← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

شيء من الزّكاة عنها، وهي: ما حقيقتها، وما محلّها، وما مُوجبها، وما شرطها، وما أَجَلها. أمّا حقيقتها فالنّماءُ. وأمّا محلّها فالمال. وأمّا مُوجبها، فخطاب النّبيِّ ﷺ بالأمر بها، وكذلك كلُّ فَرْض عَيْن قُرِنَ بوقتٍ، لم يجب ذلك الفَرْض بالوَقْتِ، وإنّما يجبُ بالأَمْرِ به (١) كالصّلاة والزّكاة. وأمّا أجلها، فإخراجها من المال. وأمّا شرطها، فأربعة: الحولُ، والنِّصاب، والملك، ومجيء السّاعي. الزَّكاةُ في المعادن مالك (٢)، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرّحمن، عن غير واحدٍ؛ أنّ رسول الله ﷺ قَطَعَ لبلالِ بن الحارثِ المُزَنيِّ معادِنَ القَبَلِيَّةِ، وهي من ناحية الفُرْعِ، فتلك المعادنُ لا يؤخذُ منها إلى اليوم إلَّا الزكاةُ. الإسناد: قال أبو عمر (٣): "هذا الحديث مقطوع السَّنَد في الموطّأ، ورُوِيَ متَّصِلًا من طُرُقٍ مُسْنَدَةٍ من رواية الدارورديّ، عن ربيعة بق أبي عبد الرّحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث المُزَنِيّ، عن أبيه، عن النّبيِّ ﷺ (٤). وقولُ مالك في المعادن مخالفٌ للرِّكاز (٥)؛ لأنّه لا ينال ما فيها إلَّا بالعمل، بخلاف الرِّكاز". العربية: قال علماؤنا: المعدِنُ ركازٌ؛ لأنّه مأخوذٌ من الارتكاز وهو الثُّبوت والاستقرار،

стр. 1612

وقال صاحب "العين" (١): "الرِّكاز وضع الذَّهب والفِضّة في الأرض، من قولهم: ركزت الشّيء فوق الأرض بمعنى غرزته". وقال الهرويّ (٢): "الرِّكَازُ المال المدفون الّذي دُفِنَ قبل الإسلام، وفيه الخمس". الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى: عندنا أنّ المعدِنَ ليس بركَازٍ (٣)، وفيه الزّكاة لا الخمس. وقال أبو حنيفة: هو ركاز وفيه الخمس. واختلف علماؤنا: هل يعتبر فيه النِّصاب أم لا؟ وهل تُؤْخَذ منه الزّكاة أم لا؟ والصّحيح أنّه يعتبر فيه النِّصاب؛ لأنّه ذهبٌ داخلٌ في عموم الحديث (٤)، ولا يعتبر فيه الحول؛ لأنّه نَمَا بنفسه، فصار بمنزلة الحَرْثِ والثّمرة، واللهُ أعلمُ. المسألة الثّانية: عند (٥) علمائنا أنّ في الرِّكازِ الخمس، ويُوضَعُ مواضع الخُمس، وأربعة أخماسه لمن وجدَهُ حيث وجَدَهُ في أرض حُرَّة أو عنوة، فإنْ كانت الأرض ملكًا لغيره، فالأربعة أخماس (٦) لصاحب الأرض؛ لأنّها وما وُجدَ في جَوْفِها له، ليس للّذي وجدَهُ شيءٌ، مثل أنّ يكون أَجِيرًا يَحْفِر لصاحب الدَّار في أرضه، إنّما هو لصاحب الدّار وليس له فيه حظٌّ ولا نصيبٌ. المسألة الثّالثة: قال علماؤنا: ولا زكاةَ عندنا فيما يخرج من المعدِن إنّ كان ذَهَبًا حتّى يبلغ

стр. 1613

عشرين دينارًا فما زاد، وإن كان فِضّة فمئتا درهم فما زادَ على، حسب ما ذكرنا في زكاة الذَّهب والوَرِق. المسألة الرّابعة (١): اختلف قول أبي حنيفة في الزِّئْبَقِ يخرجُ من المعادن، فمرة قال: فيه الخمس (٢)، ومرّةً قال: ليس فيه شيءٌ كالقار والنّفط (٣). واختلفَ قولُ الشّافعيّ فيما يخرج من المعادن، فقال مرّة بقول مالك، وهو قول أهل العراق، وقال بمصر: ما يخرجُ من المعادن فهو فائدةٌ يستأنفُ بها، وهو قولُ اللّيْث وابن أبي ذئب، ومرّة قال: استخيرُ الله في المعادِنِ (٤). المسألة الخامسة: قال أبو الوليد (٥): "والمعادن القبلية (٦) لم تكن خطّة لأحدٍ، وإنّما كانت فَلَاة، والمعادنُ على ثلاثة أضرب: وضربٌ منها لجماعة المسلمين، كالبراري والموات وأرض العنوة. وضربٌ منها في أرض الصُّلح. وضربٌ منها ظهر في ملك رَجُلِ من المسلمين". تفصيل وتنقيح (٧): أمّا ما كان لجماعة المسلمين، فإن للإمام أنّ يقطعها لمن شاء، ومعنى إقطاعها أنّ يجعل له الانتفاع بها مدة (٨) محدودة أو غير محدودة، ولا يُمَلّكه رقبتها؛ لأنّها بمنزلة الأرض الّتي لجماعة المسلمين فللإمام حبسها لمنافعهم ولا يملكها بعضهم. وأمّا ما ظهر في أرض الصُّلح منها، فقال عبد الملك بن حبيب: يقطعها الإمام

