← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

الثّالثة (١): قوله: "لَيسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ، وَسَلَقَ، وَضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعوَةِ الجاهِليَّةِ" قوله: "لَيْسَ مِنَّا" يعني على ديننا، يريد أنَّه قد خرج على (٢) فرع من فروع الدِّين، وإن كان معه أَصْله، هذا معناه. الرّابعة (٣): قوله (٤): "أَرْبَعٌ في أُمَّتِي مِنْ أُمُورِ (٥) الجْاهِلِيَّةِ" يعني أنّها معاصٍ وذنوب يأتونها مع اعتقادهم بأنّها حرامٌ، وهكذا جميع المعاصي تُوجبُ اسم الفسوق وحقيقته، ولا توجب حقيقة الكفر، وقد يطلق عليها (٦) اسم الكفر، وقد روى مسلم (٧): "اثنتانِ في النّاس هُمَا كُفْرٌ: الطَّعنُ في النَّسَب، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ" ومعنى تشبيههما بالكُفْرِ أنهما من أفعال الكُفْر. الخامسة: قوله: "الطَّعنُ في الأَنْسَابِ" وهو أمرٌ لم يزل النّاس عليه، والجُهَّال على ذلك من التّفَاخُر بالأَحْسَاب، وقد أبَطلَ اللهُ ذلك كلّه بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٨). السّادسة (٩): هذه أخبار الغيب الّتي لا يعلمها إلّا الأنبياء (١٠)، فإنّه أخبرَ بما يكون قبل أنّ يكون، فصدق ذلك كلّه، وظهر حقًّا لا مراءَ فيه.

стр. 1542

خاتمة (١): أمّا البكاء دون القَلْقَلَة (٢)، فلا حرجَ فيه، وهو ظاهر في أحاديث كثيرة منها حديث جابر الّذي أدخله التّرمذيّ (٣)، وقوله: "إِنِّي لَمْ أَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ، إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَزَمْرِ (٤) شَيطَانٍ" فأخبر أنَّه لم ينه عن البكاء، وقد ثبت: "فَإِذَا وَجَبَ، فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ" (٥) وفي الحديث الصّحيح؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال في البكاء: "إِنَّمَا هِيَ رَحمَةٌ" وقال: "تَدمَعُ الْعَينُ، ويَحْزنُ القَلبُ" الحديث (٦). نكتةٌ (٧): وقوله في حديث أبي سعيد الخدري في "التّرمذيّ" (٨): لَعَنَ رسولُ الله ﷺ النَّائِحَةَ والمُستمِعَة. قال الإمام: هو كما قال؛ لأنّه موافق لقوله وفعله، إِذْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَارِبَ الخَمْرِ وَشَاهِدَهَا، فحقّق ذلك ما رواه أبو مالك الأشعري؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَومَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرعٌ مِنْ جَرَبٍ" (٩). قال الإمام: هذا لِمَا كانت تفعلُه في الدُّنيا من لباس الحزن (١٠)، واحتزام الحِبَالِ، ولَطمِ الوَجه، وغير ذلك من النَّوح (١١). نكتةٌ أصولية (١٢): هذه الأخبار الوَعِيدِيّة قد تقدَّمَ الجوابُ في وجه وقوع (١٣) ذلك، ووعده ووعيده

стр. 1543

وإنفاذه، وأنّه موقوفٌ على المشيئةِ، ومخرجُه على الإطلاق في موضعٍ، ومُقَيَّدٌ بالمشيئة في آخَر، ويُحْمَلُ المُطلَقُ على المُقَيَّدِ ضرورةً؛ لأنَّه لو حمل على إطلاقه لبَطَلَ التّفسير ولم تكن له فائدة. ماجاء من الحِسْبَة في المُصِيبَة مَالِك (١)، عَنِ ابن شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ، إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ ". التّرجمة (٢): قَيَّدَ مالك ﵀ في التّرجمة ذِكْرَ الحِسْبَةِ في المُصيبةِ، وهي الصَّبر والاحْتسَابُ والرَّضَا والتَّسَليم، وأن المسلم تكَفَّر خطاياه وتُغْفَر له ذنوبه بالصَّبْرِ على المُصِيبَة، ولذلك زُحزِحَ (٣) عن النّار فلم تمسه. الإسناد: قال الإمام: هذا حديث صحيحٌ، وهذا الإسناد لمالك أجود ممّا خَرَّجَهُ التّرمذيّ (٤) وغيره، وهو من أجود أسانيد أخبار الآحاد. الفوافد المنثورة في هذا الحديث: وهي ثلاث: الفائدةُ الأُولى (٥): رُوِيَ في هذا الحديث: "ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ" (٦) ومن حديث ابن مسعود: "كَانُوا له حصنًا من النّار" ومن حديث شُعْبَة، عن معاوية بن قرّة، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّ رَجُلًا من الأنصار ماتَ له ابنٌ

стр. 1544

صغيرٌ فوجدَ عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "أَمَا يَسُرُّكَ أَلَّا تَأتِي بابًا من أبوابِ الجنَّة إلَّا وَجَدْتَهُ يستفتح لكَ؟ " قالوا: يا رسول الله، أَلَهُ خاصَّةً أم للمسلمين عامَّةً؟ قال: "بل للمسلمينَ عامَّة" (١). ورُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب ﵁؛ أنّه قال في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٢) قال: هم أطفال المسلمين. الفاثدة الثّانية: قوله في حديث مالكٌ: "إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ" هو لفُظٌ خرجَ في التّفسير المُسْنَدِ؛ لأنَّ القَسَمَ المذكور فيه معناهُ عند العلّماء هو الوقوف عند المصيبة والرُّجوع إلى الله تعالى فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ (٤) معناه وصل ووقف. وقال (٥) أبو عُبَيْد (٦): "هذا أصلٌ في الرَّجُل يحلفُ ليفعلنّ كذا وكذا، ثمّ يفعل منه شيئًا دون شيءٍ أنّه برَّ بيمينه، فيكون قد برَّ في القليلِ كما برَّ في الكثيرِ" وليس قولُ أبي عُبَيد كقول مالكٌ (٧). وقوله: "لَم يَبْلُغُوا الحِنثَ" يعني: لم يبلغوا أنّ تجري عليهم الأقلام بالسَّيِّئات والحسنات، وإذا كان الآباء يدخلون الجنَّة بفَضْلِ الله ورحمته، دلَّ على أنّ أطفال المسلمين في الجنَّة؛ لأنّه يستحيلُ أنّ يرحموا من أجل من ليس بمرحومِ، ألَّا ترى إلى قوله: "بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَاهُم" وعلى هذا جمهور علماء المسلمين، إلَّا الملحدة فإنّهم يقولون: هم في المشيئة، وقد بيَّنَّا ذلك في موضعه. وذكر النّاسُ في الغريب؛ أنّ السِّقْطَ ليظل على باب الجنَّة فيقول: لا أدخلُ حتَّى يدخل أبوايَ.

стр. 1545

تنبيه على وَهَمٍ: قال بعضىُ الغافلين: إنّ الحُمَّى حظُّ كلِّ مؤمنٍ من النّار، فهو مستثنى من هذا القَسَم، وهذه غَفْلَةٌ عظيمةٌ، لابدّ لكلِّ أحد من الجوازِ على الصِّراطِ فتلفحه النَّارُ. تنبيه آخر: قوله: "إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ" ظنَّ بعضُ الجَهَلَةِ من النَّحْويِّين أنَّ القَسَمَ هو ما دلّت عليه حروفه المعلومة في كتب النحو، وليس كذلك، وإنّما القَسَمُ: كلّ معنى في النَّفس ممّا يتعاطى من الأفعال والأقوال ممّا انعقدت عليه في النَّفسِ عزيمته، كقولك: إنّ دخلت إليك فلا دِرْهَم، فهذا قَسَمٌ وشرطٌ وعَقدٌ بيِّنٌ، وهذا أمرٌ معلومٌ. حديث مَالِكٍ (١)؛ أنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا يَزَالُ المُؤْمِنُ يُصَابُ في وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ، حَتَّى يَلْقَى الله وَلَيْسَت لَهُ خَطِيئَةٌ". الإسناد: قد ذكر أبو عمر في "التّمهيد" (٢) مَنْ وصلَ هذا الحديث ومَنْ أَسْنَدَهُ، فجعلَهُ عن مالكٌ، عن ربيعة، عن أبي الحباب، عن أبي هريرة (٣). الفوائد المنثورة فيه: الفائدةُ الأولى (٤): أمّا قوله فيه: "وَحَامَّته" فقد رَوَى ابنُ حبيب عن مالكٌ، قال: حامَّته: ابن عمه

стр. 1546

وصاحبه من جلسائه (١). وقال غيره: حامَّتُه قرابَتُهُ ومن يُحزنه موته. وقد ذكرنا في المسألة الأُولى بيان ذلك، مع أنّ أعرابيًا (٢) قال لعمر إذْ رَآهُ يطوفُ بالبيت وهو حامل امرأته (٣) وسأله عنها، فكان من قوله أنَّه قال: هي أَكُول قامّة، ما تُبْقِي لنا حامّة. وقوله: "قامّة" أي تَقُّمُّ كلّ شيءٍ لا تَشْبَع. وقوله: "ما تُبقِي لنا حَامّة" أي لا تبقي لنا أحدًا (٤). باب جامع الحِسْبَة في المُصِيبَة مالك (٥)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لِيُعَزِّ المُسْلِمِينَ في مَصَائِبِهْم، الْمُصِيبَةُ بِي". الإسناد: قال أبو عمر (٦): "هكذا هذا الحديث في "الموطّأ" عند أكثر الروّاة، ورواه عبد الرزّاق (٧)، عن مالك، عن عبد الرّحمن بن القاسم، عن أبيه؛ أنّ النّبيَّ ﷺ كان يُعزّي المسلمين في مصائبهم، فخالفَ في (٨) الإسناد والمتن. وقد رُوِيَ هذا الحديث عن النّبيِّ ﷺ مُسْنَدًا من حديث سهل بن سعد (٩)، وحديث

