← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

٣ - والصلاح والدَّين (١). فإنِ انفردَ كلُّ واحدٍ من هذه، مثل أنّ يموت أحدٌ فلا يكون له وليٌّ، ولا يحضر من يُشار إليه بصلاحٍ ويحضر الوَالِي، فلا خلافَ أنّه يصلّى عليه (٢)؛ لأنّه أحق بالتّقديم عليها كصلاة الفَرضِ (٣). فإني حضر وليّ ولم يحضر والٍ، ولا رجل مشهور بالصّلاح، فإن الوليّ أَوْلَى بذلك؛ لأنّ الصّلاة من حقوق الميِّت ومن حقوق الوليّ فإنّه أحق بالقيام بها من الأجانب. وكذلك إنّ حضر المشهور بالصّلاح دون الوالي والولي، فهو (٤) أحقّ بذلك (٥). فإن اجتمعوا فأحقهم الوالي (٦)، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ. وقال (٧) مُطَرِّف وابن الماجشون وَأَصْبغ: إنِّما ذَلِكَ إلى الأمير الّذي تُؤَدَّى إليه الطّاعة (٨). المسألة الثّانية (٩): فهذا لم يكن والٍ، فأحقُّ التاس بالتقديم الوَليّ إذا كان ممّن تصحّ إمامته، ويستحقّ ذلك بالتَّعصيب، فأقوى عصبته وأقربهم منه أحقّهم بالصّلاة عليه، كولاية النِّكاح.

стр. 1507

المسألة الثّالثة (١): وهي إذا اجتمع جنازتان فأكثر ولكلّ واحدة وليّ؟ فقد قال مالكٌ: إنّ أحقَّهُم بالصَّلاة أفضلهم، وإن كان وليّ امرأة وغيره وليّ رَجُل (٢). وقال ابن الماجِشُون: أحقّهم وليّ الرَّجُل (٣). المسألة الرّابعة (٤): قوله: "فَيَجعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الإمَامَ" قال علماؤنا (٥): هذا نوع من ترتيب الجنائز في الصّلاة عليها، وهي على ضربين: أحدهما: أنّ يقدّم مستحقّ الفضيلة. الثّاني: أنّ يجعلوا صفًا واحدًا ويقف الإمام وسط ذلك، فيجعل مستحقّ الفضيلة حذاء الإمام، ويجعل غيره عن يمينه وعن يساره. قال الإمام: وقد قيّدنا في ترتيبهم ثنتي عشرة مرتبة وهي: إذا اجتمعوا أنّ يقدّم الإمام: ١ - أعلمهم. ٢ - ثم أفضلهم. ٣ - ثم أسنّهم. وقيل: إنه يقدَّم الأفضل على الأعلم، وهذا بعيدٌ؛ لأنّ فضيلة العلّم مزيّة يقطع عليها، ومزيّة الفَضْل لا يقطع عليها، وأيّ درجة أفضل من العلّم. ٤ - ثمّ الصِّبيان الأحرار.

стр. 1508

فإنْ تفاضَلُوا أيضًا في حِفْظِ القرآن ومعرفته، بشيءٍ من الدِّين والمحافظة على الصّلاة وفعل الطّاعة، قدِّم ذو المعرفة منهم على الّذي عرف بالمحافظة على الصّلاة وفعل الطّاعة. ٥ - ثم الأسنّ، وإن لم يكن لأحدهم مزيّة السِّنِّ، قدِّم الأسنّ على غير الأسنّ. ٦ - ثمّ العبيد الصِّغار. وإن تَفَاضَلُوا أيضًا في العِلْمِ والفَضْلِ والسِّنِّ، فعلى ما تقدّم في الأحرار؛ لأنّه قد أوضحنا أنّه يقدّم الرِّجال والنِّساء والأحرار والعبيد والصِّغار والكبار، فيقدّم الأحرار على العبيد صغارًا كانوا أو كبارًا، والذُّكور على الإناث صغارًا كانوا أو كبارًا، إلَّا إذا استوت مرتبتهم في الحرِّيَّة. ٧ - ثم النِّساء الأحرار (١) الكبار. وقال ابنُ القاسم: إنّما قدّم العبيد الكبار على الأحرار الصِّغار؛ لأنّ العبد الكبير يؤمُّ الحرَّ الصَّغيرَ (٢). ووجه القول الأوّل: أنّ نَقِيصَةَ العبوديّة أَثْبَتْ من نَقِيصَةِ الصِّغَر؛ لأنّ الصّغير يبلغ على كلِّ حالٍ مع حياته، والعبد قَدْ لا يعتق مع (٣) حياته (٤). ٨ - ثمّ الخَنَاثَى المُشْكِلُون الأحرار الكبار. ٩ - ثمّ الخَنَاثَى الأحرار الصِّغار. ١٠ - ثمّ النِّساء الأحرار الكبار. ١١ - ثمّ النِّساء الأحرار الصغار. ١٢ - ثم الإمَاء الكبار، ثمّ الإمَاء الصِّغار، وباللهِ التّوفيق. وقال أبو الوليد (٥) ﵀: "إنّ الفضائلَ المعتبرةَ في النّاسِ: الذكورةُ والبلوغُ والحرَّيَّةُ، كما أنّ النقائصَ ثلاثةٌ: الأُنوثة والصِّغر والرِّق، فيجب أنْ يقدَّم في

стр. 1509

الصّلاة من كملت فضائله، وهي الذكورة والحرية والبلوغ". فهذا حصل هذا، فالإمامُ يكَبِّرُ عليهم أربع تكبيرات، يُنزِلُ التكبيرة فيها منزلةَ الرَّكعة في الصّلاة، والدُّعاء فيها بمنزلةِ القراءَةِ في الصّلاة، وهذا صريح مذهب مالك ﵀. ومن شرطها صحة الإمامة كصلاة الجمعة والعيد. فإن صُلِّي عليها بغير إمامٍ أُعِيدَتِ الصَّلاةُ ما لم يفت ذلك، هذا عند مالك وأصحابه. وكذلك مذهبُهُ في الوَلِيِّ للصَّلاة عليها، فقال: والابن أَولَى بالصّلاة على الجنازة من الأب (١)، والأبُ أَوْلَى من الأخِ، والأخ أوْلَى من ابنِ الأخ، وابنُ الأخِ أَوْلَى من الجَدِّ، والجَدُّ أَوْلَى من العمِّ، والعَمُّ أَوْلَى من ابنِ العَمِّ، وهو مقيس على الأَقعَدِ فالأَقْعَد من العَصَبَةِ، وإذا أراد الأقعد أنّ يوكِّل بالصَّلاة أجنَبِيًّا فذلك له، وليس لمن تحته من الأولياء كلامٌ، كالنِّكاح يوكَّلُ به، قاله ابن الماجِشُون وأَصْبَغ. المسألة الخامسة (٢): قول مالك في هذا الباب (٣): "لَم أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهلِ الْعِلمِ يَكْرَهُ الصَّلاَةَ عَلَى وَلَدِ الزِّنَا وَأُمِّهِ" وهو كما قال؛ لأنّه من المسلمين، والموالاةُ لا تنقطعُ بيننا وبين أهل الكبائر (٤)، فكيف ولا ذَنْبَ لوَلَدِ الزِّنا، وهو قول جمهور الفقهاء، إلَّا قتادة فإنّه قال: لايُصَلَّى عليه. والدّليل على ما نقوله: أنّ هذا مسلمٌ ماتَ في غير المعترَكِ، فوجبتِ الصّلاةُ عليه كولد الرِّشدَةِ (٥).

стр. 1510

المسألة السّادسة (١): أمّا أمّه، فإنّه يُصَلَّى عليها أيضًا، غير أنّه يستحبُّ أنّ يجتنبَ الصّلاة عليها أهل الفَضل والعِلْم، وقد ذكرنا أنّ النقائص المانعة من الصّلاة على المِّيت عامّة وخاصّةٌ، وقد تقدَّم الكلام في العامَّةِ (٢)، وبقيَ الكلامُ في الخاصَّةِ، وهو كلّ نَقْصٍ لا يخرجُ عن الإيمان، كأهل الكبائر وأهل البِدَعِ (٣)، فإنّه يُكْرَهُ للإمام العالِم وأهل الفضل الصَّلاة عليهم، ليكون ذلك رَدعًا وزَجرًا لغيرهم. والأصل في ذلك الحديث المروي، عن جابر بن سَمُرَة، عن النّبيِّ ﷺ أنّه أتي برَجُلٍ قَتلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ (٤)، فلم يُصَلِّ عليه (٥). المسألة السابعة (٦): قال علماؤنا (٧): هذا إذا لم يؤدِّ ذلك إلى إبطال الصَّلاةِ عليه جملةً، فإنْ خِيفَ ذلك صَّلُّوا عليه؛ لأنَّ فَرْضَ الصّلاة لازمٌ لا يُسقِطه كبائرهم ما تَمَسَّكُوا بالإسلام. وكذلك المقتول في الفِئَةِ الباغية، يغسَّلُ ويُصَلَّى عليه، خلافًا لأبي حنيفة (٨)؛ لأنّه مسلم لم تمنعه معصيته من وجوب الصّلاة عليه، كالزّاني المُحصَن (٩). المسألة الثامنة: الصّلاة على المحدود قال ابنُ عبد الحَكَم: إذا جلد الإمام رجلًا فمات، فلا يخلو أنّ يكون الحدّ الأكبر أو الأصغر، فإنْ مات من الأكبر، فإنّ الإمام يصلِّي عليه، واحتجَ بحديثِ

