← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

العِقْدُ الثّاني: القولُ في كَثْرةِ الثَّوابِ وله خمس طرق: الطريق الأوّل: أنّ فائدةَ "لا إله إلَّا اللهُ" تجديدُ الإيمانِ وَانْشِرَاحُهُ بالمعرفة. وفائدةَ "الحمدُ لله" استدامةُ النِّعَمِ، وشَتَّانَ بينَهُما. الطريقُ الثّاني: أنّ قولَ القائل: "الحمد لله" حَسَنَةٌ تُكْتَبُ في جُمْلَةِ الحَسَنَاتِ، وتضاعَفُ بتضعيفها، وتُقَابَل بالسَّيِّئَاتِ، وتُوضَع بالمَوَازِينِ. كما رُوِيَ أنّ الحمدَ لله تَمْلأُ، المَوَازِينَ، وقول "لا إله إلا الله" يراد بها حسنة ولا تقابل سَيِّئَة ولا تُوضَع في ميزانٍ. والدَّليلُ عليه: ما رُوِيَ عنِ النّبيَّ ﷺ أنّ نُوحًا قال لابنه: إِنِّي مُوصِيكَ بوَصِيَّةٍ: أُوصِيكَ باثْنتَيْنِ، وأَنْهَاكَ عن اثْنتَيْن، أمّا الاثنتان اللّتان أُوصِيكَ بهما فيستبشر (١) اللهُ بهِمَا وصالح خَلْقه، وهما يكثران الوُلُوج على الله، أُوصِيكَ بلا إله إلّا الله، فإنّ السّماوات والأرض لو كانتا حَلقة قصمتهما، ولو كَانَتَا في كَفَّةٍ وزنتهما. وأُوصيك بسُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، فإنّها صلاة الخَلْقِ وبِهَا يُرْزَقُونَ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه﴾ الآية (٢). وأمّا الاثنتان اللّتان أَنْهَاكَ عنهُمَا، فَيَحْتَجِبُ اللهُ منهُمَا وصَالِحَ خَلْقِهِ: الشِّرْكُ والكِبْرُ (٣). ويدلُّ على هذا أيضًا - أنّ "لا إله إلَّا اللهُ" أفضلُ -: قول موسى صلّى الله عليه: "كلُّ عِبَادِكَ يقولُ هذا، قال: قُلْ لا إله إلَّا اللهُ، ولا إله إلّا أنتَ، فلو أنّ السّموات السّبع وعامرهنّ والأَرْضِين السّبع في كَفَّةٍ ولا إله إلَّا اللهُ في كفَّةٍ، مالت بهنَّ لا إله إلَّا اللهُ" (٤). الطريق الثّالث: إنّ من لم يقل: "لا إله إلَّا اللهُ" في (٥) عمره فليس من الله في شيءٍ. ومن لم يقل: "الحمد لله" فلا حَرَجَ عليه، فلا معنى للتَّطْوِيلِ، والمسألةُ مُعَضِلَةٌ، وأكثر العلماء على أنّ "لا إله إلَّا الله" أفضل، لقوله ﷺ الله عليه: "أفضلُ

стр. 1437

ما قُلْتُهُ أَنَا والنَّبِيُّونَ من قَبْلِي: لا إله إلَّا اللهُ" الحديث (١). الحديث السّابع: حديث ابن عبّاس (٢)؛ أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه كان يعلِّمنا هذا الدُّعاء كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن، يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وأَعُوذُ بِكَ من عَذَابِ القَبْر، وأَعُوذُ بكَ من فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وأَعوذُ بكَ من فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ". الإسناد: الحديثُ صحيح مُتَّفَقٌ عليه (٣)، ويتعلّق به من الفوائد والشّرح ثلاث فوائد: الفائدةٌ الأُولى (٤): قوله: "اللَّهُمَّ إني أعوذُ بِكَ من عَذَابِ جَهَنَّم" وجهنَّمُ دارٌ أُعِدَّت للكافرينَ، كما أُعِدَّت الجنَّة للمتَّقِينَ، وخُلِقَت قبل السماوات والأرض. وقالت المبتدعة: إنّها لم تُخْلَق بعدُ، لأنّه لا فائدةَ في خَلْقِها قَبْلَ الحاجةِ إليها. قلنا: وما الّذي يلزمه أنّ يفعلَ لفائدةٍ مُعَجَّلَة أو مُؤَجَّلَة؟ اللهُ يفعلُ ما يشاء ويحكمُ ما يريد، فإنْ شاءَ أنّ يُعَرِّفَنَا وجْهَ الحِكْمَةِ فيما فعلَ فَبِفَضْلِهِ (٥)، وإنْ شاء أنّ يُبْقينا في حالةِ الجَهَالَةِ فبحقه (٦)، له الحُجَّة، ومنه الفضلُ والِمنَّة، ولو لم يكن من فائدتها إلَّا معاينة الملائكة والأنبياء ورؤية المؤمنين والكافرين لها (٧). وأمّا عذاب القبر، فقد تقدَّمَ الكلام عليه. الفائدةُ الثّانية (٨): فتنةُ المسيح الدَّجَالِ وأَمَّا الدّجالُ، فسيأتي بيانُه في "كتاب الجامع" إنْ شاءَ اللهُ. وأمّا المَسِيح، فهو بالميم المفتوحة والسِّين المكسورة المُخَفَّفَة وبالحاء المُهْمَلَة، ولا يقوله بالسِّينِ المشدَّدة إلَّا من شدَّ الجهل عليه رِبَاطه، ولا بقولها بالخاء

стр. 1438

المُعْجَمة إلّا من أَدْركَتْه عجمة الضّلالة. وبناء "م س ح" في كلام العرب على ثمانية معانٍ، يشتركُ فيها مسيحُ الهُدَى ومسيحُ الضَّلالَةِ في معانٍ، وينفردُ مسيحُ الهُدَى عن مسيحِ الضَّلالة بمعنى (١)، وينفردُ ايضًا مسيح الضَّلالةِ عن مسيح الهُدَى في ذلك بمعانٍ. فممّا ينفردُ به عيسى بن مريم أنّه كان يمسحُ على ذي العاهة فيبرأ، فعيل بمعنى فاعل. وأمّا ما انفود به مسيح الضَّلالة، فإنّه كان ممسوح إحدى العَيْنَيْنِ، فعيلٌ بمعنى مَفْعُول. وأمّا ما يشتركان فيه، فالدَّجَّالُ يَمْسَحُ الأرْضَ مِحْنَة، والمسيحُ بن مريم يَمْسَحُها مِنْحَةً. الفائدة الثّالثة (٢): قوله: "وَمِن فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ" أمّا المَحْيَا، فالمرادُ به ما يُفْتَنُ به المرءُ في الدُّنيا من الشَّهَوَاتِ. وأمّا فتنة الممات، ففتنةُ المُحْتَضَر عند هُبُوب الرِّياح (٣)، ونزغَات الوساوس (٤)، واجتهاد الشيطان في أنّ يقطعَ به في ذلك المقام عن قول "لا إله إلَّا الله"، وعند الموت عند إقبال المَلَكِ بالهول، إذ يقول له: مَنْ ربُّكَ إلى آخر الحديث (٥). الحديث الثّامن: مالكٌ (٦)، عن أبي الزُّبَيْر المَكِّيِّ، عن طَاوسٍ اليَمَانِيِّ، عن عبد الله بن عبّاس؛ أنّ رسولَ الله ﷺ كان إذا قام إلى الصّلاة من جَوْفِ اللَّيلِ يقولُ: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّماوَاتِ والأرضِ، ولَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قيّام (٧) السَّماوَاتِ والأرْضِ، وَلَكَ الحمدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّماوَاتِ والأرَضِ ... " الحديث إلى آخره. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ خَرَّجَهُ الأَيِمَّةُ: مسلم (٨) والبخاري (٩)، أمّا مسلم فذَكَرَ سبعة أنوار.

стр. 1439

توحيد: قوله: "أَنْتَ نُورُ السَّماوَاتِ والأرْضِ" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، وفيه للعلماء سبعة أقوال، بيَّنَّاهَا في موضعِهَا (٢). وقيل: هو الهادي؛ لأنّ الهُدَى نُورٌ. وقيل: معناه المُنَوِّر، وهذا صحيحٌ حقيقةً، فلقد نَوَّرَهَا، ويبعدُ لُغَةً. الفائدة الثّانية (٣): قوله: "أَنْتَ قَيَّامُ السَّماواتِ" فيه للعلماء ثلاثة أقوال وثلاث لغات: القَيُّومُ. والقَيَّامُ، وبه قرأ عمر بن الخطّاب، والقَيِّم في مُصْحَفِ ابن مسعود. والقَيُّوم، والقَائِمُ والقَيَّامُ، فهو الّذي يُدَبِّرُها (٤) ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ (٥) ويصرِّفُ هيئاتِها، ويُجْرِي ما قَدَّرَ من الأقواتِ، وهو الرَّبُّ الّذي يُرَتِّبُها ويَنْقُلُها من حالةٍ إلى حالةٍ، ويركِّب شيئًا منها على شيءٍ حتّى تنتظم أجزاؤها، وتستوي في الكمال أنواعُها، وتستمرّ على الإقامة (٦) دوامُها، وهو الحقُّ، أي الموجود الّذي ليس له أَوّل، ولا يكون له آخر. الفائدة الثّالثة (٧): قوله: "أنتَ الحَقُّ" أي: الّذي لا يجوزُ عليه كذبٌ. "ولقَاؤُهُ (٨) حَقٌّ" أي: لا بدَّ أنّ يكونَ. وقوله: " وَالجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ" أي: موجودتان. "والسَّاعَةُ حَقٌّ" وهي موضع اللِّقاء، أي قائمة موجودة، وكلُّ شيءٍ من ذلك حقٌّ، وأصدق كلمة قالها الشّاعر (٩):

стр. 1440

ألَّا كلِّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ باطِلُ ... وكلُّ نعيم لا محالةَ زَائِلُ وهي: الرّابعة والخامسة. الفائدة السّادسة (١): قوله: "لك أسْلَمْتُ" وهو متعدِّي سَلِمَ، وله معان كثيرة بيَّنَّاهَا في "النَّيِّرَيْنِ" وفي "الكتاب الكبير" ومعناه ههنا: نفيتُ ما سواكَ. وكذلك: "آمَنْتُ" متعدِّي آمن، ومعناه: على هذا: بك أخذتُ الأَمْنَ ورَجَوْتُه، وإلى هذا يرجعُ "صدقت" الّذي يظنُّ الناسُّ أنّه معنى "آمن"، نعم هو معناه بالمجاز (٢) في الدَّرجة الثّانية. وقال القاضي أبو الوليد الباجي (٣): "قولُه "وَبِكَ أسْلَمْتُ" معناه: انْقَدْتُ. وقوله: "وبِكَ آمَنْتُ" ظاهِرُهُ أنَّ الإيمانَ ليس (٤) بحقيقة الإسلام، وإنّما الإيمان التّصديق، وقد وهم فيه القاضي أبو بكر بن الطيِّب الباقلاني قال: الإيمان هو المَعْرِفَة باللهِ (٥)، والأوّلُ أَشهَر في كلامِ العَرَبِ، قال الله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٦) ". الفائدة السابعة (٧): قوله: "وعليكَ تَوَكَّلْتُ"، البارئ تعالى وكيل الخَلْقِ، أَلْفَوْا إليه بمقاليدِهِم، وتَخلَّوْا له عن آرائهم وأفعالهم، إلّا ما أَذِنَ لهم فيه من العملِ والسَّعيِ في تحصيل المنافع، فإنْ أَسقَطُوا ما أَذِنَ لهم فيه من ذلك فهو التَّفْوِيضُ. الفائدة الثامنة: قوله: "وإليهَ أَنَبْتُ" قال علماؤنا: الإنابةُ: الرُّجوعُ إلى الخير، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ (٨) أي: ارجعوا وعاودوا التَّوْبَة. وقيل: أنيبوا، أي أخلصوا لِلهِ وارْجِعُوا إليه.

