← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

لهم هذا الرِّأي ودعاهم إليه وأمرهم بتصديقه (١)، وهم في ذلك كاذبون، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية (٢)، وما أحلَّ الله القُوتَ من الحرام (٣) اِلاَّ للمُضْطَرِّ، و" لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لغَنِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" (٤). ومنهم لا "الرُّوحانيّة" وهم أصناف، وإنّما سمُّوا الرُّوحانيّة لانّهم زعموا أنّ أرواحهم تنظر إلى الملكوت الأعْلَى، وتُعاين الحُور، وتشاهد الجَنَّة، وتتنعَّم برؤْية البارئ تعالى. وسمُّوا أيضًا "الفِكْرِيَّة" لأنّهم زعموا أنّهم يتفكّرونَ في هذا حتّى يعرفون الله، فجعلوا الفِكرَةَ غاية العبادة، وهو (٥) مذهب الحَلّاجِ السَّاحرِ الكافرِ. ومنهم صنفٌ من الرّوحانيّة زعموا أنّ حبَّ الله تعالى يغلبُ على قلوبهم وأهوائهم، حتّى يكون حبّه أغلب الأشياء عليهم، فهذا كان كذلك (٦)، كانوا عند الله بهذه المنزلة، و*إذا كانوا عندَه بهذه المنزلة وجبت لهم الجنّة، وارتفع عنهم التكليف، وأحلّ لهم المحظور، فهو (٧) عندهم حلالٌ* (٨)، ولم يعرفوا قصَّةَ إبراهيم ﵇ إذ يقول يوم القيامة: لست هناك (٩)، ويذكر كذباته الثلاث. ومنهم صنفٌ زعموا أنّ تَرْكَ الدُّنيا اشتغال القلوب وتعظيم الدّنيا (١٠)؟ لأنّها لمّا عظمت عندهم، تركوا طِيب نَعِيمها وجميع شهواتها على وجه الكراهية الشّديدة، منهم (١١) أبو حبيب ورَبَاح وكُلَيْب وحبّان (١٢). ورابِعَتُهم رَابِعَة، وإنّما سُمِّيَتْ رَابِعَة لأنَّها رابعتهم. وقيل: إنّها ليست رابِعَة العَدَوِيّة.

стр. 1367

ومنهم (١) فرق يقولون: إنّ الله لا شيءَ (٢)، ولا في شيءٍ، ولا يقع عليه صفة (٣) شيءٍ، ولا معرفة شيءٍ، ولا تَوَهّم شيءٍ (٤). قال (٥): وجاء رجل إلى بِشْر المريسيّ (٦) فقال له كلامًا لا أحفظه عليه، فقال بِشْر: توَهَّمْ صحراء فيها نخلة لا شرقيّة ولا غربيّة، لا في الأرض ولا في السّماء، فكذلك الله تعالى. فقال العبّاس بن محمّد: هذا هو الكُفْر بعَيْنهِ، وإنّما تدور على (٧) التّعطيل المحْض، فقال له الرَّجُل: يا بشر، هذا - والله- هو العَدَم، فقالَ: نعْم، الجهلُ به هو (٨) المعرفة. قال القاضي ﵁: وهم أكثر من أنّ يقف على أخبارهم وأسرارهم، فلهذا وغيره قال ﷺ : "تفترقُ أُمَّتِي عَلى اثْنَيْنِ وَسَبْعينَ فِرْقَةٍ، كلُّها في النّار إلَّا النّاجية، قيل من الناجية يا رسول الله؟ قال: ما كُنْتُ عَلَيه أَنَا وَأَصْحَابِي" (٩). والأصل في ذلك الزِّنادقة، ولا يقال لكلِّ منَ وحَّدَ الله تعالى وأَقَرَّ بالصّانع زنديقٌ، وإنّما يقع اسم الزِّنديق على المُعَطِّل الّذي لا يُقرّ بالصّانع، ويزعم أنّ النّاس يتكوَّنُونَ من غير خالقٍ لهم، ولا مبدىء لهم ولا معيد، وأنّ البارئ تعالى قد فرغ من جميع الأشياء، لا يُحْدِثُ شيئًا وإنّما تصدرُ عنه الحادثات، وإنّما هم قوم تَعَبَّدُوا بغير عِلْم، فكان علمُهُم وعبادَتُهم هَباءً منثورًا. فهذا رأيتَ مجتهدًا عابدًا فأعرض عَمَلَهُ على العِلْمِ، فإن وافَقَهُ وإلّا كان عمَله هبَاءً منثورًا، وتعدادُهم هم يطولُ به الكتاب، فاقتصرنا على هذه النُّبْذَة لنَكْشِفَ لكم عن أسرارهم.

стр. 1368

عُدْنَا إلى الفائدة الثّالثة (١): قولُه ﷺ (٢): "يَقْرَأُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ" معناه أنّهم لم ينتفعوا بقراءته إذ تأوّلوه (٣) على غير سبيل السُّنَّةِ المُبَيِّنَة، وإنّما حملهم على جَهْلِ السُّنَّة ومعاداتها تَكْفِيرُهُم (٤) للسَّلَفِ ومن سَلَك سَبِيلَهُم، فتأَوَّلوا القُرآنَ بآرائِهِمْ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا (٥). وإلى هذا أشار أبو بكر الصدّيق إذ قال: "لأنّ أَخِرَّ مِنَ السَّماءِ فتخطفني الطَّير أحبّ إليَّ أنّ أقولَ في كتابِ اللهِ بالرَّأيِ" (٦) أراد الرّأي الّذي لا تشهد له الأصول، ولهذا ضَلَّت المُبْتَدِعَة وأنكرت القياس بالرَّأْيِ، فأَبْطَلَت رُكْنًا من أركان الشّريعة. الفائدة الرّابعة (٧): قوله: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ" المروقُ الخروجُ من الشَّرْعِ كما يخرج (٨) السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ، والرَّمِيَّةُ الطّرِيدَة من الصَّيد المَرْمِيَّة، والمرمية مثل المقتولة والقَتِيلَة. قال أبو عُبَيد (٩): كما يخرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّميَّة يقول: يخرجُ (*) السَّهْمِ، ولم يمتسّك بشيءٍ، كما خرج هؤلاء من الإسلام ولم يتمَسَّكُوا بشيءٍ منه (١٠). الفائدة الخامسة (١١): قوله: "وَتَتَمَارَى في الفُوقِ" هذا دليلٌ على الشَّكِّ في خروجهم جُمْلَةً عن

стр. 1369

الإسلام؛ لأنّ التَّمَارِي: الشَّك، وإذا وقع الشَّكُّ في خروجهم لم يقطع عليهم بالخروج الكلِّي عن الإسلام. واحتجّ القائلُ لهذا بلَفْظَةٍ رُوِيَتْ (١) في بعض طُرُقِ هذا الحديث والأحاديثِ الواردةِ فيهم، وهي قولُه: "يَخْرُجُ قَوْمٌ من أُمَّتِي" (٢) ولو صحَّت هذه اللَّفْظَة لكانت شهادة منه لهم أنّهم من أُمَّتِهِ. وقال بعض العلماء معنى قوله: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي" معناه: في دَعْوَاهُمْ أنّهم مِن أُمَّتِهِ، وليسوا من أُمَّتِهِ. وأكثر طرق الأحاديث الصِّحاح عن أبي سعيد الخدري عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "تَلْتقِي من أُمَّتِي فِئتان، أو قال: تَقْتَتِلُ من أُمَّتِي فئتان، فَبَيْنَا هم كذلك، إذ مَرَقَتْ مارِقَةٌ بينَهُمَا تَقتُلُها أولى الطائفتين بالحقِّ" (٣). وقال الأخفش (٤): شَبَّهَ رسولُ الله ﷺ مُرُقَهُم من الدِّينِ بِرميةِ الرَّامِي الشَّديدِ السَّاعِدِ الَّذي رَمَى الرَّمِيَّة فأَنْفَذَهَا سَهْمه في جانب منها وخرج من الجانب الآخر لِشِدَّةِ رَمْيِهِ، فلم يتعلَّق بالسَّهْمِ دَمٌ ولا فَرْثٌ (٥)، وكأن الرّامي أَخذَ السَّهْمَ فَنَظَرَ في نَصْلِهِ -وهو الحديدُ الّذي في آخر السهم- فلم ير شيئًا من دَمٍ ولا فَرْثٍ، ثم نَظَرَ في القِدْحِ - والقِدْحُ عود السَّهْمِ- فلم يَرَ شَيْئًا، ونَظَرَ في الرِّيشِ فلم يَرَ شيئًا. وقوله: "يتَمَارَى في الفُوقِ" أي يشُكُّ فيه إنّ كان أصاب الدَّم الفُوق أم لا. والفُوقُ: آخر السَّهْمِ. وقال آخر: الفُوقُ هو الشَّقُّ الّذي يدخلُ فيه الوَتَرُ، فكذلك هؤلاء (٦)، إذا نظرتَ في أقوالهم وأفعالهم لم تجد فيهم تعلُّقًا بالإِسلام، ولا أثر لهم، وتتمارى في اليسير من الدَّمِ، كذلك يُتمارى في اليسير من أَيْمَانِهم، وفيهم نزلت: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية (٧).

стр. 1370

الفقه والأحكامُ في أهل البِدَعِ والخَوَارج: المسألةُ الأُولى: قال علماؤنا: الحُكْمُ في الخوارج المُقَاتَلَةُ؛ لأنّ عليًّا ﵁ قاتَلَهُم على ذلك. وقال بعضهم: إنّه لم يقاتل عليّ أهل البَغْيِ على الشِّرْكِ ولا على كُفْرِهِمْ، وإنّما قاتَلَهُمْ على مُخَالَفَةِ السَّلَفِ والخروجِ عن الجماعة. وقال (١) إسماعيل القاضي: رأَى مالكٌ ﵀ قَتل الخوارج وأهل القَدَر من أجل الفساد الدَّاخل من قبلهم (٢)، وهو من باب الفساد في الأَرض، وليسَ فسادهم (٣) بِدُونِ فسادِ قُطَّاع السُّبُل والمُحاربينَ للمسلمين على أموالهم، فوجب بذلك قتلهم لا على الكفر (٤). وهذا (٥) قولُ عامّة الفقهاء الّذين يَرَوْنَ قتلهم واسْتِتَابتهم، ومنهم من يقول: لا يتعرض (٦) لهم باستتابةٍ ولا غيرها ما اسْتَتَرُوا ولم يبغوا حقًّا أو يُحَارِبُوا، وهذا مذهب الشّافعيّ وأبي حنيفة وأصحابهم، وجمهور الفقهاء، وكثير من أهل الحديث. وقال الشّافعيّ في كتابه (٧) في قتال أهل البَغْيِ: "لو أنّ قومًا أَظْهَروا رَأْيَ الخوارج، وتَجَنَّبُوا جماعةِ المسلمينَ وكَفَّروهُم، لم تحلّ بذلك دماؤُهُم ولا قتالهم؛ لأنّهم على حُرْمَةِ الإيمانِ حتّى يصيروا إلى جانب يجبُ به قتلهم" (٨) من خُرُوجِهم إلى قتل (٩) المسلمين وإشهارهم السِّلاح، وامتناعهم ممّن يدعوهم إلى الحَقِّ (١٠).

