← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

قال الإمام: مذهب الصُّوفيَّة أنَّ الذِّكْرَ أفضل من الدُّعاء. وقالت طائفة: الدُعاءُ أفضل، لقوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ الآية (١) وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ (٢)، وقول ذي النُّون إذ نادى في الظلمات أنّ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية (٣). وقال (٤) الطُّوسي الأكبر (٥): اعْلَم أنَّ مِنَ القضاء رَدّ البَلاَء بالدُّعاء، فالدُّعاء سببٌ لِرَدِّ البلاء واستجلاب الرَّحْمَةِ مِنَ المَوْلَى، وهو مفتاح الحاجة، واختلفت (٦) لطائف (٧) أهل (٨) الإشارات (٩) في الدُّعاء على أقوالٍ كثيرةِ: فقال قوم: الدُّعاءُ الفَاقَة بين يَدَيْه، وإلّا فالهروبُ إليه ليفعل بك ما يشاء (١٠). وقيل: الدُّعاء هو سُلَّمُ المُذْنِبِينَ (١١)، وقيل: الموحِّدِينَ المُخْلِصِين. وقال قومٌ: الدُّعاء ترك الذُّنوبِ والإقبال على المحبوب. وقال قوم: الدُّعاءُ يُوجِبُ العطايا (١٢)، ويُوجِبُ المقام أيضًا على الباب (١٣). وقال قوم: الدُّعاءُ مواجهة الحَقَّ بلسان الحَيَاءِ (١٤). وقال قوم: الدُّعاءُ هو الوقوفُ مع القَضاءِ بِوَصْفِ الرِّضا (١٥).

стр. 1402

وقال بعضهم (١): كيف ينتظر (٢) إجابة الدَّعوة وقد سُدَّت (٣) طَريقُها بالهَفْوَةِ. وقال بعضهم: مَنْ طابت لُقمَتُه أُجِيبَت دَعْوتُه. وكلامهم على هذا كثيرٌ جدًّا. الحديث الثّاني: مالكٌ (٤)، عن يحيى بن سعيد؛ أنّه بَلَغَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَدْعُو فيقولُ: "اللَّهُمَّ فَالِقَ الإصْبَاح، وجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكنًا، وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ حُسْبَانًا، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وأَغْنِنِي مِنَ الفَقْرِ، وَأَمْتِعْنِي (٥) بِسَمْعِي وبَصَرِي وَقُوَّتِي في سَبِيلِكَ". الفوائد المنثورة في هذا الحديث سبعٌ: الفائدة الأولى: قولهُ: "فَالِقَ الاصْبَاح" يعني الصّباح نفسه؛ لأنّ البارئ تعالى هو الفالق لكلِّ ما ذَرَأَ وخَلَقَ وَبَرَأَ، وهذا مطابقٌ لقوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (٦) وهو قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٧) قيل: هو فَلَقُ الصُّبح، يعني صباح النَّهار على اللّيل، وفيه أقوالٌ كثيرةٌ. الفائدةٌ الثّانية: قوله: "وَجَاعل الْلَيْلَ سَكنًا" مطابقٌ لقوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية (٨)، وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيه﴾ الآية (٩)، أي لتستقرّوا عليها بالرّاحة، فلو كانتِ الأرضُ تَمِيدُ بأهلها لما كان لأَحَدٍ عليها قرارٌ، وهذا من لُطْفِ الباريء تعالى بِخَلْقِهِ. الفائدة الثّالثة: قوله (١٠): "والْشَمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَانًا" وهذا منَ الكلامِ البديعِ؛ لأنّه ذَكَرَ أوّل

стр. 1403

المساكن وهو اللّيل، ثمّ ذَكَرَ الفَلَكَيْن المتحرِّكين الشّمسُ والقَمَرَ؛ لأنّ قولَه: "حُسْبَانًا" أي: هما في دوران (١) كَدَوَرَانِ الرَّحَى، لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢) أي يعومون ويتحرَّكُون أَبَدَا إلى يوم الوَقْتِ المعلوم. الفائدة الرّابعة: قوله (٣): "وَاقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ" استعاذَ النّبيُّ ﷺ من الدَّيْن؛ لأنّه رقٌ عظيم وهَمٌّ، فيه آثار كثيرةٌ ليس هذا موضع ذِكْرِها، وسيأتي في "البُيُوع" إنّ شاء الله. الفائدة الخامسة: قوله (٤): "وَأَغْنِنِي مِنَ الفَقْرِ" أمّا الغنى فينقسم على ثلاثة أقسام: القسمُ الأوَّلُ: غنى النَّفس، وهو المطلوبُ المرغوبُ المحبوبُ. القسمُ الثّاني: الغِنَى بالله تعالى. القسمُ الثّالث: الغِنَى بالمَالِ، وهو موضع الخِلاَفِ. وقد سئل بعض العلماء عن ذلك- وقيل: إنّه الفُضَيْل- أيّهما أتمّ: الغِنَى باللهِ تعالى أم الافتقار إلى الله تعالى؟ فقال: الافتقار إلى الله تعالى يُوجبُ الغِنَى بالله، فإذا صحَّ الافتقارُ إلى الله كَمُلَتِ العنايَةُ (٥)، فلا يقال أيُّهما أتمّ؛ لأنَّهما حالتان لا تتمُّ إحداهما إلَّا بتمام الأخرى، ومَن صَحَّ افتقارُه إلى الله صَحَّ غناؤُه بِهِ. فإن قيل: كيف استعاذَ النَّبيُّ (٦) منه وقد كان جاءَهُ جبريل بمفاتيح خزائنِ الأرض (٧)، فلم يقبل. قلنا: لا يخلو دُعَاؤُهُ من وجهين: أحدهما أنّه إنّما أراد أنّ يُعَلِّمَنَا ذلك (٨).

стр. 1404

الثّاني: إنّما استعاذ من الفقر المريب (١). وقيل: إنّما استعاذَ من فَقرٍ لا يوجد معه قُوت. وقيل (٢): أراد فَقرَ النَّفْسِ. وقيل: الفَقْرُ من المال الّذي يُخْشَى على صاحبه إذا اسْتَوْلَى عليه نسيان الفرائضِ وذِكْر الله، لما جاء في ذلك من الآثار: "اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بكَ من فَقْرٍ يُنْسِنِي وغِنًى يُطْغِيني" (٣) وهذا التّأويل يدلُّ على أنَّ الكَفَافَ أفضل من الفقر ومن الغِنَى؛ لأنّ للفقر والغنى بَلِيَّتَانِ يختبرُ اللهُ بهما عبادَهُ (٤). وقال قومٌ: أراد به الفقر من الحَسَنَاتِ، وهذا مُزَيَّفٌ، لقوله: "وَاقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ" فيكون هذا الكلام مُكرَّرًا، لا يفيدُ. والدَّليلُ على القول الأوّل- قوله: "اللَّهُمَّ اجْعَل رِزْقَ آل محمّد قوتًا" (٥). وقالت الصُّوفيَّهَ إنّما استعاذَ مِنْ فقرِ النَّفْسِ؛ لأنّ الفقرَ ينقسمُ أيضًا على ثلاثة أقسام: القسمُ الأوَّل: وهو فقرُ الخَلِيقَةِ إلى الله تعالى. القسمُ الثّاني: الفقرُ بمعنى عدم الإملاك، وقد تقدَّم معناهُ. القسمُ الثّالث: هو فقر النَّفْسِ، وهو الّذي استعاذَ منه رسول الله ﷺ . وأمّا الفقر الّذي يكون صاحبه مستوجبًا لدُخولِ الجنَّة قبلَ الأغنياء بخمس مئة عام (٦)، فسئل الجُنَيْد عن ذلك فقال: إذا كان الفقيرُ معاملًا للهِ بقَلْبِه، موافِقًا له فيما منَعَهُ من الدُّنيا، حتّى يعدّ الفقرَ نعمة من الله تعالى عليه، يخاف زوالها عنه كما يخاف الغَنِيُّ زوال النِّعمة عنه، وكان محتسبًا راضيًا باختيار الله تعالى له الفقر، مستغنيًا بِرَبِّه

стр. 1405

في فَقْرِه، وهذا هو الفقير الّذي يدخلُ الجنَّةَ قبل الأغنياء بخمس مئة عام (١)، وسيأتي الكلام عليه في "كتاب الجامع" (٢) إنّ شاء الله تعالى. الفائدة السّادسة (٣): قوله: "وَأَمْتِعْنِي (٤) بسَمعِي وَبَصَرِي" وقد رُوِيَ في حديث: "وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَ منِّي" (٥). فإن قيل: كيف يكون السَّمْعُ والبصرُ وارِثَيْنِ للبَدَنِ وهما يفنيانِ معه؟ الجواب - قال الأستاذ أبو المظفَّر: هو مجازٌ على أحد مَعنيي الوارث، وذلك أنّ الوارثَ هو الّذي لا يموتُ قَبْلَ المَوْرُوثِ، وهو الّذى يَبْقَى بعدَهُ، فيكون معنى قول النّبيِّ ﷺ : اللهمّ لا تعدمهما قبلِي. وقال بعضُ النّاس: المعنى فيه: ومَتِّعْنِي بأبي بكرٍ وعمرَ، لقول النّبيّ ﷺ في أبي بكر وعمر: "هما السَّمْعُ والبَصَرُ" (٦) وهذا تأويلٌ بعيدٌ، إنّما المراد بهما الجَارِحَتَانِ. الفائدة السابعَة (٧): قوله: "وَقُوَّتِي في سَبِيلِكَ" قال علماؤنا (٨): يريد به جهاد العدوّ. ويحتملُ أنّ يريد به تبليغ الرِّسالة. وقيل: يريد به التّقوية في سائر أعمال البِرِّ، فإن ذلك من سبيل الله كلِّه (٩)، وقد قال مالك (١٠) فيمن قال: مالي (١١) هذا في سبيلِ الله-: سُبُلُ اللهِ كثيرةٌ، يُوضَعُ في بابِ الغَزْوِ.

