← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

المسألة التّاسعة (١): يُلْقَى (٢) خلفها كذلك كلّه ثبتَ في الصَّحيحِ (٣). المسألة العاشرة (٤): كذلك يغسل شَعْر الرَّجُل ويُمشط. المسألة الحادية عشرة (٥): فيه جواز تكفين المرأة في ثَوْب الرَّجُل. المسألة الثّانية عشرة (٦): لم يأمرهنّ بغسل بعد غسلها، وهذه المسألة أجمع فقهاء الأمصار أنّ الميت إذا غَسَّلَهُ رَجُلٌ لا يجب عليه الاغتسال لا فَرْضًا ولا استِحْبَابًا، وأهل الظّاهر يُوجِبُونَه بخلافهم. وقالت جماعة أهل الحديث: حديثُ غُسْلِ غَاسِلِ الميِّت ضعيفٌ، وقد خرَّجَهُ التّرمذّي (٧) والدّاودي (٨)، ويغتسلُ من غسل الميِّت والحجامة، وقد روى الدّارقطني (٩)، عن ابن عمر حديثًا صحيحًا، قال: كُنَّا نغسل الميَّتَ، فمِنَّا من يغتسل، ومِنَّا من لا يغتسل. المسألة الثّالثة عشرة (١٠): أنّه لم يأمر يتَقْلِيمِ أظفارها، خلافًا للشّافعىّ (١١). المسألة الرّابعة عشرة (١٢):

стр. 1472

إنه لم يقل: "جَرِّدنَها" خلافًا للشافعيّ إنه يُغَسِّل الميِّتَ عريانًا (١). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي خمس فوائد: الفائدةُ الأولى (٢): فيه من الفقه: التَّزَاوُرُ بين الأّهْلين إذا مات لهم ميِّتٌ. الفائدةُ الثّانية (٣): فيه تعليم كيف تغسل (٤)، وأنّ ذلك إلى النِّساء يفعلن في ذلك ما رأين، وأنّ النِّساءَ أحق بغسل المرأة وذوي المحارم من الرِّجال، كما أنّ الرّجل أحقّ بغسل الميِّت من الأزواج وإن جاز ذلك لهنّ، على تفصيلٍ يأتي بيانُه إنّ شاء الله. الفائدةُ الثّالثة: أنّه ليس على من غسلَ ميِّتًا غسلٌ، دمان كان قد رُوِيَ عن مالك رواية المدنييِّنَ عنه عن ابن القاسم؛ أنّه يغتسل، واختاره سحنون، ونفاهُ الشّافعيّ (٥). الفائدة الرّابعة (٦): في غريبه قال بعضهم: إنّما قيل لِلحَقوِ حقوٌ لأنّه يشدّ على الحَقْوَيْنِ وهو موضع الحَجْزَة، وهو بفتح الحاء. وقوله: "أَشعِرْنَهَا إِيَّاهُ" يريد اجْعَلْنَ ذلك ممّا (٧) يلي جَسَدَها، والشِّعار: الثّوب الّذي يلي الجسد (٨). والدِّثارُ: الثَّوْبُ الّذي فَوْقَه، وإنّما أراد بذلك أنّ تنال بركة ثوبه الّذي كان عليه ﷺ (٩).

стр. 1473

وفيه قَبُول خَبَرِ المرأة. تنبيه على وَهَمٍ: روى التّرمذيّ (١) في حديث أم عَطِيَّة؛ أنّ الّتي تُوُفِّيَتْ من بناتِ رسول الله ﷺ هي أمّ كُلثوم، وهو وَهْمٌ منه، إنّما هي زَيْنَب كما ذكر عبد الرَّزَّاق (٢)؛ لأنّ أمّ كلثوم توفيت ورسول الله ﷺ غائب. نكتةٌ لغوية: أمّ كُلْثُوم بضمِّ الكافِ من الكلثمة وهي الحُسْن. وقال الشّيخُ أبو عُمَر (٣): "أَعْلَمُ النّاس بغسل الميّت ابن سِيرِين، ثمّ أيّوب بَعدَهُ، وكلاهُما كان غاسلًا (٤) للمَوْتَى. وقال ابن علية (٥): الحَقْوُ هو النّطاق. والحِقوُ في لغة هُذَيل (٦) مكسور الحاء، وغيرهم يقولها بالفَتْحِ". حديث أسماء ابْنَةُ عُمَيْسٍ امْرَأَةُ أَبِي بكْرٍ الصِّدِّيق (٧)؛ أَنَّهَا غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حِينَ تُوُفَّيَ. وَالْحَدِيثُ الآخَرُ (٨)؛ أنّ مَالِكًا سَمِعَ أَهل الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِذَا مَاتَتِ المَرْأَةُ وَلَيْس مَعَهَا نِسَاءٌ يَغْسِلْنَهَا، وَلاَ مِنْ ذَوِي الْمَحَارِمِ أَحَدٌ يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا، وَلاَ زَوجٌ يَلِي ذَلِكَ مِمهَا، يُمِّمَت، فَمُسِحَ بِوَجْهِهَا وَكَفَّيهَا مِنَ الصَّعِيدِ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا هَلَكَ الرَّجُلُ وَلَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ إلَّا نِسَاءٌ، يَمَّمْنَهُ أَيْضًا.

стр. 1474

الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى: أمّا قول أسماء ابنة عميس: "هَلْ عَلَىَّ مِنْ غُسْلٍ؟ فَقَالَ لَهَا الْمُهَاجِرُونَ: لَا غُسْلَ عَلَيْكِ" لأَنَّهُمْ تأوَّلُوه على الضّرورة لِلْبَردِ، فنقول: سقط حديثُنا وحديثُكم، وبَقِيَ الإجماعُ من الصَّحابةِ. المسألة الثّانية: قال ابنُ حبيب: ويغسّل أحد الزَّوجين صاحبه والميِّت منهما عريان من غير ضَرُورةٍ. قال الإمام - ووجه ذلك: أنّ كلَّ واحدٍ منهما يباحُ له النَّظر إلى عَوْرَةِ الميِّت منهما، والصّحيح أنّه يستر كلّ واحدٍ منهما عَوْرَةَ صاحبه؛ لأنّه موضع خشية (١)، فلا معنى لرؤية العورة، وهو نصّ "المدوّنة" (٢). المسألة الثّالثة: اختلف العلّماء إذا طلّقها واحدة، هل يغسلها؟ ففي "المدوّنة" (٣): لا يغسلها، وروى ابن القاسم أنّه يغسلها. قال الإمام - ووجه قول ابن القاسم: أنّ أسباب النكاح باقيةٌ في الميراثِ والنَّسَبِ. ووجه من قال لا يغسلها: أنّه لا سبيل له إليها إلَّا برجعة، وهو لم يراجع (٤). المسألة الرّابعة: واختلف العلّماء إذا تزوّج أختها هل يغسلها أم لا؟ فإذا قلنا: إنّ الغسل لمكان الموارثة، جاز أنّ يغسلها يعد تزويج أختها، وقاله ابن القاسم. وقال أشهب: أَحَبُّ إليَّ أنْ لا يفعل. وقال ابنُ حبيب: ولها أنّ تغسله وإن وضعت ما في بطنها وانقضت عدّتها،

стр. 1475

وللأَمَةِ غسل سيِّدها (١) وإن ولدت منه، وللعبد غسل الأَمَة، ولها أنّ تغسله. المسألة الخامسة: إذا مات الرَّجُل وليس معه إلَّا ذو محارمه، ففي "المدونة" (٢): يغسلنه ويسترنه، وظاهر هذا أنّهن يجرِّدنه. ورُوِيَ عن ابنِ القاسم أنّه قال: يغسلنه ذوات محارمه من فَوْقِ ثَوْب. المسألة السّادسة: إذا ماتت المرأة وليس معها إلّا ذو محارمها من الرِّجال، ففي "المدونة" (٣) يغسلونها من فوق ثوب. وقال ابنُ حبيب: يصبُّ الماء من تحت الثّوب، ولا يلصقه بجسدها فيصف عورتها إذا لصق، ولكن يُجَافِيهِ ما قَدر، وإذا لم يجدوا الماء يَمَّمُوها إلى المرافق. تكملة (٤): قال مالك والشّافعيّ: تغسلُ المرأة زوجها، والزّوجُ زوجته. وقال أبو حنيفة: لايغسلها (٥). قال الإمام: ودليلُنا على أبي حنيفة؛ أنّ عليًّا ﵁ غَسَّلَ فاطمة، وقال النّبيُّ صلّى الله عليه لعائشة: "إِنْ مِتِّ قَبْلِي غَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ" (٦) فحصلَ لنا إجماع الصّحابة على أنّ للرَّجُلِ أنّ يغسل زوجته، وقد قالت عائشة: "لَوِ اسْتَقبَلْتُ مِنْ أَمرِي مَا استَدبَرتُ مَا غَسَّلَ رَسُول اللهِ ﷺ إلَّا نِسَاؤُهُ" (٧). فإن قيل: نكاحُ النّبيِّ ﷺ لا ينقطع بالموتِ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ الآية (٨).