стр. 1547

عائشة (١)، وحديث الِمسوَر بن مَخْرَمَة (٢)، ورُوِيَ اْيضَا مُرْسَلًا". الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي واحدة (٣): قوله: "الْمُصِيبَةُ بِي" نعم؛ لأنّه لم يُصب المسلمونَ (٤) بعدَهُ بمثلِ المصيبةِ به، وفيه العَزَاء والسَّلوى، وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من مصيبةِ منِ انقطعَ بمَوْتِهِ وحيُ السَّماء، ومَن لا عِوَضَ منه رحمةً للمؤمنين، وقضاءً على الكافرين والمنافقين. ورُوِي عن طائفة من الصّحابة أنّهم قالوا: ما نَفَضْنَا أيدِينَا من تُرابِ قَبْرِ رسولِ الله ﷺ حتّى أنكرنا قلوبنا، فأيُّ مصيبةٍ أعظم من هذا! ولأبي العَتَاهِية (٥): وإذا ذكرتَ محمدًا ومُصابه ... فاجْعَلْ مُصَابَكَ بالنَّبَيّ محمّد وله أيضًا (٦): لكلِّ أخي ثُكلٍ عَزَاءٌ وأُسْوَةٌ ... إذا كان من أهل التُّقى بمحمد (٧) وله أيضًا (٨):

стр. 1548

ركَنَّا إلى الدّنيا الدَّنية بعدَه (١) ... وكَشَّفَتِ الأطماعُ منّا المسَاوِيَا حديث مالك (٢)، عَن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْج النَّبِيِّ ﷺ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبةٌ فَقَالَ كَمَا أَمَرَ اللهُ : ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣) اللَّهُمَّ أَجرني في مُصِيبَتِي، وَأعقِبِني خَيرًا مِنْهَا، إلَّا أَعْقَبَهُ اللهُ خَيرًا مِنْهَا" فَقَالَت أُمَّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا تُوُفَّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُمتُ ذَلِكَ، ثُمَّ قُلتُ: وَمَن خَيرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَة؟ فَأعقَبَهَا اللهُ رَسُولَهُ فَتزوَّجَهَا. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ مُرسَلٌ، ويُسْنَدُ من طرق صحاح (٤)، وقد خرّجه الأيمة مسلم (٥) والبخاري (٦)، والحديث صحيحٌ له طُرقٌ كثيرةٌ. وفيه ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى (٧): في هذا الحديث تعليم (٨) ما يقالُ عند المصيبة، وهو قولٌ ينبغي لمن أصيب بمصيبة في مالٍ أو جسمٍ (٩) أنّ يقتصرَ على ذلك، وعليه أنّ يفزعَ إليه تَأَسِّيًا بكتاب الله وسُنَّةِ رسولِهِ. الفائدةُ الثّانية (١٠): قوله: "إِلَّا فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ بِهِ" أي آجَرَهُ في مُصِيبَتِهِ وأَعْقَبَهُ منها الخيرَ، كما قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (١١).

стр. 1549

قال ابن جُرَيْج: ما يمنعُ الرَّجل ألَّا يستوجبَ على الله ثلاثَ خصالٍ، كلٌّ خصلةٍ منها خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، وهي صلواتٌ من الله وهدىً ورحمة. وقال سعيد بن جُبَير: ما أُعطِيَتْ أُمَّةُ محمّد ﷺ ما أُعْطِيَتْ هذه الآية، وذلك أنّهم أعطاهم قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية (١)، ولو أعطيها أحدٌ لأعطيها يعقوب، لقوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ الآية (٢). حديث (٣): قال الإمام: ذكر مالك في هذا الباب عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمّد؛ أنّه قال: هَلَكَت امْرَأَةٌ، فَأَتَانِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعبٍ الْقُرَظِيُّ يُعَزِّيني فِيهَا (٤)، فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ في بَنِي إِسِرائِيلَ رَجُلٌ فَقِيهٌ عَالِمٌ عَابِدٌ مُجْتَهِدٌ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، وكَانَ بِهَا مُعجَبًا، وَلَهَا مُحِبًا، فَمَاتَت، فَوَجَدَ عَلَيهَا وَجْدًا شَدِيدًا، وَلَقِيَ عَلَيهَا أَسَفًا، حَتَّى خَلاَ في بَيتٍ وَأَغلَقَهُ (٥) عَلَى نَفْسِهِ، وَاحْتَجَب مِنَ النَّاسِ الحديث إلى آخره. الفوائد المنثورة في هذا الحديث وهي سبع: الفائدةُ الأولى: قال الشّيخ أبو عمر (٦): "هذا خَبَرٌ عجيبٌ حَسَنٌ في التَّعَازي، وليس هو في كلّ "الموطآت" وليس فيه ما يحتاجُ إلى شرح ولا تفسيرٍ ولا اجتهاد (٧). وفي معنى هذا الخبر من النَّظمِ قال لَبِيد (٨): وَمَا الْمَالُ وَالأَهلُونَ إلَّا وَدِيعَةٌ ... وَلاَبُدَّ يَوْمًا أَنْ تُرَدَّ (٩) الوَدَائعُ

стр. 1550

وقال محمّد بن مُنَاذِر في ذلك أيضًا نظمًا (١): إنَّمَا أَنْفُسُنَا عَارِيَةٌ ... والعواري قَصْرُها أنّ تُسْتَرَدْ نحنُ للآفاتِ أغراضٌ فإن ... أَخْطَأَتْنَا فَلَنَا الموتُ رَصَدْ الفائدةُ الثّانية (٢): في التّعازي وهذا بابٌ لا يُحَاطٌ به لِكَثرَةِ أقوال النّاس فيه، وخيرُ القولِ قليلٌ صادفَ قَبُولًا فنفعَ، ومن أحسن ما جاء في هذا المعنى ما عَزَّى به عمرُو بن عُبَيْد سهمَ بن عبد الحميد في (٣) ابنٍ له هلك، فقال: إِنَّ أبَاكَ كَانَ أَضْلَكَ، وَإنَّ ابْنَكَ كَانَ فَرعَكَ، فَإِن امرءًا ذَهَبَ ذَهَبَ أَصلُهُ وَفَرعُهُ، لَحَرِيٌ أنّ يقلَّ بَقَاؤُهُ (٤). وكتب الحسنُ إلى عمر بن عبد العزيز: أمَّا بَعْدُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، فَإِنَّ طُولَ الْبَقَاءِ إِلَى فَنَاءٍ، فَخُذ مِن فَنَائِكَ الَّذِي لَا يَبْقَى، لِمَعَادِكَ (٥) الّذِي لا يَفْنَى، وَالسَّلاَم (٦). الفائدةُ الثّالثة (٧): قال علماؤنا (٨): التّعزية على ضربين: أحدهما: أنّ يبلغَ الرَّجلُ عن الرَجُلُ إفراط حزن، فيعزِّيهِ على سبيلِ التَّذْكير والوَعْظِ، فلا نعلم خلافًا في جوازِ هذَا. والثّاني: أنّ يقفَ وليّ (٩) الميِّت عند تسوية التّراب على القبر فيُعَزِّي فيه، وقد قال النَّخَعِي: إنّه مكروهٌ، ولكنّه مستعمل. الفائدةُ الرّابعة: فيه التنبيه على سَعَةِ عِلْمِ مالك، ومعرفته بالأخبار والآثار، والتَّحَدُّث عن بني

стр. 1551

إسرائيل (١) إذا صَحَّت عند العالِم. وكان مالك ﵀ أعلمُ النّاس بالقصص وأخبار بني إسرائيل، وإنّه نوعٌ من العلّم أيضًا إذا تَحَرَّزَ في نَقْلِهِ، فيخرجُ من هذا المحدِّث عن بني إسرائيل كما قال ﷺ :، حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" (٢). الفائدةُ الخامسة: فيه: جواز موعظة النّساء الفواضل للرَّجُل العابد العالِمِ، إذا كانت ممّن تُحسِن العبارة والمعنى. الفائدةُ السّادسة (٣): فيه العزاء والموعظة للعالم ممَّن هو دُونَه. الفائدةُ السابعة: فيه التَّلَطُّف في الموعظة (٤)، واستجلاب القلب إلى الموعظة. الفائدةُ الثامنة: فيه مشافهةُ المرأة للعالِم في السؤال (٥)، وهو جائز في الدِّين قطعًا. ما جاء في الاخْتِفَاء وهو النَّبْشُ (٦) الإسناد: قال الإمام: حديث مالك (٧) عن أَبِي الرّجَالِ مُرْسَلٌ في جميع "الموطآت"، وقد رُوِيَ مُسْنَدًا من حديث مالكٌ وغيره، عن أبي الرِّجال، عن عَمرَة، عن عائشة (٨)، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه لَعَن المُخْتَفِي وَالمُخْتَفِيَة، يَعْنِي نبَّاشَ الْقُبُور. وقيل: إنّ هذا الحديث أكثر ما يُروَى مَرْفوعًا عن عائشة.