стр. 1371

قال (١): "وبَلَغنَا أنّ عليًّا ﵁ بينما هو يخطُبُ إذ سمع تحكيمًا من ناحية المسجدِ، فقال: ما هذا؟ فقيل: رجلٌ يقول: لا حُكْمَ إلّا للهِ. فقال عليّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُريدَ باطلٌ، لكم علينا ثلاث (٢): لا نمنَعُكُم مساجدَ اللهِ أنّ تَذكُروا فيها اسم الله، ولا نَمْنَعُكُم الفَيءَ ما كانت أَيدِيكم مع أَيدِينَا، ولا نَبْدَؤكم بقتالٍ". قال الشّافعي (٣): "وبهذا أقولُ". فإن قاتلوا (٤) على ما وَصَفْنَا قَاتلْنَاهُم، فإنِ انْهَزَمُوا لم نتبعهم ولم نجهز على جريحهم. المسألةُ الثّانية: أجمعَ (٥) العلماءُ على قَتْل من شقَّ العَصَا وفرَّق (٦) الجماعة، وشَهَرَ على المسلمين السَّيْفَ والفسادَ في الأرضِ، أنَّه مُوجبٌ لإراقة الدَّمِ بإجماعٍ، إلا أَنْ يتوبَ فاعل ذلك من قَبْلِ أنّ يُقْدَرَ عليه، والانهزام عندهم ضَرْبٌ من التَّوْبَة وكذلك من عَجَزَ عن القتال، لم يقتل إلَّا بما يُوجب عليه القَتل قبل ذلك. ومن أهل الحديث طائفةٌ تراهُم كُفَّارًا على الظّاهر من الأحاديث، مثل قوله: "مَنْ حملَ علينا السِّلاح فليس مِنا" (٧). وقيل -قوله: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينَ" هي آثارٌ يعارِضُها غيرها (٨)؛ لأنّ إجماع المسلمينَ على تكفيرِ من خَطَّأَ النّبيَّ ﷺ أو سَبَّهُ أو كَفَرَ ببعضٍ (٩) من القرآن، فإنّه كافر حلال الدَّمِ. والكلامُ على هذا الحديث يطولُ معهم، فاقتصرنا على هذه النُّبْذَة في هذه العاجلة، وهي كافيةٌ من المعنى المشار إليه إنّ شاء الله.

стр. 1372

حديث مالك (١)؛ أنّه بَلَغَهُ أنّ عبدَ اللهِ بن عمرَ مَكَثَ على سُورة البقَرَةِ ثَمَاني سِنِينَ يتَعَلَّمُهَا. قال الإمام الحافظ (٢): أراد به مالك ﵀ أنّ يبيِّنَ مسألةً اختلفَ النَّاسُ فيها، وهي إذا قرأ القارىءُ القرآنَ هل يقرأه كذلك ذكرًا باللِّسان دون تبيين (٣)، أم لا يرحل عن آيةٍ (٤) حتّى يحكمها ذِكْرًا ودِرايَةً؟ فَنَبَّه مالك على ذلك رحمةُ اللهِ عليه، فما (٥) كان أعظم فهمه للحدِيثِ والفِقْهِ؛ لأنّه نبَّهَ على ذلك بفعل ابن عمر في سُورَةِ البَقَرَة، وقد قال الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ الآية (٦)، قالوا: هو أنّ يذكُرَ الحرفُ ويعلم معناه ويعمل به، فهذا هو حقّ التِّلاوة. وقالوا أيضًا: إنّ قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٧) معناه: ليس عندَهُم من القرآن إلا الذِّكْر خاصّة باللِّسان، وأعظم ما يَلْقَى به العبد رَبّه يوم القيامة قرآنٌ جمع ولم يعمل به. وقد قال رسول الله ﷺ ، من حديث أبي هريرة: "يُؤْتَى بِالقَارِىءَ يومَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: ماذا عَمِلْتَ فيما عَلِمْتَ؟ فيقولُ: قرأتُ القرآنَ فِيكَ، فيقول اللهُ تعالى: كَذَبْتَ. وتقولُ الملائكة: كَذَبْتَ، بل أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلانٌ قارئ، فقد قِيلَ" (٨). قال الشّيخ أبو عمر (٩): حديث ابن عمر (١٠) في مَكْثِهِ على سُورة البقرة يتدبَّرها، لِمَا فيها من الفقه والأحكام والمعاني مطابِقٌ لحديث ابن مسعود في قوله: إنَّكَ في زمانِ كثيرٌ فقهاؤُه. قليلٌ قُرَّاؤُهُ (١٠)؛ لأنّ ابنَ عمر كان يَتَدَبَّرُها ويتعلَّمُها بأَحْكامِها وفِقهِهَا. قال الإمام والحافظ ابن العربي: سمعتُ بعض أشياخي يقول: إنّ في سُورةِ البقرة ألف أمرٍ، وألف خبرٍ، وألف نَهْيٍ، وألف حُكْمٍ، فلأجل ذلك أقامَ عليها ابن عمر ثمان سنين، واللهُ أعلم.

стр. 1373

ومعلومٌ (١) أنَّ مِنَ النّاس من يتعذَّر عليه حفظُ القرآنِ ويُفْتَح عليه (٢) في غيره، وكان ابنُ عمر فاضلًا قد حفِظَ القرآنَ على عهد رسول الله ﷺ في جماعة (٣)، منهم: عثمان، وعليّ، وأُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وسالم مَوْلَى أبي حُذَيْفَة، ومعاذُ بن جبل، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاصي. ما جاء في سُجُودِ القرآن قال الإمام (٤): الأصلُ في هذا الباب قولُه تعالى: ﴿إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٥). وآياتُ السُّجودِ في القرآنِ مدارُها على أربع مسائل: المسألة الأولى: في معرفة عزائم السُّجودِ من غيرِ عزائم السُّجود. الثّانية: معرفةُ وُجوب السُّجود فيها، ومعرفة من يجب عليه السُّجود فيها ممّن لا يجب. الثّالثة: في معرفة أحكام السُّجود وشرائِطِهِ. الرّابعة: في مَحَل وقت فعلها والسُّجود فيها. المسألة الأولى (٦): قال مالك (٧) ﵀: "الأمرُ عندنا أنَّ عزائم السُّجودِ إحدى عَشْرَةَ سَجْدَةً، ليس في المُفَصَّل منها شيء". كذا رواه يحيى عن مالكٌ، وهذه الرِّواية أَوْلى من رواية مَنْ روى عن مالكٌ في الموطّأ: الأَمْرُ المجتمع عليه عندنا (٨)، كذلك (٩)

стр. 1374

رواه ابنُ القَاسِم، والقَعْنَبِيّ (١)، وابنُ بُكَيْر (٢)، والشّافعيّ (٣)، وجماعة. وإنّما قلنا: إنّ روايةَ يحيى أَوْلَى؛ لأنّ الاختلاف في عزائم السُّجودِ في القرآن بين السَّلَفِ والخَلَفِ بالمدينَةِ معروفٌ عند العلماء بها وبغيرها، وروايةُ يحيى متأخِّرَةٌ عن مالك، وهو آخرُ من (٤) رَوَى عنه (٥) وشُهِدَ موته بالمدينة. ويحتملُ أنّ يكون قوله: "الأَمْرُ المجتمع عليه" أراد به: لم يجتمع على ما سوى الإحدى عشرة سجدة كما اجتمع عليها، تأوَّل ذلك من أصحابه ابن جَهْم، وهو تأويلٌ حَسَنٌ. والعزائمُ عند مالكٌ إحدى عشرة، ليس في المُفَصَّلِ منها شيءٌ؛ لأنّ الصَّحابةَ اختلفوا في عزائم السُّجود، فقال عليّ: عزائمُ السُّجودِ أربعٌ: ألم تنزيل، وحم تنزيل، والنّجم، واقرأ باسْمِ ربِّك (٦). وعن ابنِ مسعود: العزائم خَمْسٌ: الأعراف، وبنو إسرائيل، والنّجم، واقرأ باسْمِ ربِّك، وإذا السّماء انشقت (٧). وقال (٨) أبو حنيفة: أربع عشرة سجدة ليس فيها الأولى من الحَجِّ (٩). وقال الشّافعيّ: أربع عشرة سجدة، ليس فيها سجدة "ص"، فإنّها سجدة شُكْر. وفي الحجِّ عنده سجدتان (١٠). وقال مالك (١١): "عزائِمُ السُّجودِ إحدى عَشْرَةَ سَجْدَة" ومعنى عزائم السجود: الّتي عزم النّاس على السجود فيها.

стр. 1375

وذهبَ ابنُ وَهْبٍ من أصحابِ مَالِك إلى أنّها كلّها عزائم يسجدُ فيها، وهو اختيارُ ابنُ حبِيب وجماعة من العلماء من أهل الحديث (١)، وقد رَوَى ابن وهب ذلك عن مالكٌ في كتابه (٢). نكتةٌ (٣): قال بعضُ علمائنا: إنّ الّذي يُوجِبُه النَّظَر؛ أنّ يسجدَ من ذلك فيما جاء على سبيل الخَبَرِ، ولا يسجد من ذلك فيما جاء على سبيل الأَمْر؛ لأنّ ما جاء منها على سبيل الأمر يُحْمَلُ على السجود الواجب في الصّلاة المفروضة، وعلى هذا يأتي مذهب مالكٌ إذا اعتبرته؛ لأنّ جميع ما لم يَرَ فيه السجودَ جاءَ على سبيل الأمر، وجميع ما رأى فيه السُّجود جاءَ على سبيل الخَبَرِ. فإن قيل: سجدةُ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ جاءت على سبيل الخَبَرِ، ولا سجودَ فيها عنده. قيل له: الوعيدُ المذكورُ فيها يقومُ مقامَ الأَمْرِ. فإن قيل: سجدةُ ﴿حم﴾ جاءَت على سبيلِ الأَمْرِ ويُسْجَد فيها عنده. قيل له: المعنى فيها الإخبارُ عن الكفَّارِ الّذين لا يسجدونَ للهِ ويسجدونَ للشَّمس والقمرِ، والنّهي عن التَّشَبُّه (٤) بهم في ذلك الأمر بمجرد السُّجود لله (٥). فحمل (٦) على سجود الصّلاة. ويدلُّ على ذلك (٧) قوله في آخر الآية: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية (٨).

