← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٢. قال ابنُ عبد البرّ: أخبرني به أبو الفضل أحمد بن قاسم التُّاهِرْتِي البزَّاز، عن أبي عبد الملك محمد بن عبد الله بن أبي دُلَيم، ووهب بن مَسَرَّة الحِجَارِيّ جميعًا، عن محمّد بن وضاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك. ٣. قال ابن عبد البرّ: وأخبرني به أبو عمرو أحمد بن محمّد بن أحمد بن سعيد بن الجسور الأمويّ مولى لهم، قال: حدّثنا أبو عمر أحمد بن مُطَرِّف بن عبد الرحمن، يُعرف بابن المشّاط، وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم المنتجيلي جميعا، عن أبي مروان عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى ابن يحيى، عن مالك. ٤. قال ابن عبد البرّ: وحدثني به إيضًا، أبو عمر ابن الجسور المذكور، عن وهب بن مَسَرَّة، عن محمّد بن وضاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك. ٣. قال أبو علي الغسَّانِيّ: وقرأتُه على أبي عبد الله محمّد ابن عتاب الفقيه سنة:٤٥٣ هـ، ومنه ما قرأتُ عليه أيضًا قبل سنة: ٤٤٨هـ، وقُرئ على أبي القاسم حاتم بن محمّد بن عبد الرحمن الطّرابلسي، وأنا أسمع سنة:٤٤٧هـ: قال لي أبو عبد الله محمّد بن عتاب: ٦. حدّثني به أبو القاسم خَلَف بن يحيى بن غيث الفِهْرِيّ الطُلَيْطِلِيّ، في سنة:٣٩٨ هـ، وكان انتقل إلى قرطبة وسَكَنَها، وولد سنة:٣٢٨ هـ، قال: حدّثنا أحمد بن مُطَرِّف، وأحمد بن سعيد بن حَزْم،

стр. 177

ومحمد بن أحمد بن محمّد بن قاسم بن هلال القيسي، قالوا: حدّثنا عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك. ٧. قال أبو عبد الله محمّد بن عتُّاب: وحدّثني به أبو عثمان سعيد بن سَلَمَة بن عبّاس، وأبو بكر يحيى بن واقد القاضي، قالا: حدّثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عمِّ أبيه عُبَيْد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك. ٨. قال لي أبو القاسم حاتم بن محمّد الطرابلسي: حدّثني به أبو المطَرِّف عبد الرحمن بن محمّد بن عيسى بن فُطَيْس، وأبو عبد الله محمّد بن عمر بن الفَخَّار، في شوال سنة:٤١٧هـ، قالا جميعا: حدّثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عمِّ أبيه عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك. - قال أبو عليّ الغسانى: وحدّثني به أبو شاكر عبد الواحد ابن محمّد بن موهب التُجيي القبري، قال: حدثنا أبو محمّد عبد الله بن إبرأهيم الأصيلي، قال: ١ - حدثنا وهب بن مسرُّة الحجاري أبو الحزم، سنة:٣٤٤ هـ بوادي الحجارة، قال: حدثنا محمّد بن وضُّاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك. ٢ - قال أبو محمّد الأصيلي: وحدثنا أحمد بن مطرف بن عبد الرحمن بن المشاط، سنتي: ٣٤٦ هـ و ٣٤٨هـ، قال: حدثنا عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، سنة:٢٩٧هـ، قال: حدثنا أبي: يحيى بن يحيى، عن مالك.

стр. 178

٣ - قال أبو عليّ الغساني: وحدّثني به أبو العاصي حكم بن محمّد بن حكم الجذامي، وُيعرف بابن إفرنك، قال: حدّثنا أبو بكر عباس بن أصبغ بن عبد العزيز الهمداني، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الملك بن أيمن، قال: حدّثنا: محمّد بن وضّاح، وأبراهيم ابن محمّد بن باز الفقيه، قال: حدّثنا يحيى بن يحيى، عن مالك ﵀ (١). ٦ - ابن عتاب وابن موهب: " ... وحدّثني به أيضًا، أبو محمّد عبد الرحمن ابن عتاب، وأبو الحسن عليّ بن عبد الله بن موهب، إجازة فيما كتبابه إليّ، قالا: حدّثنا أبو عمر ابن عبد البرّ الحافظ، قال: إخبرني به أبو عثمان سعيد بن نصر، قراءة منه علينا، قال: حدّثنا أبو محمّد قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا محمّد بن وضّاح بن بزيغ، قال: حدّثنا يحيى بن يحيى، عن مالك ابن أنس ﵀" (٢). ٧ - ابن عتاب وابن مُغِيث بسند مغاير: " ... وحدّثني به أيضًا، أبو محمّد عبد الرحمن ابن عتاب، بالإجازة المذكورة (٣)، وأبو الحسن يونس ابن محمّد بن مُغيث المذكور، بالسماع المذكور، عن الشّيخ أبي عمر أحمد بن محمّد بن إلحذاء التميمي القاضي، قال: حدّثنا قاسم بن أصبغ، ووَهْب بن مَسَرَّة، قالا: حدّثنا محمّد بن وضاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك بق أنس، ﵀" (٤).

стр. 179

٨ - ابنُ عَتَّاب بسَنَدٍ مُغايرٍ: " ... وحدّثني به أبو محمّد عبد الرحمن ابن عتاب، بالإجازة المذكورة، عن أبيه، أبي عبد الله محمّد بن عتاب، وأبي القاسم حاتم ابن محمّد الطرابلسي المذكورين، قالا: حدّثنا أبو بكر عبد الرحمن بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن قاسم التُجيي- يُعرف بابن حوبيل- قال: حدّثني أبو عمر أحمد بن مُطرّف بن عبد الرحمن بن المشاط، وأحمد بن سعيد بن حزم المنتجيلي، وأبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، قالوا: حدّثنا أبو مروان عُبيد الله بن يحيى بن يحيى، قال: حدّثنا أبي: يحيى بن يحيى، عن مالك" (١).

стр. 180

شروح مُوَطَّأ يحيى بن يحيى اللَّيثيّ إلى عصر ابن العربيّ شروح الموطّأ من الكثرة بحيث تدلُّ، على أنّ هذا الكتاب قد شغل الناس، واهتبلوا به كأشدّ ما يكون الاهتبال والتقدير، ويلاحظ الباحث أن مصنِّفي هذه الشروح مختلفو الأمصار والديار، فمنهم القرطبي والبغدادي، والمصري والشامي، مما يدلُّ أيضا على أنّ الموَطَّأ طار صِيته في مُخْتَلِف الرُّبوع والأمصار، ونظرا لكثرة هذه الشروح فقد اقتصرنا في هذا البحث المختصر على بعض الشروح الَّتي وصلتنا من "مُوَطَّأ يحيى بن يحيى اللَّيثيّ" ووقفنا على بعضها، والَّتي هي في الوقت نفسه كانت المعين الَّذي استقى منه ابن العربيّ مادَّته العلميّة في "المسالك" وأهمّ الشروح هي كالآتي: ١ - "تفسير غريب الموطَّأ" (١) لعبلى الملك بن حبيب (ت. ٢٣٨ هـ) (٢). ويعودُ الفضلُ- بعد الله لاكتشاف هذه النُّسخة للعالِم

стр. 181

الفاضل، والخبير الطُّلَعَة عبد الرحمن العُثَيْمِين (١)، فهو الَّذي استطاع أن يكشف عنها القناع، وُيظهِر مكنونها، وُيزيح عنها ظلال الإبهام الَّذي ظلَّت ترسخُ فيه القرون الطِّوال، وذلك في صيف عام: ١٤١٧ هـ، بمكتبة الحرم المكي الشريف، حيث أهديت أو بيعت من طرف الحاج نجيب الدَّمْنَاتي، كاتب العدل بدينة دَمْنَات، الَّذي آلت إليه الخزانة الخاصّة للقائد عمر الكلاوي. والنسخة الآن محفوظة بمكتبة الحرم المكي الشريف، شريط رقم: ٢٧٨٢، وهي نسخة نفيسة، كتبت في تاريخ ٢٧ رجب سنة: ٦٠٨هـ، تقع في: ١٨٨ صفحة. وقام الأستاذ العُثَيْمِين بالاعتناء بها ونشرها سنة: ١٤٢١هـ، في مجلدين (٢)، وقدم لها بفصول عن سيرة المؤلف، وذكر شروح "المُوَطَّأ"، المخطوط منها والمفقود، ودراسة موجزة عن الكتاب وما اشتمل عليه من علوم وفوائد. وعبد الملك بن حبيب من كبار فقهاء الأندلس، تحفلُ سيرته برصيد من الخصوصيات ذات المزايا المتنوِّعة، ويأتي في طليعتها عمله الواضح لترسيخ