стр. 1552

العربية (١): الاختفاء الافتعال (٢) من فعل النَّباش، ومعناه الإظهار، يقال: خفيت الشّيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سَتَرته. وقد قرئت هذه الآية: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (٣) بالفَتْح، و"أُخفيها" بالضمِّ، فمن قرأ "أُخفيها" بالضَّمِّ يريد أكاد أخفيها من نفسي، ومن قرأ "أَخفيها" بالفتح أراد أظهرها. وقال: أهل المدينة يسمون النبّاش المخْتفي والمُحْتَفي بالحاء غير منقوطة، ويقال: إنّه من الأضداد. والاحتفاء إقلاع الشيء، وكلّ من اقتلع شيئًا فهو محتفي (٤)، والّذي عليه قراءة النّاس بالخاء منقوطة. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُخْتَفِي" فيه دليلٌ على تحريم فِعْلِهِ والتّغليظ فيه، كما لعنَ شارب الخَمْر وبائعها، وآكل الرِّبَا ومؤكله. واللّعن الإبعادُ في كلام العرب، وهو مستعملٌ في الإبعاد من الخير، فَلَعْنُ رسول الله ﷺ المختفي إنّما هو الدُّعاء عليه بالإبعاد من رحمة الله. المسألة الثّانية (٦): اختلف الفقهاء في قطع النّبّاش:

стр. 1553

فقال أبو حنيفة: لا قطع عليه (١)؛ لأنّه سرق من غير حِززٍ مَالًا مُعَرَّضًا للتَّلفِ لا مالِكَ له؛ لأنّ الميِّتَ لا يملك، ومنهم من ينكر السّرقة؛ لأنّه في موضع ليس فيه ساكن، وإنّما تكون السّرقةُ بحيث تُتَّقَى الأعين وَيُتَحَفَّظُ من النّاس. وقال (٢) مالك وأصحابه وابن القاسم: عليه القطع. واحتجّ مالك بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٣)، وقال مالك: القبر ستر وحرز للكفن؛ لأنّه كالبيت للحَيِّ، والحديث يعضده: "إِنَّ الْقَبْرَ بَيتٌ" (*). اصطِلاَمٌ: قلنا: الصّحيح أنّه سارقٌ؛ لأنّه قد تدرّع اللّيل لباسًا، واتَّقَى الأعين. وقصدَ وَقْتًا لا نَظَرَ فيه ولا مارّ عليه. وقوله (٤): إنَّ القبرَ غيرُ حِرْزٍ، هو قول باطل؛ لأنّ حرز كلّ شيء بحسب حاله الممكنة فيه، ولا يمكن تركُ الميِّت عاريًا، ولا يتَّفق فيه أكثر من دفنه، ولا يمكن أنّ يُدْفَنَ إلّا مع أصحابه، فصارت هذه الحاجات قاضية أنّ ذلك حرزٌ، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٥) أي: ليسكن فيها حيًّا ويُدْفَن فيها ميِّتًا. وقوله (٦): معرَّضًا للتَّلَفِ، فكلُّ ما يلبسه الحيُّ أيضًا مُعَرَّضٌ للتَّلَفِ والإخلاق (٧) في لباسه، إلَّا أنّ أحدَ الأمرين أعْجَلُ. حديث مَالِك (٨)؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْج النَّبيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ: كَسْرُ عَظْمِ المُسْلِمِ مَيتًا كَكَسرِهِ وَهُوَ حَيٌّ، تَعْنِي في الأِثْمِ.

стр. 1554

الإسناد (١): هذا حديثٌ مرفوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، ورواه عبد العزيز بن محمّد الدّراورديّ، عن سعد بن سعيد، عن عمرة عن عائشة عن النّبيّ ﷺ قال: "كَسْرُ عَظمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا" (٢). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: الفائدةُ الأولى: قال علماؤنا: إنّما عَنَت به عائشة الحُرمَة؛ لأنّ حرمةَ الميّت كحُرْمَتِه حيًّا، وأنّ كسرها يحرمُ في حالِ مَوتِهِ كما يحرمُ في حال حياته، واللهُ أعلم. الفائدةُ الثّانية: قوله: "في الإثمِ" هو قول مالكٌ، وهو تفسيرٌ حَسَنٌ؛ لأنّهم مجمِعُون على رفع القَوَدِ في ذلك والدِّية، فلم يبق إلّا الإثم. وقال أبو الوليد الباجي (٣):، يعني في الإثم، يريد أنّهما لا يتساويان في القِصاص وغيره، وإنّما يتساويان في الإثم" واللهُ أعلم. باب جامع الجنائز قال الإمام: في هذا الباب إثنا عشر حديثًا: ١ - الحديث الأوّل: ذكر فيه مَالِك (٤) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابنِ الزُّبَيرِ، عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّها سَمِعَت رَسولَ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدرِهَا، وَأَصْغَت إِلَيْهِ يَقُولُ (٥): "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفيقِ الأَعْلَى".

стр. 1555

الإسناد: هذا الحديث مُسْنَدٌ صحيحٌ متَّفَقٌ على صحَّته ومَتْنِه، خرَّجه الأيمَّة مسلم (١) والبخاري (٢) والتّرمذيّ (٣) وغيرهم (٤). وفيه ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى (٥): فيه النّدب إلى الدُّعاء بذلك، أعني بالغُفران والرَّحمة تَأَسِّيًا به ﷺ . وإذا كان الدَّاعي النبيّ ﷺ وقد (٦) غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخّر، فأين غيره منه؟ قيل (٧): إنّما غفر له بشرط الاستغفار والدُّعاء، وألَّا يترك ذلك، وأنْ يعلِّم النّاس كيف يُقْتَدَى به. والدُّعاء مخُّ العبادةِ، لِمَا فيه من الضَّراعة والخُضوع والإخلاص والرَّجاء للإجابة، وذلك صريح الإيمان واليقين ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، والمؤمنُ بين خوفه ورجائه معتدلان، ومعلومٌ أنّ الأنبياء والرُّسُل أشدُّ خوفًا لله وأكثرُ إشفاقًا وَوَجَلًا، ولذلك كانوا أرفع الدّرجات وأعلى المنازل، وقد أثنى اللهُ تعالى على الّذين كانوا يؤتون ما أتوا وقلوبهم وَجِلَة. الفائدةُ الثّانية (٨): قوله: "وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفيقِ الأَعْلَى" فمأخوذ من قوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية (٩) فأراد المرافقة معهم في الجنَّة. وقيل: أراد بالرّفيق الأعلى ما علا فوق السّماوات السَّبع.

стр. 1556

وقيل: إنّ الرَّفيق الأعلى الجَنَّة. وقيل: الأنبياء والصّالحون الّذين يعلون في الجنّة. وذكر أبو الوليد الباجي (١)؛ أنّ الرّفيق الأعلى اسمٌ لكُلِّ سماء. والأعلى السّابعة (٢). حديث مَالِك (٣)؛ بَلَغَهُ أَن عَائِشَةَ زَوْج النَّبِيّ ﷺ قَالَتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِن نَبِىٍّ يَمُوتُ حَتَّى يُخَيَّر"، قَالَتْ: فَسَمِعتُهُ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى" فَعَرَفْتُ أَنَّهُ ذَاهِبٌ. الإسناد (٤): قال القاضي: هذا حديث من بلاغات مالك (٥). وقولها: "فَعَلِمتُ أَنَّه ذَاهِبٌ" هو تفسير لما قبله، كأنّها قالت: إنّه خيّر بين البقاء في الدُّنيا والمصير إلى الله، فاختارَ الرَّفيق الأعلى. وما كان رسولُ الله ﷺ ليخَيَّر بين الدنيا والآخرة إلّا ويختار الآخرة، لقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ الآية (٦)، ولأن الدُّنيا فانية على كلِّ حالٍ، وما مضَى منها وإن كان طويلًا، فكَالْحُلمِ إذا انْقَضَى، ودارُ البقاءِ الخير الدّائم، وهو أَوْلَى لاختيار ذَوِي النُّهَى. وليس في مُسنَدِ مالك ذكر التّخيِيرِ، وإنّما ذَكَرَهُ فيما بَلَغَهُ، وقد يُسْنَدُ من حديث إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن عروة عن عائشة قَالَتْ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٧) وما مِنْ نبيٍّ مرضَ إلَّا خُيِّر بين الدُّنيا والآخرة الحديث (٨)، فاختارَ الآخرة، وكذلك فعلَ في حديث جبريل حين أتاه

стр. 1557

بمفاتيح خزائن الأرض، فاختار الآخرة ولم يرض بالدُّنيا، وقال: "ما عند الله خيرٌ وأَبْقَى". حديث مَالِك (١)، عَن نَافِعٍ عَنْ عَندِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُم إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيهِ مَقعَدُهُ بالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإنْ كَانَ مِنْ أَهلِ النَّارِ فَمِنَ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالَ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعثَكَ اللهُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ". الإسناد (٢): قال الإمام: هكذا قال يحيى في هذا الحديث: "حَتَّى يَبعَثَكَ اللهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" وهو معنى مفهوم على وجه التّفسير والبيان لـ "حتّى يبعثكَ الله". وروى القَعنَبِيّ في "موطّئه" (٣): "حَتَّى يَبعَثَكَ اللهُ يَومَ الْقِيَامَةِ" وهذا أبين وأوضَح من أنّ يحتاج فيه إلى قول. وفي رواية ابن القاسم (٤): "حَتَّى يَبعَثكَ اللهُ إِلَيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" وهذا أيضًا بيِّنٌ، يريد: حتّى يبعثك الله إلى ذلك المقعد وإليه تفسير، وهو عندي أَشْبَه. وكذلك رواه ابن بُكَيْر، والصّحيح في "مسلم" (٥) و"البخاريّ" (٦) وانفرد ابنُ بكير بقوله: "حَتَّى يَبعَثَكَ اللهُ" ولم يزد. ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي خمس فوائد: الفائدةُ الأولى (٧): قوله: "إِنَّ أَحَدَكُم إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ" هذا لا يكون حقيقة إلَّا على حيٍّ؛ لأنّه يُخَاطَب، فيقال له: "ما علمك فهذا الرّجل" الحديث (٨)، وهذا بَيِّنٌ.