стр. 1441

والرُّجوعُ (١) على قسمين: رجوعُ غافلٍ (٢)، كرجوع النّبيِّ ﷺ ، ورجوع تَارِكٍ، كرجوع الصَّحابة ومَنْ آمَنَ من الكُفّار، والعودةُ (*) بعد الغَفْلَةِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِنَابَةٌ. الفائدة التّاسعة (٣): قوله: "وَبِكَ خَاصَمْتُ" يريد: بما أتيتني من البُرْهَان احتججتُ. والخِصَامُ هو المُنَازَعَةُ في المَقَال بالحُجَّةِ. الفائدة العاشرة (٤): قوله: "وإلَيك حَاكَمْتُ" المحاكمةُ هي عرض الخِصَام على المُنَفِّذِ الأمرَ وخصيمه (٥)، وقد نَفذَ البارئ تعالى الحقّ (٦) بدليله، وأبانَهُ (٧) لأوليائه بهدايته، ولعظيم (٨) خَطَرِ هذا المقام وكَثْرَةِ ما يعرض فيه من تلاطم أمواج الشُّبَهِ في بحر الخِصَامِ، ما (٩) كانَ النّبىّ ﷺ يقول أوّل ما يستيقظ من النّوم: "اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّماواتِ والأَرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادةِ أنتَ تَحْكُمُ بين عبادِكَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الحَقِّ، فإنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ اِلَى صِرَاطٍ مستقيمٍ" (١٠). وقال البُوني (١١): "وإِلَيكَ حَاكَمْتُ" يريد (١٢) عند القتال، يقول اللهُمَّ أَنْزِلِ الحَقَّ، ويستَنْصِر.

стр. 1442

الفائدةُ الحادية عشرة (١): قوله: "فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ" فدعوةٌ أُجِيبَت في خَاصَّتِهِ، وإنَّا لنَرْجُوها لأَنْفُسِنَا بِبَرَكَةِ قُدْوَتهِ. الحديث التّاسع: مالك (٢)، عن عبد الله بن عبد الله بن عَتِيكٍ؛ أنّه قال: جاءَنَا عبدُ الله ابن عُمَرَ في بنِي معاويةَ، وهي قريةٌ من قُرَى الأَنْصَارِ، فقال (٣): هل تَدْرُونَ أَيْنَ صلَّى رَسولُ الله ﷺ مِنْ مَسْجِدِكُمْ هَذَا؟ فقلتُ له: نَعَمْ الحديث إلى آخره. الإسناد: قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ مشهورٌ، مُتَّفَقٌ على صِحَّتِهِ ومَتنِهِ (٤). الفوأئد المتعلِّقةُ بهذا الحديث: الفائدةُ الُأولى (٥): في هذا الحديث أنّ رسول الله ﷺ كان يَأْتِي قُرَى الأَنصار ويُصَلِّي في مساجِدِها ودُورِها، ليُتَبَرَّكَ بالصَّلاَةِ فيها بَعْدَهُ. الفائدةُ الثّانية (٦): فيه أنّهم كانوا يتحفَّظُونَ (٧) بأَفْعَالِهِ (٨). الفائدةُ الثّالثة (٩): أنّه دَعَا جَهرًا حتّى أَسْمَعَهُم دُعَاءَهُ.

стр. 1443

الفائدةُ الرّابعة (١): فيه أنّ كلَّ مسجد لا تعمل المطيّ (٢) إليه، ولا يتكلّف له كُلْفَة، فَلا بَأْس بإتيانه. ويكون (٣) عبد الله بن عمر أراد أنّ يُعَلِّم عبد الله بن جابر بن عَتِيك إنّ كان لا يعلم، أو رجاء أنّ تكون عنده زيادة فيأخذها منه. الفائدةُ الخامسة (٤): قوله: "أَلَّا يُظْهِرَ عَلَيهِمْ عَدُوًّا مِن غَيرِهِمْ" يريد على جميع أُمَّتِهِ؛ لأنّه قد يُظهِر عليهم في بعضِ المَوَاضِع. وكذلك قوله: "أَلَّا يُهْلِكَهُمْ (٥) بالسِّنِينَ" يريد أَلَّا يعمَّهُم بالهَلاَكِ والقَحْطِ. الفائدةُ السّادسة (٦): "ودَعَا أَلَّا يجعلَ بَأْسَهُم بَينَهُم، فَمُنِعَهَا" لما سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنّ سيكون. ومعنى دُعائِهِ بذلك: أنّه طَمعَ أنّ يكون يجاب (*) له فيهم، ومن هذا أعقبَ مالك (٧) بالحديث عن زَيد بن أَسلَم؛ أنّه كان يقول: مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو، إلّا كانَ بَيْنَ إِحْدَى ثَلاَثٍ: إِما أنّ يُسْتَجَابَ لَهُ، وإمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ، وإمَّا أنّ يُكَفَّرَ عَنْهُ. ومنه قولُه تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ﴾ (٨) إنّما ذلك خصوصٌ، وقد (٩) يستجيبُ اللهُ تعالى في الشَّيءِ الّذي يُدْعَى (١٠) فيه، وقد (١١) يصرفُه إلى غير ذلك من الادِّخار ودفع البلاء، يَدُلُّ على ذلك حديث سَهْل بن سَعْد السّاعديّ (١٢)؛ أنّه قال:

стр. 1444

"ساعَتَان تُفْتَحُ فِيهِما أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوتُهُ حَضْرَةُ النِّداءِ للصَّلاةِ (١)، والصَّفُّ في سبيل الله" يريد أنّ (٢) ثَمَّ من تُرَدُّ عليه (٣)، ومعنى (٤) الرّدّ منع (٥) الإجابة في الشَيء الّذي دعا فيه، وهو بينَ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ، وبَيْنَ أنّ يُدَّخَرَ لَهُ، وبين أَنْ يُكفّرَ عَنْهُ. الباب الثّالث العمل في الدُّعَاءِ ذكر مالك في هذا الباب سبعة أحاديث: الحديثُ الأَوَّل: مالك (٦)، عن عبد الله بن دِينَارٍ؛ أنّه قال: رَآنِي عبدُ اللهِ بن عُمَرَ وَأَنَا أَدْعُو وأُشِيرُ بِإصْبَعَيْنِ، إصْبَعٍ مِنْ كُلِّ يَدٍ، فَنَهِانِي. الأصول (٧): قوله: "أشِيرُ بإصْبَعَيْنِ من كُلِّ يَدِ فَنَهَانِي" إنّما نهاهُ أنّ يُشِيرَ بإصبَعَيْنِ؛ لأنّ الدُّعاءَ إنّما يكون بالْيَدِين وَبَسْطِهِمَا (٨) على معنى التَّضَرُّعُ والرَّغْبَة، أمّا الإشارة بالأُصبُع الواحدة؛ فإنّما ذلك على معنى التّوحيد. وقوله (٩): وقال بِيَدَيْهِ إلى (١٠) السَّمَاءِ قال يحيى بن يحيى ومحمد بن عيسى: يَرْفَعْهُما يَدْعُو لأَبَوَيْهِ. قال ابنُ القاسم: رفعهما إشارة بيديه، وقال: هكذا يرفع إلى فَوْق.

стр. 1445

"وقالَ بِيَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ" إشارة بيده، وسمَّاهُ قَوْلًا؛ لأنّ الكلامَ هو المعنى القائم بالنَّفْسِ، فتارةً يُعَبَّر عنه باللَّفْظِ، وتارةً بالإشَارَةِ وتارةً بالكتابَةِ، فسمَّى ذلك كلّه قولًا (١)؛ لأنّه عبارة عنه (٢). وإنّما نَهَاهُ لأجل مخالفة السُّنَّة؛ لأنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُشِيرَ بإصبع واحدٍ. ومن السُّنَّةِ أنّ يدعُوَ مبسوط الكَفَّيْن. والإشارة أيضًا بإصبعَيْن لا معنى لها؛ لأنّ قوله: يا الله (٣)، بإصبَعٍ واحدِ يشير إلى أنّ اللهَ واحدٌ. فإذا ثبت هذا، فالدُّعاءُ إلى فَوْق وَرَفْع اليدَينِ إلى فوق فيه لعلمائنا أربعة أقوال، يجوزُ اعتقاد الثّلاثة ويسقط الرّابع: أحدهما: أنّ يعتقدَ أنّ الدُّعاءَ الّذي يدعوهُ إنَّمَا هو إلى جِهَةٍ فيها الله، وهو جهة فَوْق، وهذا لا يجوزُ على البارئ. الثّاني: أنّ اللهَ جعلَ الرِّزقَ وجميعَ الأرزاقِ في السَّماءِ الدُّنيا، كالخزائن والمطر، والإنسان من جِبِلَّتِهِ وعادَتِهِ أنّ يَدْعو ويرفع يدَيْهِ إلى جهة الرِّزقِ. الثّالث: أنّ يعتقدَ أنّ الله تعالى رفيعٌ عظيمٌ، فيعتقدُهُ في أرفع رُتْبَةٍ ومَنْزِلَةٍ، فلذلك نزَّهَهُ عن جِهَةِ أسفَل، ويدعوهُ إلى جِهَةِ فَوْق. الرّابع: أنّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدُّعاءِ. فإن قيل: وكيف يكون هذَا والقِبْلَةُ مأخوذة من المُقَابَلَةِ وهو المحاذاة؟ قلنا: بل هو بمعنى الإقبال، وإنّما سُمِّيَت قِبْلَة لأنَّ اللهَ تعالى يتقَبَّل صلاةَ من صَلَّى إليها وتَوَجَّهَ نَحْوَها، كأنّها فِعْلَة، مِنْ قَبلَ قِبْلَةً وقَبُولًا، كما يقول: جَلَسَ يَجْلِسُ جلْسَةً وجُلُوسًا، وقَعَد يَقْعُدُ قِعْدَةً وقُعُودًا. الحديثُ الثّاني: مالك (٤)، عن يحيى بن سعيد؛ أنَّ سعيدَ بن المُسَيَّبِ كان يقولُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ. ورُوِيَ في معناه وأصّح منه وأَوْلَى، قول النّبيِّ ﷺ : "إذا ماتَ المرءُ، انْقَطَعَ