стр. 1406

ووجه ذلك: أنّ هذه اللّفظة إذا أُطلِقَت فإن عُرْفَها الجهاد والغَزو، وإن جازَ أنّ تطلَق على سائر الأعمال بقَرِينَةٍ. الحديث الثّالث: مالك (١)، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ إِذَا دَعَا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنّ شِئتَ، لِيَعْزِم المَسْأَلَةَ، فإنّه لا مُكْرهَ لَهم". قال علماؤنا (٢): أراد بهذا القول أهل الاستغناء، والعبادُ أَجْمَعُونَ مُفْتَقِرُونَ إلى الله تعالى بالالحاح، فإنّه أقرب إلى الإجابة (٣). وكذلك قوله (٤): "يُستَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَالَمْ يَعْجَلْ، فيقولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُستَجَبْ لِي" لأنّه إذا عَجِلَ خُشِيَ عليه أنّ يكون كالذَّامِّ أو القَانِطِ من الإجابة، وإنّما يجب عليه الانقطاعُ والافتقارُ إلى الله ولا يقنط من الإجابة (٥)؛ لأنّه بين ثلاث (٦): إمّا أنّ يعجّلَ له، وإمّا أنّ يكفِّر عنه (٧)، وإمّا أنّ يدَّخر له. الحديث الرّابع: حديث النزول مالك (٨)، عن ابن شِهَابٍ، عن أبي عبد الله الأغَرِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلى سَمَاءٍ (٩) الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فيقول: مَنْ يَدْعُوني فَأسْتَجيبَ لَه؟ مَنْ يَسْألنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِرَ لَهُ". الإسناد: قال الإمام (١٠): حديثُ النُّزُولِ حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ على صحَّته

стр. 1407

ومَتْنِه (١)، أَخْرَجَهُ الأيِمَّة بألفاظٍ مختلفةٍ ومعانٍ متقاربةٍ، وهي مرويّةٌ من ستَّةِ طُرُقٍ. الطريق الأوّل: حديث أبي هريرة هذا الّذي في الموطّأ، وهو أَصَحُّها وأَحْسَنُها مَسَاقًا. الطّريقُ الثّاني: حديثُ أبي الدَّرْدَاء (٢)، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "إنّ الله ينزلُ في ثلاثِ ساعاتٍ بَقَيْنَ من اللَّيلِ، فيفتحُ الذِّكْر في السّاعةِ الأُولَى الّذي لم يره أحدٌ غيره، فيمحو اللهُ ما يشاء ويثبت، ثمّ ينزل في السّاعة الثّانية إلى جنَّة عَدْنٍ، وهي دارُه الّتي لم ترها عين، ولم تخطر على قلبِ بشر (٣)، لا يسكنها غير ثلاثة: النَبِيُّوُن، والصِّدِّيقُونَ، والشُّهداء. ثم يقول: طُوبَى لمن دَخَلَكِ، ثمّ ينزلُ في السَّاعة الثّالثة إلى سَمَاءِ الدُّنيا، فَتَلْتَطِي، يعني تَرْعُدُ. ثم يقول: قُومي بعِزَّتي. ثمَّ يطلعُ على عباده فيقول: هل من مستغفرٍ فأَغفر له، ألاَ هَلْ من سائلٍ يسأَلني فأُعطيه، ألَّا هل من دَاع يَدْعُوني فأجيبه، حتّى تكون صلاة الفجر، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ الآية (٤)، يشهده الله وملائكته من ملائكة اللّيل وملائكة النّهار". الطّريق الثالِث: روي أيضًا من طُرُقٍ، ومدارُه على أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بَقِيَ من اللَّيلِ ثُلُثَهُ، ينزلُ اللهُ ﵎ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيقولُ: من ذَا الَّذي يَدْعُوبي فأستجيبُ لَهُ، من ذا الّذي يَستَغْفِرُني فأَغْفِرُ لَه، من ذا الّذي يَسْتَرْزِقُنِي فأرزقه، من ذا الّذي يستكشف الضُّرَّ فأكشفه عنه، حتّى ينفجر الفَجْر" (٥). الطريق الرّابع: زاد عُبادَة بن الصّامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزلُ ربُّنَا ﵎ كلّ لَيلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنيا حين يَبْقَى ثُلُث اللَّيل الآخر، فيقولُ: ألَا عبد من عبادي يدعوني فأسَتجيب له، أَلَا ظالم لِنَفسِهِ يَدْعُوني فأغفر له، أَلاَ مقتر عليه رِزْقِه يَدعُوني فأرزقه، ألَا مظلوم يَذكرني فأنصُره. قال: فيكون كذلك إلى الصُّبح.

стр. 1408

ويَعْلُو رَبُّنا ﵎ على كرسِّيِه من مَكَانِه من العِزَّةِ" (١). الطريق الخامس: حديث أبي سعيد الخُدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيلِ الأَوَّل نزل (٢) رَبّنا إلى السَّماء (٣) الدُّنْيَا ثم أَمَر بِأَبْوَابِ السَّماءِ فتفتح، فيقول: هَلْ مِن دَاعٍ أُجِيبهُ، هل من مُسْتَغْفِرٍ أَغْفر لَهُ، هل من مُغيثٍ أُغيثُه، هل من سائِلٌ أعطيه، فلا يزال كذلك حتّى يطلع الفجرُ، ثمّ كلُّ يومٍ من الدُّنيا يَفْعَلُ كذلك" (٤). الطريق السّادس: من حديث عبد الرحمان بن البَيْلَمَانيّ (٥) قال: "مَا مِنْ ليلةٍ إلّا ينزلُ رَبُّكُم إلى سماء، ومِن سماءٍ إلى سماءٍ، وما مِنْ سماءٍ إلّا وَلَهُ فيها كرسيّ، إذا نزلَ إلى سماء خَرَّ أهلها سجودًا حتّى يسترجع، فهذا أَتَى السَّماء الدُّنيا مَاطَتِ وارتعدت (٦) من خشية الله، وهو باسِطٌ يَدَيْه يَدْعُو: عبادي، من يَدْعُوني فَأُجِيبه، من يَتُوب إِليَّ أتوب عَلَيْه، مَنْ يستغفِرُني أَغْفِر له، من يَسأْلُني أعطيه، من يقرض غير عديم (٧) ولا ظلوم" (٨). تنقيح: قال الإمام: وهذه الأحاديث لا يصحُّ منها شيءٌ غير حديث أبي هريرة المُتَقَدِّم، فإنّه حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٩)، وغير ذلك لا يُلْتَفَتُ إليه، وبالله التَّوفيق. وهذه الأحاديث مُسْتَخْرَجَةٌ من كتاب "التَّأكيد في لُزُومِ السُّنَّةِ" (١٠).

стр. 1409

الأصول (١): اختلفَ النَّاس في هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث المشكلات والآيات المتشابهات: فمنهم من ردَّ هذا الخبر؛ لأنّه خبر آحاد، وردَّ بما لا يجوز ظاهرُه على الله تعالى، وهم المُبْتَدِعَة. ومنهم مَنْ قَبِلَهُ وأَمَرَّهُ كما جاء ولم يتأَوَّله ولا تكلَّم فيه، مع اعتقاده أنّ الله ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. ومنهم من تأوَّلَهُ وفَسَّرَهُ -وبه أقول- لأنّه معنى قريب عربيٌ فصيح (٢). أمّا إنّه قد تَعَدَّى إليه قومٌ ليسوا من أَهْلِ العِلْم بالتَّفسيرِ، فَتَعدّوا عليه بالقول النَّكِير (٣). وأمّا المبتدعة، قالوا: هذا الحديث مُحَالٌ؛ لأنّه إذا نزلَ من يَخْلفُه؟ وهذا جهلٌ عظيمٌ؛ لأنّه يقال لهم: من يَخلفُه في الأرض حين (٤) يصعَدُ علمه بما في الأرض، كما يصعد علمه بما في السّماء، وعِلْمُه بما في الأرض سواءٌ لا يَخْتَلِف. إيضاحُ مُشكِلٍ: قال الإمام أبو بكر بن فُورَك (٥) في هذا الحديث والنزول والمجيء: "اعْلَمْ أنَّه أوّل ما يجبُ أنّ تعلمَ في ذلك قَبْلَ شُرُوعِنَا في تأويله، هو أنّ تعلمَ أوَّلًا أنَّ جميعَ أوصافه تعالى تتعلق (٦) بما (٧) لا يخرج عن وجهين: إمّا أنّ يكون اسْتَحَقَّه لنفسه، أو لِصِفَةٍ قامت به، أو لِفِعْلٍ يفعله. وأنّه لا يُطْلَقُ شيءٌ من الألفاظِ في أوصافه وأسمائه المُتفَرِّعَة من هذين (٨) الأصلّين إلَّا بعد ورود التَّوقِيفِ في (٩) الكتاب والسُّنَّة، وعن اتِّفاقٍ من الأُمَّةِ، ولا مجالَ للقياسِ في ذلك بِوَجْهٍ من الوجوهِ".

стр. 1410

"واعلم أنّه لا فرقَ بين الإتيانِ والمجيءِ والنُّزُولِ إذا أُضيفَ جميع ذلك إلى الأجسام الّتي تتحرَّك وتنتقل، أو تحاذي مكانَها أو مكانًا بعد مكان (١)، إنَّ جميعَ ذلك يُعْقَلُ من طريق (٢) المعنى الّذي هو الحَرَكَة والنّقلة الّتي هي تفريغ (٣) مكان شغل مكان، فهذا أُضِيفَ إلى ما لا يليق به الانتقال من مكانٍ إلى مكانٍ؛ لاستحالته (٤) بأنّه جوهرٌ، أو جِسْمٌ، أو مَحْدُودٌ، أو مُتَمَكِّنٌ، أو مُمَاسٌّ". تحقيق وتبيين (٥): اعلم أنّ معنى النُّزول في اللُّغة والقُرآن والسُّنَّة ينطلقُ على تِسْعَة معانٍ، منها معاني مختلفة، ولم يكن هذا اللّفظ ممّا يخصُّ (٦) أمرًا واحدً حتّى لا يمكن العدول عنه إلى غيره، بل وَجَدْنَاهُ مشترك المعنى، فاحتملَ التّأويل والتّخريج والتّرتيب في ذلك. الأوّل - فمن ذلك: النُّزولُ بمعنى الانْتِقَال، والبارىء تعالى يتنزَّهُ عنه، وإنّما ذلك في (٧) كون المخلوقات، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٨)، هذا على معنى النّقلة والتّحويل. المعنى الثّاني: النزول بمعنى الإعلام، كقوله : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٩) أي أَعْلَمَ به الأمينُ محمّدًا ﷺ . المعنى الثّالث: النُّزُولُ بمعنى القول والعبارة، وذلك في قوله تعالى حاكيًا عن مُسَيْلِمَة في قوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١٠) فيما أخبر به عن المشركين الّذين يقولون ويعارضون القرآن ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١١).

