم بالحديث أَوْلَى بالصَّوابِ من حديث دَاوُد

стр. 1334

حين جَعَلَهُ من زَوَالِ الشَّمْسِ إلى صلاة الظُّهرِ؛ لأنّ ضيق ذلك الوقت لا يُدْرِك فيه المرءُ حزبه من اللّيل. وَرُبَّ رَجُلٍ حِزْبُه نصفٌ وثُلُثٌ وَرُبُعٌ. وقد كان عثمان وتميم الدَّارِي وعَلْقَمَة وغيرهم يقرؤون القرآن كلّه في ركعةٍ واحدة (١). والَّذي رواهُ ابن شهاب أَوْسَع وقتًا، وابنُ شهابِ أَتقَنُ حِفْظًا وأثبتُ نَقْلًا. التّرجمة (٢): اعلموا- نَوَّرَ اللهُ بصائركم- أنّ "ح ز ب" موضوعٌ عند العرب لجَمْعِ المفترِقِ وضَمِّ المنتشر، فالحزبُ: كلُّ مجموعِ من مفترقٍ قبله. وإنّما بوَّبَ مالك ﵀ هذا الباب، لنُكْتَةٍ بديعةٍ، وهي أنّ الله قال لرسوله (٣): ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٤) فأخبرَ (٥) اللهُ أنّ جَمْعَهُ إليه، فوَجبَ أنّ يوقَفَ بذلك الإخبار عنه إليه، حتّى جاء قول عمر بن الخطّاب: "مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ من اللَّيْلِ" فصار ذلك قُدْوَة في الإذْنِ في إطلاقه، وهذا كما اختلفَ النَّاسُ هل يجوز أنّ يقال: حفظتُ القرآن، لقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٦) فَمِنَ العلماءِ من أَذِنَ فيه، ومنهم من مَنَعَهُ لهذه الخَصِيصة، وكما قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٧) كذلك قال؟ إنّ علينا قرآنه (٨). ثم يجوز إجماعًا أنّ يقول: قرأت، كذلك يجوز أنّ يقول: جمعتُ وحفظتُ، والمعنى واحد. ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث: الفائدة الأولى: قال مالكٌ: مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فذَكَرَهُ بعدَ طُلُوعِ الفجر، فإنّه يُصَلِّيهِ فيما بَيْنَهُ وبينَ صلاةِ الصُّبْحِ. ووجه ذلك: أنّ كلَّ وقتٍ كان محلًّا لصلاةِ الوِتْرِ، فإنَّهُ محلٌّ لصلاة اللَّيلِ. فإن

стр. 1335

فاته حتّى صلّى الصّبح في وقت الفجر، فالأفضل أنّ يصلِّيه ما بينه وبين صلاة الظُّهر؛ لأنّه أقرب وقت يمكنه فيه فعله والإتيان به، واللهُ أعلم. الفائدة الثّانية: فيه فضل صلاة اللّيل على صلاة النَّهار، وقيام اللّيل من أعمال البرِّ وقوافل الخير، وقد ألَّفَ النَّاسُ في أخبار المجتهدين في اللّيل كتبًا كثيرةً حِسَانًا. قالت عائشة: قام رسولُ الله ﷺ بآيةٍ من القرآنِ لَيْلَةً (١)، قال التّرمذيّ (٢): "هو حديث غريب" وأبو المتوكِّل (٣) مخصوصٌ بأبي سعيد، وعائشة منه بعيد. وقالت الصّوفيَّةُ: الليلُ أُنْسُ الأحباب، وميقاتُ مُنَاجَاتِ ربِّ الأرباب، وفي جَوْفِ اللَّيلِ المنازل والترقّي إلى أَشْرَفِ الطّاعات والفضائل، قال الله العظيم لنبيِّه الكريم: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ الآية (٤)، وقد تقدَّمَ الكلام عليها في "باب قيام اللّيل" في أوَّل الكتاب، فلتُنْظَر هنالك. مالك (٥)، عن يحيى بن سعيد؟ أنّه قال: كنتُ أنا ومحمدُ بن يحيى بن حَبَّان جَالِسَينِ، فَدَعَا محمدٌ رَجُلًا، فقال: أَخْبِرْني بالّذي سَمِعتَ من أبيكَ. فقال الرَّجُلُ: أَخْبَرَنِي أبي أنَّه أَتَى زَيْدَ بن ثابتٍ، فقال له: كيفَ تَرَى في قِرَاءَةِ القُرآنِ في سَبْعٍ؟ فقال زيد: حَسَنٌ، ولأَنْ أقرأهُ في نصف شهر أو عَشْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ، وسَلْنِي لِمَ ذاك؟ قال: فإني أسأَلُكَ. قال زيد: لكي أتَدَبَّرهُ وأَقِفَ عليه. الإسناد: رُوِيَ في هذا الحديث: "أو عِشْرِينَ" لغيْر يحيى من رواة "الموطَّأ" (٦)، وروايةُ عُبَيد الله: "أو عَشْرٍ" وزاد ابن وضّاح: "وعشرين" وليس في الحديث أَثَرٌ صحيحٌ عن النّبيّ ﷺ إلَّا ما قال لعبد الله بن عمر: "اقرأه في شهر" (٧) ثم انتهى تقسيم النّاس فيه

стр. 1336

إلى ستِّين جزءًا، والأمرُ في ذلك قريبٌ. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (١): اختلفتِ الصّحابةُ والتّابعون في كيفيَّهَ القراءَةِ: فمنهم من ختم القرآن في ركعة كعثمان. ومنهم من قرأَهُ رَاكِعًا كتَمِيم الدَّارِي. ومنهم من خَتَمَهُ في قَبْرهِ كبِشْر بن يسار (٢)، ثمّ دُفِنَ فيه. ومنهم من كان يقرأه في ليلته. وعلى حال خَوَاطِرِهِم ومقاماتهم في الخوف والرَّجاء والاعْتِبَار، وكلُّ ذلك جائزٌ، والقليلُ مع التَّدَبُّر عندي أفضل. المسألة الثّانية (٣): قد تكلّم النَّاسُ في التَّرتيلِ والهَذِّ (٤)؛ فذهب الجمهور إلى تفضيل التّرتيل، قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٥)، وكانت قراءة النّبيِّ ﷺ موصوفة بذلك، قالت عائشة: وكان رسولُ الله ﷺ يقرأُ السّورة ويُرَتِّلُها، حتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطوَلَ مِنْهَا (٦). وهو المرويّ عن أكثر الصّحابة. وسُئِلَ (٧) مالكٌ عن الهَذِّ فَقال: مِنَ النّاس من إذا هذّ كان أخفَّ عليه، وإذا رَتَّلَ أخطأَ. ومن النّاس من لا يحسن الهَذّ، والنّاس في ذلك على ما يخفّ عليهم ويسهل. والله أعلم. قال القاضي أبو الوليد الباجي (٨): "والّذي عندي أنّه يُسْتَحَبُّ لكلِّ إنسان ملازمة

стр. 1337

ما يوافِق طبعه ويخفّ عليه، فربّما تَكَلَّفَ ما يخالِف طبعه ويشقّ عليه، ويقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، وليس هذا ممّا يخالِفُ ما قدَّمْنَاهُ من تَفْضِيل التّرتيل لمن تساوى في حال الأمرين" (١). المسألة الثّالثة: والنّاسُ في التِّلاوةِ على ثلاث مقاماتِ: أعلاهم مَنْ شهِدَ أوصاف المتكلِّم في كلامه وتعريف خطئه، وهذا مقام العَارِفِينَ من المُقَرَّبِين. ومنهم من يشهد أنّ الله سبحانه هو الّذي يُنَاجِيهِ بأَلْطَافِه، ويخاطبه بإنعامه وإحسانه، فمقامُ هذا الحياء والتّعظيم، وحَالُهُ الإصغاء والفَهْم، وهذا للمُعْتَرِفِينَ (٢) من عُمُومِ المُقَرَّبِينَ. ومنهم من يرى أنّه يخاطبُ بالكلام؛ لأنّه سبحانه متكلِّمٌ بكلامِ نَفْسِهِ، وليس ذلك للعَبْدِ، وإن كان كلامه كلامًا، وإنّما جعل له حركة اللِّسان بوَصْفِهِ، وتبيين الذِّكْر بلسانه، بِحِكمَةِ ربِّه، جزاءً للعبد ومَكَانًا له، كما كانتِ الشّجرة وِجْهَة موسى ﵇ إذْ كلَّمَهُ ربّه. المسألة الرّابعة: في صِفَةِ الجَهْرِ بالقراءةِ، وما في ذلك من النّبات، وتفضيلِ حُكْمِ الجَهْرِ والسِّرِّ، وبيان حُكمِ الحالات والأخبارُ في ذلك كثيرةٌ، منها في الصّحيح أخبارٌ حِسَانٌ. رُوي أنّه قال: "فضلُ قراءَةِ السِّرِّ على العَلاَنِيةِ كَفَضلِ صَدَقَةِ السِّرِّ على صَدَقَةِ العَلاَنِيةِ" (٣). وفي لفظٍ أشهر من هذا: "الجاهِرُ بالقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بالصَّدَقَةِ، والمُسِرُّ بهِ كَالْسِرِّ بِالصَّدَقَةِ" (٤). وفي الحديث الحسن؛ "أنّ عَمَلَ السِّرِّ يفضلُ على عمل العلانية بسبعين