стр. 182

المذهب المالكي بالأندلس، وقد كانت له رحلة إلى المشرق، لقي خلالها أصحاب مالك وأخذ عنهم، منهم: عبد الملك ابن الماجِشُون، ومُطرِّف بن عبد الله، وأَصْبَغ بن الفرج، وغيرهم من شيوخ الرِّواية والفقه. وكلّ هؤلاء لهم سماعات من الإمام مالك، وقد روى عنهم ابن حبيب من طريق الرِّواية المباشرة، وكتبه تحفل بذلك. وقد توفَّر على خدمة "الموطَّأ" خدمة جليلة رواية ودراية؛ فهو حلقة مهمة من حلقات الاتصال الثقافي الَّذي وصل بين المشرق والغرب الإِسلامي، ويدُّلُنا كتاب "تفسير غريب الموطَّأ" على شخصيته الجامعة بين فني الرِّواية والدِّراية، فهو في الكتاب محدِّثا، وفقيها، ولُغَوِيًّا، ونحويًّا، ومفسِّرَا، ومؤرِّخًا نسَّابة. وتبرز أهمية هذا الكتاب العلمية في المعارف والعلوم الَّتي تضَّمنها، ففيه التفسير، والفقه، والحكم والأمثال، والشِّعر والرَّجَز، واللُّغة والنَّحو والإنساب. أما عن منهج المؤلِّف في كتابه، فقد تكفَّل الأستاذ العُثَيْمِين ببيانه على أفضل وجه فقال (١): "يشتمل الكتاب على مسائل مشكلة من "المُوَطَّأ"، ابتدأها المؤلف من بداية "المُوَطأ" إلى نهايته؛ ... والتزم فيه رواية يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ - غالبا - وهو معاصر له في بلده الأندلس، مع فساد ما بينهما من علاقة الود والصفاء، ألَّفه على طريقة السؤال والجواب، فَيُسْأَلُ المؤلِّفُ عن لفظة مشكلة

стр. 183

في الحديث الوارد في "المُوّطَّأ"، فيورد الحديث بسنده ... ويتبين أنه لم يشرح من أحاديث "المُوَطَّأ" إلَّا ما ورد فيه لفظٌ مُشْكِلٌ يسأل عنه؛ لذا لم يشمل الشرح أحاديث الموَطَّأ كلّها, ولا أغلبها؛ فإطلاق "تفسير غريب الموطَّأ" فيه تَجَوُّزٌ، لكن هذا منهجُ شُرَّاح المشكل والغريب دائما ... ومفهوم المشكل والغريب عند ابن حبيب أوسعُ مما يُظَنُّ، فهما يقصد بهما غريب أو مشكل اللفظ المعنى، كذا أظن، لذلك تطرَّق إلى شرح مسائل فقهية لا إشكال فيها من حيث اللغة، ولعل الَّذي جرَّه إلى ذلك سيطرة تخصُّصِه عليه، فالمؤلِّف معدود في الفقهاء والمفتين، أكثر مما هو معدود في النُّحاة واللُّغويِّين، وقد أبدع في المسائل الفقهية وأجاد وأفاد، بينما في اللغة لا يعدو أن يكون مختلسا لكلام أبي عبيد القاسم ابن سلام -دون غيره- مفسدا قصد أبي عبيد في ذلك؟ إذ جرَّده من أغلب الشواهد الَّتي امتاز بها الكتاب، وأسقط عَزْوَ النصوص التي نقلها أبو عُبَيْد عن أبي عُبَيْدَة والأصْمَعِيّ، وأبي عَمْرو الشَّيباني، وأمثالهم، فجاءت اللغة في كتاب ابن حبيب مبتسرة غير موثقة، وكأنه هو الَّذي نقلها, وليس الأمر كذلك ... ". ومع كلّ ما يمكن أن يُوَجَّه للكتاب من نَقْدٍ، إلّا أنه يشتمل على فوائد نادرة، نذكر منها مباحثه الفقهية الَّتي نقلها من شيوخه، وخاصة من تلاميذ الإمام مالك الّذين شافهوه ونقلوا آراءه الَّتي أفتى بها في مجالسه ودروسه، التي لا يضمها كتاب، وإنَّما رُوَيت عنه، وحكاها ابن حبيب عنهم، فكتاب ابن حبيب سِجِّلٌّ حافلٌ لمثل هذه الآراء، وهي -وإن كانت قليلة نظرا لصغر حجمه- فهي نادرة ومفيدة، وقد أسهم في حفظها وروايتها" (١).

стр. 184

٢ - "تفسير غريب الموطَّأ" لأحمد بن عمران بن سَلاَمَة الأَخْفَش (كان حيًّا قبل سنة:٢٥٠ ه ـ). وقفنا على نسخة قيِّمة منه في مكتبة صائب بأنقرة، تحت رقم: ٢١٨٠ (من صفحة ١٨٢/ أ - إلى ٢٠٠/ ب) كُتِبَت في القرن السّادس، سنة:٥٦٣ هـ (١)، والمخطوط ضمن مجموع نفيس يحتوي على نسخة من "موطَّأ مالك" نفيسة في آخرها: "تسمية من روى الموطَّأ عن مالك" لأبي محمّد بن الأكفاني، والكتابان معًا مما سمعه الفقيه المقرئ أبو العباس ابن القصَّار الصِّقِلِّيّ، وأُجيزَ به من عبد الله ابن عبد الرحمن العُثْمانيّ الدِّيباجيّ المعروف بابن اليابس، سنة: ٥٦٣ هـ. ومؤلِّفُ الكتاب أحمد بن عِمْرَان الأخْفَش، المعروف بالأَلْهَانيّ، محدِّث ولُغويّ، أحدُ الأخافش (٢)، وليس من مشهوريهم الثلاثة؛ ولذا نجد ترجمته عند مؤرخي طبقات المحدِّثين، كما نجد ترجمته عند مؤرخي طبقات اللغويين والنحويين. كما أنَّه عانى الشِّعر، وله أشعار كثيرة في أهل البيت، أنشد نماذج منها ياقوت في "معجم الأدباء" (٣)، وكان ينقُل عن أبي بكر الصّوليّ من كتابه الَّذي ألَّفه في "شعراء مصر".

стр. 185

ومهما يكن من أمر؛ فإن أصل الرَّجُل من الشَّام، وقد تردَّد بين الحجاز والعراق ومصر. وكان يمارسُ مهنة التأديب والتعليم؛ فقد أدَّب لإسحاق بن عبد القدوس ولدَهُ في طبرية وكتب عنه أبو حاتم بمكة المكرمة. ويبدو أن أسباب انتشار ترجمته أملتها نوازع متعدِّدة، فأدخله الصُّوليّ في كتابه الَّذي ألفه في "شعراء مصر" واحتفظ لنا ياقوت بقطعة من هذه التّرجمة، وشيء من شعره الَّذي غلب عليه التشيُّع. ولهذا السبب ترجمهُ الخُونساري في "روضات الجنات" (١). وتنَّقُلهُ بين الشام ومصر والحجاز والعراق يُرشحهُ ليدخل في كتب حواضر هذه الأقاليم، وقد وصلتنا ترجمة الخطيب له في "تاريخ بغداد" (٢) نقل فيها عن عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل" (٣)، نقل توثيقهُ عن أبيه أبي حاتم الَّذي قال عنه: "كتبتُ عنه بمكة وهو صدوق"، ولعلَّ هذا أيضًا ما يحملُ أبا حاتم بن حبَّان على إدراجه في كتابه "الثقات" وتلقانا ترجمته في اللغويين في كتاب "البغية" للسيوطي (٤). وكتاب "تفسير غريب الموطَّأ" من الشروح المُبكِّرة الَّتي دخلت الغرب الإِسلامي في النِّصف من القرن الثالث الهجري، فإننا نعلم من خلال الفهارس أن سنده ينتهي إلى مؤلِّفه عن طريق يحيى بن عمر الأندلسي (ت. ٢٨٩هـ) (٥)