стр. 1614

لمن رأى، وذكر ذلك عَمَّن لَقِيَ من أصحاب مالكٌ. وقال ابنُ نافع وابنُ القاسم: لا حقّ للإمام فيها وهي لأهل الصُّلح. قال الإمام (١): ووجه ما قال ابن حبيب: أنّهم إنّما (٢) صالحوا على ما تقدَّمَ ملكهم له، وهذه المعادن مُودَعَة في الأرض لم يعلموا بها، ولا تقدَّمَ ملكهم عليها، ولا تناولَها الصُّلح، فكان للإمام أنّ يُقْطِعها من شاء. ووجه ما قاله ابن نافع: أنّ هذا من جملة صُلْحِهِم (٣). وأمّا ما كان منها في أرض رَجُلٍ من أهل الإسَلام، فإنّه لا يملّكه في قول ابن القاسم، وقال مالكٌ: ذلك له، وله منعه. وقال ابن القاسم (٤): ولا يورث عنه ذلك، وقال أشهب: يورث عنه ولا يبيعها، ولعلّه يريد أنَّ تركَ الإمام ذلك بيَدِ وَرَثَتِهِ بمنزلة الإقطاع لهم، وأمّا حقيقة (٥) الميراث فلا يصحّ؛ لأنّ موروثهم لم يملكها فكيف تُورث عنه. المسألة السّادسة: قال علماؤنا: ولا زكاة في معادِن النُّحاس ولا الحديد ولا الرَّصاص ولا الزّرنيخ. باب الرِّكازِ مالك (٦)، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيَّب؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "في الرِّكازِ الخُمُسُ". الإسناد: قال أبو عمر (٧): "هكذا ذَكَر مالك هذا الحديث في كتاب الزَّكاة هاهنا

стр. 1615

مختصرًا، وذَكَرَهُ في كتاب العقول (١) بتمامه" وهو حديث مُرْسَلٌ من مراسيل سعيد الصِّحاح، والحديث يُسْنَدُ من طُرُقٍ، رواه جماعة عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: "جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ، والمعدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". العربية (٢): الرَّكَازُ مأخوذٌ من ركز الشّيء إذا ثبتَ، فقيل له ركاز؛ لأنّه مال ثبت. وقوله: "جُبَارٌ" أي: هَدَرٌ لا دِيَةَ فيه، وهو متَّفَقٌ عليه بينهم في هذا القسم، لكنّه لم يحققوه، ومعناه وبناؤه: "ج ب ر" وإنّما هو الرّفع، يقال: رَجُلٌ جُبَارٌ، ونخلة جُبَارَةٌ، وجُبِرَتِ العَظْمُ، أي: رفعت عرضة. و"العجماء" هي: البهيمة الّتي لا تنطق، ففعلها هَدَرٌ لا يُطَالَب به أحدٌ. وأمّا "المعدِن جُبَار والبئر جُبَار" يعني أنّ من استأجر أَجِيرًا على مَعْدِن أو حَفْرِ بئر، فأصابَهُ فيه شيءٌ فهلَكَ فيها، فإنّه هَدَرٌ لا شيءَ عليه، أعني الّذي استأجره. وقد روى بعضهم: "النَّارُ جبَار" (٣) وقالوا: إنّ أهل اليمن يكتبون النّار بالياء (٤)، ومعناه عندهم أنّ من استوقد نارًا بما يجوز له، فتعدَّت إلى ما لا يجوز، فإنّه لا شيءَ عليه، وهذا مُتَّفَقٌ عليه، وقد بينَّاهُ في مَوْضِعِه. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله ﷺ : "في الرِّكَاز الخُمُسُ" نصٌّ منه على أنّ هذا حُكْمه، وإنّما اختلفَ النّاسُ في معنى الرِّكَازِ، فاختلفَ قول مالكٌ فيه (٦)، فرَوَى عنه ابن القاسم؛ أنّ الرِّكازَ قطع ذهب ووَرِق لا يحتاج في تصفيته إلى عمل، سواء كان ممّا دُفِنَ في الأرض أو غيره.

стр. 1616

المسألة الثّانية (١): وأمّا تُرابُ المَعْدِن، فلا نعلم أحدًا من أهل اللُّغَة سمَّاهُ رِكَازًا. وقوله: "فِيهُ الخُمُسُ" ليس فيه نصٌّ على من له ذلك، إلَّا أنّه (٢) يستدلّ عليه بالإجماع على وجوب دَفْعِهِ إلى الإمام العَدْلِ، وقد روى عيسى عن ابن القاسم (٣) في "مختصر بن شعبان" يخرج (٤) الواجد له خُمُسه فيتصدَّق به (٥)، وكذلك ما فضل من المال عن أهل المواريث، ولا أعرف (٦) اليوم بيت مال، وإنّما هو بيت ظلم. باب ما لا زكاة فيه من الحُلْي والتِّبْرِ والعَنْبَرِ مالك (٧)، عن عبد الرّحمن بن القاسم، عن أبيه؛ أنّ عائشةَ زوجَ النّبيِّ ﷺ كانت تَلِي بناتَ أخيها اليتَامَى في حَجْرِهَا، لَهُنَّ الحَلْيُ، فلا تُخْرِجُ من حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ. الإسناد: الحديثُ صحيحٌ، وأردفه مالك (٨)، عن نافع؛ أنّ عبد الله بن عمر كان يُحَلِّي بناتَهُ وجَوَارِيَهُ الذَّهَبَ، فلا يُخرِجُ من حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ. تنبيه على التّرجمة (٩): قال الإمام: أدخل مالكٌ حديث القاسم عن عائشة؛ أنّها كانت تَلِي بناتَ أخِيها يَتَامَى فلا تُخْرِجُ من حُلِيِّهِن الزَّكاةَ، إنّما سَاقَهُ ليبيِّن بُطْلاَنَ الحديث المرويّ عن عائشة؛ أنّها قالت: دخل عَلَيَّ رسول الله ﷺ وفي يدي فَتخ -وهي الخواتم- فقال:

стр. 1617

"ما هذا؟ " فقالت: صنعتُها أتزيَّنُ بها لَكَ. فقال: "أتؤدِّين زكاةَ ذلك؟ " قالت: لا، قال: "هي حَسْبُكِ من النّار" (١) فَبَيَّنَ مالك أنّها لو سمعته من النَّبيِّ ﷺ لما تركت إخراج الزَّكاة من هذا الحلي. تَنْبِيهٌ ثَانٍ (٢): قال علماؤنا: وأراد أيضًا مالك بهذا الحديث الردّ على أهل العراق في أنّ الرّاوي إذا أفتى بخلاف ما رَوَى سقطت روايته. الفقه في عشر مسائل: المسألة الأولى (٣): قوله: "كانت تَلِي بناتَ أخِيهَا" هو محمّد بن أبي بكر ولم يكن شقيقها، وإنّما كان شقيقها عبد الرّحمن، ويحتمل أنّ تكون بتقديم إمام (٤)، ولا تكون لها الولاية بالأخوة، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إنّ شاء الله. المسألة الثّانية (٥): قوله: "لَهُنَّ الحَلْيُ" يقتضي ملكه لهنّ وإن لم يتصرّفنَ فيه لكونهنَّ محجورات، فقد يملك من لا يتصرّف وهو الصّغير والسَّفِيه، ويتصرّف من لا يملك وهو الوصيّ والإمام والأب. المسألة الثّالثة (٦): قوله: "فَلَا تُخْرِجُ من حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ" ظاهر هذا أنُها كانت لا ترى أنّها واجبة، وهو مذهب مالك (٧) والشّافعىّ (٨).