стр. 1338

ضعْفًا" (١). ومثله من العموم: "خَيْرُ الرِّزْقِ ما يَكْفِي، وخَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيّ" (٢). وفي خبر أشهر من هذا: "لا يَجْهَر بعضُكُم على بعضٍ بِالقراءةِ بينَ المغربِ والعِشَاء" (٣). وفي التّرمذيّ (٤)، عن أبي قتادة؛ أنّ أبَا بَكْرٍ كان يُسِرُّ وعمر يجْهَرُ بالقِرَاءَةِ، فقال النبيُّ لأبي بكر ﵁: "ارْفَعْ قَلِيلًا"، ولعمر: "اخْفِضْ قَلِيلًا". وهو حديثٌ موقوفٌ على عبد الله بن رَبَاح، عن النّبِيِّ (٥)، وقد يكون مُرْسَلًا، والمُرْسَلُ عندنا حُجَّةٌ في أحكام الدِّينِ من التَّحليلِ والتَّحريم، فكيف في الفَضَائِلِ وأَبْوَابِ العبادات. وقول عمر (٦): يا رسول الله، أُرِيدُ بذَلِكَ أنّ أُوقِظَ الوَسْنَانَ، وَأَطْرُدَ الشَّيْطَانَ، وأُرضي الرّحمن (٧). العربية (٨): قال الإمامُ: والوَسْنَانُ هو الّذي خَالَطَهُ النُّعاس ولم يأخذه بَعْدُ، قال الله العظيم تنزيهًا عن ذلك: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٩). وقال الشّاعر (١٠): وسْنَان أَقصدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنَائِمِ

стр. 1339

المسألة الخامسة (١): في المتناجي اختلف العلماء في أيِّ العملين (٢) أفضل: التّناجي سرًّا مع الله، أم الجَهْر؟ لما في ذلك من تَضَاعُف الأَجْر في تَذْكِرَةِ الغَافِلِ وطَرْدِ العَدُوِّ، وما حَكَمَ به النّبيُّ ﷺ بينهما، فإنّه لم يترك أبا بكرِ على صفته، ولا عمر، وقال لهذا: ارْفَعْ صوْتَكَ قليلًا حتّى يقتدي بِكَ من سَمِعَكَ، وقال لعُمَر: اخْفِض من صوتكَ قليلًا لئَلّا يتأذَّى بك (٣) من يحتاج إلى النّوم (٤)، وهذا إنّما كان في حقِّ أبي بكرِ للقَطْع على الخلوص بنيته (٥)، وسلامَتِه عن الرِّياء، وتَصْدِيقِه له في (٦) قوله: "أَسْمَعْتَ مَنْ نَاجَيتَ" وأمّا غيره فالسِّرُّ له أفضل؛ لأنّه أقرب له إلى الخلاص وأَسْلَم من الآفات. وقد ثبتَ عن عائشة في الصّحيحِ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ ربّما أَسَرَّ في قِرَاءَتِهِ، ورُبّمَا جَهَرَ، فقال الراوي -وهو عبد الله بن قَيس-: الحمدُ لله الّذي جعلَ في الأَمْرِ سَعَةً (٧). ورواه غيره عنها. فَيَقْرَأ كُلُّ أحد بما قدر عليه من نشاطه وكسله، وبما سَلِمَ له من إخلاصه أو خَوْفِه الرِّياء والتَّصَنُّع على نفسه. وسمعَ (٨) سعيد بن المسيِّب ذات ليلةٍ في مسجدِ رسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز يجهَر بالقراءة في صلاته- وكان صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ - فقال لغلامه: اذهب إلى هذا المصلِّي فَأْمُرْهُ أنّ يخفضَ من صوته". فقال الغلام: إنّ المسجدَ ليس لنا وإنّ للرَّجُلِ فيه نَصِيبًا. فرفَعَ سعيد صوته (٩)، وقال: أَيّها الرَجُلُ المُصَلِّي، إنّ كنتَ تريدُ اللهَ بصلاتِكَ فاخفض من صوتك، وإن كنتَ تريدُ الدُّنْيَا والنّاس، فإنّهم لن يُغْنُوا عنك من الله شيئًا. فسكتَ عمر وخَفَّفَ ركعته، فلمّا سلَّمَ أخذَ نعليه وانْصَرَفَ وهو يومئذٍ أمير المدينة (١٠).

стр. 1340

وعلى ذلك فقد كان رسولُ الله ﷺ يسمع جماعة من الصّحابة يجهرون بالقراءة في صلاة اللّيل فيستمع إليهم، وقد أَمَرَ أيضًا بالجَهْرِ، فقال: "إذا قام أحدكم من اللّيل يُصَلِّي فليتهجَّد بقراءته، فإنّ الملائكةَ وعُمَّارَ دَارِهِ يسمعون إلى قراءته ويصلّون بصلاته" (١). ومرَّ على ثلاثةٍ من الصحابة باللّيل تختلف احوالهم، فمنهم من كان يخافِت وهو أبو بكرٍ، ومنهم من كان يجهَر وهو عمر. وهذا أصل المسألة. فنقول في ذلك -والله أعلم-: إنّ المُخَافَته بالقراءة هي أفضل إذا لم تكن للعبد نيّة في الجَهْرِ؛ لأنّه أقرب إلى السّلامة، وأبعد من دخول الآفة، وإن الجَهْرَ أفضل لمن كانت له نِيَّة في الجَهْرِ؛ لأنّه قد أقام سُنَّة قراءة القيام للهِ، ولأن المُخَافَتَةَ لنفسه والجَهْر منفعة له ولغيره، وخيرُ النَّاس من انْتفَعَ النَّاسُ به وانتفع بكلامِ اللهِ. وبالجُمْلَةِ: إنّه من حفظ جوارحه وقلبه عن الرِّياء، فقد عمل بالقرآن. المسألة السّادسة: قال علماؤنا: وفي القراءة بعد ذلك سبع مقامات: منها: التّرتيلُ الّذي أَمَرَ به. ومنها: حُسْنُ الصَّوت بالقرآن الّذي ندب إليه قوله: "زيَّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ" (٢)، وقولُه: "لَيسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرآن" (٣) أي يُحَسِّن به صوته، وهو أحد الأقوال المرويّة، فيه. ومنها: أنّ يُسْمِع أُذُنَيْه ويُوقِظَ قلبه لتَدَبُّر (٤) الكلام، وتفهُّم (٥) المعاني، ولا يكون ذلك كلّه إلا في الجَهْر به. ومنها: أنّ يطرد النّوم عنه برفع صَوْته.

стр. 1341

ومنها: أنّ يرجو بقراءته وجهرته يقظة نائمٍ، فيذكر الله، فيكون سبب إحيائه وذِكْرِهِ، وربما اشتاق إلى القيام (١) والخدمة، فيكون هو مُعَاوِنًا له على البرِّ والتَّقوى، فتكون نيَّتُه طالبًا لهذه الحَسَنَات؛ لأنّه إنّما يفعل العمل بكثرة النيات فيه، وفضلَتْ أعمالهم بحُسْنِ معرفتهم بِنِيَّات العمل واعتقادهم لها، فقد يكون في العمل الواحِدِ عشر نياتٍ، يَعْلَمُ ذلك العلماءُ باللهِ فيعملون بها فَيُغطَوْنَ بها عشرة أجور. وأفضلُ النَّاسِ في العملِ أكثرهم نيّةً فيه وأحسنُهُم قَصْدًا. وفي غريب التّفسير، قولُه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢) قال (٣): قراءةُ القرآنِ، وفيه ورد الخبر: "مَنِ اسْتَمَعَ إلى آيةٍ من القرآنِ كانت له نُورًا يوم القيامةِ" (٤) وهذا البسط في هذا النّوع كافٍ لأهلِ البَصِيرَةِ والتَّبْصِرَةِ، والحمدُ للهِ. ما جاء في القرآن مالك (٥)، عن ابن شِهَاب، عن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْر، عن عبد الرّحمن بن عَبْدٍ القاريِّ؛ أنّه قال: سمعتُ عمرَ بن الخطّاب يقولُ: سمعتُ هِشامَ بن حَكِيم بن حِزَامٍ يقرأُ سورةَ الفُرْقَانِ. الحديث. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٦): "رَوَى هذا الحديث مَعْمَر (٧)، ويونُس (٧)، وعُقَيْل (٨)، وشُعَيْب بن أبي حمزَة (٩)، وابن أخي ابن شِهَاب (١٠)، عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة وعبد الرّحمن بن عبد القاريّ، جميعمًا سَمِعَا عمر، بمعنى حديث مالك، إلّا أنّ معمرًا قال فيه: عن عمر، فقلت: يا رَسولَ الله، إنِّي سمعتُ هذا يقرأ

стр. 1342

سورةَ الفُرقانِ على حُرُوفِ لم تقْرئنِيهَا وأَتتَ أَقْرَأْتَنِي سورةَ الفُرْقَانِ. فَبَانَ أنّ الخلافَ بين هشام وعمر كان في حروفٍ من السُّورَةِ، وهذا تفسير لروايةِ مالكٌ؛ لأنّ ظاهرَ ما في قوله: "يَقْرَأُ سورةَ الفرقانِ" يقتضي عموم السّورة كلِّها، وليس كذلك، وقد ظهرَ الخصحوصُ برواية مَعْمَر ومَن تَابَعَهُ، فارتفعَ الإشكالُ، والحمدُ لله. وأيضًا: معلومٌ عند الجميع أنّ القرآنَ لا يجوز في حروفِهِ كلها (١) ولا في سورةِ منه أنّ يَقْرَأَ أَحَدٌ حروفها كلّها على سَبْعةِ أَوْجُهٍ، بل لا توجد في القرآن كلّه كلمة تُقْرَأُ على سبعة أَوْجُهٍ إلَّا قليلًا، مثل قوله: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وقوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (٤) وكقوله: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ (٥) ". الأصول: قوله (٦): "إنّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". أمّا نزولُ القرآن، فإنّه رُوِيَ عن ابن عبّاس؛ (٧) أنّ القرآنَ أُنْزِلَ إلى السَّماء الدُّنيا جملة، نزل به رُوحُ القُدُس الأمين، ونجَّمه عليه. واحتجَّ بقوله عن الّذين كفروا ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (٨) فكان نزولُه على قَدْرِ الحَاجَةِ إليه حتّى أَكمَلَهُ اللهُ تعالى. المسألة الثّانية: قوله: "إنَّ هَذَا القُرْآنَ" اعلم أنّ القرآنَ لا يتحدّد معناهُ، ولا يتقدَّر مقتضاه، فقد يُرَادُ به الكلام القديم الموجود بذَاتِ الرَّبِ تعالى. وقد يُرَادُ به القراءة الحادثة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٩) وقد يضاف إليه من حيث إنّه موجودٌ بذاتِهِ وصفةٌ من صفاتِهِ.