стр. 1446

عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلاثٍ" (١) فذكر أَوّلًا: "ولدًا صالحًا يَدْعُو لَهُ". وَرَوَى حمّاد بن سَلَمَة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ اللهَ ليرفعُ العبد الدَّرَجَة، فيقولُ: يا رَبّ، أنَّى لي هذه الدَّرَجَة؟ فَيَقُولُ: بِاستِغفَارِ ابْنِكَ لَكَ" (٢) حسنٌ صحيحٌ متَفَّقٌ عليه. وأمّا رفع الأيدي، فقد تقدَّمَ الكلام عليها. الحديث الثّالث: مالك (٣)، عن هشام بن عُرْوَة؛ أنّه قال: إنمّا أُنْزِلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ الآية (٤)، في الدُّعاء (٥). قال (٦) مالك (٧): أحسنُ ما سمعتُ في ذلك؛ أنّه عَنَى به أَلَّا يجهرَ بصلاتِهِ في القراءةِ في صلاة النَّهارِ؛ لأنّها عَجْمَاءُ، ولا يُخَافِت بقراءته في صلاةِ اللَّيلِ والصُّبح من النَّهار، إلَّا أنَّه يَجهَرُ فيها (٨). تنبيه على مقصد (٩): قال الإمامُ: قولُ مالكٍ (١٠): "نزلت هذه الآية في الدُّعاءِ" هذا من العِلْمِ الّذي نبَّهَ عليه مالك في معرض أسباب نُزُولِ الآيات، وليس كما قال عُرْوَة، إنّما نزلت هذه الآية؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ كان يُصَلِّي بمكَةَ ويَجْهَر، فإذا سمع المشركون قراءَته سَبَّوا القرآنَ ومَنْ أَنزَلَهُ ومَن جاءَ به، فنزلت الآية المذكورة، ثُمَّ نسخَ اللهُ ذلك بظُهورِ الإسلام (١١).

стр. 1447

مسألة (١): قوله (٢):"لا بأس بالدُّعاءِ في الصَّلاةِ المكتوبة" هو كما قال، ويدعو بما شاءَ من أَمْرِ دِيِنهِ ودُنياهُ، سواء كان ذلك من القرآن أو غيره. وقال أبو حنيفة (٣): لا يدعو في الصّلاة إلَّا بما كان من القرآن، فإن دَعَا بغير ذلك أَبْطَلَ صلاته. ودليلُنا: ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه كان إذا رفعَ رأسَهُ من الرَّكْعَة الأخيرة بقول: "اللَّهُم أنْجِ الوَليدَ بْنَ الوَلِيدِ وعيّاش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، اللَّهُمَّ أنْجِ المستضعفين في الأَرْضِ، اللَّهُمَّ اشدُدْ وَطأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَلَيْهِم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ" الحديث (٤). الحديث الرّابع: مالك (٥)؛ أنّه بلغه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَا مِنْ دَاعِ يدعو إلى هُدىً، إِلَّا كانَ له مثلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك من أُجُورِهِمْ شيئًا، وما مِنْ دَاعٍ يَدعُو إلى ضَلاَلَةٍ، إلَّا كان عليه مثلُ أوْزَارِهِمْ، لا يَنْقُصُ ذلك من أَوْزَارِهِم شيئًا". الإسناد (٦): قال الإمام: هذا حديثٌ بَلاَغٌ، وهو حديثٌ صحيحٌ السَّنَدِ (٧)، ثابتُ السَّبيلِ إلى رسول الله ﷺ ، قال: مَنْ سَنَّ سُنَّةَ حَسَنَةً في الإِسلامِ، كان له أَجْرُها وأَجْرُ من عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ، لا ينقصُ ذلك من أُجُورِهِمْ شيئًا، ومَن سَنَّ سُنَّةَ سَيِّئَةً في الإسلام، كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يومِ القِيَامَةِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أَؤزَارِهِمْ شيئًا" (٨).

стр. 1448

الأصول (١): فإن قيل: هذا الحديث مخالفٌ لظاهِرِ القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢). قلنا: بل (٣) هو موافق له، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ الآية (٤). ووجه الحكمة فيه والجمع بينه وبينه: أنّ كلَّ معصيةٍ اختصَّت بصاحِبِها ولم تتعَدَّهُ، فوِزْرُها مقصورٌ عليه، وكلّما تَعَدَّتْهُ فإنّه يتعدَّى، والتَّعَدِّي يكونُ بوجهين: يكون بالفعل نَفْسِهِ، ويكون بتعليم الجاهل وتنبيه الغافل. والتعليم من أعظم أنواع التَّعدِّي، وقد قال النّبيّ ﷺ :"مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ إلَّا وعَلَى ابنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ منها" لأنّه أوَّل من سَنَّ القَتلَ (٥). ويشهدُ له قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية (٦)، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ الآية (٧). الحديث الخامس: مالك (٨)؛ أنّه بَلَغَهُ أنّ أبا الدَّرْدَاءِ كان يقومُ من جَوفِ اللَّيْلِ، فيقول: نَامَتِ العُيُونُ، وغَارَتِ النُّجُومُ، وأَنْتَ الحَيُّ القَيُّومُ. الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي خمس فوائد: الفائدةُ الأولى: قوله: "كان يقومُ من جَوفِ اللَّيْلِ" يريدُ للتَّهَجُّدِ وذِكْرِ اللهِ تعالى، فكان يشعر نفسه بهذا النَّظَر في صفاته الّتي يختصُّ بها، وأنّه منفردٌ بها دونَ غَيْرِه ممَّن توجد فيه صفات الحدوث، وذلك أنّ عيون الخَلْقِ في ذلك الوقت نائمةٌ، والنُّجومَ الّتي كانت

стр. 1449

طالعة غائرة، والنّوم في العيون، والغَوْر في النَّجُومِ دليلٌ على الحُدوثِ، وبذلك استدلَّ إبراهيم الخليل ﵇ على حدوثِ الكواكب، فقال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (١). وكذلك ينبغي لجميع المُتَعَبِّدِينَ إذا قاموا إلى أورادهم أنّ يَقْتَدُوا بفِعَال الأنبياء، والصّحابة والتّابعين. وللنَّومِ والقِيَامِ لصلاةِ اللَّيل آدابٌ كثيرةٌ: فمنها: أنّ يبيت على طهارةٍ، وإعداد السَّواكِ عند رأسه، وإعداد الطَّهُور. ويَنْوِي القيام للعبادة عند التَّيَقُّظ، وكلّما انْتَبَه اسْتَاكَ، كما فعل بعض السَّلَف، رُويَ عن رسولِ الله ﷺ أنّه كان يَسْتَاكُ في اللَّيْلِ مِرَارًا عند كلِّ نَوْمٍ وعِنْدَ انْتِبَاهِهِ (٢). ومنها: أنّ يكتب وَصيَّته خوف موت الفَجْأةِ. ومنها: أنّ ينامَ تَائبًا من كلِّ ذنبٍ، سليمَ القلبِ لجميع المسلمين، قال ﷺ : "مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وهو يَنوِي أَلَّا يظلم أحدًا، ولا يحقد على أحدٍ، غفرَ اللهُ له ما اجترمَ" (٣). ومنها: أَلَّا يتنعَّمَ بتمهيد الفُرُش (٤) النّاعمة، بل يترك ذلك، وكان بعضُ السَّلَفِ يتركُ التَّمْهِيدَ ويَرَى ذلك تَكَلُّفًا للنَّومِ، وكان أهل الصُّفَّةِ لا يجعلون بينهم وبين الأرض حاجِزًا. ويجتهد (٥) أنّ يكون الغالب عليه الذِّكر والتَّفَكُر، كما فعل أبو الدَّرْدَاء؛ يقول: "نَامَتِ العُيُونُ، وَغَارَتِ النُّجُومُ " في هذا الحديث. الفائدةُ الثّانية (٦): كان أبو الدَّرْدَاء يقول: "نَامَتِ العُيُونُ، وغَارَتِ النُّجُومُ، وأَنتَ الحَيُّ القَيُّومُ" وذلك أنّ اللهَ تعالى أَذِنَ في الدُّعَاءِ، وعَلَّمَ الدُّعَاءَ في كتابه لخَلِيقَتِهِ، وعَلَّمَ النّبيُّ ﷺ

стр. 1450

الدُّعَاءَ لأُمَّتِهِ. واجتمعت فيه ثلاثة اشياء: العِلْمُ بالتَّوحِيدِ، والعِلمُ بالقُدرَة" (١)، والنّصيحة لأُمَّتِهِ، فلا ينبغي لأحدٍ أنّ يَعدِلَ عن دُعائه، وقد اختالَ الشّيطانُ النَّاسَ في هذا المقام، فَقَيَّضَ له قوم سوءٍ يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقْتِدَاءِ بالنَّبيِّ ﷺ ، وأشدّ ما في الحال أنَّهم نَسَبُوهَا إلى الأنبياء، فيقولون: دعاءُ آدم، دعاءُ نوح، دعاءُ إدريس، دعاءُ يُونُس، دعاءُ أبي بكرٍ الصِّديق، فاتَّقُوا اللهَ في أَنْفُسِكُم، ولا تشتغلوا من الحديثِ بشيءٍ إلَّا بالصَّحيحِ منه. الفائدةُ الثّالثة (٢): في إدخال مالك هذا الحديث عن أبي الدَّرْدَاء ههنا؛ أنّ الدُّعاءَ وإن كان الأفضل فيه التَّيَمُّن (٣) بدعاء (٤) الأنبياء ﵈ بما روي عن رسول الله ﷺ ، والتَّبَرُّك بألفاظِهِ الفَصِيحة، فإنّه يجوزُ لكلِّ أحدٍ من العلماء أنّ يدعو بما شاءَ من غير المَأْثُورِ، ولكن لا يخرج عن التّوحيد. ألَّا ترى إلى قول أبي الدَّرْدَاء: "نَامَتِ العُيُونُ" وصَدَقَ. "وغَارَتِ النُّجُومُ، وأنت الحيُّ القَيُّومُ" وَصَدَقَ؛ لأنّه هو الحيُّ على الحقيقة، وهو الّذي لا ينام، والقيوم هو الّذي لا يحولُ ولا يزولُ. وقال أبو الوليد الباجي (٥): "الحيُّ القَيُّومُ" يريد أنّه مع كونه حيًّا لا يجوز عليه النّوم، وهو مع ذلك قَيُّومٌ لا تجوز عليه الأحوال (٦) ولا التَّغَيُّر ولا العَدَم" وهذا من الفصاحة البالغة في الدُّعاءِ. تنبيه: فإن قيل: قد كرهَ قومٌ من العلماء السجْع في الدُّعاء، لِما رُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال: "إياكُم والسَّجْع في الدُّعاءِ حسب أحدكم أنّ يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أسألك الجَنَّة وما قَرَّبَ إليها من قولٍ وعَمَلٍ، وأعوذُ بِكَ من النَّارِ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ وعَمَلٍ" (٧).