стр. 1618

وقال أبو حنيفة (١): تخرج الزّكاة من الحلي (٢)، وتعلّق بظاهر الحديث وعمومه، وقوله: "تَصَدَّقْنَّ ولو من حُليكنَّ" (٣). وهذا لا دليل له عليه من وجوه كثيرة، يأتي بيانُها إنّ شاء الله. ولم يختلف قول مالكٌ وجمهور أصحابه في أنّ الحلي المتّخذ للنِّساء أنّه لا زكاةَ فيه، وأنّه العمل المعمل به في المدينة، وهو خارج عن قوله صلّى الله عليه: "ليس فيما دون خمس أواقٍ من الوَرِقِ صَدَقَةٌ" كأنّه قال: الصَّدقة واجبةٌ في الوَرِقِ فيما بلغ خمس أواق ممّا لم يكن حليًا متَّخَذًا لزِينَةٍ؛ لأنّه لا زكاةَ فيه إذا كان مُتَّخَذًا لذلك؛ لأنّه لا يطلب فيه شيءٌ من النّماء، ودليل أنّ هذا الحَلْيَ مبتذلٌ في استعماله مباحٌ، فلم تجب فيه الزّكاة كالثّياب (٤). المسألة الرّابعة: واختلفَ علماءُ المدينة في الحَلْي المتَّخَذِ للتِّجارة والمتَّخَذِ للكِرَاءِ، فالمشهور من قولهم أنّ فيه الزّكاة (٥)، وإنّما سقط عمّا وصفنا من حَلْي النّساء خاصّة، وهو كما قالوا (٦)؛ لأنّ الذهب والفِضَّة من الأموال المُرْصَدَة (٧) للتّنمية، ولا يخرجُ عن ذلك إلّا بالعمل وهو الصّياغة (٨) ونيّة اللّبس، وإذا لم يوجد فيه (٩) اللّبس تعلّقت به الزّكاة؛ لأنّه قد يعرض للتّنمية وطلب الفضل مع الصِّياغة، وكذلك سائر أنواع الذّهب يجب فيها الزّكاة حتّى يجتمع فيها أمران: الصِّياغة المباحة، ونيّة اللّبس.

стр. 1619

المسألة الخامسة (١): قال ابنُ حبيب: لا بأْسَ باتِّخاذِ المِنْطَقَة المُفَضَّضَة والأسلحة كلّها، ومنع من ذلك في السَّرْجِ واللِّجام والمهاميز والسَّكاكين، وهذا القول فيه نظر (٢). وقال ابنُ وهب: لا بأس بتفضِيضِ جميع ما يكون من آلة الحرب السَّرْجُ واللِّجامُ وغيره. ووجه ما رواه ابن القاسم: أنّ ما يجوز للرَّجُلِ أنّ يتحلَّى به على ثلاثة أضرب: أحدها: ما يتحلى به للذِّكْرِ (٣)، وهو المُصْحَف. والثّاني: ما يختصّ بالحرب، وهو السيف. والثّالث: ما يختصّ باللِّباس، وهو الخاتم. ولما كان الّذي يُستَعْمل من باب الذِّكْر واللباس واحدٌ (٤)، وجبَ أنّ يكون ما يستعمل في الحرب واحدًا، وقد أجمعنا (٥) أنّ السَّيْفَ مباحٌ فيه ذلك، فوجبَ أنّ يمنع سواه. ووجه رواية ابن حبيب: أنّ آلةَ الحَرْبِ ممّا فيه إرهابٌ على المشركين، وأمّا السّرج واللجام والمهاميز فلا تختصّ بالحربِ. ووجه رواية ابن وهب: أنّ هذا كلّه ممّا لا يخلو الحرب منه، ففيه إرهابٌ، فجاز (٦) كالسّيف. فهذا ممّا يُبَاحُ (٧) على هذا الوجه. وأمّا للضّرورة، فقد قال ابن شعبان: مَنِ اتَّخَذَ أَنْفًا من ذهبٍ أو ربط به أسنانه، فإنّه لا زكاةَ عليه فيه.

стр. 1620

ووجه ذلك: أنّه مستعملٌ مباحٌ، لما رُوِيَ في الحديث؛ أنّ رسول الله ﷺ قال لأحد أصحابه: اتَّخِذ أَنْفًا من ذَهَبٍ (١). المسألة السّادسة (٢): وأمّا آنية الذّهب والفضّة، فلا يجوز استعمالهما، وقال عبد الوهّاب: لا يجوز اتخاذهما (٣)، وقال ابن الجلّاب: اقتناؤهما حرام (٤)، وقال الشّافعيّ (٥): يجوز اتخاذهما ولا يجوز استعمالهما، ومسائلُ أصحابنا تقتضي ذلك؛ لأنّهم يجيزون بيع آنية الذّهب والفضّة في غير ما مسألة من "المدوّنة" (٦) وَلو لم يجز اتّخاذها لفسخ البيع. واستدل عبد الوهّاب بأنّ ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كالخمر والخنزير (٧). المسألة السابعة (٨): فإذا ثبت هذا، فما لا يجوز اتخاذه ففيه الزّكاة، وقال ابن شعيان: تكسر الآنية من ذلك، وما يجوز استعماله فلا زكاةَ فيه. المسألة الثّامنة (٩): سُئِلَ ابن عبّاس عن العنبر هل فيه الزكاة؟ فقال ابن عبَّاس: إنّ كان فيه شيء ففيه الخُمُس (١٠). قال الإمام: لما قال الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١١) وأعلمهم النّبيّ ﷺ أنّها