стр. 1411

المعنى الرّابع: النزول بمعنى الإقبال على الشّيء، وذلك هو المستعمل في المجاز (١) لقولهم: إنّ فلانًا أخذ بِمكارم الأخلاق ثم نزل منها إلى سفسافها، أي: أقبل منها إلى رَدِيّها (٢). ومثله في (٣) نقصان المرتبة والدَّرَجَهْ؛ لأنّهم يقولون: نزلت منزلة فلان عند فلان (٤). المعنى الخامس: النُّزول بمعنى الحُكم، من ذلك قولهم: قد كنَّا في خير وعافية (٥) وعَدْلٍ وأَمْنٍ (٦)، حتّى نزلَ بنا بنو فلان، أي (٧) حكمهم، وكان ذلك في معنى النّزول، مُتَعَارَف من (٨) أهل اللُّغة غير مدفوع عندهم اشتراك معناه. المعنى السّادس: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (٩) فمن أهل التّأويل من قال: معناه وخلقنا الحديد. ومن العلماء من قال: إنَّ الحديدَ أنْزل على معنى النَّقلِ من عُلُوٍّ إلى سفل، وهذا (١٠) بعيدٌ جدًّا فَتَدَبَّرْهُ. ومن الفلاسفة من قال: إنّه يتكوَّن في الأرض بما تفعل الكواكب في الأقاليم، وهذا كُفْرٌ منهم ودَعْوى بغير دَليلٍ. والمعنى فيه: أنّ الإنزال بمعنى الخَلْق، معناه: خلقنا الحديد في الأرض فيه منافع للنّاس. المعنى السابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١١) ليس هو بمعنى النَّقْل

стр. 1412

والتّحويل من عُلُّو إلى سفل، لاستحالة الانتقال على الكلام، وإنّما معناه: الإعلام والإسماع والإفهام إلى الموصل. المعنى الثّامن: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (١)، وهذا أيضًا يُبَيِّنُ لك أنّه (٢) ليس كلّ نزول وإنزال نقل وتحويلٌ، بل ذلك لفظٌ يشترك المعنى فيه، وقد يكون نقلًا وتحويلًا، وقد يكون على غير ذلك من المعاني المُتَأَوَّلَة (٣). المعنى التّاسع: قوله ﷻ : ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ﴾ الآية (٤). قال بعض علمائنا (٥): المعنى فيه - أنّه خَلَقَ في الأرض الأنعام؛ لأنّه لَمْ يُرَ قطّ ولا سُمِعَ أنّه نزل من السّماء الحديد ولا الأنعام، ولو كان كذلك لكان أصل ذلك معلومًا مذكورًا. وهذه الوجوه من القرآن واللُّغة على أنّ البارىء تعالى لا يجوز عليه النّقل ولا الحركة، وأنّ نزولَهُ بخلاف مخلوقاته، إنّما نزوله نزول رحمةٍ وإحسانٍ، أو يكون كما قال بعضى العلماء (٦) الصُّوفيّة: إنّ نزوله ثُلُث اللَّيل إنّما هو نزولٌ من حال الغَضَبِ إلى حالة الرَّحْمَة، وإلّا إذا أضفتَ النّزول إلى السّكينة لم يكن، وإذا أَضَفْتَهُ إلى الكلام لم يكن أيضًا تفريغ مكانٍ ولا شُغل مكانٍ، وإنّما أراد (٧) به: إقباله على أهل الأرض بالرَّحْمَة، والاستعطاف بالتَّوْبَة والإنَابَة. هذا تفسيرُه عند علمائنا من أهل الكلام (٨). وأمّا من تَعَدَّى عليه بالتّفسير والقَوْلِ النَّكِيرِ، فإنّهم قالوا: في هذا الحديث دليلٌ على أنّ الله تعالى في السَّماء على العَرْشِ من فَوْق سبع سماوات. قلنا (٩): هذا جَهْلٌ عظيمٌ، إنّما قال: "يَنْزِلُ إلى سَمَاءِ الدُّنْيَا". ولم يقل في

стр. 1413

الحديث من أينَ ينزلُ، ولا كيف ينزل. قالوا - وحُجَّتُهُم ظاهرةٌ -: قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١). قلنا: تعالى أنّ يكون (٢) استواؤُه على العَرْشِ كاستوائنا على ظهور الدَّوابِّ. قالوا: وكما قال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٣). قلنا: تعالى الله أنّ يكون كالسَّفِينَةِ جَرَتْ حتّى لمست فوقفت (٤). قلنا له (٥): وما العرشُ؟ وما الاستواءُ في العربِيّة؟ فإنْ توقَّفَ، قلنا: هذا كلُّه مخلوقٌ، واسْتَوَى مخلوقٌ على مخلوقٍ بِارْتِفَاع وتمكينٍ في مكانٍ واتِّصالٍ ومُلاَمَسَةٍ، والبارىء تعالى يتقدّس عنه، وقدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ مِن قَبْلِ سَمَاعِ الحديثِ وسَرْدِهِ أنَّه ليس استواؤُه على شيءٍ من ذلك، ولا تضرب به الأمثال بشيءٍ من خَلْقِهِ (٦). قالوا: قد قال قوم: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٧)، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٨). قلنا: تناقضت أقوال العلماء (٩) في ذلك، تقول مَرَّةً: إنّه على العَرْشِ فَوْقَ السَّمَاواتِ، ثمَّ تقول: إنّه في السَّمَاءِ، لقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (١٠). وقلت: إنّ معناه على السَّماءِ، ويَلْزَمُكَ أنّ تقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١١) أي إلى العَرْشِ. قالوا (١٢): وقد قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (١٣).

стр. 1414

قلنا: هذا صحيحٌ، ولكن ليس فيه لِبِدْعَتِكُمْ دليلٌ. قالوا: فما تقولون في هذا: إنّ الأُمَّةَ قد أَجْمَعَتْ (١) على أنّهم يرفعون أيديهم إلى السّماء في الدُّعاء، ولولا ما قال موسى: إلهي في السَّماء لفرعون، ما قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ (٢). قلنا: كَذبتُم على مُوسَى، ما قالها قَطُّ، ومن يُوصِلكم إليه؟ إنّما أنتم أتباع فِرْعَون الّذين اعتقدوا أنّ البارئ تعالى في جِهَةٍ، فأراد أنّ يَرْقَى إليه بِسُلَّمٍ، فيهنئكم أنّكم أتباع فرعون وأنَّه إمامكم. قالوا: وهذا أُمَيَّة بن أبي الصَّلت يقول (٣): فسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقْدِرُ الخَلْقُ قَدْرَهُ ... مَنْ هُوَ فَوْقَ العَرْشِ فَرْدٌ مَوحَّدُ ملِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجدُ وأُمَيَّة بن أبي الصَّلت قد قرأَ التَّورَاةَ والإنْجِيلَ والزَّبُور (٤). قلنا: هذا الّذي يُشْبِه جهلكم أنّ تحتجَّوا بقول فِرْعَون وقول مُلْحِدٍ جاهلي، وتُحِيلُونَ به على التَّوْراة والإنجيل والزّبور والفُرْقَان والكتب المبدَّلَة (٥) المحرَّفَة، واليهودُ هم أعظم خَلْقِ الله كُفْرًا، وأعظمهم تشبيهًا للهِ بالخَلْقِ. تنزيه (٦): قال الإمام: والّذي يجب أنّ يُعْتَقَد في ذلك: أنّ الله كان ولا شيءَ معه، ثمَّ خَلَقَ المخلوقات من العَرشِ إِلى الفَرْشِ، فلم يتغيَّر (٧)، ولا حدثت له جِهَة منها، ولا كان له مكان فيها، فإنّه لا يَحُول ولا يَزُول، قُدُّوسٌ لا يحولُ ولا يتغَيَّر.

стр. 1415

وللاستواء في كلامِ العَرَبِ خمسة عشر وجهًا ما بين حقيقةٍ ومجازٍ، منها ما يجوزُ على الله فيكون معنى الآية، ومنها ما لا يجوز بحالٍ، وهو إذا كان الاستواء بمعنى التّمكين والاستقرار والاتِّصال والمُجَاوَرَةِ (١)، فإنَّ شيئًا من ذلك لا يجوزُ على البارى تعالى، ولا تضرب له الأمثال في المخلوقات إلَّا كما قال مالك وغيره من العلماء: ان الاستواء معلومٌ، يعني أنّه قد وَرَدَ في اللُّغَةِ، واَلْكَيْفيَّةَ الّتي أراد اللهُ ممّا يجوزُ عليه من معاني الاستواء مجهولةٌ، فمن يقدر أنّ يعيِّنَها؟ والسُّؤالُ عنه بِدْعَة؛ لأنّ الاشتغال به قد ينشىء طلبًا للمُتَشَابِه (٢) ابتغاءَ الفتنة. فيتحصَّل لك من كلام إمام المسلمين مالك؛ أنّ الاستواء معلومٌ، وأنّ ما لا يجوز على الله منه غير معقولٍ وغير متعيَّنٍ (٣). وقد حَصَلَ لك التَّوحيد والإيمان بِنَفْيِ التَّشَبيه والمُحَالِ على اللهِ، فلا يلزمك سواهُ. وأمّا قوله: "يَنْزِل" و "يَجيء" و"يَأْتِي" وما أشبه ذلك من الألفاظ الّتي لا تجوز على الله في ذاته معانيها، فإنّها ترجع إلى أفعاله، وههنا نكتة، وهي أنّ أفعالَكَ أيّها العبدُ إنّما هي في ذَاتِكَ، وأَفعالُ اللهِ لا يَجوزُ أنّ تكونَ في ذَاتِهِ ولا ترجع إليه، وإنّما تكونُ في مخلوقاتِهِ فهذا سَمِعْتَ أنّ الله يفعلُ كذا، فمعناه في المخلوقات لا في الذَّاتِ، وقد بَيَّنَ ذلك الأَوزاعيّ حين سُئِلَ عن هذا الحديث، فقال: يَفْعَلُ اللهُ ما يَشَاء. وأمّا أنّ يعلَم أو يعتقدَ أنّ اللهَ لا يُتَوَهَّم على صِفَةٍ من المخلوقات (٤)، ولا يُشْبِه شيئًا من المخلوقات، ولا يدخل بابًا (٥) من التَّأويلات. قالوا: نقول: ينزلُ ربُّنا ولا نكَيِّف. قلنا: معاذَ الله أنّ نقول ذلك، إنّما نقول كما علَّمَنَا رسول الله ﷺ ، وكما علِمْنَا من العربيّة الّتي نَزَلَ بها القرآنُ وتكَلَّمَ بها رسُولُ الله ﷺ ، قال رسولُ الله ﷺ (٦):