стр. 1511

الغامديّة وماعز بن مالك؛ أنّ النّبيَّ ﷺ صلَّى عليهما. قلنا: لا دليل له في هذا؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ قال: "لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَو فُرِّقَتْ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ لَوْسِعَتْهُمْ" (١) وسيأتي كلامُنا عليه في "كتاب الحدود" إنّ شاء الله. وأمّا الحدّ الأصغر، فإنّه يصلّي عليه، وإن كان الأكبر فلا يصلِّي عليه. والدّليلُ عليه من طريق المعنى: أنّ الإمام يقول: جئنا شُفَعَاء له فشَفِّعْنَا فيه، ونحن قتلناه، وهذا تناقضٌ. ورَوَى ابنُ وهب عن مالك واختاره عبد الوهّاب (٢)؛ أنّ الفَاسِقَ إذا مات بحدِّ الإمامِ أو بمَوْتِهِ أنّ الإمام لا يصلِّي عليه ولا أهل الفَضْلِ، رَدْعًا لهم وزَجْرًا. المسألة التّاسعة: في قتيل (٣) اللصّوص قال أبو حنيفة: يجري مَجرَى قتيل المعترك لا يغسّل؛ لأنّه قُتِلَ ظُلْمًا فلا يزال شاهده معه كما لو قتل في المعترك. قلنا: قتيلُ المُعتَرَكِ هو مخصوصٌ بأنّه قاتل أعداء الله، وهذا قتيلٌ قاتَلَ ليَدْفَعَ عن نفسه فلم يلحق به. وقال علماؤنا: لا خلاف أنّه شهيد، وكذلك كلُّ من قُتِلَ ظُلمًا دون مالٍ أو نفسٍ. فإن عزِّر في قطع الطّريق، أو قُتِلَ رَجُلٌ (٤) في قَطع الطَّريقِ، فهو شهيدٌ وإن مات في معصيته. والأصلُ فيه: أنّ كلِّ من مات بسببٍ من أسباب الشَّهادةِ، فله أجر الشّهادة وعليه إثم المعصية. وكذلك لو قاتل على فَرَسٍ مغصوبٍ، أو قوم كانوا في معصيةٍ، فوقع عليهم البيت، فلهم الشّهادة وعليهم المعصية. المسألة العاشرة: في الصّلاة على الشّهيد

стр. 1512

ثبت أنّه لم يغسِّل شهداء أحد وصلَّى عليهم، وبه قال الشّافعيّ (١). والمسألة عريضة الخلاف، وعمدة أبي حنيفة عموم قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٢) وأن النّبيّ ﷺ صلّى على شهداء أُحُد وكَبَّرَ عليهم عَشْرًا عَشْرًا، وصلّى على حَمزة مع كلِّ عَشرة (٣)، والإثباتُ أَوْلَى من النَّفْي كما في كلِّ حديثِ، وهذا أصل مُتَّفَقٌ عليه، وقد تقدَّم حديث أبي مالكٌ الغفاري في الصّلاة عليهم وعلى حَمْزَة (٤)، وكذلك رواه الواقديّ؛ أنّ النّبيَّ ﷺ صلَّى على شهداء أُحُد وكَبَّرَ على حَمْزَة سبعين تكبيرة (٥)، وحديث ابن عبّاس أيضًا في الصَّلاة عليهم (٦). وقال أهل الحديث: أمّا حديث أبي مالكٌ الغفاري فإنّه مُرْسَلٌ؛ لأنّه ليس بصاحبٍ. وأمّا حديث ابن عبّاس، فيرويه يزيد بن أبي (٧) زياد (٨) وقد اختلَّ في آخِرِ عمره (٩)، وقد رواه أبو داود (١٠)، وقال: أمرَ رسولُ الله ﷺ أنّ ينزعَ عنهم الحديدَ والجُلُودَ، وأن يدفنوا بدِمَائِهِمْ. المسألة الحادية عشرة: قال أشهب في "المجموعة": إذا وُجِدَ البَدنُ بلا رأسٍ له ولا أطرافٍ صُلِّي عليه. وإذا وُجد الرَّأسُ وأطرافه فقط فلا يصلَّى عليه، ولو وَجَبَت الصّلاةُ عليه لوجبت على أَبْعَاضِهِ وأَسْنَانِهِ وأَصَابِعِهِ وأَنْفِهِ.

стр. 1513

ولو وُجِدَ أحد شقَّيه طُولًا مع رأسه، أو نصفه عرضًا مع رأسه، لم يصلّ عليه. قال علماؤنا: الأشبه أنّ يُصلَّى عليه. وكذلك النِّصف بالسَّواء يجب أنّ يصلَّى عليه؛ لأنّ اليدَ والرِّجلَ وأقلّ البدن لا يُصَلَّى عليه. وعبد العزيز بن سَلَمَة يقول: يغسّل ما وُجِدَ منه ويُصَلَّى عليه، كان رَأْسًا أو يَدًا أو رِجْلًا، فإنّه يصلَّى عليه ويُنْوَى بالصَّلاة عليه الميِّت. وقال عبد العزيز: ولو استوقن أنّه غَرِقَ، أو أَكَلَهُ (١) السّبع (٢)، ولم يوجد منه شيءٌ، صُلِّيَ عليه كما فعلَ النّبيُّ ﷺ بالنَّجَاشيّ، وبه قال ابن حبيب (٣). قلنا: هذا من خَوَاصِّ النّبيِّ صلّى الله عليه وأَعْلاَم نُبُوَّتِهِ، وذلك أنّ الأرض رُفِعَت له وعَلِمَ يوم ماتَ فيه، وهذا لم يَجرِ العمل عليه، ولا عمله الخلفاء بالغائبين، واللهُ أعلمُ. المسألة الثّانية عشرة (٤): الصّلاة على الصّغير إذا استهلَّ والسِّقْط، لا (٥) خلافَ عند علمائنا فيه (٦) إذا استهلَّ صارخًا. وأمّا إذا لم يستهلّ وتبيَّنَ أنّه خُلِقَ؟ فقال أحمد وإسحاق: إنّه يصلَّى عليه إذا تبيَّنَ خَلْقُه (٧)، لقوله: "الطِّفْلُ (٨) يُصَلَّى عَلَيهِ" وقد خرّجه (٩) التّرمذيّ (١٠) حديثًا مُطْلَقًا صحيحًا هكذا، ورَوَى أيضًا

стр. 1514

التّرمذيّ (١) عن جَابِر: "الطِّفلُ (٢) لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ولا يَرِثُ ولا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ" (٣) واضطربت روايته، فقيل: مُسْنَدًا (٤)، وقيل: موقوفًا (٥)، وباختلاف الرِّوايات يرجع إلى الأصل (٦). وحديث عائشة في "البخاريّ" (٧) في الطِّفل أنّه عصفور من عصافير الجنّة، فقال لها النبيّ ﷺ : "وَمَا يُدرِيكِ أَنَّهُ عصفورٌ من عصافِيرِ الجَنَّةِ" ضعَّفَهُ ابن حنبل (٨). وقال علماؤنا: هو منسوخ بقوله ﷺ في إبراهيم: "إِنَ لَهُ مَوْضِعًا في الْجَنَّةِ"، ولقوله: "مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاَثَةٌ مِنَ الوَلَدِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ" (٩) ومعلومٌ أنّه لو لم يكونوا في الجَنَّةِ لَمَا مَنَعُوهُ النّارَ وأدخلوه الجنَّة. وأيضًا: فإنّ النّبيِّ ﷺ حينئذٍ لم يكن يعرف ولا يدري، حتّى عرَّفَهُ اللهُ بعد ذلك، فقال في إبراهيم ابْنِهِ وغيره ما قال، فيقطع أنّ ولد المسلم في الجَنَّة، وولد (١٠) الكافر في المشيئة، والّذي صَرَّحَ أنّ وَلَدَ المسلمِ في الجَنَّة، قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية (١١). عربية: يقال: هلَّ واسْتَهَلَّ بمعنى (١٢) ظَهَرَ وصَاحَ. وقوله: "السّقْطُ" هو الولد يُطرَحُ قبل تمَامِهِ، وفيه ثلاث لغات: سِقْطٌ، وسَقْطٌ،

стр. 1515

وسُقطٌ، بكسر السِّين وفتحها وضمِّها، والقاف في ذلك كلِّه ساكنة (١). المسألة الثّالثة عشرة (٢): مقام الإمام من الميِّتِ، فيه حديث أنس؛ أنّه يقف حِيَالَ رَأْسِ الميِّت الرَّجُل، وفي وَسَطِ المرأةِ (٣)، وبه قال الشّافعيّ (٤). وقال أبو حنيفة: يقوم على المرأة عند صدرها (٥). وفي الصّحيح؛ أنّ رسولَ الله ﷺ صلَّى خَلفَ المرأة فقام وَسَطَها (٦)، وضعَّفَ أبو داود حديثَ أنَس، وقال علماؤنا: كان هذا حين (٧) لم تكن المرأة فيه مستورة، فلمّا سُتِرَ النِّساء، صارَ لهُنَّ حُكْمٌ آخر، ورَوَى ابن مسعود كما رَوَى أنس. وروى ابن غانم عن مالك؛ أنّه يصلّى عليها وسطها، وقاله أشهب، وقال: واسعٌ له أنّ يصلِّي حيث أحبَّ، وإن وقفَ إلى صَدْرِها فهو أحسن (٨). تكملة: قال الإمام: والصحيحُ من الآثار والفقه وتحقيق النّظر؛ أنّ الإمام يقوم وسط الرَّجُل، وفي المرأة عند صدرها، وعلى هذا هو المذهب الصّريح من مذهب ممالك وأصحابه (٩). وأمّا الحديث عن النّبيِّ ﷺ أنّه قام وسط المرأة، فإنّه لم يثبت سَنَدُه، فلا معنى للاشتغال به.