стр. 1621

الزّكاة، وأخذَ النّبيُّ ﷺ من بعض الأموال دون بعض، علمنا بذلك أنّ الله تعالى لم يرد جميع الأموال وإنّما أراد البعض، فإذا كنّا على يقينٍ أنّ المراد هو البعض من الأموال، فلا سبيل إلى أخذ زكاة إلَّا فيما أخَذَهُ رسول الله ﷺ ووقف عليه أصحابه. باب زكاة أموال اليَتَامَى والتِّجارة لهم فيها مالك (١)، أنّ عمر بن الخطّاب قال: اتَّجِرُوا في أموال اليَتَامَى، لا تَأْكُلُها الزَّكَاة. الإسناد: قال الإمام: وهذا الحديث قد أَسْنَدَهُ الدّارقطني (٢)، قوله: "اتَّجِرُوا في أَمْوَالِ اليَتَامَى، لا تّأْكُلُها الصَّدَقَة"، ومسند من طريق عائشة مثله في التَّجرَ في أموال اليتامى خوف الزّكاة. وعن عليّ بن أبي طالب (٣)، وعبد الله بن عمر (٤)، والحسن بن عليّ، وجابر؛ أنّ الزكاة واجبة في أموال اليَتَامَى. ورُوِيَ (٥) عن النَّبيِّ صلّى الله عليه؛ أنّه حثَّ على التِّجارة في أموال الصِّبيان أولياءهم لِئَلّا تأكلها الصَّدَقَة (٦). لكن مالك ﵀ عوّل على حديث عمر بن الخطّاب؛ لأنّه خليفة وكان يأمر بذلك، ولم يثبت له مخالف من الصّحاية. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قال علماؤنا: الزّكاةُ واجبةٌ في مال الصَّبيِّ واليتيمِ والمجنونِ، وبه قال مالك

стр. 1622

والشّافعيّ (١) وجميع أصحابه (٢). وقال أهل العراق وأبو حنيفة: لا زكاة عليهم (٣). ولنا الأدلّة عليهم من ثلاثة أوجه: الأوّل: الحديث المتقدِّم عن عمر؛ أنَّه قال: "اتَّجِرُوا في أَموالِ اليَتَامَى، لا تأكلها الزّكاة" فلو أنّ الزَّكاةَ واجبةٌ فيها لما أكلتها. فإن قالوا: لا حُجَّةَ في هذا؛ لأنّه يحتمل أنّ يريد: لا تأكلها النَّفَقَة؛ لأنّه قد تُسَمَّى النَّفَقَة صَدَقَة، ولأنَّ الزَّكاة لا تأكلها، لأنّها ينفى منها النِّصاب، وإنّما تأكلها وتأتي على جميعها (٤) النَّفَقَة. الجواب - قلنا: إنّ الزَّكاة لا تنطلق على النَّفَقَة لغةً وشرعًا، ولا تُسَمَّى الزَّكاةُ صدقةً على الإطلاق، ولأنّ الصَّدَقَة تحلُّ للغني ولا تحلّ له الزَّكاة. والصّدقة أيضًا لا تنطلق على النَّفَقَة؛ لأنَّ رَجُلاَ لو أنفقَ في بُنْيَانِ دارٍ ألف دِرهَم لم نَقُل فيه تصدَّق، وإنّما تُسَمَّى نفقة الرَّجُل على عياله صَدَقَة على سبيل المجاز؛ لأنّه يُؤْجَر عليها كما يُؤْجَر على الصَّدَقَة. الدليل الثّاني (٥) - قول النّبيّ ﵇: "الزَّكَاةُ حَقُّ المالِ" (٦) فحيث ما وُجِدَ المالُ أُخِذَت منه الزّكاة كما يؤخذ منه العُشر، وإن كان لصبيٍّ أو يتيمٍ أو مجنونٍ. فإن قيل: هي عبادة ولا يتعلّق بالصَّبيِّ تكليفٌ. الجواب - قلنا: وإن كانت عبادة تجوز فيها النَّيابة، فإنْ تعذَّرَ إعطاء الصَّبيّ نابَ عنه وليّه. المسألة الثّانية (٧): قوله (٨): "اتَّجِرُوا في أَمْوَالِ اليَتَامَى" هو إذنٌ منه في إدارتها، فإنِ استطاعَ النّاظر

стр. 1623

أنّ يعمل فيه لليتيم، وإلّا فليدفعه إلى ثِقَةٍ يعمل فيه على وجه القِرَاضِ (١). ويكون لوليِّ اليتيم أنّ يأخذ المال لنفسه قِرَاضًا، فإن فعلَ وكان قد قارضَ نفسه بقراضِ مِثْلِهِ ولم يغبن اليتيم بذلك، فجائزٌ، وإن ذهب المال فلا ضَمَانَ عليه. وإن غبن اليتيم وجعل لنفسه من القِرَاضِ أكثر من قراض مِثْلِهِ، ضمن المالَ ويردّ إلى قِرَاضِ مثله. باب زكاة الميراث الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٢): قوله: "إذا أوصى بزَكَاةِ مَالِهِ" قال ال إمام: وما يُوصَى به عند علمائنا على ضربين: أحدهما: أنّ يكون ممّا لم يفرّط فيه، مثل أنّ يرى عليه مالًا (٣) وقد وجبت فيه الزّكاة، فيموت قبل أنّ يتمكَّنَ من أدائها، فهذا إذا أَوْصَى بها أو أَمَرَ بإخراجها في مرضه من رَأْسِ ماله. فإن لم يوص بها، فلابن القاسم عن مالك في ذلك روايتان: ١ - أحدهما: أنّ يأمر وَرثَتَهُ بذلك ولا يجبرون، وهذا حُكمُ زكاة الفِطْرِ عنده. ٢ - وأشهب يقول: من رأس ماله ويُجْبَرُونَ على ذلك. المسألة الثّانية: قال بعض العلّماء: يؤخذ ذلك من الثُلُث وتُبَدَّى على الوصايا، وذلك إذا أوصى بها الميِّت، فإن لم يُوص بها، فعلَ ذلك أهله، وإن لم يفعلوه لم يلزمهم ذلك، والأكثر أنّها كالدَّين تُؤَدَّى عنه. وقال الشّافعي: الوارثُ كالموروث في الدَّيْن يعتبر فيه الحَوْل من يوم وَرِثَهُ.