стр. 1416

"يقولُ: عَبْدِي مرضتُ فلم تَعُدْنِي، وجعْتُ فلم تُطعِمْنِي، وعَطشتُ فلم تَسْقِنِي" وهذا لا يجوزُ على اللهِ تعالى بحالٍ، ولكن شرف هؤلاء بأن عَبَّرَ عنهم كذلك. وقولُه: "يَنْزِلُ رَبُّنَا" عَبَّرَ به عن عَبْدِهِ ومَلَكِهِ الّذي نَزَلَ بأمْرِه بِاسْمِه، فيما يُعْطِي من رحمته ويَهب من كَرَمِهِ ويفيض على الخَلْقِ من عَطَائِه، قال الشّاعر (١): ولَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ ... مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحِبِّ المُكَرَّمِ والنُّزولُ قد يكون في المعاني والأجسام كما تقدَّمَ بيانُه، والنُّزولُ الّذي أخبر اللهُ عنه إنْ حَمَلْتَهُ على أنّه جسمٌ فذلك مَلَكُهُ ورسولُه وعَبْدُهُ. وإن حملته على أنّه كان لا يفعلُ شيئًا من ذلك، ثمّ فَعَلَهُ عند ثُلُثِ اللَّيْلِ فاستجابَ (٢) وغَفَر وأَعْطَى، وسَمَّى ذلك نزولًا عن (٣) مرتبة إلى مرتبة، وصِفَةٍ إلى صِفَةٍ، فتلك عربيَّةٌ مَحْضَةٌ خَاطبَ بِهَا أَعرف منكم وأعقل وأكثر توحيدًا. وأقلّ بل أعدم (٤) تَخلِيطًا. قالوا بجَهْلِهِم (٥): لو أراد نزول رحمته لما خصّ بذلك الثُلُثَ من اللَّيل؛ لانّ رحمته تنزل باللّيلِ والنَّهَارِ. قلنا: هي باللَّيلِ، وفي يومِ عَرَفة، وفي ساعة الجُمُعَة، فيكونُ نزولُها باللَّيلِ أكثر، وعطاؤُها أَوْسَع، وقد بَيَّنَ اللهُ ذلك في قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٦). قالوا: لا حُجَّةَ لنا في التّأويل؛ لأنَّ السَّلَفَ قالوا في هذه الأحاديث وأمثالها: أَمِرُّوها كما جاءَت، فلا تُتَأَوَّلُ. قلنا: هذه جَهَالَة عظيمةٌ؛ لأنّه قد اشتهرَ التَّأويِلُ في ذلك عن السَّلَفِ، أمّا مالكٌ ﵀ فقد بَدَّع السَّائل عن أمثاله، وصَرَفهُ عن إِشكَالِهِ، ووقَفَ عند الإيمانِ به، وهو لنا أفضل (٧).

стр. 1417

وأمّا الأوزاعي (١) -وهو إمامٌ عظيمٌ- فقد نزع بالتَّأويلِ، قال: سئِل عن قول النّبيّ ﷺ : "يَنْزِلُ رَبُّنَا"؟ فقالَ: يفعلُ اللهُ ما يشاء. ففتحَ بابًا من المعرفةِ عظيمًا، ونهجَ إلى التّأويل طريقًا مستقيمًا. تشريفٌ: إنّ اللهَ سبحانه مُنَزَّةٌ عن الحركة والانتقال؛ لأنّه لا يَحْوِيهِ مكانٌ، كما لا يشتمل عليه زمانٌ، ولا يَشغَلُ جُزءًا، ولا يَدْنُو إلى مسافة بشيءٍ، ولا يغيبُ عن عِلْمِهِ شيءٌ. مُتَقَدِّس الذَّاتِ عن الآفاتِ، منزَّه عن التَّغير والاسْتِحَالاَتِ، إلهٌ في (٢) الأرض إِلهٌ في السَّموات. وهذه (٣) عقيدةٌ مستقرَّةٌ في القلوبِ، ثابتةٌ بواضِحِ الدَّليلِ في المعقولِ. إشكال ثانٍ: قال الإمامُ (٤): وقد وردَ وراءَ هذا الحديث أحاديث وآيات مشكلات (٥)، وإن قد خُضْنَا معهم في البَيَانِ، رأينا أنّ نعطفَ عليها العَنَانَ، بالإشارَةِ إلى التّحقيق والتِّبيان، حتّى لا يمرَّ القلبُ بها عليلًا، أو يكونَ ما يراه منها عنده مبهمًا مجهولًا، مثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٦) الآية وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ الآية (٧)، وقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ الآية (٨)، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٩) وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية (١٠)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ الآية (١١)، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١٢).

стр. 1418

وقولُه فيه: و"بين يديه" و "إليه" و "عليه"، وألفاظٌ كثيرةٌ في القرآن والحديث يحتاجُ إلى بيانٍ شافٍ. أمّا "عَلَيْهِ"، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (٢). وقوله: "لَدَيَّ" هو كقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ (٣). وأمّا "بَينَ يَدَيْهِ" فقوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ الآية (٤). وأمّا قوله: "إِلَيهِ" ففي قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٥) وقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (٦)، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٧). وأمّا قوله: "عِنْدَ" ففي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٨) وقوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ (٩) وقوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ (١٠) وقوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيد﴾ (١١)، وقوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ (١٢) وأمّا "مَعَ" ففي قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ (١٣). وكلُّ كلمةٍ من هذه الكلمات، فعندَ ذِكْرِ نظائرِها وتبيِيِنهَا، يَزُولُ التّشبيهُ (١٤) والتَّلبيس عن قلْبِ الجاهلِ بمعانيها، ويوقن (١٥) بالصّواب عند التَّثبيةِ عليها، واللهُ يوفِّقنا للصّواب.

стр. 1419

الآية الأولى: قولُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ الآية (١)، اعْلَم أنَّه لم يُرِدْ به مجيءَ الانتقالِ والاتيانِ. وقال بعض العلماء (٢): إنّ الواو هاهنا بمعنى الباء. ومنهم من قال: جاءَ أَمْرُ ربِّكَ وحُكْمُه، يريدُ أمر الله في القيامة وما يختصّ به ذلك (٣). وقال آخر: يحتمل وجاءَ ربّك بالملائكة، فيكون المجيءُ للملائكة. وتحقيقُ القولِ في هذا: أنّ كلَّ فِعْلٍ يضافُ إلى اللهِ تعالى ممّا يتعلَّقُ بأبداننا يتعالى الله عنه، وانّما المرادُ به مخلوقاته، وذلك جائزٌ من وجهين: إمّا بأنْ يفعلَ فِعْلًا فيسمى إتيانًا. وإمّا أنّ تأتي الملائكة بآمْرهِ، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٤) بخَفْضِ الهاء وبرفعها، فَبِرَفْعِها يكونُ الفعْلُ المسمَّى إثباتًا مخصوصًا بالظُّلَلِ. وبكسرها يكون الفعلُ المسمَّى إثباتًا عامًّا فيه (٥). الآية الثّانية: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٦) قال علماؤنا (٧): المراد به مَنْ فَوْقَها، فإذا كان ظاهرًا في اللُّغة استعمال "في" بمعنى "فوق" وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٨) وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الآية (٩)، وقد أطلقَ المسلمونَ على (١٠) أنّ

стр. 1420

الله تعالى فَوْقَ خَلْقِهِ ومخلوقاته، كان حَمْلُه (١) على ذلك أوْلَى، وعليه يُتَأَوَّل أيضًا قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ الآية (٢)، أي: هو فوقَ الأرضِ وفوقَ السَّماء إلهٌ. وقيل: إنّه بمعنى معبود في الأرض ومعبودٌ في السَّمَاءِ. وقال الإمام أبو بكر بن فُورَك (٣): "اعلم أنّ قولنا: إنّه فوقها، يحتمل وجهين: أحدهما: أنّه يريد (٤) أنّه قاهرٌ لها مُسْتَوْلٍ عليها إثباتًا لإحَاطَةِ قُدْرَتِه بها، وشُمُولِ قَهْرِهِ لها، وكونها تحت تدبيرِه جارية على حسبِ عِلْمِهِ ومشيئتهِ. الوجه الثّاني: أنّ المراد به فوقها، على معنى أنّه متباين عنها (٥) بالصِّفَةِ والنَّعْتِ". قال الإمام: ويحتمل قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٦) أَنْ يُرادَ به مَنْ فيها من الملائكة والزّبانية وخَزَنَة جهنَّم المُوَكَّلِينَ بعذابِ المُجْرِمين، ولذلك قال: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٧). الآية الثّالثة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ الآية (٨)، وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (٩) قال علماؤنا: المراد به والّذين جاهدوا لنا وفي مَرْضَاتِنَا؛ وذلك أنّ "في" على ثمانية أَوْجُهٍ: تكون وعاءً، وتكون بمعنى "إلى"، وتكون بمعنى "مع"، وتكون بمعنى "عند"، وتكون بمعنى "عن"، وتكون بمعنى "على"، وتكون بمعنى "اللام" فيكون المراد به: والّذين جاهدوا فينا، أي عملوا لنا وفي ذَاتِنَا وأَخلَصُوا لَنَا.