стр. 1376

وقد أجازَ بعضُ العلماء السُّجود عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (١) ليكون ذلك عنده على الأخبار، وعلى الأصل الّذي ذكرناهُ. المسألة الثّانية: في معرفة وجوب السُّجود (٢) وهي مسألةٌ اختلفَ العلماءُ فيها، أعني وجوب سُجود التِّلاوة. قال مالكٌ (٣) والشّافعيّ (٤) واللّيث (٥) والأَوزاعى: إنّ سجود القرآن سُنَّة وليس بواجبٍ. وقال أبو حنيفة: هو واجبٌ (٦)، والأصلُ عنده في سجود التِّلاوة على الوجوب الآيات الواردة في ذلك والأحاديث، وذلك قوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾ الآية (٧)، وقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ الآية (٨)، وقالوا: الّذي لا يتعلّق إلَّا بتَرْكِ الواجبِ. ولقوله ﷺ : "أُمِرَ ابنُ آدم بالسُّجودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الجَنَّة" (٩) والأمرُ على الوجوبِ، وهي مسألةٌ مشكلةٌ عَوَّلَ فيها أَبو حنيفة على مُطْلَقِ الأَمْرِ، وأن النّبيّ ﷺ كان يحافظ عليها. قال الإمام: والحُجَّةُ لنا عليهم من وجهين: ١ - أمّا قولهم (١٠): إنّ الذَّمَّ لا يتعلق إلّا بتَرْكِ الوَاجبِ. يقال لهم: إنّ الذَّمَّ ها هنا للكُفَّار خاصّة، لقوله : ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١١) و ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ الآية (١٢)، فعلَّقَ الذَّمَّ بتَرْكِ الجميعِ؛ لأنّهم لو سجدُوا ألفَ مرَّة بالنَّهار مع

стр. 1377

كونهم كُفَّارًا لكان الذَّمَّ لاحقًا بهم، فعلمنا (١) أنَّ الذَّمَّ لم يختصّ بالسجود (٢). ويُؤَيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ (٣) ولم يقع الوعيد إلَّا على التّكذيب. وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٤) هو أمرٌ له بالصَّلاةِ وتعليمٌ له، وقد تقدَّمَ أنَّ (٥) سجودَ القرآن إنّما هو بلفظ الخبر، وما جاء بلفظ الأمر إنّما هو تعليم له بالصّلاة وأمرّ له بالسُّجودِ فيها. ٢ - والحُجَّةُ الثّانية لنا- هو الّذي عوَّلَ عليه علماؤنا-: حديث عمر الثّابت (٦) حين قال: "إنّ اللهَ لَم يَكْتُبهَا عَلَيْنَا" وهو على المِنْبَر، وسجدَ النَّاسُ معه. وقوله (٧): "إلَّا أنّ نَشَاءَ" هي (٨) عند أشياخنا على النَّدْبِ والتَّرغيب، وفي فعله دليلٌ أنَّ على العلماء أنَّ يبيِّنُوا كيفَ لزوم السُّنَن إنّ كانت على العَزْمِ أو النَّدْبِ أوِ الإباحة، وكان عمر ﵁ من أشدِّ النّاس تعليمًا للمسلمين، كما تأوّل له رسول الله ﷺ في الرُّؤيا أنّه استحالت الذُّنوب بيده فتأوّله (٩) العلم. ألَّا ترى قول عمر حين رأى أنّه قد بلغَ من تعليم النَّاس إلى غاية رَضِيَها، قال: قد سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ، وفُرِضَتْ لَكُمُ الفرائِضُ وتُرِكْتُم على الواضِحَةِ (١٠)، فأَعْلَمَنَا بهذا القول أنّه يجبُ أنَّ يُفصل بين (١١) السُّنَن والفرائض. فمالك (١٢) ﵀ يرى السُّجود واجبٌ وجوبَ السُّنَنِ لا وُجوبَ الفَرائِضِ الّتي من تَرَكَها أَثِمَ. وأبو حنيفة يقول: هو واجبٌ وجوبَ الأَمْرِ، ومن تَرَكَهُ أَثِمَ. وقول مالكٌ هو الصّحيح؛ إذ ليس في وجوبِ ذلك عندَهُ نصٌّ في القرآن ولا في

стр. 1378

السُّنَّة، ولا اجتمعت عليه الأُمَّة، والفرائضُ الواجباتُ لا توجد إلَّا مِنْ أحَدِ هذه الوجوه. المسألة الثّالثة (١): في معرفة من يجب عليه السُّجود ممّن لا يجب، وشرائط السجود وفي ذلك تفصيلٌ؛ وأمّا التَّالِي للقرآن في صلاة أو (٢) في غير صلاةٍ، فيجب عليه بإجماعٍ، إلَّا أنّه يُكرَهُ للإمام أنَّ يقرأَ السُّورةَ فيها سجدة لِئَلّا يخلط على النّاس -أعني على من خَلْفَهُ-. وقد قيل: إنّه يجوز أنَّ يقرأها إذا كان مَنْ خَلْفَهُ قليلًا، وَأَمِنَ من التَّخليطِ عليهم. وأمّا فيما لا يأمن (٣)، فلا يقرأ بسورة فيها سجدة بحالٍ. وقد استحبَّ ابنُ القاسم للمنفرد ترك قراءة (٤) سورة فيها سجدة في الفريضة، لِئَلَّا يُدْخِلَ على نفسه بذلك سَهْوًا في صلاته. وقال: هو الّذي ذهب إليه مالك (٥). وأمّا المستمعُ للتِّلاوةِ، فإن جلسَ لاسْتِمَاعِ تِلاوةِ التَّالِي على سبيل التَّعَلُّم والتّحَفُّظِ سَجَدَ بسجودِهِ إِن سجدَ، واخْتُلِفَ هل يجب عليه السُّجود إنّ لم يسجد التالي؟ فقال قومٌ: إنّ جلس لاستماع تلاوة التالي ابتغاءَ الثَّوابِ في ذلك، لم يجب عليه السُّجود إنّ لم يسجد (٦). واختُلِفَ أيضًا إنّ سجدَ هل يجب عليه السُّجود بسجوبٍ أم لا؟ فعلى قولين مَرْوِيَيْنِ. وهذا كلُّه إذا كان التّالِي ممَّن تصحُّ إمَامَتُه. وأمّا إنّ جلسَ إليه ليقرأ السّجدة، فلا يسجد لسجوده؛ لأنّ ذلك مكروهٌ عند مالك (٧). واختُلِفَ أيضًا في المُعَلَّم والقَارِىء يجلسُ لقراءةِ القرآنِ عليه:

стр. 1379

فقيل: إنه يسجد في أوَّلِ ما تمرُّ به سجدة ويسجد القارئ عليه، هذا إذا كان بالغًا، وليس عليه سجودٌ بعد ذلك كلّما جاءت سجدة. وقيل: ليس ذلك عليه ولا في أوَّلِ مرَّةٍ. وأمّا من سمع قراءة رَجُلٍ دون أنّ يجلسَ لاستماعِ قراءته على وجهٍ من الوجوه، فليس عليه أنّ يسجدَ بسجوده. وقيل: إنّ ذلك عليه، وهو شذوذٌ من القول. المسألة الرّابعة (١): في معرفة أحكام السُّجود وشروطه ومَحَلِّه وأي وقت يفعل أمّا أحكامُه فأحكام صلاة النّافلة، في أنّه لا يكون بغير طهارةٍ، ولا في موضعٍ غير طاهرٍ، ولا في وَقْتٍ لا تحلّ فيه الصّلاة، ولا لغير القِبْلَةِ إلا للمسافِر على دابَّتِهِ حَيْثُما توجَّهَتْ به. فلا بُدّ فيها (٢) من طهارة؛ لأنّها صلاةٌ، فوجبت فيها الطّهارة. واختلف (٣) علماؤنا هل فيها تكبيرٌ مشروعٌ أم لا؟ فرُويَ عن مالك أَنّه قال: التكبير لسجود التِّلاوةِ مأمورٌ بِهِ، ومرة قال: لا يكبِّر، وخَيَّر ابنُ القاسم في ذلك. وَوَجْهُ القولِ عندي: أنّها عبادةٌ (٤)، فشرع التّكبير لها في الخَفضِ والرَّفْعِ، كما لو كان في نفس الصّلاة لابدّ له أنّ يُكَبِّر. واختلفَ العلماءُ هل فيها تحليل بالسّلام أم لا؟ والصّحيحُ عند علمائنا أنّ فيها تحليلًا بالسّلام؛ لأنّها عبادةٌ لها تكبيرٌ، فكان فيها السّلام كصلاة الجنازة، بل هذه أَوْلَى؛ لأنّ هذه فعلٌ وصلاة الجنازة قولٌ. واختلف العلماء في أوقات السُّجود لها: فقال مالك: لا يسجد في الأوقات المنهيات. وقد رُوِيَ عنه وعن الشّافعيّ؛ أنّها يسجد ويُصَلَّى فيها.