стр. 186

الَّذي رواه مباشرة عن أحمد بن عمران الأخفش مؤلِّفه. ويبدو أن يحيى بن عمر تصدَّى لنشر الكتاب وإشاعته بين طلبة العلم من أعيان أهل القيروان والأندلس. وقد كانت الرحلة إليه في وقته، مع الضبط والحفظ. وقد حمله عنه أبو عبد الله بن أحمد البياني، وابن مسرور العسال، وأبو بكر بن اللَّباد، ومن هؤلاء حملته طبقة أخرى من مشاهير القرويين والأندلسيين وسائر طلبة العلم، فيهم أبو الحسن القابسي، وأبو محمّد ابن أسد، وأبو محمَّد بن أبي زيد القيرواني، ثم عن هؤلاء كبار الحفاظ والرواة، من أمثال: حاتم الطرابلسي، وأبو بكر بن مسلم، وأبو محمّد مكِّي بن أبي طالب القيسيّ. فلا نستغرب إذن أن نقف على نقول من الكتاب عند أبي العرب، وأبي بكر ابن العربيّ في "المسالك" والقاضي عياض وغيرهم. والنسخة الَّتي وصلنا من الكتاب من رواية يحيى بن عمر؛ بل الكتاب هو عبارة عن مسائل مما سأل عنه يحيى بن عمر الرّاوي شيخه الأخْفَش مؤلِّف الكتاب. ومما يزيد ما ذهبنا إليه تفسيرا وتوثيقًا وتأكيدًا، ما احتفظ لنا به ابن خير في "فهرسته" (١) من أسانيد للكتاب، ونجدنا مضطرِّين إلى نقل الفقرة معتذرين عن طولها: "كتاب "تفسير غريب الموطَّأ". تأليف أحمد بن عمران بن سلامة الأخفش ﵀ حدَّثني به أبو الحسن يونس بن محمَّد بن مُغِيث ﵀ قراءة

стр. 187

عليه في منزله، قال: حدّثني به أبو القاسم حاتم بن محمّد الطرابلسي سماعا مني عليه، عن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي، عن الأخفش مؤلفه. قال شيخنا يونس بن محمّد ﵀: وقرأته على الشّيخ الصالح أبي عبد الله محمَّد بن محمَّد بن بشير، وحدّثني به عن أبي بكر مسلم ابن أحمد الأديب، عن أبي محمَّد بن أسد، عن محمّد بن مسرور العسَّال، عن يحيى بن عمر عن الأخفش. وحدّثني به أيضًا الشّيخ أبو الأصبغ عيسى بن محمّد بن أبي البحر الزهريّ قراءة منِّي عليه، والشّيخ أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن بقي ﵀ قالا: نابه الفقيه أبو عبد الله محمّد بن فرج، عن المقرى أبي محمّد مكِّي بن أبي طالب، عن أبي محمّد عبد الله بن أبي زيد الفقيه، عن أبي بكر بن محمَّد اللَّباد، عن يحيى بن عمر، عن الأخفش. وحدّثني به أيضًا الشّيخ أبو محمّد بن عتاب، إجازة عن مكِّي بن أبي طالب ﵀ بالسَّنَد المتقدم". وذكر الأستاذ عبد الرحمن العُثَيْمِين (١) أنه توجد نسخة من الكتاب في مكتبة القيروان، وأخرى كانت في مكتبة أحمد عُبَيْد بدمشق. ٣ - "تفسير الموطَّأ" في ليحيى بن زكري ابن إبراهيم بن مُزَيْن (ت.٢٥٩ ه ـ) (٢).

стр. 188

أبو زكريا الطُّلَيْطلِيّ ثم القُرطُبيّ، من كبار علماء الأندلس، روى عن يحيى بن يحيى اللّيثي، ورحل إلى المشرق، فروى في المدينة النبوية المنوّرة عن مُطَرِّف صاحب مالك، وحبيب بن أبي حبيب، كما سمع في العراق من القَعْنَبيِّ، وذكروا في ترجمته أنه كان يحفظ "الموطَّأ" ويتقن ضبطه، وكان قليل الرِّواية, قال ابن الفرضي (١): "لم يكن عنده علم بالحديث". وصلتنا قطعة من تفسيره للموطّأ في مكتبة القيروان: [١٣٥٤ - ١ - ٣١٨] و [٦ - ٣٩ - ١٩] ذكر الأستاذ فؤاد سزكين (٢) أنَّها كتبت سنة: ٣٩٤ هـ. وهو عبارة عن شرح للموطّأ كان مما سأل عنه المؤلِّف يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ، وأصْبَغ بن الفَرَج، وعيسى بن دينار، ومحمد بن عيسى، ويملك الأستاذ محمّد أبو الأجفان ﵀ صورة منها، وذكر لنا أنّه تصعب قراءتها لما لحقها من المَحو والطَّمس. ٤ - "شرح الموطَّأ" لخلَف بن فَرَح الكَلاَعِيّ (ت. ٣٧١ ه ـ) أبو محمَّد الإلبيري، سمع من محمَّد بن فُطَيْس الإلبيري، ورحل إلى المشرق حاجًّا، فلقى في رحلته أبا مروان محمَّد بن مروان قاضي المدينة النبوية المنورة، وعبد الله بن نافع، ومحمد بن الحسن الآجُرِّي، ولِّي قضاء إِلْبيرَة (٣). له شرح على "الموطَّأ" منه نسخة في مكتبة القيروان بتونس، تشتمل على

стр. 189

تفسير كتاب الحدود، وكتاب العقول، وكتاب القَسامة، ولعلّها ضمن المجموع السّابق مع كتاب ابن مُزَيْن المكتوب سنة:٣٩٤ هـ (١). ٥ - "تفسير الموطَّأ" لأبي المطرِّف القَنَازِعِيّ (ت.٤١٣ه ـ) (٢) وعبد الرحمن بن مروان القَنَازِعِيّ، ترجَمَ له الحُمَيدِيّ في "جَذْوة المقتبس" (٣)، فقال: "قرطبيّ، فقيه، محدِّثٌ، وله رحلة إلى المشرق، سمع فيها من بعض أصحاب البغَويّ ومن جماعة. روى عنه أبو عمر بن عبد البرّ، وله كتاب في الشروط على مذهب مالك بن أنس". كما عقد له أبو الفضل عياض ترجمة حفيلةً (٤)، تَوَسَّعَ فيها في ذِكْرِ مَشْيَخَتِه وأخبار رحلته المشرقيّة. أمّا ترجمته في "الصلِّة" لابن بَشكُوَال (٥) فهي غَنيّةٌ، اعتمدَ فيها على مصدَرَين مفقودَيْن. ذكرت المصادر السابقة أنّ له كتابا في "تفسير الموطَّأ" ضَمَّنَه ما نقَلَه يحيى بن يحيى في موطَّئِه، ويحيى بن بُكَيرٍ في موطَّئِه أيضًا. وقد وصلتنا نسخة من هذا الكتاب النادر، محفوظة بالخزانة العامة بالرباط

стр. 190

تحت رقم: ٦٤ ج، عدد أوراقها: ١٤٦، في كلّ ورقة صفحتان، وفي كلّ صفحة بين ٢٤ و ٢٥ سطرًا، وخطّها مغربي، مبتورة الأول والآخر. تبدأ من كتاب الصلاة، افتتاح الصلاة، في أثناء شرح حديث مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن ابن عَوْفٍ؛ أنّ أبا هريرة كان يُصَلِّي لهم فَيُكَبِّرُ كلَّما خَفَضَ ورَفَعَ .... وتنتهي عند كتاب الجامع، باب اللباس والنعال. وذكر في الصفحة الأولى تعليق مضمونه: "هذا السفر من باب افتتاح الصلاة الَّتي هي التّرجمة: ٤٣ من الموَطُّا رواية يحيى بن يحيى، وقد فاته منها ثلاثة أحاديث، حديث أبي هريرة وهو الَّذي يقول في آخره: والله إني لأشبهكم بصلاة رسول الله ﷺ ، وهو رابع أحاديث الباب، ووصل هذا السفر إلى أبواب اللباس والانتعال، فنقص من آخره نحو: ٦٨ ترجمة". ومصادر هذا التفسير متنوعة، منها ما نقله عن يحيى بن مزين، وعن الأخفش، وابن عبد الحكم، كما رجع إلى الْمُدَوَّنَة وأغلب مصادر الحديث، كابن أبي شيبة والبخاري وغيرهما. وتوجد قطعة من هذا التفسير في المكتبة العتيقة بالقيروان [رقادة] وقفنا عليها، تقع في: ٧٥ صفحة، خطبها قديم، ملئت صفحاتها بالحواشي والتعليقات الكثيرة، وتبدأ القطعة بتفسير ما في أبواب العقول، جامع العقل، حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "جَرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ ... " وتنتهي القطعة بكتاب العقول، ما جاء في الغيلة والسِّحْر.