стр. 1558

الفائدةُ الثّانية (١): قوله: "بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ" يحتملُ أنّ يريدَ كلّ غداة وكل عشيّ، وذلك لا يكون إلَّا بان يكون الإحياء لجزء منه، فإنّا نشاهدُ الميِّت بالغَدَاة والعشيِّ، وذلك يمنعُ إحياء جميعه وإعادة جسمه، ولا يمنع أنّ تعادَ الحياة في جزءٍ منه أو أجزاءٍ، وتصحّ مخاطبته والعرض عليه. ويحتمل أنّ يريد بذلك: غدوة واحدة يكون العرض فيها، والله أعلم. الفائدةُ الثّالثة: قوله: "مَقعَدُهُ لا دليلٌ على صحَّة عذاب القبر الّذي أنكرته المعتزلة وأثبته أهل السُّنَّة، فالآثارُ الواردة فيه في الصّحيح منها خمسة: الأوّل: حديث الرَّجُلَينِ اللّذين يعذبان فيما هو غير كبير (٢). الثّاني: عروج النّبيّ ﷺ فسمع صوتًا فقال: "يهود تُعَذَّبُ في قُبُورِهَا" (٣). الئآلث: حديث سماع قَرع النِّعال (٤). الرّابع: مخاطبة الميِّت لمن يحمله بقوله: "قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي" (٥). الخامس: ما خرَّجه مسلم (٦)، قال فيه: "فَامكُثُوا عَلَى قَبرِي قَلِيلًا أَستَأنِسُ بِكُمْ، حتّى انظر بما أراجع به رسل رَبِّي". والآثار الواردة في ذلك كثيرة بينّاها في كتاب الكسوف. الفائدةُ الرّابعة (٧): فيه دليلٌ على أنّ الجنَّة والنّار مخلوقتان، وبه قالت جماعة أهل السُّنَّة؛ لأنّه وردت في ذلك آثارٌ كثيرة يطولُ ذِكْرُها لبابُها: الأوّل: قوله: "اشتكتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا" وقد تقدّم بيانُه.

стр. 1559

الثّاني: قوله: "دَخَلَتُ الجَنَّةَ فأخَذتُ مِنْهَا عُنْقُودًا". الثّالث: قوله: "اطَّلَعتُ في الجَّنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِين، وَاطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأَيتُ أَكثَرَ أَهلِهَا النِّسَاء". الرّابع: قوله: "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفِّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ". الخامس: أدلّة الكتاب قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية (١). وقوله تعالي: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢). الفائدةُ الخامسة (٣): في هذا الحديث دليل (٤) على من استدلَّ بهذا الحديث أنّ الأرواح على أَفْنِيَةِ القُبور، وهذا أصحّ ما ذهب إليه في ذلك. والله أعلم. والمعنى عندي: أنّها قد تكون على أفنية القبور، إلَّا اْنّها لا تدوم (٥) وتفارق الأفنية، بل هي كما قال مالك؛ أنّه بلغه أنّ الأرواح تسرحُ حيث شاءت. وعن مجاهد؛ أنّ الأرواح على القبور سبعة أيّام من يوم دَفْن الميِّت، لا تفارق ذلك. واللهُ أعلم. حديث مَالِك (٦)، عَن أِبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الأَرضُ، إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ". الإسناد: هذا الحديث صحيح مُسنَدٌ مشهور عن النّبيِّ ﷺ . وتابعَ (٧) يحيى قوم على قوله: "تأكُلُهُ الأَرْضُ"، وقالت طائفة: "يَأْكُلُهُ التُّرَابُ" والمعنى واحد متقارَبٌ. العربية: قال أهل العربية: قد يروى: "عَجبُ الذَّنَبِ" وَ"عَجْمُ" كما يقال "لاَزِب"

стр. 1560

و"لاَزِم" والصحيح "عَجْمُ الذَّنَبِ" لأنّه (١) هو أصله، وظاهرُ الحديثِ وعمومهُ أنّ يكونَ بنو آدم كلهم في ذلك سواء، إلّا أنّه قد رُوِيَ في أجساد الأنبياء وأجساد الشهداء أحاديث أنّ الأرض لا تأكلهم. الأصول (٢): قال علماؤنا (٣): هذا الحديث لفظُه لفظ العموم، والمراد به الخصوص، والله أعلم. فكأنّه قال: كلّ ما تأكله الأرض فإنّه لا تأكل منه عَجْب الذَّنَب، وإذا جاز ألَّا تأكل عَجْب الذَّنَب، جاز ألَّا تأكل الشّهداء. وذلك كلّه من حُكْمِهِ، وليس في حُكْمِهِ إلّا ما شاءَ، وإنّما نعرف من هذا ما عرفنا (٤)، ونسلّم له فيما يجب التّسليم في مثل هذه الأمور، ونُصدِّق (٥) به؛ لأنّ القرآن مطابقٌ له، لقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ الآية (٦). فصحَّ من الحديثِ الصّحيحِ والقرآن الفَصِيحِ؛ أنّ الأرض تأكل وتُبقِي منه، لقوله: ﴿مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ (٣) وبهذه المسألة تعلّق القاضي أبو بكر بن الطّيّب بأنّ الرُّوح عرض، فقال: والدّليل عليه أنّه لا ينفصل عن البَدَنِ إلَّا بجُزْءٍ منه يقول به، وهذا الجزء المذكور في حديث أبي هريرة: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكلُهُ الأَرْضُ، إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ" الحديث، فدلّ بهذا أنّه ليس بمُعْدَمٍ، ولا في الوجود شيء يَفْنَى (٧)؛ لأنّه إنّ كان فَنِيَ في حقِّنا فهو في حقِّه موجودٌ مرئيٌّ معلومٌ حقيقةً، وعلى هذا الحال يقع السُّؤال في القبر والجواب، ويعرض عليه المقعد بالغَدَاةِ والعشيِّ، ويعلّق من شَجَرِ الجنّة، على ما يأتي بيانُه في كتاب الجهاد إنّ شاء الله تعالى. ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي ثلاث فوائد:

стр. 1561

الفائدةُ الأولى (١): قوله: "مِنْهُ خُلِقَ" يدلُّ على أنّه ابتدأ خَلْقه وتركيبه من عَجْبِ ذَنَبِه، وهذا لا يُدْرَكُ إلَّا بخَبَرٍ، ولا خَبَرَ عندنا فيه مُفَسِّرٌ، وإنّما جاء فيه جملة أحاديث في خَلْقِةِ آدم وتركيب جسده، على ما بيَّنَّاهُ في "الكتاب الكيير". قوله: "مِنْهُ خُلِقَ" أي: منه ابتدأَ بخَلقِهِ. الفائدةُ الثّانية: قوله: "وَفِيهِ يُرَكَّبُ" يريد: ومنه ابتدأَ سائر جَسَدِهِ وخَلقه. وقيل: إنّه هو الأصل الّذي تركب عليه الحواسّ؛ لأنّه موجود وليس بمعدوم، لقوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ الآية (٢)؛ لأنّه إنّ كان العَجْبُ أصغر، حتّى يكون أصغر من خردلة، فإن الله تعالى يأتي به، وهو قادرٌ على ذلك لسَعَةِ عُمُومِ المقدورات (٣). حديث مَالِك (٤)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأّنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ في طَائِرٍ (٥) يَعْلَقُ في شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَومَ يَبْعَثُهُ". الإسناد (٦): قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ، واختلفتِ الآثارُ عنه في هذا الحديث، فَرَوَتْهُ طائفةٌ عن ابنِ شِهَاب كما رواه مالك (٧)، ورواه آخرون عن ابن شهاب عن ابن كَعْبِ ولم ينسبوه إلى (٨) كعب (٩).

стр. 1562

تنبيهٌ على وَهَمٍ (١): ظنَّ بعضُ المُحَدِّثين أنّ هذا الحديث يعارض ظاهر حديث ابن عمر المتقدِّم في قوله: "إِذَا مَاتَ أَحَدكمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ"، وقال: إِذَا كَانَ يَسْرَحُ في الْجَنَّةِ وَيَأْكُلُ مِنْهَا، فهو يرى الجَنَّة في جميع أحيانه، فكيف يعرض عليه منها مقعده بالغَدَاةِ والعشيِّ خاصّة؟ قال الإمام (٢): وليس كما زعم (٣)؛ لأنَّ حديث كعبِ بن مالكٌ هذا معناهُ في الشُّهداء خاصّة، وحديث ابن عمر في سائرِ النّاس. والدّليل عليه: ما رُوِيَ عن سفيان بن عُيَيْنَة، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالكٌ، عن أبيه؛ أنّ وسولَ الله ﷺ قال: "أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءُ في طَيرٍ خضْرٍ تعلقُ في شَجَرِ الجَنَّةِ" (٤)، وفي حديث أبي سعيد الخدري، عن النّبيّ ﷺ قال: "الشُّهَدَاءُ يغدُونَ وَيَرُوحُونَ إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ مَأْوَاهُمْ إِلَى قنَادِيلَ مُعَلَّقَة بِالْعَرْشِ" (٥) وله طرقٌ كثيرة. الأصول والفوائد: الأولى: قوله: "إِنَّمَا نَسْمَةُ المُؤْمِنِ" قال الخليل بن أحمد (٦): النَّسمة: الجسد، والنَّسم الرُّوح (٧)، وإنّما سمي الرّوح بالنَّسمة لأنّها في الجسد، والشّيء إذا جاور الشَّيء أو قَرُبَ منه سُمِّي باسْمِهِ. وقال قوم: قوله "إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ" إنّما أراد بالنَّسَمَة الرُّوح (٨)، وعلى (٩) هذا