стр. 1343

وقد يراد به القراءة الحادثة، كما أنّها تُوصَفُ بأنّها كلامه، قال الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١). والثّاني: أنّها دلالة على كلامه الموجود بذاته؛ لأنّه ذكر له على ضرب من التّفصيل، والدَّالُ دالٌّ على المَذْكُورِ وليس إياهُ، على ما قدَّمناه. المسألة الثّالثة: قوله: "على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" والحروفُ هاهنا هي القراءة بالأصوات، وهي ضدّ كلام البارئ سبحانه؛ لأنّ البارئ كلامه القديم الّذي هو صفةٌ من صفاتِهِ لا تُفَارِقُه، ليس هو بصَوْتٍ ولا حَرْفٍ. وقوله (٢): "فَاقرَؤُا مَا تيَسَّرَ مِنْه" أضاف القراءة والتِّلاوةَ للتّالِي؛ لأنّها صفة للتّالي موجودٌ بذَاتِه، والمَتْلُوُّ صفةٌ للبارىء تعالى موجودٌ بذَاتِهِ، ولا يصحّ وجود الصِّفَةِ الموجودة بمَوْصُوفَيْن، كما لا يصحّ وجود الخَبَرِ في الزّمان الوَاحِدِ في مكانَين. والثّاني: أنّ (٣) التِّلاوةَ حادثةٌ؛ لأنّها أصوات مُتَجَدِّدَةٌ، والمَتْلُوَّ قديمٌ يستحيلُ تجديدُهُ. والثّالث: أنّ التِّلاوةَ تُعْدَمُ بسكوتِ التّالِينَ وعَدَمِهِمْ، والمَتْلُوَّ قديمٌ قد ثبتَ قِدَمُهُ فيستحيلُ عَدَمُه. والرّابع: أنّ التِّلاوةَ تزيدُ بزيادةِ القُرَّاءِ وتنقصُ بنقصانِهِمْ، والمَتْلُوَّ صِفَةٌ واحدةٌ لا يصح فيها زيادة ولا نقصان. الخامس: أنّ التِّلاوةَ ترجعُ إلى الأصوات -أعني أصوات القُرَّاءِ أو نَغَمَاتِهِم الّتي تقعُ بكَسْبِهِم، ويسَتطَابُ من بعضهم- وتُوصف بالجَهْرِ والإخْفَاءِ والسُّرعَةِ والابْطَاءِ، واللَّحْنِ والإعراب، والخَطَإِ والصَّواب. والمَتْلُوَ لا يُنْعَتُ بشيءِ من ذلك كلِّه. السّادس: أنّ المَتْلُوَّ الموجود بذَاتِه لو صحَّ وجوده بذَوَاتِ خَلْقِه، لوَجَبَ القولُ بانتقاله، وذلك يُؤَدِّي إلى نوعِ من المُحَالِ وأجناسٍ من الكُفْرِ والضَّلال: أحدها: خُلُوُّ ذَاتِه من الكلام إلى ضِدِّه.

стр. 1344

الثّاني: جوازُ انتقالِ عِلْمِه وحيَاتِه وقُدْرَتِه وسائر صفاته. الثّالث: قَبُولُ ذاته وكلامه للحَوَادِثِ. الرّابع: تصحيحُ قولِ الحُلُوليَّة وقول النّصارى باتِّحاد الكَلِمَةِ. الخامس: القولُ بانْفِصَالِ الصِّفات بشَطْرٍ من العِلْم بحُدُوثِ العَالَمِ وثبوت مُحْدثه. وهذا كلُّه يتعالى اللهُ عنه، وليس هذا موضع البَسْط لهذا الكلام، وهذه النُّبْذَةُ تَكْفِي ذَوِي الأَفْهَام. المسألة الرّابعة (١): اختلفت قراءة عُمَر وهشام، فجوَّزَ النَّبيُّ ﷺ لكلِّ واحدٍ منهما قراءته؟ وقال (٢): "إنَّ هذَا القرآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفِ، فاقرؤا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ". *قال علماؤنا: هذه السبعة أحرف قد درست منها ستّة، وبقي حرفٌ هو (٣) الحروف، وترجع إلى حرفٍ واحدٍ" (٤). قال الإمام: والّذي أنكر عمر على هشام بن حَكِيم إنّما هو حرفٌ واحدٌ؛ وذلك أنَّه قرأ (٥) هشام: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْادِهِ﴾ الآية (٦) وقرأ عمر: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (٧). فَأَنكَرَ عليه عمر، فقال له النّبيُّ حين قرأ عليه: كذلك أُنْزِلَتْ. واختلفَ (٨) العلماءُ في ذلك اختلافًا مُتبَايِنًا، وذلك أنَّ جبريل ﵇ لمّا نزل على النّبيّ ﷺ بالقُرآنِ بحَرْفٍ، قال له: "إنّ أُمَّتِي لا تطيقُ ذَلِكَ" فنزل بحَرْفَيْنِ، ثمّ لم يَزَلْ يستزيدُه، حتّى بلغ السَّبْعَة (٩)، ولم تُعَيَّن هذه السَّبْعَة بنصٍّ من النّبيِّ ﷺ ، ولا بإِجْمَاعِ من الصَّحابة.

стр. 1345

واختلفت فيها الأقوال: فقال ابن عبّاس: اللُّغاتُ سَبْعٌ، والسَّماوات سَبْعٌ، والأرْضُون سَبْعٌ (١)، فكان معناه: نزل بلُغَةِ العَرَبِ كلِّها. وقيل: هذه الأحْرُفٌ في لُغَة واحدةٍ. وقيل: هي تبديل هذه الكلمات إذا استوى المعنى. وقال (٢) الخليل: معنى "سَبْعَة أَحْرُفٍ" سبعُ قراءاتٍ، والحروف هاهنا القراءة (٣). وقال غيرُه: هي سبعة أنحاء، كلُّ نحوٍ منها جزء من أجزاءِ القرآن خلاف غيره، كأنّه ذهب إلى أنّ كلَّ حَرْفٍ منها هو صِنْفٌ من الأصناف، نحو قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٤) فكان معنى الحرف الّذي يعبد الله عليه هو صنفٌ من الأَصنافِ ونوعٌ منها الّتي يعبد الله (٥) عليها، فمنها ما هو محمود عند الله، ومنها ما هو بخلاف ذلك. فذهب هؤلاء إلى أنّ قولَه: "إنَّ القرآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" أنّها سبعة أنحاء وأَصْنَافٍ، فمنها زاجر، ومنها آمر، ومنها حلال، ومنها حرام، ومنها مُحْكم، ومنها مُتشَابِه، ومنها أمثال وعبر، وغير ذلك. واحتجُّوا بحديثِ ابن مسعود، عن النّبيِّ ﷺ ؟ قال: "كان الكتابُ الأوَّلُ نزلَ من بابٍ واحدٍ، على حَرْفٍ واحدٍ، وأنزِلَ (٦) القُراَنُ من سَبْعَةِ أبواب على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" الحديث (٧). قال: واختلفوا (٨) فيها (٩) كيف أُنْزِلَتْ:

стр. 1346

فقيل: أُنْزِلَتْ على لغة قريش. وقال ابن عبّاس: أُنْزِلَتْ على كلِّ حيٍّ من أحياء العرب، واحتج قائل هذا بقَوْلِ عثمان: اكتبوه بلغة قريش، فإنّه أكثر ما نَزَلَ بلِسَانِهِمْ (١). ورُوِي أنّه نَزَلَ بلسان الكعبَيْن: كعب بن عمرو وكعب (٢) بن لُؤَي. وقيل: بلسان خزاعة. وقال آخرون: هذه اللُّغات كلّها في مُضَر. واحتجوا بحديث عثمان: "أنْزِلَ القُراَنُ بِلِسَان مُضَر" (٣) وقالوا: جائزٌ أنّ يكون منها لقُرَيْش، وجائز أنّ يكون منها لكنانه، ومنها لأسْد، ومنها لهُذَيْل، ومنها لقَيْس، فهذه قبائل مُضَر (٤). قال الإمام: وهذه الأقوال كلُّها مُختملَة التّأويل، قد طال التّنازع (٥) فيها بين العلماء، وليس فيها شيءٌ قاطعٌ يرفعُ الإِشكالَ. والّذي (٦) يتحصَّل من هذه المسألة -على عِظَمِ الاختلاف فيها- أمران: أمّا أحدهما: فسقوطُ جميع اللُّغات وجميع القراءات، إلَّا ما ثبتَ في المُصْحَفِ بإجماعٍ من الصّحابة، وأنّ ما كان أذِنَ فيه قبلَ ذلك ارْتَفَعَ وذَهَبَ. جاء حُذَيْفَةُ بن اليَمَانِ فقال: يا أمير المؤمنين، أَدْرِكِ النّاسَ قبلَ أنّ يَخْتَلِفُوا في القُرآنِ كما اختلفَ اليهودُ والنَّصارى في التوراة والإنجيل (٧) فأجمعتِ (٨) الصّحابةُ على ما في المُصْحَفِ وسقط ما وراءَهُ، وتمَّمَ اللهُ علينا هذه النعمة بما ضَمِنَ من حِفظِ كتابه للأُمَّة حين (٩) قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١٠) وذهبت كلُّ صحيفةٍ كانت في الأرض سواهُ، حتّى إنّ ابن مسعود كان قد كَرِهَ ذلك، وقال: يا أيّها النّاس، إنِّي غَالّ (١١) مصحفي، فمن استطاعَ

