← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

تتميم (١): قال الإمام: وهذه الآثار في هذا الباب ليست بالقويّة عند أهل التّحقيق من المحدَّثين (٢)، والّذي يصحّ في هذا الباب طريق النّظر لا طريق الأثر. حديث مَالِك (٣)، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتى يَمُرَّ الرَجُلُ بِقَبْر الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيتَنِي مَكَانَهُ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيح خرّجه الأيمَّة (٤). الأصول (٥): ظنّ بعض النَّاسِ أنَّ هذا الحديث معارِضٌ لنَهْيِهِ ﷺ عن تَمَنَّي الموت بقوله: "لا يتَمنَّينَ أَحَدُكُم الموتَ لضُرِّ نَزَلَ بِهِ" (٦) ولقول خَبّاب بن الأرتّ: لولا أنّ رسول الله ﷺ نهانا أنّ نَدْعُوَ بالموتِ لَدَعَوْتُ به (٧). وليس بينهما تعارضٌ، وذلك إنّما هو إخبار عن تَغَيُّر الزّمان لا غير. وفيه ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى (٨): قال علماؤنا (٩): في هذا الحديث إباحةُ تمنِّي الموت، وليس كما ظنَّ بعضهم، وإنّما أخبر أنّ ذلك سيكون لشِدَّةِ ما ينزلُ بالنَّاسِ من فساد الحال في الدَّين وضَعْفِهِ وخَوْفِ ذَهَابِهِ، لا لضُرِّ ينزلُ بالمؤمنِ في جِسمِهِ يحطُّ خطاياه.

стр. 1577

الفائدةُ الثّانية (١): رَوَى عليم الكنديّ، قال: كنتُ مع عبس الغفاريّ على سَطْحٍ له، فرَأَى قومًا يتحملّون (٢) من الطّاعون، فقال: يا طاعون، خذني إليك، ثلاثًا، فقال عُلَيم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله ﷺ "لا يتَمَنَّيْنَ أحدُكُم الموتَ، فإنّه عند انقطاع عَمَلِهِ، ولا يردّ فيستعتب". فقال: إنِّي سمعتُ رسول ﷺ يقول: "بَادِرُوا بالمَوْتِ قَبْلَ سِتٍّ: إمرةَ السُّفُهَاء، وكثرةَ الشّرطِ، وبيعَ الحكم، واستخفافَ الدّم، وقطيعةَ الرَّحم، ونشوًا يتَّخذونَ القرآن مزامير، يقدِّمون الرَّجُل ليُغَنِّيهم بالقرآن، وإن كان أقلّهم فِقْهًا" (٣). وفي قول النّبيِّ ﷺ : "اللهُمَّ إذا أردتَ بالنَّاسِ فتنةً فاقبِضْنِي إليك غير مَفْتُونٍ" وهذا ممّا يوضِّح لك المعنى في هذا الباب، وليس به حبّ الموت، ولكن من شدَّة ما يَرَى من البَلَاءِ. ومَرَّ عمر بن عبد العزيز بمجلس، فقال لأهله: ادْعُوا اللهَ لي بالمَوْتِ، قال: فدعوا له، فما مَرَّت عليه ثلاثة أيام حتَّى ماتَ (٤). حديث مَالِك (٥)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِىِّ، عَن مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: "مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ" قَالُوا: يَا رَسُول اللهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَمَا المُسْتَرَاحٌ مِنْهُ؟ قَالَ: "العَبْدُ الْمُؤْمِن يَسْتَرِيح مِن نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابًّ". الإسناد: قال الإمام: هذا الحديث يُسْنَدُ من طُرُقٍ كثيرةٍ (٦)، وليس في هذا الحديث شيءٌ

стр. 1578

يشكلُ ولا يحتاجُ إلى تفسيرِ (١)، غير أنَّه يطابقه قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (٢). نكتةٌ صوفية: قالوا: فسادُ البَرِّ: فسادُ الأجساد، وفسادُ البحر: فسادُ الفؤاد، وفسادُ البَدَنِ: حِرْمانُ الطّاعة، وفسادُ القلب: نسيان قيام السّاعة. ففسادُ القلب والبَدَنِ: الاشتغالُ بالدُّنيا وحبّ السُّمعة والرِّيَاء. وفسادُ البدن: سوءُ العمل. وفسادُ القلب: طول الأمل. حديث مَالِك (٣)، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَمُرَّ بِجَنَازَتهِ: "ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَيءٍ". الإسناد (٤): هكذا في "الموطّأ" مُرْسَلاَ مقطوعًا، لم يختلفوا في ذلك عن مالك، ويتّصل من وجوهٍ حِسَانِ صِحَاحٍ من حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة، قالت: لَمَّا مَاتَ عُثمَان بن مَظْعُون، كَشَفَ النَّبِيُّ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَبَكَى بُكَاءَ طَوِيلًا، فَلَمَّا رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ قَالَ: "طُوبَى لَكَ يَا عُثْمَانُ، لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا" (٥). ذِكْرُ الفوائد المنثورة في هذا الحديث: ستّ فوائد: الفائدةُ الأولى (٦): قوله ﷺ : "ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَيءٍ" ثناءٌ منه ﷺ على عثمان بن مَظْعُون وتَفْضيلٌ له، وكان واحد الفضلاء العُبَّاد الزّاهدين في الدُّنيا من أصحاب النّبيِّ ﷺ ،

стр. 1579

وقد كان هو وعلىّ هَمّا أنّ يترهَّبَا، ويَتْرُكَا النِّساءَ، ويقبلَا على العبادة، ويحرِّما طيب الطّعام على أنفسهما، فنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ (١) ذَكَرَ معمر وغيره عن قتادة؛ أنّه قال (٢): نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب- ﵁ وفي عثمان بن مظعون، وذلك أنّهما أرادا أنّ يَتَخَلَّيَا من الدُّنيا ويتْرُكَا النِّساءَ ويَتَرَهَّبَا. وذكر ابن جُرَيْج عن عِكرِمَة؛ أنّ عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون، وابن مسعود، والمقداد بن عمرو وسالمًا مَوْلَى أبي حُذَيْفَة، تَبَتَّلُوا وجلسوا في البيوت، واعتزلوا النِّساء، ولبسوا المُسُوح، وحرَّمُوا الطَّيِّبات من الأطعمة واللِّباس، وهَمُّوا بالخِصَاءِ وأَدْمَنُوا القيام باللَّيل والصِّيام بالنّهار، فنزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ (٣) يعني: الطَّعام واللِّباس. الفائدةُ الثّانية (٤): في هذا الحديث من الفقه: إباحة الثَّناءِ على المرءِ بما فيه من الأعمال الزّاكية. وفيه مدح الزُّهد في الدُّنيا والتَّقَلُّل منها، وفي ذلك ذمُّ الرَّغْبَةِ فيها والاستكثار منها. وسيأتي في كتاب الجامع كيفية الزُّهد والتَّزَهُّد، وما حقيقة الزُّهد والتَّزَهُّد فيه بأبدع بيان إنّ شاء الله. الفائدةُ الثّالثة: وفيه في الصحيحين: "البخاريّ" (٥) و"مسلم" (٦) من حديث أنس بن مالكٌ؛ أنّه مُرَّ بجنازةٍ فأَثنَوا خَيْرًا، فقال النّبيّ ﷺ : "وَجَبَت" قَالُوا: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ، أَنْتُم شُهَدَاءُ اللهِ في الأَرْضِ"، وَمُرَّ بِأُخرَى فَأَثنَوْا شَرًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ: "وَجَبَتْ" قَالُوا: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "النَّارُ، أَنْتُم شُهَدَاءُ شُهُودُ اللهِ في الأَرْضِ".

стр. 1580

الأصول: قول النّبيِّ ﷺ وَجَبَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ؛ يحتملُ أنّ يكونَ خَبَرًا عن حُكمِ أَعْلَمَهُ اللهُ فعَلِمَهُ. الفائدةُ الرّابعة: في هذا الحديث قَبُولُ الحكم بالظّاهر في الثنّاء على الخير البادي، والحكم بالظّاهر في الثّناء على الشَّرِّ البادي، والسّرائرُ إلى الله تعالى، وذلك تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (١). الفائدةُ الخامسة: قوله: "أنتم شُهَدَاءُ اللهِ" وشهداءُ اللهِ هم المؤمنون من هذه الأُمَّة، كما أخبرَ اللهُ عنهم. الفائدةُ السّادسة: روى أبو داود في "الصّحيح" (٢) عن ابن عبَّاس، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَا مِن مسلم يموتُ، فيقومُ على جنازته أربعونَ رَجُلًا لا يُشرِكونَ باللهِ شيئًا، إلَّا شُفِّعُوا فيه" وكلُّ شفيعٍ شَهيدٌ، وكلُّ شهيدٍ شفيعٌ، وقد وقع التّصريحُ في "الصّحيح" وههنا شهادة أربعة وهي غاية الشّهادات (٣) في الزّيادة، وأقلّها كما قال الّذي الحديث: "اثنَانِ وَلَمْ نّسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ" وهذا من كَرَمِ اللهِ تعالى علينا. حديث مالك (٤)، عن عَلْقَمَةَ، عن أُمِّه؛ أنّها قالت: سمعتُ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ ﷺ تقول: قام رسولُ الله ﷺ ذاتَ ليلةً فَلَبِسَ ثيابَهُ ثمَّ خرجَ، فأمَرْتُ جارِيَتي برِيرَةَ تتبعه، فتبِعَتهُ، حتّى جاءَ البقيعَ، فوقفَ في أدنَاهُ ما شاءَ اللهُ أنّ يقفَ، ثُمَّ انصرف، فسَبِقَتةُ بريوةُ فَأَخْبَرَتْنِي، فلم أَذْكُر له شيئًا حتَّى أصبحَ، ثمَّ قلتُ ذلك له، فقال: "إنِّي بُعِثْتُ لأهلِ البَقِيعِ لأُصَلِّي عليهم".