стр. 191

كما تحتفظ خزانة الحاج حبيب اللَّمسي بنسخة جيِّدة من هذا الشّرح. أما النُّسخة الثالثة فقد وقف على نسخة مخطوطة منها الشّيخ محمَّد المختار السُّوسيّ (١) في خزانة تيلكالت بالمغرب الأقصى، وقد وصَفَهَا بأنّها شرح للموطّأ، جمع صاحبه فيه بين روايتي يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ وأبي زكريا بن بُكَيْر، واعتمد صاحب الشرح على أبي محمَّد الأصيلي. قلنا: من خلال هذا الوصف -وإن كان مختصرا- نكاد نجزم بأن هذه النُّسخة هي نفسها "تفسير القَنَازِعِيّ" فهو الَّذي جمع في شرحه بين روايتي يحيى وابن بكير، وأكثر من الرجوع إلى الأصيلي، والله تعلى أعلم. ٦ - "تفسير الموطّأ" لأبي عبد الملك مروان بن علي البُونِي [ت.٤٤٠] . من كبار علماء الغرب الإِسلامي، فقيه ومحدِّثٌ، رَوَى بقرطبة عن أبي محمَّد الأصيلي، ورحلَ إلى المشرق وصحب أحمد بن نصر الدَّاوُدِيّ مدّة خمسة أعوام، وأخذ عنه مُعْظَم ما عنده من روايته وتآليفه، كما روى عن أبي الحسن القابسي، وغيره (٢). قال القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (٣): "وكان من الفقهاء المتفننين، وألف في "شرح الموطَّأ" كتابا مشهورا حسنًا، رواه عنه النّاس".

стр. 192

وقد أنعم الله علينا بمنِّه وكَرَمِه، فوفَّقَنا إلى الكشف عن نسخة من هذا الكتاب النّفيس، بعد أن ظَل زمنًا طويلًا مجهولَ الذِّكْر مَغمُور النَّسَب، ومما زَهَّدَ النَّاس في فحص واختبار محتواه، أنّ بعض القائمين على خزانة القرويِّين في القرن الماضي الهجريّ، كَتب على الصفحة الأولى من المخطوط: "لعلّه للإمام الدَّاوُديّ" وسرعان ما انتشرت هذه الإشارة في الخافقين، فتناقلها كلّ من كتب عن شروح "الموطَّأ" (١)، والغريب حقًّا أن الجميع تواطئوا واتَّفقوا على نسبة هذا الكتاب المسمَّى "النامي" إلى الإمام أحمد بن نصر الدّاوديّ، مع أنّ عالم القرويِّين عندما كتب ما كتب على نسخة الغلاف، قال: "لعَلُّه للإمام الدّاوديّ" و"لعلّ" -كما هو معلوم- كلّمة شَكّ، ورجاءٍ، وطَمَع، فعالِمُ القَرَوِيِّين توقَّعَ وترَجَّى أن يكون الكتاب للإمام الدَّاوُدِيّ، بعد أن غَلَبَ هذا الهاجس على ظَنِّه، وتبادَرَ إلى ذِهْنِه، ولم يقطع بصِحَّة نِسْبَتِه إليه، ولكن آفة الأخبار رواتها، والحمد لله على كلّ حال، فقد استطعنا بعد أن التمسنا كلّ وسائل البحث والتّقصي، وسلكنا إليها كلّ سبيلٍ، أن ندفع هذا الإشكال، فازحنا عنه حجاب الكتم، وخرجنا به من ظلمات الغموض، إلى نور البيان. وتحتفظ خزانة القرويين بهذه النُّسخة النادرة تحت رقم: ١٧٥، عدد أوراقها: ١٢٤ بترقيمنا، كتبت بخطٍّ أندلسيٍّ يميلُ إلى صنفِ المسندِ، قابلها الناسخ بالأصل أو بنسخة أخرى، وألحق السقط في الهامش.

стр. 193

وتبدأ النُّسخة من كتاب الصلاة (١)، [باب العمل في الوضوء] في أثناء شرح حديث مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ... ". وتنتهي عند كتاب الحدود، باب الرجم، في أثناء شرح حديث "مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أنه قال: جاءت اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا ... ". والكتاب شرح لطيف لموطأ مالك، محكم الوضع، مبسوط العبارة، جامع لشتيت المسائل الحديثية والفقهية والأصولية، بصير صاحبه باستنباط الفوائد من الموَطَّأ، عارف بمواضع الحق، خبيرٌ بالتَّصرُّف في نصوص الإثبات من علماء الأمّة، والكتاب بهذا التّفَنُّن واللَّطافَة جديرٌ بالعناية، وحَسبُنا أنّنا فَضَضْنَا خَتْمَ سِرِّهِ، فها هو الآن بين نظر الباحثين، نرجو من الله أن يوفِّقَ الكرامَ منهم لتصحيحه وتنقيحه، والاستفادة منه قدر الإمكان. ٧ - ٨ - كتابا: "التمهيد" و"الاستذكار" لابن عبد البُّر (٤٦٣ ه ـ) وهما مطبوعان متداولان، وسنشير إليهما في مبحث مصادر ابن العربيّ في كتابه "المسالك". ٩ - "التعليق على الموطَّأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه" لأبي الوليد هِشَام بن أحمد بن هشام الوَقَّشِيّ (ت.٤٨٩) كنا قد وقفنا على نسخة خطّيّة في مكتبة دعي الأسكوريال بإسبانيا، تحت

стр. 194

رقم: ١٠٦٧، وتقع في: ١٣٥ ورقة، كُتِبَت بخطٍّ أندلسيٍّ جميل سنة:-٧١٤ هـ (١). وتوجد منه نسخة أخرى بعنوان "الجامع الغريب" محفوظة بخزانة الزاوية الحمزاوية بإقليم الراشدية بالمغرب الأقصى، تحت رقم: ٩١، وفي الخزانة العامَّة بالرباط صورة على شريط المايكروفيلم تحت رقم: ١٥١ حم، كتبت يوم الخميس خامس شهر ربيع الكرم سنة:٦٩٨ هـ وقد اعتنى بهذا الكتاب وأخرجه في حلّة قشيبة تسرّ النّاظرين (٢)، الأخ الأستاذ عبد الرحمن العُثَيْمِين، ومن أسَفٍ لم يطَّلِع على نسخة الزّاوية الحمزاوية، وقد أمددناه بصَوَّرة منها، نرجو أن تُمَكِّنَه من استدراك ما فاته من ضبط, وإكمال ما وقع فيه من سقط وتصحيف. ومهْد الأستاذ العُثَيْمِين للكتاب بمقدِّمة مختصَرَةٍ نافعة عن سيرة أبي الوليد الوَقَّشِيّ، ومنهجه في كتابه، وذكَرَ أنّه نحَا في شَرْحِه مَنْحَى التَّصحيح والضَّبط للموطَّأ، فشرَحَ ما أبهم من ألفاظه وتراكيبه ومعانيه، بشكل مختصَرٍ مُوجَزٍ، فهو عبارة عن تقريرات وإشارات إلى المواضع الشكلة من الموطَّأ، وذلك بالقارنة بين الرِّوايات المختلفة ما أمكَنه ذلك. ويرى العُثَيْمِين أن شخصية المؤلِّف تظهرُ واضحة جليّة في المباحث اللَّغوية عند عَرْضِه لأراء العلماء وأقوالهم، فكان -رحمة الله عليه- يُوازِنُ بين الأقوال والأراء، ويصحِّح وُيفَنِّد، ويُرجِّح ويضعِّف، ويستدلّ على ترجيحاَته وأحكامه الَّتي يصدرها بالشّواهد من كلام العرب، ويعضد ذلك بأقوال المشاهير من علماء النّحو واللُّغة (٣).