стр. 1347

منكم أنّ يغلّ مُصْحَفَه فَلْيَفْعَل فإنّ اللهَ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) فَمَا بَقِيَ على الأرض منها حرفٌ. الثّاني: أنّ القراءة لكلِّ أحدٍ إنّما تكون بقَدْرِ استِطَاعَتِه، فمن كانت يَاؤُهُ جِيمًا، أو كَافُهُ شينًا، أو لاَمُهُ مِيمًا، فإنّه يجوز (٢) له أنّ يقرأ بذلك، وهذا هو المقدار الّذي تفتقوون إليه (٣) وما سواه فمستراحٌ منه. نكتةٌ (٤): فإن قيل: فما تقولون في القراءات السَّبْعِ الّتي أُلْفِيَت في الكتب؟ قلنا: إنّما أرسلَ أمير المؤمنين المَصَاحِفَ إلى الأمصار الخَمْسَة بعدَ أنّ كُتِبَتْ بلغة قريش؛ فإن القرآن إنّما نزلَ بلُغَتِهم، ثمّ أَذِنَ لكلِّ طائفةٍ من العَرَبِ أنّ تَقْرَأَ بلغتها على قَدْر استطاعتها، فلَمَّا صارتِ المصاحفُ في الآفاق غير مضبوطة بنقط ولا مُعْجَمَة بضَبْطٍ، قرأها النَّاسُ، فما أنَفَذُوه نَفَذَ، وما احتمل الوجهين طلبوا فيه السَّماعَ حتّى وجدوهُ. فلمّا أراد بعضُهُم أنّ يجمعَ ما شذَّ عن خَطّ المُصْحَفِ من الضَّبْطِ، جَمَعَهُ على سبعةِ أَوْجُهٍ، اقتداءً بقوله: "أُنْزِلَ القُرآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" وليست هذه الرِّوايات بأصلِ في التَّعْيِينِ، بل ربّما خرجَ عنها ما هو مثلها أو فوقها، كحروف أبي جعفر المدني (٥) فإنّها فوق حروف عبد الله بن كثير المكِّي (٦)؛ لأنّه أشهر منه وأعلم وأقرأ وأمثاله من قُرَّاءِ الأمصار. فإن قيل: وهل تُعَيِّنُونَ هذه الأحرف السَّبعة، أو حرفًا واحدًا منها؟ قيل: لا سبيلَ لنا إلى تعيينها من وَجْهٍ صحيحٍ؛ لأنّ الّذي ثبتَ من قوله: "سَبْعَة أَخرُفٍ" لم يتعيَّن، والمسألةُ مُشكِلَةٌ جدًّا، والكلامُ عليها طويلٌ عويصٌ (٧).

стр. 1348

حديث مالك (١)، عن نَافِع، عن ابنِ عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "إِنّما مَثلُ صاحِبِ القرآن كَمَثَلِ صاحبِ الإبِلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وإنْ أطْلَقَهَا ذَهَبَت". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه (٢)، وله نظائر كثيرة. وفيه فائدتان: الفائدة الأولى: فيه: الحضُّ على دَرْسِ القرآن وتَعَاهُدِهِ والمُوَاظَبَة عليه، والتّحذير من نسيانه بَعْدَ حِفْظِهِ، لما رُوِيَ في ذلك من الآثار الواردة عن رسول الله ﷺ من حديثِ ابنِ مسعود وغيره؛ أنّه قال: "مَنْ تَعَلَّم القرآنَ ثمَّ نَسِيَهُ، لَقِيَ اللهَ تعالى يَوم القيامة أجذم" (٣) يعني مقطوع الحُجَّة. ومن حديث أَنَس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجورُ أُمَّتِي حتّى القَذَاةُ (٤) يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ من المسجدِ، وعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فلم أرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ من سُورةٍ من القرآنِ أو آيةٍ من القرآن أُوتِيَها الرَّجُلُ ثُمَّ نَسِيها" (٥). ومن حديث ابن مسعود أنّه كان يقول: تَعَاهَدُوا القُرآنَ فهو أشد تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهَا. قال: وقال رسول الله ﷺ : بئس ما لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيةَ كَيْتَ، بل هو نُسِّيَ (٦). وفي حديث ابن مسعود هذا كراهية قول الرَّجُل: نَسِيتُ، وإباحةُ قوله: أُنْسيتُ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ الآية (٧).

стр. 1349

وأمّا حديث الموطّأ (١): "إنَّي لا أَنْسَى أَوْ أُنَسَّى" فإنّما هو شَكٌّ من الرّاوي في اللَّفْظَيْن، على أنّه حديث لا يوجد في غير الموطّأ، وهو ممّا انْفَرَدَ به مالك. ومعلوم أنّ النِّسْيَانَ في لغة العرب بمعنى التَّرك، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية (٢)، معناه: تَرَكُوا. وقيل: نسوا الله، أي تركوا طاعة الله فَتَرَكَ رحمتهم وهدايتهم. وكان ابنُ عُيَيْنَة يقول: ما جاء من الأحاديث في نِسْيَانِ القرآن، قال: هو تَرْكُ العَمَلِ بما فيهِ، كقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ الآية (٣)، قال: ليسَ من نَسِيَ حِفْظَه وتَفَلَّتَ منه بنَاسٍ، إنّما إذا كان لا يُحِلُّ حَلاَلَهُ ولا يحرِّمُ حرامه، قال: ولو كان ذلك ما نسِيَ النّبيِّ ﷺ شيئًا منه، قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية (٤)، وقد نَسِيَ رسول الله ﷺ شيئًا منه فقال: "ذَكَّرَني هذا آية كنت نَسيتُها". وإنّما كان هذا لأنّه بَشَرٌ ومن جُمْلَة الآدميّة. حديث مالك (٥)، عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه (٦)، عن عائشةَ زوجِ النّبيِّ ﷺ أنّ الحارِثَ بن هِشَامٍ سأَلَ رسولَ الله ﷺ : كيفَ يَأتِيكَ الوَحْيُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "أحيانًا يَأْتينِي في مِثل صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَد وَعَيْتُ ما قالَ، وأحيانَا يَتَمَثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي ما يقولُ" قالت عائشة: ولقد رَأَيْتُهُ يَتزِلُ عليه في اليومِ الشَّديدِ البَرْدِ فَيفْصِمُ عنه وإنّ جَبِينَهُ لَيتَفَصَّدُ عَرقًا. الإسناد: قال الإمام: خَرَّجَ مالكٌ هذا الحديث ههنا على هذا المتن وهذا الإسناد، وقد ابتدأَ البخاريّ (٧) بهذا الحديث لأنّه من باب الإيمان بالنُّبُوَّة. فقال: باب كيف كان بدْء الوحي إلى رسول الله ﷺ وساق الآية: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية (٨).

стр. 1350

قال الإمام: حديثُ كيف يأتيكَ الوَحْيُ؟ هو سؤال عن الكَيْفِيَّةِ؛ لأنّه كان يأتيه الوَحْيُ على ثلاثةِ أنواعٍ (١): أحدُها: كَدَوِيِّ النَّخل، رواه عمر (٢). الثّاني: مثلُ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ في شدَّةِ الصَّوت، وهو أشدّ عليه (٣). الثّالث: وقد كان يأتيه رجل فيكلِّمه، وهو أَخَفُّهُ (٤). والحِكمَةُ في ذلك؛ أنّ البارى تعالى كان يقلِّب عليه هذه الأحوال زيادةً في الاعتبار وقوَّةً في الاستبصار، فبوَّب البخاريّ: باب كيف كان بدءُ (٥) الوَحْي على (٦) رسول الله (٧). وفي حديث الحارث (٨): كيفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فكانَ المرادُ حديث عائشة. والثّاني كان أوقع، إلَّا أنّ وجه تقديم حديث الحارث يظهر من طريقين (٩): أحدهما: أنّ كلَّ ظُهُورٍ ابْتِدَاءٌ، وليس كلّ ابتداء ظهور، فَبَدَأ بالمعنى العامّ. ولنا في هذا الحديث ممّا قيَّدْنَاهُ عن علمائنا فوائد كثيرة. الفائدةُ الأولى: فيه أنّ رسولَ الله ﷺ كان يسأله أصحابُه عن أَمْرِ الدِّينِ، والسُّؤالُ في أمر الدِّينِ على قسمين: سُؤالٌ عن فَنِّ العقائد، وسؤالٌ عن فنِّ العَمَلِ. والسُّؤالُ عن فنِّ العمل عندهم مكروهٌ إلَّا عن ما يقع، وقد كانت المسألةُ تدورُ على الصَّدْرِ الأوّل، فيقال: دَعُوها حتّى تنزل. وأمّا السُّؤالُ عن العقائد فَمَذْمُومٌ، وكذلك عن الغريب، حتّى أنّ عمرًا

стр. 1351

- ﵁ ضرب صبيغًا عليها ونفاهُ وحرَّمَ مجالسة المسلمينَ له، حتّى كتب عامله إليه (١) بتوبته، فكتب إليه: لا أراه إلَّا صَدَقَ، فخَلِّي بينه وبين النّاس (٢). وهذا السُّؤال الّذي وقعَ في الحديث عن النَّبيِّ ﷺ وإن كان قد خرجَ عن قبيل الأعمال، فهو من فنِّ العقائد، وإنّما أَجَابَهُ النّبيُّ ﷺ وهو قد كَرِهَ السُّؤالَ- لأَمْرِ قد ظهر له في السَّائلِ، وإنّما كَرِهَ السُّؤال لكَثرة الإلْحَاح عليه بذلك، لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (٤) و ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (٥) والنوع مثل هذا كثيرٌ، يأتي بيانُه إنّ شاء الله في "كتاب الأحكام في القضاء" من هذا "الكتاب" عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية (٦)، وإنّما أَجابَ النّبيُّ ﷺ للحارث (٧) بِمَا ظهرَ له من أَحَدِ وجهين: أحدهما: ما عَلِمَ من صِحَّةِ معتَقَدِه ومَقْصدِه، وأنّ غَرَضَه التّمييز لا المُعَانَدَة. الثّاني: أنّه لَمَّا كان إشكالٌ (٨) لا يعمُّ وقوعُه، ويتلجلج في الصُّدور ريبةً، تَعَيَّنَ عند السُّؤالِ كَشْفُه. الفائدة الثّانية: فيه أنّه قد كان منهم طائفةٌ تسأل، وطائفة تحفظ، وكلُّهم أَدَّى وبلَّغَ ما عَلِمَ، ولم يكتم أحدٌ شيئًا حتّى أكملَ اللهُ دينَهُ. الفائدة الثّالثة: قوله (٩): "كيفَ يَأْتيكَ الوَحْيُ" قد بيَّنَّا في "الكتاب الكبير" انقسام الوحي إلى ثمانية أقسام، لُبابُها أنّها الإعلام بكلام أو إشارة. والوحيُ هو من قولهم: وَحَى