стр. 1476

قلنا: إنِ انقطعَ النِّكاح بالموتِ، بقيت أحكامُه من الميراث والوَلاَءِ والعِدَّةِ، وهي محبوسة لحقه (١) إذا مات، فلذلك يكون له غسلها إذا ماتت؛ لأنّه حُكْمٌ من أحكام النكاح. المسألة السّابعة: في جهل حال الميِّتِ ولذلك ثلاث صورٍ (٢): الصُّورة الأولى: أنّ ينهدم حائط على قومٍ من المسلمينَ وفيهم كافرٌ، فإنّهم يغسلون ويصلَّى علمهم، وينوي بالدُّعاء للمسلمين. الصُّورة الثّانية: هو أنّ يكونوا كلهم كفارًا إلَّا واحدًا لم يتعيّن في الصُّورتين، فإنّهم لا يغسلون ولا يصلَّى عليهم، وفي إحدى الرِّوايتين: يجعل (٣) الأقلّ تبعًا للأكثر، ورُوِيَ في النّازلة الثّانية؛ أنهم يغسلون ويصلَّى عليهم أيضًا، وينوى بالدُّعاء للمسلمين. الصُّورة الثّالثة: هو أنّ يُوجَدَ رجل بفَلاَةٍ من الأرض، ولا يُدْرَى أَمُسْلِمٌ هو أم كافرٌ، فإنّه لا (٤) يُصَلّى عليه. وقال ابنُ وهب: ينظر إليه على ثوبٍ، هل هو خَتِينٌ أم لا؟ قال الإمام: والصّحيحُ عندي أنّ ينظر إلى غالب أهل الأرض الّذي وُجِدَ فيها، فيُحْكَم له بحُكْمِ الغالبِ من أهلها، وهذا يتبين في مسائل اللَّقيط إنْ شاءَ الله. ما جاء في كفن الميت مَالِك (٥)، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّ

стр. 1477

رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّن في ثَلاَثَةِ أَثْوَابِ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عمَامَةٌ. الإسناد: الحديث صحيحٌ، متَّفَقٌ على صحَّتِهِ ومَتْنِهِ (١). الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٢): قال الإمام: الكَفَنُ للرَّجُل بعد الوفاة كالكُسْوَة في الحياة لا بُدَّ له منها، وهي أصل في الدِّينِ مجتَمَعٌ عليه. سترُ عَوْرَتَهَ وغسلُه والصّلاةُ عليه والمواراة فَرْضٌ من فُروض الكفَايَة، إذا قام بأَمْرهِ من قامَ بفَرْضِ الكفاية سقطَ عن الباقِينَ. المسألة الثّانية (٣): أمّا كَفَنُ الميِّتِ، فهو من رأس مالِهِ، أوّل ما يخرج هو، وَكُفِّنَ مُصعَب بن عميْر في نَمِرَةٍ لم يوجد له غيرها (٤)، وَكذلك حَمْزَة (٥). واختلفَ (٦) العلّماءُ في الكَفَنِ هل يتعدّد أم هو واحدٌ؟ والصّحيح أنّه يتعدّد، وأنّه مَتَى احتاجَ إلى الكفَنِ أخذَهُ مرَّةً أو مرَّتينِ كما كان في حياته؛ إذْ ليس للوَرَثَةِ إلَّا الفَضْلَة عن حاجته. فإن ليم يكن له مال، فكَفَنُه على جميع المسلمين يُخرِجونه من بيت مَالِهِم، فإن عدم أو تعذّر، فعليهم أجمعين حتّى يقوم به أحدهم. المسألة الثّالثة: اختلفَ النَّاسُ في الكَفَنِ؟ فقيل: أقلُّه ثوبٌ واحدٌ. واختُلِفَ في أكثرِهِ؟ ففي المذهب، قيل: أكثره ثلاثة، وقيل: خمسة. ووجه الثلاثة: حديث عائشة.

стр. 1478

ووجه الخمسة: يدخل فيها القميص والعمامة. وقال علماؤنا (١): ثلاثة أثواب بِيضٍ: سَحُوليَّةُ، وقَميصٌ، وعِمَامَةٌ، وسَرَاوِيلٌ، فهذه ستٌّ، والقَطِيفَةُ الّتي فرشت له حين تنازع فيها شُقْرَان (٢)، وهي السّابعة. وقول عائشة (٣): "لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمامَةٌ" نفيٌ لوجودها (٤)، أو نفيٌ لتعديدها في ثلاثة أثوابٍ، ورَوَى البزّار (٥): "سَبْعَةُ أَثْوَابٍ" على ما ذكرناهُ، ورَوَى مسلم؛ أنَّه بسطَ تحتَهُ نَمِرَة، والصّحيح حديث عائشة، واللهُ اْعلمُ. نكتةٌ لغويّة: وقوله: "سَحُوليَّةٌ" رُوِي بفتح السِّين وضَمَّها، فمن رواه بالفتح نَسَبَهُ إلى قريةٍ باليمن اسْمُها سَحُول، ومن رواه بالضَّمِّ فهو جمع سُحل وهو الثّوب، ويجوزُ جمع سُحل على سُحول. وأمّا قوله: "لِلْمهنَةِ" أراد الامتهان، ومن روى: "الْمُهْلَة" أراد المادّة، وقيل: أراد تأنيث مهل كما يقال: مهل ومهلة (٦). المسألة الرّابعة: فيه اختيار البياض في الكَفَنِ، وهو أصلٌ في الدَّين، لقول النّبيِّ ﷺ : "خَيْرُ ثِيَابِكمُ الْبَيَاضُ" (٧) وحديث آخر: "فَليُحْسِنْ كَفَنَهُ" (٨)، وخرّج التّرمذيّ (٩) فيه حديث أبي قتادة: "إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ" وقال فيه: هو حديثٌ حسنٌ (١٠)، وقال علماؤنا (١١): يحسنه بالصَّفَاقَةِ (١٢) ليس بالغَلَاءِ.

стр. 1479

المسألة الخامسة: لا يغالي في الكَفَنِ، ففي ذلك رواية أبي داود (١)، عن عليّ؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا تُغَالُوا في الأَكفَاَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا". وقال أبو بكر (٢): "الحَيُّ أَحوَجُ إلى الجَدِيدِ منَ الميِّتِ". المسألة السّادسة: حديث عبادة: "خَيْرُ الكَفَنِ الحلّة، وخَيْرُ الأُضْحِيةِ الكبشُ الأَقرَنُ" (٣) يعني بالحلة: ثوبين واحد فوق واحد. وأمّا المرأة فإنّها تُكَفَّن في خمسة أثوابٍ. وقوله (٤): "سَحُوليَّةٌ" منسوبة إلى سحول بلدة باليمن (٥)، وقيل (٦): هي منسوبة إلى القطن، والأمران يرجعان إلى أمرٍ واحد؛ لأنّ ثياب اليمن إنّما هي قطن. المشي أمامَ الجنَازَة قال الإمام: هذا بابٌ ليس للنَّظَرِ فيه مَدخَلٌ، وإنّما ذلك موقوفٌ على الأَثَر، رَوَى الثلاثة الأيِمّة المشي والسعي أمام الجنازَة عن ابنِ عمر؛ أنّ النّبيِّ ﷺ وأبا بَكْرٍ وعمر كانوا يمشون أمام الجنَازَة (٧)، وليس في البابِ حديثٌ أَمْثَل من هذا. وأمّا حديث التّرمذيّ (٨)، عن ابن مسعود، وحديث ثوْبَان (٩)، في قوله:

стр. 1480

"أَمَا (١) تَستَحْيُونَ؟ ملائكةُ اللهِ على أَقْدَامِهِمْ وأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ " هو حديث موقوفٌ (٢)، والصحيح أنّ النّبيَّ ﷺ ركب مرجعة من جنازة أبي الدَّحدَاحِ وأصحابه يمشون مَعَهُ (٣). الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٤): اختلف العلّماء في ذلك (٥)؟ فقال مالكٌ: ذلك سنّة مشروعة (٦). وقال الشّافعيّ (٧) وأحمد (٨) وقوم؛ أنّ ذلك ممنوع (٩). المسألة الثّانية (١٠): تكلّم النّاس في تعليل ذلك، وانتسبت (١١) لمعانٍ ليست بالقويّة (١٢) منها: أنّ النّاس شُفَعَاء، والشّفيعُ يمشي بين يدي المشفوع له، وهذا حُكْمُ الرِّجال، وأمّا النَّساء فيمشين من وراء الجنازة؛ لأنّ ذلك أَسْتَر لهُنَّ، قاله ابن نافع، والله أعلم. المسألة الثّانية (١٣):

стр. 1481

قال (١): ويُكْرَهُ الرّكوبُ في المشي أمام الجنازة، قاله مالك. ولا بأس به في الانصراف، قاله ابنُ حبيب. تنبيه (٢): قال الإمام - ووجه ذلك: أنّ المشيَ مع الجنازة فعل برّ وموضع تواضعٍ، ومشي إلى الصّلاة كالمشيِ إلى الجمعة والرُّجوع، فليس بعبادةٍ في نفسه، فالرّكوب فيه مطلق كالرُّكوب للمُنْصَرِفِ من الجمعة. فان ركبَ أحدٌ إلى جنازة، فحُكمُه أنّ يمشي خلفها والنِّساء خلفه والناس أمامهما. المسألة الرّابعة (٣): في حمله أمّا حمله، فإنّه من فروض الكفاية، وهو أيضًا من فروضه إنّ لم يكن له مالٌ، فإن كان له مالٌ فماله يحمله، وقد رأيت في جميع ديار المشرق -صَانَها اللهُ- أنّه ليس للمَوْتَى حاملٌ مخصو، ولا فيه (٤) إجارةٌ مشروعةٌ، ولكن إذا جُعِلَ الميِّتُ على السَّريرِ نادَى منادٍ: احملوا تُحمَلُوا، فيبادِرِ النَّاسُ إليه فيحملونَهُ دُولًا حتّى يُوضع على قَبْرِه. فهذا حُملَتِ الجنازةُ، فالسُّنَّة أنّ يُمْشَى أمامها للحديث، وليس في قوله: "مَنْ يَتْبَعْ جَنَازَةً" (٥) حُجَّة، وإنّما أراد به أنّ له أجرًا كما لو تقدّم أمَامَها، والمذهب بالمشي خَلْفَها هو مذهب أهل العراق (٦)؛ لأنّ المَشْيَ خَلفَها عندهم أفضل، للحديث: "مَنْ يَتْبَعْ جَنَازَةً" في كلِّ حديث ورد فيه ذكر ذلك (٧). والتّتابُعُ يكون خَلْفَ المتبوع، وهذا لا يصحّ؛ لأنّ التّابع للمَلِكِ قد يمشي بين يَدَيْه لما يحتاج إليه، فليس يلزم من الاتِّباع تأخُّر التَّابع عن المتبوع، وتلك جَهَالَةٌ باللُّغَة (٨).