стр. 195

١٠ - "الدُّرَّة الوُسطى في مشكل الموطَّأ" لأبي عبد الله محمَّد ابن خلف بن موسى الأنصاري الإلبيري (ت. ٥٣٧ ه ـ) وتوجد من هذا الكتاب نسخة فريدة في التحف البرّيطاني تحت رقم: ١٩١، إضافات ١/ ٩٥١٩، الأوراق من ١ إلى ١٨٢، كُتِبَت سنة: ٨١٠ هـ ولدَينا صورة منها. والمؤلِّفُ من النابهين ذوي التُّمَكن من العربية والحديث وعلم الكلام، المتعَمِّقِينَ في دراسة الاعتقادات، وخصوصًا آراء الأشاعرة، مع مشاركة في الطِّبِّ. وفي الأسكوريال نسخة من مؤلف له في الرَّد على الغزالي، عنوانه: "النُّكَت والأمالي في الرَّد على الغزالي". وقد ذكَرَ ابن عبد الملك المراكشيّ في "الذَّيل والتَّكْمِلة" (١) ما يُلقي الضوء على ظروف تأليفه لشرح مشكل ما وقع في "الموَطَّأ" وكان قد شرع في تصنيفه عام ثمانية عشر وخمس مئة في شوال منه وأبلغ، وبلغ بالكلام فيه إلى النكتة الرابعة والخمسن لتسع خلون من صفر تسع عشرة، ثم قطعت به قواطع من المرض مختلفة وعلل جمة، ومطالعة طببة، في معالجة العين لرؤيا رآها، كان يُقال له فيها: ألَّفتَ في نور البصيرة فألف في نور البصر، تنفع وتنتفع، فاضرب عن إكمال النكت، وأقبل على تأليفه النافع في مداواة العين، وهو كتاب جمّ الإفادة، ثم أخطر الله بباله إكمال النكت في مستهل ربيع الأول من سنة: ست وثلاثين وخمسمائة، فكملها في يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة من العام".

стр. 196

يقول المؤلف في خطبة الكتاب: "الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، المانِّ على أوليائه بمعرفة وحدانيته في ذاته وصفاته ومباينته لمحدثاته، وصلى الله على محمّد الصادق بآياته ومعجزاته. هذا؛ ولما رأيتُ أغراض المؤلفين، وألفيتُ مقاصد المصنِّفين قد انقسمت في حديث رسول الله ﷺ إلى البحث عن الأسانيد، واستنباط الفقه، وتفسير المذهب. ولم ألف أحدًا من المتكلِّمين ألَّف في المشكل منه كتابًا, ولا بوُّب فيه بابًا، سوى الشّيخ أبي بكر محمّد بن الحسن بن فورك الأصفهاني من أيمتنا (١) ﵁؛ فإنَّه قصد منه إلى معنى واحد لم يزد عليه ولا خرج عنه إلَّا إليه. وهو كلّ خبر أوهم التشبيه، لو أجري على صريحه وتُركَ على تصريحه، فعَدل به إلى صحيح التأويل الثابت بالدليل الَّذي يجب حمله عليه، وردُّه لا محالة إليه، براءة من التَّشبيه ونزاهة عنه، وحذارًا من التجسيم، وفرارًا منه. وترك ﵀ ضروبًا من المعاني المتعلِّقة بمش [كل] لم يتكلّم عليها، ولا وجَّه مقاصده إليها، وما ذلك منه إلَّا حذارًا من التطويل في الكلام، وتقريبًا على الأفهام. وإنِّي لما رأيتُ مُوَطَّأ مالك بن أنس ﵁ كثيرًا ما يتناوله الكهل والصبي والراسخ الذكي (٢)، بعثت فيها على مئة نكتة وخمسين نكتة، كلها مشكلة تحتاج إلى بيان، وتفتقر إلى برهان، لم يعرج عليها المفسرون، ولا

стр. 197

أمَّها المستنبطون ولا نبَّه عليها المؤلفون، ولا أشار إليها المتكلّمون، وربما تشبث بها ما يُشاكلها من غيره فأبرزتُها لذوي الألباب، وجعلتها نخبة هذا الكتاب الَّذي سمّيتهُ "الدُّرَّة الوسطى في مشكل الموطَّأ" وأضفتُ إليها ما يُشاكلها من المقدِّمات، ويليق بها من التشبيهات، وُيفصل من الاعتراضات، وجعلتُ النكت على التوالي، حتّى إذا انقضت عدَّتها، ونفذت جملتها، رجعتُ إلى بيان الأوَّل فالأوَّل منها، بالعبارة والمعاني الواضحة الجليَّة، اقتداءً بمفسِّري الغرائب (١) من أئمة اللّسان وحفَّاظه، لأكون فائزًا بحظٍ لم أسبق إليه ولا وجَّه من ذكرتُ من الأيَّمة نظرهُ إليه فأُقرب بعيده ... شريده، حتّى يدنو من النفوس ... ويألفُه أهل الفهم والنُهى، ويرفُلُ في ثوب البيان فيُكتب، وتألفهُ الأسماعُ فيُطلب، وكذا ... غناؤهُ فيُكتسب، ويُقرَب فلا يُستسهب، رجوتُ بذلك الذخر عند الله تعالى، والملك الأجلّ المولى". قلنا: وليس بعد هذه المقدِّمة المبينَّة الفصيحة، الواضحة الموضحة مزيدٌ من البيان، فالمؤلف يستشعر حاجة الناس إلى شرح يعني بالمشكلّ العقدي الوارد في الحديث الشريف، ويرى في الجهد الَّذي بذله ابن فُورَك -رغم أهمّيته- عوزًا يحتاج إلى مزيد تعميق وتحرير، وهذا ما حاول أن يستدركه في كتابه، وهو شديد الاعتزاز بعمله، لا يخفي اهتباله به، ولا يتحرَّجُ من سوق الثناء عليه، ونرى أنَّه لم يعد الحقيقة ولم يجانب الصواب فيما ذهب إليه.

стр. 198

الباب الثالث المدخل إلى كتاب المسالك

стр. 199

عنوان الكتاب لا شك أن العنوان في حقيقته هو الكلمة أو الكلمات الَّتي تختصر الكتاب بصفحاته ومجلداته، وتعتصر جميع معانيه في تلك الأحرف الَّتي تُرَقم على واجهة الكتاب، وهذا أمر له دلالته وخطره، لعظيم أهميته وشديد دقَّته، ولذلك؛ فإنَّ أقدر الناس على مثل هذه المهمة الجليلة كاتبُ الكتاب ومنشئهُ، إذ هو الَّذي فكر في تأليفه وهو الَّذي وضع عناصره وقسَّم أبوابه وحرَّر قضاياه ومسائله، فهل هناك أقدر من المؤلِّف في وضع عنوان كتابه؟ الحق أنَّه وَاجَهَتْنا هذه المعضلة, وذلك أنُّ الكتاب الَّذي نحن بصدد، قراءته والتعليق عليه، اختلفت عناوينه زيادة ونقصا، كما اختلف المترجمون لابن العربيّ في تسميته. ولم نجد للكتاب نسخة بخطِّ المؤلِّف، كما لم نجد على واجهة الكتاب أو طُرَّته عنوانه بخطِّ المؤلِّف، ولوجدنا هذا لكان من أقوى وسائل معرفة العنوان الصحيح دلالةً. كما لم نجد المؤلِّف يُسمِّي كتابه في مقدمته كما هي عادة كثير من المصنِّفين الّذين يختتمون مقدِّمات كتبهم بمثل قولهم: "وسمَّيتُه بكتاب كذا"، أو"هذا الكتاب المسمَّى بكذا" ونحو ذلك من العبارات الصريحة في بيان اسم الكتاب.