стр. 1516

تنبيه على وَهَمٍ (١): قال بعضُ علمائنا: الصّلاة على الميِّتِ فَرْضٌ، لقوله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية (٢)، فحرَّمَ اللهُ الصَّلاة على المنافقين، فوجب بذلك الصّلاة على المؤمنين، وهذه عثرةٌ لا لَعًا لها، ولوددتُ أنّ تُمْحَى من كُتُبِنَا (٣)، وكأنّه أشار على غفلةٍ إلى مسألة بديعة من أصول الفقه، وهي أنّ النّهيَ عن الشَّيءِ أمرٌ بضِدِّهِ، أو الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، على الاختلاف والتّفصيل الّذي بيِّنَّاهُ في موضعه (٤)، وتلك المسألة صحيحةٌ مليحةٌ، وليست مسألته هذه منها؛ لأنّ الصّلاة على المنافقين ليست بضدِّ الصّلاة على المؤمنين، لا فِعلًا ولا قَوْلًا ولا تَركًا، ولو تفطَّنَ لهذا التّحقيق لما سقطَ في هذه العَثرَة (٥). ولم يختلف العلّماء في أنّها صلاة، وإنّما اختلفوا في الوُضوءِ لها والقراءةِ فيها؟ فقال العلّماء بأجمعهم بالوضوء فيها، إلّا من شذَّ منهم فلا يرى الوضوء فيها، ويلزم من شرط الوُضوء أنّ يشترط القراءة ضرورة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لَا صَلاَةَ إِلَّا بِطَهُورٍ" (٦) وقال: "لَا صَلاَةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكتَابِ" (٧) على ما بيَّنَّاهُ في اختلافِ العلّماء في ذلك فيما تقدَّمَ شَرْحُه. ما جاءَ في دَفْنِ الميِّتِ تنبيهٌ على التّرجمة (٨): قوله (٩): "دَفْن الْمَيِّت" الأصلُ فيه قولُه تعالى في ابْنَي آدم: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿النَّادِمِينَ﴾ (١٠).

стр. 1517

قال جماعة أهل التَّفسيرِ (١): رُوِيَ أنَّه حَمَلَهُ على عُنُقِهِ سنةً يَدُورُ به لا يَدْرِي ما يصنعُ به، إلى أنّ بعث اللهُ الغرابَ تنبيهًا (٢) له على دَفْنِ أخيهِ، ففعلَ ذلك، وكان سنَّة له ولمن بعدَهُ إلى يوم القيامة، أَنْعَمَ اللهُ بها على عباده وعَدَّدَ النِّعمة بها عليهم في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٣) وقال: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٤)، وقال ﷻ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أُخْرَى﴾ (٥). والدَّفْنُ أيضًا من فرائضِ الكِفَايَةِ. مزيد بيان: قوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ (٦) فيه دليلٌ على قياس الشَّبَهِ؛ لأنّه لم يَدْرِ كيف يفعل في المواراة. قال علماؤنا: بعثَ اللهُ الغُرَابَيْنِ فاقتَتَلا، فقتلَ أحدهما الآخر. قيل: إنّ الغرابَ إنّما بُعِثَ ليُرِي ابنَ آدم كيفيّةَ المُوَارَاةِ وكيف تُسْتَر العورة. وقيل: لمَّا نَتَنَ صار عَوْرَة كلّه، وسمِّيت سَوْءَة لأنّها تَسوءُ النَّاظر لها، ودَفْنُ الميِّتِ سترٌ له. وقيل: لئلّا يؤذي الأحياء بجيفته. وقيل: إنّهما كانا مَلَكَيْن في صورة الغُراب. وقال ابن مسعود: كانا غُرابَيْنِ أخَوين (٧). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (٨). قال الإمام: ومن الغريب أنّ الله أخبر عنه أنّه ندم وأنّه في النّار، وقال

стр. 1518

النّبيّ ﷺ : "النَّدِمُ تَوبَةٌ" (١). قلنا: عنه ثلاثة أَوْجُهٍ (٢): أحدها: أنّ الحديث لم يصحّ، ولكن المعنى صحيحٌ، وكلُّ من ندم سَلِمَ (٣)، لكن النَدم له شروطٌ، من جاء بها قُبِلَ منه، ومن أَخَلَّ بها ولم يأت بها لم يُقْبل منه. الثّاني - قيل: معناه نَدِمَ ولم يَستَمرّ نَدَمُه، وإنّما يُقْبَلُ النَّدَمُ إذا اسْتَمَرَّ. وقال علماؤنا: النَّدَمُ على المعاصي (٤) إنّما يقعُ بشرطِ العَزْمِ ألَّا يعود ولا يفعل في المستقبل. نكتةٌ: قال الإمام: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية (٥) اختلفَ العلّماءُ في المجني عليه؟ فقيل: إنّه مِنْ بَنِي إسرائيل. وقيل: هما قابيل وهابيل، وهو الأصحّ، قاله ابن عبّاس والأكثر من النّاس. وهو أوّل من سن القتلَ، فما من نَفْسِ تُقْتَل إلَّا كان عليه كفل منها، ودَمُهُ أوَلُ دَمٍ يُهْدَرُ وقع على وجه الأرض من بني آدم. قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦) فصارت تلك سنَّة باقية في الخَلْقِ، وفَرضًا على جميع النَّاس كافَّة، مَنْ فَعَلَهُ سَقَطَ عن الباقين فَرضه. وأخصّ الخَلْق به الأقربون، ثمّ الّذين يَلُونَهم، ثم الخِيَرَة، ثم سائر النّاس من المسلمين، وهو حقٌّ في الكافر أيضًا، رَوَى ناجية بن كعب، عن عليّ بن أبي طالب، قال: قلت للنَّبيِّ ﷺ : إنّ عمّك الشّيخ الضّالّ قد ماتَ، فمن يواريه؟ قال: "اذْهَب

стр. 1519

فَوَارِ أَبَاكَ وتُحَدِّث حدثا (١) حتّى تأتيني"، قال: فَوَارَيْتُهُ ثمّ جِئتُه، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا لِي (٢). قال الإمام: ذكر مالكٌ في هذا الباب جملة أحاديث منها: مالكٌ (٣)، أَنَّهُ بلَغَهُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفَّيَ يَومَ الإثْنَيْنِ، ودُفِنَ يَوْمَ الثُّلاثَاء، وَصَلَّى النّاسُ عَلَيهِ أَفذَاذًا. الإسناد: قال الإمام: هذا حديث بَلاَغٌ (٤)، وهو مختلف فيه، قيل: دُفِنَ يوم الثُّلاثاء. وقيل: ليلة الأربعاء، وفي ذلك تفصيلٌ طويلٌ يأتي بيانُه في ذكر الفوائد إنّ شاء الله. ذِكْرُ الفوائد المنثورة في هذا الحديث وهي أربع: الفائدةُ الأُولَى: قوله: "تُوُفِّيَ يَومَ الإثنَيْنِ" هو الصّحيح من القول، وفيه وُلِدَ وفيه ماتَ ﷺ . وقوله: "مَاتَ يَومَ الاثنَيْنِ وَدُفِنَ يَومَ الثُّلاثَاءِ" فيه دليلٌ على التَّأخيرِ إلى الغَدِ من يَومِ الوَفَاةِ (٥). فإن قيل: هذا لا يصحَ؛ لأنّ قَولَه لأَهلِ بيتٍ أَخَّروا دَفنَ مَيِّتِهمْ: "عَجِّلُوا بِدَفْنِ مَيِّتِكُم وَلا تُؤَخِّرُوهُ" (٦) فخرج من هذا أنّ السُّنَّةَ الاسراع بالدَّفن، فَلِمَ أُخِّر دَفْنُ النّبيّ ﷺ ؟ قلنا: لثلاثة أَوْجُهٍ (٧):

стр. 1520

الأوّل: أنّ النّاس لم يتّفقُوا على مَوْتِهِ، فَكيفَ يُدْفَن رَجُلٌ اخْتُلِفَ فيه، قال واحد: مات، وقال آخر: لم يمت، فَؤُخِّرَ لأجل ذلك. الثّاني: أنّه إنّما أخِّر دَفْنُه لأنَّه لم يعلم أين يدفن؟ قال قوم: يُدْفَن بالبقيعِ. وقال قوم: في المسجد. وقال قوم: يحبس حتّى يُحمَل إلى ابنه إبراهيم إذا افْتُتِحَت خيبر. قال العالِمُ الأكبر أبو بكر الصِّدَّيق: ﵁: سمعتُه يقول: "مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطٌّ إلَّا حَيثُ يَمُوتُ" (١). الثّالث: أنّهم اشتغلوا في الخلاف الّذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البَيْعَةِ، فَنَظَرُوا فيها حتَّى تَمَّ الأمرُ وانتظَمَ الشَّمْلُ، واستوثَقَتِ الحال، واستقرَّتِ الإمامةُ في نِصَابِها، فرجعوا بعد ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ فغسَّلُوه وكفَّنوهُ ودفَنوه (٢). الفائدةُ الثّانية (٣): اختلف العلّماءُ في الصّلاة عليه، هل صُلِّيَ عليه أم لا؟ فمنهم من قال: لم يصلِّ عليه أحدٌ، وإنّما وقفَ كلّ أحدٍ يَدْعُو؛ لأنّه كان أشرف من أَنْ يُصَلَّى عليه. وهذا ضعيفٌ، فإنَّ السُّنَّةَ تُقَامُ بالصلاة عليه في الجنازة، كما تقام بالصلاة عليه في الدُّعَاء، فنقول: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَى يَوْمٍ الْقِيَامَةِ" وذلدً منفعةٌ لنا. وقيل: لم يصلِّ عليه أحدٌ؛ لأنّه لم يكن هنالك إمامٌ، وهذا ضعيفٌ، فإنّ الّذي كان يقيمُ بهم صلاة الفَريضة هو الّذي كان يؤمُّ بهم في الصَّلاة عليه. وقيل: صلَّى عليه النّاس أفذاذًا؛ لأنّه كان آخر العهد به، فأرادوا أَنْ يأخذَ كلُّ أَحَدٍ (٤) بَرَكَته مقصودة (٥) دون أنّ يكون فيها تابعًا لغَيْرِهِ. فكان (٦) يأتي الرِّجال فيدعُون ويتَرَحَّمُونَ؛ لأنّه أفضل من كلِّ شهيد.