стр. 1352

الرَّجُلُ وأَوْحَى، قاله صاحب "العين" (١). الفائدة الرّابعة: قوله: "مِثل صَلْصَلَةِ الجَرَسِ" الصَّلْصَلَةُ وقوعُ الحديدِ على الصَّفَا، وتحقيقه: الصّوتُ المرتفعُ، ويقالُ: الصّلْصَلةُ والصّليلُ: الصوتُ (٢)، يقال: صالت أجواق الإبِلِ من العَطشِ، إذا يبست ثم شربت، فسمع للماء في أَجْوَافِها صوتًا (٣). والجرسُ هي قطعةٌ مُجَوَّفَةٌ من حديدٍ أو نُحَاسٍ، في جَوْفِها حديدة معلَّقَةٌ تَضطَرِبُ باضْطِرَابه، إنّ كان صغيرًا فاسْمُه جرس، وإن كان كبيرًا فاسمه النَّاقوس، وخصَّ الجرس لأَنّه متدارك (٤) غير مفهوم وشديد (٥). الفائدة الخامسة: قوله (٦): "فَيُفْصَمُ عَنِّي" والفَصْمُ -بالفاء-: الكسر، واسْتُعْمِلَ (٧) مجازًا ههنا عن زوال الضَّيْقِ الوارد عنه ﷺ ، وخَصَّهُ بالذِّكْر عن القَصْمِ -بالقاف-؛ لأنّ الفَصْم لا إِبانَةَ فيه، وانفصالُ جبريل ﵇ عنه كان بِنيَّةِ العَوْدَةِ (٨). قال صاحب "العين" (٩): فَصمْتُ الشَّيءَ فَصْمًا صَدَعْته من غير أنَ أبينه. وفصم الشَّيء ذهبَ، وفصمتُ العُقدَة حَلَلْتُها، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ الآية (١٠). وفيه لغة أخرى. قال الأصمعي (١١): يَفْصِمُ يقلعُ، ومنه قولهم: أفصم المطرُ إذا أَقْلَعَ، فيقال منه: فعلَ وأَفْعَلَ.

стр. 1353

الفائدة السّادسة: قوله (١): "فَأَعِي مَا يَقُولُ" (٢) الوَعْيُ: هو الفَهْمُ البليغُ. الفائدة السابعة: قولُه (٣): "وإنَّ جَبِينَهُ" الجبينُ جانب الجبهة، ويُطلَقُ الجبينُ على الجبهة، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٤). الفائدة الثّامنة: قوله (٥): "يَتَفَصَّدُ عَرَقًا" وهو سَيلانُ المَرَاشِحِ من البَدَنِ كما يسيل الدَّمِ من البضع، وهو الشَّقُّ. الفائدة التّاسعة: قوله (٦): "في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ" إنّما كان ذلك لِمَا كان يَلْقَى من شِدَّةِ الهَوْلِ وعَظِيمِ الكَرْبِ، مع تحقيق الفَهْم والوَعْي تحقيقًا (٧) لا يتبيَّن أحدهما، وعليه ينطلق أَيضًا قولُه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (٨). ولأنّه كان يأتيه في (٩) "مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ" يعني (١٠) قوّة صوت المَلَكِ بِالْوَحْي ليشغله، وإن كان لا يقرع مسامع الخَلْقِ، فإنّه كان يَتَفَرَّغ من كلِّ مسموعٍ سواهُ؛ لأنّه كان يشغله عن أَمْرِ الدُّنيا، ويفرِّغ حواسّه للصّوت الشّديد؛ لأنّه لم يبق في سَمْعه مكان لغير صوت المَلَكِ ولا في قَلْبِهِ (١١). وعلى مثل هذه الصِّفة تَتَلَقَّى الملائكةُ الوَحْيَ من اللهِ تعالى.

стр. 1354

ذكر البخاريّ (١) عن ابن مسعود قال: إذا تكلَّمَ اللهُ بالوَحْي سَمعَ أهلُ السّمواتِ مثل وقوع السِّلْسِلة (٢) على الصّفا (٣). وقال أبو هريرة (٤): "إذا قَضَى اللهُ الأمْرَ في السَّماءِ، ضربتِ الملائكةُ بأَجْنِحَتِها خَضعًا لِقَوْلهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ على صَفْوَانٍ فإذا فُزِّعَ عن قلوبِهِم وسَكَنَ ذَلِكَ الأمْرُ (٥)، عَرَفُوا أنّهُ الحَقُّ، ونادَوا: ماذا قال رَبُّكُم؟ قالوا: الحَقُّ، وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ" (٦). وفي حديث يعلي بن أميّة: إذا نزل عليه الوَحْيُ يحمرُّ وجهه، ويَغِطُّ غَطِيطَ البِكْرِ ويَنْفُخُ (٧)، إلى ضروب كثيرة لستُ أحصيها من أحاديث ومعانٍ. تكملة: فإن قيل: ما الفائدةُ في قولِ البخاريّ في أَوّلِ كتابه (٨) ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية (٩)، ولم يقل: إلى آدم، وهو أوَّلُ الأنبياء. الجواب- قلنا: إنّما قال ذلك؛ لأنّ فيه معنى الوَعيد والتّهديد لأُمَّتِهِ ﷺ ؛ لأنّ نُوحًا ﵇ أوّل نبيٍّ عُوقِبَ قَوْمُهُ فأُهْلِكُوا، فكأنّه قال: إنّا أوحينا إليك كما أوْحَينَا إلى نوح وقومه، فإن عَصَوْكَ لَقَوْا ما لَقِيَ قَوْمُ نوحٍ، واللهُ أعلمُ. حديث مالك (١٠)، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه؛ أنَّه قال: نزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (١١) في عبد الله بن أُمِّ مَكتُومِ، جاءَ إلى رسول الله ﷺ ، فجعلَ يقولُ: يا محمّد اسْتَدْنِني،

стр. 1355

وعند النّبيِّ ﷺ رَجُلٌ من عُظَمَاءِ المشركينَ، فجعلَ النبيُّ يُعْرِضُ عنه ويُقْبِلُ على الآخَرِ. الحديث. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (١): "لا خلافَ عن مالكٌ في جميع رواة الموطّأ في إرساله، وهو يَسْتَنِدُ من حديث عائشة، من رواية يحيى بن سعيد (٢)، ويزيد بن سِنَان" (٣). وقيل: قد أسنَدَهُ من لا يُوثَق بحِفْظِهِ، وهي قصَّةٌ مشهورةٌ عند أهل السِّيَّر والتَّفْسير. ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي ثلاثة فوائد: الفائدة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): في هذا الحديث دليلٌ على اعتناء السَّلَفِ بالسَّيَر (٦) وما ارتبطَ بها من عِلْمِ نُزُولِ القرآنِ، متَى نزلَ وفيمن نزلَ، والمَكِّيّ منه والمَدَنِيّ، والسَّفَرِيّ واللّيْلِيّ والنّهاري، وما نزلَ في الهواء وما نزلَ تحت الأرض، وما أشبه ذلك من عِلْمِ التّاريخ في مثل ذلك، فإنّه عِلْمٌ حَسَنٌ ينبغي الوقوف عليه والعناية به والميل بالْهِمَّة إليه. الفائدة الثّانية: قوله: "وكانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ من عُظَمَاءِ المُشْرِكِينَ" يعني رؤساؤهم. يقال: إنّه أُبَيّ بن خَلَف (٧).

стр. 1356

ويقال: أميّة بن خَلَف (١). وقيل: شيبة بن ربيعة (٢). وقيل: عُتْبَة (٣). ولعلّ النّبيّ ﷺ قصدَ بإعْرَاضِهِ عنه وإقباله على المُشْرِك طَمَعًا في الحِرْصِ على أنّ يُؤمِن، ولذلك كان يقول (٤): "هَل تَرَى فِيمَا أقولُ بأسًا" فيقولُ المُشْرِكُ: لا، والدِّماءِ. عربية (٥): قوله: "لا، والدِّمَاءِ" بكسر الدَّالِ وهي الدِّماء المهراقة، ويُرْوَى: "لا، والدُّمَى" جمعُ دُمْيَة، وهي الصُّوَر من الأصنام. ومن روى "الدِّماء" بالكسر فمعناه: دِماء الذّبائح الّتي يذبحون لآلهتهم، ومن روى: "الدُّمَى" بالضَّمِّ، فمعناه: الأصنام أنفسها. الفائدة الثّالثة (٦): فيه أيضًا: ما كان عليه ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ من الحِرْصِ على القُرْبِ من رسول الله ﷺ والسّماع منه والأَخْذِ عنه، فأنزلَ اللهُ تعالى لأَجْلِهِ على رسولِهِ يُعَاتِبُه في ذلك: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ الآية (٧). وفي حديثٍ مُسْنَدٍ (٨) عن مسروق، قال: دخلتُ على عائشة وعندها مكفوفٌ تقطعُ له الأُتْرُجَ وتُطعِمُه إيّاهُ بالعَسَلِ، فقلت لها: من هذا يا أُمَّ المؤمنين؟ فقالت:

стр. 1357

هذا ابن أمّ مكتومٍ الّذي عاتَبَ اللهُ فيه نَبِيَّهُ ﷺ ، أَتَى النَّبِيَّ (١) وعِنْدَهُ عُتْبَة أو شَيْبَة أو أُبَيِّ بن خَلَف الجمحي (٢)، فأقبل عليه، فنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٣) وقالت عائشة ﵂: لو كَتَمَ رسولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا من الوَحْيِ لكتَمَ هذا. وقيل: جاءَهُ وعِنْدَه رجلٌ من عُظَمَاء قُرَيْش، فقال له: علمني ممّا عَلَّمَكَ اللهُ، فأعرضَ عنه، قال: فنزلتِ السُّورة (٤). حديث مالك (٥)، عن زيد بن أَسْلَم، عن أبيه؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يَسِيرُ في بعض أَسْفَارِهِ، وعمرُ يسيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فسأَلَهُ عمرُ عن شيءٍ، فلم يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثمّ سأَلَهُ فلم يُجِبْهُ. فقال عمر: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ عُمَرُ، نَزَرْتَ رسولَ الله ﷺ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذلك لا يُجِيبُكَ (٦)، قال عمر: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي، حتَّى إذا كنتُ أمامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أنّ يَنْزلَ فيَّ قرآنٌ ... الحديث إلى قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية (٧). ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث (٨): وهي ثمان فوائد: الفائدة الأولى (٩): فيه: من وجوه العلم: إباحةُ المشي على الدَّوَابِّ" باللَّيل، وهذا (١٠) محمولٌ عند أهل العِلْمِ على من لا يمشي بها نهارًا؛ لأنّه قد أمرَ رسولُ الله ﷺ بالرِّفْقِ والإتيان عليها والإحسانِ إليها. الفائدة الثّانية (١١): فيه: أنّ للعالِمِ إذا سُئِلَ عمّا لا يريد الإجابةَ فيه أنّ يَسْكُتَ ولا يُجيب بنَعَمْ، ولا

стр. 1358

يعلق الجواب بجوابٍ على المتعلِّم (١) بردِّ الاحتجاج عليه. الفائدة الثّالثة (٢): فيه: النَّدَمُ على إيذاء العالم والإلحاح (٣) عليه خوفَ غَضَبِه وحرمانِ فائدته في المستقبل، وفي الخبر: إنّه ما أغضبَ أحدٌ عالمًا إلَّا حُرِمَ الفائدةَ منه. وقال أبو سلمة (٤) لو رفقتُ بابن عبّاس لاستخرجت منه علمًا (٥). وقالوا: كان أبو سلمة يُبَارِي ابن عبّاس، فَحُرِم بذلك علمًا كثيرًا. الفائدة الرّابعة (٦): فيه: ما كان عليه عمر من التّقوى وخوفِ الله تعالى؛ لأنّه خَشِيَ أنّ يكون عاصيًا بسؤاله رسول الله ﷺ ثلاث مرَّات، كلُّ ذلك لا يجيبُهُ، والمعلومُ أنّ سكوت العالِمِ عن الجواب مع علمه به دليلٌ على كراهية السؤال. الفائدة الخامسة (٧): فيه: ما يدلُّ على أنَ السُّكوتَ عن السَّائلِ يعزُّ عليه، وهو أمرٌ موجودٌ في طبائع النّاسِ وجِبِلَّةِ الآدميَّة، ولهذا أرسل رسوله الله ﷺ في عمر يُؤَنّسُه. وفي ذلك ما يدلُّ على منزلة عمر عند رسولِ الله ﷺ وموضعه من قَلْبِه (٨). الفائدة السّادسة (٩): فيه: أنّ غُفرانَ الذَّنب للمؤمن خيرٌ له ممّا طلعت عليه الشّمس، فرأى عمر ذلك تحقيرًا منه ﷺ للدُّنيا وتعظيمًا منه للآخرة. وهكذا ينبغي للعالِمِ أنّ يُحَقِّرَ ما حَقَّر اللهُ

стр. 1359

ويُعظِّم ما عظَّم اللهُ. وإذا كان غُفرانُ الذَّنب كما وصفَ، فمعلومٌ أنَّه صلّى الله عليه لم يكَفَّر عنه إلا الصّغائر؛ لأنّه لا يأتي كبيرةً أَبَدًا، لا هو ولا أحدٌ من الأنبياء؛ لأنّهم معصومون من الكبائر، على ما تقدَّمَ بيانُه وتمهيدُه في "باب السَّهْوِ" في حديث ذي اليَدَين (١). الفائدة السّابعة (٢): قال علماؤنا بالسِّيَرِ، والنّاقلين للخبر والأثر: إنَّ سَفَرَهُ المذكور في هذا الحديث كان حين مُنْصَرَفِهِ من الحُدَيْبيّة. وقال بعضهم: حين منصرفه من خَيْبَر. وقال بعضهم: الحُدَيْبِيَّة مَنْحَرُهُ ومَحْلَقُهُ. الفائدةُ الثامنة (٣): قوله (٤) "نَزَرْتَ رَسُولَ الله ﷺ قيَّدْنَا عن علمائنا فيه أربعة ألفاظ: الأوّل: أَلْحَحْت عليه، قاله ابنُ حبيب (٥). وقال (٦): منه أعطى عطاء غير منزور، أي غير ملحّ عليه. الثّاني: نزرت أي راجعت، ذَكَرَهُ ابن حبيب عن مالك (٧). الثّالث: نزرت بمعنى أبرمت؛ لأنّه بمعنى طرحت عليه كلامه فبرم منه. الرّابع: قال ابنُ وَهْب: معناه أكرهت رسول الله ﷺ في المسألة (٨). وقال ابن قُتَيْبَة (٩): الصَّواب أنّه بمعنى ألححت عليه بالسّؤال.

стр. 1360

قال الإمام: والعَجَبُ كلّ العَجَبِ من قومِ رؤوس العوامّ، نصبوا أنفسهم للعِلْمِ وقراءته، يقولون في ذلك: يُرْوَى بالباء والنون بمعنى (١) بزرت، وهو تصحيف من سخيفٍ لا يعقِل ولا يهتدي، والحمدُ لله. خاتمة (٢): قال الإمام: أدخل مالكٌ هذا الحديث في هذا الباب، في باب "ما جاءَ في القرآنِ" دليلًا على أنّه أراد التّعريف بأنّ القرآن كان ينزلُ على رسول الله ﷺ في الأسفار على قَدْرِ الحاجةِ. أشار مالك بهذا الحديث وبالحديث الّذي قَبْلَهُ إلى تحصيل عِلْمٍ من علوم القرآن، وهو معرفة أسباب نزول الآيات والسُّوَر؛ فإنّ معرفةَ الأسباب مُعِينَةٌ على دَرْكِ التّأويل، وإليه أشار بحديث ابن أمِّ مَكتُومٍ في قوله: نَزلَت سورةُ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (٣) في ابن أُمِّ مَكْتُوم؛ لأنّ في حديث ابن عمر أنّه نزلت عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ (٤) في تلك السَّفْرَة، فقال بعضهم: حين انصرفَ من خَيْبَر. وقيل: الحُدَيْبِيّة على ما تقدَّمَ بيانُه، وأنّه أراد أنّ القرآنَ لم ينزل على رسول الله ﷺ جُمْلَةً واحدةً. حديث مالك (٥)، عن يحيى بن سعيد، عن محمّد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمَة، عن أبى سعيد الخُدْرِيّ؛ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "يَخرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مع صَلاَتِهِمْ." الحديث. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٦)، مُسْنَدٌ من طُرُقٍ كثيرةٍ صِحَاحٍ، خَرَّجه (٧) وغيرُه. وفيه ضروبٌ من العِلْمِ، أوَّلُ ذلك:

стр. 1361

الأصول: قال الإمام: الحديثُ من إحدى معجزات النّبيِّ ﷺ لأنّه أَخْبَرَ بِارْتدَادِ من يَأْتِي بعدَهُ. وفيه (١): دليلٌ لِمَنْ يَرَى أنَّ البِدَعَ لا تُذْهِبُ الإيمانَ ولا يكفُر صاحِبُها. وقد اختلفَ العلماءُ في تَكْفِيرِ المتأَوِّلِينَ، وهم الّذينَ لا يقصِدُون الكُفْرَ، إنّما يَطلبون الإيمانَ فيخرجونَ إلى الكُفْرِ، وعِلْمُهُم يَؤُول بهم إلى الجهل. وهي مسألةٌ عظيمةٌ تتعارضَ فيها الأدِلّة، ولقد نظرتُ فيها مرارًا؛ فتارةً أُكَفِّر، وتارةً أَقِفُ، إِلَّا فيمن يقول: إنَّ القرآنَ مخلوقٌ، وإنّ مع اللهَ خَالِقًا سِوَاهُ، فلا يدركني فيه ريب، ولا أُبْقِي له شيئًا من الإيمان. الفقه والفوائد المنثورة في هذا الحديث: الفائدة الأولى (٢): أوّل ما في الحديث من المعاني: أنّ الخوارجَ إنّما قيل لهم خوارج لقوله ﷺ : "يَخْرُجُ فِيكُمْ" ومعنى، "فيكم" أي عليكم (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٤) فكان خروجُهُم ومُروقُهُم في زمان الصّحابة، فسُمُّوا الخوارج، من قوله: "يَخْرُجُ فِيكُمْ". وسمُّوا أيضًا: "المارقة" (٥) لقوله: "يَمْرُقُونَ مِن الدِّينِ" ولقوله ﷺ : "تَقْتَتِلُ طائفتَانِ من أُمَّتِي، فَتَمْرُقُ بينهما مارِقَةٌ تَقْتُلُها أُولَى الطَّائفتين بالحَقِّ" (٦). فهذا هو الأصلُ الّذي سُمِّيَتْ به الخوارج والمارقة (٧).