стр. 1482

المسألة الخامسة (١): قيل: إنّ الميت يحمل بين العمودين؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ حمل جنازة سعد بين العَمُودَيْن. وقال أبو حنيفة: يحمل بين الأربع (٢)؟ لأنّ ابنَ مسعود حملها كذلك. ولقد ماتَ العلّماءُ في بغداد فما حملهم إلَّا أصحابهم، ومات رجل من أصحابنا فما حمله أحدٌ إلَّا أنا والطّرطوشيّ، قاله ابن العربي (٣). المسألة السّادسة: اختلفَ العلّماءُ في القيام للجِنَازة؟ فذهب قومٌ إلى أنَّ القيامَ لها منسوخٌ بقولِ عليّ: إنّ رسول الله ﷺ وفي قام ثمّ قعد (٤)، ويقول علىّ: ما فَعَلَهُ إلَّا مرّة واحدة، مرّ برَجُلٍ من اليهود - وكانوا أهل كتاب- فلمّا نهي انتهى، فما عادَ إليها (٥) ﷺ . وقالت فرقةٌ من العلّماء: كلا القولين ثبتَ عنه ﷺ ؛ لأنّه قامَ وقعدَ، ولم تثبت الرِّواية من قِبَلِ الإسناد؛ أنّ القعودَ كان بعد القيام، والناسِ في ذلك مخيَّرُون إنّ قاموا فهو أفضل، لقوله ﷺ : "المَوْتُ فَزع، فَإذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةً فقُومُوا" (٦) وقال في حديث آخر: "إِنَّمَا يُقَامُ إِعْظامًا لِلذِي يَقْبِضُ النَّفُوسَ وَفَزَعًا لِلْمَوتِ" (٧) وقال في حديث آخر: "إِنَّمَا قُمْنَا لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ" (٨)، وَمنْ عَظَّمَ اللهَ فذَكَرَ الموتَ كان أفضل، ومن جلس فبغير حرج.

стр. 1483

المسألة السّابعة: كيف يدخل القبر؟ هذا باب اختلف العلّماء فيه: فقال أبو حنيفة: يؤخذ من جهة القِبْلَةِ (١). وقال الشّافعيّ: من يمين القبر؛ لأنّ ابن عبّاس رُوِيَ أنّه أخذ من يمين القبر، وتلك عادة أهل المدينة. وحُجَّةُ أبي حنيفة؛ أنّ النّبيَّ ﷺ أمر بإدخاله من جهة القِبْلَةِ، وكذلك رواه الطحاوي عن ابن عبّاس، وقد بَيَّنَا في "أنوار الفجر" أنّ آدم كان دفنه من جهة القِبْلَةِ، وذكر ذلك النَّخَعِي. المسألة الثامنة: (٢) فهذا أدخل الميت قبره، فإنّه يستحبُّ تلقينه في تلك السَّاعة، وهو مستحبٌّ، وهو فعلُ أهل المدينة والصالحين والأخيار؛ (٣) لأنّه مطابِقٌ لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وأحوج ما يكون العبد إلى التّذكير بالله تعالى عند تغيّر (٥) الحال وخروج الرُّوح وعند سؤال الملك؛ لأنّه يخاف عند ذلك أنّ يختلسه الشّيطان فَيُذَكَّر بالله تعالى، ولقوله: "لَقِّنُوا أَمْوَاتَكُمْ لَا إِلَهَ إِلا الله" (٦). قال الإمام: ولهذه النكتة اختلفَ استفتاحُ المصنِّفينَ في كتبهم في الجنائز، فأمّا البخاريّ فقال في كتاب الجنائز (٧): "مفتاح الجنّة: لا إله إلَّا الله" (٨) وأمّا مسلم (٩) فقال: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لَا إِلَهَ إلا الله" لهذا المعنى؛ لأنّه موضع يتعرّض الشيطان فيه لإفساد (١٠) اعتقاده ودينه وآخرته ويجتهد في ذلك، فأمَر النّبيُّ ﷺ بذلك ليكون تذكيرًا له وتَنْبِيهًا لما وعدَ به ﷺ ، ولما وقعَ في الحديثِ الآخَرِ أنّه "مَنْ كَانَ آخِرَ كَلاَمِهِ لَا إِلَهَ

стр. 1484

إلَّا الله دَخَلَ الْجَنَّةَ" (١) عربيّة (٢): قال الإمام: والتَّلقينُ هو تفعيل، من لَقِنَ أي فهم ما يذكر له، فهو يفهم ويذكر، وأمّا التّلقين في حال الحياة، فإنّه لا يخلو أنّ يكون الميِّت حاضر الذِّهن فهذا هو الّذي يُذَكَّر، وإن كان أُغْمِيَ عليه فليُذَكَّر أيضًا، وإن كان مرّة يُغمَى عليه ومرّة يتذكّر (٣) فليذكّر؛ فإن قالها فلا تعاد عليه مرّة أُخْرَى فإنّه على ما قَالَ، وسيأتي بيان هذه المعاني في مواضعها بِأَوْعَبِ بيانٍ إنّ شاءَ الله. النّهي أنّ تُتْبَعَ الجنازةُ بنَارِ قال الإمام: في هذا الباب أربع مسائل: المسألة الأولى (٤): قولها (٥): "أَجمِرُوا ثِيَابِي" يحتمل أنّ يكون منها على وجه التّعليم بالسُّنَّة، ويحتمل أنّ يكون على وجه الوَصِيَّة لمن قد علم جواز ذلك؛ لأنّها إنّما أرادت التّجمير للثِّياب. وقولُها: "ثُم حَنِّطُونِي" الحَنُوط ما يُجعَلُ في جَسَدِ الميِّت وكَفَنِه من الطِّيبِ وغير ذلك ممّا الغرض فيه ريحه دون لونه؛ لأنَّ المعهودَ منه ما ذكرنا من الرّائحة دون التَّجَمُّل واللّون، واللهُ أعلمُ. المسألة الثّانية (٦): إذا ثبت هذا، فموضع الحَنُوطِ أين يكون؟

стр. 1485

فقال أشهب: في لِحْيَتِه ورأسه، وهذا واسعٌ. وقال ابنُ حبيب: يُجعَلُ الكافور على مساجده وجبهته ورأسه وركبتيه (١) وقَدَمَيْهِ، ويُجْعَلُ في مسامّه وعينيه (٢) وفَمِهِ وأُذُنَيْهِ ومنخره (٣)، وعلى القُطْن الّذي يُجْعَلُ بين فَخِذَيْه، ويُجعَل بين أَكفَانِهِ كلِّها، ولا يُجْعَل على (٤) ظاهر كفنه. المسألة الثّالثة (٥): قال الإمام: وَيُفعَلُ هَذَا بِكُلِّ (٦) مَنْ غسّلَ ميِّتًا وَصُلِّيَ عَلَيْهِ (٧)، مُحْرِمًا كَانَ أو غير محرم (٨)، وبه قال الحسن، وعكرمة، والأوزاعي، وأبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: لا يقرب المحرم طيبًا. شرح (٩): قال الإمام (١٠): والدّليلُ على ما نقوله: أنّ هذا حُكْمٌ من أحكام الحجِّ، فوجبَ أنّ يبطل بالموتِ كالطّوافِ (١١). وأمّا ما رُوِيَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّه في الّذي المُحرِمِ الّذي وقع من رَاحِلَتِهِ فماتَ: "اغسلُوهُ بِمَاء وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُجَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبعَثُهُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (١٢) فليس بمانع من ذلك في غير ذلك الميّت، لأنّا لا طريق لنا

стр. 1486

إلى معرفة ذلك (١). وتعليلُ النّبيَّ ﷺ ذلك إنّما هو طريقٌ لا سبيلَ لنا إلى معرفته، فهو دليلٌ على أنّه حُكْمٌ مخصوصٌ به، ولو كان حُكْمًا يتعدَّى إلى غيره لعلَّلَهُ بما لنا من طريق إلى معرفته. المسألة الرّابعة (٢): وقولها: "لَا تُشَيِّعُوني (٣) بِنَارٍ" دليل على ما قال ابن حبيب: إنّما ذلك للتّفاؤل بالنار. ويحتمل ما قال أيضًا أنْ يكون هذا من أفعال "الجاهلية، فَالشَّرِيعَةُ (٤) مُخَالَفَتُهُ إذا لم يمن له وجه مقصود في الشّريعة. ويحتمل أنّ يمنع؛ لأنّه كان يُفْعَل على وجه الظّهور وللتَّعَالِي، والأوّل أحسن. وقد روي عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النّبيِّ ﷺ ؛ أنَّه قال: "لَا تُشَيِّعُوا الْجَنَازَةَ بِصَوتٍ وَلاَ بِنَارٍ" (٥)، ولا أعلم بين العلّماء خلافًا في كراهيَّتِهِ. باب التَّكبير على الجنائز العربية: التّكبير هو التّفعيل، مِنْ كبر، من قولك: الله أكبر، قال أهل العربية: "الله أكبر" معناه كبيرٌ وعظيمٌ وجليلٌ، وكذلك التَّسَبيحُ هو تفعيل، مِنْ سبّح يسبّح، وهو مصدر. الفقه والفوائد المنثورة في هذا الباب: وهي تسع مسائل:

стр. 1487

المسألة الأولى: النّعي للميِّت روى الواقديّ، قال: نَعَى النّبيُّ ﷺ للنَّاسِ النَّجَاشِي في اليوم الّذي مات فيه (١)، وذلك في رَجَب سنة تسع من الهجرة (٢)، فكان ذلك من أَعْلاَمِ نُبُوَّتهِ ﷺ ، وذلك لما بينَهُما من الثَّغرِ بين أرض الحجاز وأرض الحَبَشَةِ. ومِثْلُه إذ أخبر بقتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رَوَاحَة، وقد بيّنّاها وشرحناها في جملة المعجزات في "الكتاب الكبير". المسألة الثّانية (٣): قال علماؤنا (٤): النَّعيُ هو الإخبار بموته، وهذا النَّعْي غير محظور، وأمّا النَّعيُ الّذي معناه الصُّراخ والصّياح فإنّه محظورٌ، ولذلك كره مالك الانذار بالجنازة على أبواب المساجد والأسواق؛ لأنّه من النَّعْيِ. وقال علقمة بن قيس: الإنذار بالجنازة من النّعي، والنّعي من أمر الجاهلية. العارضة: قال الإمام: النّهي غير صحيحٌ؛ لأنّه ﷺ أعلم وأخبر بموت النّجاشي (٥) واسمه أصحمة وهو ملك الحبشة، وكان آمن بالنّبيِّ ﷺ ، وأخذ الإيمان عمّن جاء من الصّحابة، وهاجَرُوا إليه فآواهم، فلمّا مات، نَعاهُ النّبيُّ ﷺ في ذلك اليوم، وهو من أعلام نُبُوَّتهِ ومعجزاته كما تقدّم. والنّعيُ هاهنا هو الإخبارُ بمَوْتِهِ، كما أخبر بمَوْتِ جعفر وزيد بن حارثة، فثبت من ذلك ثلاث حالات (٦): ١ - الحالة الأولى: أنّ إعلامَ الأهلِ والقرابات (٧) والصّالحين والعلّماء بمَوْته سُنَّةٌ.

стр. 1488

٢ - وأن الجَفَلَى (١) والخِزْيَ (٢) طلب التَّفَاخُر والمُبَاهَاة بِدْعَةٌ. ٣ - وأَنَّ نَعْيَ الغائِبِ جائزٌ، والصَّلاةَ على الغائب جائزةٌ. وتركه للصّلاة على جعفر - وقد نَعَاهُ كما نعى النَّجاشي - فيه دليلٌ على أنّ الشّهيد لا يُصَلَّى عليه، وهذه سُنَّةٌ يفعلُها أهل بغداد وما وراء النّهر. إذْ لا يتبع الميِّت إلَّا أهل وُدِّهِ والصَّالحين من النّاس. المسألةَ الثّالثة: المرور للجنازة ففي الصّحيح؛ أنّه خرجَ إلى المُصَلَّى، وقد صلَّى أيضًا في المسجدِ، وقد صلَّى عند القبر، وإنّما جوّزَ للنجاشي ليكون الحال له أجمع. المسألة الرّابعة: (٣) أنّه يصلّي على الغائب، قالت المالكية: ليس ذلك إلَّا لمحمد ﷺ . قلنا: وما عمله محمّد ﷺ يُعملُ به، وتعمل به الأُمَّة من بَعْدِهِ. فإن قيل (٤): طويت له الأرض وأحضر روحه بين يَدَيْهِ. قلنا: إنّ ربَّنَا لقادِرٌ، وإن نَبِيَّنَا بذلك لأهلٌ، ولكن لا نقِرُّ بِهِ (٥)؛ لأنّكم رويتموه من عند أنفسكم. فإن قيل: إنّ جبريل ﵇ جاءَهُ بروح جعفر أو بجنازته وقال: قم فصلّ عليها. قلنا: لا نتحدّث إلَّا بالثّابت من القَوْلِ، ودَعُوا الضَّعِيفَ؛ فإنَّه سبيل التَّلَفِ فيما ليس فيه صحيح (٦). المسألة الخامسة: وقع في الصّحيح عن (٧) النّبيّ ﷺ أنّه قال: "إِنَّ أَخَاكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا

стр. 1489

عَلَيهِ" (١) والأمرُ يقتضَي الوجوبَ، ولا فَرْقَ بين الصَّلاة على النَّجَاشِي وغيره، وفي حديث آخر أنّه قال: "تُوُفِّيَ في اليَومِ رَجُلٌ صَالِحٌ" فقام فصفّ بهم كما يفعل في صلاة الفَريضة (٢). ومن أغرب (٣) ما رُوِيَ عن مالكٌ؛ أنَّه استحبَّ أنّ يكون المصلُّون على الجنازة سطرًا واحدًا. قال الإمام: ولا أعلمُ لذلك وجهًا؛ لأنّه كلما كَثُرَتِ الصُّفُوفُ كان أفضل، وكذلك صحَّ عن النّبيِّ ﷺ في أكثر صلاته عليها، وفي الصّحيح في صلاة النّجاشي: "فَقُمْنَا وَراءَهُ صفَّيْنِ" (٤) وفي الصّحيح أنَّه قال: "استَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ" (٥) معناه: سلوا الله المغفرة (٦)، وهو أفضل ما يسأل (٧) له. المسألة السّادسة (٨): قال علماؤنا: صلاةُ النّبيِّ ﷺ على النَّجاشيّ هو مخصوص به لثلاثة أَوْجُهٍ: أحدها: أنّ الأرضَ دحيت له جَنُوبًا وشِمالًا، ورأى نَعْشَ النجاشي، ورأى أيضًا بَيتَ المَقْدِسِ. قال المخالفُ: وأي فائدةٍ في رؤيته! وإنّما الفائدةُ في لُحُوقِ بَرَكَتِهِ. الوجه الثّانِي: أنّ النّجاشي لم يكن له هنالك وَلِيٌّ من المؤمنين فيقومُ بالصَّلاةِ عليه (٩)؛ لأنَّ (١٠) النَّجاشي كان مسلمًا وَليَهُ أهل الشِّرْكِ في بَلَدٍ آخر، فلم يكن له من يقومُ بسَبَبِه، فقام النّبيُّ ﷺ بها. الوجه الثالِث: أنَّ النّبيَّ ﷺ إنّما أراد بالصَّلاة على النّجاشيّ إدخال الرَّحْمَةِ

стр. 1490

عليه، واستئلاف بقيّة الملوك بعدَهُ إذا رَأَوْا الاهتمام به حيًّا وميّتًا. قال المخالف: بَرَكَةُ الدُّعاء من النّبيِّ ﷺ ومواساته (١) تلحق الغائب (٢). والذي عندي في صلاة النّبيِّ ﷺ على النّجاشيّ: أنّه عَلِمَ أنّ النّجاشيّ ومن آمن معه (٣) ليس عندهم من سُنَّةِ صلاة الميِّت أَثَرٌ، فعَلِمَ أنّه سيدفنونه بغَيْرِ صلاةٍ، فبادرَ إلى الصَّلاةِ عليه، والمسألةُ عريصة (٤) المدرك، وحقيقتها في "مسائل الخلاف". وهنا نكتةٌ وهي (٥): إذا تعذَّرَ غسل الميِّت لأمرٍ، فإنّه لا يمنع الصّلاة عليه، لأنّا نحن لا نعلمُ هل غُسِّلَ النّجاشيّ أم لا؟ ولهذا إذا عدم الوضوء لم يمنع ذلك من فعل (٦) الصّلاة (٧) على كلِّ حال. المسألة السابعة (٨): قوله (٩): "فكَبَّرَ عَلَيهِ أَرْبَعَ تَكْبيرَاتٍ" صحيحٌ حَسَن (١٠)، ولو كان التّكبير سَبَبًا لزيادة الفَضْلِ، لوَجَبَ زيادة التّكبير، ولما كان أحد أحقّ به مثله، لأنّه أمَّنَ من هاجر إليه من المسلمين وآواهم وأكرمَهُم (١١). المسألة الثّامنة: اختلفَ العلّماءُ في التّكبير على الجنازة من ثلاث تكبيرات إلى سَبْعٍ، ولهم في ذلك أحاديث كثيرة، فقد رُوِيَ أنّه كان يُكَبِّر على الجنازة خمسًا وستًّا وسَبْعًا، حتّى جاء موت النّجَاشيّ فكَبَّرَ أربعًا وهو آخر فِعْلِهِ، وعلى هذا أهم أيِمَّة الأمصار لا زيادة ولا نقصان؛ لأنّه أَثَرٌ صحيحٌ لا مَدْفَعَ فيه. ولما روي أيضًا في الأَثَرِ؛ أنّ جبريل ﵇ كَبَّرَ على آدم أربع تكبيراتٍ،