стр. 1421

الآيةُ الرّابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) وقال: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢)، قال علماؤنا: معناه يؤذون ويحاربون أولياءه وعباده المخلصين (٣) المؤمنين، وكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (٤) معناه: آسَفُوا أولياءَنَا. الآبة الخامسة: قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٥) يريد: أصفياءَهُ والمُخْتَارِينَ من عباده، كما يقال: إنّ العلماء (٦) عند السُّلطان بالمكان الرّفيع والمنزلة العالية. ويجوز أنّ يكون أراد به الموضع الّذي لا حُكْمَ فيه لأحَدٍ إلَّا لله. ويجوز ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ بمعنى: في ملك (٧) ربِّك، كما تقول العرب: عندي من الخيل والمال كذا، يريد به: في مُلْكِي وفي قبضَتي (٨)، وذكر الملائكة بذلك لعُلُوِّ شأنهم. الآية السّادسة: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآية (٩)، وقوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ الآية (١٠). قال علماؤنا: المَعيَّةُ في كتاب الله تنطلقُ على أربعة عشر وجهاً، ولم يرد مولانا سبحانه أنّه معهم من حيثُ المُجَامَعَةُ والمُرَافَقَةُ، وإنّما أراد من حيثُ العلمُ والإحاطةُ والرِّعَايَةُ لهم. وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١١) معناه: بالنَّصْر والمَعُونةِ.

стр. 1422

الآية السابعة: قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) فإن الآية نزلت في نَفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ قَتَلُوا رجُلين من بني سُلَيْم بغير أَمْرِ اللهِ ورسوله، فأنزل اللهُ الآيةَ (٢). الآية الثامنة: قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٣) قال علماؤنا: لم يرد به قُرْبَ المُجالَسَة ولا المُلامَسَة، ولا من حيث المجاورةُ ولا الملاصقةُ والمراقبةُ، وإنّما أرادَ قُرْبَ الرَّأفَةِ لا قُرْبَ المسافَةِ والقُرْبُ ينطلقُ على خمسة عشر وجهًا، بيَّنَّاهَا في موضعها. وقال: المرادي (٤) في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٥) بالغَوْثِ والإحاطَةِ. الآية التّاسعة: قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٦) قال الإمام (٧): قال بعضُ المبتدعة: كيف يصعدُ الكلِمُ الطِّيِّبُ وهو عَرَضٌ؟ هذا لا يُتَصَوَّر!. قلنا: إنّ البارئ تعالى ضربَ بصُعودِ العملِ مثلًا بقوله؛ لأنّ موضِعَ الثَّواب فوق، وموضع العذاب أسفل، والصعودُ رِفْعَةٌ والنُّزُولُ هَوَانٌ، والكلامُ الطَّيِّبُ هو التَّوحيد، فيكون صعودُ الكَلِمِ الطَّيِّبُ إلى المكان الّذي أمرَ اللهُ تعالى الملائكة أنّ تضعَهُ بالصُّحُفِ إليه؛ لأنّ الكلم (٨) الطَّيِّب هو التّوحيد الصادق عن عقيدَةٍ طَيِّبَةٍ. وقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٩) قال علماؤنا: هو العملُ الموافِقُ للسُّنَّةِ. وقوله: ﴿يَرْفَعُهُ﴾ فإن قيل: إنّ الفاعلَ في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ مُضْمَرٌ يعود على الله، أي: هو الّذي يرفعُ العملَ الصالحَ كما أنّ إليه يصعدُ الكلم الطَّيِّب.

стр. 1423

قلنا: هذا كلامٌ صحيح، وهذان الوجهان صحيحان، فالأوَّلُ حقيقة أنّ الله هو الرّافع الحافظُ، والثّاني مجازٌ، ولكنه جائزٌ سائغٌ لُغَةً وشَرْعًا. الآية العاشرة: قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) الكلامُ (٢) في هذه الآية كالكلام فيما تقدَّم في قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ الآية (٣)، وإنّما المرادُ به: إلى طاعة الله ورسوله، وإليه الإشارة بقَوْل إبراهيم الخليل في قوله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (٤) ومعلومٌ أنّ الله سبحانه لم يكن حَالًّا في مدائن لُوط بالشّام، وإنّما أراد حيثُ أَمَرنِي رَبِّي، وحيث يُطَاعُ رَبِّي ويُعْبَد. الآية الحادية عشر: قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٥) أي بقُدْرَتِي، وكذلك قولُه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ الآية (٦)، أي: بقوة، وهي تشريفٌ لآدَمَ. كذلك قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ (٧) أضافَهُ إلى نفسه إضافةَ تشريفٍ وتخصيصٍ؛ لأنّ البارئ تعالى إذا أرادَ أنّ يشرِّفَ من مخلوقاته من (٨) شاءَ، أضافَه إلى نفسه إضافة التّخصيص. الآية الثّانية عشر: قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٩) قلنا: هذه الآية (١٠) نزلت على سَبَبِ آيةٍ أُخْرَى، وذلك أنّ البارئ تعالى لمّا أنزل هذه الآية ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (١١) قالت الملائكةُ: هلك أهل الأرض، وطمعتِ الملائكةُ في الخُلُودِ والبَقَاءِ وأنّهم لا يموتون،

стр. 1424

فأنزلَ اللهُ هذه الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (١) فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنَّ الملائكةَ من أهل السموات والأرض، وأنّهم يموتون، وأزال هذه الصِّفة من الملائكة والآدَميِّين؛ لأنّ من صِفَاتِهِ البقاء، فلا بقاءَ لأحدٍ من المخلوقين، وأمّا الجنّة فلا تبيد، وعرش ربِّنا لا يبيد؛ لأنّ العرشَ سقف الجنَّة (٢). الآية الثّالثة عشر: قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الآية (٣)، وقد بيَّنَّا أنّ القُرْبَ من البارئ على الوجه الّذي تَقَدَّمَ. والوريدُ عِرْقٌ خَالَطَ القلبَ، والبارىء تعالى أقرب إلى قلب المؤمنِ من ذلك العِرْق، ومصداقُه قولُه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ الآية (٤)، وقال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٥) اللّطيف عِلْمُهُ الخبيرُ بالسِّرِّ. الآية الرّابعة عشر: قولى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (٦) قلنا: لفظُ "أتى" ههنا إنّما هو فعل الله فعلًا في بُنْيَانِهِم سمَّاهُ إتْيَانًا، هذا معنى قوله: "أتى" معناه: هَدَّهُ اللهُ من قَوَاعِدِه. الآية الخامسة عشر: قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ الآية (٧) قالت المبتدعة: هذا يقتضي المقابلة، ولو كان قريبًا لكان يُرَى بعضه أو كلّه، وكان في جهةٍ محاذية (٨) مخصوصة. قال الإمام: وحُجَّتُهُم في ذلك باطلةٌ (٩)، وهو أنّ يقال لهم: إنّ المرئيَّ إنّما يكون مرئيًا بوجودِهِ ووجودِ رُؤْيَتِهِ. فإن قالوا: ما الفائدة في رؤيته مع وجوده ووجود العطاء والرِّضَا؟

стр. 1425

الجواب: أنّ في الرُّؤْيَةِ سبع فوائد: أحدها: إظهارُهُ. الثّانية: إدراك (١) الأُمْنِية. الثّالثة: كمال اللَّذَّة (٢) والعِزِّ. الرّابعة: زوالُ الشُّبْهَةِ. الخامسة: سُكونُ الروية (٣). السّادسة: ظهور قَدْرِ العبادة. السّابعة: بيانُ انقطاعِ المُعَايَنَةِ. التوجيه: على هذه المعاني احتجَّ العلماءُ عليها من القرآن العزيز، قالوا: لو لم يره المؤمن لما ظهر الفرق بين المؤمن المحبوب (٤) والكافر المحجوب. أمّا الثّانية، لَوْ لم يره المؤمن لما أدرك أُمْنِيته، كالّذين عبدوه لا رغبةً في الجنَّةِ ولا رَهْبَةً من النَّار، وإنّما عَبَدُوهُ لأنّه أهل العبادة. وأمّا الثّالثة: فعِنْدَ رَفْعِ الحجابِ تسكن روعة الأحباب، فإنّه لم يبقَ عليهم حسابٌ ولا عذاب. الرّابعة: إذا رآه العبدُ عَلِمَ أنّه يستحسن أكثر من ذلك، أعني أكثر ممّا عنده. الخامسة: أنّ الملوكَ إذا رفعوا الحجاب تركوا العتاب، ألَمْ تسمع إلى قوله في يوسف لما تَعَرَّفَ إلى إخوته، قال: ﴿عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (٥). وأمّا من السُّنَّةِ، فقولُه في الصّحيح: "إنكم سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ" (٦) وقوله: "ما منكم من أحدٍ إلَّا سيكلِّمُه اللهُ، ليس بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ" (٧)

стр. 1426

وسترون رَبَّكُم كفَاحًا كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيلَةَ البَدْر (١) وغير ذلك من الآثار الّتي لو سردناها لطَالَ المَقَال. فصل في مفترقات من الآيات ومجموع الوظائف من الأحاديث المُشْكِلَات وهي ثمانية أحاديث: الحديث الأوّل: وقع في "الصّحيح" (٢) لمسلم قوله: "إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، والشَّجَرَ والثَّرى على إصْبَعٍ، والخَلاَئِقَ على إصْبَعٍ، ثُمَّ يقولُ: أَنَا المَلِكُ". قال علماؤُنا: قد استقرَّ في عقائِدِ المسلمينَ أنَّ البارِىء تعالى مُنَّزَّةٌ عن الجَارِحَةِ؛ لأنّه إنّما يرادُ به القُدْرَة والاجْتِمَاع. وقال قوم: إنّ الإصبعَ هنا هي النِّعمة. وقال آخرون: إنّما أراد به أنّ اللهَ تعالى خَلَقَ السَّماوات والأَرَضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيَّامِ، ولم يدركه في ذلك لُغُوبٍ ولا نصبٍ، كما قال (٣). وقال آخرون: يحتملُ أنّ يريدَ بالإصبع بعض خَلْقِهِ. وهذا غير مُسْتَنكَرٍ في قُدْرَةِ اللهِ (٤). وقال آخرون (٥): قد يريد أنّ تكون المخلوقات (٦) اسم (٧) إصبع، فأخبر بخَلْقِ هذه الأشياء عليه (٨).