стр. 1563

جماعة العلّماء على ظاهر الحديث، ومن حجتهم قوله في الحديث: "حَتَّى يرْجعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِه". وقال قوم من أهل الفقه: إنّ النّسمة هو الإنسان نفسه، وتعلّقوا بدليل قوله ﷺ : "مَنْ أَعتَقَ نَسَمَة مُؤمِنَة" وَبِقَولِ عليّ: "لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَة"، وقال الأعشى (١): بأعظم منك تقي في الحساب ... إذا النَّسَمَاتُ نَفَضْنَ الغُبَارًا والعربُ تعبِّر عن المعنى الواحد بألفاظٍ شتَّى عن معانٍ متقاربة يمعنى واحدٍ، وهذا كثيرٌ في لغتها. الفائدةُ الثّانية: اختلف العلّماء في الرُوح على ما قدّمناه في حديث الوَادِي، على ثلاثة أقوال: الأوّل: أنّه عرضٌ، وهو الّذي اختارَهُ القاضي (٢). والثّاني: أنّه النَّفس الدّاخل والخارج، واختاره الشّيخ أبو الحسن (٣). الثآلا: أنّه جسمٌ لطيفٌ مشاركٌ لهذه الأجسام، واختاره أبو المعالي الجويني. وقد بيّنا متعلّقاتهم في حديث الوادي بيانًا شافيًا، فليُنْظَر هنالك. الفائدةُ الثّالثة: اختلف العلّماء في مستقرّ الأرواح على أقوال كثيرة: فقال قوم: إنها مقيمة على أَفْنِيَةِ القُبور، وإلى هذا كان يميل ابن وضَّاح، واستدلّ على ذلك بقوله ﷺ : "السَّلاَمُ عَلَيْكُم دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ"، وبمخاطبة أهل بدر، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٤). وقال قوم: إنّها في دار البَرْزَخِ الّتي رآها فيه النّبيّ ﷺ ليلة الإسراءِ أرواح أهل السّعادة عن يمين آدم ﵇، وأرواح أهل الشّقاء عن يساره عند سماء الدُّنيا، وذلك منقطع العناصر. وأمّا أرواح الأنبياء والشُّهداء فهم في الجنَّة، وقال إسحاق بن راهويه: على هذا

стр. 1564

أجمع أهل العلّم، حكى ذلك عنه محمّد بن نصر المروزي. وقال قوم آخرون: إنّ الأرواح كلّها في الصُّور، وهو حديثٌ ضعيفٌ، والصّحيح أنّ الأرواح تُنَعَّم وتُعَذَّب (١) حيث ما كانت من عِلمِ اللهِ. وأمّا أرواح الكُفّارِ، ففي سجِّين في أسفل سافلين، وإنّها تعذَّب إلى يوم القيامة، يعرض عليها بالغُدُوِّ والعَشِيِّ العذاب. الفائدةُ الرّابعة: قوله: "نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ" تعلّق أهل التّناسخ بهذا الحديث لقوله: "في حَوَاصِلِ طَيرِ خُضْرٍ" ولا دليلَ لهم فيه، والصّحيحُ أَنَّه على ظاهر من قوله: "طَائِرٌ يَعْلَقُ في شَجَرِ الْجَنَّةِ" فكأنّه مطلق سارح فيها (٢) كما يسرح الطّائر، ولا يحتاج في ذلك أنّ يكون في جَوفِ طائر؛ لأنّه لم يثبت في حديث، فلا يُعَوَّل عليه. الفائدةُ الخامسة: قوله: "حَتَّى يَبعَثُهُ اللهُ" والبَعثُ هو إثارة الشّيء عن خفاء، أو تحريكٌ عن سُكُونٍ، وله في اللّغة ثلاث معان: الأوّل: بعث الشّيء أثارهُ، ومنه بعث الموتى، وبه سُمَّيَ يوم القيامة يوم البعث. الثّاني: بعث الرُّسُل، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ الآية (٣). الثّالث: البعث التّحريض على الشيء، يقال: بعثمت فلانًا على كذا، إذا حرّضته عليه. وحقيقة البعث: تحريك الشّيء بعد سكونه في إزعاج واستعجال، وإليه يرجع جميع ما تقدّم، والبارىء سبحانه هو الّذي يحرِّك المؤمن إلى العرض والجزاء. حديث مَالِك (٤)، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَن أَبي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يقُولُ اللهُ ﵎: إِذَا أَحَبَّ عَبدِي لِقَائِي، أَحبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ عَبْدِي لِقَائي، كَرِهتُ لِقَاءَهُ".

стр. 1565

الإسناد: هذا حديث صحيِح متَّفَقٌ عليه، خرّجه الأيِمّة مسلم (١) والبخاريّ (٢)، وخرَّجَهُ ابن أبي شَيْبَة في "مُصَنَّفِهِ" (٣) قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: أنا (٤) محمّد بن عمرو، عن أبي سَلَمَة عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ :"من أحبَّ لقاءَ اللهِ، أحبَّ اللهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللهِ، كرِهَ اللهُ لقاءَهُ"، قيل: يا رسول الله، ما مِنَّا أَحَدٌ إلّا وهو يَكرَهُ الموتَ، فقال رسول الله ﷺ : "إذا كان كذلك كشفَ لَهُ، فيرى ما يسير إليه، فحينئذٍ يحبّ اللِّقاء أو يكره اللِّقاء". ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث: الفائدةُ الأولى (٥): قال أبو عُبَيد (٦) في معنى هذا الحديث: ليس وَجهُهُ عندي أنّ يكون الإنسان يكرهُ الموتَ وشدَّته، فإن هذا لا يكاد يَخْلُو منه لا نبيُّ ولا وليٌّ (٧)، ولكن المكروه من ذلك إيثارُ الدّنيا والرُّكون إليها، وكراهية أنّ يصيرَ إلى الله والدّار الآخرة، ويُؤثِرُ المقام في الدُّنيا. قال (٨): وممّا يُبيِّن لك هذا؛ قوله تعالى إذ عاتب قومًا يحبّون الحياة الدّنيا وزِينَتَها، فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية (٩)، وقال في اليهود: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ الآية (١٠)، وقال: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ (١١) يعني الموت.

стр. 1566

فهذا يدلُّ على أنّ الكراهية لِلِّقاء ليس كراهية الموت، إنّما هو كراهية النُّقْلَة من الدُّنيا إلى الآخرة. وقد مدحَ اللهُ أولياءَهُ بذلك فقال: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) فدلَّ أنّ الصِّدِّيقينَ يُحِبُّون الموتَ واللِّقاء، كما قال حُذَيْفَة بن اليَمَان في مَرَضِهِ الّذي مات فيه، سُمِعَ وهو يقول: مرحبًا بحبيبٍ جاءَ على فَاقَةٍ، فالمؤمنُ إذا نظر وعايَنَ ما هنالك من النَّعيم تمنّى اللِّقاء، وإذا عاينَ ما هنالك الكافر من العذاب والشّقاء لم يتمنّه. قال بعضهم (٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٣) قال: معاينة مَلَك الموت بالأمر الجَسِيمِ والهَولِ العظيمِ، أو النّعيم المقيم. وقال الحسن: ﴿نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٤) قال: معناه: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين (٥). وروي (٦) عن ابن جُرَيج في قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (٧) قال: عند الموت يعلم ما له من خير، ويعلم ما له من شرّ. اعتراض (٨): فإن قيل: فما معنى كراهية موسى في الموت حِينَ صَكَّ الْمَلَكَ فَفَقَأَ عَيْنَه (٩)؟ قلنا: لم يكن هذا من موسى كراهية في الموت، وإنّما كان غضَبًا من موسى لسُرعةِ غَضَبِه، وما كان غَضَبُهُ قطُّ إلَّا في الله، لا لمعنى من معاني الدّنيا. وقال علماؤنا: إنّما غضب لأنّه كان عنده أنَّ نبيًّا لم يُقبَض قطُّ حتَّى يخيَّر، فلمّا جاء بغير تخْيِيرٍ استنكر ذلك، فأدركته حميّة الآدميّة. وقال بعضُ علمائنا: إنّما كره موسى الموت؛ لأنّه كان يحبّ الموت في

стр. 1567

الأرض المقدّسة. تنبيه على وهم: قال بعضهم: "ليس كراهية الموت كراهية لقاء الله؛ لأنّ الموت نوع، ولقاء الله نوع" وهذا غَلَطٌ؛ لأنّ الموتَ بابٌ لِلِقَاءِ الله، فمن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الباب الّذي يصل به إليه، ومن كرهه كره الباب المفضِي إليه. حديث مَالِك (١)، عَن أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعرَجِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعمَل حَسَنَة قَطُّ، قَالَ لأَهلِهِ: إِذَا مِتُّ فَأَحْرِقُوني، ثُّمَّ اذْرُوا نِصفَهُ في البَرِّ ونصفَهُ في البَحرِ، فَوَاللهِ لَئِن قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ، فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَأَمَرَ اللهُ الْبَحرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأمَرَ البرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، قالَ: فَغُفِرَ لَهُ. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٢): "اختلفت الرِّوايةُ عن مالكٌ في رَفعِ هذا الحديث وتوقيفه، والصّوابُ رَفْعُه؛ لأنّ مثلَهُ لا يكون رأيًا. والحديثُ صحيحٌ من طُرقٍ كثيرةٍ (٣)، وقد رواه أبو رافع، عن أبي هريرة، أنّه قال: "رَجُلٌ لَمْ يَعمَل خَيرًا قَطُّ إلَّا التَّوحِيد" (٤) فهذه اللّفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا الرَّجُل، والأصول كلُّها تعضده؛ لأنّه محالٌ أنّ يغفرَ اللهُ للَّذين يموتون وهم كفّار بإجماعٍ من العلّماء". الأصول: قال الإمام: هذا الرَّجُل كره الموت من خَشْيَةِ الله، فتلقّاهُ اللهُ بمغفرته، وقد تباين النَّاس في تأويل هذا الحديث: فمن النّاس من قال: إنّ معنى، لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَى": لئن ضَيَّقَ اللهُ عليَّ (٥). وهذا