стр. 1491

وأن الخلفاء أيضًا عملوا بذلك، فكبّر أيضًا على أبي بكرٍ الصِّديق أربع تكبيراتٍ، وعلى عمر كذلك، واستمرَّ العملُ على ذلك، والشِّيعةُ تُكَبِّرُ على الجنازةِ خمسًا. واختلفَ العلّماءُ في إمام كَبَّرَ على جنازة خمسًا؟ فقال ابنُ القاسم وابنُ وهب عن مالك: إنَّه لا يُكَبّر معه الخامسة، ولكنّه لا يُسَلِّم إلَّا بسَلاَمِه (١). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا كبّر الإمام خمسًا قطع المأموم بعد الرّابعة بسلام ولم ينتظر تسليمه (٢). وقال أحمد وأهل الحديث: انه يكبّر معه خمسًا وسبعًا إنْ كبّر، لقوله: "لَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ" (٣) ولقوله: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبَّرُوا" (٤) وهذه من المحدِّثة وَهلَةٌ لا مردَّ لها. المسألة التّاسعة: اختلف العلّماء في الّذي يفوته بعض التّكبير على الجنازة، هل يحرم في حين دخوله، أو ينتظر الإمام حتّى يدعو يكبِّر فَيُكبِّر بتكْبِيرِهِ، فإذا سَلَّم الإمامُ قَضَى ما عليه، ورواهُ ابنُ القاسم عن مالك. واحتج من قال ذلك (٥) بقوله ﷺ : "ما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، ومَا فَاتكُمْ فَاقْضُوا" (٦). وأجمع العلّماءُ بالعراق والحجاز في قَضَاءِ التَّكبِيرِ دون الدُّعاء (٧)، وهو الصّواب.

стр. 1492

حديث مالك (١)، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مِسكِينَةُ مَرِضَتْ، فَاُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَرَضِهَا، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُ المَسَاكِينَ وَيَسألُ عَنْهُم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: "إِذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي بِهَا" فَخُرِجَ بِجَنَازَتهَا لَيْلًا، فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أُخْبِرَ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهَا فَقَالَ: "أّلَمْ آمُرُكُم أَنْ تُؤْذِنُوني بِهَا؟ " الحديث إلى قوله: وَصَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا، فَكَبَّرَ أَربَعَ تَكْبِيرَاتٍ. الإسناد: قال الإمام: هذا حديث صحيحٌ، وخرّج الأيمة مثله (٢)، رُوِيَ عن علي بن أبي طالب؛ أنّ النّبيَّ ﷺ صلَّى على قَبرٍ مرّتين، وروى التّرمذيّ (٣)؛ أنّ النّبي ﷺ صلّى على قبر بعد شَهْرٍ، والصّلاة بعد شهر كالصّلاة بعد يَوْمٍ. وبَيَّنَ أبو عيسى التّرمذيّ (٤) المصلّى عليها بعد شهر وهي أمّ سَعد بن عبادة، من رواية ابن المسيَّب مُرْسَلًا، وقد روى الدارقطني (٥) ذلك مُسْنَدًا عن ابن عبّاس؛ أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى على قَبْرٍ بعد شَهْرٍ، تفرَّدَ به بشر (٦) بن آدم عن أبي (٧) عاصم. الفقه والفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي عشر فوائد: الفائدةُ الأولى (٨): عيادةُ المريضِ وهي أصلٌ في الدِّين، وقد رُوِيتْ فيها آثارٌ كثيرةٌ. قال علماؤنا: الزّائر هو الّذي ينزل بالمَزُورِ (٩)، ومنه يقال للطَّيْف: زَوْرٌ، والعائد هو الّذي يقصده على نية التَّكْرَارِ.

стр. 1493

أمّا البخاريّ (١) فقد بَوَّبَ وأدخل الحديث الصّحيح فقال: "أَطْعِمُوا الْجَائع، وَفكُّوا الْعَانِي، وَعُودُوا الْمَرْضَى" وفيه حديث صحّحه أبو عيسى فقال في ثواب المريض فقال: "مَا مِن امرِءٍ يَمرَضُ إلَّا حُطَّتْ عَنْهُ سَيِّئَاتُهُ وَرُفِعَت لَهُ دَرَجَاتُه" (٢) وفيه حديث آخر حسن خرّجه الترمذيُّ "إنّ المريض تَتَحَاتُّ خَطَايَاهُ كَمَا تَتَحَاتُ وَرق الشَّجَرِ" (٣)، وهذه موعظةٌ للمريض. الأصول (٤): قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية (٥)، كلّ ذلك من فَضلِ اللهِ على عباده أنّ خلقَ المعصيةَ وكَفَّرَهَا (٦) بحِكمَتِهِ وبرَأفَتِهِ، وكفَّارة الأَوْصَاب والأمراض للسَّيِّئاتِ -كما قدّمنا- إذا كانت صغائر مسحًا مسخًا، وإن كانت كبائر فكبائر (٧). وقوله (٨): "إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسلِم لَمْ يَزَلْ في خُرفَةِ الجَنَّةِ" فإنّ ممشاهُ إلى المريضِ لما كان له من الثّواب على كلّ خُطوَةٍ درجة، وكانت الخُطَى سببًا إلى نيلِ الدَّرجاتِ في النَّعيمِ المُقِيمِ، عَبَّرَ عنها (٩) لأنّه سببها، فجاز كما بيَّنَّاهُ، وله إذا مشى في "الخُرفَةِ" وهي بساتين الجَنَّةِ أنّ يخرفَ منها ويتنعَّمَ بالأكل. وقوله (١٠):"إِن الْمَرِيضَ تَتَحَاتّ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَتَحَاتُّ وَرق الشَّجَرِ" وهذه إشارة إلى أنّ المريض إنّما تنحطّ عنه أوّلا الصّغائر من الذُّنوب الّتي هي من شجر

стр. 1494

المخالفة، بمنزلة الوَرَقِ من شجر الدُّنيا، وشجر المخالفة شجرة خبيثة (١)، أصلُها الكفر وورقها صغائر الذُّنوب (٢). وَرُوِيَ في حديث أنّه قال لمن لم يصب الله منه: "قم عنّا، فَلَستَ مِنَّا" (٣) إشارة إلى أنَّه ناقص المرتبة عند ربِّه، وعلامة ذلك صحَّة بدنه على الدّوام، وهذا يخرج مخرج الغالب، أَوْ (٤) علم من حال (٥) ذلك في نقصانه ما أخبر بذلك عنه. الفائدةُ الثّانية (٦): قال علماؤنا: يعادُ المريض من كلِّ ألم دقَّ أو جلَّ، ويعادُ من الرَّمَدِ، وقد رُوِيَ في الحديث أنّ زيد بن أرقم عادَه رسولُ الله ﷺ من رَمَدٍ أصابه (٧). وقد رُوِيَ في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يُعَادُ مِنْ وجَعِ العَيْنِ، وَلا مِنْ وَجعِ الضّرسِ، وَلاَ مِن وَجعِ الرَّمَدِ" (٨). وقد قال بعض أشياخي (٩): إنّ هذا الحديث يقضي عليه الأوّل. الفائدةُ الثّالثة: قال الإمام (١٠): الصّلاة على القَبْرِ ليست مشروعة عند مالك، وهو الصّحيحُ من

стр. 1495

قولِ سائرِ العلّماء، وصلاته على القبر إنّما كانت لأنّها دفنت بغير صلاةٍ، إذ قال لهم: آذِنُونِي بها، فلم يَفْعَلُوا، فوقعتِ الصلاةُ غير مجزئة، فوجب إعادة الصّلاة، ولكن قال مالكٌ: إنّما يصلَّى على القبر إذا كان حَدِيثًا. والصّحيح عندي أنّه إذا دفن بغير صلاةٍ صلّي عليه أبدًا. الفائدةُ الرّابعة (١): قوله (٢): "أنّ مِسْكِينَةً مَرِضَتْ" قال علماؤنا (٣): في هذا الحديث دليل على اهتمام النّبيِّ ﷺ بأخبار ضُعَفَاءِ المسلمين. وكان (٤) النّبيُّ يجالس المساكين ويحبُّهم، وهي عادة الأنبياء قَبْلَهُ. الفائدةُ الخامسة (٥): قوله: "فَخُرِجَ بِجَنَازَتِهَا لَيْلًا" فيه أنّ الخروج في اللّيل بالجنازة جائزٌ، وإن كان الأفضل ترك ذلك إلى النَّهار ليحضرها مَنْ أمكنَ من المسلمين دون مَشَقَّةٍ، فإن (٦) كان ذلك لضرورة (٧)، فلا بَأْسَ به إنّ شاء الله، وروى ذلك ابن زياد (٨). الفائدةُ السّادسة (٩): قوله: "حَتَّى صَفَّ النَّاس عَلَى قَبْرِهَا" قال علماؤنا (١٠): هذا يقتضي أنّ الصُّفوفَ على الجنائز مسنونةٌ كسائر الصّلوات بالجماعة (١١)، ولذلك لم يصلِّ عليها وحده. وإذا كان من يصلِّي على الميِّتِ النِّساء فقط، فقد قال ابنُ القاسم: يصلِّين أفذاذًا؛ لأنّ هذه صلاة، فلم تكن المرأة فيها إمامًا كسائر الصّلوات. وقد قال أشهب: تؤمهنَّ امرأة.