стр. 1427

قال الإمام: والغَرَضُ في هذا الحديث إبطال أنّ تكون للهِ جارحة لإحَالَةِ العَقلِ. حديث ثانٍ: قوله: "إنّ اللهَ يَطْوِي السَّماواتِ يَومَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُن بِيَدِهِ اليُمْنَى، ثمَّ يقولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الجَبَّارُ، أَينَ المُتكَبِّرُونَ، ثُمَّ يَطوِي الأرضَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يقولُ: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ المُتكَبِّرُونَ؟ " (١) قال الإمامُ: قد تقدَّمَ الكلام في اليَدَيْنِ واختلاف الأُصوليِّين في ذلك، وإنّهما بمعنى الصِّفَة لا بمَعْنَى الجارحة، وشرح قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) ولكن تُذْكَرُ ههنا بمَعْنَى اليمين والشِّمال. قلنا: قد استحالَ عليه إثبات يد (٣) الجارحة ووصفها باليمين والشِّمال، فلا بدّ من حَمْلِهِ على ما يجوز على اللهِ. وأمّا ذِكْرُ الشِّمال في هذا الحديث، فإنّه قَيَّدَهُ كذلك (٤) مسلم في "صحيحه" (٥)؛ وإنّما ذلك خَلْقٌ من خَلْقِ اللهِ يُسَمَّى يَمِينًا والآخر شِمَالًا، وهذا أَبْيَن وأَقْرَب إلى الخَلْقِ من أنّ يكون للهِ يمين أو شمالٌ جارحتَانِ، تعالى اللهُ عن ذلك. حديث ثالث: قوله ﵇: "إنّ اللهَ خَلَقَ الملائكة من شَعَرِ ذِرَاعَيْهِ" (٦). شرحه وتبيينه: قلنا: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ وليس بثابتٍ (٧)، ولكن له تأويلٌ عند علمائنا (٨)، وذلك

стр. 1428

أنّهم قالوا: الذِّراعانِ مَلَكٌ من ملائكة اللهِ وخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ سِوَى الملائكة. وأمّا قوله: "مِن شَعْرِ ذِراعَيْهِ" فإضافته إضافة ملكٍ، كما تقول سماءُ اللهِ وأرضُ اللهِ، وكذلك ذِرَاعَيْهِ. وقوله (١): "كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ" معناه: أنّ إحداهما لا تنقص عن الأخرى. قال الإمام: ولمِثْلِ هذا وأشباهه مِمَّا لا يجوز على الله صَرَّحَ أحمد بن حنبل في تأويل ثلاثة أحاديث فقط: أحداهما - قوله ﷺ : "الحَجَرُ الأسْوَدُ يمينُ الله في الأرْضِ" (٢). الثّاني - قولُه ﷺ : "إنِّي لأجِدُ نفسَ الرَّحمن مِنْ قِبَلِ اليَمِينِ" (٣). الثّالث - قولُه ﷺ : "قَلْبُ المُؤْمنِ بينَ إصْبعَيْنِ من أَصَابِعِ (٤) الرَّحمنِ". قال: هذا يستحيل على الله فينبغي أنّ يردّ إلى قانون للتّأويل، وكان أسلم له. حديثٌ رابعٌ: قوله: "يضحكُ اللهُ إلى رَجُلَيْنِ يقتلُ أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجَنَّة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثمّ يتوبُ اللهُ على القاتلِ فَيُقْتَلُ شَهِيدًا" (٥). شَرْحُهُ: معناه: يُظْهِر لَهُما أدلّة الكرامة وعلامات الرِّضَا، كما يفعل الضَّاحك منَّا لِمَا يُسَرُّ به (٦). حديث خامس: قوله: "عَجِبَ ربَّكُمْ مِن شَابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ" (٧).

стр. 1429

شرحه: معناه: فعل به من الكرَامةِ فحل المتعجِّب من فِعْلِهِ. حديث سادس: قوله ﷺ : "لا تَزالُ النَّارُ يُلْقَى فيها، حتَّى يضَعُ الجَبَّارُ فيها قَدَمَهُ" وفي بعض طُرُقِهِ: "حتّى يَضَعُ الجَبَّارُ فيها قَدَمَهُ، فتقولُ: قَطْ قَطْ" (١). شرحه: قال علماؤنا: معنى "قدمه" خَلْقٌ من خَلْقِهِ يُسَمَّى قَدَمًا، أضَافَهُ إضافَةَ الملك إلى نَفْسِهِ (٢)، كما يقال: سماؤُه وأرضه، وبيانُه في قَولِه: ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣). وقال آخر: معناه أنّ البارئ تعالى يَخلقُ خَلْقًا يُسَمَّى قَدَمًا يملأُ بهم جهنَّم. حديث سابع: قوله: "إذا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ، فإنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتهِ" (٤). شرحه: معناه: على صُورَةِ المَضْرُوبِ، فالهاءُ عائدةٌ على عَبْدِهِ (٥)، وغير ذلك من الأحاديث المُشْكِلَات، والتَّأويلُ عليها يطولُ. خاتمةٌ: واعلم أنّ الآي المتشابهة والأحاديث المشكلات امتحنَ اللهُ بها عبادَهُ على ما قدَّمناهُ في صدر الكلام (٦)، فلا يجوزُ لأحدِ أَنْ يتكلَّمَ بشكٍّ (٧)، ويكلِّف سامِعَهُ أنّ يردَّه

стр. 1430

إلى مثل تأويله؛ لأنّ هذا المتكلِّم ليس له تكليف العبادِ، وإنّما ذلك إلى الله والرَّسولِ. وقال أبو بكر بن باقي (١): الشَّرطُ في طَلَبِ عِلْمِ الكلامِ ثلاثة أشياء: أحدها: أنّ يطلبه للهَ تعالى لا لما سواه. الثّاني: أنّ يُحْسِنَ العبارةَ فيه ما استطاعَ. الثّالث: ألَّا يتكلَّم فيه إلّا مع أهله، واللهُ الموفّق للصَّوابِ. الحديث الخامس: مالك (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن محمّد بن إبراهيم بن الحَارِثِ التَّيمِيِّ؛ أنّ عائشةَ أُمَّ المؤمنينَ قالت: كنتُ نَائِمَةً إلى جَنْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصي ثنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ، ولم يدرك محمّد بن إبراهيم التَّيمِيّ عائشة ولا رَوَى عنها، وسَنَدُه من طريقِ عُبَيْدِ الله بن عمر، عن محمَّد بن يحيى بن حبَّانَ، عن الأَعْرَجِ، عن أبي هريرة، عن عائشة قالت: فَقَدْتُ رسولَ الله ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الفِرَاشِ (٣). الأصول (٤): قال علماؤنا: الرِّضَا هو تعلُّق الإرادة بالثَّوابِ، والسَّخطُ هو تعلُّق الإرادة بالعِقَابِ، والمُعَافَاةُ تعلُّق (٥) الإرادة بالسَّلاَمَةِ، والعُقُوبَةُ تَعَلُّق الإرادة بالعَذَابِ والمِحَنِ.

стр. 1431

وقال شيوخ الزُّهْد: تَرَقَّى (١) النّبيّ ﷺ في هذا الدُّعاء من مقامٍ إلى مقامٍ، حتّى انتهى إلى المقامِ الأَشْرَفِ، قال أوَّلًا: "أعوذُ برِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ". ثمّ قال: "وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ". ثمَّ نظرَ فهذا به لم يستطع في تلك الحالة أنّ يُحْصِي في تلك الحالة متعلّقات الصِّفات، فقال: "وَبِكَ مِنْكَ" فَرَدَّ الأَمْرَ إلى الذَّاتِ، فَنَقَلَهُ اللهُ أيضًا من مقامات الكرامات (٢) من منزلةٍ إلى أخرى، فقال: ﴿طه﴾ (٣) يا رجل. ثمّ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (٤) ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٥) يا من تزَمَّلَ بكسائه وتَدَثَّرَ به، قم إلى عبادةِ رَبِّكَ، على معنى المَلاَطَفَةِ في الخِطَاب، وكما قال النّبيّ ﷺ لعليّ بن أبي طالب: "قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ" (٦). ثم نَقَلَهُ إلى مرتبةٍ أُخْرَى أشرف منها فقال: ﴿يس﴾ (٧) أي يا سيِّد (٨). ولم يَثْبُت هذا بالنَّقْلِ، ولو ثبت هذا بالنَّقلِ لكان حَسَنًا. وقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٩) فأقسم بحياته، ثم زادَهُ تشريفًا فأَقْسَمَ بغُبَارِ خَيْلِهِ، فقال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (١٠). ومقاماته في الشَّرَفِ كثيرة (١١)، وهذا أنموذج منها، وقد حقَّقَنَا ذَلك وبيَّنَّاهُ في "الكتاب الكبير"، فَلْتُنْظَر هنالك. الحديث السّادس: مالكٌ (١٢)، عن زياد بن أبي زِيَاد، عن طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله بن كُريزٍ؛ أنَّ رسولَ