стр. 1451

وقال (١) بعضهم: ادْعُ بلسان الذِّلَّةِ والاِفْتِقَارِ، لا بلسانِ الفَصَاحَةِ والانطلاقِ. ويقال: إنّ العلماء والأبدال (٢) لا يؤيد أحدهم في الدُّعاء على سبعِ كلماتٍ فما دونَها. الجواب عنه - قلنا: قد بيَّنَّا قبلَ هذا أنّه يجوز لكلِّ أحدٍ من العلماء وأهل المعرفة بالدُّعاء أنّ يدعو بما شاءَ من الأدعيةِ غير المأثورة، ولمن لا يخرج عن التَّوحيدِ والتَّنزيهِ للهِ تعالى، فهذا كان الدُّعاءُ موافقًا للقرآن والحديثِ والتَّنزِيهِ عما ينبغي، فإنّه يدعو به وإنْ لم يكن ماثورًا. الفائدةُ الرّابعة (٣): في أدعية النّبيّ ﷺ المطلقة في هذا المعنى، ثم أدعية الصّحابة، ثم أدعية التّابعين قوله (٤): "اللَّهُمَّ إنِّي (٥) أسْتَخِيرُكَ" معناه "اسْتَفعَلَ" (٦) يُسْتَعمل في لسان العرب ويأتي على معان: منها سؤال الفعل، فتقدير الكلام: أطلب منك الخَيْرَ والخِيْرَة فيما هممتُ به. والخيرُ هو كلُّ فعْلِ سألَهُ العبدُ من اللهِ. وقوله (٧): "وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدرَتِكَ" معناه: أسأَلُكَ هِبَةَ الخَيْرِ والقُدْرَةِ، وهذا دليلٌ على أَنَّ العبدَ لا يكون قادرًا إلَّا مع الفِعْلِ، لا قبلَهُ (٨) كما تقولُه (٩) القَدَرِيَّة؛ لأنَّ البارئ تعالى هو خالق العِلْمِ والكَسْب للعبد والقدرة عليه (١٠)، والفعلُ مع القدرة، وذلك كلّه موجودٌ بقُدْرَةِ اللهِ. وقوله (١١): "وَأَسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ" كلُّ عَطَاءِ اللهِ فضلٌ، فإنّه ليس لأحدٍ عليه حقّ

стр. 1452

في نِعمَةٍ ولا في شيءٍ، فكلُّ ما يَهَبُ هو زيادة مُبْتَدَأَةٌ من عنده لم يقابلها عِوَضٌ منَّا فيما مَضَى، ولا يقابِلُها فيما يُسْتَقْبَل، فإن وفقّ للشُّكر والحَمْدِ فهو نِعْمَةٌ منه، وفَضْلٌ يفتقرُ أيضًا إلى حمدٍ وشُكْرٍ، هكذا إلى غير غايةٍ، خلاف ما تعتقده المبتدعة الّتي تقول: إنّه واجبٌ على الله أنّ يبتدى العبدَ بالنِّعمَةِ، وقد خَلَقَ الله له القُدْرَة وهي باقيةٌ، فيه دائمةٌ له أبدًا، تعالى الله عن ذلك. وقوله: "فَإنَّكَ تَقدِرُ وَلاَ أَقدِرْ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمْ" هذا تصريحٌ بعقد (١) أهل السُّنَّةِ، فإنّه نَفَى العِلْمَ عن العَبْدِ والقُدْرَة وهما موجودان، وذلك تنَاقُضٌ في بادئ الرَّأْيِ، والحقُّ والحقيقةُ فيه الاعتراف بأنّ العلمَ للهِ، والقُدْرَةَ للهِ، ليس للعبد من ذلك كلِّه شيءٌ، إلَّا ما خَلَقَ اللهُ له يقول: "فَأَنْتَ يَارَبِّ تَقْدِرْ وَلاَ أَقْدِرْ" معناه: تَقْدِر قبلَ أنّ تخلقني، وتقدر مع خَلْقِ القُدْرَةِ وبعد ذلك، وأنا على الحقيقةِ في الأَحْوالِ كلِّها مصرّفٌ لك، ومحلٌ لمقدوراتك (٢)، وكذلك في العلم. قوله: "وَأَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ" المعنى: أنا أطلب أمرًا مستَأْنَفًا لا يعلمه إلَّا أنت، فَهَب لي منه ما ترى أنّه خيرٌ لي في دِينِي ومَعَاشِي وعاجل أَمْرِي وآجله. والخيرُ (٣) أربعة أقسام: الأوّل: يرى أنّه خيرٌ، يكون للعبد في دينه، ولا يكون له في دُنْيَاهُ، وهذا المقصودُ للأَبْدَالِ، ولكن ليس للخَلْقِ عليه صبرٌ في العُمُومِ. الثّاني: أنّ يكون له خيرٌ في دنياه خاصَة، ولا يعترض عليه في دِيِنهِ، فذلك حَظٌّ حقير. الثّالث: أنّ يكون خيرٌ في العاجل، وقد (٤) يحتمل في الدُّنيا، ويحتمل في الابتداء، أو يكون في الآخرة. الرّابع: أنّ يكون له في الانتهاء خير، وذلك أَوْلاَهُ وأفضله، ويكون إذا جمعت كلها خير (٥)، وكل فعل للهِ خير.

стр. 1453

الفائدةُ الخامسة: في سرد أدعية الصّحابة وقع في "كتاب مسلم " أنّ الصَّحابةَ -رضوان الله عليهم- روتْ عنه ﷺ أنّه كان يقول إذا أَصْبَحَ: "أَصْبَحْنَا وأَصْبَحُ المُلكُ لِلَّهِ، والكبرياء، والعَظَمَة، والخَلْق، والأَمْر، والنَّهْي، واللّيل، والنّهار، وما سكن فيهما، لِرَبِّ العالَمِينَ، لا شريك له، اللهُم اجْعَل أوَّل هذا النّهار صلاحًا، وأوسطه فَلَاحًا وآخِره نَجَاحًا، اللَّهُمَّ إنِّي أسأَلُكَ خير الدُّنيا وخير الآخرة، يا أرحم الرّاحمين" (١). ومن الأَدْعِيَةِ المأثورة؛ ما رُوِيَ عنه ﷺ ؛ أنَّه كان يقول: "اللَّهُمَّ بارِكْ لي في دِيِني الّذي هو عِصْمَةُ أَمْرِي، وفي دُنْيَايَ الّتي فيها مَعَاشِي، وفي آخِرَتي الّتي فيها بلاغي، واجعَل حَيَاتِي زِيَادَةً في كلّ خَيْرٍ، واجْعَلِ المَوْتَ رَاحَتِي من كلِّ شَرٍّ" (٢). ومن الأَدْعِيَةِ المأثورة عنه ﷺ ؛ أنَّه كان يقول: "اللَّهُمَّ إنِّي أسأَلُكَ الثَّبَاتَ (٣) في الأَمْرِ، والعزيمةَ في الرُّشْدِ، وأسألكَ شُكرَ نِعْمَتكَ، وأسألكَ حُسْنَ عِبادَتِكَ، وأسأَلُكَ قَلبًا سليمًا، ولسَانًا صادقًا، وأَسأَلُكَ من خيرِ ما تعلَمُ، وأعوذُ بك من شَرِّ ما تَعْلَم، وأستغفرُكَ ممّا تعلمُ أنَّكَ أنتَ عَلَّامُ الغيُوبِ" (٤). ومن الأدعية المأثورة عنه ﷺ ؛ أنَّه كان لا يقوم من مجلسه إلَّا دعا بهذا الدُّعاء: "اللَّهم اقسِمْ لنا من خَشْيَتِكَ ما تَحُولُ به بَينَنَا وبينَ مَعَاصِيكَ، ومِنْ طَاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتك (٥)، ومنَ اليَقِينِ ما تُهَوِّنُ به علينا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، ومتِّعْنَا بأسماعِنَا وأبصارِنَا، واجْعَلْ ذلك الوَارِثَ مِنَّا، وانْصُرْنَا على مَنْ عَادَانَا وظَلَمَنَا، ولا تجعل مُصِيبَتَنَا في دِيِننَا، ولا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولا تُسَلِّطْ علينا من لا يَرْحَمُنَا، يا أرحم الراحمين" (٦).

стр. 1454

دعاء الصدّيق: ومن المأثور، ما كان يدعو به أبو بكر الصدّيق: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ زَمَانِي آخِرَهُ، وخَيْرَ عَمَلِي خَوَاتِمَهُ، وخَيْر أيَّامِي يومَ لِقَائِكَ" (١). دعاء الفاروق عمر بن الخطّاب: وممّا كان يدعو به: "اللَّهُمَّ لا تَدَعْنِي في غَمْرَةٍ، ولا تأخذني على غِرَّةِ، ولا تَجْعَلْنِي من الغَافِلِينَ" (٢). دعاء ابن مسعود: رُوِيَ عنه أنّه كان يقول: "اللَّهُمَّ وسِّع عليَّ في الدُّنيا، وزَهِّدنِي فيها، ولا تُزْوِهَا عتي، ولا ترغبني فيها" (*). وممّا كان يَدْعُو به ابن عمر: "اللَهمّ اجعلني من أَيمِّةِ المتقين اقتداءً بالقرآن (٣)، حيث يقول: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ " (٤). أدعية التّابعين: كانوا يقولون: "الدُعاءُ سلاحُ المُومِن" (٥) وهو رحمة من الله تعالى فتحها على عباده وأمرهم به فقال: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٦) وقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٧). وينبغي للدَّاعي إذا دَعَا أنّ يَتَخَشَّع، وأن يتواضع ويتمسكن، ويُخلص لله النِّيّة في دعائه، ويُقْبِل بقَلْبِه على ما يدعو به، قوله ﷺ : "ادْعُوا اللهَ وأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بالإِجابَةِ" (٨).