стр. 200

ومن حُسْنِ الحظِّ أنَّ نسخة الزّاوية الحمزاويّة "غ" القريبة من عهد المصنِّف، والّتي كُتِبَت سنة:٥٧٩هـ نجد عنوان الكتاب مثبتًا في واجهتها على الشكلّ التالي: "كتاب المسالك على مُوَطَّأ مالك". وفي آخر هذا الجزء ورد اسم: "كتاب المسالك في شرح مُوَطَّأ أبي عبد الله مالك". وورد في الصفحة الأولى من نسخة محمَّد بن عبد الكريم الفَكُّون العنوان بالصّيغة التالية: "المسالك شرح مُوَطَّأ مالك" كما ورد في اللوحة ١٢٨/ ب بصيغة: "المسالك في شرح مُوَطَّأ أبي عبد الله مالك" وكتبت هذه النُّسخة في القرن السابع. أما نسخة القرويين؛ فعنوانها: "المسالك". واختلف عنوان نسخة الجزائر، فهو في السِّفْر الأوَّل: "المسالك على موطّأ الإمام الأعظم مالك"، وفي نهاية السفر الثاني: "المسالك في شرح مُوَطَّأ أبي عبد الله مالك"، وفي نهاية السفر الثالث: "المسالك شرح مُوَطَّأ مالك"، وفي نهاية الجزء الرابع: "ترتيب المسالك على موَطَّأ الإمام مالك". وفي نسخة الشيخ محمَّد المنوني، ورد العنوان بصيغة: "المسالك في شرح مُوَطَّأ مالك". وهكذا فنحن أمام عدَّة صيغٍ هي على النحو التالي: ١ - "المسالك على مُوَطَّأ مالك". ٢ - "المسالك في شرح مُوَطَّأ أبي عبد الله مالك".

стр. 201

٣ - "المسالك شرح مُوَطَّأ مالك". ٤ - "المسالك على مُوَطَّأ الإمام الأعظم مالك". ٥ - "ترتيب المسالك على موطّأ الإمام مالك". ٦ - "المسالك في شرح مُوَطَّأ مالك". هذا بالنِّسبة لعناوين النسخ الَّتي وقفناَ عليها واعتمدناها في القراءة والنشر (١). أمّا بالنسبة للمصادر الَّتي ذكرت الكتاب، سواء من المُترجمين أم من المؤلِّفين الّذين استفادوا من الكتاب ورجعوا إليه، نقد تباينت تسمياتهم كتباين تسميَات النسخ المخطوطة، وقبلا عرض ما عرض ما في المصادر نذكِّر بأنَّنا عثرنا على إحالات للمؤلِّف نفسه في "واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل" نسخة القرويين، على كتاب "المسالك" مما نعتبرهُ الفيصل في الخلاف الدائر في هذه المسألة، ففي لوحة ٢٠/ ب، يقول المُؤلِّف ﵀: "كفارة النذر كفارة اليمين، وقد بيَّناه في المسالك في شرح مُوَطَّأ مالك"، وُيسميه في لوحة ٣/ أ، وفي لوحة ١٥/ ب: "المسالك لشرح مُوَطَّأ مالك". وبالتسمية الأولى نفسها سماه ابن فرحون في الديباج المُذهب (٢)، والداودي في "طبقات المفسرين" (٣).

стр. 202

وقريبٌ من هذا الاسم، بزيادة لفظ: "الإمام" أي: "المسالك في شرح مُوَطَّأ الإمام مالك"، سمَّاه ابن حَمَادُه في "اختصار ترتيب المدارك": الورقة: ٢٨/ ب (١)، وصاحب "طبقات المالكيّة": لوحة ٣٠٧ (٢). وسمَّاهُ الهشتوكي في رحلته: "هداية الملك العلَّام إلى بيت الله الحرام والوقوف بالمشاعر العظام وزيارة النبيّ ﵊" لوحة: ١٠٢ - ١٠٤ (٣): "المسالك على مُوَطَّأ مالك". ونجد أوَّل من سماه بـ "ترتيب المسالك في شرح مُوَطَّأ مالك" هو محمَّد بن عبد السلام الهواري (ت. ٧٤٩ هـ) في "الإعلام بما في ابن الحاجب من الأسماء والأعلام" لوحة ٩٥/ ب. (٤) وبهذه التسمية سمَّاه المقَّري في "نفح الطيب" (٥)، و"أزهار الرياض" (٦)، والكتاني في "سلوة الأنفاس" (٧)، وعباس بن إبراهيم التعارجي في "الإعلام" (٨)، والشيخ محمَّد الطاهر بن

стр. 203

عاشور في "كشف المغطى" (١)، والشيخ محمَّد الفاضل ابن عاشور في مقال له عن "الموطَّأ" (٢). وهكذا فإنَّه يتحصلُ لنا من مجموع هذه التسميات عدَّة صيغ على النحو التالي: ١ - "المسالك في شرح مُوَطَّأ مالك". ٢ - "المسالك لشرح مُوَطَّأ مالك". ٣ - "المسالك في شرح مُوَطَّأ الإمام مالك". ٤ - "المسالك على موطّأ مالك". ٥ - "ترتيب المسالك في شرح موطّأ مالك". وباستعراض كلّ هذه التسميَات، لا يسعُنا إلَّا اختيار واعتماد ما اختاره واعتمده المؤلِّف نفسه في واضح السبيل، حيث أحال -كما سبق أن ذكرنا- على كتابه "المسالك" بصيغتين: الأولى: "المسالك في شرح مُوَطَّأ مالك" والثانية: "المسالك لشرح مُوَطَّأ مالك"، ورجَّحنا الصِّيغة الأولى؛ لقُربها من صيغة النُّسخة الَّتي كُتِبَت في عصر المؤلِّف، ونسخة الشيخ محمَّد المنوني.

стр. 204

توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه في المبحث السابق توصَّلنا إلى العنوان الصَّحيح الَّذي اختاره مؤلِّفه لكتابه "المسالك"، وبإثباتنا لعنوان الكتاب، نكون قد أثبتنا صحَّة نسبته إلى مؤلِّفه. ولكن ما يُدرينا أنَّ الكتاب الَّذي بين أيدينا هو كتاب "المسالك" الَّذي أحال عليه ابن العربيّ في مؤلَّفاته الأخرى، ونَسَبَهُ إليه أصحاب كتب التراجم؟ الجواب هو أن نقول: ١ - إنَّ وجود اسم المؤلِّف على جميع مخطوطات الكتاب، دليلٌ يُسْتَأنَسُ به في الإثبات. لأنَّه لم ينازع أحد في ذلك، ولم ينسب الكتاب إلى غيره. ٢ - التّوافق المنهجي والفكري بين "المسالك" وكتب ابن العربيّ الأخرى، دليل يستأنس به أيضًا في إثبات صحة نسبة الكتاب، فالمحتوى الفكري والعلمي والعَقَدَيّ هو نفسه المعروف والمسجَّل في مختلف كتبه الأخرى المشهود لها بصحَّة النِّسبة. ٣ - إحالتهُ في "المسالك" على مختلف كتبه، "كالعواصم من القواصم (١) "،

стр. 205

و"أنوار الفجر" (١)، و"أحكام القرآن" (٢)، و"سراج المُريدين" (٣)، و"الأمد الأقصى" (٤). ٤ - أكثر العلماء من النقل من كتاب المسالك، منهم ابن الزهراء الورياغلي الَّذي نقل في كتابه "الممهدّ الكبير" أبوابًا كاملة من المسالك (٥)، والسخاوي في "فتح المغيث" (٦)، وابن مريم في "البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان" (٧).