стр. 1496

قال الإمام (١): ويحتمل أنّ تكون هذه الرِّواية مبنية على رواية ابن أيمن عن مالكٌ في إمامة المرأة. الفائدةُ السابعة (٢): قوله: "فَصَفَّ النَّاس عَلَى قَبْرِهَا" هذا بَيَّنٌ في جواز الصّلاة على القبر، وعلى هذا جمهور أصحابنا، غير أشهب وسحنون فإنّهما قالا: إنّ نَسِيَ أنّ يصلِّى على الميِّت فلا يصلّ على القبر (٣)، إذا فاتت الصّلاة على الميِّت، فأمّا إذا لم تفت فيصلّى عليه (٤). وقال ابن وهب عن مالك أنّ ذلك جائز، وبه قال الشّافعيّ. والدّليل على المنع من ذلك: أنّ هذا حكمٌ يجب فيه بعد موته، فوجب ألَّا يتكرّر مع بقاء حُكْم الأصل كالغُسْلِ. ووجه قول ابن وهب والشّافعىّ: تعلّقهما بصلاة النّبيِّ ﷺ على هذه المرأة. والجواب: أنّه لا يجوز امتثاله لمعان: أحدها: أنّ النّبيَّ ﷺ علّل صلاته على القبور بما لا طريقَ لنا إلى العلّم بأنّ حكم غيره فيه كحكمه (٥)، فقال: "إِنَّ هَذِهِ الْقُبُور مُمْتلِئَةٌ ظُلمة، وإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا بِصَلاَتِي عَلَيْهَا" (٦). ووجه آخر: وهو أنّ النّبيَّ ﷺ -كان المستحقّ للجنائز (٧) والوليّ عليها، فإذا صلّى غيره لم يسقط فَرْض الصّلاة عليها، وهو قولُ جماعة من أصحابنا. ومنهم من قال: إنّ الفَرضَ يسقط ولا تُعَادُ الصّلاة، غير أنّه كان منعهم من

стр. 1497

دفنها حتّى يصلّى عليها (١)، فلما كان قد نهى أنّ تدفن حتّى يصلّى عليها، لم تكن صلاتهم دونه تسقط فَرْض الصّلاة عليها. المسألة الثّامنة (٢): فإذا ثبت أنّه لا يصلّى على قبرٍ إلَّا بعد أنّ تَفُوت الصّلاة على الميِّت، فبأيِّ شيءٌ يفوت ذلك؟ قال أشهب: تفوتُ الصّلاة عليه خارج القَبرِ، بأنْ يهال عليه التراب ويخرج، وإن وضع اللّبن عليه ما لم يهل التراب عليه. وروى يحيى عن ابن القاسم؛ أنّ ذلك لا يفوتُ حتّى يُخَاف عليه التّغيير، وأنّه يخرج ما لم يخف التغيير عليه. وقال أشياخنا: إنّما يفوتُ بالدَّفْنِ، والفراغ من الدّفن هو تسوية التُّراب. المسألة التّاسعة: قوله: "فَكَبَّرَ عَلَيهَا أَرْبَعًا" هو الصَّحيح المشهور الثّابت في الدِّين قطعًا، كما بيَّنَا قبلُ. واختلف العلّماء هل يقف الإمام بعد التكبيرة الرّابعة للدُّعاء أم لا؟ فقال سحنون: يقف بعد الرّابعة ويسلِّم بإِثْرِها. وفي "الَّتبْصِرَة" (٣) قال ابنُ حبيب: يسلِّم عقب التكبيرة من غير دُعاءٍ، وحَكَى قول سحنون أيضًا. توجيه: قال الإمام - ووجه ما قاله سحنون: أنّ التكبير الآخر من صلاة الجنازة، فكان

стр. 1498

الدّعاء مشروعًا بعدَها، أصلُ ذلك الأُولى والثّانية والثّالثة. ووجه القول الثّاني الّذي قاله ابن حبيب في "التّبصرة": أنّ الدُّعاء في صلاة الجنازة بمنزلة القراءة في غيرها، ولو دَعَا بعد الرَّابعة لاحتاج إلى تكبيرة تفصلُ بين القراءة في غيرها، ولو دَعَا بعد الرّابعة لاحتاج إلى تكبيرة تفصلُ بين القراءة والتّسليم، كما يفصل الرّكوع بين القراءة والسّلام. المسألة العاشرة: هل يرفع يديه مع كلٍّ تكبيرة أم لا؟ فروى ابنُ وهب عن مالكٌ؛ أنَّه يستحبُّ ذلك. وروى ابن القاسم عنه؛ لا يرفع فيها بعد الأُولَى. وروى ابن حبيب عن ابن القاسم؛ اْنّه لا يرفع في الأُولَى ولا في غيرها. قال الإمام: والخلافُ في ذلك مبنيٌّ على الخلاف في رفع اليَدَيْنِ في الفَرِيضَة، كما بيَّنَّاهُ في موضِعِه. ما يقول المُصَلَّي على الجنازة الإسناد: روى مسلم (١)؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا صَلَّيْتُنم عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ"، وفيه أحاديث كثيرة، وحديث أبي هريرة هذا ومروان قالا فيه: "اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبّهَا، وَأَنْتَ خَلَقتَها، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا، وَأَنْتَ قَبضْتَ رُوحَهَا، وأَنْتَ أَعْلَمُ بسِرِّهَا وَعَلاَنِيِّهَا، جِئنا شُفَعَاء فِيهِ فَاغْفِر لِذَكَرِنَا وأُنْثانَا، وشَاهِدنَا وَغَائِبنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أًحْيَيْتَهُ مِتا فَاحْيِهِ عَلَى الإيْمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإسْلاَمِ، اللَّهُمَّ لَا تُحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعدَهُ" (٢).

стр. 1499

وأمّا حديث وائلة، قال: سمعته يقولُ: "اللَّهُمَّ إنَّ فلان بن فلان في ذِمَّتِكَ فَقِهِ فتنةَ القَبرِ وعذابَ النَّارِ، وأنتَ أهل الوَفَاء والحقّ، اللَّهُمَّ اغفر له وارحمه، أنت الغَفُور الرّحيم" (١). وخرّج مسلم (٢): "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعفُ عَنْهُ، وَأَكرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدخَلَهُ، وَاغْسِلهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الَخطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَابْدِلْهُ دَارًا خَيرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوجًا خَيرًا مِنْ زَوجِه، وَأَدخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَنَقِّهِ مِنَ النَّارِ -أَو قَالَ- وَأَعِذْهُ مِنَ النَّارِ". قال المؤلِّف: هذه الأحاديث الواردة الّتي ثبتت عن النَّبيِّ ﷺ في الدُّعاء، فلا يُلتَفَت إلى سواها، وإلى ما صنَّفَ النّاس فيها. الفقه والفوائد المنثورة: وهي ستّ (٣): الفائدةُ الأولى (٤): صلاة الجنازة عند أكثر العلّماء دعاء لا يفتقر إلى قراءة. وقال جماعة: يفتقرُ إلى قراءة الفاتحة، واختاره الشّافعيّ (٥)، وخرَّجه البخاريّ (٦) عن ابن عبّاس؛ أنَ السُّنَّة قراءة الفاتحة (٧) في صلاة الجنازة. واتفَقُوا على أنّ الطّهارة لها فرضٌ، ما خلا الطّبريّ والشَّعبيّ فإنّهما قالا: إنّه دُعَاءٌ فلا يفتقر إلى طهارة (٨). قال الإمام: والصحيح أنّها تَفْتَقِرُ إلى طهارة، لقول النّبيّ ﷺ : "لَا صَلاَة إلَّا

стр. 1500

بِطَهُورِ" (١) و "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ بِغَيرِ طَهُورِ" (٢) وهذه صلاةٌ بإجماعٍ، فوجبَ فيها الوُضوء. وأما القراءة، فلم ترد في رواية مُتَّصِلَةِ السَّند إلى النَّبيِّ (٣)، وتحصيلُ مذهب مالك في هذه المسألة؛ أنه لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وبه قال أبو حنيفة والثّوريّ (٤). وقال الشافعيّ وأحمد وإسحاق: يقرأ فيها بأمّ القرآن في أوَّلِ ركعةٍ خاصَّة، ويدعو في سائرها، وبه قال أشهب. وقال الحسن: يقرأ الفاتحة (٥) في كلِّ تكبيرةٍ. قال الإِمام: والصّحيحُ عندي ما قاله أشهب؛ أنه يقرأ الفاتحة في أوَّلِ ركعةٍ ويدعو في سائرها، وهذا حسنٌ يعضده الحديث والنّظر والأثر؛ لأنَّ مالكًا لم يبلغه حديث ابن عبّاس، واللهُ أعلم. الفائدة الثانية (٦): قوله (٧): "اللَّهُمَّ إنا جِئْنَا شُفَعَاء فِيهِ" وقد يقال (٨): فانفعنا به، والشّفيع لا يكون إلاَّ مُستَحَبًّا (٩) في جميع أفعَاله فيشفع فيه، واللهُ أعلمُ. وكذلك قوله: "واغْفِر لصغِيرِنَا وكبيرِنا" وقد بَيَّنَاهُ في "كتاب التّفسير". قوله (١٠): "واحْيِنَا على الإيمَانِ وتَوَفَّنَا على الإسْلَامِ" فيه دليل على أنّهما بمعنى واحد، وقد تقدّم بيانُه بأن الإيمان هو التّصديق وأنّ الإِسلام هو الاستسلام، ولو كان الإِسلام العمل والإيمان الاعتقاد خاصّة، لكان الأمر بالقَلْبِ أَوْلَى، ويقال: وأمتنا