стр. 1581

الإسناد: في "صحيح مسلم" (١) هذا الحديث على غير هذا اللَّفظ، والحديث صحيحٌ متَّفَقٌ عليه، خَرَجّه مسلم قال: حَدَّثَني من سمع حَجَّاجًا الأَعْوَرَ- واللّفظُ له- قال: حدّثنا حجاجُ بن* محمّد، حدّثنا ابن جُرَيْجٍ أخبرني عبد الله، عن محمّد بن قيس بن مَخرَمة * بن (٢) المُطَّلِب أنّه قال يومًا: ألاَ أحدِّثُكُم عنِّي وعن أمَّي قال: فَظَنَنَّا أنّه يريد أمَّه الّتي وَلَدَتْهُ، قال: قالت عائشة ألَّا أحدِّثكم عنِّي وعن رسول الله ﷺ ، قلنا: بَلَى، قال: قالت: لما كانت ليلتي الّتي هو عندي فيها رسولُ الله ﷺ ، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رداءَهُ وفراشه (٣) فاضْطَجَعَ، فلم يَلْبَث إلَّا رَيثَمَا ظَنَّ أَنِّي (٤) قد رَقَدْتُ، فأخذَ رداءَهُ رُوَيْدًا والنِّعال (٥) رُوَيدًا، وفتحَ البابَ فخرجَ، ثمّ إنِّي قمتُ رُوَيدًا وجعلتُ دِرْعِي في رأسي واخْتَمَرْتُ وتَقنَّعْتُ إزًارِي، ثُمَّ انطلقتُ على إِثْرِهِ، حتّى جاءَ البقيِعَ فقامَ، وأطال القيامَ، ثتمَ رفعَ يَدَيْه ثلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ انحرفَ فانحرفتُ، فأسرع فأسْرَعتُ، فهَرْوَلَ فهرولتُ، فَسَبَقْتُه فاضطَجَعْتُ، فدخلَ، فقال لي: "مَالَكِ يا عائشة؟ " قالت: قلت: لَا شَيءَ، قال: "لَتُخْبِرِيني أو لَيُخْبِرَنِّي اللَّطيفُ الخبيرُ" قالت: قلت: يا رسولَ الله، بِأبِي أنتَ وأُمَّي فَأَخْبَرْتُه، قال: "فأَنْتِ السَّوَادُ الّذي رأيتُ أمامِي؟ " قالت: نعم، فَلَهَدَني في صدري (٦) لَهْدَةً أَوْجَعَنِي، ثُمَّ قال: "أَظَنَنْتِ أنّ يَحِيفَ اللهُ عليكِ ورسولُه ﷺ " قالت: فقلت: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، قال: "نعم"، قال: "فإنَّ جبرِيلَ ﵇ أتَانِي حينَ رَأيْتِ فَنَادَانِي، فأَخفَاهُ منكِ، فَأَخْفَيتُهُ مِنْكِ ولم يكن يدخلُ عليك وقد وَضَعْتِ ثيابَكِ، وظَنَنْتُ أنَّكِ قد رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أنّ أُوقِظَكِ، وخَشِيتُ أنّ تَسْتَوْحِشِي، فقال: إنّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنّ تَأْتِيَ أَهَلَ البقيعِ فتستَغْفِر لهم" قالت: قلتُ: كيفَ أقولُ لهم يا وسولَ الله ﷺ ، قال: قُولي: السّلامُ على أهل الدِّيارِ من

стр. 1582

المؤمنينَ والمسلمينَ، ويَرْحَمُ اللهُ المُسْتقْدِمِينَ والمُسْتَأخِرِينَ منَّا، وإنّا إنْ شاءَ اللهُ بكم لاحِقُونَ. ومن حديث أبي مويهبة؛ "إنِّي قَدْ أُمِرْتُ أنّ أَسْتغْفِرَ لأَهْل البَقيعِ" فَاسْتَغْفر لهم، ثمّ انصرفَ، فأقبلَ عليَّ وقال: "يا أبا مويهبة، إنّ اللهَ قد خَيَّرَنِي بين مفاتيح خزائن الأرض والخُلْد فيها ثمّ الجنَّة، أو لقاء ربِّي، فاخترتُ لقاءَ ربِّي" فأصبحَ رسولُ الله ﷺ من تلك اللّيلة، فبدأَهُ وجعُه الّذي ماتَ فيه (١). ذكرُ الفوائد المنثورة: في هذا الحديث أربع فوائد: الفائدةُ الأولى (٢): فيه: فضل بريرة. وفيه: الاستخدامُ بالعتق، والاستخدام باللَّيل، وذلك عندي فيما خَفَّ، أو ما فيه طاعة الله تعالى ليجازيه على ذلك ويُكَافئه على استخدامه. الفائدةُ الثّانية (٣): فيه: ما كانوا عليه من مراعاة أحوال رسول الله ﷺ ليلًا ونهارًا. الفائدةُ الثّالثة (٤): قال علماؤنا (٥): قوله في الحديث: "لأَصَلِّيَ عَلَيْهِمْ " يحتمل أنّ تكون صلاتُه ههنا الدُّعاء. فإن كان ذلك، ففيه دليلٌ على أنّ زيارة القبور والدّعاء لأهلها أفضل وأَرْجَأ لِقَبُولِ الدّعاء. فكأنّه أُمِرَ أنّ يستغفرَ لهم ويَدْعُو بالرّحمة، كما قيل له ﷺ : ﴿وَاسْتَغْفِرُ

стр. 1583

لِذَنْبِكِ﴾ الآية (١)، فاسْتَغْفَرَ لهم ودَعَا، ولو شاء اللهُ لاستغفرَ لهم من مكانِهِ، ولكنَّ الله أراد أنّ يُبَيِّن الإتيانَ إليها، إلَّا للنّساء فإنَّ النَّهيَ فيه ثابتٌ صحيحٌ وثبت أنّ رسول الله ﷺ لعنَ زوَّارات القبور. وقال بعضهم: دخلن في عموم الرُّخْصة للرِّجالِ. وقد ثبتَ (٢) أنّ عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ تُوُفِّي في حُبْشِيّ (٣)، فَحُمِلَ إلى مكَّة فدُفِنَ بها، فلمّا قَدِمَتْ عائشةُ أتت (٤) قَبْرَ عبد الرّحمن، فقالت (٥): وكُنَّا كنَدْمَانَي جَذِيمَةِ حِقْبَةٍ ... مِنَ الدَهْرِ حتَّى قيل لن يتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقنَا كَأَنَّي ومَالِكا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِت لَيلَةً معا وزادَ الطَّرطُوشِيْ (٦): كأنّا خُلِقنَا للنَّوَى وكأَنَّما ... حرامٌ على الأيّام أنّ نجتمعا (٧) ثم قالت ﵂: لو حَضَرْتُكَ ما دُفِنْتَ إلَّا حيثُ مُتَّ، ولو شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ. وكان عبدُ الرّحمن قد مات في نومة كان نامها بحبشي، وحُمِلَ إلى مكّة، وهي (٨) على عشر أميال منها. وقال بعضهم: إنّما خرج إلى البقيع ليعمّهم بالدُّعاء؛ لأنّه ربّما دُفِنَ مَنْ لم يصلّ عليه كالمِسْكِينَة ونحوها (٩)، وهو كلامٌ خرجَ مخرجَ العُموم ومعناه الخُصوص، كأنّه قال: بعثتُ إلى أهل البقيع لأُصَلِّي على مَنْ لم أصلّ عليه من أصحابي، ليعمّهم بذلك، واللهُ أعلمُ. حديث مَالِك (١٠)، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: أَسْرِعُوا يِجَنَائِزِكُم، فَإِنَّمَا هُوَ

стр. 1584

خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيهِ، أَؤ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَن رِقَابِكُم. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (١): "هكذا رَوَى هذا الحديث جمهور رواة "الموطّأ" موقوفًا على أبي هريرة، ورواه الوليد بن مسلم، عن مالك، عن نافع، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ (٢)، ولم يتابع على ذلك عن مالك، ولكنّه مرفوعٌ من غير روايةِ مالك، من حديث نافع، عن أبي هريرة، من طُرُقٍ ثابتةٍ، وهو محفوظٌ من حديث الزُّهريّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة مرفوعًا" (٣). ذكر الفوائد المنثورة: في هذا الحديث ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى (٤): في هذا الحديث تَرْكُ التّرَاخِي وكراهية المُطَيْطَاءِ والتَّبَخْتُر، والتَّمَطِّي والزَّهْوِ في المشيِ مع الجنائز وغيرها، وعلى هذا جماعة الفقهاء، والعَجَلَةُ أحبُّ إليهم من الأبطاءِ. ويُكْرَهُ الإسراعُ الّذي يشقُّ على ضَعَفَةِ مَنْ يتبعها. الفائدةُ الثّانية (٥): قال قوم: في هذا الحديث: "أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ" أنّه أراد تعجيل الدّفن بعد استيقانِ الموت. ومن حجّة من ذهب إلى هذا التّأويل في (٦) حديث أبي هريرة هذا: حديثُ طَلْحَة بن البراء مَرِضَ (٧)، فأتاهُ النّبيِّ ﷺ يعودُه، فقال: "إِنِّي لأرَى طلحة إلَّا قد حَدَثَ به (٨) الموت، فاستعجلوا به، فإنّه لا ينبغي لجيفَةِ مُسْلِمٍ أنّ تُحْبَسَ بين ظهراني