стр. 1624

المسألة الثّالثة (١): فإن كانت زكاة فِطْرٍ (٢) فَرَّطَ فيها، فإنَّهُ إنْ أَوْصَى بها أخرجت من الثُّلُث أيضًا، وقال الشّافعيّ: تخرج من رأس المال، وهو على أصله في هذه المسألة؛ أنّه لا تجب في مالٍ موروثٍ زكاةٌ حتّى يحول عليها الحَوْل، وهو قول صحيحٌ؛ لأنّه فائدةٌ، وهو مذهبنا إنّ شاء الله. المسألة الرّابعة (٣): قال علماؤنا (٤): والأموالُ الموروثةُ على ضربينِ: ضربٌ تجبُ فيه الزَّكاة في عَيْنِهِ. وضربٌ تجبُ في قِيمَتِه. فأمّا ما تجب الزّكاةُ في عَيْنِه، فإنّ على قسمين: ١ - قسمٌ ليس فيه عمل قُنْيَة. ٢ - وقسمٌ فيه عمل قنية. فأمّا الأوّل، فسواء نوى به تجارة أو غيرها فإنّ زكاته تُؤَدَّى (٥)، وما فيه عمل قُنْيَة وهو الصِّياغَة، فإنْ نوى به التِّجارة زكّاهُ لحَوْلٍ من يوم يَرِثه. وإنْ نَوَى به القُنْيَة فلا زكاةَ، دمان لم يَنْوِ شيئًا فهو على أصله في حُكمِ الزَّكاة وتعلّقها يه. وما كانت الزّكاة في قيمته فسواء نَوَى به التِّجارة أم لم ينوها تُؤَدَّى زكاتُه بعد أنّ يحولُ عليه الحَوْل على ثمن ما بِيعَ منه من يوم قبَضَه الوارث، وإن باعه بعرض، فنَوَى به التِّجارة، فحين يحول الحول على العرض الّذي قَبَضَهُ على نيَّةِ التِّجارة والإدارة. المسألة الخامسة (٦): ويُعْتبَرُ الحَوْلُ على حسب ما يمكن من تنمية المال، فإن كانت من الأموال الّتي

стр. 1625

لا تُنَمَّى (١) إلَّا بالعمل كالدَّنانير والدَّراهم، فلا زكاةَ فيها حتّى يَحول عليها الحَوْل من يوم يقبضها هو أو من يقوم مقامه من وكيل أو وَصِيِّ، ولو أقامت قبل ذلك أعوامًا. وإن كانت من الأموال الّتي تنمى (٢) بأنفسها كالماشية، فقد قال ابنُ القاسم: الزَّكاة عليه فيها إذا حال الحَوْلُ من يوم وَرِثَها وإن لم يقبضها. وقال المُغِيرَة: حُكمُها حُكْم الدَّنانير والدَّراهم لا زكاة فيها حتّى يقبضها. توجيه (٣): قال الإمام - ووجه قول ابن القاسم: أنَّ الماشيةَ تَنْمُو (٤) بأنفسها فلما (٥) لم تتعذّر عليه تنميتها (٦) وجبت عليه فيها الزَّكاة (٧). وإذا تعذَّر قبض الدَّنانير لعُذْرٍ، لم تجب عليه فيها الزَّكاة. باب الزَّكاة في الدَّيْن مالك (٨)، عن ابن شهاب، عن السَّائِب بن يزيد؛ أنّ عثمان بن عفّان كان يقول: هذا شَهْرُ زكَاتِكُمْ، فمن كان عليه دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ، حتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهَا الزَّكاةَ. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٩): قوله: "هذا شَهْرُ زَكَاتِكُم" يحتمل أنّ يقول ذلك لمن عرف حاله في الحَوْلِ.

стр. 1626

ويحتمل أنّ يريد به الشّهر الّذي جرتِ عادة أكثرهم بإخراج الزَّكاة فيه،* إنّ كان يريد العين، وإن كان يريد الماشية والذي يجب إخراج الزَّكاة فيه* (١) لتمكُّن بَعْثِ السُّعَاةِ في ذلك الوقت، فيؤخذ الزَّكاة منها، ولا يحتسب لهم في شيءٍ من ذلك بما عليهم من الدَّيْن. المسألة الثّانية (٢): مالك ﵀ يرى أنّ من كان عليه دَيْنٌ وعنده من العُرُوضِ ما يفي دَيْنه، لزمته الزَّكاة فيما في يَدَيْهِ من العَيْنِ (٣). وللشّافعيّ في هذه المسألة قولان (٤): أحدهما: أنّه لا يلتفت إلى الدَّيْن في الزّكاة، وأنّه يُوجب عليه الزَّكاة وإن أَحَاطَ الدَّيْن بمالِهِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ في ذِمَّتِهِ والزَّكاة في عَيْنِ ما بِيَدِه (٥). والقولُ الثّاني: إذا ثبت لم يزكِّ أموال التِّجارة إذا أحاط الدَّيْن بها، إلَّا أنّه لا يجعلُ الدَّيْن في شيءٍ من العُرُوضِ، فجلّ مذهبه أنّه لا يجعل دَيْنه في العُرُوضِ وإنّما يجعله في عَيْنٍ إنّ كان قادرًا عليه. وقال مالك: الدَّيْن لا يمنع الزَّكاة من السّائمة ولا عشر الأرض، ويمنع زكاة الدّنانير والدّارهم وعروض التجارة وصَدَقَة الفِطْر في العِيدِ، هذه رواية ابن القاسم عنه. وقال ابنُ وهب كما ذكر مالكٌ في "الموطّأ" ولم يذكر صَدَقَة الفِطْر. وقال أبو حنيفة: الدَّينُ يمنعُ الزّكاة، ويُجْعَلُ في الدَّنانير والدَّراهم وعُرُوضِ التَّجارة، فإن فضلَ كان في السّائمة، ولا يُجعل في عَيْدِ الخِدْمَةِ ولا دار السُّكْنَى إلَّا إذا فضلَ عن ذلك (٦)، وهو قولُ الثوريّ.