стр. 206

سبب تأليف الكتاب للمؤلِّف نَصُّ في كتابه "عارضة الأحوذي" في غاية الأهمية؛ لأنّه يضع الضوابط المنهجية الدقيقة الَّتي ينبغي أن يراعيها من يتصدَّى للكتابة والتصنيف، فالمؤلِّف في نَظَر صاحبنا يجب أن يتوَخَّى إحدى الغايتن: إمّا أن يخترع معنى من المعاني، بمعنى أنه يأتي بشيء جديد مُبْدِعٍ، وبذلك يُسهِم في مسيرة العِلْم الصّحيحة، وهي الابتكار والتجديد، طبقا لقوانين الحياة المتجدِّدة. وإمّا -وهو أضعف الإيمان- أن يبتدع وصفًا ومتنًا، وهذا الجانب أيضًا له أهميّته، فكما يظهر التّجديد في جانب الاخترل والابتكار -وهو الجانب الموضوي - يظهر أيضًا في جانب ابتداع الوصف واعادة الصِّياغة، وهو الجانب الشكليّ. وكلّ تأليفٍ لا يستهدف إحدى هاتين الغايتين، فهو لا يستحقّ أن يُطلَق عليه لقب التأليف العلمي الصحيح، وكلّ ما يُمكن أن يقال في شأنه، أنه عبارة عن عملية تسويد الوَرَق بالمداد، وسرقة وسطو على أعمال من سَبَق؛ ذلك لأنّ التأليف الَّذي لا يستهدف إحدى الغايتين المذكورتين، يكون عبارة عن اجترار وإعادة لما قيل، وأية فائدة ترجى من إعادة تدوين ما دُوِّنَ؛ (١).

стр. 207

يقول ابن العربيّ (١): "ولا ينبغي لحصيف إذ (٢) يتصدّى إلى تصنيف أن يعدل عن غرضين: إما أن يخترع معنى، أو يبتدع وصفا ومتنا ... وما سوى هذين الوجهين، فهو تسويد الورَق، والتحلي بحلية السرق". بهذا التحديد المنهجيّ الدّقيق رام صاحبنا ابن العربيّ استبعاد المتطَفِّلِين على موائد الكَتَبَة، ووضع الحواجز المانعة أمام كلّ ضعيف الأداة قاصر الآلة من الولوج إلى ميدان صناعة التأليف، ومع هذا فقد سلَّم صاحبنا بأن إبداع المعاني أصبح متعذّرا في زمانه فقال (٣): "فأما إبداع المعاني فهو أمر مُعْوِزٌ في هذا الزمان، فإنّ العلماء قد استوفوا الكلم، ونصبوا على كلّ مشكل العلم، ولم يبق إلَّا خفايا في زوايا، لا يتوَلّجها إلّا من تَبَصَّر معاطفها، واستظهر لواطفها ... " ونزعم أن صاحبنا كان من جملة المصنفين البارعين الّذين حملوا هذه الأمانة، وقاموا بهذا الواجب، حين أجادوا الكشف عن الغوامض، وأحسنوا الغوص على الحقائق، بفِكْرِ صائبٍ ورَوِيّةٍ ثاقبة، فابدعوا كأشدِّ ما يكون الإبداع تألُّقًا وجمالًا، في صياغة إرثنا الثقافي صياغة دانية القطوف، مُتَسَنِّية التحصيل للمبتدئ والنتهي على السواء. وهذا المنهج الأمثل هو الَّذي بَوَّأَ الثقافة الإِسلامية تلك المنزلة الرفيعة والرتبة السامية بين مختلف الثقافات العالية، وإلى هذا المزيّة الظاهرة الَّتي تُقِرُّ بتفرُّد أمَّتِنا عن النُّظَراء أشار صاحبنا

стр. 208

في كتابه "العارضة" عندما قال (١): "ولم يكن قطُّ في الأمَم من انتهى إلى حدِّ هذه الأمَّة من التصرُّف في التصنيف والتحقيق ... وجاء بها إلى الحقائق من أبوابها، وسائر الأمَم غَمَرتهم الآفات، وتوَالت عليهم الحادثات ... ولما صان الله هذه الأمّة عن المحنة، وبسط لها في الدَّوحة، فتبسّطَت في بحبوحنها، وتصرّفت في فروع مِلَّتِها، فاستفتح السيف العلق، واستولوا على الظلف". ونعود إلى ذكر السبب المباشر الَّذي دفع صاحبنا إلى تصنيف هذا المجموع، فنقول: تكفَّل -رحمة الله عليه- ببيان السَّبب الَّذي حمله على تأليف كتابه "المسالك" فقال (٢): "اعلموا- أنار الله قلوبكم للمعارف، ونبَّهنا وإيِّاكم على الآثار والسُنن السَّوالف- أنَّه إنَّما حملني على جمع هذا المجموع كما فيه- إن شاء الله- كفاية وقنوع أمور ثلاثة، وذلك أنَّه ناظرتُ يوما جماعة من أهل الظَّاهر الحزمية الجهلة بالعلم والعلماء وقلَّة اللهم، على مُوَطَّأ مالك بن أنس، فكلّ عابه وهزأ به، فقلت: ما السبب الَّذي عبتموه من أجله؛ فقالوا: أمور كثيرة: أحدها: أنَّه خلط الحديث بالرّأي. والثاني: أنَّه أدخل أحاديث كثيرة صحاحًا، وقال: ليس العمل على هذه الأحاديث. والثالث: أنَّه لم يُفرق فيه بين المرسَل من الموقوف، والمقطوع من البَلَاغ،

стр. 209

وهذا من إمام قد صحَّت عندكم إمامته في الفقه والحديث نقيصةٌ، إذ قد أسند كلّ مصنّف في كتابه أحاديثه. فقلت لهم: اعلموا أنَّ مالكًا ﵀ إمامٌ من أئمة المسلمين، وأنَّ كتابه أجلّ الدواوين، وهو أول كتاب ألّف في الإسلام، لم يؤلِّف مثله لا قبله ولا بعده، إذ قد بناه مالك ﵀ على تمهيد الأصول للفروع، ونبَّه فيه على علم عظيم من معظم أصول الفقه الَّتي ترجع إليه مسائله وفروعه، وأنا -إن شاء الله- أنبهكم على ذلك عيانًا، وتُحيطون به يقينًا، عند التنبيه عليه في موضعه إن شاء الله. وإن من سلف من الأيِّمة المتقدمين من الفقهاء والمحدثين قد وضع فيه كتبا كثيرة وان كانت كافية شافية، وبالغرض الأقصى وافية، لكن لم يسلكوا فيها هذا الغرض من أصول الفقه وعلوم الحديث، واستخراج النُكت البديعة والعلوم الرفيعة". وهكذا فإنه يظهر لنا جليًا واضحًا أن ابن العربيّ رام من وضع كتاب "المسالك" الرُّدْ على الظاهرية الَّذين عابوا "الموطَّأ" والمالكية، والحق أن الظاهرية لم ينطلقوا من فراغ، وإنَّما كانوا ردّ فعل عنيف للنزعة التقليدية الالتزامية الضيِّقة الَّتي طالما ناءت بكلّكلّها على أهل البحث والنَّظر، وأحرقت مواهب العلم الحقّ والفقه الصّحيح، إذ صارت على طريقة التّقليد، بحيث أصبح عمل المتقدِّمين حُجُّة لا يُلتفتُ بعدها إلى الأيِّمة الأوّلين. وبالرغم من أنّ ابن العربيّ كان شديدًا على الظّاهرية، إلَّا أنَّه تأثر بطريق غير مباشر بابن حَزْم، فابن العربيّ الوالد كان من كبار أصحاب وتلاميذ ابن

стр. 210

حَزْم، ولا شكّ أنَّه أثر في ابنه، بدليل ما نراه ماثلًا عند أبي بكر ابن العربيّ أعظم المثول وأشدَّه، من سَعَةٍ في الفكر، وجنوحٍ إلى تضييق دائرة التقليد، وإيراد الأقوال المخالفة، وتوسيع دائرة الخلاف، والإشارة إلى الأدلّة، وهذا ما نلمسهُ ونراه عيائا في "المسالك" فابنُ العربيّ لا يلتزم فيه غالبا بالانتصار لتقليد مذهب معيَّن؛ بل يفتح باب النّظَر في الأدلَّة، ولو في حدود النَّظر المذهبيّ، وهو الطريق الَّذي نعتبره الطّريق الوَسَط بين الاجتهاد والتّقليد. كما أنَّ من الأسباب الَّتي دفعت ابن العربيّ إلى وضع كتابه "المسالك" هو ما رآه من قُصورِ لدى العلماء في عصره وهذا هو الَّذي حكاه في "العواصم" (١) عندما قال: "صار التقليد ديدنهم، والاقتداء بغيتهم، فكلما جاء أحدهم بعلم حقَّروا أمره، ودفعوا في صدره، إلَّا أن يستتر عنهم بالمالكية، ويجعل ما عنده من علوم على رسم التبعية؛ فإن جاءهم بفائدة في الدين وطريقة من سلف الصالحين، وسرد لهم البراهين غمزوا جوانبه ونتجوا عجائبه، وعيبوا حقَّه استكبارًا وعتوًا. وجحدوا علمه وقد استيقنته أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وسعوا في إخمال ذكره, وتحقير قدره، وافتعلوا عليه، وردُّوا كلّ عظيمة إليه".