стр. 1380

وقال أبو حنيفة: لا يُصلّى فيها ولا يُسجد (١). فتعلق (٢) بالقول الأوّل لعموم الأمر، والقولُ الثّاني أَقوَى؛ لأنّ الأمر بالسُّجود عامٌّ بالأوقات، والنَّهْيَ خاصٌّ في الأوقات، والخاصُّ يَقْضِي على العامِّ. وقد رُوِيَ عن مالكٌ في "المدوّنة" (٣) أنّه يصلِّيها ما لم تصفرّ الشّمس، وهذا لا وَجْهَ له عند أهل العِلْمِ. ورُوِي عن ابن القاسم (٤)؛ أنّه أَرْخَصَ في السُّجودِ لها بَعْدَ العصرِ ما لم تصفرّ الشّمس. وقال ابنُ حبيب: يسجد لها بعد الصُّبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفرّ الشّمس، كصلاة الجنائز. ووجهُ قول ابن حبيب: ما احتجَّ به من طواف الطّائِفِ بعد الصُّبح أنَّه يجوزُ له أنَّ يركع بعد الصُّبح ما لم يسفر، ولا يجوز له ذلك بعد العصر (٥). والّذي انْطوى عليه موطَّأ مالك ﵀ الّذي هو معظمُ عِلْمِهِ ومَذْهَبِه؛ أنَّه لا يسجد في شيءِ من هذه الأوقات، قياسًا على النَّوافِلِ، ويعضده الأثر والخَبَر، ومذهبُه قَوِيٌّ في البابِ، واللهُ أعلم. المسألة الخامسة: في معرفة مواضع السُّجود أَيْنَ يكون فقال الشّافعيّ (٦): السُّجودُ في آخر الحَجِّ، وهي المسألة الثّانية. وهي سجودُ عزيمةٍ عندَهُ وعند ابن وَهْبٍ من أصحاب مالك. وفي "النَّمْل" قال الشّافعيّ السّجدة (٧) عند قوله: ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (٨) عند تمام الآية الّتي فيها الأَمْر.

стр. 1381

وقال مالك وأبو حنيفة: يسجد عند قوله: ﴿الْعَظِيمِ﴾ (١) الّذي فيه تمام الكلام، وهذا قَوِيٌّ. وأمّا سجدة "ص" فهي عند الشّافعيّ سجدة شُكْر، وليست عنده من عزائم السُّجود. وقد خرج البخاريّ (٢) والتّرمذيّ (٣) عن ابن عبّاس؛ أنّه قال: سَجْدَةُ "ص" ليست من عزائِمِ السُّجودِ، وقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يسجدُ فيها. قال مالك: هذا قولُ ابن عبّاس وهي عزيمةٌ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ أُمر أنّ يَعْتَدِيَ بهداهم قال: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (٤). وروى أبو داود (٥) عن أبي سعيد الخدري؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قرأ سورة "ص" وهو على المِنْبَرِ، فلمّا بلغَ السَّجْدَة نزلَ وسجدَ وسَجَدَ النَّاس، فلمّا كان يوم آخر قرأَهَا، فلمّا بلغَ السَّجْدَةَ، أَشَارَ النَّاسُ إلى السُّجود، فقال رسول الله ﷺ : إنّما هي توبةُ نبيٍّ، ولكنِّي رأيتُكُم قد أَشَرْتُم للسِّجُودِ، فنزلَ فَسَجَدَ وسَجَدُوا. وأمّا السَّجْدَة فيها، فعند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٦) لأنّه تمام الكلام وموضع الخضوع والإنابة. وقال الشّافعيُّ: يسجد عند قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٧) لأنّه خبرٌ عن التَّوبَةِ. والأوَّلُ أَوْلَى بالصَّواب، رجاءَ الاقتداءِ بالاهتداء، والمغفرة بالامتثال، كما غفر لمن سبق من الأنبياء. نكتةٌ صوفيَّةٌ: قال الإمام: وقد كان قومٌ من المتصَوَّفة إذا سجدوا في سورة "ص" يقولون: اللهُمَّ تَقَبَّلْ كما تقبَّلْتَ من داود، وتُبْ علينا كما تُبْتَ على داود، ففي هذا طلب القَبُول في مثل ذلك.

стр. 1382

قال الإمام أبو بكر بن العربي: وأين ذلك اللِّسان؟ وأين تلك النِّيَّة؟ وأي ذنب مثل ذلك الذَّنب؟ فإن داود فَعَلَ جائزًا وعُوتِبَ على أنّه ذَنْبٌ على قَدْرِ مَنْزِلَتِهِ، وأهلُ الكبائر يقول أحدهم: تَقَبَّل تَوْبَتِي، وهو على تخليطٍ، ولو كان من رؤوس التّائبينَ لما كان ينبغي له أنّ يطلبَ توبة كتوبَةِ الأنبياء، وهذا فيه نظر. وأمّا سجدة فُصِّلَت" فعند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ الآية (١)؛ لأنّها انتهاء الأمر (٢). وعند الشّافعيّ عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٣) لأنّه خَبَرٌ عن امتثالٍ. وأمّا سجدة "سورة النّجم" فسجدها رَسولُ الله ﷺ وسجدها المسلمون والمشركون والجنّ والانس (٤). وقال مالكٌ: لا يسجد فيها؛ لأنّه لم يسجد فيها من الصّحابة غير أبي هريرة وَحْدَهُ، وهو طريق آحادٍ. وأيضًا: فإنّه لم يجد العمل عليه بالمدينة. وأيضًا (٥): فإنّه قد رَوى زيد بن ثابت؛ أنّه قرأ على النّبيِّ ﷺ النّجم فلم يسجد فيها (٦). وهذا الحديث حُجَّة مالكِ والشّافعى أنّ سجود القرآن سُنّة؛ لأنّه لو كان واجبًا كما زعم الكوفيّون لم يترك زيد السَّجدة فيها، ولا تَرَكَهُ النّبي ﷺ ؛ لأنّه بُعِثَ مُعَلِّمًا، وهذا حديث زَيْد (٧) يُبيِّن حديث ابن مسعود؛ أنّ النّبيَّ ﷺ حينَ سَجَدَ في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ (٨) بمكّة؛ أنّ ذلك كان منه إعلامًا لأُمَّتِهِ أنّ قارىءَ القرآن بالخِيَارِ إِنْ شاءَ سجدَ وإنْ شاءَ لم يسجد، وكذلك فعل عُمر (٩)، ليري النّاس أنّ ذلك ليس بواجبٍ. وأمّا سجدة "إذا السَّماء انْشَقَّت" قال أَبو سلمة: لم أر رسول الله ﷺ يسجد فيها (١٠).

стр. 1383

قال علماؤنا (١): كان أبو هريرة يرى السُّجود في المُفصَّل ولأجل ذلك (٢) كان يسجد هو فيها. وعند مالك؛ أنّها ليست من عزائِمِ السُّجودِ، فحمل العلماء ذلك على هذا (٣)، فمن قال بالسُّجود في المُفَصَّل، يرى السُّجود فيها. وقال بعضهم: لا يسجد فيها؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ لم يسجد في المُفَصَّل منذ (٤) تحوّل إلى المدينة؛ لأنّ أبا هريرة كان إسلامُه بالمدينة. وأمّا سجدة "القَلَم" فأكثر العلماء لم يُوجِب السّجود فيها، وبه قال مالكٌ وأهل الحجاز، والحمدُ للهِ. فإن قيل: مِنْ أينَ هو المُفَصَّل عند مالك ﵀؟ قلنا: قد اختلفَ عنه في ذلك: فقيل: المُفَصَّل عنده من آخر فُصَّلت. وقيل: من أوَّلِ النَّجْمِ. فإن قيل: لم سُمي المُفَصّل؟ قيل: لِكَثرَةِ الفَصْلِ بين السُّوَر بالبَسْمَلَةِ، واللهُ أعلمُ. ما جاء في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحدٌ﴾ (٥) و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٦) مالك (٧)، عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن أبي صَعْصَعَةَ، عن أبيه، عن أبي

стр. 1384

سعيدِ الخُدْريِّ أنّه سَمعَ رَجُلًا يقولُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) يُرَدِّدُها، فلمّا أصبحَ غَدَا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فذَكَرَ له ذَلِكَ (٢)، وكان الرَّجُلُ يتَقَالُّهَا. فقال رسولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ". الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٣): "لم يتجاوز مالك بإسناده هذا الحديث أبا سعيدٍ، وقد رواهُ قومٌ من الثِّقاتِ عن أبي سعيدٍ عن أخيه لأُمِّهِ قَتَادَة بن النُّعْمَان، عن النّبيِّ ﷺ (٤). وقد رواه (٥) مالكٌ أيضًا كذلك، ورُوِيَ أنّ الرَّجُلَ القَارِىءَ لها الّذي كان يَتَقَالُّها -يعني الّذي يراها قليلًا- هو قَتَادَة بن النُّعمان" (٦). الأصول: اختلفَ (٧) العلماءُ في معناهُ، فقال قوم: يقال إنّه لَمّا سَمِعَه رسولُ الله ﷺ يُرَدِّدُها، قال له ذلك؛ لأنّه (٨) لم يحفظ غيرها، ولِمَا رَجَاهُ من فضلها (٩)، وأنّه لم يملّ ترديدها (١٠) حتّى بلغ داره، وبلغ بترداده لها (١١) بالكلمات والحروف والآيات ثُلُثَ القرآن. فقال رسول الله ﷺ : "إنّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ" على هذا الوجه، لما كان من تَكْرَارِهِ لها، وهذا تأويلٌ فيه بُعْدٌ عن ظاهر الحديث. وقال علماؤنا: قوله ﷺ : "تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن" هذا على طريق المعنى لا من طريق اللّفظ والتِّلاوة؛ لأنّه مَنْ قرأها فكأنّه قد قرأ كلَّ توحيدٍ في القرآن، فجعل له أجر التّوحيد؛ لأنّ معناه واحدٌ وصفة (١٢) لواحدٍ ، وإن كان الّذي تكرَّرَ