стр. 1432

الله ﷺ قال: "أَفْضَلُ الدُّعاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أنَا والنَّبِيُّون مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه". الإسناد: قال: روايةُ يحيى: "كُريز" بضمِّ الكاف، ولابن وَضَّاح بفتحها. وهذا حديثٌ تتعلَّقُ به علومٌ كثيرةٌ، وهي أنّ يقالَ: إنّ أفضلَ الأقوالِ: لا إله إلّا اللهُ. وإنْ كان النّاس قد اختلفوا في هذه المسألة، أَيّها أفضل، لا إله إلّا الله، أو الحمدُ لله ربِّ العالمين؟ وفيه مآخذ وطرق كثيرة: المأخذ الأوّل- نقول (١): إنّ قولَ لا إله إلّا اللهُ أفضلُ من قول الحمدُ للهِ، عند التَّفْصيل وعلى الجُمْلَةِ. وأمّا على الجملة، فإنّ قولَ "لا إله إلا الله" إخبارٌ عن البارئ بصفاته العُلَى وأسمائه الحُسْنَى وأَفْعَالِه وأحكامه وتدبيره وتقديره. وقول "الحمدُ للهِ" إخبارٌ عن اسم من أسماء اللهِ عند فِعلٍ من أفعاله، فصارت لا إله إلَّا اللهُ أفضل وأشرف مذكور وأعمر مقصود. وأمّا عند التّفصيلِ، فقول "لا إله إلا اللهُ" عند النَّظَرِ إلى المُنْعِمِ أفضل من "الحمد لله" عند النَّظَرِ إلى النِّعْمَةِ، فقول "الحمدُ للهِ" أفضل. وشرحُ هذه النّجوى وبيان قصّة هذه الفَتْوَى، يكون بِبَسْطٍ يتبيَّن فيه القِسْط (٢)، ولكِنا نُؤْثِر الإيجازَ لسرعة المجتاز، فنقول: من فهم المطالب للطّالب في أوّل ما افتتح به المسائل معرفة السّائل، فإنّها باب العِلْمِ الأكبر، فليس كلَّ من أجابَ يحسن السُّؤال، فإنّ قولَ القائلِ: كذا أفضل من كذا، لا يستحقّ عليه جوابًا في أكثر الأحوال مَهْمَا ذَكَرَهُ بهذا الإرسال، حتّى يفصِّل قولَه ويُحَصِّل محلَّه، وذلك كلّه يستدعي تقديم (٣) قواعد موثقة بمعاقد، وتأسيس أصول مضبوطة بعقول (٤)، حتّى ينفتحَ (٥) المنهج الأبلج ويتّضح المَقْصِد الأسدّ. والّذي نراهُ أبلغ في البيان، سرد إرسالٍ من

стр. 1433

القولِ ممّا يتعلَّق بغرْضِ المسألةِ. فيتعلَّق من فَضْل قول: "الحمد" ظواهر منها، مبيِّنًا أنّ اللهَ جعلَها فاتحة كتابه، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وآخر دَعْوَى أهل الجنّة، قال: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وأوّل قول الخَلْقِ عند النُّشور والبَعْثِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ (٣) ولأنّه مُقَدَّمٌ على دَلاَلَةِ التَّوحيد، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٤) وأيضًا فإئه مقدَّمٌ على التّوحيد الّذي قُرِنَ بذِكْر الأنبياء، قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (٥) ثمّ ذَكَرَ دَلالةَ التّوحيدِ. وأمّا من طريق الأثر (٦) فرُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنّه كان يقول إِذا قام من نومه: "الحمدُ للهِ رَبِّ العالمين"، ورُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال: "من قال: سُبْحَانَ اللهِ وَبحَمْدهِ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ." الحديث (٧). وروي عن سعيد بن جُبَيْر؛ أنّه قال: "أَوَّلُ ممّا يُدْعَى إِلى الجنَّةِ الّذين يحمدون اللهَ على كلِّ حالٍ" (٨). وأيضًا ما رُوِيَ عن رسول الله صلّى الله عليه أنّه قال: "مَنْ قالَ: سُبْحَانَ الله فَلَهُ عَشر حَسَنَاتٍ، ومن قال: لا إله إِلاّ اللهُ فلَهُ عِشْرُونَ حَسَنَة. ومن قال: الحمدُ لله فَلَهُ ثلاثون حَسَنَة" وعمدَتُهُم ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: إنّ الله اصْطَفَى منَ الكلامِ أَرْبَعًا: سبحانَ الله، والحمدُ لله، والله أكبر، ولا إله إلّا اللهُ، فمن قال: سبحان الله، كُتِبَت له عشرون حسنة، وحُطَّت عنه عشرون سَيِّئَة، ومن قال: اللهُ أكبر، فمثل ذلك، ومن قال لا إله إلَّا الله فمثل ذلك، ومن قال: الحمدُ لله ربِّ العالَمين من قبل نفسه،

стр. 1434

كتِبَتْ له ثلاثون حسنة، وحُطَّت عنه ثلاثون سَيِّئَة (١). ورُوِيَ عن كعب الأحبار؟ أنّه قال: اختارَ اللهُ الكلامَ، فأَحَبُّ الكلامِ إلى الله: لا إله إله اللهُ، واللهُ أكبر، وسبحان الله، والحمدُ لله. ومن قال: لا إله إلا الله فهي كلمةُ الإخلاص، كُتِبَتْ له عِشْرونَ حَسَنَة، ومُحِيَتْ عنه عشرون سيِّئَة. ومن قال سبحان الله، كُتِبَتْ له بِهَا عشرون حَسَنَة، ومحيت عنه عشرون سَيِّئَة. ومن قال: الحمدُ لله، فذلك ثناءُ الله، وثنَاؤُهُ الحَمدُ، ومن قال آخر كلامه: لا إله الاّ اللهُ دَخلَ الجنَّة (٢). وأيضًا: فإنه أحد دعائم الإسلام، قال النّبيُّ ﷺ "بُنيَ الإِسلامُ على خمسٍ: شهادة أنّ لا إله إلَّا اللهُ"، وذَكَرَ الحديث (٣)، فَتبَيَّنَ أنَّ قولَه: لا إله إلا اللهُ دعامة الإسلام، وقولُ الحمد لله من تَمَامِهِ، ولأنّ الكربَ يذهبُ بها. والدَّليلُ عليه أمران: ١ - أحدهما: أنّ النّبيَّ كان يدعو عند الكرب "لا إله إلا الله". ٢ - قالوا: ولأنّ عَمُود العَرْشِ يهتزُّ بها. ورُوِيَ في الأَثَرِ؛ أنّ العبدَ إذا قالَ: لا إله إلّا اللهُ اهتَزَّ عمود من نُورِ العَرْشِ. قالوا: وقد رُوِيَ في الأَثَرِ؛ أنّها اسمُ اللهِ الأَعْظَم، وليس هذا القول من الحَمْدِ للهِ. قالوا: ولأَنَّها دعوة ذِي النُّون ﵇، وقد قال النّبيُّ ﷺ : "لم يدع بها أَحَدٌ فَي شَيءٍ إِلاّ أسْتُجِيبَ لَهُ" (٤). قالوا: ولأَنَّها تُفْتَحُ لها أبواب الجَنَّةِ الثّمانية، كما رواه مسلم في كتاب الطّهارة (٥).

стр. 1435

القاعدةُ الثّانية في تنوّع (١) المعاني الّتي يقع عنها التَّعبير (٢) في التفضيل وهي على نوعين: أحدهما: الصِّفات الّتي لا تَتَعَدَّى الموصوفَ بها إلى غَيْرِهِ (٣)، كالطُول والقِصَرِ وما أشبه ذلك. الثّاني: ما يتعدَّاهُ إلى غيره، وأمَّهَاتُه ثلاثة: الأوّل: الثّوابُ. والثّاني: المصلحة (٤). أمَّا الثّوابُ، مثل أنّ يقال: أيها أفضل: الصّلاة أم الصَّدَقَة؟ ومثل قولك: أيّها أفضل: لا إله إلا الله، أو الحمد لله؟ فيحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أيّها أفضل في المَعْنَى. الثّاني: في كَثْرةِ الثَّواب. الثّالث: في عَدَدِ الحروف. فهذه ثلاثة عقود: العِقْدُ الأوّل: في المعنى المراد ولا ريبَ فيه في أنَّ المراد بـ: "لا إله إلَّا الله" أفضل من المراد بقولك: "الحمد لله" وأشرف قَدْرًا. والدّليل عليه: أنّها كلّها ذكر الله، وفي معنى قول "لا إله إلّا الله" من المعاني ذكر الله أكثر وأفضل من الّتي في قول "الحمدُ لله" وأشرف؛ لأنّ قولك: "لا إله إلا الله" جملة من نَفْيٍ وإِثبَاتٍ، ففيها نفي الشِّركِ للبارىء من كلِّ وَجْهٍ، وتنزيه الرَّبِّ، وفيها إثبات الألوهيّة.

стр. 1436

العِقْدُ الثّاني: القولُ في كَثْرةِ الثَّوابِ وله خمس طرق: الطريق الأوّل: أنّ فائدةَ "لا إله إلَّا اللهُ" تجديدُ الإيمانِ وَانْشِرَاحُهُ بالمعرفة. وفائدةَ "الحمدُ لله" استدامةُ النِّعَمِ، وشَتَّانَ بينَهُما. الطريقُ الثّاني: أنّ قولَ القائل: "الحمد لله" حَسَنَةٌ تُكْتَبُ في جُمْلَةِ الحَسَنَاتِ، وتضاعَفُ بتضعيفها، وتُقَابَل بالسَّيِّئَاتِ، وتُوضَع بالمَوَازِينِ. كما رُوِيَ أنّ الحمدَ لله تَمْلأُ، المَوَازِينَ، وقول "لا إله إلا الله" يراد بها حسنة ولا تقابل سَيِّئَة ولا تُوضَع في ميزانٍ. والدَّليلُ عليه: ما رُوِيَ عنِ النّبيَّ ﷺ أنّ نُوحًا قال لابنه: إِنِّي مُوصِيكَ بوَصِيَّةٍ: أُوصِيكَ باثْنتَيْنِ، وأَنْهَاكَ عن اثْنتَيْن، أمّا الاثنتان اللّتان أُوصِيكَ بهما فيستبشر (١) اللهُ بهِمَا وصالح خَلْقه، وهما يكثران الوُلُوج على الله، أُوصِيكَ بلا إله إلّا الله، فإنّ السّماوات والأرض لو كانتا حَلقة قصمتهما، ولو كَانَتَا في كَفَّةٍ وزنتهما. وأُوصيك بسُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، فإنّها صلاة الخَلْقِ وبِهَا يُرْزَقُونَ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه﴾ الآية (٢). وأمّا الاثنتان اللّتان أَنْهَاكَ عنهُمَا، فَيَحْتَجِبُ اللهُ منهُمَا وصَالِحَ خَلْقِهِ: الشِّرْكُ والكِبْرُ (٣). ويدلُّ على هذا أيضًا - أنّ "لا إله إلَّا اللهُ" أفضلُ -: قول موسى صلّى الله عليه: "كلُّ عِبَادِكَ يقولُ هذا، قال: قُلْ لا إله إلَّا اللهُ، ولا إله إلّا أنتَ، فلو أنّ السّموات السّبع وعامرهنّ والأَرْضِين السّبع في كَفَّةٍ ولا إله إلَّا اللهُ في كفَّةٍ، مالت بهنَّ لا إله إلَّا اللهُ" (٤). الطريق الثّالث: إنّ من لم يقل: "لا إله إلَّا اللهُ" في (٥) عمره فليس من الله في شيءٍ. ومن لم يقل: "الحمد لله" فلا حَرَجَ عليه، فلا معنى للتَّطْوِيلِ، والمسألةُ مُعَضِلَةٌ، وأكثر العلماء على أنّ "لا إله إلَّا الله" أفضل، لقوله ﷺ الله عليه: "أفضلُ