стр. 1585

أَهْلِهِ" (١). وحديث عليّ بن أبي طالب؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال له: "يا عليّ ثلاثٌ لا تُؤَخِّرها: الصّلاةُ إذا أَتَتْ، والجنازةُ إذا حَضَرَتْ، والأَيِّمُ إذا وَجَدَتْ لها كُفْؤَا" (٢). الفائدةُ الثّالثة (٣): قوله: "فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيهِ، أَوْ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ" فيه ما يدلُّ على أنّ المراد به المشي لا الدّفن، هذا ظاهرُ الحديث، وكلُّ ما احتملَ المعنى فليس ببعيدٍ في التّأويل. وروى عن أبي بكرة؛ أنّه أسرعَ المشي في جنازة عثمان بن أبي العاصي وأَمَرَهُم بذلك، وقال (٤): لقد رأيتنا نَرْملُ مع النّبيِّ ﷺ رَمْلًا (٥). ورَوَى ابنُ مسعود؛ أنَّه قال: سألنا نَبيّنا محمّد ﷺ عن المشي مع الجنازة، فقال: "دُونَ الخَبَبِ، إنّ كان خَيْرًا يعجل إليه، وإن يكن غير ذلك فَبُعْدًا (٦) لأهل النّار" (٧). تمّ كتاب الجنائز والحمدُ لله

стр. 1586

المسالك في شرح مُوَطَّأ مالِكٌ للقاضى أبي بكر محمّد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّي سنة: ٥٤٣هـ) قراه وعلّق عليه محمّد بن الحسين السُّليماني عائشة بنت الحسين السُّليماني قدَّم له الشّيخ الإمام يوسف القَرَضَاوي رئيس الاتحاد العالمين لعلّماء المسلمين المجلد الرّابع دَار الغَرب الإسلامي

стр. 1587

دار الغرب الاسلامي جمع الحقوق محفوظة الطبعة الأولي ١٤٢٨ هـ -٢٠٠٧ م دار الغرب الإِسلامي ص: ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروساتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

стр. 1588

المسالك في شرح مُوَطَّأ مالِك للقاضي ابي بكر محمّد بن عبد الله العربيّ المعافريّ (المتوفَّي سنة: ٥٤٣هـ) المجلد الرّابع

стр. 1589

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الزكاة وفيه أبواب: الباب الأوّل ما تجِبُ فيه الزّكاة قال الإمام الحافظ: لا بدّ في صَدْرِ هذا الكتاب من ثلاث مقدِّماتٍ: المقدِّمةُ الأولى: في اشتقاق اسم الزكاة. المقدِّمةُ الثّانية: في سرد الآيات والآثار. المقدِّمةُ الثّالثة: في وُجوبِ الزَّكاة في جميع الأموال وعلى من تجبُ. قال (١) الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية (٣)، وقال تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤)، وقال ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الآية (٥)، والآيُ في القرآن كثيرةٌ.

стр. 1590

والزكاةُ من إحدى دعائم الإسلام، قرنَها النّبيُّ ﷺ بمَحْضِ الإيمان، وقرنها بالصَّلاةِ. وأمّا الأثرُ والنَّظَر، فإنّه ذَكَرَ مالك (١)، عن عبد الله بن دينارٍ؛ أنَّه قال: سمعتُ عبد الله بن عمر يسأل عن الكَنْزِ ما هو؟ فقال: هو المالُ الّذي تُؤَدَّى زكَاتُه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ...﴾ الآية، إلى قوله ﴿تَكْنِزُونَ﴾ (٢). وقال علماؤنا (٣): إنَّ الضَّميرَ الّذي في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ عائدٌ على الزَّكاةِ، وإِنْ كان لم يتقدَّم لها ذِكْرٌ؛ لأنّها المراد بالاتِّفاق. وقيل: إنّه يعودُ على الفِضَّة، والذَّهَبُ داخلٌ فيها بالمعنى. وقيل: إنّه لَمَّا كان المعنى في الذَّهب والفِضَّة سواء (٤)، جازَ أنّ يرجِعَ الضَّمير إليهما جميعًا بلفظٍ يعودُ على الكَنْزِ، والمرادُ بذلك الزَّكاة الواجبة فيهما. الآثار الواردة في مانع الزّكاة ثلاثة أحاديث: الحديثُ الأوَّل: حديث سُلَيْم بن عامر، قال: سمعت أبا أُمامة يقولُ (٥): سمعتُ رسول الله ﷺ يَخْطُبُ في حَجَّة الوداع، فقال: "اتَّقُوا ربَّكم، وصَلُّوا خَمْسَكُم، وصومُوا شهرَكُم، وأَدُّوا زكاةَ أموالِكم، وأطيعوا أمراءَكُم، تدخلُوا جنَّة رَبِّكُم". إسناده حسنٌ صحيحٌ، خَرَّجَه التّرمذي (٦). الحديث الثّاني: حديث المَعْرورِ بن سُوَيْد، عن أبي ذرّ، قال: جئتُ إلى النّبىِّ ﷺ وهو جالسٌ في ظلِّ الكعبةِ، قال: فرآني مُقْبِلًا فقال: "همُ الأَخْسَرونَ ورَبِّ الكعبةِ"، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "الأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا ألَّا مَنْ قالَ: هكذا هكذا" (٧).

стр. 1591

إسناده (١): اتَّفَقَ أبو ذرّ (٢) وأبو هريرة على هذا الحديث ولفظه. وظنَّ قومٌ أنّ هذا الحديث لأبي ذرّ قبلَ الهجرة، ولم تكن قبل الهجرة زكاة، فيكونُ فيها هذا الشّأن، ولا هذا الوعيد، ولا بَقِيَ أبو ذرّ مع النّبيّ ﷺ إلى تفاصيل هذه الأحوال، وإنّما كان بينهما هذا في إحدى دخلاته إلى مكَّة من فَتْحٍ أو عمرة أو حَجَّةٍ. الحديث الثّالث: وقع في: "صحيح مسلم" (٣) و"البخاريّ" (٤) عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "ما مِنْ صاحبِ مالٍ لا يؤدِّي زكاةَ مَالِهِ، إلَّا جُعِلَ له يوم القيامة صفائح من نار، فَيُكوَى بها جَبْهَتُه وجَنْبَاهُ وظَهْرُهُ في كلِّ يومٍ كان مقدارُه خمسينَ ألفَ سَنَةٍ، حتَّى يقضي الله بينَ النَّاسِ، ثمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إمّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار، وإن كانت إبلٌ بُطِحَ لها بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، فجاءت أَوْفَر ما كانت، تَطَؤُهُ بأخفافِهَا وَتَعَضّهُ بأَفْواهها، كلّما مَرَّت عليه أخْرَاها رُدَّتْ عليه أولاها، حتّى يقضي اللهُ بين عِبَادِهِ، ثُمَّ يَرَى سبِيلَهُ إمَّا إلى الجنَّة وإمّا إلى النّار. وإن كانت غَنَمٌ أَمْ بَقَرٌ فمثل ذلك، إلَّا أنّه قال: "تنَطَحُهُ بِقُرُونهَا وتَطَؤُهُ بأَظْلاَفِهَا". شرح الحديث الأوّل: قوله: "هُمُ الأخْسَرُونَ " فيه وجهان (٥): ١ - الأوّل: خسروا أموالهم. ٢ - أو خسروا ثواب زكاتهم. ولا يقال: إنّهم خسروا أنفسهم ولا أعمالهم، فإن الّذين خسروا أنفسهم هم الذين كذبوا بمايات الله، واتذين خسروا أعمالهم هم الّذين كفروا بآيات الله ربهم ولقائه. وأمّا هذا الّذي منع زكاة بَقَرِهِ أو ماله (٦)، فإنّه يكون في عذابٍ، إلّا أنّ