стр. 1385

بالتَّلاوةِ من الأجْرِ أكثرها لتكْرَارِ فائدة التّوحيد، كما أنّ من قرأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرارًا أكثر أَجْرًا. وقيل: تَعْدِلُ ثُلُث القرآن في الفَضْل فالقرآن ثلاثة أقسام: توحيد، وتكليفٌ، وإباحة؛ فلمّا كانت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ توحيدًا كلّها كان كمن قرأَ ثلُثَ القرآن. فإن قيل: لو نظر القرآن لوجد أَكثَرَ توحيدًا. قلنا: يجوز أنّ يُسَمَّى الشيءُ بالثُّلُثِ والنَّصْفِ والرُّبُع وإن كان أقل أجزاء (١) من غيره. ثمّ نقول: إنّه يجوز من طريق التَّسميةِ ولا يجوز ذلك من طريق العَدَدِ، مثال ذلك: رجلٌ معه كيس فيه عشرة آلاف دِرْهَم، منها ألف درهم عبّادِيّة، وثلاث آلاف مصريّة، وثلاثة آلاف هاشِميّة، فجاز هذا من طريق التَّسْمِيَةِ لا من طريق العَدَدِ. وفيها قولٌ ثالثٌ (٢)، قال قوم: إنّ القرآنَ ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ منها جزءًا يعدل (٣)، وزعموا أنّ تلك الأجزاء على معانٍ: أحدها: القَصَص والأخبار. والثّاني: الشّرائع والأحكام. والثّالث: صفاته تعالى في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلذلك تعدلُ ثُلُث القرآن في الأَجْر. وهذا يشهد له ظاهر الحديث؛ لأنّها سورة (٤) الأحد الفَرْدِ الصَّمَد. وأمّا قوله "كفُؤًا أحَد" قال أهل العربيّة: إنّه منصوبٌ على أنّه خبرُ كان، ولا يجوز نصبه على الحال؛ لأنّ "كفؤًا أَحَد" لو كان حالًا لأدَّى اِلى ما لا يجوز على الله تعالى، فكان المعنى: يكون له كفؤًا أحد، فنفى الكيفيّة عن الأَحَدِيَّة، وأثبتَ الكيفيّة لمن دون أحَد، وتحقيق الكلام: أنّ يكون له غير كفؤ أقلّ منه لا يكون له كُفُؤًا. فإذا نفيت الكيفية عن الأَحَدِيّة جازَ أنّ يكون له كُفُؤًا من غير الأَحَدِيَّةِ، وهذا تصحيحه.

стр. 1386

ومثلُه قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ (١) قال المتكلِّمون: إنّ "باطلًا" منصوبٌ على نَعْتٍ لمصدرٍ محذوفٍ، وهذا أحسن في المعنى المقصود؛ لأنّه لو كان حالًا -كما قال النّحويون- لجاز من هذا أنّ يكون معناه؟ ما خلقت هذا؛ لأنّ الحال لا يأتي إلَّا بعد تمام الكلام، فدلّ أنّ "باطلًا" لم ياتِ بعد تمام الكلام، إذْ لا يصحّ (٢) الكلام من قوله (٣): ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ ولا يتمّ، ولَوْ وقف أَحدٌ على قولِه: ﴿بَاطِلًا﴾ لكان كُفرًا. وقال النّحويون: الحالُ تقعُ ملازِمة للكلام. قلنا: هذه دَعْوَى،* لأنّا قد وجدنا حالًا بمعنى (٤) ملازمة وغير ملازمة* (٥)، فنحن بالخِيَارِ في هذا الموضع أَنْ نجعلها نَعْتًا لمَصْدَرٍ محذوفٍ مزيد إيضاح (٦): قوله: "تَعْدِلُ ثُلُثَ" (٧) قال بعض الأشياخ (٨): هذا يدلُّ على أنّ البارئ تعالى يضعُ الفَضْلَ لأَوْليائه حيث شاءَ، ويخصِّص لهم من القرآن ما شاءَ اللهُ بما شاءَ. والقرآنُ كلُّه صفةٌ واحدةٌ من صفاتِ ذاتِهِ، وصفاتُ اللهِ تعالى لا يجوزُ أنّ يكون بعضُها في ذاتها أفضلُ من بعضٍ؛ لأنّ الفاضلَ إذا كان أكمل، كان المفضولُ أنقص، ولا يجوز هذا في صفات اللهِ . نكتةٌ لغوية: يقال: فَضَلَ بالفتح يفضُل بالضم وبالكسر، وقد جاء شاذًّا بالكَسْر وبالفتح في الماضي والضَّمِّ في المستقبل.

стр. 1387

نكتةٌ أخرى لغويّةٌ (١): قال ابنُ وضّاح: قوله (٢) "فخفتُ (٣) أنّ يفوتني (٤) الغَدَاء". قال (٥): الغداءُ ههنا صلاة الغداة. قال الإمام: وهذا لا يعرف في كلام العرب، وإنّما الغداء ما يُؤْكَل بالغَدَاةِ، وكان أبو هريرة يلزم النّبيِّ ﷺ ليشبع (٦) بطنه، وكان يتغدّى معه ويتَعشَّى. حديث ثانٍ في الباب: قوله (٧): ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٨) تُجَادِلُ عن صاحِبَها" زاد فيه في الصّحيحِ: "وهي ثلاثون آية" (٩) وكان ابن مسعود يسمِّي سورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ المانعة؛ لأنّها تمنعُ من عذابِ القَبْرِ (١٠). شرح معنوي: قال علماؤنا: معنى "تُجَادِلُ" أي تدافع عنه بالحُجَّةِ، يعني لمن أراده من الملائكة بعذابٍ. وقيل: إنّها في التّوراة مكتوبة: سورة الملك من قرأها في ليلته فقد أكثر وأَطْنَبَ. وكذلك قوله ﷺ : "مَنْ قرأَ آيةَ الكرسيّ في ليلة، لم يزل عليه من الله حافظ، ولم يقربه في تلك اللَّيلة شيطان" (١١).

стр. 1388

وكذلك قوله: "من قرأَ آيتين من آخِر البقرةِ في ليلةٍ كَفَتَاهُ ". وكذلك قوله ﷺ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تُجَادِلُ عن صَاحِبِها" (١) يريد ثواب تبارك؛ لأنّ السُّورة لا تجادِل. فهذا (٢) كلُّه يدلُّ على أنّ البارئ سبحانه يضعُ الفضلَ لأؤلِيَائِهِ حيثُ شاءَ ويخصِّص لهم من القرآن ما شاءَ بما شاءَ. ورُويَ عن عبد الله بن مسعود؟ أنّه قال: "إِذا وُضِعَ الرَّجُلُ في قَبْرِهِ أُتِيَ من قِبَلِ رِجْلَيْهِ فتمنع منه سورة المُلك، ويُؤتى من قِبَلِ بَطْنِهِ فتمنع منه، ويُؤْتَى من قِبَلِ رَأْسِهِ فتمنع منه كأنه تقول- والله أعلم- الرِّجلانِ: عَليَّ كان يقومُ بها، وتقول البَطْنُ: في وسماها. ويقول الرَّأس: بي كان يتلوها" (٣). وهذه خصيصةٌ جعلَها اللهُ فيها لما تضمَّنَت من المعاني في التّوحيد، فإنّها مُجَرَّدَةٌ (٤) لذلك، والتّوحيدُ مُوجِبٌ للنِّعَمِ ومُنْج من العذاب، ولذلك قال رسول الله ﷺ للرجل الّذي كان يقرأ سورة الإخلاص: "وَجَبَت له الجَنَّة" (٥) والحمدُ لله.

стр. 1389

كتاب الأذكار والدعوات قال الإمام: ذكر مالك ﵀ في هذا الكتاب ثلاثة أبواب: الباب الأوّل: ما جاء في ذِكْر الله تعالى. الباب الثّاني: ما جاء في الدُّعاء. الباب الثّالث: العملُ في الدُّعاء. وله في هذه الأبواب أغراضٌ حِسَانٌ لم يتنبّه إلى مِثْلِها إلَّا مالكٌ ﵀. وساق في الباب الأوّل ستّة أحاديثَ: الحديث الأوّل: مالك (١)، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أبي بكرٍ، عن أبي صالحٍ السَّمَّانِ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ قالَ لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وهو على كلِّ شيءِ قديرِ في اليوم (٢) مئةَ مرَّةٍ، كانت له عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وكُتِبَتْ لَهُ مئةُ حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عنه مئةُ سَيِّئَةٍ، وكانت له حِرْزًا من الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذلك حتّى يُمْسِي، ولَمْ يَأتِ أَحَدٌ بأَفْضَلَ مِمَّا جاءَ به، إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أكثرَ من ذلكَ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديث صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه (٣)، خرَّجَهُ أهل الصِّحَّةِ. الأصول (٤): قوله: "إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ" هو تنبيهٌ على أنّ هذه الغاية في ذِكْرِ الله تعالى، وأنّه قلَّ من يزيد عليه، ولذلك قال: "وَلمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ ممّا جاءَ بهِ" ولو لم يُفِد ذلك لبَطَلَت فائدة الكلام؛ لأَنّ كلَّ ما أتَى الإنسانُ ببعضه فإن أحدًا لا يأتي

стр. 1390

بأفضل ممّا جاء به، إلَّا من جاء بأكثر من ذلك، ولكنه أفاد (١) بذلك أنّ هذا غاية في بابه. ثم قال: "إِلاَّ رَجُلٌ (٢) عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذلك، لئَلّا يظنّ السّامع أنَّ الزِّيادةَ على ذلك ممنوعة كَتَكْرَارِ العمل في الوُضوءِ. ووجه ثانٍ: وهو أنّه يحتمل أنّ يُريدَ أنّه لا يأتي أحدٌ من سائر أبواب البِرِّ بأفضل ممّا جاء به، "إلّا رجلٌ عمل أكثر من ذلك" أي من عمله (٣). الحديث الثّاني: مالك (٤)، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أبي بكرٍ، عن أبي صالحِ السَّمَّانِ، عن أبي هريرةَ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ قال سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ في يَوْمِهِ (٥) مِئَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ عنه (٦) خَطَايَاهُ وإنْ كانت مِثل زبَدِ البَحْرِ". إسناده: حسن صحيح مُتَّفَقٌ عليه (٧)، وفيه فوائد: الفائدة الأولى: قوله: "مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ" أمّا سبحانَ الله، فهو اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَر، وقيل: هو مصدرٌ جاءَ على غيِر الفعل. ومعناه: تنزيه الله تعالى، كانّه قال: أُنزِّه اللهَ تنزيهًا وأُسَبِّحُه تسيحًا. وقوله: "بحَمْدِهِ" لانّ الحمد لا ينبغي إلّا لله على الحقيقة. وقيل: إنّه تفعيلٌ، مِن سَبَّحَ يُسبِّحُ تسبيحًا، وهو مصدر كما تقدَّمَ لغةً. نكتةٌ أصولية (٨): قوله (٩): "غُفِرت ذُنُوبُهُ ولَوْ كَانَت مِثْل زَبَدِ البَحْرِ" اعلموا -وفقكم الله- أنّ غُفْرَانَ السَّيِّئاتِ يكون بثلاثة أَوْجُهٍ:

стр. 1391

إمّا بفَضْل اللهِ ورَحْمَتِه ابتداءً، كقوله في الحديث يقول الله له: "عبدي، أَتَذْكُر يوم كذا يوم فعلت كذا، حتّى إذا رأى الرَّجُل أنّه قد هَلَكَ، يقولُ: أنا سَتَرْتُهَا عليك في الدُّنيا، وأَنَا أغْفِرُها لك اليوم" (١). الثّاني: بالموازنة (٢)، توضَع صحائف الحسنات في كَفَّةِ الحَسَنَاتِ، وتوضع صحائف السَّيِّئاتِ في كَفَّةِ السَّيِّئاتِ، ثمّ يخلق اللهُ الثِّقَل فيها بحسبِ ما يعلمه من إخلاصه بالطّاعة، وإصراره على المعصية، ونَدَمِه (٣) على الذَّنب أو جُرأته، وَحِرْصِهِ على الخير وَكَسَلِه. الثّالث: إذا دخل النّارَ يأخذ منه بها ما شاءَ من الاقتصاص، وما يغفره أكثر ممّا يأخذه. فإمّا أنّ تكون هذه الأذكار عائدة بفضل الله، فتلحقه بالقسم الأوّل. وإمّا بالموازنة. وإمّا بالشّفاعة، وقد قال بعض العلماء في هذا الحديث: إنّما يغفر له في الحين الصّغائر دون الكبائر، واللهُ أعلمُ. الحديث الثّالث: مالك (٤)، عن أبي عُبَيْد مَوْلَى سليمانَ بن عبد الملك، عن عطاء بن يزيد اللَّيْثِيِّ، عن أبي هريرة؟ أنّه قال: مَنْ سَبَّحَ دُبرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ، وكبَّرَ ثلاثًا وثلاثينَ، وحَمِدَ ثلاثًا وثلاثينَ، وخَتمَ المِئَةَ بلا إِله إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٍ. غُفِرَت ذُنُوبهُ ولَوْ كانت مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ. الإسناد: قال الإمام: هذا حديث مُرْسَلٌ في الموطّأ، وأَسْنَدَهُ خالد (٥) بن عبد الله الوَاسطي، عن سُهَيْل، عن أبي عُبَيْد، عن عطاء، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ (٦). وخَرَّجَهُ مسلم بن الحَجَّاج في "مُسْنَدِه" (٧)، كذلك رواه إسماعيل بن

стр. 1392

زكريَّاء عن أبي سُهَيْل (١). والكلام عليه مثل ما تقدَّم من غُفْرَان الذُّنوب، فلا معنَى للتَّطوِيل، إلَّا أنّه يتعلَّق به من الشَّرح أربع معانٍ: المعنى الأوّل (٢): ختم المئة جـ: لا إله إلَّا اللهُ، وذلك أنّ قوله: "لا إله إلَّا اللهُ" نفي لكلِّ إله سواهُ بجميع المعاني، وقوله: "وَحْدَهُ" تأكيد للنَّفْيِ من كلِّ وَجْهٍ وقوله: "لا شَرِيكَ لَهُ" إشارة إلى نفي أنّ يكون هو جعله مُعِينًا أو ظهَيرًا، كما كانت العرب تقول: لَبَّيْكَ لا شرِيكَ لكَ، إِلاّ شريكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ (٣). الثّاني (٤) - قوله: "لَهُ المُلْكُ " بيانٌ أنّ له الخَلْق والتّصريف والتّكْلِيف، والهداية والإضلال، والثّواب والعقاب، و"المُلْكُ" عبارة عما يتصرَّف في المخلوقات من القضايا والتَّقّديرات. الثّالث (٥) - قوله: "وَلَهُ الحَمْدُ" بيانٌ بأنّ الخبر بوجود (٦) ذلك راجعٌ إليه، والثناء فيه عائدٌ عليه؛ لأنّه لا يجب الحمدُ على الإطلاق والحقيقة إلَّا لَهُ. الرّابع (٧) - قوله: "وَهُوَ عَلى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٍ" فيه بيانٌ ودليلٌ واضحٌ ألَّا قُدْرةَ لمخلوق من خَلْقِهِ، بَلِ القُدْرَةُ له في كلِّ ما ذَرَأَ وَبَرَأَ، وليست قُدْرَتُه فيما ظَهَرَ خاصّة، بل هو قادِرٌ على ما ظَهَرَ ومَا لَمْ يظهر، وعلى ما وُجِدَ وما لم يوجد (٨). وأمّا قوله: "غُفِرَت ذُنُوبُه وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زبَدِ البَحْرِ" فإنّه قد تقدَّمَ الكلامُ عليها بالموازنة، أو بالمغفرة ابتداءً، أو بالشّفاعة، أو هي غفران الصَّغائر دون الكبائر. الحديث الرّابع: مالك (٩)، عن عُمَارَةَ بن صَيَّادِ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ؛ أنَّه سَمِعَهُ يقولُ في البَاقِيَاتِ الصّالِحَاتِ: إنّها قولُ العَبْدِ: اللهُ أَكبَرُ، وسُبحَانَ اللهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ.

стр. 1393

الإسناد: قال الإمام (١): هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه، خَرَّجَهُ أهل الصِّحَة: مسلمٌ والبخاريّ، وجميع المصنفات (٢)، لا غُبَارَ عليه ولا خَفَاءَ فيه، وعُمَارَةُ بن صيَّاد هو عُمَارَةُ بن عبد الله بن صَيَّاد، يَروِي عن سعيد بن المُسَيِّب وعَطَاء بن يَسَار. الأصول (٣): قال الإمام (٤): قد بيَّنَّا في كتب الأصول أنَّ كلَّ موجودٍ - ما عدا الله تعالى وصفاته العُلَا - لَهُ أَوَّلٌ. وأنَّ كلَّ (٥) ما عَدَا نَعِيمِ أَهلِ الجنَّة وعذاب أهل النّار له آخر. وكل ما لا آخِرَ له فهو البَاقِي حقيقة، ولكنّ الباقي بالْحَقِّ والحقيقةِ هو اللهُ سبحانه (٦). وقد وَهَلَ المتكلِّمونَ في هذه المسألة - وهي مسألةُ البَقَاءِ-: هل هو باقٍ ببقاءِ الله أم لا؟ إِذْ هو صِفَةٌ من صفات ذاتِهِ، ومثلُ هذا لا يجب أنّ يُطلَقَ؛ لأنّ البارئ هو الباقي قبلَ كلّ حيٍّ، والباقي على الدَّوامِ إلى ما لا نِهَايَةَ له. وأمّا نعيم أهل الجَنَّةِ فأصول مُذْ خُلِقَت، ولم تَفْنَ ولا تَفْنَى بحَمْدِ (٧) الله تعالى، وفروعٌ وهي النِّعَم (٨)، هي أعراضٌ إنّما تُوصَفُ بالبقاءِ على معنى أنّ أمثالَها تَتَجَدَّدُ من غير انقطاع، كما أهل النّار ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (٩) فهذا فناءٌ (١٠) وتجديدٌ، فيجعله (١١) بقاءً (١٢) مَجازًا (١٣) بالإضافة إلى غيره، فإنّه يَفْنَى (١٤) ولا يعود.

стр. 1394

فإذا ثبتَ هذا، فالأعمالُ الّتي تَصْدُرُ عن الخَلْقِ فإنّها باقيةٌ حتّى يقع عليها (١) الثّواب، فهي (٢) باقياتٌ صالحاتٌ حسنات؛ لأنّه قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ الآية (٣)، يعني: خيرٌ من المال والنَّفس، وخير أَمَلِ فيما يستقبلون إرادته، واقتضى بهذا العموم أنّ الباقيات الصّالحات كلّ عملٍ صالحٍ، وهو الّذي وعد بالثَّواب عليه. وهذا العمل قد اختلف فيه العلماء -أي ما هو-؟ فقيل: إنّه ما وَرَدَ في الحديث (٤). وقيل: إنّها الصّلوات الخمس، قاله ابن عبّاس وغيره، وبه أقولُ وإليه أميلُ، وليس في الباب شيءٌ يقطعُ به أنّها هي أكثر من الصّلوات. تكملة: أمّا قولُه (٥): "لَا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ" فقد فسَّرَهُ النّبيّ ﷺ لأبي موسى الأشعريّ. قال له: لا حول عن معصية الله إلّا بعِصمَةِ الله. ولا قوة على طاعة الله إلّا بتوفيق الله. وخُرِّجَ هذا الحديث في "مسند الحارث بن أبي أسامة" (٦). الحديث الخاص: حديث أبي الدرداء (٧)؟ قوله: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ لَكُمْ، وأَرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عند مَليكِكُمْ." الحديث إلى آخره. الأصول (٨): في هذا الحديث: أنّ ذِكْرَ الله تعالى أفضل الأعمال، وأنّه أفضل من الجهاد، والمفاضلةُ بين الأعمال قد بيَّنَّا تحقيقها في غير موضعٍ، كقوله: "مَنْ قَرَا القُرآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حرف عشر حسنات" وقولُه: "مَنْ قَرَأَ القُرآنَ وَأَعْرَبَهُ، فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عِشْرُونَ حَسَنَة" (٩)، ومثلُ ذلك كثيرٌ، وقد تفضلُ الأعمالُ الأعمالَ بذواتها، كالتوحيد فإنّه

стр. 1395

يفضلُ سائرَ الطَّاعات بذَاتِهِ؛ وقد تفضلُ الأعمالُ بثوابِها كما جعل ثواب الصّلاة أكثر من ثواب الصِّيام. والذِّكر أفضل (١) الأعمالِ؛ لأنّه توحيدٌ وعَمَلٌ. تنببه على مقصد (٢): قال علماؤنا (٣): الذِّكرُ على ضربين: أحدهما: ذكر باللِّسان (٤). والثّاني: ذِكْرُهُ (٥) عند الأوامر بامتثالها، وعند المعاصي باجتنابها، وهو (٦) ذِكْر القلب. والذِّكرُ أيضًا بِاللِّسانِ على ضربين: واجب، ومندوب إليه. فالواجبُ، قراءةُ القرآن وما جرى مجراه في الصَّلاة. والمندوبُ إليه، سائرُ الأذكار من قراءة القرآن والتّسبيح والتّهليل وغَيرِ ذلك. فأما (٧) الواجب من الذِّكْرِ، فيحتملُ أنّ يفضلَ على سائر الأعمال من الجهاد والزَّكاةِ وغيرهما. وأمّا المندوبُ إليه، فيحتملُ أنّ يفضلَ على سائر أعمال البِرِّ المندوب إليها لِمَعْنَيَيْن: أحدهما: أنّ الثّوابَ عليه أعظم، وهذا طريقهُ الخبر. والثّاني: تكرره، وهذا يُعْرَفُ بالمشاهدة والنَّظَر (٨). وقد (٩) ورد (١٠) في حديث عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّ الذِّكْرَ للهِ تعالى بِمَنْزِلَةِ الحِصْنِ