стр. 1437

ما قُلْتُهُ أَنَا والنَّبِيُّونَ من قَبْلِي: لا إله إلَّا اللهُ" الحديث (١). الحديث السّابع: حديث ابن عبّاس (٢)؛ أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه كان يعلِّمنا هذا الدُّعاء كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن، يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وأَعُوذُ بِكَ من عَذَابِ القَبْر، وأَعُوذُ بكَ من فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وأَعوذُ بكَ من فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ". الإسناد: الحديثُ صحيح مُتَّفَقٌ عليه (٣)، ويتعلّق به من الفوائد والشّرح ثلاث فوائد: الفائدةٌ الأُولى (٤): قوله: "اللَّهُمَّ إني أعوذُ بِكَ من عَذَابِ جَهَنَّم" وجهنَّمُ دارٌ أُعِدَّت للكافرينَ، كما أُعِدَّت الجنَّة للمتَّقِينَ، وخُلِقَت قبل السماوات والأرض. وقالت المبتدعة: إنّها لم تُخْلَق بعدُ، لأنّه لا فائدةَ في خَلْقِها قَبْلَ الحاجةِ إليها. قلنا: وما الّذي يلزمه أنّ يفعلَ لفائدةٍ مُعَجَّلَة أو مُؤَجَّلَة؟ اللهُ يفعلُ ما يشاء ويحكمُ ما يريد، فإنْ شاءَ أنّ يُعَرِّفَنَا وجْهَ الحِكْمَةِ فيما فعلَ فَبِفَضْلِهِ (٥)، وإنْ شاء أنّ يُبْقينا في حالةِ الجَهَالَةِ فبحقه (٦)، له الحُجَّة، ومنه الفضلُ والِمنَّة، ولو لم يكن من فائدتها إلَّا معاينة الملائكة والأنبياء ورؤية المؤمنين والكافرين لها (٧). وأمّا عذاب القبر، فقد تقدَّمَ الكلام عليه. الفائدةُ الثّانية (٨): فتنةُ المسيح الدَّجَالِ وأَمَّا الدّجالُ، فسيأتي بيانُه في "كتاب الجامع" إنْ شاءَ اللهُ. وأمّا المَسِيح، فهو بالميم المفتوحة والسِّين المكسورة المُخَفَّفَة وبالحاء المُهْمَلَة، ولا يقوله بالسِّينِ المشدَّدة إلَّا من شدَّ الجهل عليه رِبَاطه، ولا بقولها بالخاء

стр. 1438

المُعْجَمة إلّا من أَدْركَتْه عجمة الضّلالة. وبناء "م س ح" في كلام العرب على ثمانية معانٍ، يشتركُ فيها مسيحُ الهُدَى ومسيحُ الضَّلالَةِ في معانٍ، وينفردُ مسيحُ الهُدَى عن مسيحِ الضَّلالة بمعنى (١)، وينفردُ ايضًا مسيح الضَّلالةِ عن مسيح الهُدَى في ذلك بمعانٍ. فممّا ينفردُ به عيسى بن مريم أنّه كان يمسحُ على ذي العاهة فيبرأ، فعيل بمعنى فاعل. وأمّا ما انفود به مسيح الضَّلالة، فإنّه كان ممسوح إحدى العَيْنَيْنِ، فعيلٌ بمعنى مَفْعُول. وأمّا ما يشتركان فيه، فالدَّجَّالُ يَمْسَحُ الأرْضَ مِحْنَة، والمسيحُ بن مريم يَمْسَحُها مِنْحَةً. الفائدة الثّالثة (٢): قوله: "وَمِن فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ" أمّا المَحْيَا، فالمرادُ به ما يُفْتَنُ به المرءُ في الدُّنيا من الشَّهَوَاتِ. وأمّا فتنة الممات، ففتنةُ المُحْتَضَر عند هُبُوب الرِّياح (٣)، ونزغَات الوساوس (٤)، واجتهاد الشيطان في أنّ يقطعَ به في ذلك المقام عن قول "لا إله إلَّا الله"، وعند الموت عند إقبال المَلَكِ بالهول، إذ يقول له: مَنْ ربُّكَ إلى آخر الحديث (٥). الحديث الثّامن: مالكٌ (٦)، عن أبي الزُّبَيْر المَكِّيِّ، عن طَاوسٍ اليَمَانِيِّ، عن عبد الله بن عبّاس؛ أنّ رسولَ الله ﷺ كان إذا قام إلى الصّلاة من جَوْفِ اللَّيلِ يقولُ: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّماوَاتِ والأرضِ، ولَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قيّام (٧) السَّماوَاتِ والأرْضِ، وَلَكَ الحمدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّماوَاتِ والأرَضِ ... " الحديث إلى آخره. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ خَرَّجَهُ الأَيِمَّةُ: مسلم (٨) والبخاري (٩)، أمّا مسلم فذَكَرَ سبعة أنوار.

стр. 1439

توحيد: قوله: "أَنْتَ نُورُ السَّماوَاتِ والأرْضِ" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، وفيه للعلماء سبعة أقوال، بيَّنَّاهَا في موضعِهَا (٢). وقيل: هو الهادي؛ لأنّ الهُدَى نُورٌ. وقيل: معناه المُنَوِّر، وهذا صحيحٌ حقيقةً، فلقد نَوَّرَهَا، ويبعدُ لُغَةً. الفائدة الثّانية (٣): قوله: "أَنْتَ قَيَّامُ السَّماواتِ" فيه للعلماء ثلاثة أقوال وثلاث لغات: القَيُّومُ. والقَيَّامُ، وبه قرأ عمر بن الخطّاب، والقَيِّم في مُصْحَفِ ابن مسعود. والقَيُّوم، والقَائِمُ والقَيَّامُ، فهو الّذي يُدَبِّرُها (٤) ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ (٥) ويصرِّفُ هيئاتِها، ويُجْرِي ما قَدَّرَ من الأقواتِ، وهو الرَّبُّ الّذي يُرَتِّبُها ويَنْقُلُها من حالةٍ إلى حالةٍ، ويركِّب شيئًا منها على شيءٍ حتّى تنتظم أجزاؤها، وتستوي في الكمال أنواعُها، وتستمرّ على الإقامة (٦) دوامُها، وهو الحقُّ، أي الموجود الّذي ليس له أَوّل، ولا يكون له آخر. الفائدة الثّالثة (٧): قوله: "أنتَ الحَقُّ" أي: الّذي لا يجوزُ عليه كذبٌ. "ولقَاؤُهُ (٨) حَقٌّ" أي: لا بدَّ أنّ يكونَ. وقوله: " وَالجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ" أي: موجودتان. "والسَّاعَةُ حَقٌّ" وهي موضع اللِّقاء، أي قائمة موجودة، وكلُّ شيءٍ من ذلك حقٌّ، وأصدق كلمة قالها الشّاعر (٩):

стр. 1440

ألَّا كلِّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ باطِلُ ... وكلُّ نعيم لا محالةَ زَائِلُ وهي: الرّابعة والخامسة. الفائدة السّادسة (١): قوله: "لك أسْلَمْتُ" وهو متعدِّي سَلِمَ، وله معان كثيرة بيَّنَّاهَا في "النَّيِّرَيْنِ" وفي "الكتاب الكبير" ومعناه ههنا: نفيتُ ما سواكَ. وكذلك: "آمَنْتُ" متعدِّي آمن، ومعناه: على هذا: بك أخذتُ الأَمْنَ ورَجَوْتُه، وإلى هذا يرجعُ "صدقت" الّذي يظنُّ الناسُّ أنّه معنى "آمن"، نعم هو معناه بالمجاز (٢) في الدَّرجة الثّانية. وقال القاضي أبو الوليد الباجي (٣): "قولُه "وَبِكَ أسْلَمْتُ" معناه: انْقَدْتُ. وقوله: "وبِكَ آمَنْتُ" ظاهِرُهُ أنَّ الإيمانَ ليس (٤) بحقيقة الإسلام، وإنّما الإيمان التّصديق، وقد وهم فيه القاضي أبو بكر بن الطيِّب الباقلاني قال: الإيمان هو المَعْرِفَة باللهِ (٥)، والأوّلُ أَشهَر في كلامِ العَرَبِ، قال الله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٦) ". الفائدة السابعة (٧): قوله: "وعليكَ تَوَكَّلْتُ"، البارئ تعالى وكيل الخَلْقِ، أَلْفَوْا إليه بمقاليدِهِم، وتَخلَّوْا له عن آرائهم وأفعالهم، إلّا ما أَذِنَ لهم فيه من العملِ والسَّعيِ في تحصيل المنافع، فإنْ أَسقَطُوا ما أَذِنَ لهم فيه من ذلك فهو التَّفْوِيضُ. الفائدة الثامنة: قوله: "وإليهَ أَنَبْتُ" قال علماؤنا: الإنابةُ: الرُّجوعُ إلى الخير، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ (٨) أي: ارجعوا وعاودوا التَّوْبَة. وقيل: أنيبوا، أي أخلصوا لِلهِ وارْجِعُوا إليه.
следующие страницы →