стр. 1521

وأمّا قول من قال: "صَلَّوا عليه أَفْذَاذًا لا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ" وجه ذلك: لِئَلّا تفوت الصّلاة عليه أحدًا من أصحابه. ويحتمل أنّ يكون ذلك: لِئَلّا يتعذّر (١) بالإمامة من صلّى عليه من غير اتِّفاق من المسلمين. وهذا ضعيفٌ؛ لأنّه لم يكن تَقَرَّرَ بعدُ أنّ الخلافةَ لا تكون في غير قريشٍ، ولهذا ادَّعَاهَا الأنصار، وقالوا: "مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنكُمْ أَمِيرٌ" (٢) ثم ثَبَتت (٣) النّصوصُ عن النّبيِّ ﷺ بالمَنعِ من ذلك، ووقعَ الاتِّفاق عليه. الفائدةُ الثّالثة (٤): اختلفَ الصّحابةُ في دَفْنِهِ، حتّى ذَكَرَ أبو بكرٍ ما كان عندَهُ، فرجعوا إليه، وهذا حُكْم الاجتهاد إذا ظهر على النَّصِّ وجبَ الرُّجوعُ إليه، إلَّا أنّ يكون الاجتهاد موافقًا للنَّصِّ. الفائدةُ الرّابعة (٥): في وصف الدَّفْن وهو أنّ ينزل في قبره مستقبل القِبْلَة (٦)، ويُجْعَلُ على شقِّه الأيمن؛ لأنّ النّبيّ ﷺ كان يحبُّ التَّيَامُنَ في شأنه كلَّهِ. حديث مَالِك (٧)، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا يَلحَدُ، وَالآخَرُ لَا يَلْحَدُ، فَقَالُوا: أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلَ، عَمِلَ عَمَلَهُ، فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . الإسناد: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٨).

стр. 1522

الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (١): قوله: "كَانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلاَنَ: أَحَدُهُمَا يَلحَدُ، وَالأخَرُ لَا يَلْحَدُ" قال علماؤنا (٢): الأمران جائزان، ولو كان أحدهما محظورًا لما استدام عمله، ومثل هذا لا يَخْفَى عن النّبيِّ ﷺ ؛ لأنّه من الأمور الظّاهرة، لا سِيَّمَا والَّذي كان لا يَلْحَدُ من أفضل الصَّحابة وأكثرهم اختصاصًا به، وهو أبو عُبَيْدَة (٣)، والّذي كان يَلْحَد هو أبو طلحة زيد بن سَهْل الأَنْصَاريّ. وقد رُوِيَ عن مالكٌ أنّه قال: اللَّحْدُ والشَّقُّ كلٌّ واسعٌ، واللَّحْد أحبُّ إِلَيَّ. قال الإمام (٤) -ووجه ذلك: التَّبرُّك بما فعل بالنّبِيِّ (٥) ﷺ . المسألة الثّانية (٦): قال ابنُ حبيب: ويستحبُّ ألَّا يغمق القبر جدًّا، ولكن قَدْر عظم الذّراع، ولعلّه أراد الشّقّ الّذي هو نفس اللّحد، وأمّا نفس القبر فإنّه يكون مثل ذلك وأكثر منه. ويستحبُّ أنّ يجعلَ على القبر اللَّبَن، قال ابنُ حبيب: وكذلك فُعِلَ بالنّبيَّ (٧) ﷺ . المسألة الثّالثة (٨): قال ابنُ القاسم: ويُكرَهُ الدَّفْنُ في التّابوتِ إلَّا أَلَّا يوجد الطُّوب. وقال أشهب: لا بأس باللّوح والآجُرّ والقَصَبِ واللَّبَن، وإنّما كُرِهَ من ذلك ما كان على وَجهِ الشَّرَفِ.

стр. 1523

قال الإمام (١) - ووجهُ قول ابن القاسم: أنّ الدَّفْن في الأرض ويجب (٢) أنّ تكون هي الّتي (٣) تلي الإنسان، ويكون بَاقِيهِ على حُكْمِ الأصل لم يتغيّر، إلَّا أنْ يصير أجزاءً أو غير ذلك. المسألة الرّابعة (٤): قال أشياخنا (٥): ومن السُّنَّةِ تسنمة القُبور ولا ترفع (٦)، وقاله ابنُ حبيب أيضًا، وقد رُوِيَ عن سفيان التمّار (٧)؛ أنّه رأى قبر النّبيّ ﷺ مُسَنَّمًا (٨). وأمّا إشادَتُهُ ورَفْعُه على وَجهِ المباهاةِ فممنوعٌ منه، ورَوَى ابنُ القاسم (٩) عن مالكٌ؛ أنّه كره أنّ ترصَّصَ القُبور بالحجارة والطِّين والطُّوب، أنّ يجعل كلّ ذلك من فوق (١٠)، لِمَا رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ من حديث جابر؛ أنَّ النّبِىَّ ﷺ عَلَيْهِ نَهَى أَنْ تُرْفَعَ الْقُبُورُ وأنْ يُبْنَى (١١) عَليْهَا وَأَمَرَ بِهَدْمِهَا وتسويّتها بالأرض (١٢). ويُرفعُ (١٣) رفع تسنيمٍ دون أنّ يرفع أصلُه. وقال ابنُ حبيب: لا بأس بالمَشي على القُبورِ إذا عفت، وأمّا والقبر مسنّمٌ والطّريق دُونَهُ فلا أحبُّ ذلك؛ لأنّ هذا تكَسيرٌ لتسنيمه ويُبِيحُ طريقَه (١٤).

стр. 1524

المسألة الخامسة (١): أمّا تجصيصُ القُبور، فقد نُهِيَ عنه وعن النَّقْش على القُبور، وكَرِهَ ابنُ القاسم أنّ يجعلَ على القبر بلاطة ويكتب فيها، ولم ير بالعمود والخَشَبَةِ والحَجَر - ليُعرفَ بها القبر من غير أنّ يكتب بها- بأسًا. قال الإمام (٢) - فوجه ذلك: منع ما قدَّمْنَاهُ من المباهاة. المسألة السّادسة: وأمّا قوله: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن تَجْصِيصِ الْقُبُورِ" (٣) فإنَّ مذهب مالك الكراهية لذلك من البنيان (٤) والجصّ على القبر، وأجازه المخالف، وهذا الحديث حجّة عليه، ومذهب مالك المنع. المسألة السّابعة (٥): أمّا الفسطاط يضرب على القبر، فقد قال ابنُ حبيب: ضَرْبُهُ على قبر المرأة أفضل لما يستر منها عند إقبارها، وقد ضَرَبَهُ عمر على قبر زَيْنَب ابنة جَحْش، وكره ضربه على قبور الرِّجال، وكره ذلك ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخُدري وسعيد ابن المسيَّب، وضربته عائشة على أخيها عبد الرّحمن، وضَرَبَهُ ابن الحَنَفِيَّة على قبر ابن عبّاس. قال ابنُ حبيب: وأراهُ واسعًا اليوم واليومين والثّلاثة، ويُبَاتُ فيه إنّ خِيفَ من نَبْشٍ أو غيرِه. قال الإمام (٦): وإنّما كرهه من كرهه على وجه السَّعَةِ والمباهاة. المسألة الثامنة (٧): وأمّا الطّعام يُصنَعُ لأهل الميِّتِ فإنّه جائزٌ، وذكر التّرمذيّ (٨) حديث عبد الله بن

стр. 1525

جعفر في أَمرِ النّبيِّ ﷺ بصُنعِ الطِّعامِ لآل جعفر لشُغْلِهِم. قال علماؤنا: وهذا أصلٌ في المشاركات عند الحاجة، وصحح التّرمذيّ (١) هذا الحديث. قال الإمام: والسُّنَّةُ فيه أنّ يصنع في اليوم الّذي مات فيه، لقوله ﷺ : "قَد جَاءَهُم مَا يشغلهم عَنْهُ" بذهولهم عن حالهم، لحزن موت وَلِيِّهمْ، فحضَّ أنّ يتكلف لهم (٢) عيشهم، وقد كانت العرب وكبارها عندهم مشاركات ومواصلات، يأتي بيأنّها في كتاب الأطعمة إنّ شاء الله. الوقوفُ للجنائز والصّلاة (٣) على (٤) المقابر مالك (٥)، عَنْ يَحْيىَ بنِ سَعِيدٍ، عَنْ وَاقِدِ بنِ سَعْد بنِ مُعَاذٍ، عَن نَافِعِ بْنِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عَنْ مَسْعُودِ بنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ يَقُومُ لِلْجَنَائِزِ (٦)، ثُمَّ جَلَسَ بَعدُ. الإسناد (٧): قال الإمام: كذا رواهُ يحيى بن وَاقِد بن سعد ينسبه إلى جدِّه، وما أظنُّ يحيى قصدَ أنّ ينسبه إلى جدِّه، ولكنّه سقط من "كتابه" ابن عمرو، والصّواب فيه: واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ (٨). الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى: قال الإمام: القيامُ للجنائز مختلَفٌ فيه؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ اختلفتَ أحوالُه، فمرّةً