стр. 1568

تأويلٌ بعيدٌ لوجهين: أحدهما: أنّه لو خافَ التّضييق ما ذرأَ نصفَهُ في البَرِّ ونصفه في البحر، ولَلَقَى اللهَ كذلك. الثّاني: أنّ في بعض طُرُقِهِ الصّحيح: "ذَرُوا نِصْفِي في البَرِّ ونصفي في البحر لَعَلِّي أضلّ اللهَ" (١)، وهذا تصريحٌ بنفي العِلْمِ الخفيّ عن (٢) البارئ، وتقصير القدرة عن جمع (٣) المفترق. وقال (٤) آخرون (٥): "لَئِنْ كَانَ اللهُ قَدَرَ عَلَيَّ" والتَّخفيفُ والتَّشديدُ في هذا سواء في اللُّغة، وهو من باب القَدَرِ الّذي هو الحُكم، وليس من باب القُدرَة والاستطاعة في شيءٍ، قالوا: وهو مثل قوله في قصَّة ذي النُّون (٦): ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ﴾ (٧)، وقد تأوّل العلّماء من أهل التّفسير في هذا قولان: أحدهما: أنّه من التقَّدير والقضاء. والآخر: أنّه من التّقتير والتّضيِيق. كأنّه قال: لئن كان قد سبقَ لي في قُدْرَةِ اللهِ تعالى وقضائِه أنّ يعذِّبني على ذُنوبي ليعذِّبني عذابًا لا يعذِّبه أحدًا من العالَمِين، وهذا منه خوفٌ ويقينٌ وإيمانٌ وتَوْبَةٌ وخَشْيَةٌ منه لربِّه، وتوبةٌ على ما سَلَفَ من ذنوبه؛ وهكذا يكون المؤمن مصدِّقًا مُوقِنًا بالبَعْثِ والجزاءِ. نُكْتَةٌ ومقدِّمةٌ اعتقادية (٨): اعلموا -وفقكم الله- أنّ الموتَ ليس بعدَمٍ مَحضٍ، ولا فَنَاءٍ صرفٍ، وإنّما هو تبديلُ حال بحالٍ، وانتقالٌ من دار إلى دارٍ، ومَسِيرٌ من غَفلةٍ إلى ذِكْرٍ، ومن حالِ نومٍ

стр. 1569

إلى حال يقظةٍ، وهو المقصود الأوَّلُ، ولو لم تكن الحالة كذلك، لكان الخَلْقُ عَبَثًا، ولكانت السّموات والأرض وما بينهما باطلًا،* لم قد بيَّنَّا في "كتب الأصول" ما علَّمنا الله تعالى في كتابه * (١) من وجوبِ البعث، واقتضاءِ الثّواب والعقاب على تفاوت الأعمال، والبارىء تعالى هو المُحيِيِ والمُمِيت لجميع الخليقة فيما بَرَأَ وذَرَأَ، لا فاعلَ لذلك سِوَاهُ. المسألة الثّالثة: قال علماؤنا: هذا رجلٌ جهلَ صفة من صفات الله تعالى، وكان مؤمنًا بشَرْعِ من قَبْلَهُ في زمن الفترة وعند تغيير (٢) المِلَل ودُرُوسِها، ومنِ اتَّبع الدِّين على هذه الحال وطلبَ التَّوحيد بين الشُّبَهِ، فما أدرك منه ينتفع به، وما فَاتَهُ يسامح فيه، وهذا كقسّ بن سَاعِدَة، وزيد بن عمر بن نفيل، وَوَرَقَة بن نوفل، وأشباههم. وأمّا والشّريعةُ غَرَّاء، والمحَجَّةُ بيضاء، والجادَّةُ مَيْثَاء، والبيان قد وقع بالأسماء والصِّفات والتوحيد كلّه، فلا عُذْرَ لأحدٍ فيه. المسألة الرّابعة: اختلف العلّماء فيمن أقرَّ بالذَّاتِ وأنكرَ الصِّفات أو بعضها، هل يحكم عليه بالإيمان أو التّفسيق؟ أم يقضى عليه بالكُفْرِ والتَّعْطِيلِ؟ الجواب عنه: أنّه إذا كان عارفًا بأكثر الصَّفات، جاهلًا بصفة واحدة، فإنّه بدعيٌّ وليس بكافرٍ، ومن النّاس من كَفَّرَهُ بذلك. تنبيهٌ على وَهَمٍ: قال أبو عمر بن عبد البرّ (٣): ليس من جهل صفة من صفات البارئ يكون كافرًا، إنّما يكون جاهلًا بالموصوفِ (٤)، ألَّا ترى أنّ الصّحابة رضمي الله عنهم سألوا رسول الله ﷺ عن القَدَرِ وعن أشياء، فقال: "اعْمَلُوا واتَّكلُوا، فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما يسِّر له "، حتّى قالت: فَفِيمَ العمل يا رَسول الله؟

стр. 1570

قال أبو بكر بن العربي: وهذا من أبي عمر غَلْطَةٌ لا مَرَدَّ لها؛ لأنَّ الصّحابةَ - رضوان الله عليهم- لم يجهلوا صفة، وإنّما جهلوا العملَ، وإلَّا فالجهلُ بالصِّفَةِ قد يكون جَهْلًا بالموصوف، ألَّا ترى أنّه إنْ جهلَ أنَّه حيٌّ وقادرٌ وعالمٌ وخالقٌ ومتكلِّمٌ فإنّه كافرٌ، وإنّما جهلتِ الصّحابةُ العملَ ولم تجهل القضاءَ والقَدَرَ والصِّفات، وقد ذكر العلّماءُ الصَّفات وعدّدوها (١) في "كتب الأصول" أَزيَد من ثلاث عشرة صفة. المسألة الخامسة (٢): قوله: "لَم يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ" قال علماؤنا (٣): إنّما يُحْمَلُ هذا الحديث على أنّه اعتقدَ الإيمانَ ولكنّه لم يأتِ بشرائعه، فلما حَضَرَتهُ الوفاة خافَ تفريطه، فأمرَ أهلَه أنّ يحرقوه، وذلك على وجهين: أحدهما: على وجه الفرار مع اعتقاده أنّه غير فائت، كما يفرّ الرَّجُل أمام الأسد، مع اعتقاده أنّه لا يفوته سبقًا، ولكنّه يفعل نهاية ما يمكنه. الثّاني: أنّ يفعلَ هذا خوفًا من البارى تعالى، وتَذَلُلًا ورجاء أنّ يكون هذا سببًا إلى رحمته، ولعلَّه كان مشروعًا في مِلّتِهِ. وللنّاس في هذا الحديث كلامٌ طويلٌ أَضْرَبْنَا عنه. حديث مالك (٤)، عن أبي الزِّناد، عن الأغرَجِ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنَاتَجُ الإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمعَاءَ، هل تُحِسُّ فيها من جَدْعَاءَ؟ قالوا: يا رَسُولَ الله، أرأيتَ من يموتُ وهو صغيرٌ؟ قال: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". الإسناد: قال الإمام (٥): هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه، خرجه الأيِمَّة: مسلم (٦) والبخاري (٧)، ورواه جماعة من الصّحابة والتّابعين.

стр. 1571

واختلف فيه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب، وزعم الذّهلي أنّ الطّرقَ فيه عن ابن شهاب صِحَاحٌ كلّها، يوجد فيها مُرْسَلٌ ولا مَوْقُوفٌ (١). الأصول (٢): اختلف النّاس في الفطرة المذكورة في هذا الحديث: فقال قوم: إنّ الفِطْرَةَ الإيمان والإِسلام، وليس في قوله: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ" ما يقتضي العموم؛ لأنّ المعنى في ذلك؛ أنّ كلّ مولود على الفِطرة، وكان له أَبوَانِ على غير الإسلام، فإنّ أبويْهِ يُهَوِّدَانِه أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِه. قالوا: وليس المعنى أنّ جميع المولودِينَ من بني آدم أجمعينَ مولودون على الفطرة، بل المعنى أنّ المولود على الفِطْرَة بَيْنَ الأَبوَين الكافِرَيْن محكومٌ له بحكمهما في كُفْرِهِما، حتّى يعبِّر عنه لسانُه، ويبلغَ مَبْلَغَ من يكسبُ على نفسهِ. وكذلك من لم يُولَد على الفطرة، وكان أبواهُ مؤمِنَيْنِ، حُكِمَ له بحُكمِهِمَا ما دامَ لم يحتَلِم، فإذا بلغَ ذلك كان له حكم نفسه. واحتجَّ قائل هذا الكلام بحديث ابن عبَّاس، عن أُبَيّ بن كعب، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "إِنَّ الْغُلاَمَ الذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طَبَعَهُ اللهُ يَوْمَ طَبَعَهُ كَافِرًا" (٣)، وبحديث أبي سعيد الخُدْرِيّ؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا مِنْ طَبقاتٍ: فَمِنهُم مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَىَ كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُم مَنْ يُولَدُ مُؤمِنًا وَيَحْيَىَ مُومِنًا وَيَمُوتُ مُؤمِنًا، وَمِنْهُم مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَىَ كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤمِنًا" (٤). وقال قوم: الحديث على عمومه، واحتجُّوا بما رواه أبو رجاء العطارديّ، عن سَمُرَة بن جُنْدَب في الحديث الطّويل، فقال فيه: "الَّذِي في الروضة إبراهيم ﵇، وأمّا الولدان حَوْلَهُ فكلُّ مولود بولد على الفطرة" (٥). وقال آخَرُون (٦): بل كلُّ مولودٍ من بني آدم فهو يُولَدُ على الفطرة أبَدًا، وأَبَوَاهُ