стр. 1627

المسألة الثّالثة (١): قوله في الحديث (٢): "أنّ تُوخَذ منهُ الزَّكَاةُ لما مَضَى من السِّنِينَ" لما كان في مُلكِهِ ولم يزل عنه (٣)، ثم نَظَرَ بعد ذلك فرَأَى أنَّ الزكاةَ تجبُ في العَيْنِ، بأن يتمكّن من تنميته (٤)، وهذا مالٌ قد زالَ عن يَدِه إلى يد غيره، ومنع هذا عن تنميته، فلم تجب عليه فيه الزَّكاة (٥)، وهذا حُكْمُ المال المغصوب إنّ (٦) كان ممّا يرجو رذه إليه تَطَوُّعًا أِوِ بحكمٍ، فإنّه لا يزكِّيه إلَّا لعامٍ واحدٍ، وإنّما الاعتماد في ذلك كلَّه بحصول المال الّذي يَدِهِ. المسألة الرّابعة (٧): وأمّا اللُّقَطَة، فرَوى ابنُ القاسم وابنُ وهب وابنُ زياد وابنُ نافع عن مالك؛ أنّ صاحبها لا يزكِّيها إذا رجعت إليه إلّا لعامٍ واحدٍ. وقال المغيرة: يُزَكِّيها لُكلِّ عام (٨). توجيه (٩): ووجه (١٠) قول مالك: أنّ المال ليس في يد مالكه ولا يقدر على تنميته كالمال المغصوب. ووجه قول المغيرة:* أن ضمانه منه، فكان بمنزلة المال الّذي بيَدِ وكيله* (١١).

стр. 1628

فرعٌ (١): وأمّا من دفنَ مالًا ثمّ نَسِيَهُ في موضعه لا يدري، ثمَّ وجدَهُ بعد أعوامٍ، فقال مالكٌ: يزكِّيهِ لكلِّ عامٍ، والفرقُ بينه وبين اللُّقَطَة أنّ اللُّقَطَة بِيَدِ غيره، والمالُ المدفونُ ليس بيد غيره. وقال ابنُ الموّاز: إنْ دَفَنَهُ في صحراء ثم نَسِيَهُ، فلا زكاةَ عليه، وإنْ دَفَنَهُ في بيته أو في موضع يحاط به، فعليه الزَّكاةَ لكلِّ عامٍ؛ لأنّه قادرٌ على إخراجه كما تَقَدَّم بيانُه. ووجه ذلك: أنّه قادرٌ على الوصول إليه بحَفْرِ جميع الموضع، وهذا لا يتهيَّأ في الصَّحراء. وقال ابنُ القصّار: أمّا (٢) من كان ممنوعًا من التّصرُّف في ماله بكلِّ حال، فلا زكاةَ عليه فيه إلَّا لحَوْلِ واحدِ، كالمال المغصوب واللُّقطة (٣) والدَّين والقَرْض والمال الّذي جَحَدَهُ المُودع، خلافًا لأبي حنيفة (٤). فرعٌ ثانٍ: وهو إذا كان على رَجُلٍ مئة دينار وله على آخر مئة أخرى، فلا زكاة عليه، فإن كان معه عُروض سِوَى المئة الّتي له (٥)، جعل المئة الدَّيْن في مقايلة العُرُوض وزكَّى المئة الأُخرى، على تفصيلٍ في المذهبِ. وإن كان عليه مئة دينار، وله مئتا دينار، فحال حول الأُولَى لم يزكِّها لاستغراقها بالدَّيْنِ، فإذا حالَ حَوْل الثّانية زكَّاهَا، ومن أصحابنا من عكس ذلك، ومنهم من قال: تزكَّى الأُولَى إذا حالَ حولها؛ لأنّ الدَّيْنَ يُجْعَلُ في الدَّينِ. فرع ثالث: قالت جماعةُ الشّافعيّة: إنّ الزَّكَاةَ تتعلَّقُ بالذِّمَّةِ، وعند مالك إنّ الزَّكاة لا تتعلَّق

стр. 1629

بالذِّمَّة وإنّما تتعلّق بالمال لا بالذِّمَّة (١). وقد اضطرب قول الشّافعي في هذه المسألة، فمرَّة قال: تتعلّق بالذِّمَّة، ومرة قال: تتعلَّق بالمالِ. والدّليل لمالك عليه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٢)، وحديث معاذ حين أَرْسَلَهُ إلى اليمن (٣)، وقال مالكٌ إنّما تجب الزَّكاةُ في الدَّيْن يوم قبضه، فإن كان ذَهَبًا فحُكْمُه حُكْم الذَّهَب، وإن كان فِضَّة فحكمها كذلك. المسألة الخامسة: قال الإمام: ثمّ إنّ مالكًا ﵀ عقب هذا الباب بعد ذلك (٤): "أَلَّا يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلَّا زكَاةٌ واحدةٌ، فإنَّه كان ضِمَارًا". عربيّة: اختلفَ الشَّارحونَ للموطّأ في هذه اللَّفْظَة، وهي قريبة المرام. قال الأخفش (٥) وأهل العربيّة: أصل الضِّمار في كلام العرب الغائب، من قولهم قد أضمرت كذا، أي غيَّبْتُه في قَلْبِي، وكلُّ ما غابَ عن أهْلِهِ فقد أَضْمَرَتْهُ البلا د، أي (٦) غَيَّبَتْهُ. وأمّا الفقهاء ففسروه على أقوال تَقْرُبُ: فقال مالكٌ: الضِّمار المحبوسُ على صاحِبِه (٧). وقال ابنُ حبيب (٨): "الضِّمار كلُّ ما لا يُرْجَى، مَالًا كانَ أو غيره، وكان علي