стр. 1526

قام، فقيل له: إنّها يهوديّة، فقال: "أليست نَفسًا" (١)، وقيل: إنه تَرَكَهُ، وإنّما يؤخذ في أفعاله بالأَحْدَثِ فالأَحْدَث. وكان القيام من فعل الجاهلية، فقيل: جرى عليه حتّى تركه. وقال علماؤنا (٢): إنّما كان ذلك منه تعظيمًا للموت، ثمَّ جلسَ بعد ذلك، فكان إذا مُرَّ عليه بجنازة لم يقم إليها، فكان آخر فعله ناسخًا لأوَّلهِ، وهو تفسيرُ قول علي بقوله: "ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ". المسألة الثّانية: قال الإمام: والصّحيحُ عندي أنّه منسوخٌ بالجلوسِ، وللحديث الثّالث، قوله: "لَا يَجلِسُ مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةً حَتَّى تُوضَع عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ" (٣) فمن قامَ إلى الجنازةِ لم يبلغه النَّسخ، والله أعلم، وقد تَقَدَّم بَيَانُهُ. المسألة الثّالثة (٤): مالك (٥)؛ أنَّه بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيُّ بنِ أَبِي طَالِبِ كَانَ يَتَوَسَّدُ عَلَى الْقُبُورِ وَيَضطَجِعُ عَلَيهَا. وهو أكثر من الجُلوس الّذي تضمّنه الحديث (٦) الّذي تعلّق به ابن مسعود وعَطَاء في المنع من الجلوس على القبور. ووقع في "كتاب مسلم" (٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ يَجلِسَ أَحَدُكُم عَلَى جَمرَةٍ فَتَحرِقَ ثِيَابَهُ فَتَصِلَ (٨) إِلَى جِلدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنّ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ". وورد حديثٌ لا بأسَ بالجلوس على المقابر، والجمعُ بين هذين الحديثين؛ أنّ يقال: إنّ النّبىَّ صلّى الله عليه إنّما نهى عن ذلك لحاجةِ الإنسانِ، ألَّا ترى أنّ عليًّا كان يتوسَّد عليها ويجلس، وبهذا (٩) التّأويل استحسن (١٠) مالكٌ أنّ النّهي عن الجلوس

стр. 1527

على القبور إنّما هو لقضاء حاجة الإنسان، وقد قال مثل هذا زيد بن ثابت، وهو الأظهر في التّأويل؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قد زار القبور وأباح زيارتها، ولا خلافَ اليوم بين المسلمين في جواز الجلوس عليها عند الدَّفْن، فيُحمَلُ الحديثُ على ذلك، ويجمع بينه وبين مارُوِيَ من قول علىّ وفعله. وقوله في الحديث الآخر (١): إِنَّمَا النَّهْيُ عَنِ الْقُعُودِ عَلَى الْقُبُورِ فِيمَا نُرَى لِلْمَذَاهِبِ. قال الإمام: "المذاهبُ " يعني به الغائط والبول، وهذا تأويل زيد بن ثابت. حديث مَالِك (٢)، عَن أِبي بَكر بنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ؛ أَنَّهُ سَمعَ أَبَا أُمَامَةَ ابْنَ سَهلٍ بْنِ حُنَيفٍ تقُولُ: كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنائِزَ، فِيمَا يَجْلِسُ آخِرُ النَّاسِ حَتَّى يُؤذَنُوا. الإسناد: قال أبو عمر (٣): أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف لا يوقف له على اسم، وروى عنه مالك وعبد الله بن المبارك. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله: "فَمَا يَجلِسُ آخِرُ النَّاس حَتَّى يُؤذَنُوا" يريد بالصَّلاة عليها في المصلَّى، ثمّ يحملون الميِّت إلى قبره، فما يأتي آخر من صلِّى عليه إلَّا وقد دفنَ. قال الإمام: وإنّما هذا حين رأى ما أحدث النّاس من البُنْيَان، فكان ذلك منه إنكارًا لما أَحْدَثُوه، فذكر ما كان عليه النَّاس من الاختصار، وأنّهم لم يكلونوا يبنون عليها. المسألة الثّانية (٤): وأمّا الانقلاب عنها، فلا يحتاج إلى إذْنٍ، هذا عند زيد بن ثابت (٥). وقال ابنُ عمر والمِسْوَر: لا ينصرف عنها إلَّا بإذْنٍ.

стр. 1528

والدّليل على هذا: أنّ أهل الجنازة لو شاؤوا أنّ يمسكوا النَّاسَ لم يكن لهم ذلك، فلم يعتبر بإذنهم كسائر النَّاس. المسألة الثّالثة (١): قال (٢): ولا بأسَ بالإنصراف عنها قبل أنّ يكمل دفنها دون إذنٍ، إذا بَقِيَ معها مَنْ يتناول ذلك منها، قاله ابنُ القاسم، لعلّةٍ ولغير علَّةٍ. وقال ابنُ أبي زَيْد (٣): وذلك إذا قَامَ بها غيره. ووجه ذلك: أنّ الفَرضَ إنّما هو في الصّلاة، وأمّا البقاء حتّى تُدْفَن فإنّما هو فضيلة، فمن أقام بها فحَسَنٌ، وينصرف إذا تَبَاعَدَ كمال الدَّفْن دون إِذْنٍ؛ لأنّه ليس في حُكمِ أَحَدٍ فيؤذن له، وقد رَوَى ابنُ شهاب عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال:"من شَهِدَ جَنَازَةً حتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، ومن شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ" قيل: وما القيراطان؟ قال: "مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ" (٤) فجعل لشاهد فَرضِ الصّلاة (٥) قيراطًا، ولشاهد فَرضِ المواراةِ قيراطين (٦)، ولعلّهما تَسَاوَيَا في النّاس دون الجِنْسِ والقَدْرِ. شرح: قال الإمام: حديثُ أبي هريرة صحيحٌ مشهورٌ متَّفَقٌ على صِحَّتِهِ ومَتْنِهِ. قوله (٧): "قِيرَاطٌ" و "قِيرَاطَانِ" الأوّل تقدير الأعمال بتشبيه الوَزْنِ تقريبًا للأفهام، والثّاني تقديرُها بالقَصْدِ لا بالاتِّحاد، فإنّ القِيراطَ ثلاث حبّات، والدَّانق ستّ حبّات، والذَّرَّة من الإيمان تخرج صاحبها من النّار، فكيف القيراط!؟ (٨).

стр. 1529

نكتةٌ (١): قيراطُ الحسناتِ هو تقديرُها، فأما قيراط السَّيِّئات فهو من ثلاث حبّات لا يزيد، بل تَمحَقُه الحسنة وتُسْقِطُه. تنبيه على وهم: قال بعضُ الجَهَلَة: كيف يصحُّ الوَزْنُ للأعمال، والأعمال أعراض، والأعراض لا يقع بها الوزن، مع أنّ الأعراض لا بقاء لها، ولا يقوم معنى بها من ثِقَلٍ أو خِفَّةٍ؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أنّ الصَّحائف تُوزَن. الثّاني: أنّ الله سبحانه يخلُق أجسامًا بِعَدَدِ الأعمال يقعُ الوزنُ بها، ويخلُق البارئ فيها الثِّقَلَ والخِفَّةَ على حسب مقادير عمله، ويكون ذلك علامة على النَّجاةِ أو الهَلَكَة، فهذا معنى قوله: "قِيرَاطٌ مِثل جَبَلِ أُحُدٍ" (٢) ثوابًا، هكذا يكون في الثِّقَل والموازَنَة إذا كان خالصًا لله، فيكون هو الوَزْنُ، واللهُ أعلم. المسألة الخامسة (٣): فهذا انصرف النّاس، هل يزورها أهلها أم لا؟ وهل زيارة القبور واجبة، أم مسنونة، أم مندوب إليها، أم منهي عنها؟ قال الإمام الحافظ: هذا بابٌ عظيمٌ من ناسخِ الحديث ومنسوخه، فيه الأثر الصّحيح بالإذْنِ فيه بَعْدَ المنع منه. فأمّا السُّكْنَى فممنوع منه ومكروه، ولمّا مات الحسن بن عليّ ضربت امرأته عليه قُبَّة وجلست عنده (٤) سَنَة، ثمّ رفعت، فسمعوا صائحًا يقول: أَلاَ هَلْ وَجَدُوا مَا عَمِلُوُا (٥). وليس لزيارتها فائدة، وليس يحضرني في هذه العاجلة إلَّا ما قال