стр. 1592

يعفو (١) الله عنه، حتّى يُقْضَى بين النّاس ثمّ يَرَى سبيلَه ... الحديث. الفائدةُ الثّانية (٢): قوله: "الأكْثَرُون أَمْوَالًا" يعني الّذي كَثُرَ مالُه وولَدُه، وليس لعدّة (٣) كثرة المال ذَنْبٌ، ولكنّها موجبةٌ حقًّا وحقوقًا؛ لأنّه ربّما قَصَّرَ صاحبها في الأغلب عن القيام بها، فاَوْبَقَهُ ذلك، ولو كان معدودًا في الذُّنوب والمكروهات، لما قال النّبيّ ﷺ لأمّ سُلَيْم حين قالت له: خُوَيْدِمُكَ أنس ادْعُ اللهَ له، فقال: "اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده" (٤). وقيل: "الأكثرون أموالًا" هم أصحاب العشرة آلاف فصاعدًا. الفائدةُ الثّالثة (٥): قوله: "إلَّا من قالَ: هكذا وهكذا ثلاثًا" يعني بين يَدَيْه وعن يمينه وشماله، يريد فوق زكاة ماله (٦) لمن يستقبله ولمن أعرض عنه (٧)، حتّى يسلم من كيّ الجهة (٨) حسب ما نفذ له (٩) الوعيد في القرآن، فإذا أنفذَ الزّكاة بالعَطَاءِ، فقد سَلِمَ من خسارة المال. وإذا اقتصر على الزَّكاة وحَبَسَ الباقي كان من الأخسرين، ولكن من وجهِ آخرَ، وذلك من جهة أنّ الله أعطاهُ ما لا يُدْخِله الجنَّة، فآثر به غيره بأنْ حَبَسَهُ عليه (١٠)، فيكون عليه حسابه كلّه وله في الثّواب بعضه. الفائدةُ الرّابعة (١١): قوله في الإبل: "إلَّا جاءَتْ يوم القيامة أعظم ما كانت وأَسْمَنُهُ" بيانٌ أنّ (١٢) الله يُعِيدُ الخلائق كلّها من الآدميّين وبهائم ونَعَمٍ، والجملة الكريمة من الملائكة بعد فنَاءِ

стр. 1593

الخَلْقِ والجميع، ثمّ يقعُ الفَصْل والقَضَاء، وإذا أعاد الحيوان عادَ بالجملة أكثر ما كان، ليقع الثواب للأجزاء كلها لَمَّا (١) أطاعت، والعذاب للأخرى لَمَّا عصت. وإن كان قد اختلفَ العلّماء في إعادَةِ البهائم؟ فقال الشّيخ أبو الحسن: لا إعادةَ عليها؛ لأنّها ليست بمُكَلَّفَةٍ وإنّما حشرُها مَوْتُها، وهذه وَهلةٌ منه لا مردَّ لها، وسيأتي بيانُه في كتاب الحدود والدّماء إنّ شاء الله. المقدِّمةُ الثّانية في معاني اشتقاق اسم الزّكاة قال علماؤنا: الزَّكاةُ في العربية والشَّرع عبارة عن النّماء والطّهارة، وكذلك نموّ الأعمال والأمو الّذي الثّواب، وطهارتهما تطهّر أوساخ النّاس، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ الآية (٢)، وقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية (٣). وهي (٤) مأخوذة من النَّمَّاءِ، يقال: زكا الزّرع، والزكاة اسمٌ منه، فلمّا وجبت في المال (٥) سُمِّيت زكاة. ولها اسمان: الزّكاة والصَّدقة. أمّا الزكاة، فلأن المال الّذي خرجت عنه ينمَّى لِمُزَكَّيه. وقيل: لأنّ صاحبها ينمى (٦) عند المسلمين في الخير، وعند الولاة في الشَّهادة والإمامة، ومنه قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٧) قاله ابن عَرَفَة النحويّ. وأمّا الصَّدَقَة، فلم يتعرّض لها صنف الفقهاء منهم، والّذي عندي في ذلك: أنّ الزَّكّاة اسمٌ مشتركٌ يقال عن (٨) النّماء والطّهارة بمعنيين مختلفين: فأمّا النّماء فأمثاله (٩)

стр. 1594

كثيرة. وأمّا الطّهارة فقدله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (١) يعني طاهرة لم تكسب الذنّوب. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٢) يريد تَطَهَّرَ، والطّهارة أقعد بها من النَّمَاءِ، وإن كانا جميعًا فيها (٣) لتمكّن المعنى بينهما لُغَة، ولقَصْدِ (٤) الحديث لها نَصًّا، قال النبيُّ ﷺ : في صَدَقَةِ الفطر من حديث ابن عبّاس إلى قوله فيها: "طُهْرَةٌ لِصِيَامِكُم من اللَّغْوِ والرَّفَثِ " خرّجه أبو داود (٥). والصَّدَقَةُ طُهْرَة للمالِ، فالصَّدَقَةُ اسمٌ للزّكاة ولكلِّ ما أُعْطِي خشيةً لله تعالى. واشتقاقُها من الصِّدق، وأصلُه استواء القول ظاهرًا وباطنًا، لسانًا وجنانًا، أوَّلًا وآخِرًا، حتّى استعمل في المواضع، قال الله تعالى: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (٦) وقالت العرب: رمح صَدَق، وقالوا: أخَ صِدْقٍ، وذلك لعموم الاستواء والحُسْنِ في جميع ذلك (٧) من الوجوه الّتي بيَّنَّاها. وقالوا في مبالغة الفعل للفاعل فيه: صدِّيق، فإذا دفع الزَّكاة فقد صدق في اعتقاده بما ظهر من فِعْلِهِ، وقد ظهرَ الصَّدق في وفاءِ الله بعَهْدِهِ، على ما يأتي بَيَانُه، وإن أفاضَ المال في سبيل الخير فقد زاد صِدْقه في دِيِنه. حكمةٌ وحقيقةٌ وتوحيدٌ (٨): وذلك أنّ الله -وله الحمد- أنعمَ على العبد نعمتين: نعمة في البَدَنِ، وجعلَ شكرَها العبادات البَدَنِيَّة كالصوم والصّلاة. وأنعم أيضًا بنعمةِ المال، وجعلَ شكرها أداء الزّكاة، فإذا قامَ العبدُ بالعبادات البَدَنِيَّة فقد أدَّى نعمةَ اللهِ فيها، وإذا أدّى الصَّدَقَة، فقد أدَّى نعمةَ الله عليه في المال، فصارت قسمين: زكاة أموال، وزكاة أبدان. وأمّا التّوحيد والحكمة، فإن الله بفضله ضمنَ الرِّزْقَ لعباده فقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٩) ثم خَلقَ الرِّزقَ والقُوتَ في الأرض، فخصَّ بإرادته

стр. 1595

وقُدْرَتِهِ تملكةَ (١) بعض من ضمن له الرِّزق من خَلْقِهِ، ثُمَّ أوْعَزَ إلى الغنىّ الّذي خَصَّهُ بمُلْكِهِ أنّ يُعطي الفقيرَ قَدْرًا معلومًا من قُوتِهِ، تحقيقًا لما ضمن ووفاءً بعهده، وتوكيلًا منه إلى الغَنِيِّ في أداءِ ما وجبَ عليه بفَضْلِهِ من ضمانه للفقير من رزقه، حتّى يشترك الأغنياء والفقراء في جنس الأعيان المملوكة، فتكون غنمٌ بغنمٍ، وبقرٌ ببقرٍ، وإبلٌ بإبلٍ، وذهبٌ بذهبٍ، ووَرِقٌ بِوَرِقٍ، وحَبٌّ بحَبٍّ، وتمرٌ بتمرٍ، فيعمُّ الاختصاص، ويحقَّق الاشتراك، وينجزُ الوفاء بالعهدِ. وأمّا الحقيقة، فقد اختلف العلّماء في تعيينها فقال قومٌ: هي جزءٌ من المال مُقَدَّر مُعيَّن، وبه قال مالكٌ والشّافعيّ. وقال قوم: هي جزء من المال غير معيَّن. وحكمتها: شُكْرُ نعمة الله في المال، كما أنَّ حِكْمَةَ الصَّلاة شكر نعمة البَدَن، وأكثر العلّماء أنّها جزءٌ من المال معيَّنٍ مُقَدَّرٍ. المقدِّمة الثّالثة (٢) في وجوبِ الزكاة في جميع الأموال، وعلى من تجب، وشروطها لمن وجبت عليه ولا خلافَ في وُجُوبِهَا، فلا معنى للإطناب فيه وجَلْبِ الآثار فيه (٣). وهي تجب بستَّةِ شروط. الحرية. والملك. والإِسلام. وكونه نصابًا. ومضى حول عليه.

стр. 1596

ومجيء السَّاعِي في الماشية، ولا يشترط في المعدِن. قال علماؤنا: وليس من شرطها الإسلام؛ لأنّه ليس في مذهب مالكٌ خلافٌ أنّ الكُفَّارَ مخاطَبُونَ بفروع الشَرِّيعةِ (١)، وليس من شَرْطِها البُلوغ والعقل؛ لأنّه لا خلافَ بين المالكيّة أنّها تجب على الصَّبِيِّ والمجنون. وأمّا الحريّة، فأجمعتِ الأُمَّةُ عليها، حتّى نشأَ بعض المبتدعة (٢)، فقال: إنّ العبدَ تجبُ عليه الزكّاة. قلنا: وإن كان العبدُ عندنا يملكُ، فإنّه ليس بملكٍ مُسْتَقِرٍّ، فإنَّ لسَيِّدِهِ بَيْعه إنّ شاءَ في كلِّ يومٍ، فلم تثبت له قَدَمٌ في الاستقرارِ، فكيف أنّ يمرّ عليه الحول؟ فإن قيل: كما لم يثبت له قَدَمٌ في الاستقرار، ويطأ جواريه عندكم، كذلك يؤدّي الزكاةَ، فإنّ إباحة الفَرْجِ أعظم. الجواب إنا نقول: قِفْ، ليس هذا من كلامك المخالف لنا، ليس هو (٣) من أهل القياس، فلا يمكنه (٤) أنّ يَدخل معكم فَيُشَغِّب عليكم، وارجعوا معه (٥) إلى الأصل فيه. وأمّا المكاتَبُ، فإنّه مستغرق المال بحقِّ (٦) السَّيِّد من الكتَابَةِ، ولهذا قلنا: إنّ المديان يقَدْرِ النِّصاب لا زكاةَ عليه. وأمّا الحول ومجيء السّاعي، فأصلُ ذلك: بعث النّبيِّ ﷺ المصدّقين على رأس العام، وجعل العلّماء التَّقدِير على الماشية بالنَّظَرِ، وذلك أنّه مالٌ يُعْتبَرُ فيه النِّصاب فاعتبر فيه الحَوْل، وليس فيه أَثَرٌ يُلْتَفَتُ إليه، فلا تشغلوا به بالًا.