стр. 1455

ومما كان يدعو به عامر بن قيس: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من أنّ تؤدبني بعُقُوبَتِكَ، اللَّهُمَّ لا تجعلني عِبْرَة لِغَيرِي، وأعوذُ بك أنّ أفرَّ إلى معصيَتِّكَ لضرٍّ ينزل بي، اللهم إِنِّي أستغفرُكَ من العمل الّذي عملته رغبةً، إنِّي أريد به وجهك خالصًا (١). وممّا كان يدعو به الأوزاعي إذا غدا إلى المسجد، يقول: اللَّهُمَّ غَدَتِ الطَّيرُ والوحوشُ إلى أرزاقها، وغَدَوتُ إليك رَبِّي لتغفر لي، فاغْفِز لي ما خَلَا من ذَنْبِي وما غَيَرَ. وممّا كان يدعو به عطاء السُّلَمى: اللَّهُمَّ ارحم غُرْبَتِي في الدُّنيا، ومَصْرَعِي عند الموت، وَوَحْدَتِى في القبر، ومقامي بين يَدَيْك (٢). وإحصاء أدعيتهم أكثر مِمّا يأتي أحدٌ (٣) على إحصائها. تنبيهٌ على مقصدٍ: قال قوم من المتصوِّفَة: لا ينبغي لأحدٍ أنّ يدعو اللهَ تعالى إلَّا بأسمائه وصفاته، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤)، وفي الحديث الصّحيح؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ للهِ تعالَى تِسْعَةٌ وَتسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ" (٥) فإذا أحصاها العبدُ دَعَا بأيِّ اسمٍ شاءَ منها استُجِيبَ لَهُ؛ لأنّه من أهل الجَنَّة؛ إذا قال: يا غَفُور اغْفِرْ لي، يا فتّاح افْتَح لي، يا تَوّاب تُبْ عَلَيَّ، ويَدعُو بكلِّ اسمٍ على ما يريد أنّ يُسْتَجَابَ له. قلنا: هذا لا يكون من كلِّ النَّاسِ، ولا يكون هذا إلَّا مِن عارِفٍ بالله تعالى. وإنَّ العلماءَ أيضًا قدِ اختلفوا في معنى الإحصاء (٦)، وفي تَعْيِينِ هذه الأسماء الّتي إذا دُعِيَ بها أجابَ، فلا بُدَّ من معرفة الإحصاء والتَّعيينِ. أمّا الإحصاء ففيه لغتان:

стр. 1456

الأوّل: أحصأها - مهموز اللّام (١)، ومعناه: علم عدّتها (٢) مستوفاةً كاملةً. الثّاني: أحصأها - غير مهموز -، وفيه خمس تاويلات: الأوّل: عَدَّدَهَا. الثّاني: أطاقها وعَمِلَ بها (٣). الثّالث: عَلِمَها، من الحصاة وهي العقل، قال طرفة (٤): وأنَّ لِسَانَ المَرءِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ... حَصَاةٌ علَى عَوْرَاتِهِ لَدَلِيلُ الرّابع: هو أنّ يقرأ جميع القرآن حتَّى يَخْتِمه، فإنّه مشتملٌ عليها قَطْعًا، ولذلك عَدَدْنَاهَا قرآنيةً لنستوفي جميعها (٥). الخامس: حفظها كما رُوِي: "لا يحفَظُها عبدٌ مسلمٌ إلَّا دَخَلَ الجَنَّة" (٦). واخْتُلِفَ في معنى هذا: فقيل - معناه: حفظها بالاعتقاد الحَسَنِ والعَمَلِ الصّالح. وقيل - المراد به: من عَلِمَها وكان عالِمًا بِعَدَدِها. وقيل - المراد به: من علمها مُفَصَّلَة. قال الإمام: والصّحيحُ عندي أنّ المراد به: مَنْ علمها وكان عالِمًا عادًّا، وكلُّ عادٍّ (٧) عاملٌ، فتكمُلُ له الفائدةُ، أو غير عامل فتنقص. هذا كلامُ النَّاس في الاحصاءِ. وأمّا التّعيين ففيه اختلاف كثير (٨): فقال الأستاذ

стр. 1457

أبو إسحاق الإسفراييني: من أحصاها على هذا العلم والتّعيين دخلَ الجنَّة، وذلك أنّ من اسمائه تعالى ثمانية وعشرون اسمًا من أسماء ذَاتِهِ، والاسم والمُسَمَّى فيه واحدٌ وهو الله، المَلِك، القُدُّوس، السّلام، المُؤْمن، المُهَيْمِنُ، العزيز، الجبَّار، المتكَبِّر، العظيم، الجليل، العليّ، الحقّ، المجيد، القَيُّوم، المَاجِد، الواجدُ، الصَّمَد، الأوَّل، الآخِرُ، الظّاهِرُ، الباطنُ، المُتَعَالِي، ذو الجَلاَلِ والإكرامِ، الغَنِيُّ، النُّور. ومنها ثمانية وعشرون اسمًا من أسماء صفات ذاتِهِ راجعة إلى الحياة، والعلم، والقُدْرَة، والإرادة، والسَّمع، والبَصَرِ، والكلام، والبَقَاءِ، فهذا لا يُقَالُ فيه: الاسم هو المُسَمَّى ولا غير المُسَمَّى، وإنّما يقالُ: هي صفاتٌ قائمةٌ بذاتِ البارئ تعالى، منها سَبعُ أسماء (١) للعلم، وعشرة للإرادة، وأربعة للقُدْرَة، وواحد للحَيَاةِ، وثنتان للسَّمع والبصر، وواحد للكلام، وثلاثة للبقاء، وذلك إنا نقول: العليمُ، الخبيرُ، الحكيم، الشّهيد، المُحصِي، المُحيط، القَهّار، الواحد، الرّحمان، الرّحيم، الغَفار، الحَلِيمُ، الغَفُور (٢)، الكريمُ، الوَدُود الرَّؤوف، الصَّبور، القاهر، القَويُّ، القادر، المُقْتَدِرُ، الحيُّ السّميعُ، البصيرُ، الشَّكورُ، الرَّقيبُ بالعِلْمِ والسَّمْعِ والبَصَرِ، الوارث. ومنها ثلاثة وأربعون اسمًا من صفاتِ الفعلِ، والاسم غير المسمى؛ لأنّ الاسم هو الخَلق، والمُسَمَّى هو الخَالِق، والخَلْق غير الخالِق، وذلك مثل: الخَالق، البارئ، المُصَوِّر، الوهّاب، الرَّزَّاق، الفتَّاح، القابض، الباسط، الخافض، الرَّافع، المُعين، الحكم (٣)، العَدْلُ، اللَّطيفُ، المُغِيثُ، الحَسِيبُ، المُجِيبُ، الواسعُ، الباعثُ، الوَكِيل، المُبينُ (٤) المبدىُ، المعيدُ، المُحْيِي، المُمِيت، المُقدّم، المؤخِّر، الوَليّ، البرّ، التّواب، المُنْتَقِم، مالكٌ المُلْك، المُقْسِط، الجامِع المانع، الضّارّ، النّافع، الرّشيد. هذه أسماء الفعل. وأمّا أسماء صفات الذّات الرّاجعة إلى القُدْرَةِ، فمنها: "القاهرُ"، ومعناه: الغالب القاهر الّذي لا يُقْهَر ولا يُغْلَب.

стр. 1458

"القوي"، ومعناه؛ المتمكِّن في كلِّ مُراد. "المُقتدر" ومعناها: الّذي لا يردّه شيء عن المراد. "القادر" ومعناه: إثبات القدرة. "ذو القُوَّةِ المتين" ومعناه: إنفاذ القُدْرَة في تعميم المقدورات. وروي في بعض الآثار:"الغالب" ومعناه: أنّه يُكرِهُ على ما يُريدُ ولا يُكْرَهُ على مَا يُراد. وأمّا ما يرجع منها إلى العلم، فأوّلُ ذلك: "العليم" معناه تعليم (١) المعلومات. "الخبير" يختصُّ بأن يعلم ما يكون قبل أنّ يكون. وقد قيل: إنّ العليم والعالِم والخبير والعلّام بمعنى واحد. "الحكيم" يختصُّ بأن يعلم دقائق الأوصاف، وقيل: الحاكم والحكيم بمعنى. ويرجع الحكيم إلى العالِم، ويرجع أيضًا إلى الحَكَم (٢)، فيكون من صفات الأفعال. "الشهيد" يختصُّ بأنْ يعلم الغائب والحاضر. ومعناه أنّه لا يغيب عنه شيءٌ. وقال غيره: الشّهيد هو العالِمُ، والشّاهد على الخَلْقِ بما اقْتَرَفُوا. "الحافظ" معناه: أنّه لا يَنْسَى ما عَلِمَ. وقيل: "الحفيظُ والحافِظُ" مانع المقدورات عن الخروج عن وجهها، فيعودُ إلى القدرة. "المحصي" يختصُّ بأنّه لا يشغله شيءٌ عن شيءٍ ولا (٣) تشغله الكَثْرَة عن العِلْم، وذلك مثل بذر الحبوب (٤)، واشتداد الرِّيح، وتساقُط الوَرَق، ويعلمُ عند ذلك عدد أجزاء الحركات في كلِّ ورقةٍ كيفَ تحرَّكَتْ، وكيف هي ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٥). وأمّا ما يرجع إلى الإرادة: الرَّحمن الرَّحيم.