стр. 1530

النّبيّ ﷺ :"فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ" (١) ولذلك زارَ قبر أمِّه آمنة في ألف مقنع (٢)، وهي كافرة؛ لأنّ الآخرة تذكِّر الكافر كما تذكِّر المؤمن، كلُّ أحد على صِفَتِهِ. وإن كان قد أذن فيه، فهو مكروهٌ للنِّساء في الجملة، لما فيه، التَّبَرُّج، ألَّا تَرَى عائشة لمَّا قَدِمَتْ زارت قبرَ أخيها عبد الرّحمن. وقال بعضُ العلّماء في قول أبي هريرة: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ زَوَّارَاتُ الْقُبُورِ" (٣) وهو حديث حسن صحيح (٤). فاختلف العلّماء فيه، هل دخل في النَّسخِ فأذِنَ للنّساء كما أَذِنَ للرِّجال؟ أم رخص للرِّجال وبقِيَ النِّساء على المَنْعِ؟ والصحيحُ عندي الإذْن لهُنَّ، وإن كان اختلف في كراهية الزِّيارة لهنّ. النَّهيُ عن البُكاءِ على الميِّتِ مالِك (٥)، عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَابِرِ بنِ عَتِيْكِ عن عَتِيْك بْنِ الْحَارِثِ، وَهوَ جَدُّ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبدِ اللهِ بْنِ جَابِرِ، أَبُو أُمِّهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنِ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عبد اللهِ بنَ ثَابِتٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ، فَصَاحَ بِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاستَرْجَعَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَالَ: "غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أبا الرَّبِيعِ"، فَصَاحَ النِّسوَةُ وَبَكيْنَ .. إلى قول ابنته: وَاللهِ إنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا، فَإِنَّكَ كنْتَ قَدْ قَضَيْتَ جَهَازَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن اللهَ قَد أَوْقَعَ أَجرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَتِّهِ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ " قَالُوا: القَتْلُ في سَبيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الشُهَدَاءُ سبعةٌ سِوَى الْقَتلِ في سَبِيلِ اللهِ: المَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُون شَهِيدٌ، وَالحَرِيقُ (٦) شَهِيدٌ، وَالذي يَمُوتُ تَحتَ الهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالمَرأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ".

стр. 1531

الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (١): "لم يختلف رواةُ "الموطّأ" في إسناد هذا الحديث، ولا في صِحَّتِهِ ومَتْنِه، إلا أنَّ غير مالكٌ يقول فيه: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ مَا دام عِنْدَهُنَّ" (٢). وهذا الحديث وقع في "موطَّأ القَعْنَبِيّ" (٣) في كتاب الجهاد. الفقه والفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي عشر فوائد: الفائدةُ الأولى: قوله: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَ يَعودُ" في هذا الحدث عيادته ﷺ المرضى (٤)، وفيه فضلٌ كثير، وقد تقدّم بيانه في حديث المسْكِينَة الّتي عادها أو تَفَقَّد أمرها، على ما بيَّنَّاهُ. الفائدةُ الثّانية: قوله: "فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " لِمَا أُصِيب به، وهذا امتثال لأَمْر اللهِ؛ لأنّ الله قد أثنى على من قال هذا عند المصيبة فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٥) فينبغي الاقتداء به ﷺ . وفيه كناية الصّاحب، وهي الثّالثة. والرّابعة (٦): قوله: "فَصَاحَ النِّسْوَةُ، قال علماؤنا (٧): يحتمل أنّ يكون بكاء النّسوة لِمَا رأين من حَالِهِ (٨). ويحتمل أنّ يكون حَرَّكَهُّنَ لذلك ما سمعنَ من استرجاع النّبيِّ ﷺ بسببه، وجعل جابر يسكتهنّ لِمَا عرف من نهي النّبيِّ ﷺ عن رفع النِّساء أصواتهنّ بالبُكَاءِ ونياحهنّ،

стр. 1532

ولم يكن صياح النِّساء من ذلك، وإنّما كان استرجاعٌ وبكاءٌ من غير نياحة، فقال النّبيُّ ﷺ : "دَعْهُنَّ" يريد البكاء والاسترجاع، وبهذا استباح النَّاسُ البُكَاءَ، وقد اختلفَ العلّماء فيه. الفائدةُ الخامسة (١): فيه (٢) ثلاثة أقوال: قيل: هو قَبلَ الموتِ مُباحٌ وبعد الموت إذا لم يصرخ، والدّليل على ذلك: قول النّبيِّ ﷺ : "دَعْهُنَّ، فَإذَا وَجَبَت، فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ"، وقال في إبراهيم ابنه: "تَبْكِي العَينُ، ويَرقُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسخِطُ الرَّبَّ، وإنّا بِكَ يا إبرأهيمُ لَمَحزُونُونَ" (٣) وهو يجودُ بنفسه. قال ابنُ حبيب: لا بأس بالبُكاء قبل الموتِ وبعدَهُ ما لم يرفع به الصّوت، وأمّا بعد الموت، فقد رُوِيَ عن ابن عمر أنّه قال: اشتكَى سَعْد بن عُبَادَة، فأتاه النّبيّ ﷺ يَعُودُهُ مع عبد الرحمَنِ بن عَوفٍ وابن أبي وقَّاصِ وابنِ مَسْعُودٍ، فلما دخل عليه، فَوَجَدَهُ في غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فقال: "أَقَدْ قَضَى؟ "، فقالوا: لا يا رسول الله، فبَكَى النَّبيُّ ﷺ ، فلما رأى القومُ بكاءَ النّبىِّ ﷺ بَكَوْا، فقال: ألَّا تسمعون؟ إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بدَمْع العَينِ، ولا بحُزْنِ القَلبِ، ولكن يُعَذِّبُ بِهَذَا -وأشار إلى لسانه- أَوْ يَرحَمُ (٤). وأمّا قوله: "فَإذَا وَجَبَ، فَلاَ تَبْكيَنَّ بَاكِيَةٌ" يحتمل أنّ يكون منع من بكاءٍ مخصوصٍ، وهو ما جرت به العادة من الصّياح والدُّعاء بالوَيْل والثُبُورِ. المسألة السّادسة: قوله: "فَإِذَا وَجَبَ، فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ". قال الإمام: إذا مات الميِّت اهتبل بجميع أموره، ويتوجّب" (٥) على أهله وقرابته أمور سبعة:

стр. 1533

الأوّل: التَّوجُه إلى القِبْلَة وهو أمر مستحبٌّ، وليس (١) في الحديث توجيهٌ إلى القِبْلَة، ولا في حديث وفاة النّبيِّ ﷺ ، وقد رَوَى ابنُ القاسم عن مالك في "المجموعة" قال: ما علمتُ التَّوجيه إلى القبلة من الأمر القديم. ورَوَى ابنُ حبيب؛ أنَّ ابنَ المُسيَّب أُغْمِيَ عليه في مَرَضِه فَوُجِّه إلى القِبلَةِ، فأفاقَ فأَنكرَ فعلَهُم به، فقال: على الإسلام حييتُ وعليه أموت (٢). قال ابنُ حبيب: أراه إنّما كره وأنكر عَجَلَتهم بذلك قبل الحقيقة، وظاهر قوله (٣) مخالفٌ لهذا التّأويل. ولقد رَوَى ابنُ القاسم وابنُ وهب عن مالك؛ أنّه قال: ينبغي أنّ يُوَجَّهَ المريضُ إلى القِبلَةِ. المسألة السابعة (٤): في توجيه هذه المعاني فوجه القول الأوّل: ما تقدَّمَ من الآثار الصِّحاحِ (٥). ووجه القول الثّاني: أنّ هذه الحال يحدثُ فيها أسباب الوفاة، فشرعَ فيها التَّوجيه إلى (٦) القِبلَة على شقِّه الأيمن، فإن لم يقدر فعلى ظهره ورِجلَاه إلى القِبْلَة. ووجه ذلك: أنّ هذه صفات استقبال القِبْلَة كما يستقبلها في الصّلاة. قال الإمام (٧): فهذا ثبتَ هذا، فإنّما يكون التوجيه عند المُعَايَنَةِ بإحداد البَصَرِ وإِشخَاصِه. الثّاني: التّلقبن وهو مستحبٌّ لقوله: "لَقِّنَوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إلَّا الله" (٨) والتّلقينُ (٩) مأخوذٌ من لقن

стр. 1534

إذا فهم الأمر، وقد تقدَّم بَيَانُه. الثّالث: تغميضُه قال ابنُ العربي: هذه سُنَّةٌ لا أعلمُ لها تاوِيلًا أرضَاهُ، وكذلك تسجيته بعد الموت سُنَّة، وقد روي في الصّحيح أنّه ﷺ سُجِّيَ بِبُرْدٍ (١)، فكشف أبو بكر عن وجهه ثمّ أكبّ يُقَبِّلُه، وإنّما اختلف العلّماء في تسجية وجه المُحْرِمِ، على ما يأتي بيانُه في كتاب الحجِّ إنّ شاء الله. وقال (٢) مالكٌ في "المختصر": لا بأس أنّ تغمضه الحائض والجُنُب. وقال غيره: الاكماضى سُنَّةٌ. وقال ابنُ حبيب: ويقال (٣) عنده: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (٥)، ﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (٦). وقال عند إغماضه: اللَّهُمَّ يسِّر أَمْرَهُ، وسهِّل مَوْتَهُ، وأَسْعِدهُ بِلِقَائِكَ، واجْعَل ما خرجَ إليه خَيرًا مِمَا خرج مِنهُ، وهو: الرّابع. الخامس: قال علماؤنا (٧): ويستحبُّ ألَّا يجلس عنده إلّا الأَفضل من إهله، ولا يكون عنده ثوب غير طاهر، ولا يحضره كافر، ولا حائض. وهذا كلّه على الاستحباب (٨). السّادس: القراءة عنده قال أشهب عن مالك: ليس القراءة عنده والإجمار من عمل النّاس. وقال ابنُ حبيب: لا بأس أنّ يقرأ عنده يس، وإنّما كره مالك القراءة عنده لِئَلّا يتّخذها النّاس سُنَّة، فهو سدّ ذريعة.