стр. 1597

والزَّكاةُ مختصَّةٌ بالأموال النّامية الّتي هي معرضة (١) لذلك من النّماء، وهي ثلاثة أنواع: العين، وتشملُ الذَّهب والفِضّة. والحَرْثُ، ويشمل الحبّ والتَّمْر. والماشية، وهي عبارة عن ثلاثة أنواع: الإبِل، والبقر، والغَنَم. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢) إنّ قلنا: إنّ المراد به الطّهارة، فهو مُجْمَلٌ، وإن قلنا: إنّ المراد به النّماء؛ فهو عامٌّ في كلِّ نماءٍ ونامي يُوجِبُ بظاهر عُمُومِهِ إيتاءَ النَّمَاءِ من كلِّ مالٍ نامٍ، إلَّا أنَّ النّبيَّ صلّى الله عليه خصَّصَ العُمومَ فقال: "ليس فيما دون خَمْسِ ذوْدٍ صدَقَةٌ ... " الحديث (٣) وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "لّيْسَ على المسلمِ في فَرَسِهِ ولا في عَندِهِ صدَقَةٌ" رواه الأيمة (٤)، زاد مسلم (٥): "إلّا صدقة الفطر"، وروي عن عليّ معناه؛ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ "عفوتُ لكم عن صَدَقةِ الخَيْلِ والرَّقيقِ، فأّدّوا (٦) عن صدَقَةِ الرِّقَةِ: من كلِّ أربعينَ دِرهَمًا" خرجه التّرمذي (٧). واجتمعت الأيِمَّةُ على أنّ الذَّهَبَ داخلٌ في قوله (٨): "خمس أَوَاقٍ". وأمّا النِّصاب، فلا خلافَ فيه، فأمّا نصاب الماشية فتقرّر بالنّصِّ، وأمّا نصاب الوَرِقِ فمثله، وأمّا نصاب الذَّهَب فتقرَّرَ بإجماعِ الصَّحابة على حمل أحد النِّصابين على الآخر، والجامع بينهما؛ أنّ قيمة الدَّنّانير في عهد النّبيِّ ﷺ والصَّحابة عشرة

стр. 1598

دراهم، حتَّى جاء الحسن البصري فقال: إنّ النِّصاب في الذَّهب أربعون دينارًا، وهي دَعْوَى لا حُجَّةَ فيها، ولا تليقُ بمَنْصِبِه في العِلْم، فإنّ قائلًا لو قال الّذي المعارضة: بل نصاب الزَّكَاةِ ثلاثون دينارًا، لما انْفَكَّ عن ذلك، فإذا ثبت هذا، فإنَّ النّبيَّ ﷺ علّق الزَّكاةَ في العَيْنِ بالوَزْنِ، فإنِ اتَّفقَ النّاس على عددها، فهل تتعلّق الزكاة بذلك ولا يعتبر الوزن أم لا؟ (١). قلنا: لابدّ من الوزن، وبه قال عامة الفقهاء، وقال مالكٌ: يعتبر العدد ويسقط الوزْن، إلَّا أنّ يكون النُّقصان يسيرًا، كالحبَّة في الدِّينار أو الحبَّتَيْن. وقال في "كتاب محمّد" أو الثّلاثة، وهذا ينبني على أصلٍ، وهو أنّ القياس والمصلحة هل يقدَّمَان على العموم أم لا؟ مذهب مالكٌ ﵀ على أنّهما يقدَّمان على العُمومِ، وكذلك قالت عامّة الفقهاء. واختلفَ العلّماءُ في المَعْدِنِ، هل يعتبر فيه النِّصاب أم لا؟ وهل تُؤْخَذُ أيضًا منه الزّكاة؟ والصحيح أنّه يعتبر فيه النِّصاب؛ لأنّه ذهبٌ داخلٌ في العموم للحديث، ولا يعتبرُ فيه الحَوْل؛ لأنّه ينمو بنفسه فصار بمنزلة الحَرْث والثّمر (٢)، واللهُ أعلم. تمَّت المقدِّمات والحمدُ لله

стр. 1599

ذِكرُ البابِ الأوّل قال (١) فيه: "بابُ ما تَجِبُ فيه الزَّكاة". مالك (٢)، عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِّي، عن أَبِيهِ، أنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سعيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيسَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". والحديث الثّاني (٣) مثله وأَبْيَن منه. التّرجمة: قال القاضي أبو الوليد (٤): "لفظ التّرجمة يحتمل معنيين: أحدهما: أنّه أراد أنّ يبيّنَ مقدارَ ما تجبُ فيه الزّكاة. والثّاني: أنّ يبيّن جِنْسَ ما تجبُ فيه الزَّكاة. وقد قصد به مالك الأمرين جميعًا، فأدخل حديث أبي سعيدٍ فبَيَّنَ فيه نِصَابَ الزّكاة، وأدخل حديث عمر بن عبد العزيز وبيَّنَ فيه جِنْس ما تجب فيه الزّكاة، والزَّكاةُ في كلام العرب النّماء" كما قدَّمناهُ. فإن قيل (٥): وكيف يستقيم هذا الاشتقاق ومعلوم انتقاص المال بالإنفاق؟ قيل (٦): وإن كان نَقْصًا في الحال، فقد يفيدُ النّموّ في المآل ويزيد في صلاح الأموال.

стр. 1600

الإسناد: قال أبو عمر (١) - هذا حديثٌ صحيح متَّفَقٌ على صِحَّتِهِ (٢)، ومثله خرَّجَهُ الأيمّة (٣): "وهو أصحّ من حديث محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي صعصعة؛ لأنّه معلولٌ لا يصحّ عنه، عن أبيه، عن أبي سعيد، وإنّما هو يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد. وقال بعض أهل العلّم (٤): إنّ هذه السُّنِّة الثابتة من رواية أبي سعيدِ الخُدْرِيّ دون سائر الصّحابة. والّذي ذكر مالك هو الأغلب المعروف؛ لأنّها تُوجَدُ من رواية سهيل بن أبي صط لح، عن أبي هريرة. ومن رواية محمّد بن مسلم الطائفي (٥)، عن عمرو بن دينار عن جابر كلاهما عن النبيّ ﵇. صحيح الفقه والفوائد: وهي سبع مسائل: المسألة الأولى (٦): قد بيَّنَّا أنّ منها الزكاة، ومنها الصّدقة، ومنها الحقّ، والنّفقة، والعَفْو. فالزّكاة، من قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٧). والصَّدقة، من قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية (٨). والحقّ، من قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٩). والنّفقة، من قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١٠).

стр. 1601

والعفو، من قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (١). وهذه الألفاظ واقعةٌ على الزّكاة من جهة اللُّغة، وتنطلق على معانٍ في الشَّرْعِ. المسألة الثّانية: قوله: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ" قال علماؤنا: الذَّوْدُ يقع على الثّلاثة والأربعة والخمسة إلى التِّسعة. وقال ابن حبيب (٢): "الذّود من الإبل الثّلاثة إلى التِّسعة. ولا يتبعض الذَّوْدُ، ولا يكون له واحدٌ، كما لا يتبعض النَّفَر من الرَّجال، ألَّا ترى أنّه ليس للنَّفَر واحدٌ، والنَّفَرُ من الثّلاثة إلى الِتَّسعة، ثمّ من التّسعة إلى العشرة رهطٌ، وما فوق العشرة إلى الأربعين عصبة، وما فوق الأربعين أُمَّة". وقال أبو عُبَيْد في "غَرِيبَيْه" (٣): "الذَّوْدُ هو ما بين الاثنين إلى التِّسع من الإناث دون الذّكور". وقال غيره (٤): قد يكون الذّود واحد لقوله: "ليس فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ، من الإبلِ صدقةٌ"، كأنّه قال: ليس فيما دون خمس من الإبل صدقةٌ. الاشتقاق: قال علماؤنا: إنّما اشتقّ ذود لأنّه يذاد، أي يساق، ومنه الحديث: "فَلْيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي" (٥) يريد فليدفعن. وقال عيسى بن دينار (٦): الذود الجمل الواحد، وقول عيسى أَوْلَى بظاهر قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسِ ذَوْدٍ صدقةٌ" يريد: ليس فيما دون خمسٍ من الإِبلِ صدقة. وقال علماؤنا: وإنّما جاز هذا لأنّه يُسَمَّى الجملُ باسْمِ المصدر، وكذلك الجمع منه، كأنّه قال: ليس فيما دون خمسِ جمالٍ. وقيل (٧): الذَّوْدُ واحدٌ، ومنه قيل: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إِبلٌ. وقد قيل: إنّ الذَّوْدَ القطعة من الإبِلِ ما بين الثّلاث إلى العشر.