стр. 1459

اْمّا "الرّحمن" فهو المريدُ لِرِزْقِ كلَّ شيءٍ في دار البَلْوَى والامتحان. "الرّحيم" المريدُ الإنعام لأهل الجنَّة. "الغَفَّار" المريدُ لإزَالَةِ العقوبة بعد الاستحقاق. "الوَدُودُ" المُحبّ، ويرجع إلى الإرادة، فمعناه: المريدُ لإحسان إلى أهل وُدِّهِ وأهل الولاَيَة. "الغَفور" المريدُ لتسهيل الأمور على أهل المعرفة. "الرَّؤوف" المريدُ التّخفيف عن العباد. "الحَلِيمُ" معناه: المريدُ لإسقاط العقوبة في الأصل على المعصية. وقد قيل: إنّ الحليم هو المُمْهِل مع استحقاق العقوبة. وقيل: إنّه من صفات الأفعال. "الكريم" هو المريدُ لكَثْرة الخَيْرَاتِ عند المحتاجِ. وقد قيل: إنه من صفات الذَّاتِ. "البرُّ" معناه: المريد لإعزاز أهل وَلاَيَتِهِ (١)، وهو من صفات الخَلقِ من يتوَّلى الله منه أعمال البرّ، ومن كان الله تعالى برًّا به عَظَّمَ عند المخلوقات نفسه، وأراج بفنون اللّطائف اسمه. ومعنى "البرّ" أنّه خالق البرّ والمُثيب عليه. "الصبور" معناه المُمهِل بعد استحقاق العقوبة. "الرشيد" قيل - معناه: المُرْشِد، فإنْ عادَ إلى البيان بالقولِ، كان من صفات الذَّاتِ، وإنْ عاد إلى خَفق الرُّشدِ، كان من صفات الفِعْلِ. "السّميع" راجعٌ إلى السَمْعِ. و"البصير" إلى البَصَر. و"الحَيُّ" إلى الحياة. و"الباقي" إلى البَقَاء. و"الشَّكُور" إلى الشُّكر. هكذا تتبع هذه الأسماء على قَدْرِ العِلْم والفَهْمِ. فهذا كان العبدُ بهذا النَّوعِ من العِلْمِ من الأسماء والصِّفات، عارفًا عن الله تعالى بإخلاصٍ وتحقيقٍ، أجابَهُ لا

стр. 1460

محالةَ، لقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). والدُّعَاءُ لا يجوزُ إلَّا بعد المعرفة بالمَدعُوّ فيها، فإذا عرفَ ربه دَعَا بصفاتِ التَّعظيمِ، وذلك عبارة الرغبة لله، يرجُو وَجْهَ الرَّغبة لِمَا يليق (٢) بها من الأسماء، كسؤالِ الرَّحْمَةِ بالرّحيم، والكفَايَة بالكافِي، والهِبَة بالوَهّاب، وفي التَّوبة بالتَّوَّاب، وفي العِزِّ بالعَزِيز، وما في ذلك من المعاني على التّرتيبِ. تنبيه: وذلك أنّ البارئ تعالى تعرَّفَ إلى أوليائه بصفاته وأسمائه، إذ لا يمكن أنّ يُعرف إلا بذلك، فبيّن لهم الواجب والجائز من ذلك، وعرَّفَهُم بما يستحيل عليه، وذلك أنّ العقول محجوبةٌ عن جَلَالِهِ، ممنوعةٌ عن إدراكه، فَأذِنَ اللهُ تعالى بالأسماء عبارة عن نفسه، وأَذِنَ لهم فيها، وجعلها طريقًا إلى معرفته، وسبيلًا في الرّغبة والطَّلَبِ، فلذلك اقْتَصَرَ العلماءُ على ما أَذِنَ لهم فيه ولم يتعدّوا إلى غيره. تنبيه ثانٍ: فإن قيل: ما معنى الحديث الّذي ورد في الاسم الأعظم، هل يعرفه أحدٌ ويدعو به؟ قلنا: قد يُعَرِّفه اللهُ إلى من يشاء من أوليائه، وذلك ما رواه بُرَيدَة عن النّبيّ ﷺ ؛ أنّه سمع رَجُلًا يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسأَلُكَ بأنّك الله الّذي لا إله إلَّا أنتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الّذي لم يَلِدْ ولم يُولَد ولم يكن له كُفوًا أَحَدٌ، فقال النّبيّ ﷺ : "لقد دَعَا اللهَ باسْمِهِ الأَعْظَمِ الّذي إذًا دُعِيَ به أجابَ، وإذا سُئِلَ به أَعْطَى" (٣). وَرَوَى أنس بن مالك قال: دخل النّبيُّ ﷺ المسجد ورَجُلٌ يُصَلِّي، أو قَدْ صَلَّى، وهو يَدْعُو وَلُقولُ في دُعائه: اللَّهُمَّ لا إله إلّا أنتَ المنان (٤)، بَدِيعُ السّمواتِ والأرضِ، ذو الجَلاَلِ والإكرَامِ، فقال النّبيُّ ﷺ : "أَتَدْرُونَ بمَا دَعَا اللهَ؟ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، الّذي إذا دُعِيَ به أجابَ وإذا سُئِلَ بِه أَعْطَى" (٥).

стр. 1461

نكتةٌ: فإن قيل: ما معنى: "الأعظم"؟ قلنا: أمّا "الأعظم" فهو عظيم الثّواب، فلا ثوابَ أعظم منه، ولا ثوابَ أعظم من الثواب على ذِكْرِ اللهِ، ويطابِقُ هذا قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (١) وهو الاسم الأعظم؛ لأنّه قسمُ العمومِ، والكثير المتعلّقات، فليس في الأسماء أكثر متعلّقات منه، ولا أعمّ (٢) مقتضى من قولك: "الله" فإنَّ جميع الأسماء تدخلُ فيه، والصِّفَة تضم معانيها وتقتضيه، فإذا قيل: من الرَّبُّ؟ مَتِ المَلِكُ؟ من القُدُّوسُ؟ قيل: الله، وبه دعا يونس في ظُلُمَاتِ البَحرِ والحُوت. والصّحيحُ (٣) أنّه ليس لله تعالى اسمٌ ولا صفةٌ إلَّا وقد أطلع عليه رسوله وأَعْلَمَه بهذا (٤)، ألم تعلموا أنّه قد أطلع على ملكوت السّموات والأرض، والجنّة والنّار، وبلغ مَوْضِعًا سمع فيه صريف الأقلام، وعايَنَ التَّدبير والتقَّدير، ومقامات الملائكة تحت القَهْر والتّصريف (٥). نكتةٌ بديعة: واعلم أنّ الاسم والصِّفة وإن اختلفا في اللَّفظ والاشتقاق، فهما في المقصد واحدٌ، والدّليلُ القاطعُ عليه قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فجعلها اسمًا واحدًا، وهي كلمة مشتقَّةٌ قطعًا، وسأبَيِّنُ ذلك في "كتاب التفسير" (٦) بأَبْدَعِ بيانٍ، والحمدُ لله.

стр. 1462

كتاب الجنائز وفيه ستّة عشر بابًا: الباب الأوّل ما جاء في غسل الميت مالكٌ (١)، عن جعفرِ بنِ محمّد، عن أبيه؛ أنّ رسولَ الله ﷺ غُسِّلَ في قَمِيصٍ. التّرجمة والعربيّة: قال علماؤنا: الجِنازة فيها لغتان: بكسر الجيم وفتحها، وكسرها (٢) أحسن، وقيل لها ذلك لأنّها تَجْنِز، أي تستر (٣). قال الإمام (٤): الجِنازةُ لفظٌ ينطلق على الميِّتِ، وينطلقُ على الأعواد الّتي يحملُ عليها الميت، ويقالُ بفتح الجيم وكسرها، وسمعت عن ابن الأعرابي (٥) أنّه قال: إذا فتحت فهو الميِّت، وإذا كسرت فهي الأعواد، وإنِّي لأخاف أنّ يكون أخذ ذلك من هيئة الحال، وليس كما زَعَمَ علماؤنا أنّ ذلك لغتان، وإنّما الجنازة الميِّت نفسه، فإن سُمِّيت به الأعواد فذلك مَجَازٌ، والدَّليلُ عليه: الحديث الصّحيح عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ عَلَى السَّرِيرِ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلىِ أَعْنَاقِهِم، فَإِن كَانَت صَالِحَةً قَالَت: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَت: يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذهَبُونَ بِي" (٦).

стр. 1463

تنبيهٌ وتأديب (١): اعلم أنّ الله تعالى جَبَل (٢) الخَلْقَ على حُبِّ الحياة وكراهية الممات (٣)، فإنْ كان رُكُونًا إلى الدُّنيا وحُبًّا لها (٤) وإيثارًا، فله الويل الطّويل من الغبن. وإن كان خوفًا من ذنوبه ورغبةً في صلاح يستفيده، فالبُشْرَى له من المغفرة والنّعيم، وإن كان حياءً من الله لما اقتحم من مجاهرته، فاللهُ أحقّ أنّ يستحيَى منه، قال النَّبيُّ ﷺ : يقول الله تعالى: "إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه" (٥). ورُوِيَ في الصَّحيح عن عائشة ﵂ زيادة حسنة في هذا الحديث، قَالَت: قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ كُلُّنَا يَكرَهُ المَوْتَ، قال لها: "لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قُبِضَتْ رُوحُهُ عَلَى بُشْرَى، أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ، فَأَحَبَّ اللهُ لقَاءَهُ، وَإِذَا قُبضَتْ رُوحُهُ عَلَى غَضَبٍ، كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ، فَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ" (٦). وعلى هذا يخرجُ حديث أبي هريرة في الرَّجُلِ الّذي لم يعمل قطّ خيرًا، فقال لأهله: إِذَا مِتُّ فَأَحْرِقُوني، وَاذْرُوا رَمَادِي نِصْفَهُ في الْبَحْرِ، وَنصْفَهُ في الْبَرِّ الحديث (٧). فإنّ هذا الرَّجُل كره الموتَ من خشيةِ اللهِ، فتلقَّاه اللهُ بمغفرته (٨)، وقد تباينَ النَّاسُ في تأويل هذا الحديث؛ على ما يأتي بيانُه في موضعه إنّ شاء الله. وقوله (٩): "إِن رَسُولَ اللهِ ﷺ غُسِّلَ في قَمِيصٍ". الإسناد: قال الإمام: حديث جعفر بن محمّد؛ "أنّ رسول الله غُسِّلَ في قَمِيصٍ" صدَّرَ به

стр. 1464

مالك في أوّلِ الكتاب (١)، ولم يُسْنِدهُ عن مالك في "الموطّأ" إلَّا سعيد بن عُفير، رواه عن مالكٌ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عائشة، وهو أصحّ ما رُوِيَ عن عائشة، وكل من رواه عن مالكٌ رواه مُرْسَلًا، إلّا ابن عُفَير فإنّه أَسْنَدَهُ عن عائشة (٢). ورُوِيَ في حديث آخر أنّهم أرادوا أنّ ينزعوا القميص عنه ﷺ ، فسمعوا صوتًا: لا تنزعوا القميص، فلم يُنْزَع القميصُ وَغُسِّلَ وهو عليه (٣). قال أبو الوليد (٤): "ذهب مالك إلى ذكر هذا الحديث (٥) الأوّل على معنى أنَّه أشبه ما نُقِلَ في هذا الباب، ولم يُخْرِج أحدٌ ممَّن شرطَ الصّحيح في هذا الباب شيئًا" (٦). الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٧): قال علماؤنا (٨): غسله ﷺ في قميصه ذلك خاصٌّ به ﷺ ، وإكرامًا له وصيانةً وتعظيمًا، وأمّا غيره فينزع عنه القميص وتُسْتَر عَوْرَتُه، وفي الحديث ما يدلُّ على نزع القميص عن الميِّتِ، وذلك أنّهم أرادوا نزع القميص كما يفعلونه (٩) بغيره، حتّى (١٠) سمعوا صوتًا. والمشهور من مذهب مالك (١١) وجمهور الفقهاء أنّ الميِّتَ يُجَرَّد من القميصِ، وقال الشّافعيّ: لا يُجَرَّد الميت ويغسل على حاله (١٢).