стр. 1535

ولا بأس أنّ تُقَرَّب إليه الرَّوائح الطَّيِّبة. ووجه قول مالكٌ: ما احتجّ به من أنّ عمل السَّلَف اتَّصلَ بترك ذلك. السّابع: غسله، وقد تقدَّمَ. الثّامن: تَكْفِينُه وقد تقدّم بَيَانُه، واختلف العلّماء في الكَفْنِ. الناسمع: توديعه وتقبيله خرّج الترمذيّ (١) فيه حديث عائشة؛ أنّ رسول الله ﷺ قَبَّلَ عُثمَان بن مَظْعُون وَهُوَ يَبْكِي، زاد أبو داود (٢): "حَتى رَأَيتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ" وقد رُوِيَ أنّ أبا بكرٍ قَبَّلَ النّبيَّ صلّى الله عليه بعد ما مات. وروى التّرمذيّ بإسنادٍ حسنِ، عن عائشة؛ أنّ أبا بَكْرٍ دخلَ على رسول الله ﷺ بعد وفاته فوضع فاه بين عينيه ووضع يده على ساعديه. حديث (٣) قوله: "وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ فِيكُم؟ " قَالُوا: القَتْلُ في سَبِيلِ اللهِ، فذكر الحديث إلخ، فذكر ثمانية أصناف: الأوّل: الشّهيد اختلف العلّماء فيه على خمسة أقوال: الأوّل: أنّهم الّذين شَهِدَ لهم رسولُ الله ﷺ بالإيمان، وضمن لهم حُسن الخاتمة، وهذا كقول النّبيِّ صلّى الله عليه: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ" وليس في الحقوق أثبت ممّن شَهِدَ له ﷺ ، والشّهيد: فعيلٌ بمعنى مَفْعُول. الثّاني: إذا (٤) حضر سببًا معاينًا مشاهدًا على جوارحه يغيِّره. الثّالث: أنّه جَرَى دمه على الأرض، وأجرى الشّهادة (٥) وجه الأرض، فعيل مُطْلَق، بمعنى مفعول. الرّابع: أنّ دليله معه لا يفارقه، قال النّبيّ ﷺ : "مَا مِن أَحَدِ يُكْلَمُ في سَبِيلِ اللهِ -

стр. 1536

وَاللهُ أَعلَمُ - بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ" الحديث. فعيل بمعنى فاعل أو مفعول. الصِّنف الثّاني (١): قوله "وَالمَطعُونُ شَهِيدٌ". قيل: هو الّذي مات في الطّاعون ولم يفرّ منه، وبقي مستسلمًا لأَمْرِ اللهِ، راضيًا به. وقيل: هو الّذي أصابه الطّعن، وهو الوجع الغالب الّذي يُطْفِىء الرُّوح، كالذّبحة وغيرها، وقد كشف النّبيُّ ﷺ الغطاء فيه في "الموطّأ" (٢) من طريق أسامة، قال النّبيُّ ﷺ : "الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرسِلَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُم" وإنّما سُمِّيَ طاعونًا لعموم مصابِهِ وسُرعَةِ قَتلِهِ، فيدخل فيه مثله ممّا يصلُح اللَّفْظ له، وسيأتي بيانُه في كتاب الجامع إنّ شاء الله. الثّالث: الغريق إذا لم يغدر (٣) فهو شهيدٌ، ولا خلافَ فيه. الرّابع: المبطون وهو صاحب دَاءِ البَطْنِ، وهو المجبون (٤) المنخرق الجوف. الخامس (٥): صاحب ذات الجَنْبِ وفي الحديث: "إِنَّهَا نَخسَةٌ مِنَ الشَّيطَانِ" (٦) فعلى هذا يكون قَتِيلًا: إلَّا أنّ المطعون بمنزلة الّذي يموتُ في المعترَك، وذو الجَنْبِ بمنزلة الّذي يرجع من المعترك فيعيش أيّامًا. السّادس: الحريق وهو الّذي يموتُ بالنّار في دار الدُّنيا، فأخبرَ النّبيُّ ﷺ أنّه شهيدٌ. السّابع: وهو الّذي يموت تحت الهَدْمِ، ولا خلافَ فيه أنّها له شهادة.

стр. 1537

الثّامن: المرأة تموت بِجُمعٍ تنبيهٌ على وَهَمٍ: قال البُونِيّ (١): "هي الّتي تموت بكرًا" (٢) وهذا وَهَمٌ ما قاله أحدٌ، وأمّا المشهور من أقوال العلّماء إنّما هي الّتي تموت بِوَلَدٍ اجْتَمَعَ خَلْقُه. وقيل: المجتمعة الخِلْقَةِ، العذراء الّتي لم يفتضُ خاتمها (٣)، ولا فكّ طابعها، والأشهر أنّها الّتي تموتُ حامِلًا أو تموت من حَمْلِهَا. عربية: والجُمْعُ - بضم الميم-: الجنين، ويقال: بجِمْعٍ -بكسر الجيم- ولم يقله غير الكسائي. قال الإمام: ذكر مالكٌ في "كتابه" هذه الثّمانية وهي فيما قَيَّدْنَا أحد عشر صِنْفًا، وأنا أَذْكُرُها إنّ شاء الله. التّاسع: من قتل دون ماله فهو شهيد، لا خلافَ فيه. العاشرُ: الغريب لقوله: "مَوتُ الغَرِيبِ شَهَادَةٌ" (٤). الحادي عشر: صاحب النَّظرة شهيد واختلف العلّماء فيه على قولين: ١ - فقيل: هو المجنون الّذي اتخذ (٥) نظره.

стр. 1538

٢ - وقيل: هو المعيَّن. وقيل: إنّ من قرأ خاتمة سووة الحشر، فمات من يَومِهِ، فهو شهيدٌ، وهو الثّاني عشر. وكلُّهم يُغَسَّل ويُكفَّن إلّا قتيلَ المُعْتَرَك، فإنّ مالكًا والشّافعيّ عَوَّلَا على حديث جَابِر في قَتْلَى أُحُد (١)، والمسألة معروفة، وروي في السِّيَرِ؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال في حمزة عَمّه: "لَوْلاَ أنّ تَجزَعَ صَفِيَّةُ لَتَرَكْتُهُ يُحْشَرُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ" (٢). تكملة (٣): فإن قيل: ما وجه الشّهادة في هذه الأسباب (٤) الّتي عددتم، وقد ذَكَرْتُم أنّ الشّهيدَ هو الّذي صدَّق فعله قوله؟ فالجواب أنّا نقول: إنّ ذلك بِنِيَّتِهِ وصِدْقِهِ وفَضْلِهِ (٥)، ظهر بإسلامه نفسه للقتل (٦)، فأَعْطَى اللهُ المقتولَ ثوابَ الشَّهادة بهذه الأسباب فَضْلًا منه، وجعلَهُ على درجةٍ من درجاتها (٧). حديث مَالِك (٨)، عَن عَبدِ اللهِ بْنِ أَبي بَكرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحمنِ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤُمِنِينَ تَقُولُ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ المَيِّتَ لَيَعُذَّبُ بِبِكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا ذَلِكَ في يَهُودِيِّةٍ الحديث. الإسناد: قال الإمام: هذا حديث صحيح متّفق على صِحَّتِهِ ومَتْنِهِ (٩) خَرَّجَهُ الأيمّة

стр. 1539

مسلم (١) والبخاري (٢) والترمذي (٣). أمّا مسلم فخرّجه سواء كما خرّجه مالك. وأمّا التّرمذيّ فخرّج هذا النوع في "كتابه" في أربعة أبواب: الأوّل (٤): في كراهية النّوح (٥)، وقد كانت الجاهليّة تفعلُه كثيرًا، وهو وقوف النِّساء متقابلات، وضربهنّ خدودهن وخمشهنّ، ورمي النَّقْع وهو التراب على رؤسهنّ وصياحن وحلق شعورهنّ (٦)، كلُّ ذلك تحزن على مَيِّتهنّ، فلمّا جاء الحق على يدِ محمّد ﷺ فقال: "لَيْسَ مِنَّا من حَلَقَ وسَلَقَ وخَرَقَ وَرَفَعَ الصَّوْتَ" (٧). ولذلك سُمِّي نَوْحًا لأجل التقابل الّذي فيه على المعصية، وكلّ متناوِحَيْنِ مُتَقَابلَين، إلَّا أنّهما خصّا عُرْفًا عندنا (٨) بذلك. الأصول والفوائد المنثورة: وهي ستّ فوائد: الفائدةُ الأولَى: قوله: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبكاءِ الْحَيِّ" فيه تصحيح عذاب القبر، وقد تقدّم بيانه في صدر صلاة الكسوف. وقال أبو عبد الله المازَرِيّ (٩): "الباءُ هاهنا باءُ الحال، والتّقدير: يعذَّبُ عند بكاءِ أهله عليه، أي يحضر عذابه عند البكاء عليه (١٠)، وعلى هذا التّأويل يَكون قضية في عَينٍ.