стр. 1602

قال الإمام (١): والأوّل أكثر وأشهر عند أهل اللُّغة، قال الحُطَيْئَة (٢): ونَحْنُ ثَلاَثَةٌ وثَلاَثُ ذَوْدٍ ... وَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عيالي أي مالَ عليهم. والأكثرُ عند أهل اللُّغة أنّ الذَّوْدَ من الثلاثة إلى العشرة. قال أبو حاتم (٣): وتركوا القياس في الجمع فقالوا: ثلاث ذَوْدٍ لثلاث من الإبل، ولأربع ذَوْدٍ وعشر ذَوْد، كما قالوا: ثلاث مئة وأربع مئة على غير القياس، والقياسُ: ثلاث مئين ومئات، ولا يكاد يقولون ذلك. تنبيه على وهم (٤): قال ابن قُيَيْبَة: ذهب قومٌ إلى أنّ الذَّوْدَ واحدٌ، وذهب آخرون إلى أنَّ الذَّوْدَ جمعٌ. واختار ابنُ قُتَيْبة قول من قال: إنّه جمع، واحتجَّ له بأنّه لا يقالُ: خمس ذَوْد، كما لا يقال: خمس ثوب. قال الشّيخ أبو عمر (٥): "ليس قوله -أعني ابن قُتَيْبة - بشيءٍ؛ لأنّه لا يقالُ: خمس ثوب ولا خمس ذود، وقد كان بعض الأشياخ لا يرويه إلَّا خمس ذَوْدٍ على التّنوين لا على الإضافة، وعلى هذا يصحُّ ما قاله أهل اللُّغة". المسألة الثّالثة (٦): قوله: "صَدَقَة" قال علماؤنا (٧): الصَّدقةُ المذكورة في حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ وغيره في هذا الباب، هي الزّكاة المعروفة، وهي الصَّدَقَة المفروضة، سمّاها اللهُ صَدَقَة، وسماها زَكَاة، فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية (٨)، وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية (٩)،

стр. 1603

يعني الزّكاة، وهذا ما لا تنَازُعُ فيه، والحمدُ لله. وقد قال أبو حنيفة: المراد بقوله ﷺ : "ليس على المسلم في عَبْدِهِ ولا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١) المراد به ما يقتنيه وما لا يتَّجِر فيه. المسألة الرّابعة (٢): قال علماؤنا (٣): في هذا الحديث دليلٌ على أنّ ما كان دون خمس من الإبل لا زكاةَ فيه، وهذا إجماع من العلّماء. فأفادنا قوله: "لَيْسَ فيمَا دُونَ خَمسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ" فائدتين. إحداهما: إيجاب الزَّكاةِ في الخَمْسِ فما فوقها. ونفي الزكاة عما دُونَها. ولا خلاف في ذلك، فهذا بلغت خمسًا ففيها شاةٌ، واسمُ الشَّاةِ يقعُ على واحدة من الغَنَم، والغَنَمُ: الضَّأنُ والمعزُ، وهذا أيضًا اجماعٌ من العلّماء أنّه ليس في خمسٍ من الإبِلِ إلَّا شاة واحدة، وهي فريضَتُها إلى تسعٍ (٤)، فإذا بلغتِ الإبلُ عشرًا ففيها شاتان، وسيأتي القولُ عليها في زكاة الإبِلِ مبسوطًا في "باب صَدَقَةِ الماشية". المسألة الخامسة (٥): قوله ﵇:"لَيْسَ فيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ". قال الإمام: وهذا أيضًا إجماع من العلّماء وفيه معنيان: أحدهما: نفي الزّكاة عما دون خمس أَوَاقٍ. الثّاني: إيجابُها في ذلك المقدار، وفيما زاد عليه بحسابه (٦)، هذا ما يُوجِبُه الظّاهر من النَّصِّ (٧).

стр. 1604

العربية (١): قال الهروي (٢) في قوله: ﴿أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ (٣) وإنّ الوَرِقَ والرِّقة الدّراهم خاصّة، والرِّقة هي الفِضَّة. وقال: إنّما المراد به الدراهم، فإذا كانت تبرًا فهي وَرِقٌ. وأمّا الأواقي فهي بتَشْدِيدِ الياء وتخفيفها، قال ابن السِّكِّيت (٤): وعنده الأُوقِيّة بضم الهمزة وتشديد الياء وجمعها أواقيّ وأواقٍ. وقال الخطابي (٥): الرِّقة بتخفيف القاف، ومنه الحديث: "في الرِّقة ربع العشر" (٦)، وفي حديث علىّ؛ أنَّه قال: "عفوتُ لكم عن صدقة الخَيْلِ والرّقيق، فهاتوا صدقة الرِّقة" (٧). وقال أبو بكر: جمعها رقات ورقوق. المسألة السّادسة (٨): في الأوزان الأُوقِية أربعون دِرْهَمًا كيلًا، لا خلافَ في ذلك، والأصلُ في الأُوقِية ما ذَكَرَهُ أبو عُبَيْد (٩) قال: الأُوقِية مبلغها أربعون دِرْهَمًا كيلًا، والقرش نصف الأُوقِية وفيه عشرون درهمًا، والنّواة وزنها خمسة دراهم كيلًا. قال الإمام (١٠): وما حكاه أبو عُبَيْد من ذلك هو قول جمهور العلّماء، العارضة فيه أنّ يقال: الوَسْقُ، الصّاعُ، الرِّطلُ، الأُوقية، الدِّرهم، وألفاظها كثيرة،

стр. 1605

ومقاديرها (١) مختلفة فيها، ويعيّنها العلّماء، والّذي يكشف الغطاء فيه؛ أنّ تعلم أنّ الله تعالى استأثر رسوله بجميع العلّوم، فلما مات غيّرت الشّرائع (٢) شيئًا بعد شيءٍ، من الأذان إلى الصّلاة إلى آخر رِزْمَةِ الشّرائع (٣)، حتّى انتهى التغيير إلى الكَيْل، فغَيَّرَهُ هشام والحجّاج، فغلبَ المُدُّ الهاشميّ والحجّاجيّ على مُدِّ الإسلام، وغيرت الدّراهم والدّنانير واختلط ضربها، ودخل عليها من الزِّيادة والنُّقصان واضطرابِ الأقوال، ما لو سمعتموه لعلّمتُم (٤) أنّها لا تتحصّل أَبَدًا، والّذي يتنخَّلُ منها؛ أنّ المِثْقَالَ: أربعة وعشرون قيراطًا. والقيراط: ثلاث حبّات في لسان العرب. والدِّرهم: نصفه، وهو ستّ دوانق. والدّانق: ستّ حبّات ضربته بَنُوا أُمَيَّة ليسهل الصَّرف. وكان الحسن يقول: لعن الله الدّانق، ما كانت العرب تعرفه ولا أبناء الفُرْس، قاله الخطّابي (٥). والأُوقيةُ اثنا عشر درهمًا من ذلك الوزن. والرِّطْلُ اثنتا عشرة أُوقية، وهذا هو المطابق لوَزنِ الشّريعة، ودَعْ غيره سدًّا فليس له آخر ولا مدًّا، وركِّب على هذا الوَزْن الكَيل (٦) فإنّه أصلٌ، فالمُدُّ رِطْلٌ وثُلُث، والصَّاعُ أربعة أمداد، والوَسْقُ ستّون صاعًا، وسائر الأكيال لا يتعلّق بها حُكْمٌ، إذ ليست من ألفاظ الشّريعة، فاحْذَرُوا معشرَ الأصحابِ (٧) أنّ تُرَكِّبُوا حُكمًا على لفظٍ ليس هو لصاحب الشّريعة، وقد كنت أعظم أنّ يكون مالك - على جلالة قدره، واستهانته بمن يخالف السُّتَّة- يقول في الظِّهار: يطعم مُدًّا بمُدِّ هِشَامٍ، فيجرِي اسْمُه ومُدُّه على لسانه، مع أنّه بدعةٌ مغيِّر للسُّنَّة، حتّى رأيت أشهب قد روي عنه التَّبَرِّي منه، فسُرِرْتُ بذلك (٨). المسألة السّابعة (٩): أمّا قول عمر بن عبد العزيز (١٠) ومالك بن أنس: إنّ الصَّدقةَ لا تكون إلَّا في

стр. 1606

العَيْنِ والماشِيَةِ والحَرْثِ، فهذا إجماعٌ من العلّماء لا يختلفون في تفصيله (١). وأطبق (٢) العلّماء على أنّ الزكاة في الأموال النّامِيَة العَيْن والحَرْث والماشِيَة، فالحَرْثُ في أربعٍ: في النِّخْل والكُروم (٣) والزَيْتُون والحُبُوب. والعين في أربع: في الذَّهبِ والوَرِق والمعدِن والرِّكاز. والماشية في ثلاث: الإبل والبقر والغَنَم. حديث: قوله ﷺ : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وفيمَا سُقِيَ بالنَّضْح ... الحديث" إلى آخره (٤). وهذا حديثٌ صحيحٌ من طُرُقٍ. العربيّة (٥): السّماء هو المطر، والعُشْر من هذا الّذي تسقيه السَّماء. والنّضْحُ هو شبه نَهْرٍ يُحْفَرُ بالأرض يُسْقَى به البَعْل من النَّخِيلِ. باب الزّكاة في العَيْنِ من الذَّهب والوَرِقِ مالك (٦)، عن محمّد بن عُقبَة مَوْلَى الزُّبير، أنّه سألَ القاسم بن محمد عن مُكَاتَبٍ لَهُ قَاطَعَهُ بمالٍ عظيمٍ، هل عليه فيه زكاةٌ؟ فقال القاسم: إنّ أبا بكرٍ الصِّدَّيقَ لم يكلن يَأخذ من مالٍ زكاة حتَّى يَحُولَ عليه الحَوْلُ. الإسناد: قال الإمام: الحديث موقوفٌ، وقيل مُرْسَلٌ، والَّذي (٧) رُوِيَ موقوفًا هو حديث