стр. 1396

الّذي يُعْتَصمُ فيه من العَدُوُّ (١)، وكذلك يُعْصَمُ (٢) الذَّاكِرُ بالذِّكْرِ من الشيطان والنّار، لحديث مُعَاذٍ: "ليس للعَبْدِ شيءٌ أَنْجَى لَهُ مِن عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ" (٣). وقد ثبت عن النّبيِّ ﷺ أنَّه مشى يومًا مع أصحابه، حتّى وقفَ على جَبَلٍ يُقال له جُمْدَانُ، فقال: "سِيرُوا، سَبَقَ المُفرِدُونَ" قيل: يا رسولَ الله، ومن هم. قال: "الّذِينَ اهْتَرَوْا (٤) بِذِكْرِ الله، يضعُ الذِّكرُ عَنْهُمْ أوْزَارَهُمُ" (٥). وقوله: "مَفْرِدُونَ" يعني الّذين أفردوا الله بالوجود الحقيقيّ، وبعموم العِلْم والقُدْرة، وبعموم الخَلْقِ، فلا خَالِقَ سِوَاهُ، وباختصاص الإرادة يفعلُ ما يشاء، وبأنّ المرجِعَ إليه. ومعناه أنّهم لم يروا إلَّا الله، وكأنَّه يريد بالموحِّدين الَّذينَ يَرَوْا اللهَ واحدًا فَرْدًا. وقوله: "الذين أُهْتروْا بذِكرِ الله" يعني الّذين غلب عليهم الذِّكْر في الأقوال والأعمال والطّاعة، حتّى يكونوا كما روي عن الحسن البصري؟ أنَّه قال: أدركتُ قومًا لو رأيتموهم لقُلْتُم مجانين، ولو رَأَوْكُم لقالوا: فُسَّاقً (٦). تنبيه على وَهَمٍ (٧): قال الإمام: وغلطتِ الصُّوفيَّةُ فقالوا: إنّ المرادَ بحديث أبي ذَرٍّ: الذِّكر الدَّائم باللِّسان من غير فُتُورٍ، حتّى إذا رآه الرَّجُل قال: هذا مجنونٌ. وليس كذلك، إنّما المرادُ به الّذي ليس له عمَلٌ إِلاّ لله، إذا صلَّى وصامَ فَلَهُ، وإن جلسَ فيقول: أُجِمُّ نفسي لطاعة الله، فهذه طاعةٌ، وإن كان على أي حالٍ كان، إنْ أكلَ قال: آكلُ للتَّقَوِّي، ويذكر الله في جميع أحواله وأفعاله، فهذه عبادةٌ. وإن وطىءَ وطىءَ ليعصم نفسَهُ وأهلَه، فهذه طاعة، وإن تَطَيَّبَ يقول: أتَطَيَّبُ اقتداءً برسول الله صلّى الله عليه ومنفعةً للجليسِ وترفيعًا للملائكة، فلا يكون له عمل حتّى في النَّومِ إلَّا وَهُوَ للهِ. فهذا هو الذَّاكرُ الشَّاكِرُ لِلَّهِ، المقتدي بسُنَّةِ رسول الله ﷺ .

стр. 1397

الحديث السّادس: حديثُ عليّ بن يحيى الزُّرَقِيِّ (١)، عن أبيه، عن رِفَاعَةَ بن رافعٍ؛ أنّه قال: كُنَّا يومًا نُصَلِّي وَراءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ (٢) رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ وقال (٣): "سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ" قال رَجُلٌ وَرَاءَهُ: ربَّنَا وَلَكَ الحمدُ حَمْدًا كثيرًا طَيِّبًا مُبَاركًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ رسولُ اللهِ، قال: "مَنِ المُتكَلِّمُ آنِفًا؟ " قال الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ الله. فقال له رسول الله: "لَقَدْ رَأَيتُ بِضْعَةً وثلاثينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يكتبُها أَوَّلًا" (٤). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: فيه أربعة فوائد: الفائدة الأولى: قوله: "مَنِ المُتَكَلِّمُ آنِفًا" يعني به قَبْلَ هذا. ولا يُستَعْمَل إِلاّ فيما يقربُ (٥) عند العرب وغيرها (٦)، وفيه معانٍ غير هذا. الفائدة الثّانية (٧): قوله: "رَأَيْتُ بِضعًا وَثَلاثِينَ" قال علماؤنا (٨): البِضْعُ ما بين الثّلاث إلى التِّسْع. الفائدة الثّالثة (٩): قوله: "يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلًا" فيه دليلٌ على عِظَمِ ثوابِها ورِفْعَةِ درجة صاحِبِها، وأنّ لكاتِبِهَا أوّلًا قُرْبَة (١٠) وإن كان جميعهم يكتبها. الفائدة الرّابعة (١١):

стр. 1398

لم ير مالك ﵀ القول بها، وكَرِهَ أنّ يقولَ الرَّجُلُ ذلك في صَلاَتِهِ؛ لأنّه لم يجدها من الأقوال المشروعة، كالتَّكبير وسمع الله لمن حمده. وأمّا من قال ذلك ممّن يعلم أنّ ذلك ليس عليه بواجبٍ، ويَأْمَنْ أنّ يلبس على النّاس، فهو من ذلك في سَعَةٍ إنّ شاء الله. نكتةٌ بديعة: فإن قيل: من أين قال رسول الله ﷺ : "بضعًا وثلاثين" ولم يعيِّن من العَدَدِ ما هو أكثر أو أقلّ؟ فأَمْعَنَ النَّظر بعض المتأخِّرين في ذلك وأعملَ الفكرةَ فيه، فوجد حروف ذلك الكلام بضعًا وثلاثين حرفًا، فقال: إنّما أنزلَ اللهُ ﵎ لِكُلِّ حرفٍ مَلَكًا، فمن ههنا قال رسول الله ﷺ : "بِضْعًا وثَلاثِينَ" واللهُ اْعلمُ. الباب الثّاني ماجاء في الدُّعَاءِ قال الإمام: ذكر مالك في هذا الباب تسعة أحاديث كلّها صِحَاح: الحديث الأوّل: مالك (١)، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، فأُرِيدُ أَن أَخْتَبِىءَ دَعْوَتِي، شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ". الإسناد: قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ أخرجه مسلم (٢) والبخاري (٣) والأيمة (٤)، حسنٌ متّفَقٌ عليه في صِحَّتِهِ ومَتْنِهِ.

стр. 1399

الفوائد المنثورة في هذا الحديث: الأولى: قوله: "لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ" صدَق ﷺ ؛ لأنّ مِنْ آدم إلى مَنْ دُونَهُ منَ الأنبياء دَعَا كلُّ واحدٍ منهم دعوة. أمّا آدم، فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية (١)، فأجابه الله تعالى وتاب عليه بقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ الآية (٢). وأمّا نوح، فقد دَعَا على قومه، فأُجيبَتْ دعوته، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ الآية (٣)، وقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ الآية (٤)، فأجابَ اللهُ دعاءَهُ. وأمّا إبراهيم ﷺ ، فدعَا اللهَ، فقال ما حكى الله عنه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ الآية (٥). وموسى وهارون ﵉ قالا: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ﴾ الآية (٦)، فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (٧). وأمّا محمّد ﷺ ، فدعوتُه شفاعَتُه وشفاعتُه مَخْبُوءَةٌ لأُمَّتِه. وقيل: إنّ دعوتَه الّتي دَعَا بها كما دعا الأنبياء قبله، قوله: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الآية (٨)، على أنّ أهل التّأويل قد اختلفوا في تفسير هذه الآية على خمسة أقوال: الأوّل - قيل: أدخلني في النُبُوَّة وأَخْرِجْنِي إلى الرِّسَالة مخرج صِدْقٍ. وقيل: أدخلني مدخَلَ صدقٍ في الهِجْرَةِ إلى المدينة، وأَخْرِجْنِي مخرجَ صِدْقٍ من مكَّة إلى الهجرة.

стр. 1400

وقيل: أدخلني في الشَّفَاعةِ للمُذْنِبِينَ، وأَخْرِجْنِي منها بالعِزِّ والكرامة للمُوَحِّدِينَ. قال: فأجيبت دعوته، وهذا هو الّذي عليه جمهور العلماء؟ أنّ دعوته المخبوءة لأُمَّتِهِ شفاعته (١) لأُمَّتِهِ؟ واللهُ أعلمُ. الفائدة الثّانية (٢): قال الإمام: "الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَة" (٣) ولا أَحَدَ أحبّ من الله في السُؤال إليه (٤)، والدُّعاء والتضَرُّع لَدَيه؟ وقد اختلفَ شيوخُ الصُّوفية أيّهما أفضل، الدُّعاء أم الذِّكْر المُجَرَّد؟ فمنهم من قال؟ الذِّكْرُ المُجَرَّد أفضل، لقوله: "مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عن مسْأَلَتِي أعطيته أفضل ما أُعْطِي السَّائِلِينَ" (٥)؟ وقد قيل (٦) في كَرَمِ المخلوقِينَ: إذا أثْنى عَلَيْكَ المرءُ يَوْمَا ... كَفَاهُ (٧) مِن تَعَرُضِّهِ الثَنَاءُ فكيف بِرَبِّ العالَمِينَ؟ ومع هذا فإن البارئ تعالى يحبُّ السُّؤالَ ويُعْطِي عليه جزيلَ النَّوَالِ. وقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٨)، وقوله في الحديث: "هَلْ مِنْ داعٍ فأستَجيبَ لَه" (٩) وقال لنَبِيِّهِ صلّى الله عليه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (١٠). قال الإمام: ومنَ الغريبِ في ذلك؛ أنّ الدُّعاءَ المأثورَ عن رسولِ الله ﷺ أكثر من الذِّكر المأثورِ عنه. وقوله: "مَنْ شَغَلَهُ ذِكرِي عَنْ مَسْأَلَتِي" معناهُ أنَّ العبدَ ليس في كلِّ حاله يدعو تارةً يدعو (١١)، وتارةً يذكُر، وإذا دعاهُ استجابَ له، وإذا ذَكَرَهُ أَعطاهُ أفضل ما سأَلَه، فهو الكريمُ في الحالَتَيْنِ.