стр. 1540

وقيل: يحتمل أنّ يكون الميِّت (١) قد وصَّى أنّ (٢) يبكَى عليه، فيعذَّب بوصيَّتِهِ (٣) وإنَّ (٤) تلك الأفعال الّتي يعدِّدُها أهله ممّا يُعدُونها (٥) محاسن الميِّت فيه، يعذّب عليها (٦) من إيتامِ الولدان وإخراب العُمران على غير وَجْهٍ يجوزُ". وقال أبو عبد الملك (٧): "إنّما أراد بقوله: "يُعَذَّبُ" اشتغال النّفس (٨) بما يدخل على أهله من الوِزْرِ من سَبَبِه أيضًا" (٩)، وهذا حسن (١٠) أيضًا. الثّانية (١١): قوله (١٢): "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ" قال الإمام: إمّا أنّ يكون بمعنى الميِّت، فيكون المعنى: يعذَّب بسبب النِّياحة عليه، وذلك أنّه رَضِيَ به إذ (١٣) كان من سببه، أو أعجبه (١٤) أَوْ أوصَى به. أو يكون ذلك يرجع لسبَبِ النَّياحة عليه. وأقا قول عائشة: "ذَلِكَ الكَافِرُ أَوِ الْيَهُودِيَّةُ يَزيدُهُ اللهُ عَذَابًا بِبكُاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَأنَّ الله هُوَ أَضحَكَ وَأَبْكَى، وَقَالَ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١٥). وقد ثبتَ في الصَّحيح عن عائشة، من طريق مسروق؛ أنّ يهوديّة دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقال: "عَذَابُ الْقَبرِ حَقٌّ" قالت عائشة: فَمَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صلَّى صلاَةً إلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ (١٦).

стр. 1541

الثّالثة (١): قوله: "لَيسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ، وَسَلَقَ، وَضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعوَةِ الجاهِليَّةِ" قوله: "لَيْسَ مِنَّا" يعني على ديننا، يريد أنَّه قد خرج على (٢) فرع من فروع الدِّين، وإن كان معه أَصْله، هذا معناه. الرّابعة (٣): قوله (٤): "أَرْبَعٌ في أُمَّتِي مِنْ أُمُورِ (٥) الجْاهِلِيَّةِ" يعني أنّها معاصٍ وذنوب يأتونها مع اعتقادهم بأنّها حرامٌ، وهكذا جميع المعاصي تُوجبُ اسم الفسوق وحقيقته، ولا توجب حقيقة الكفر، وقد يطلق عليها (٦) اسم الكفر، وقد روى مسلم (٧): "اثنتانِ في النّاس هُمَا كُفْرٌ: الطَّعنُ في النَّسَب، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ" ومعنى تشبيههما بالكُفْرِ أنهما من أفعال الكُفْر. الخامسة: قوله: "الطَّعنُ في الأَنْسَابِ" وهو أمرٌ لم يزل النّاس عليه، والجُهَّال على ذلك من التّفَاخُر بالأَحْسَاب، وقد أبَطلَ اللهُ ذلك كلّه بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٨). السّادسة (٩): هذه أخبار الغيب الّتي لا يعلمها إلّا الأنبياء (١٠)، فإنّه أخبرَ بما يكون قبل أنّ يكون، فصدق ذلك كلّه، وظهر حقًّا لا مراءَ فيه.

стр. 1542

خاتمة (١): أمّا البكاء دون القَلْقَلَة (٢)، فلا حرجَ فيه، وهو ظاهر في أحاديث كثيرة منها حديث جابر الّذي أدخله التّرمذيّ (٣)، وقوله: "إِنِّي لَمْ أَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ، إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَزَمْرِ (٤) شَيطَانٍ" فأخبر أنَّه لم ينه عن البكاء، وقد ثبت: "فَإِذَا وَجَبَ، فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ" (٥) وفي الحديث الصّحيح؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال في البكاء: "إِنَّمَا هِيَ رَحمَةٌ" وقال: "تَدمَعُ الْعَينُ، ويَحْزنُ القَلبُ" الحديث (٦). نكتةٌ (٧): وقوله في حديث أبي سعيد الخدري في "التّرمذيّ" (٨): لَعَنَ رسولُ الله ﷺ النَّائِحَةَ والمُستمِعَة. قال الإمام: هو كما قال؛ لأنّه موافق لقوله وفعله، إِذْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَارِبَ الخَمْرِ وَشَاهِدَهَا، فحقّق ذلك ما رواه أبو مالك الأشعري؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَومَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرعٌ مِنْ جَرَبٍ" (٩). قال الإمام: هذا لِمَا كانت تفعلُه في الدُّنيا من لباس الحزن (١٠)، واحتزام الحِبَالِ، ولَطمِ الوَجه، وغير ذلك من النَّوح (١١). نكتةٌ أصولية (١٢): هذه الأخبار الوَعِيدِيّة قد تقدَّمَ الجوابُ في وجه وقوع (١٣) ذلك، ووعده ووعيده

стр. 1543

وإنفاذه، وأنّه موقوفٌ على المشيئةِ، ومخرجُه على الإطلاق في موضعٍ، ومُقَيَّدٌ بالمشيئة في آخَر، ويُحْمَلُ المُطلَقُ على المُقَيَّدِ ضرورةً؛ لأنَّه لو حمل على إطلاقه لبَطَلَ التّفسير ولم تكن له فائدة. ماجاء من الحِسْبَة في المُصِيبَة مَالِك (١)، عَنِ ابن شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ، إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ ". التّرجمة (٢): قَيَّدَ مالك ﵀ في التّرجمة ذِكْرَ الحِسْبَةِ في المُصيبةِ، وهي الصَّبر والاحْتسَابُ والرَّضَا والتَّسَليم، وأن المسلم تكَفَّر خطاياه وتُغْفَر له ذنوبه بالصَّبْرِ على المُصِيبَة، ولذلك زُحزِحَ (٣) عن النّار فلم تمسه. الإسناد: قال الإمام: هذا حديث صحيحٌ، وهذا الإسناد لمالك أجود ممّا خَرَّجَهُ التّرمذيّ (٤) وغيره، وهو من أجود أسانيد أخبار الآحاد. الفوافد المنثورة في هذا الحديث: وهي ثلاث: الفائدةُ الأُولى (٥): رُوِيَ في هذا الحديث: "ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ" (٦) ومن حديث ابن مسعود: "كَانُوا له حصنًا من النّار" ومن حديث شُعْبَة، عن معاوية بن قرّة، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّ رَجُلًا من الأنصار ماتَ له ابنٌ

стр. 1544

صغيرٌ فوجدَ عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "أَمَا يَسُرُّكَ أَلَّا تَأتِي بابًا من أبوابِ الجنَّة إلَّا وَجَدْتَهُ يستفتح لكَ؟ " قالوا: يا رسول الله، أَلَهُ خاصَّةً أم للمسلمين عامَّةً؟ قال: "بل للمسلمينَ عامَّة" (١). ورُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب ﵁؛ أنّه قال في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٢) قال: هم أطفال المسلمين. الفاثدة الثّانية: قوله في حديث مالكٌ: "إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ" هو لفُظٌ خرجَ في التّفسير المُسْنَدِ؛ لأنَّ القَسَمَ المذكور فيه معناهُ عند العلّماء هو الوقوف عند المصيبة والرُّجوع إلى الله تعالى فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ (٤) معناه وصل ووقف. وقال (٥) أبو عُبَيْد (٦): "هذا أصلٌ في الرَّجُل يحلفُ ليفعلنّ كذا وكذا، ثمّ يفعل منه شيئًا دون شيءٍ أنّه برَّ بيمينه، فيكون قد برَّ في القليلِ كما برَّ في الكثيرِ" وليس قولُ أبي عُبَيد كقول مالكٌ (٧). وقوله: "لَم يَبْلُغُوا الحِنثَ" يعني: لم يبلغوا أنّ تجري عليهم الأقلام بالسَّيِّئات والحسنات، وإذا كان الآباء يدخلون الجنَّة بفَضْلِ الله ورحمته، دلَّ على أنّ أطفال المسلمين في الجنَّة؛ لأنّه يستحيلُ أنّ يرحموا من أجل من ليس بمرحومِ، ألَّا ترى إلى قوله: "بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَاهُم" وعلى هذا جمهور علماء المسلمين، إلَّا الملحدة فإنّهم يقولون: هم في المشيئة، وقد بيَّنَّا ذلك في موضعه. وذكر النّاسُ في الغريب؛ أنّ السِّقْطَ ليظل على باب الجنَّة فيقول: لا أدخلُ حتَّى يدخل أبوايَ.

стр. 1545

تنبيه على وَهَمٍ: قال بعضىُ الغافلين: إنّ الحُمَّى حظُّ كلِّ مؤمنٍ من النّار، فهو مستثنى من هذا القَسَم، وهذه غَفْلَةٌ عظيمةٌ، لابدّ لكلِّ أحد من الجوازِ على الصِّراطِ فتلفحه النَّارُ. تنبيه آخر: قوله: "إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ" ظنَّ بعضُ الجَهَلَةِ من النَّحْويِّين أنَّ القَسَمَ هو ما دلّت عليه حروفه المعلومة في كتب النحو، وليس كذلك، وإنّما القَسَمُ: كلّ معنى في النَّفس ممّا يتعاطى من الأفعال والأقوال ممّا انعقدت عليه في النَّفسِ عزيمته، كقولك: إنّ دخلت إليك فلا دِرْهَم، فهذا قَسَمٌ وشرطٌ وعَقدٌ بيِّنٌ، وهذا أمرٌ معلومٌ. حديث مَالِكٍ (١)؛ أنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا يَزَالُ المُؤْمِنُ يُصَابُ في وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ، حَتَّى يَلْقَى الله وَلَيْسَت لَهُ خَطِيئَةٌ". الإسناد: قد ذكر أبو عمر في "التّمهيد" (٢) مَنْ وصلَ هذا الحديث ومَنْ أَسْنَدَهُ، فجعلَهُ عن مالكٌ، عن ربيعة، عن أبي الحباب، عن أبي هريرة (٣). الفوائد المنثورة فيه: الفائدةُ الأولى (٤): أمّا قوله فيه: "وَحَامَّته" فقد رَوَى ابنُ حبيب عن مالكٌ، قال: حامَّته: ابن عمه
следующие страницы →