стр. 1630

بن معبد يقول: إنّه المال المستهلك". وقال غيره (١): الضِّمارُ الّذي لا يدرى صاحبه أيخرجُ أم لا. قال الإمام (٢): وهذا التّفسير جاء في الحديث، وهو عندهم أصح وأَوْلَى. تكملة (٣): اختلفَ العلّماءُ في زكاة المال الطّارى (٤) وهو الضِّمار؟ فقال مالك بآخر قول عمر بن عبد العزيز (٥)؛ أنّه ليس عليه فيه زكاة واحدة إذا وَجَدَهُ وقدرَ عليه وقَبَضَهُ. وقال اللّيث: لا زكاةَ عليه فيه ويستأنفُ به حَوْلًا (٦). وكذلك قالوا في الوديعة: إنّه يزكِّيها في كلّ عامٍ، وفيه للعلّماء كلامٌ طويلٌ أَضْرَبْنَا عنه، لُبَابُه ما سَرَدْنَاهُ لكم، فَعَوِّلُوا عليه واتَّخِذُوهُ دستورًا (٧). باب زكاة العُرُوضِ مالك (٨)، عن يحيى بن سعيد، عن زُرَيْقِ بن حيَّانَ، وكان زُرَيْق على جَوَازِ مِصْرَ في زمان الوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز، فَذَكَرَ أنَّ عمر ابن عبد العزيز كَتَبَ إليه: أَنِ انْظُرْ من مَرَّ بك من المسلمينَ، فَخُذْ مِمَّا ظَهَرَ من أموالهم مِمَّا يُدِيرُونَ من التِّجارة، مِنْ كلِّ أربعينَ دينارًا، دينارًا، فما نَقصَ فبِحِسابِ ذلك، حتَّى تَبْلُغَ عِشْرِينَ دينارًا، فإِنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا وَلاَ تَأْخُذْ منها شيئًا. وَمَنْ مَرَّ بِكَ من أهلِ الذِّمَّةِ فَخُذ مِمَّا يُدِيرُونَ من التِّجارةِ من كلِّ عِشْرينَ دينارًا دينارًا، فَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابِ

стр. 1631

ذلك حتَّى يَبْلُغَ عَشرَةَ دَنَانِيرَ، فإن نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا وَلاَ تأخذْ منها شيئًا، واكْتُب لَهُمْ مِمَّا تَأْخُذُ منهم كتابًا إلى مِثْلِهِ مِنَ الحَوْلِ. الإسناد (١): تنبيه على وَهَمٍ ليحيى قال الإمام: هكذا وقعَ في رواية يحيى "زُرَيْق" بالزّاي قبل الرّاء، والصّواب "رُزَيْق" الرّاء قبل الزّاي، وعليه جمهور الفقهاء (٢)، واسْمُه سعيد (٣) بن حيّان الفزاريّ. ليس فيه اختلاف بين المحدِّثين رُزَيْق - بتقديم الرّاء على الزّاي (٤)، وزُرَيْق بتقديم الزّاي على الرّاء- بن حكيم فيه اختلاف. وقال البخاريّ في "تاريخه" (٥): رُزَيْق بن حيان (٦)، وزُرَيْق بن حكيم (٧)، أدخلهما جميعًا في باب الرَّاءِ. وقيل: ليس يعوف في المحدِّثين رُزَيْق يتقديم الرّاء. الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى: احتجَّ مالك بكتاب عمر بن عبد العزيز وهو خليفةٌ عَدْلٌ، وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الفقه، وهو (٨) ممّا (٩) يُتَحَدَّث به في الأمصار ولم ينكر ذلك عليه أحدٌ، فثبًتَ أنّه إجماعٌ .. وخالف داود في ذلك؛ ألَّا زكاة في العوض بِوَجْهٍ (١٠). ودليلُنا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ الآية (١١).

стр. 1632

والّذي نُحَقِّقُه؛ أنّ الزَّكاةَ قد تَقَرَّرَ وجوبها في العَيْنِ، ونجدُ من النّاس خَلْقًا كثيرَا يكتسبون الأموالَ ويصرفونَها في أنواع المعاملات وتنمى لهم بأنواع التِّجارات، فلو سقطت الزَّكاةُ عنهم لكانَ خَلْقٌ كثيرٌ من الأغنياء يخرجون عن هذه العبادة، وتذهبُ حقوق الفقراء في تلك الجملة، وربَّما اتُخِذَ ذلك ذريعة إلى إسقاط الزَّكاةِ والاستبداد بالأموال دون الفقراء، فاقْتَضَتِ المصلحةُ العامَّةُ والإبالةُ (١) الكُلِّيَّة وحفظُ الشّريعة ومراعاةُ الحقوق أنّ تُؤْخَذَ الزَّكاةُ من هذه الأموال إذا قصد بها التجارة (٢). المسألة الثّانية (٣): قال علماؤنا (٤) الأموال على ضربين: مالٌ أصلُه التِّجارة، كالذَّهب والدَّراهم (٥). ومالٌ أصله القُنْيَة، كالعُرُوضِ (٦). فما كان أصلُه التِّجارة فلم ينتقل إلى القُنْيَة إلَّا بالنِّية والعمل المؤثّر في ذلك وهو الصِّناعة (٧). وما كان أصله القُنْيَة لم ينتقل إلى التجارة إلَّا بالنية (٨) والعمل المؤثِّر في ذلك، وهو الابتياع، فمن اشترى عرضًا لم يَنْوِ بِهِ التِّجارة فهو من القُنْيَةِ، وكذلك من ورثه.