стр. 1572

يحكمُ له بحُكمِهِما، وإن كان قد (١) ولد على الفِطْرَةِ حتّى يكون ممّن عبّر (٢) عنه لسانه. واحتجوا برواية كلّ مَنْ رَوَى: "كلّ بني آدم يُولَدُ على الفطرة" (٣) وقوله: "ومَا مِن مَوْلُودٍ إلَّا وهو يُولَدُ على الفطرة" (٤) وهذا عمومٌ مُطْلَقٌ، وحقُّ (٥) الكلام أنّ يُحْمَل على عمومه، ولقوله: "خَلَقتُ عِبَادِي كلُّهم حُنَفَاء مُسْلِمِين" (٦). نكتةٌ: والفطرة: الابتداء، يقال أوَّل ما فَطَرَ، أي: بَدَأَ، خلقهم على الفطرة، أي: بَرَأَهُم على الإسلام والإيمان. والفطرةُ (٧) الّتي يُولَدُ النَّاسُ عليها هي السّلامة والاستقامة، بدليل (٨) حديث عِيَاض بن حمار (٩)، عن النّبىَّ ﷺ حَاكِيًا عن ربِّهِ بقوله: "خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ" (١٠) يعني على الاستقامة والسّلامة. والحنيفُ في كلام العرب: المستقيمُ السَّالِمُ، وإنّما قيل للأعرج: أَحْنَف على جِهَةِ التَّقاؤُلِ، كما قيل للقَفْرِ: مفازة، فكأنّه أراد- والله أعلم- الّذين خلصوا من الآفات كلَّها من المعاصي والطّاعات، فلا طاعةَ منهم ولا معصية، إذ لم يعملوا ولا عملوا (١١) بشيء من ذلك، ألَّا ترى إلى قوله للخضر: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية (١٢)، يعني: لم يعمل العمل، ولم يكتسب الذّنوب. وإما الحديث عن أُبَيّ بن كعب؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الغُلام الّذي قَتَلَهُ

стр. 1573

الخَضِر طُبعَ كافرَا" (١) قال أبو عمر (٢): هذا خَبَرٌ لم يروِه عن أبي إسحاق، عن ابن جُبَير، عن ابن عبَّاس، عن أُبَىّ بن كعب مرفوعًا. ورَوَى عِكْرِمَة وقَتَادَة؛ أنّ الّذي قَتَلَهُ الخَضِر كان قاطع طريق، وهذا خلاف ما يعرفه أهل اللُّغة في لَفْظِ الكلام؛ لأنّ الغُلامَ عندهم هو الصَّبِىّ الصّغير من خمس إلى سبع سنين، وعند بعضهم يسمَّى غلامًا وهو رضيعٌ إلى سَبْعِ سنينَ أيضًا، ثمّ يصير يافِعًا ويفاعًا إلى عشر سنين، ثمّ يصير حَزْوَرًا إلى خمس عشرة سنة. نكتةٌ ومزيد بيان (٣): قال جماعة من العلّماء: الفطرة هاهنا الإسلام، وهو معروفٌ عند علماء السَّلَفِ من أهل العلّم بالتّأويل. قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٤) يعني: الإسلام، ولما روي أنّ رسول الله ﷺ قال للنّاس يومًا: "ألَا أُحَدِّثكُم بما حَدَّثَنِي به الله في الكتاب: إنّ اللهَ خَلَقَ آدم وبَنِيهِ مُسْلِمِينَ " الحديث بطوله (٥). وقد وُصِفَتِ الحنيفيّةُ بالإِسلام. وقد قيل: الحَنِيفُ من كان على دِينِ إبراهيم، ثمّ سمِّي به من كان يتَحَنَّف (٦) ويحجّ البيت في الجاهليّة حَنِيفًا، والحنيفُ اليوم المسلم. وقيل: إنّما سُمَّيَ إبراهيم حنيفًا؛ لأنّه كان حنف عما كان يعبد أبوه وقومه من الآلهة إلى عبادة الله، أي: عدل عن ذلك ومالَ، وأصلُ الحنف: ميل إبهامي القَدَمَين. فالفطرةُ في كلام العرب: البدأةُ، فكأنّه قال: كلُّ مولودٍ وُلِدَ على الفطرة، وعلى ما ابْتَدَأَهُ اللهُ عليه من الشّقاوة والسَّعادةِ، وما يصِير إليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٧) قال: شَقِيٌّ وسعيدٌ (٨). وقال بعضهم: يُبْعَثُ المسلمُ مسلمًا والكافر كافرًا.

стр. 1574

وقال محمّد بن كعب (١): من ابتدأَ اللهُ خَلْقَهُ بالضَّلالةِ، صَيَّرَهُ إلى الضَّلالةِ وإنْ عَمِلَ بأعمال الهُدَى، ومن ابتدأَ اللهُ خَلْقَهُ على الهُدَى، صَيَّرَهُ اللهُ إلى الهُدَى وإن عملَ بعمل أهل الضَّلالةِ. كما ابتدأ خَلْقَ إبليس على الضلالة (٢)، وعملَ بعمل السُّعداء مع الملائكة، ثمّ ردَّهُ اللهُ إلى ما ابتدأَ عليه خَلْقه من الضّلالة، فقال فيه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٣). وابتدأ خَلْق السَّحرةِ على الهُدَى، وعملُوا بعمل أهل الضّلالة، ثمّ هداهم الله إلى الهدى والسعادة، وتوفّاهم عليها. تكملة (٤): اختلفَ العلّماءُ في الأطفال: فقالت طائفة: أولاد النّاسِ كلّهم المؤمنون والكافوون إذا ماتوا أطفالًا صغارًا لم يبلغُوا، هم في مشيئة اللهِ يصيِّرهم إلى ما شاءَ من رحمته، وذلك كلُّه عَدْلٌ منه، وهو أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ، وهذا قولُ جماعةٍ من نَقَلَةِ الخَبَرِ والأَثَرِ. وقال قوم: أطفالُ المسلمينَ في الجنَّةِ، وأطفالُ المشركينَ في النّار. وقيل: في المشيئة، وحُجَّتُهم حديث أبي هريرة. واحتجَّ من قال: إنّ أطفال الكفّار في النّار وأطفال المسلمين في الجنّة، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآية (٥). وقال آخرون: أطفال المسلمين والكافرين في الجَنَّة. وقال قوم: هم خُدَّامُ أهل. الجنّة، يعني أولاد المشركين خاصة، ويشهد له الحديث، قال رسول الله ﷺ : "النَّبِيُّ في الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ في الْجَنَّةِ، وَالْمَوْلُودُ في الْجَنّةِ" (٦). ومن حديث عائشة قالت: سَألَت خديجةُ النّبىَّ ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "هم مع آبائهم"، ثمّ سألته بعد ذلك فقال: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عَامِلِينَ"، ثم سألته بعد

стр. 1575

ذلك فنزلت الآية: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) فقال: "هُمْ على الفِطْرَةِ"، وقال: "هُمْ في الجَنَّةِ" (٢). ومن حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "سألتُ ربِّي عن اللّاهِينَ من ذُرِّية البَشَر ألَّا يعذبهم، فَأَعْطَانيهم" (٣). قال الإمام (٤): قيل للأطفال: اللّاهِينَ؛ لأنّ أعمالهم كاللَّهوِ واللَّعِب مع غير عقد ولا قَصْدِ (٥)، من قولهم: لهيت عن الشّيء، أي لم أعتمده، كقوله: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ الآية (٦). وقال قوم (٧): هم في الجنَّة. وقال آخرون: يُمْتَحَنُون في الآخرة، وتعلّقوا (٨) بحديث أَنَس وأبي سعيد الخُدْريّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ في الهالك في الفَتْرَةِ والمَعْتُوهِ والمولود، قال: "يقال لهم: ما أنتم؟ فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتابٌ ولا رسولٌ، ثمّ تَلَا، قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية (٩). ويقوله المعتوه: ياربّ، لم تجعل لي عَقْلًا أعقلُ به لا خيرَا ولا شرَّا. ويقول المولود: يا ربّ، لم أُدْرِك العقل والعملَ، قال: فَتُرْفَعُ لهم نارٌ، ويقال لهم: ردوها وادخلوها" (١٠)، قال: فيردها ويدخلها كلّ مَنْ كان في عِلْم الله سعيدًا، ويمسك عنها من كان في عِلْمِ الله شَقِيًّا لو أدرك العملَ" قال: "يقول الله : إيَايَ عَصَيْتُمْ، فكيف برُسُلِي لَوْ أَتَتكمْ" (١١).