стр. 211

متى أُلِّفَ الكتاب إنّ الجواب عن هذا السؤال في غاية العُسْرِ؛ لأنّنا لم نعثر في الكتاب على ما يحدد بصراحة الفترة الَّتي أمْلى المؤلِّف فيها مصنّفه، إلَّا أنَّ بعض الإشارات يمكن الاستئناس بها في معرفة الفترة الَّتي أملي فيها الكتاب، فالَّذي لا شكّ فيه أنّ كتاب "أحكام القرآن" انتهى المؤلِّف من تقييده في ذي القعدة سنة: ٥٣٠هـ (١)، وكتاب "الأحكام" من جملة الكتب الَّتي أحال عليها المؤلِّف في "المسالك" (٢)، كما أحال على كتابه المفقود: "أنوار الفجر في مجالس الذكر" (٣)، و"العواصم من القواصم" (٤)، و"سراج المُريدين" (٥)، و"النيِّرين" (٦)، و"عارضة الأحوذي" (٧)، و"مسائل الخلاف" (٨)، و"الأمد الأقصى" (٩)، ولولا احتمال

стр. 212

رجوع المؤلِّف إلى كتبه بالتهذيب والزيادة؛ لأمكننا الجزم بأنَّه كتب "المسالك" في أواخر حياته؛ لأننا نجد الإحالة فيه على معظم تراثه الفكري، وتبقى هذه المعضلة قائمة، إلى أن نقف على دليل قاطع نقطع به دابر الشكِّ.

стр. 213

مصادر ابن العربيّ في كتابه المسالك الوقوف على مصادر ابن العربيّ في "المسالك" أمرٌ محفوفٌ بالمخاطر؛ فقد عانينا فيه صَعَدًا، وكلفنا خُطة شديدة، فلطالما قرأنا الكتاب مرَّات ومرَّات، واستصحبنا مصادرهُ الَّتي صرُّح بها، وأصُول مادَّته العلمية الَّتي وثقها، إلَّا أننا وقفنا عاجزين أمام كثير من النُّصوص، هل هي من بنات فكره وحرِّ لفظه، أم هي مقتبسة من غيره؟ ونعتقدُ أن الوعي بهذه المسألة قادنا إلى محاولة معرفة كيف يقرأ ابن العربيّ كتب من تقدَّمه؟ وإلى أيِّ مدى كان يعيش في أفكارها ومسائلها؛ ثم أيّ الكتب كان حضور ساطع في نفسه وهو يُملي عِلْمه على طَلَبَتِه ومُرِيدِيه؟ وما هي المصادر الَّتي تُمثِّلُ الفكر الُّذي قدح عقل هذا العالِم فاستفاض علمه؟ إنَّه ليس باستطاعتنا في هذا الدخل أن نُجيبَ عن هذه التّساؤلات الهامَّة والمشروعة في ذات الوقت، ولكن حسبُنا في هذا المبحث الآن أنّنا سندُلُّ القارئ على المصادر الَّتي صرَّح بها الْمُؤلِّف في ثنايا بحثه، وكذلك بعض المصادر الَّتي أغفلها واستطعنا تحديد بعض الواضع المنقولة منها، وبصَنِيعِنا هذا لم نحاول أن نضع ابن العربيّ في غير موضعه، أو نرتفع به على من سبقوه، فإنَّ من آفات البحث العلمي العصبيّة الطائشة للكتاب المدروس ولصاحبه، ومحاولة نسبة كل إبدل وفكر جديد له خاصّة دون غيره, وهذا مخالف للحقيقة، مجانبٌ للصّواب، فقد جاء ابنُ العربيّ وقد استوت العلوم الإِسلامية

стр. 214

على سُوقها أو كادت، فقد فرغ ابنُ حبيب والبُونيّ والقَنَازِعِيّ والباجيّ من شَرْحِ "الموطَّأ" ووضعوا الأصول ومهَّدوا الفروع، ولم يكد ابن عبد البرِّ القرطبي يضع قلمه المُبدع بعد تأليفه للتّمهيد والاستذكار، حتَّى كان هذا إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من التّصنيف في شرح الحديث، عكفَ فيها العلماء - ومنهم ابن العربيّ- على هذا الموروث العظيم الَّذي آل إليهم، شارحين للمُوطَّأ، ومتعقِّبين وناقدين، ومُضيفينَ ومستَدْرِكينَ، فمِن الممتع حقًّا أن يرقبَ الباحث حركة الأفكار وهي تتحاور، ويفتح بعضها لبعض، ويخرج بعضها من بعض، ويأتي بعضها في إثر بعض، وكيف يقوم الثّاني على المراجعة الدّقيقة للأوَّل، وإخراج ما يقتضي الرَّأي إخراجه، وإضافة ما يقتضي الرّأي إضافنه، ثم ترى الحذق واليقَظَة في استخراج رَسِيسَ الصّواب من تحت أنقاض الخطأ، وهكذا نجد المراجعة الدائمة هي الَّتي تتولَّد منها -بإذن الله- المعرفة، وهذا لا يوجد إلَّا إذا عكف الثاني على عِلْمِ الأوَّل، واستخرج منه صافيات الصّواب وخافيات الخطأ. وابنُ العربيّ واحدٌ من هذا النَّفَر الكريم الَّذين أحسنوا النَّظَر في ذلك الحصاد الطِّيب الَّذي سبق به الأوائل؛ كما أخذ بنصيب وافر من ثقافة وعلوم عصره، وكان يمدّه في كل ذلك ذكاء قويٌّ، وطَبعٌ سليمٌ، وشَغفْ بالاطِّلاع والتّحصيل شديدٌ وكانت الثمرة كتاب "المسالك" الَّذي يعتبر معرِضًا لأراء كبار علماء اللّغة والكلام والفقه والأصول والحديث على اختلاف مذاهبهم وتعدد مشاربهم، فيه النُقُول المُستفيضة عنهم، وتظهر أهمية هذه النقول فيما حكاه عن كُتبهم الضائعة، من مثل: "الواضحة" لابن حبيب و"المبسوط" لإسماعيل القاضي، و"المجموعة" لابن عبْدُوس، و"كتاب ابن المَوَّاز" وما إلى ذلك.

стр. 215

وليس يعنينا هنا أن نتحدّث عن كلّ الأعلام الَّذي حَكَى عنهم ابن العربيّ القول والقولين، وإنَّما نذكرُ مِن هؤلاء الأعلام مَنْ أكثرَ ابن العربيّ من النَّقل عنهم والاستفادة من علومهم، وها نحن نذكُرهم بحسب موضوعات العلوم. مصادره في شرح الحديث: ١ - "الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطَّأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار" و"التمهيد لما في الموَطَّأ من المعاني والأسانيد" لأبي عمر بن عبد البرِّ القرطبي (ت.٤٦٣). ابنُ عبد البرّ مُحدِّث الفقهاء، وفقيهُ المحدِّثين، لا يخلو شرح من شروح "الموطَّأ" من الأخذ عنه والنَّقل منه، وقد استكثر ابن العربيّ من حكايته أقواله، ونقل الفقرات الطويلة من "التمهيد" (١) و"الاستذكار" (٢) بخاصَّة، وقد انتقده في مسائل معدودة، غير أننا رأيناه في كثير من المواضع يُتابعُ آراءه وُيضمِّنها
следующие страницы →