стр. 1362

وهم طائفةٌ خرجت على المسلمين وخالفتهمِ، وتعلَّقَت بظاهر الكتاب بزَعْمِها، ونبذَت القول بالرَّأيِ الّذي (١) هو أسُّ الشّريعة وقد أمَرَ اللهُ به، وأجمعتِ الصَّحابةُ على صِحَّتِهِ، فقالت هذه الفرقة: لا حُكْمَ إلَّا الله ورسوله، فقال علي ﵁: كَلِمَهُ حَقٍّ أُرِيدَ بها باطِلٌ (٢). ونَاظَرَهُم في ذلك ابنُ عبّاس فقال: إنّ اللهَ قد حَكمَ بين الزَّوجين، وفي جَزَاء الصَّيْدِ، فأَنْ يَحْكُم بين الطائفتين أَوْلَى. فلم يَلْتفِتُوا إلى كلامه، وخرجوا على المسلمين بأَسيافهم، وافترقوا على مذاهب جَمَّة. الفائدة الثّانية: قال الخطّابي (٣): "اعلم أنَّ الفرقة فرقتان: فرقة الآراء والأديان، وفرقة الأشخاص والأبدان. والجماعة جماعتان: جماعة الهُدَى وهي (٤) الأيِمَّة والأمراء، وجماعة العامّة والدَّهماء. فأمّا الافتراق في الآراء والأديان، فهو محظورٌ في العقول، مُحَرَّمٌ في قضايا الأصول؛ لأنّه داعية الضّلال وسبب التّعطيل والإهمال، ولو تُرِكَ النَّاسُ متفرِّقينَ لتفرَّقَتِ الآراء والنِّحل، ولكَثُرتِ الأديان والمِلَل، ولم تكن فائدة في بَعْثِ الرّسول، وهذا هو الّذي عَابَهُ اللهُ فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ الآية (٥)، فذمَّهُ في كتابه، وعنه نهى ﷺ في الحديث الصّحيح؛ قوله ﷺ : "مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ مَاتَ مِيتهً جاهليَّة" (٦)، وذلك أنّ أهل الجاهليّة لم يكن لهم إمامٌ يجمَعُهُم على دِينٍ، ويتألَّفُهُم على رَأْيٍ واحدٍ، بل كانوا طوائفَ شتَّى وفرقًا مختلفة، وأراؤهم مُنْتَقَضَة، وأديانهم تَالِفَة (٧)، وذلك الّذي دَعَا كثيرًا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعَةِ الأزلام. فالخوارجُ على هذه الصِّفَة من الضّلال، وهم يظنُّونَ أنّهم مُهْتَدُون عُقَّال، فهم من الّذين قال الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الآية (٨)؛ لأنّهم خرجوا على الأُمَرَاء. وافترقوا فِرَقًا:

стр. 1363

الفِرْقة (١) الأُولى منهم: "الإباضيَّةُ" وهم أتباع (٢) عبد الله بن إباض (٣). و"الأزارقة" وهم أتباع عبد الله (٤) بن الأزرق (٥). و"الصُّفْرية" (٦) أتباع النُّعمان بن صُفْر (٧). وأتباعُ نجْدَةَ الحَروري يقال لهم "النّجدية" (٨). و"الحروريّة" منسوبة إلى حروراء (٩)، مَوْضِعٌ خرج فيهم أَوّلُهُم على الوُلاة، فَقَاتَلُوهُم بالنّهروان. قال خُشَيْش بن أَصْرَم (١٠) في كتاب "التّأكيد في لُزوم السُّنَّة وحُبّ خيار هذه الأُمّة" قال (١١): "بلَغنَا أنَّ (١٢) أوَّلَ منِ افترقَ من هذة الأُمَّة (١٣) الزَّنادقة، وهم خمسُ

стр. 1364

فِرَقٍ، ثمّ "الجَهْمِيّة"، وهم ثماني فرق، ثمّ "القَدَرِيّة" وهم سبع فِرَقٍ، ثُمَّ "المُرْجِئة" وهم اثنتا عشرة فرقة، ثمّ "الرّافضة" وهم خمس عشرة فرقة، ثمّ "الحَرُوريّة" وهم خمس وعشرون فرقة. فذلك اثنتان وسبعون فرقة، فهذا (١) جِمَاعُ أوصافِهم وأصولهم" (٢). ثمّ تَشَعَّبت كلُّ فرقةٍ من هذه الفِرَقِ على فِرَقٍ، فكان جِمَاعُهَا الأصل (٣)، ثمّ اختلفت (٤) في الفروع، فكَفَّرَ بعضُهم بعضًا، وجَهَّلَ بعضُهم بعضًا وبدَّعوهم (٥). ثمّ افترقتِ الزَّنَادِقَةُ على خمسِ فِرَقٍ، وافتَرَقَت كلُّ فرقةٍ منهم على ستِّ فرقٍ (٦)، فكان منهم "المُعَطِّلَةُ" (٧) الذين يزعمون أنَّ الأشياءَ كلَّها من غير تكوينٍ، وأنه ليس لها مُكَوِّنٌ ولا مديرٌ، وأنَّ هذا الخَلْق بمنزلة النَّبَات في الفَيَافِي والقِفَار، يموتُ منه (٨) شيءٌ ويحيى منه (٨) شيءٌ وينبتُ منه شيءٌ، وإنّما (٩) تغلبُ عليها الطَّبائع الأربع في أبدانهم (١٠)، فإذا غلبت عليه إحداهن قَتَلَتْه؛ لأنَّهم يَرَوْنَ أنّه يموتُ الصَّغيرُ ويَحْيَى الكبيرُ (١١)، لا يعرفون آدمَ، ويزعمون أنَّ آدم له أبٌ، فهم (١٢) بذلك كُفَّارٌ، تعالى الله عن قَوْلِهِم. ومنهم "الثَّنَوِيَّة" (١٣) الّذين يزعمُون أنَّ ثَمَّةَ إِلَهَيْنِ خَالِقَيْن، أحدهما: خالقٌ للخَيْرِ والنُّور والضِّيَاءِ، والآخر: خالقٌ للشَّرِّ والظُّلْمَةِ والبلاء. وإنَّ ذلك (١٤) من قولهم أعظم الكُفْرِ والخُلُود به في نَارِ جهنّم.

стр. 1365

والحُجَّةُ القاطعةُ عليهم: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية (١)، وإنّما سمّوا "المانويّة" (٢)؛ لأنّ رَجُلًا يقال له: مَانِي، كان يدعو إلى اثنين، وزعموا أنّه نبيّهم، وكان (٣) في زمن الأَكاسرة، فقتله بعضهم. ومنهم فرقة يقال لها: "المزْدَكِيَّة" (٤)، وذلك أنّهم زعموا أنّ الدُّنيا خَلَقَها اللهُ كلّها واحدة (٥)، وخلَقَ لها خَلْقَا واحدًا آدمُ (٦) ﵇، وجعلَها له، يأكلُ (٧) مِنْ طعامها ويشربُ من شرابها ويتلذَّذُ بلذّاتها، فلمّا مات آدم جَعَلَها ميراثَا بين وَلَدِهِ بالسَّوِيَّةِ، ليس لأحدٍ فضل في مالٍ ولا أهلٍ، فمن قدرَ على ما في أيدي النّاس وتناول منه شيئًا (٨)، فهو له مباح سَائِغٌ، والفضل الزّائد في أيدي ذوي الفَضّل مُحَرَّمٌ عليهم، حتّى يصير (٩) بالسَّوِيَّةِ بالحالتين (١٠) الغناء والفقر. وهذا كلُّه كفرٌ وخروجٌ عن شريعةِ الدِّين. والحُجَّةُ القاطعةُ عليهم، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١١). ومنهم "العَبْدَكيّة" زعَمُوا أنّ الدُّنيا كلّها حرامٌ محرّمة، لا يحلّ لأحد (١٢) منها إلَّا القُوت من حين ذهب أيِمّة العدل من الأرضِ، فلا تحلّ إلَّا بإمامِ عادلٍ، وإلاّ فهي (١٣) حرامٌ معاملةٌ أهلِهَا حرامٌ، والبيعُ والشِّراءُ حرامٌ، ومخالطةُ أهلِهَا حرامٌ، يحل لك أنّ تأخذَ القُوت من الحرام حيث كان، وإنّما سمُّوا العَبْدَكِيّهَ؛ لأنّ "عَبْدَك" هو الّذي وضع

стр. 1366

لهم هذا الرِّأي ودعاهم إليه وأمرهم بتصديقه (١)، وهم في ذلك كاذبون، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية (٢)، وما أحلَّ الله القُوتَ من الحرام (٣) اِلاَّ للمُضْطَرِّ، و" لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لغَنِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" (٤). ومنهم لا "الرُّوحانيّة" وهم أصناف، وإنّما سمُّوا الرُّوحانيّة لانّهم زعموا أنّ أرواحهم تنظر إلى الملكوت الأعْلَى، وتُعاين الحُور، وتشاهد الجَنَّة، وتتنعَّم برؤْية البارئ تعالى. وسمُّوا أيضًا "الفِكْرِيَّة" لأنّهم زعموا أنّهم يتفكّرونَ في هذا حتّى يعرفون الله، فجعلوا الفِكرَةَ غاية العبادة، وهو (٥) مذهب الحَلّاجِ السَّاحرِ الكافرِ. ومنهم صنفٌ من الرّوحانيّة زعموا أنّ حبَّ الله تعالى يغلبُ على قلوبهم وأهوائهم، حتّى يكون حبّه أغلب الأشياء عليهم، فهذا كان كذلك (٦)، كانوا عند الله بهذه المنزلة، و*إذا كانوا عندَه بهذه المنزلة وجبت لهم الجنّة، وارتفع عنهم التكليف، وأحلّ لهم المحظور، فهو (٧) عندهم حلالٌ* (٨)، ولم يعرفوا قصَّةَ إبراهيم ﵇ إذ يقول يوم القيامة: لست هناك (٩)، ويذكر كذباته الثلاث. ومنهم صنفٌ زعموا أنّ تَرْكَ الدُّنيا اشتغال القلوب وتعظيم الدّنيا (١٠)؟ لأنّها لمّا عظمت عندهم، تركوا طِيب نَعِيمها وجميع شهواتها على وجه الكراهية الشّديدة، منهم (١١) أبو حبيب ورَبَاح وكُلَيْب وحبّان (١٢). ورابِعَتُهم رَابِعَة، وإنّما سُمِّيَتْ رَابِعَة لأنَّها رابعتهم. وقيل: إنّها ليست رابِعَة العَدَوِيّة.