стр. 1501

على الإيمان وأحينا على الإسلام. الفائدةُ الثّالثة (١): قوله: "إنّ فلان بن فلان في ذَمَّتِكَ" والذِّمَةُ والذِّمام واحدٌ، وإنّما جعلوه في ذِمَّتِه لأنّهم كانوا يرونه يصلِّي الصُّبح، وقد قال النّبيُّ ﷺ : "مَنْ صَلَّى الصُّبح لَمْ يَزَلْ في ذِمَّةِ اللهِ حَتَّى يُمْسِي" (٢) أو بشهادة الإيمان الّتي يشهدون له بها في قوله: "مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلا الله وصلَّى صَلَاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحتَنَا" الحديث: "فَلَهُ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِ" وفي حديث آخر: "ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ" (٣). الفائدةُ الرّابعة: قوله: "وَقِهِ عَذَابَ النَّارِ" وقال: "فِتْنَةَ الْقَبْرِ" وهذا سبيلٌ لابدّ لكلِّ ميِّتٍ منه، فللمُؤمِنِ النَّجاة، وللكافر الهَلَكَة، وللمُذْنِبِ المشيئَة، وقد تقدّم تحقيق عذاب القبر في صلاة الكسوف، فلينظر هنالك. الفائدةُ الخامسة (٤): قوله: "وَأَنْتَ أَهْلُ الوَفَاءِ" يعني بالميعاد (٥)، ولذلك معان كثيرة: أولها: الوَفَاءُ لمن مات على التّوحيد لا يعذبه البارئ؛ لأنّه أهل الوفاء ولَمَّا قال (٦): إنّ الوفاءَ هو التّوحيد. وقد قال المفسِّرون في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٧) قيل: التّوحيد والجزَاء الأَوْفَى هو الإثابة على التّوحيد والنّجاة من النّار، والوفاء للشَّافِعِينَ فيه من المُصَلِّين، وشهادتهم له بالإيمان، على ما بيَّنَّاهُ في حديث عمر الصّحيح، قولُ النّبيِّ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ"، قُلْنَا: وَثَلاَثَة؟ قَالَ: "وَثَلاَثَة"، قُلنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: "وَاثنَانِ"، وَلَمْ نَسأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ (٨).

стр. 1502

خاتمة: قال الإمام: وأخصر ما قيَّدْنَاه (١) في الدُّعاء على الميِّت، قوله: "اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ وَابنُ عَبْدِكَ، مَاضٍ فِيهِ حُكْمُكَ، وَلَم يَكنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، أنزل بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، اللَّهُمَّ لَقِّنْهُ حُجَّتَهُ، وَأَلحِقْهُ بِنَبِيِّهِ، وَنَوِّر لَهُ قَبْرَهُ، وَوَسِّعْ عَلَيْهِ مُدخَلَهُ، وَثَبِّتهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، وَأنَّهُ قَدِ افْتَقَرَ إِلَى رَحمَتِكَ وَاستَغنَيْتَ عَنْهُ، وَكَانَ يَشهَدُ أَلَّا إِلَهَ إلَّا الله، اللَّهُمَّ إنّ كَانَ زَاكِيًا فَزَكِّهِ، وَإِنْ كَانَ خَاطِئًا فَاغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا تَحرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ". هذا أخصر شيءٍ وأحسنه ممّا يقال على الميِّتِ. وأمّا ما يقوله الغاسل إذا غسّله، فإنّه ليس فيه أثرٌ غير ما رُوِيَ عن عليّ أنّه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: كَيفَ يَقُولُ الَّذِي يَغسل الْمَيِّتَ؟ قَالَ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ عَفْوُكَ عَفْوُكَ، حَتى يَفْرَغَ مِن غسْلِهِ (٢). وقال مالك: ليس عندنا في الدّعاء حد، وليقل وليجتهد ما أمكنَ، واللهُ أعلمُ. في الصّلاة على الجنائز بعدَ الصُّبْحِ وبعدَ العَصْر مالك (٣)، عَن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرمَلَة، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحمنِ بْن أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حُوَيطِبٍ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنتَ أَبِي سَلَمَةَ تُوُفِّيَت، وَطَارقٌ أَمِيرُ المَدِينَةِ، فَأُتِيَ بجَنَازَتِهَا بَعْدَ الصُّبْحِ، فَوُضِعَتْ بِالْبَقِيعِ. قَالَ: وَكَانَ طَارِقٌ يُغَلَّسُ بِالصُّبْحِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ: فَسَمِعتُ عَندَ اللهِ بنَ عمر (٤) يَقُولُ لأَهلِهَا إِمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَى جَنَازَتِكُمُ الآنَ، وَإِمَّا أَنْ تَتركُوهَا حَتَّى تَرتَفِعَ الشَّمسُ. مَالِك (٥)، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: يُصَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ العَصْرِ إِذَا صُلِّيَتَا لَوقتِهِمَا.

стр. 1503

الفقه في ثلاث مسائل: الأولى (١): قال علماؤنا: إنّما قال ذلك ابن عمر حماية أنّ يصلّى في الوقت المنهي عنه. وقوله: "لِوَقْتِهِمَا" يحتملُ أنّ يريد به لوقت الصّلاتين (٢)، وهو الوقت المختار لهما في العصر إلى أنّ تصفرّ الشّمس، وفي الصُّبح إلى الإسفار، وهي رواية ابن القاسم في "المدونة" (٣)، وفي "المختصر": يُصَلَّى عليها، إلَّا عندما يهمّ قرن الشيطان أنّ يطلع فلا يصلّى عليها (٤)، إلَّا أنّ يخاف عليها. قال الإمام (٥): وقوله في الصُّبح (٦)، مبنيٌّ على أنّ الوقت المختار للصُّبح جميع وقتها، وأنّه ليس لها وقت ضرورة. ووجه رواية ابن القاسم: مبنية على أنّ لها وقت ضرورة، وهو من الإسفار إلى طلوع الشّمس. ويحتمل أنّ يريد بقوله: "إِذَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا" أي لوقت صلاتي (٧) الجنازتين على ما تقدّم. المسألة الثّانية (٨): فإنْ أخَّرَ الصّلاة عليها حتّى تغرب الشّمس؟ فرَوَى ابنُ القاسم وابنُ وهب عن مالك: يبدأ بالمغرب وذلك لضيق وقتها، أو لفضيلة تقديمها، وأمّا صلاة الجنازة فليس بعض الأوقات أخصّ بها من بعض، فإن صلّى عليها قبل المغرب فلا بأس به، وهو مبنيٌّ على سَعَةِ وقت المغرب، واللهُ أعلم.

стр. 1504

عربية: قوله: "فَوُضِعَت بِالبَقِيعِ" البقيع: كلّ أرض سهلة، وهو القطيع من الأرض، وهو البقعة أيضًا. الصّلاة على الجنازة في المسجدِ الفقه (١): الصّلاة على الميِّتِ في المسجد له صُوَرٌ: أحدها: أنّ يدخل الميِّت في المسجدِ، وكرهه علماؤنا (٢) لئلّا يخرج منه شيءٌ، وتعريض المسجد للنّجاسة لا معنى له، والحديث يحتمل أنّ يكون خوف أنّ ينفجر في المسجد، وإنّما أذنت عائشة (٣) بالمرور عليها في المسجد؛ لأنّها أَمِنَت عليه أنّ ينفجرَ أو يخرجَ منه شيءٌ، بَيْدَ أنَّ مالكًا مَنَعَهُ للذَّرائعِ فمنع منه؛ لأنّ النّاس كانوا يسترسلون في ذلك، والله أعلم. تنبيهٌ على وَهَمٍ: قال جماعةٌ من الشّارحين للحديث منهم ابن شعبان (٤): إنّما كره الصّلاة على الجنازة في المسجدِ؛ لأنّها ميتةٌ وجيفَةٌ، وليس هذا بشيءٍ؛ لأنّه لم يحسن عبارة المسألة، وإنّما المسألة مبنيةٌ على القول بنجاسة الميِّت، وهي مسألة خلاف. فعلى القول بنجاسته يتبيَّن وجه المنع، وعلى القول أنّه ليس بنجسٍ يكون المنع حماية للذَّريعةِ، لئلّا ينفجر منه شيءٌ. ويتعارض أيضًا حديث عائشة وحديث وقع في "كتاب أبي داود" (٥) فيه: "إِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ في مَسْجِدٍ فَلَا شَيْءَ لَه" والجمع بينهما بعيدٌ جدًّا، واللهُ أعلم.

стр. 1505

جامِعُ الصّلاة على الجنائز مَالِك (١)؛ أنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، كَانُوا يُصَلَّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالمَدِينَةِ، الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَيَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الإمَامَ، وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ. الإسناد: قال أبو عمر (٢): "هكذا رواه يحيى عن مالكٌ، وروته طائفةٌ من رواة "الموطّأ"عن مالكٌ، عن ابن شهاب، أنّه بَلَغَهُ أنّ عثمان وعبد الله مثَله سواء إلى آخره، ورواه محمّد بن مخلد العطار، عن أحمد ابن إسماعيل المديني، عن مالكٌ، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك؛ أنّ عثمان، وعبد الله بن عمر، وأبا هريرة، كانوا يصلّون، فذَكَرَهُ إلى آخره سواءً". وهو غريب ذَكَرَهُ عليّ بن عمر الدّارقطني عن ابن مخلد. الفقه في أربع عشرة مسألة: المسألة الأولى (٣): قال علماؤنا (٤): يحتمل أنّ يصلّوا عليها للإمارة (٥)، وأن يكون عبد الله بن عمر يصلَّي عليها لصَلَاحِهِ. ويحتمل أنّ يكون ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم كانت له جنازة في الجملة. والجنازةُ يصلّى عليها بثلاثة معانٍ: ١ - الإمارة (٦). ٢ - والولاء والتّعصيب.