стр. 1465

المسألة الثّانية (١): إذا ثبت هذا فإنّه تستر عورته. ووجه ذلك: أنّ هذه حالة لا يجب للحيِّ أنّ يطلع عليها غالبًا إلَّا لضرورةٍ، لبعدها عن التَّجَمُّلِ وحسن الزي، فلا يطّلع على الميِّتِ ما دام عليها إلّا لضرورة. وإذا (٢) جرِّدَ، فلا يطّلع عليه إلَّا الغاسل ومن يَلِيهِ. وقال ابنُ حبيب: العورةُ في الميِّتِ من سُرَّتِهِ إلى رُكبته. وقد تعلّق الفقهاء في ذلك بما روي عن عليّ؛ أنّه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "لَا تُبرِزْ (٣) فَخِذَكَ، وَلاَ تَنْظُر إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلاَ مَيِّتٍ" (٤). ومن جهة المعنى: أنّ حُرْمَةَ المسلم باقيةٌ بعد مَوْتِهِ، ولذلك يستر بالكَفَنِ. المسألة الثّالثة (٥): إذا ثبت هذا، فإنّه تُسْتَر عورتُه بمِئْزَرٍ، ويجعل على صدره ووجهه خرقة أخرى، ذكر هذا أشهب في "كتاب ابن سحنون". والّذي عليه الجمهور من أصحاب مالكٌ (٦)، أنّه لا تستر منه غير عورته على ما تقدّم. وقال بعضهم: إنّما أمر بتغطية الوجه للميِّت؛ لأنّ الميِّتَ ربما تَغَيَّرَ وجهُه تَغَيُّرًا وحشًا (٧) من عِلَّةٍ كانت به، فاسْوَدَّ لذلك، فربّما نظر إليه الجُهَّال ومن لا معرفة له فيتأولون (٨) فيه ما لا يجوز، وفي الحديث: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَلَمْ يَكشِفْ عَلَيْهِ (٩)، خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتهُ أَمُّهُ" (١٠).

стр. 1466

حديث مَالِك (١)، عَنْ أيُّوبَ بْنِ أبي تَمِيمَةَ السَّخْتِيانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ؛ أنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابنَتُهُ فَقَالَ: "اغْسِلنَهَا ثَلاَثًا، اوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا، أَو شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ" الحديث إلى آخره. الإسناد (٢): قال الإمام: لم يذكر مالك في حديثه هذا من كانت المُتَوَفَّاةُ من بناتِه الّتي غَسَّلَتها أمُّ عَطِيَّة، وذكر ابن عُيَيْنَةَ وغيره عن أيّوب؛ أنّها كانت زَينَب ابنته (٣). تنبيهٌ على وَهَمٍ (٤): كلّ الرُّواة للموطآت (٥) قالوا في هذا الحديث بعد قوله: "أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ" (٦) وسقط ليَحْيَى قوله: "إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ" وهو مِمَّا عُدَّ من سُقُوطه، إذِ الجمهورُ على خلافِ مارَوَا يَحْيَى. وأمّا ابنته، فقيل: إنها زينب. وقال أهلُ (٧) السِّيَرِ: هي أمّ كلثوم، والله أعلم. قال الإمام (٨): كلُّ بناتِ رسول الله ﷺ تُوفّين في حياته، إلّا فاطمة ﵂ فإنّها تُوفِّيت بعدَهُ بستِّةِ أشهرٍ، ولم يَشْهَد رسول الله ﷺ جنازة رُقَيَّة ابنته؛ لأنّه كان يومئذٍ مشغولًا مع العرب في غَزْوَةِ بَدرٍ. العربيّة: قوله: "اغْسِلْنَهَا" قال ابن السِّكِّيت: الغسل بفتح العين هو الفعل، وبضمه هو الماء (٩).

стр. 1467

وقال ابن القُوطيّة (١): "غسلَ الشيءَ غسْلًا، والغُسلُ ما يغسل (٢) به، وهو أيضًا تمام الطّهارة"، والغسالة الماء الّذي يغسل به الثّوب وكلّ مغسولٍ. الأصول (٣): خبرُ الواحدِ مقبولٌ في أحكام الشَّريعةِ باتِّفاقٍ من أَهْلِ السُّنَّةِ، واختلف الفقهاءُ هل يقبل الواحد فيما يعمّ البَلْوَى؟ فردَّه أبو حنيفة، وقد بيَّنَّاهُ في "أصول الفقه" (٤) وأنّه قد ناقضَ في مسائل قبلَ فيها خبر الواحد، ومن هذا الباب غسل الميِّت، إذ ليس في الباب حديث سواه، غير أنّها سُنَّةٌ ماضيةٌ في الشَّرع؛ لاْنّه حديث آحاد رَوَتْهُ امرأة ثِقَة، وهو مقبولٌ في مِثْل هذه النّازلة. الفقه في أربع عشرة مسألة: المسألة الأولى (٥): قوله: "اغْسِلْنَهَا" هو لفظ الأمر، ولا أدري كيف يقال: إنّه غير واجب، وقد ورد (٦) فيه القول (٧) والعمل، حتّى غُسِّلَ الطّاهِرُ المُطَهَّر (٨)، فكيف لا يُغَسَّل سواه. واختلف العلماء فيه؟ فالأكثر أنَّه واجبٌ، وليس فيه أمر وإنّما فيه أفعال النَّبيّ ﷺ ، وَغُسِّلَ هو أيضًا مع طهارته، وهذا يدلُّ على فَرضِهِ، ولم يرد بلفظ الأمر إلّا في حديثِ أمِّ عَطِيَّة هذا، وإن كان قد اختلفوا فيه هل هو سنة أو واجب؟ وسبب الخلاف فيه قوله: "إِنْ رَأَيْتُن" معناه: إنّ رأيتنّ الغسلَ، وإن رأيتنّ الزِّيادة في العَدَدِ، وهذا وأشباهه ممّا اختلف فيه أهل الأصول، وذلك أنّهم مختلِفُونَ في التَّقييدِ

стр. 1468

والاستثناء والشَّرطِ إذا تعقبت الجمل، هل يرجع إلى جميعها، إلَّا ما أخرجه الدّليل؟ أو إلى أقربها؟ في كلام لهم طويل لهم (١). وقال علماؤنا (٢): غسلُ الميِّتِ عبادة ليس للنجاسة، والدليل عليه قوله ﷺ : "الْمُؤمِنُ لَا يَنجُس بِالْموتِ" فَذَكَرَ الصِّفَةَ في الحُكْمِ، وَذِكرُ الصِّفَةِ في الحُكمِ تَعْلِيلٌ، كأنه قال: لا ينجُس لإيمانه (٣). وقيل: لو لم ينجُس الميِّت، لما كان ما يبينُ عنه (٤) من أعضائه في حال الحياة نجسًا. قلنا: ليس للأبعاض حُكم الجُملة في الحقيقة ولا في الشّريعة، فهذا اعتبارٌ فاسدٌ. المسألة الثّانية (٥): اختلف العلماء في غسله هل هو للنّظافة أو للعبادة؟ والّذي عندي أنّه تعبَّدٌ ونظافةٌ، كالعِدَّة عبادةٌ وبراءةٌ للرَّحِمِ، وإزالة النَّجاسة عبادة ونظافةٌ، ولذلك يُسَرّح رأسه تسريحًا خفيفًا، خلافًا لأبي حنيفة (٦)؛ لأنّ في تسريحه وصبَّ الماء عليه زيادة في النّظافة، وكلُّ ما حقَّقَ المقصودَ فهو مشروعٌ. وَيُمَضْمَضُ، خلافًا لأبي حنيفة حين قال: لا فائدة في مضمضته؛ لأنّه لا يقذف الماء. قلنا: مرورُ الماء على المحلِّ وخروجه عنه تّنْظيف له، فإنّه غسل يعمّ جميع البَدَن، فشُرِعَت فيه المضمضة كغسل الجنابة. فالذي يتحصّل من هذه المسألة؛ أنّ الميِّتَ يغسل للنّظافة وللعبادة؛ لأنّه ربّما كان بَدَنُه نجسًا فيغسل للوجهين. المسألة الثّالثة (٧): في حقوق الميت

стр. 1469

للميِّت ستَّة حقوق: حضوره. غسله. كفنه. حمله. الصّلاة عليه. دفنه. أمّا حضوره، فإنّه يجب عليهم تمريضه إذا مرض، والرِّفق به فيما يحتاج إليه، وتذكيروه (١) بالله إذا خيف عليه الموت، قال النّبيّ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلهَ إلَّا الله" (٢). المسألة الرّابعة: قوله لأمِّ عطيَّة: "ابْدَأنَ بِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ" لأنّ السُّنَّةَ في الغسل كلِّه أنّ يبدأ بمواضع الوضوء فيه. المسألة الخامسة (٣): ممّا فيه (٤): تنبيهٌ على التَيَّامِنِ، وهو مشروعٌ في آداب الشّريعة كلّها باتِّفاقٍ. المسألة السّادسة (٥): قوله: "بِمَاءٍ وَسِدْرٍ" وهذا أيضًا أصلٌ في جواز التّطهير بالماء المُضَافِ بماءٍ لا يخرجه عن اسميّة التّطهير، ولا كلام فيه لأحدٍ، وقد قالوا: الأُولى بالماء القراح، والثّانية بالماءِ والسِّدْرِ، والثّالثة بالماء والكَافُورِ، وليس هذا في لَفْظِ الحديثِ، ولا يقمضيه لفظ الحديث من خلط الماء بالسِّدْرِ والكَافُور.