стр. 1607

ابن عمر والله أعلمُ، ورواه حارثة عن أبي الرِّجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة، عن النّبيّ ﷺ . مالك (١)، عن ابن شهاب؛ أنّه قال: أوّلُ مَنْ أخَذَ من الأُعْطِيَةِ الزَّكاةَ معاويةُ بن أبي سفيانَ. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٢): قال القاسم بن محمّد (٣): إنّ أبا بكرٍ لم يكن يأخذُ من مالٍ زكاةً حتَّى يحولُ عليه الحَوْلُ، احتجَّ بفعله في ذلك لأنّه كان الخليفة، وهو الّذي كان يتولَّى أَخْذَ الصَّدقات من مال الصَّحابةِ وأهل العِلْمِ، ولم يُنْكِر أحدٌ فعلَهُ في ذلك مع اجتهاده في طلب الصَّدقات وقتاله المانِعِينَ الزَّكاة، فثبت أنّه إجماعٌ. المسألة الثّانية (٤): قوله: "حَتَّى يَحُولَ عَلَيهِ الحَوْلُ" لا خلافَ بين المسلمين أنّه لا يجب في مالٍ زكاة حتَّى يحولَ عليه الحَوْلُ، واختلفوا في جواز إخراجها قبل الحول؟ فذهب مالك إلى أنّه غير جائز، حكاه ابن عبد الحكم عن مالك، وقال أشهب: من أخرج زكاته قبل الحول أعاد (٥). وقال أبو حنيفة (٦) والشّافعيّ: ذلك جائزٌ. والدليل على ما نقوله: أنّ الحَوْلَ شرطٌ من شروطِ وجوبِ الزَّكاةِ، فلم يجز تقديمها قبلَ وجوده، أصل ذلك النِّصاب (٧). وقال ابنُ الموّاز: احتجَ مالكٌ واللَّيث في ذلك بالصّلاة. قال ابنُ وهب: لو أَخَذَهُ السَّاعي قبل حِيِنِهِ لم يجزه.

стр. 1608

وروى ابن عبد الحَكَم عن مالك؛ أنَّه سُئِلَ عن ذلك فقال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ الآية (١). المسألة الثّالثة (٢): فإذا ثبت هذا، فمن أصحابنا من يقول: يجوز إخراجها قُرْبَ (٣) الحَوْلِ. وروى عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" (٤): يجوز تقديمها على الحول بالشَّهْرِ ونحوه. وقال ابنُ الموّاز وأبو الفَرَج: يجوزُ تقديمُها باليوم واليومين. وقال ابن حبيب: قال (٥) من لقيت من أصحاب مالكٌ: لا تجزئه إلّا فيما قَرُبَ مثل الخمسة الأيام والعشرة. وقال أشهب: من فعل هذا فلا تجزئه. توجيه (٦): أمّا وجه ذلك: أنّ وقت الوُجوب هو الحَوْل فَلِقُرْبِه تأثيرٌ في الاستحقاق، كمرض المريض (٧) الّذي له تأثيرٌ في منعه من التّصرُّف في ماله نحو الوَرَثَة. ووجه آخر: وهو أنّ المال لا يعتبر فيه ما قَرُبَ، فكذلك اليوم، إنّما يُعْتبَر بالسّاعة الّتي أفيد فيها المال، ولا بمقدار ما مَضَى منها. يُعْتبَرُ ما قَرُبَ من ذلك، فكذلك اليوم لا يعتبر فيه، وما قَرُبَ منه فهو في حُكْمِهِ في الحَوْلِ (٨)، والمسألةُ طويلة المَأْخَذِ.

стр. 1609

المسألة الرّابعة: قول مالك (١): "السُّنَّةُ الّتي لا خلافَ فيها عندنا أنَّ الزكاةَ تجبُ في عشرين دينارًا، كما تجب في مِئتي دِرهَمٍ". وقال مالك (٢): "ليس في عشرين دينارًا ناقصةً بَيِّنَةَ النُّقصانِ زكاةٌ، فإن زادت حتّى تَبْلُغَ بزيادتها عشرينَ دينارًا وَازِنةً (٣) ففيها الزكاة". وقال مالك (٤): "ليس فيما دون عشرينَ دينارًا عَيْنًا زكاةٌ". الاسناد (٥): قال الإمام: لم يصحّ في نِصَابِ زكاة الذَّهَبِ شيءٌ من جهة نَقْلِ الآحادِ العُدُولِ الثِّقاتِ، إلَّا نكتةٌ خَرَّجَهَا مسلم في "كتابه" (٦) قوله (٧): "مَا مِنْ صاحبِ ذهبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي زكَاتَها - أو قال: حَقَّها- إلَّا إذا كان يومُ القيامةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صفائِحَ من نارٍ، فَأحْمِيَ عليها في نارِ جَهَنَّمَ ... " الحديث. وقد (٨) رُوِيَ من حديث عَاصِمْ بن ضَمَرة والحارث بن الأغوَر، عن عليّ، عن النّبيِّ ﷺ "أنّه قال: "هَاتُوا زكَاةَ الذهَبِ من كلِّ عشرينَ دينارًا نِصْفَ دينارٍ"، وكذلك رواه أبو حنيفة -فيما زعموا- ولم يصحّ عنه، ولو صحَّ لم يكن فيه عند أهل العلم بالحديث حُجَّة، والحسن بن عمارة متروك الحديث، وأجمع المُحَدِّثَة على ترك حَدِيثِهِ لسُوءِ حِفْظِهِ وكَثرَةِ خَطَئِهِ، رواه عن الحسن بن عمارة عبدُ الرزّاق (٩)، ورواه ابنُ وَهْب عن جرير بن حازم. والّذي رواه الحفَّاظُ قوله: "في عشرين دينارًا من الذَّهَبِ نصف دينار" (١٠).

стр. 1610

وأمّا ما رَوَى التّرمذي (١) عن عاصم بن ضَمْرَة مَوْلَى علىّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "عَفَوْتُ لكم عن صَدَقَةِ الخيلِ والرَّقيقِ فآتوا (٢) صدقةَ الرِّقةِ من كلِّ أربعينَ دِرهمًا درهمًا، وليس في تِسْعين ومئةٍ شيءٌ، فإذا بَلَغَت مئتينِ ففيها خمسةُ دَرَاهِمَ". وهذا حديثٌ لم يصحّ، وأصحّ الأحاديث في هذا الباب حديث أبي سعيد الخدري كما تقدّم بيانه. المسألة الخامسة: قال جماعة من العلّماء: ليس في الذَّهب زكاة حتّى يبلغ صرفها مئتي درهم، فإذا بلغ صرفها مئتي درهم ففيها رُبُع العشر، ولو كان وزنُها أقلّ من عِشرين دينارًا. وليس فيها عند مالك شيءٌ، وهو الصَّريحُ من مذهبه أنّه يجب في عشرين دينارًا، كما يجب في مئتي درهم، لا خلافَ في ذلك عنه، وعليه فقهاء الأمصار، إلَّا ما روي عن الحسن بن أبي الحسن؛ أنَّه قال: لا زكاةَ في الذَّهَبِ حتّى يبلغ أربعين دينارًا، فيكون فيها دينارًا، والجمهور على خِلاَفِهِ قَدِ انْعَقَدَ، والحديث الّذي احتجَّ به الحسن ضعيفٌ لا يُلْتفَتُ إليه. خاتمة (٣): قوله: "لا زكَاةَ حتَّى يَحُولَ عليه الحَوْلُ" يريد بذلك الماشية والعَين وهو الذَّهب والوَرِق، وأمّا الزَّرْع والمعدِن والثَّمار، فإنَّ الزّكاةَ فيها ساعة يحصل (٤)، والفرق فيهما: أنّ الحَوْلَ إنّما ضربَ في العين والماشية لتكامُل النِّصاب فيهما. وأمّا الزَّرْع والمعدِن، فإنَّ تَكَامُلَ نَمَائِهِ عند حَصَادِ الحَبِّ وخُروج العَيْنِ من المعدِن، ولا نماء له بعد ذلك من جنس النَّمَاء الأوّل (٥)، فلذلك وَجَبَتِ الزَّكاة في الحَبِّ يوم حصاده، قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية (٦). على أنا قد بيَّنَّا أنَّ الزّكاةَ تحتاج لخمسة أشياء، فإذا عُرفت الخمسة لم يخرج