стр. 1401

قال الإمام: مذهب الصُّوفيَّة أنَّ الذِّكْرَ أفضل من الدُّعاء. وقالت طائفة: الدُعاءُ أفضل، لقوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ الآية (١) وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ (٢)، وقول ذي النُّون إذ نادى في الظلمات أنّ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية (٣). وقال (٤) الطُّوسي الأكبر (٥): اعْلَم أنَّ مِنَ القضاء رَدّ البَلاَء بالدُّعاء، فالدُّعاء سببٌ لِرَدِّ البلاء واستجلاب الرَّحْمَةِ مِنَ المَوْلَى، وهو مفتاح الحاجة، واختلفت (٦) لطائف (٧) أهل (٨) الإشارات (٩) في الدُّعاء على أقوالٍ كثيرةِ: فقال قوم: الدُّعاءُ الفَاقَة بين يَدَيْه، وإلّا فالهروبُ إليه ليفعل بك ما يشاء (١٠). وقيل: الدُّعاء هو سُلَّمُ المُذْنِبِينَ (١١)، وقيل: الموحِّدِينَ المُخْلِصِين. وقال قومٌ: الدُّعاء ترك الذُّنوبِ والإقبال على المحبوب. وقال قوم: الدُّعاءُ يُوجِبُ العطايا (١٢)، ويُوجِبُ المقام أيضًا على الباب (١٣). وقال قوم: الدُّعاءُ مواجهة الحَقَّ بلسان الحَيَاءِ (١٤). وقال قوم: الدُّعاءُ هو الوقوفُ مع القَضاءِ بِوَصْفِ الرِّضا (١٥).

стр. 1402

وقال بعضهم (١): كيف ينتظر (٢) إجابة الدَّعوة وقد سُدَّت (٣) طَريقُها بالهَفْوَةِ. وقال بعضهم: مَنْ طابت لُقمَتُه أُجِيبَت دَعْوتُه. وكلامهم على هذا كثيرٌ جدًّا. الحديث الثّاني: مالكٌ (٤)، عن يحيى بن سعيد؛ أنّه بَلَغَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَدْعُو فيقولُ: "اللَّهُمَّ فَالِقَ الإصْبَاح، وجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكنًا، وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ حُسْبَانًا، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وأَغْنِنِي مِنَ الفَقْرِ، وَأَمْتِعْنِي (٥) بِسَمْعِي وبَصَرِي وَقُوَّتِي في سَبِيلِكَ". الفوائد المنثورة في هذا الحديث سبعٌ: الفائدة الأولى: قولهُ: "فَالِقَ الاصْبَاح" يعني الصّباح نفسه؛ لأنّ البارئ تعالى هو الفالق لكلِّ ما ذَرَأَ وخَلَقَ وَبَرَأَ، وهذا مطابقٌ لقوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (٦) وهو قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٧) قيل: هو فَلَقُ الصُّبح، يعني صباح النَّهار على اللّيل، وفيه أقوالٌ كثيرةٌ. الفائدةٌ الثّانية: قوله: "وَجَاعل الْلَيْلَ سَكنًا" مطابقٌ لقوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية (٨)، وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيه﴾ الآية (٩)، أي لتستقرّوا عليها بالرّاحة، فلو كانتِ الأرضُ تَمِيدُ بأهلها لما كان لأَحَدٍ عليها قرارٌ، وهذا من لُطْفِ الباريء تعالى بِخَلْقِهِ. الفائدة الثّالثة: قوله (١٠): "والْشَمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَانًا" وهذا منَ الكلامِ البديعِ؛ لأنّه ذَكَرَ أوّل

стр. 1403

المساكن وهو اللّيل، ثمّ ذَكَرَ الفَلَكَيْن المتحرِّكين الشّمسُ والقَمَرَ؛ لأنّ قولَه: "حُسْبَانًا" أي: هما في دوران (١) كَدَوَرَانِ الرَّحَى، لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢) أي يعومون ويتحرَّكُون أَبَدَا إلى يوم الوَقْتِ المعلوم. الفائدة الرّابعة: قوله (٣): "وَاقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ" استعاذَ النّبيُّ ﷺ من الدَّيْن؛ لأنّه رقٌ عظيم وهَمٌّ، فيه آثار كثيرةٌ ليس هذا موضع ذِكْرِها، وسيأتي في "البُيُوع" إنّ شاء الله. الفائدة الخامسة: قوله (٤): "وَأَغْنِنِي مِنَ الفَقْرِ" أمّا الغنى فينقسم على ثلاثة أقسام: القسمُ الأوَّلُ: غنى النَّفس، وهو المطلوبُ المرغوبُ المحبوبُ. القسمُ الثّاني: الغِنَى بالله تعالى. القسمُ الثّالث: الغِنَى بالمَالِ، وهو موضع الخِلاَفِ. وقد سئل بعض العلماء عن ذلك- وقيل: إنّه الفُضَيْل- أيّهما أتمّ: الغِنَى باللهِ تعالى أم الافتقار إلى الله تعالى؟ فقال: الافتقار إلى الله تعالى يُوجبُ الغِنَى بالله، فإذا صحَّ الافتقارُ إلى الله كَمُلَتِ العنايَةُ (٥)، فلا يقال أيُّهما أتمّ؛ لأنَّهما حالتان لا تتمُّ إحداهما إلَّا بتمام الأخرى، ومَن صَحَّ افتقارُه إلى الله صَحَّ غناؤُه بِهِ. فإن قيل: كيف استعاذَ النَّبيُّ (٦) منه وقد كان جاءَهُ جبريل بمفاتيح خزائنِ الأرض (٧)، فلم يقبل. قلنا: لا يخلو دُعَاؤُهُ من وجهين: أحدهما أنّه إنّما أراد أنّ يُعَلِّمَنَا ذلك (٨).

стр. 1404

الثّاني: إنّما استعاذ من الفقر المريب (١). وقيل: إنّما استعاذَ من فَقرٍ لا يوجد معه قُوت. وقيل (٢): أراد فَقرَ النَّفْسِ. وقيل: الفَقْرُ من المال الّذي يُخْشَى على صاحبه إذا اسْتَوْلَى عليه نسيان الفرائضِ وذِكْر الله، لما جاء في ذلك من الآثار: "اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بكَ من فَقْرٍ يُنْسِنِي وغِنًى يُطْغِيني" (٣) وهذا التّأويل يدلُّ على أنَّ الكَفَافَ أفضل من الفقر ومن الغِنَى؛ لأنّ للفقر والغنى بَلِيَّتَانِ يختبرُ اللهُ بهما عبادَهُ (٤). وقال قومٌ: أراد به الفقر من الحَسَنَاتِ، وهذا مُزَيَّفٌ، لقوله: "وَاقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ" فيكون هذا الكلام مُكرَّرًا، لا يفيدُ. والدَّليلُ على القول الأوّل- قوله: "اللَّهُمَّ اجْعَل رِزْقَ آل محمّد قوتًا" (٥). وقالت الصُّوفيَّهَ إنّما استعاذَ مِنْ فقرِ النَّفْسِ؛ لأنّ الفقرَ ينقسمُ أيضًا على ثلاثة أقسام: القسمُ الأوَّل: وهو فقرُ الخَلِيقَةِ إلى الله تعالى. القسمُ الثّاني: الفقرُ بمعنى عدم الإملاك، وقد تقدَّم معناهُ. القسمُ الثّالث: هو فقر النَّفْسِ، وهو الّذي استعاذَ منه رسول الله ﷺ . وأمّا الفقر الّذي يكون صاحبه مستوجبًا لدُخولِ الجنَّة قبلَ الأغنياء بخمس مئة عام (٦)، فسئل الجُنَيْد عن ذلك فقال: إذا كان الفقيرُ معاملًا للهِ بقَلْبِه، موافِقًا له فيما منَعَهُ من الدُّنيا، حتّى يعدّ الفقرَ نعمة من الله تعالى عليه، يخاف زوالها عنه كما يخاف الغَنِيُّ زوال النِّعمة عنه، وكان محتسبًا راضيًا باختيار الله تعالى له الفقر، مستغنيًا بِرَبِّه

стр. 1405

في فَقْرِه، وهذا هو الفقير الّذي يدخلُ الجنَّةَ قبل الأغنياء بخمس مئة عام (١)، وسيأتي الكلام عليه في "كتاب الجامع" (٢) إنّ شاء الله تعالى. الفائدة السّادسة (٣): قوله: "وَأَمْتِعْنِي (٤) بسَمعِي وَبَصَرِي" وقد رُوِيَ في حديث: "وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَ منِّي" (٥). فإن قيل: كيف يكون السَّمْعُ والبصرُ وارِثَيْنِ للبَدَنِ وهما يفنيانِ معه؟ الجواب - قال الأستاذ أبو المظفَّر: هو مجازٌ على أحد مَعنيي الوارث، وذلك أنّ الوارثَ هو الّذي لا يموتُ قَبْلَ المَوْرُوثِ، وهو الّذى يَبْقَى بعدَهُ، فيكون معنى قول النّبيِّ ﷺ : اللهمّ لا تعدمهما قبلِي. وقال بعضُ النّاس: المعنى فيه: ومَتِّعْنِي بأبي بكرٍ وعمرَ، لقول النّبيّ ﷺ في أبي بكر وعمر: "هما السَّمْعُ والبَصَرُ" (٦) وهذا تأويلٌ بعيدٌ، إنّما المراد بهما الجَارِحَتَانِ. الفائدة السابعَة (٧): قوله: "وَقُوَّتِي في سَبِيلِكَ" قال علماؤنا (٨): يريد به جهاد العدوّ. ويحتملُ أنّ يريد به تبليغ الرِّسالة. وقيل: يريد به التّقوية في سائر أعمال البِرِّ، فإن ذلك من سبيل الله كلِّه (٩)، وقد قال مالك (١٠) فيمن قال: مالي (١١) هذا في سبيلِ الله-: سُبُلُ اللهِ كثيرةٌ، يُوضَعُ في بابِ الغَزْوِ.
следующие страницы →