стр. 1367

ومنهم (١) فرق يقولون: إنّ الله لا شيءَ (٢)، ولا في شيءٍ، ولا يقع عليه صفة (٣) شيءٍ، ولا معرفة شيءٍ، ولا تَوَهّم شيءٍ (٤). قال (٥): وجاء رجل إلى بِشْر المريسيّ (٦) فقال له كلامًا لا أحفظه عليه، فقال بِشْر: توَهَّمْ صحراء فيها نخلة لا شرقيّة ولا غربيّة، لا في الأرض ولا في السّماء، فكذلك الله تعالى. فقال العبّاس بن محمّد: هذا هو الكُفْر بعَيْنهِ، وإنّما تدور على (٧) التّعطيل المحْض، فقال له الرَّجُل: يا بشر، هذا - والله- هو العَدَم، فقالَ: نعْم، الجهلُ به هو (٨) المعرفة. قال القاضي ﵁: وهم أكثر من أنّ يقف على أخبارهم وأسرارهم، فلهذا وغيره قال ﷺ : "تفترقُ أُمَّتِي عَلى اثْنَيْنِ وَسَبْعينَ فِرْقَةٍ، كلُّها في النّار إلَّا النّاجية، قيل من الناجية يا رسول الله؟ قال: ما كُنْتُ عَلَيه أَنَا وَأَصْحَابِي" (٩). والأصل في ذلك الزِّنادقة، ولا يقال لكلِّ منَ وحَّدَ الله تعالى وأَقَرَّ بالصّانع زنديقٌ، وإنّما يقع اسم الزِّنديق على المُعَطِّل الّذي لا يُقرّ بالصّانع، ويزعم أنّ النّاس يتكوَّنُونَ من غير خالقٍ لهم، ولا مبدىء لهم ولا معيد، وأنّ البارئ تعالى قد فرغ من جميع الأشياء، لا يُحْدِثُ شيئًا وإنّما تصدرُ عنه الحادثات، وإنّما هم قوم تَعَبَّدُوا بغير عِلْم، فكان علمُهُم وعبادَتُهم هَباءً منثورًا. فهذا رأيتَ مجتهدًا عابدًا فأعرض عَمَلَهُ على العِلْمِ، فإن وافَقَهُ وإلّا كان عمَله هبَاءً منثورًا، وتعدادُهم هم يطولُ به الكتاب، فاقتصرنا على هذه النُّبْذَة لنَكْشِفَ لكم عن أسرارهم.

стр. 1368

عُدْنَا إلى الفائدة الثّالثة (١): قولُه ﷺ (٢): "يَقْرَأُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ" معناه أنّهم لم ينتفعوا بقراءته إذ تأوّلوه (٣) على غير سبيل السُّنَّةِ المُبَيِّنَة، وإنّما حملهم على جَهْلِ السُّنَّة ومعاداتها تَكْفِيرُهُم (٤) للسَّلَفِ ومن سَلَك سَبِيلَهُم، فتأَوَّلوا القُرآنَ بآرائِهِمْ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا (٥). وإلى هذا أشار أبو بكر الصدّيق إذ قال: "لأنّ أَخِرَّ مِنَ السَّماءِ فتخطفني الطَّير أحبّ إليَّ أنّ أقولَ في كتابِ اللهِ بالرَّأيِ" (٦) أراد الرّأي الّذي لا تشهد له الأصول، ولهذا ضَلَّت المُبْتَدِعَة وأنكرت القياس بالرَّأْيِ، فأَبْطَلَت رُكْنًا من أركان الشّريعة. الفائدة الرّابعة (٧): قوله: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ" المروقُ الخروجُ من الشَّرْعِ كما يخرج (٨) السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ، والرَّمِيَّةُ الطّرِيدَة من الصَّيد المَرْمِيَّة، والمرمية مثل المقتولة والقَتِيلَة. قال أبو عُبَيد (٩): كما يخرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّميَّة يقول: يخرجُ (*) السَّهْمِ، ولم يمتسّك بشيءٍ، كما خرج هؤلاء من الإسلام ولم يتمَسَّكُوا بشيءٍ منه (١٠). الفائدة الخامسة (١١): قوله: "وَتَتَمَارَى في الفُوقِ" هذا دليلٌ على الشَّكِّ في خروجهم جُمْلَةً عن

стр. 1369

الإسلام؛ لأنّ التَّمَارِي: الشَّك، وإذا وقع الشَّكُّ في خروجهم لم يقطع عليهم بالخروج الكلِّي عن الإسلام. واحتجّ القائلُ لهذا بلَفْظَةٍ رُوِيَتْ (١) في بعض طُرُقِ هذا الحديث والأحاديثِ الواردةِ فيهم، وهي قولُه: "يَخْرُجُ قَوْمٌ من أُمَّتِي" (٢) ولو صحَّت هذه اللَّفْظَة لكانت شهادة منه لهم أنّهم من أُمَّتِهِ. وقال بعض العلماء معنى قوله: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي" معناه: في دَعْوَاهُمْ أنّهم مِن أُمَّتِهِ، وليسوا من أُمَّتِهِ. وأكثر طرق الأحاديث الصِّحاح عن أبي سعيد الخدري عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "تَلْتقِي من أُمَّتِي فِئتان، أو قال: تَقْتَتِلُ من أُمَّتِي فئتان، فَبَيْنَا هم كذلك، إذ مَرَقَتْ مارِقَةٌ بينَهُمَا تَقتُلُها أولى الطائفتين بالحقِّ" (٣). وقال الأخفش (٤): شَبَّهَ رسولُ الله ﷺ مُرُقَهُم من الدِّينِ بِرميةِ الرَّامِي الشَّديدِ السَّاعِدِ الَّذي رَمَى الرَّمِيَّة فأَنْفَذَهَا سَهْمه في جانب منها وخرج من الجانب الآخر لِشِدَّةِ رَمْيِهِ، فلم يتعلَّق بالسَّهْمِ دَمٌ ولا فَرْثٌ (٥)، وكأن الرّامي أَخذَ السَّهْمَ فَنَظَرَ في نَصْلِهِ -وهو الحديدُ الّذي في آخر السهم- فلم ير شيئًا من دَمٍ ولا فَرْثٍ، ثم نَظَرَ في القِدْحِ - والقِدْحُ عود السَّهْمِ- فلم يَرَ شَيْئًا، ونَظَرَ في الرِّيشِ فلم يَرَ شيئًا. وقوله: "يتَمَارَى في الفُوقِ" أي يشُكُّ فيه إنّ كان أصاب الدَّم الفُوق أم لا. والفُوقُ: آخر السَّهْمِ. وقال آخر: الفُوقُ هو الشَّقُّ الّذي يدخلُ فيه الوَتَرُ، فكذلك هؤلاء (٦)، إذا نظرتَ في أقوالهم وأفعالهم لم تجد فيهم تعلُّقًا بالإِسلام، ولا أثر لهم، وتتمارى في اليسير من الدَّمِ، كذلك يُتمارى في اليسير من أَيْمَانِهم، وفيهم نزلت: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية (٧).

стр. 1370

الفقه والأحكامُ في أهل البِدَعِ والخَوَارج: المسألةُ الأُولى: قال علماؤنا: الحُكْمُ في الخوارج المُقَاتَلَةُ؛ لأنّ عليًّا ﵁ قاتَلَهُم على ذلك. وقال بعضهم: إنّه لم يقاتل عليّ أهل البَغْيِ على الشِّرْكِ ولا على كُفْرِهِمْ، وإنّما قاتَلَهُمْ على مُخَالَفَةِ السَّلَفِ والخروجِ عن الجماعة. وقال (١) إسماعيل القاضي: رأَى مالكٌ ﵀ قَتل الخوارج وأهل القَدَر من أجل الفساد الدَّاخل من قبلهم (٢)، وهو من باب الفساد في الأَرض، وليسَ فسادهم (٣) بِدُونِ فسادِ قُطَّاع السُّبُل والمُحاربينَ للمسلمين على أموالهم، فوجب بذلك قتلهم لا على الكفر (٤). وهذا (٥) قولُ عامّة الفقهاء الّذين يَرَوْنَ قتلهم واسْتِتَابتهم، ومنهم من يقول: لا يتعرض (٦) لهم باستتابةٍ ولا غيرها ما اسْتَتَرُوا ولم يبغوا حقًّا أو يُحَارِبُوا، وهذا مذهب الشّافعيّ وأبي حنيفة وأصحابهم، وجمهور الفقهاء، وكثير من أهل الحديث. وقال الشّافعيّ في كتابه (٧) في قتال أهل البَغْيِ: "لو أنّ قومًا أَظْهَروا رَأْيَ الخوارج، وتَجَنَّبُوا جماعةِ المسلمينَ وكَفَّروهُم، لم تحلّ بذلك دماؤُهُم ولا قتالهم؛ لأنّهم على حُرْمَةِ الإيمانِ حتّى يصيروا إلى جانب يجبُ به قتلهم" (٨) من خُرُوجِهم إلى قتل (٩) المسلمين وإشهارهم السِّلاح، وامتناعهم ممّن يدعوهم إلى الحَقِّ (١٠).
следующие страницы →