стр. 1611

شيء من الزّكاة عنها، وهي: ما حقيقتها، وما محلّها، وما مُوجبها، وما شرطها، وما أَجَلها. أمّا حقيقتها فالنّماءُ. وأمّا محلّها فالمال. وأمّا مُوجبها، فخطاب النّبيِّ ﷺ بالأمر بها، وكذلك كلُّ فَرْض عَيْن قُرِنَ بوقتٍ، لم يجب ذلك الفَرْض بالوَقْتِ، وإنّما يجبُ بالأَمْرِ به (١) كالصّلاة والزّكاة. وأمّا أجلها، فإخراجها من المال. وأمّا شرطها، فأربعة: الحولُ، والنِّصاب، والملك، ومجيء السّاعي. الزَّكاةُ في المعادن مالك (٢)، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرّحمن، عن غير واحدٍ؛ أنّ رسول الله ﷺ قَطَعَ لبلالِ بن الحارثِ المُزَنيِّ معادِنَ القَبَلِيَّةِ، وهي من ناحية الفُرْعِ، فتلك المعادنُ لا يؤخذُ منها إلى اليوم إلَّا الزكاةُ. الإسناد: قال أبو عمر (٣): "هذا الحديث مقطوع السَّنَد في الموطّأ، ورُوِيَ متَّصِلًا من طُرُقٍ مُسْنَدَةٍ من رواية الدارورديّ، عن ربيعة بق أبي عبد الرّحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث المُزَنِيّ، عن أبيه، عن النّبيِّ ﷺ (٤). وقولُ مالك في المعادن مخالفٌ للرِّكاز (٥)؛ لأنّه لا ينال ما فيها إلَّا بالعمل، بخلاف الرِّكاز". العربية: قال علماؤنا: المعدِنُ ركازٌ؛ لأنّه مأخوذٌ من الارتكاز وهو الثُّبوت والاستقرار،

стр. 1612

وقال صاحب "العين" (١): "الرِّكاز وضع الذَّهب والفِضّة في الأرض، من قولهم: ركزت الشّيء فوق الأرض بمعنى غرزته". وقال الهرويّ (٢): "الرِّكَازُ المال المدفون الّذي دُفِنَ قبل الإسلام، وفيه الخمس". الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى: عندنا أنّ المعدِنَ ليس بركَازٍ (٣)، وفيه الزّكاة لا الخمس. وقال أبو حنيفة: هو ركاز وفيه الخمس. واختلف علماؤنا: هل يعتبر فيه النِّصاب أم لا؟ وهل تُؤْخَذ منه الزّكاة أم لا؟ والصّحيح أنّه يعتبر فيه النِّصاب؛ لأنّه ذهبٌ داخلٌ في عموم الحديث (٤)، ولا يعتبر فيه الحول؛ لأنّه نَمَا بنفسه، فصار بمنزلة الحَرْثِ والثّمرة، واللهُ أعلمُ. المسألة الثّانية: عند (٥) علمائنا أنّ في الرِّكازِ الخمس، ويُوضَعُ مواضع الخُمس، وأربعة أخماسه لمن وجدَهُ حيث وجَدَهُ في أرض حُرَّة أو عنوة، فإنْ كانت الأرض ملكًا لغيره، فالأربعة أخماس (٦) لصاحب الأرض؛ لأنّها وما وُجدَ في جَوْفِها له، ليس للّذي وجدَهُ شيءٌ، مثل أنّ يكون أَجِيرًا يَحْفِر لصاحب الدَّار في أرضه، إنّما هو لصاحب الدّار وليس له فيه حظٌّ ولا نصيبٌ. المسألة الثّالثة: قال علماؤنا: ولا زكاةَ عندنا فيما يخرج من المعدِن إنّ كان ذَهَبًا حتّى يبلغ

стр. 1613

عشرين دينارًا فما زاد، وإن كان فِضّة فمئتا درهم فما زادَ على، حسب ما ذكرنا في زكاة الذَّهب والوَرِق. المسألة الرّابعة (١): اختلف قول أبي حنيفة في الزِّئْبَقِ يخرجُ من المعادن، فمرة قال: فيه الخمس (٢)، ومرّةً قال: ليس فيه شيءٌ كالقار والنّفط (٣). واختلفَ قولُ الشّافعيّ فيما يخرج من المعادن، فقال مرّة بقول مالك، وهو قول أهل العراق، وقال بمصر: ما يخرجُ من المعادن فهو فائدةٌ يستأنفُ بها، وهو قولُ اللّيْث وابن أبي ذئب، ومرّة قال: استخيرُ الله في المعادِنِ (٤). المسألة الخامسة: قال أبو الوليد (٥): "والمعادن القبلية (٦) لم تكن خطّة لأحدٍ، وإنّما كانت فَلَاة، والمعادنُ على ثلاثة أضرب: وضربٌ منها لجماعة المسلمين، كالبراري والموات وأرض العنوة. وضربٌ منها في أرض الصُّلح. وضربٌ منها ظهر في ملك رَجُلِ من المسلمين". تفصيل وتنقيح (٧): أمّا ما كان لجماعة المسلمين، فإن للإمام أنّ يقطعها لمن شاء، ومعنى إقطاعها أنّ يجعل له الانتفاع بها مدة (٨) محدودة أو غير محدودة، ولا يُمَلّكه رقبتها؛ لأنّها بمنزلة الأرض الّتي لجماعة المسلمين فللإمام حبسها لمنافعهم ولا يملكها بعضهم. وأمّا ما ظهر في أرض الصُّلح منها، فقال عبد الملك بن حبيب: يقطعها الإمام

стр. 1614

لمن رأى، وذكر ذلك عَمَّن لَقِيَ من أصحاب مالكٌ. وقال ابنُ نافع وابنُ القاسم: لا حقّ للإمام فيها وهي لأهل الصُّلح. قال الإمام (١): ووجه ما قال ابن حبيب: أنّهم إنّما (٢) صالحوا على ما تقدَّمَ ملكهم له، وهذه المعادن مُودَعَة في الأرض لم يعلموا بها، ولا تقدَّمَ ملكهم عليها، ولا تناولَها الصُّلح، فكان للإمام أنّ يُقْطِعها من شاء. ووجه ما قاله ابن نافع: أنّ هذا من جملة صُلْحِهِم (٣). وأمّا ما كان منها في أرض رَجُلٍ من أهل الإسَلام، فإنّه لا يملّكه في قول ابن القاسم، وقال مالكٌ: ذلك له، وله منعه. وقال ابن القاسم (٤): ولا يورث عنه ذلك، وقال أشهب: يورث عنه ولا يبيعها، ولعلّه يريد أنَّ تركَ الإمام ذلك بيَدِ وَرَثَتِهِ بمنزلة الإقطاع لهم، وأمّا حقيقة (٥) الميراث فلا يصحّ؛ لأنّ موروثهم لم يملكها فكيف تُورث عنه. المسألة السّادسة: قال علماؤنا: ولا زكاة في معادِن النُّحاس ولا الحديد ولا الرَّصاص ولا الزّرنيخ. باب الرِّكازِ مالك (٦)، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيَّب؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "في الرِّكازِ الخُمُسُ". الإسناد: قال أبو عمر (٧): "هكذا ذَكَر مالك هذا الحديث في كتاب الزَّكاة هاهنا

стр. 1615

مختصرًا، وذَكَرَهُ في كتاب العقول (١) بتمامه" وهو حديث مُرْسَلٌ من مراسيل سعيد الصِّحاح، والحديث يُسْنَدُ من طُرُقٍ، رواه جماعة عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: "جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ، والمعدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". العربية (٢): الرَّكَازُ مأخوذٌ من ركز الشّيء إذا ثبتَ، فقيل له ركاز؛ لأنّه مال ثبت. وقوله: "جُبَارٌ" أي: هَدَرٌ لا دِيَةَ فيه، وهو متَّفَقٌ عليه بينهم في هذا القسم، لكنّه لم يحققوه، ومعناه وبناؤه: "ج ب ر" وإنّما هو الرّفع، يقال: رَجُلٌ جُبَارٌ، ونخلة جُبَارَةٌ، وجُبِرَتِ العَظْمُ، أي: رفعت عرضة. و"العجماء" هي: البهيمة الّتي لا تنطق، ففعلها هَدَرٌ لا يُطَالَب به أحدٌ. وأمّا "المعدِن جُبَار والبئر جُبَار" يعني أنّ من استأجر أَجِيرًا على مَعْدِن أو حَفْرِ بئر، فأصابَهُ فيه شيءٌ فهلَكَ فيها، فإنّه هَدَرٌ لا شيءَ عليه، أعني الّذي استأجره. وقد روى بعضهم: "النَّارُ جبَار" (٣) وقالوا: إنّ أهل اليمن يكتبون النّار بالياء (٤)، ومعناه عندهم أنّ من استوقد نارًا بما يجوز له، فتعدَّت إلى ما لا يجوز، فإنّه لا شيءَ عليه، وهذا مُتَّفَقٌ عليه، وقد بينَّاهُ في مَوْضِعِه. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله ﷺ : "في الرِّكَاز الخُمُسُ" نصٌّ منه على أنّ هذا حُكْمه، وإنّما اختلفَ النّاسُ في معنى الرِّكَازِ، فاختلفَ قول مالكٌ فيه (٦)، فرَوَى عنه ابن القاسم؛ أنّ الرِّكازَ قطع ذهب ووَرِق لا يحتاج في تصفيته إلى عمل، سواء كان ممّا دُفِنَ في الأرض أو غيره.
следующие страницы →