стр. 1470

المسألة السّابعة (١): قوله: "ثَلَاثًا أَو خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ" هذا كلُّه إشارةٌ إلى أنّ المشروعَ هو الوِتْر؛ لأنّه تعلَّق بالثّلاثة إلى الخمسة، وسكتَ عن الأربع، وكذلك هي وظائف الشَّرع وِتر وخاصّة في الطّهارة، وليس في الشّريعة غسل محدّد إلا (٢) اجتهاد النِّسوة بحسب ما يرين من النَّظافة (٣). وقد اختلفَ النّاسُ في قوله: "أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ"؟ فقيل: سبعٌ. وقيل: ما يتعدّى إلى حُصُولِ النَّظافةِ. وقيل: لا يُزَاد على الثّلاثة، إلَّا أنّ يخرج منه الأَذَى، فيتبع (٤) مواضع الأذى خاصّة، قاله أكثر أصحابنا. وأبو حنيفة يقول: إنْ خرجَ منه بعد الثّلاثة أذى وُضِّىءَ. وقال الشّافعيّ: يغسل إلى سَبْعٍ، ولا يزادُ على السَّبْعِ، وليس يغسل ما خرج منه بعد الثّلاثة ولا يُوَضَّأ (٥)؛ لأنّه لا تَكْلِيفَ عليه، وإنّما يغسل عبادة، أو لما عليه من النّجاسة، وأمّا ما يخرج منه فهو مُوجِب غسل ذلك الموضع خاصّة. المسألة الثّامنة (٦): يعْصَرُ بطنه، لِئلّا يفتضح في الكَفَنِ (٧) عند الصّلاة عليه. ويُظْفَر شَعْر المرأة ولا يُتْرَك مسترسلًا، كما فعلت أمّ عطيَّة بزَيْنَب.

стр. 1471

المسألة التّاسعة (١): يُلْقَى (٢) خلفها كذلك كلّه ثبتَ في الصَّحيحِ (٣). المسألة العاشرة (٤): كذلك يغسل شَعْر الرَّجُل ويُمشط. المسألة الحادية عشرة (٥): فيه جواز تكفين المرأة في ثَوْب الرَّجُل. المسألة الثّانية عشرة (٦): لم يأمرهنّ بغسل بعد غسلها، وهذه المسألة أجمع فقهاء الأمصار أنّ الميت إذا غَسَّلَهُ رَجُلٌ لا يجب عليه الاغتسال لا فَرْضًا ولا استِحْبَابًا، وأهل الظّاهر يُوجِبُونَه بخلافهم. وقالت جماعة أهل الحديث: حديثُ غُسْلِ غَاسِلِ الميِّت ضعيفٌ، وقد خرَّجَهُ التّرمذّي (٧) والدّاودي (٨)، ويغتسلُ من غسل الميِّت والحجامة، وقد روى الدّارقطني (٩)، عن ابن عمر حديثًا صحيحًا، قال: كُنَّا نغسل الميَّتَ، فمِنَّا من يغتسل، ومِنَّا من لا يغتسل. المسألة الثّالثة عشرة (١٠): أنّه لم يأمر يتَقْلِيمِ أظفارها، خلافًا للشّافعىّ (١١). المسألة الرّابعة عشرة (١٢):

стр. 1472

إنه لم يقل: "جَرِّدنَها" خلافًا للشافعيّ إنه يُغَسِّل الميِّتَ عريانًا (١). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي خمس فوائد: الفائدةُ الأولى (٢): فيه من الفقه: التَّزَاوُرُ بين الأّهْلين إذا مات لهم ميِّتٌ. الفائدةُ الثّانية (٣): فيه تعليم كيف تغسل (٤)، وأنّ ذلك إلى النِّساء يفعلن في ذلك ما رأين، وأنّ النِّساءَ أحق بغسل المرأة وذوي المحارم من الرِّجال، كما أنّ الرّجل أحقّ بغسل الميِّت من الأزواج وإن جاز ذلك لهنّ، على تفصيلٍ يأتي بيانُه إنّ شاء الله. الفائدةُ الثّالثة: أنّه ليس على من غسلَ ميِّتًا غسلٌ، دمان كان قد رُوِيَ عن مالك رواية المدنييِّنَ عنه عن ابن القاسم؛ أنّه يغتسل، واختاره سحنون، ونفاهُ الشّافعيّ (٥). الفائدة الرّابعة (٦): في غريبه قال بعضهم: إنّما قيل لِلحَقوِ حقوٌ لأنّه يشدّ على الحَقْوَيْنِ وهو موضع الحَجْزَة، وهو بفتح الحاء. وقوله: "أَشعِرْنَهَا إِيَّاهُ" يريد اجْعَلْنَ ذلك ممّا (٧) يلي جَسَدَها، والشِّعار: الثّوب الّذي يلي الجسد (٨). والدِّثارُ: الثَّوْبُ الّذي فَوْقَه، وإنّما أراد بذلك أنّ تنال بركة ثوبه الّذي كان عليه ﷺ (٩).

стр. 1473

وفيه قَبُول خَبَرِ المرأة. تنبيه على وَهَمٍ: روى التّرمذيّ (١) في حديث أم عَطِيَّة؛ أنّ الّتي تُوُفِّيَتْ من بناتِ رسول الله ﷺ هي أمّ كُلثوم، وهو وَهْمٌ منه، إنّما هي زَيْنَب كما ذكر عبد الرَّزَّاق (٢)؛ لأنّ أمّ كلثوم توفيت ورسول الله ﷺ غائب. نكتةٌ لغوية: أمّ كُلْثُوم بضمِّ الكافِ من الكلثمة وهي الحُسْن. وقال الشّيخُ أبو عُمَر (٣): "أَعْلَمُ النّاس بغسل الميّت ابن سِيرِين، ثمّ أيّوب بَعدَهُ، وكلاهُما كان غاسلًا (٤) للمَوْتَى. وقال ابن علية (٥): الحَقْوُ هو النّطاق. والحِقوُ في لغة هُذَيل (٦) مكسور الحاء، وغيرهم يقولها بالفَتْحِ". حديث أسماء ابْنَةُ عُمَيْسٍ امْرَأَةُ أَبِي بكْرٍ الصِّدِّيق (٧)؛ أَنَّهَا غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حِينَ تُوُفَّيَ. وَالْحَدِيثُ الآخَرُ (٨)؛ أنّ مَالِكًا سَمِعَ أَهل الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِذَا مَاتَتِ المَرْأَةُ وَلَيْس مَعَهَا نِسَاءٌ يَغْسِلْنَهَا، وَلاَ مِنْ ذَوِي الْمَحَارِمِ أَحَدٌ يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا، وَلاَ زَوجٌ يَلِي ذَلِكَ مِمهَا، يُمِّمَت، فَمُسِحَ بِوَجْهِهَا وَكَفَّيهَا مِنَ الصَّعِيدِ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا هَلَكَ الرَّجُلُ وَلَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ إلَّا نِسَاءٌ، يَمَّمْنَهُ أَيْضًا.

стр. 1474

الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى: أمّا قول أسماء ابنة عميس: "هَلْ عَلَىَّ مِنْ غُسْلٍ؟ فَقَالَ لَهَا الْمُهَاجِرُونَ: لَا غُسْلَ عَلَيْكِ" لأَنَّهُمْ تأوَّلُوه على الضّرورة لِلْبَردِ، فنقول: سقط حديثُنا وحديثُكم، وبَقِيَ الإجماعُ من الصَّحابةِ. المسألة الثّانية: قال ابنُ حبيب: ويغسّل أحد الزَّوجين صاحبه والميِّت منهما عريان من غير ضَرُورةٍ. قال الإمام - ووجه ذلك: أنّ كلَّ واحدٍ منهما يباحُ له النَّظر إلى عَوْرَةِ الميِّت منهما، والصّحيح أنّه يستر كلّ واحدٍ منهما عَوْرَةَ صاحبه؛ لأنّه موضع خشية (١)، فلا معنى لرؤية العورة، وهو نصّ "المدوّنة" (٢). المسألة الثّالثة: اختلف العلّماء إذا طلّقها واحدة، هل يغسلها؟ ففي "المدوّنة" (٣): لا يغسلها، وروى ابن القاسم أنّه يغسلها. قال الإمام - ووجه قول ابن القاسم: أنّ أسباب النكاح باقيةٌ في الميراثِ والنَّسَبِ. ووجه من قال لا يغسلها: أنّه لا سبيل له إليها إلَّا برجعة، وهو لم يراجع (٤). المسألة الرّابعة: واختلف العلّماء إذا تزوّج أختها هل يغسلها أم لا؟ فإذا قلنا: إنّ الغسل لمكان الموارثة، جاز أنّ يغسلها يعد تزويج أختها، وقاله ابن القاسم. وقال أشهب: أَحَبُّ إليَّ أنْ لا يفعل. وقال ابنُ حبيب: ولها أنّ تغسله وإن وضعت ما في بطنها وانقضت عدّتها،

стр. 1475

وللأَمَةِ غسل سيِّدها (١) وإن ولدت منه، وللعبد غسل الأَمَة، ولها أنّ تغسله. المسألة الخامسة: إذا مات الرَّجُل وليس معه إلَّا ذو محارمه، ففي "المدونة" (٢): يغسلنه ويسترنه، وظاهر هذا أنّهن يجرِّدنه. ورُوِيَ عن ابنِ القاسم أنّه قال: يغسلنه ذوات محارمه من فَوْقِ ثَوْب. المسألة السّادسة: إذا ماتت المرأة وليس معها إلّا ذو محارمها من الرِّجال، ففي "المدونة" (٣) يغسلونها من فوق ثوب. وقال ابنُ حبيب: يصبُّ الماء من تحت الثّوب، ولا يلصقه بجسدها فيصف عورتها إذا لصق، ولكن يُجَافِيهِ ما قَدر، وإذا لم يجدوا الماء يَمَّمُوها إلى المرافق. تكملة (٤): قال مالك والشّافعيّ: تغسلُ المرأة زوجها، والزّوجُ زوجته. وقال أبو حنيفة: لايغسلها (٥). قال الإمام: ودليلُنا على أبي حنيفة؛ أنّ عليًّا ﵁ غَسَّلَ فاطمة، وقال النّبيُّ صلّى الله عليه لعائشة: "إِنْ مِتِّ قَبْلِي غَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ" (٦) فحصلَ لنا إجماع الصّحابة على أنّ للرَّجُلِ أنّ يغسل زوجته، وقد قالت عائشة: "لَوِ اسْتَقبَلْتُ مِنْ أَمرِي مَا استَدبَرتُ مَا غَسَّلَ رَسُول اللهِ ﷺ إلَّا نِسَاؤُهُ" (٧). فإن قيل: نكاحُ النّبيِّ ﷺ لا ينقطع بالموتِ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ الآية (٨).
следующие страницы →