стр. 1506

٣ - والصلاح والدَّين (١). فإنِ انفردَ كلُّ واحدٍ من هذه، مثل أنّ يموت أحدٌ فلا يكون له وليٌّ، ولا يحضر من يُشار إليه بصلاحٍ ويحضر الوَالِي، فلا خلافَ أنّه يصلّى عليه (٢)؛ لأنّه أحق بالتّقديم عليها كصلاة الفَرضِ (٣). فإني حضر وليّ ولم يحضر والٍ، ولا رجل مشهور بالصّلاح، فإن الوليّ أَوْلَى بذلك؛ لأنّ الصّلاة من حقوق الميِّت ومن حقوق الوليّ فإنّه أحق بالقيام بها من الأجانب. وكذلك إنّ حضر المشهور بالصّلاح دون الوالي والولي، فهو (٤) أحقّ بذلك (٥). فإن اجتمعوا فأحقهم الوالي (٦)، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ. وقال (٧) مُطَرِّف وابن الماجشون وَأَصْبغ: إنِّما ذَلِكَ إلى الأمير الّذي تُؤَدَّى إليه الطّاعة (٨). المسألة الثّانية (٩): فهذا لم يكن والٍ، فأحقُّ التاس بالتقديم الوَليّ إذا كان ممّن تصحّ إمامته، ويستحقّ ذلك بالتَّعصيب، فأقوى عصبته وأقربهم منه أحقّهم بالصّلاة عليه، كولاية النِّكاح.

стр. 1507

المسألة الثّالثة (١): وهي إذا اجتمع جنازتان فأكثر ولكلّ واحدة وليّ؟ فقد قال مالكٌ: إنّ أحقَّهُم بالصَّلاة أفضلهم، وإن كان وليّ امرأة وغيره وليّ رَجُل (٢). وقال ابن الماجِشُون: أحقّهم وليّ الرَّجُل (٣). المسألة الرّابعة (٤): قوله: "فَيَجعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الإمَامَ" قال علماؤنا (٥): هذا نوع من ترتيب الجنائز في الصّلاة عليها، وهي على ضربين: أحدهما: أنّ يقدّم مستحقّ الفضيلة. الثّاني: أنّ يجعلوا صفًا واحدًا ويقف الإمام وسط ذلك، فيجعل مستحقّ الفضيلة حذاء الإمام، ويجعل غيره عن يمينه وعن يساره. قال الإمام: وقد قيّدنا في ترتيبهم ثنتي عشرة مرتبة وهي: إذا اجتمعوا أنّ يقدّم الإمام: ١ - أعلمهم. ٢ - ثم أفضلهم. ٣ - ثم أسنّهم. وقيل: إنه يقدَّم الأفضل على الأعلم، وهذا بعيدٌ؛ لأنّ فضيلة العلّم مزيّة يقطع عليها، ومزيّة الفَضْل لا يقطع عليها، وأيّ درجة أفضل من العلّم. ٤ - ثمّ الصِّبيان الأحرار.

стр. 1508

فإنْ تفاضَلُوا أيضًا في حِفْظِ القرآن ومعرفته، بشيءٍ من الدِّين والمحافظة على الصّلاة وفعل الطّاعة، قدِّم ذو المعرفة منهم على الّذي عرف بالمحافظة على الصّلاة وفعل الطّاعة. ٥ - ثم الأسنّ، وإن لم يكن لأحدهم مزيّة السِّنِّ، قدِّم الأسنّ على غير الأسنّ. ٦ - ثمّ العبيد الصِّغار. وإن تَفَاضَلُوا أيضًا في العِلْمِ والفَضْلِ والسِّنِّ، فعلى ما تقدّم في الأحرار؛ لأنّه قد أوضحنا أنّه يقدّم الرِّجال والنِّساء والأحرار والعبيد والصِّغار والكبار، فيقدّم الأحرار على العبيد صغارًا كانوا أو كبارًا، والذُّكور على الإناث صغارًا كانوا أو كبارًا، إلَّا إذا استوت مرتبتهم في الحرِّيَّة. ٧ - ثم النِّساء الأحرار (١) الكبار. وقال ابنُ القاسم: إنّما قدّم العبيد الكبار على الأحرار الصِّغار؛ لأنّ العبد الكبير يؤمُّ الحرَّ الصَّغيرَ (٢). ووجه القول الأوّل: أنّ نَقِيصَةَ العبوديّة أَثْبَتْ من نَقِيصَةِ الصِّغَر؛ لأنّ الصّغير يبلغ على كلِّ حالٍ مع حياته، والعبد قَدْ لا يعتق مع (٣) حياته (٤). ٨ - ثمّ الخَنَاثَى المُشْكِلُون الأحرار الكبار. ٩ - ثمّ الخَنَاثَى الأحرار الصِّغار. ١٠ - ثمّ النِّساء الأحرار الكبار. ١١ - ثمّ النِّساء الأحرار الصغار. ١٢ - ثم الإمَاء الكبار، ثمّ الإمَاء الصِّغار، وباللهِ التّوفيق. وقال أبو الوليد (٥) ﵀: "إنّ الفضائلَ المعتبرةَ في النّاسِ: الذكورةُ والبلوغُ والحرَّيَّةُ، كما أنّ النقائصَ ثلاثةٌ: الأُنوثة والصِّغر والرِّق، فيجب أنْ يقدَّم في

стр. 1509

الصّلاة من كملت فضائله، وهي الذكورة والحرية والبلوغ". فهذا حصل هذا، فالإمامُ يكَبِّرُ عليهم أربع تكبيرات، يُنزِلُ التكبيرة فيها منزلةَ الرَّكعة في الصّلاة، والدُّعاء فيها بمنزلةِ القراءَةِ في الصّلاة، وهذا صريح مذهب مالك ﵀. ومن شرطها صحة الإمامة كصلاة الجمعة والعيد. فإن صُلِّي عليها بغير إمامٍ أُعِيدَتِ الصَّلاةُ ما لم يفت ذلك، هذا عند مالك وأصحابه. وكذلك مذهبُهُ في الوَلِيِّ للصَّلاة عليها، فقال: والابن أَولَى بالصّلاة على الجنازة من الأب (١)، والأبُ أَوْلَى من الأخِ، والأخ أوْلَى من ابنِ الأخ، وابنُ الأخِ أَوْلَى من الجَدِّ، والجَدُّ أَوْلَى من العمِّ، والعَمُّ أَوْلَى من ابنِ العَمِّ، وهو مقيس على الأَقعَدِ فالأَقْعَد من العَصَبَةِ، وإذا أراد الأقعد أنّ يوكِّل بالصَّلاة أجنَبِيًّا فذلك له، وليس لمن تحته من الأولياء كلامٌ، كالنِّكاح يوكَّلُ به، قاله ابن الماجِشُون وأَصْبَغ. المسألة الخامسة (٢): قول مالك في هذا الباب (٣): "لَم أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهلِ الْعِلمِ يَكْرَهُ الصَّلاَةَ عَلَى وَلَدِ الزِّنَا وَأُمِّهِ" وهو كما قال؛ لأنّه من المسلمين، والموالاةُ لا تنقطعُ بيننا وبين أهل الكبائر (٤)، فكيف ولا ذَنْبَ لوَلَدِ الزِّنا، وهو قول جمهور الفقهاء، إلَّا قتادة فإنّه قال: لايُصَلَّى عليه. والدّليل على ما نقوله: أنّ هذا مسلمٌ ماتَ في غير المعترَكِ، فوجبتِ الصّلاةُ عليه كولد الرِّشدَةِ (٥).

стр. 1510

المسألة السّادسة (١): أمّا أمّه، فإنّه يُصَلَّى عليها أيضًا، غير أنّه يستحبُّ أنّ يجتنبَ الصّلاة عليها أهل الفَضل والعِلْم، وقد ذكرنا أنّ النقائص المانعة من الصّلاة على المِّيت عامّة وخاصّةٌ، وقد تقدَّم الكلام في العامَّةِ (٢)، وبقيَ الكلامُ في الخاصَّةِ، وهو كلّ نَقْصٍ لا يخرجُ عن الإيمان، كأهل الكبائر وأهل البِدَعِ (٣)، فإنّه يُكْرَهُ للإمام العالِم وأهل الفضل الصَّلاة عليهم، ليكون ذلك رَدعًا وزَجرًا لغيرهم. والأصل في ذلك الحديث المروي، عن جابر بن سَمُرَة، عن النّبيِّ ﷺ أنّه أتي برَجُلٍ قَتلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ (٤)، فلم يُصَلِّ عليه (٥). المسألة السابعة (٦): قال علماؤنا (٧): هذا إذا لم يؤدِّ ذلك إلى إبطال الصَّلاةِ عليه جملةً، فإنْ خِيفَ ذلك صَّلُّوا عليه؛ لأنَّ فَرْضَ الصّلاة لازمٌ لا يُسقِطه كبائرهم ما تَمَسَّكُوا بالإسلام. وكذلك المقتول في الفِئَةِ الباغية، يغسَّلُ ويُصَلَّى عليه، خلافًا لأبي حنيفة (٨)؛ لأنّه مسلم لم تمنعه معصيته من وجوب الصّلاة عليه، كالزّاني المُحصَن (٩). المسألة الثامنة: الصّلاة على المحدود قال ابنُ عبد الحَكَم: إذا جلد الإمام رجلًا فمات، فلا يخلو أنّ يكون الحدّ الأكبر أو الأصغر، فإنْ مات من الأكبر، فإنّ الإمام يصلِّي عليه، واحتجَ بحديثِ
следующие страницы →