стр. 1576

تتميم (١): قال الإمام: وهذه الآثار في هذا الباب ليست بالقويّة عند أهل التّحقيق من المحدَّثين (٢)، والّذي يصحّ في هذا الباب طريق النّظر لا طريق الأثر. حديث مَالِك (٣)، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتى يَمُرَّ الرَجُلُ بِقَبْر الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيتَنِي مَكَانَهُ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيح خرّجه الأيمَّة (٤). الأصول (٥): ظنّ بعض النَّاسِ أنَّ هذا الحديث معارِضٌ لنَهْيِهِ ﷺ عن تَمَنَّي الموت بقوله: "لا يتَمنَّينَ أَحَدُكُم الموتَ لضُرِّ نَزَلَ بِهِ" (٦) ولقول خَبّاب بن الأرتّ: لولا أنّ رسول الله ﷺ نهانا أنّ نَدْعُوَ بالموتِ لَدَعَوْتُ به (٧). وليس بينهما تعارضٌ، وذلك إنّما هو إخبار عن تَغَيُّر الزّمان لا غير. وفيه ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى (٨): قال علماؤنا (٩): في هذا الحديث إباحةُ تمنِّي الموت، وليس كما ظنَّ بعضهم، وإنّما أخبر أنّ ذلك سيكون لشِدَّةِ ما ينزلُ بالنَّاسِ من فساد الحال في الدَّين وضَعْفِهِ وخَوْفِ ذَهَابِهِ، لا لضُرِّ ينزلُ بالمؤمنِ في جِسمِهِ يحطُّ خطاياه.

стр. 1577

الفائدةُ الثّانية (١): رَوَى عليم الكنديّ، قال: كنتُ مع عبس الغفاريّ على سَطْحٍ له، فرَأَى قومًا يتحملّون (٢) من الطّاعون، فقال: يا طاعون، خذني إليك، ثلاثًا، فقال عُلَيم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله ﷺ "لا يتَمَنَّيْنَ أحدُكُم الموتَ، فإنّه عند انقطاع عَمَلِهِ، ولا يردّ فيستعتب". فقال: إنِّي سمعتُ رسول ﷺ يقول: "بَادِرُوا بالمَوْتِ قَبْلَ سِتٍّ: إمرةَ السُّفُهَاء، وكثرةَ الشّرطِ، وبيعَ الحكم، واستخفافَ الدّم، وقطيعةَ الرَّحم، ونشوًا يتَّخذونَ القرآن مزامير، يقدِّمون الرَّجُل ليُغَنِّيهم بالقرآن، وإن كان أقلّهم فِقْهًا" (٣). وفي قول النّبيِّ ﷺ : "اللهُمَّ إذا أردتَ بالنَّاسِ فتنةً فاقبِضْنِي إليك غير مَفْتُونٍ" وهذا ممّا يوضِّح لك المعنى في هذا الباب، وليس به حبّ الموت، ولكن من شدَّة ما يَرَى من البَلَاءِ. ومَرَّ عمر بن عبد العزيز بمجلس، فقال لأهله: ادْعُوا اللهَ لي بالمَوْتِ، قال: فدعوا له، فما مَرَّت عليه ثلاثة أيام حتَّى ماتَ (٤). حديث مَالِك (٥)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِىِّ، عَن مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: "مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ" قَالُوا: يَا رَسُول اللهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَمَا المُسْتَرَاحٌ مِنْهُ؟ قَالَ: "العَبْدُ الْمُؤْمِن يَسْتَرِيح مِن نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابًّ". الإسناد: قال الإمام: هذا الحديث يُسْنَدُ من طُرُقٍ كثيرةٍ (٦)، وليس في هذا الحديث شيءٌ

стр. 1578

يشكلُ ولا يحتاجُ إلى تفسيرِ (١)، غير أنَّه يطابقه قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (٢). نكتةٌ صوفية: قالوا: فسادُ البَرِّ: فسادُ الأجساد، وفسادُ البحر: فسادُ الفؤاد، وفسادُ البَدَنِ: حِرْمانُ الطّاعة، وفسادُ القلب: نسيان قيام السّاعة. ففسادُ القلب والبَدَنِ: الاشتغالُ بالدُّنيا وحبّ السُّمعة والرِّيَاء. وفسادُ البدن: سوءُ العمل. وفسادُ القلب: طول الأمل. حديث مَالِك (٣)، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَمُرَّ بِجَنَازَتهِ: "ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَيءٍ". الإسناد (٤): هكذا في "الموطّأ" مُرْسَلاَ مقطوعًا، لم يختلفوا في ذلك عن مالك، ويتّصل من وجوهٍ حِسَانِ صِحَاحٍ من حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة، قالت: لَمَّا مَاتَ عُثمَان بن مَظْعُون، كَشَفَ النَّبِيُّ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَبَكَى بُكَاءَ طَوِيلًا، فَلَمَّا رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ قَالَ: "طُوبَى لَكَ يَا عُثْمَانُ، لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا" (٥). ذِكْرُ الفوائد المنثورة في هذا الحديث: ستّ فوائد: الفائدةُ الأولى (٦): قوله ﷺ : "ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَيءٍ" ثناءٌ منه ﷺ على عثمان بن مَظْعُون وتَفْضيلٌ له، وكان واحد الفضلاء العُبَّاد الزّاهدين في الدُّنيا من أصحاب النّبيِّ ﷺ ،

стр. 1579

وقد كان هو وعلىّ هَمّا أنّ يترهَّبَا، ويَتْرُكَا النِّساءَ، ويقبلَا على العبادة، ويحرِّما طيب الطّعام على أنفسهما، فنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ (١) ذَكَرَ معمر وغيره عن قتادة؛ أنّه قال (٢): نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب- ﵁ وفي عثمان بن مظعون، وذلك أنّهما أرادا أنّ يَتَخَلَّيَا من الدُّنيا ويتْرُكَا النِّساءَ ويَتَرَهَّبَا. وذكر ابن جُرَيْج عن عِكرِمَة؛ أنّ عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون، وابن مسعود، والمقداد بن عمرو وسالمًا مَوْلَى أبي حُذَيْفَة، تَبَتَّلُوا وجلسوا في البيوت، واعتزلوا النِّساء، ولبسوا المُسُوح، وحرَّمُوا الطَّيِّبات من الأطعمة واللِّباس، وهَمُّوا بالخِصَاءِ وأَدْمَنُوا القيام باللَّيل والصِّيام بالنّهار، فنزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ (٣) يعني: الطَّعام واللِّباس. الفائدةُ الثّانية (٤): في هذا الحديث من الفقه: إباحة الثَّناءِ على المرءِ بما فيه من الأعمال الزّاكية. وفيه مدح الزُّهد في الدُّنيا والتَّقَلُّل منها، وفي ذلك ذمُّ الرَّغْبَةِ فيها والاستكثار منها. وسيأتي في كتاب الجامع كيفية الزُّهد والتَّزَهُّد، وما حقيقة الزُّهد والتَّزَهُّد فيه بأبدع بيان إنّ شاء الله. الفائدةُ الثّالثة: وفيه في الصحيحين: "البخاريّ" (٥) و"مسلم" (٦) من حديث أنس بن مالكٌ؛ أنّه مُرَّ بجنازةٍ فأَثنَوا خَيْرًا، فقال النّبيّ ﷺ : "وَجَبَت" قَالُوا: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ، أَنْتُم شُهَدَاءُ اللهِ في الأَرْضِ"، وَمُرَّ بِأُخرَى فَأَثنَوْا شَرًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ: "وَجَبَتْ" قَالُوا: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "النَّارُ، أَنْتُم شُهَدَاءُ شُهُودُ اللهِ في الأَرْضِ".

стр. 1580

الأصول: قول النّبيِّ ﷺ وَجَبَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ؛ يحتملُ أنّ يكونَ خَبَرًا عن حُكمِ أَعْلَمَهُ اللهُ فعَلِمَهُ. الفائدةُ الرّابعة: في هذا الحديث قَبُولُ الحكم بالظّاهر في الثنّاء على الخير البادي، والحكم بالظّاهر في الثّناء على الشَّرِّ البادي، والسّرائرُ إلى الله تعالى، وذلك تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (١). الفائدةُ الخامسة: قوله: "أنتم شُهَدَاءُ اللهِ" وشهداءُ اللهِ هم المؤمنون من هذه الأُمَّة، كما أخبرَ اللهُ عنهم. الفائدةُ السّادسة: روى أبو داود في "الصّحيح" (٢) عن ابن عبَّاس، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَا مِن مسلم يموتُ، فيقومُ على جنازته أربعونَ رَجُلًا لا يُشرِكونَ باللهِ شيئًا، إلَّا شُفِّعُوا فيه" وكلُّ شفيعٍ شَهيدٌ، وكلُّ شهيدٍ شفيعٌ، وقد وقع التّصريحُ في "الصّحيح" وههنا شهادة أربعة وهي غاية الشّهادات (٣) في الزّيادة، وأقلّها كما قال الّذي الحديث: "اثنَانِ وَلَمْ نّسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ" وهذا من كَرَمِ اللهِ تعالى علينا. حديث مالك (٤)، عن عَلْقَمَةَ، عن أُمِّه؛ أنّها قالت: سمعتُ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ ﷺ تقول: قام رسولُ الله ﷺ ذاتَ ليلةً فَلَبِسَ ثيابَهُ ثمَّ خرجَ، فأمَرْتُ جارِيَتي برِيرَةَ تتبعه، فتبِعَتهُ، حتّى جاءَ البقيعَ، فوقفَ في أدنَاهُ ما شاءَ اللهُ أنّ يقفَ، ثُمَّ انصرف، فسَبِقَتةُ بريوةُ فَأَخْبَرَتْنِي، فلم أَذْكُر له شيئًا حتَّى أصبحَ، ثمَّ قلتُ ذلك له، فقال: "إنِّي بُعِثْتُ لأهلِ البَقِيعِ لأُصَلِّي عليهم".
следующие страницы →