стр. 1633

وأمّا ما ابتاعه للغَلَّة من الدُّور، ثم باعها بعد حَوْلٍ، ففي "المدوّنة" (١) من رواية ابن القاسم؛ في ذلك عن مالك روايتان: إحداهما: يزكِّي الثَّمَن (٢)، وهو اختيار ابن نافع. والرِّواية الثّانية: يستأنف به حَوْلًا، وهذا اختيار ابن القاسم. توجيه (٣): ووجه الرِّواية الأولى: أنّ الغَلَّةَ نوع من النَّماء والإرصاد له يُوجِبُ الزَّكاةَ كرِبْحِ التِّجارة. ووجه الرِّواية الثّانية: أنّ هذا مالٌ لم يُرْصَد للتِّجارة، فلم تجب فيه الزَّكاة، كما لو اشتراه للقُنْيَة. المسألة الرّابعة (٤): قوله: "فإنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا" وقد روى اين مُزَيْن عن عيسى عن ابن القاسم؛ أنّه لم يأخذ مالكٌ بهذا الحديث، وقوله: "لا زكاةَ فيها إذا نَقَصَتْ يسيرًا أو كثيرًا، إلّا مثل الحَبَّةِ والحبَّتَيْنِ ونحو ذلك فإِنّ فيه الزَّكاة، وكذلك الدراهم" ومعنى (٥) قوله: لم يأخذ مالكٌ بهذا الحديث، يريد بِظَاهِرِهِ. المسألة الخامسة (٦): قوله: "فَمَا نَقَصَ فبِحِسَابِ ذَلِكَ، حتَّى تبُلُغَ عَشرَةَ دَنَانِيرَ، فإن نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارِ فَدَعْهَا" يحتمل أنّ يكون هذا اجتهادٌ منه، وإنّما (٧) رأى ما دُونَ العشرة من جملة اليسير الّذي يجري مَجرَى النَّفَقَة ومِمّا لابُدَّ منه للتبليغ (٨) في سفره. والّذي عليه الجمهور من الفقهاء والأيمّة؛ أنّه يُؤْخَذ ممّا يحملونه للتِّجارة قليلًا

стр. 1634

كان أو كثيرًا؛ لأنّهم قد انتفعوا بالتجارة به (١)، فيؤخذ منه على قَدْرِه كما تؤخذ من الكثير (٢). المسألة السّادسة (٣): قوله (٤): "فِيمَا يُدَارُ من العُرُوضِ (٥) للتِّجارَاتِ" والإدارةُ في كلامهم على ضربين: أحدهما: أنّ يريد بها التِّقَّلُّب (٦) في التِّجارة، وهو الّذي أراده (٧) هاهنا، فهذا لا زكاةَ على رَبَّ المالِ فيه حتّى يبيع، وإنْ أقام أحوالًا (٨) فيزكِّي لعامٍ واحدٍ. الثّاني: البيعُ في كلِّ وقتٍ من غير (٩) غَلَّة تُنْتَظَر (١٠)، كفِعْلِ أرباب الحَوَانِيتِ المديرِينَ، فهذا يزكَّي في كلّ عامٍ على شُرُوطٍ نذكرُها. وقال أبو حنيفة (١١) والشّافعيّ: يقوم التّاجرُ في كلِّ عامٍ ويُزَكِّي مديرًا كان أو غيره. المسألة السّابعة: مذهبُ مالك أنّه يُؤْخَذ من الذِّمِّيّ كلَّما تَجَرَ من بَلَدِهِ إلى بَلَدٍ غير بلده، وقال عبدُ الملك (١٢): "أمّا تُجَّارُ العَدُوَّ (١٣)، فالسُّنَّةُ أنّ يُؤخذ منهم ما صُولِحُوا عليه (١٤)،

стр. 1635

الخمس أو ما أحبّ من كَثْرَةِ ذلك أو قليله، وله أنّ يمنعهم من النزول إلَّا على ذلك، وإن رأى أنّ ينزلهم على أقلّ من العُشُر فذلك جائزٌ، وكذَلِكَ فَسَّرَ لي عن مالك من لقيتُ من أصحابه". المسألة الثّامنة: قوله (١): "خُذ مَا (٢) ظَهَرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ" أراد صَدِّقْهُم فيما ذَكَرُوا أنَّه بِضَاعَة بأيديهم وقِرَاض، وأن عليهم دَيْنًا، وأنّه لم يحل عليه الحَوْل وأنّه لا ناضّ لهم إلَّا الظّاهر، ونحو هذا من العُذرِ وشبهه، واللهُ أعلمُ. باب ما جاء في الكنز مالك (٣)، عن عبد الله بن دينار؛ أنّه قال: سمعتُ عبد الله بن عمر وهو يسألُ عن الكَنْزِ ما هو؟ فقال: هو المالُ الّذي لا تُؤَدَّى منه الزَّكَاةُ. الإسناد: قال أبو عمر (٤): "سؤالُ السَّائل لعبد الله بن عمر عن الكَنْزِ ما هو، إنّما كان سؤالًا عن معنَى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ...﴾ الآية، إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٥) ". قال الإمام: أدخلَ مالكٌ حديثَ ابن عمر والسُّؤال عن الآية على أنَّه قد اختلفَ النّاسُ في هذه الآية، هل هي عامَّةٌ في كلّ نَفَقَةٍ؟ أو مخصوصةٌ بالزَّكاةِ على ما أوضحناه في "الأحكام" (٦). وكان أبو ذَرّ يقول: بَشِّر أصحاب الكُنُوز بِكَيِّ في الجِبَاهِ، وكَيٍّ في الجنُوبِ،

стр. 1636

وكَيِّ في الظُّهور (١). والحكمةُ في أنّ بدأ بالجبهة دون غيرها، وذلك أنَّه إذا وقف السّائل لصاحِبِ المال وأَلَحَّ عليه، أَعرضَ عنه بِوَجْهِه، فإذا زادَ عليه أعطاهُ جَنْبَهُ، فإذا زاد عليه أعطاهُ ظَهْرَه وأعرضَ عنه بالكُلِّيَّة، فذلك قوله: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ (٢) والله أعلم. العربيّة (٣): "الكنز" في لسان العرب هو المالُ المجتمعُ المخزونُ فوقَ الأرضِ أو تحتها، هذا معنى ما ذَكَرَهُ صاحب "العين" (٤) وغيره، ولكنّ الاسم الشّرعيّ قاضٍ على الاسم اللُّغَويّ (٥)، فكلُّ كَنْزٍ مجتمع وليس كلّ مجتمع كنزٌ، هذا في الشَّرْعِ يطرد وينعكس، ويطرد في اللُّغة ولا ينعكس. وأمّا ما عليه الفقهاء، فعلى ما فَسَّرَهُ ابن عمر وعليه الجماعة؛ أنّ (٦) المال الّذي لا تؤدَّى زكاته، يريد أنّ هذا الاسم يختصُّ به في الشّرع؛ لأنّ أصل الكنز الجمع، وكلّ ما جمع فهو كَنْزٌ، ولكن الشّرع قد قرَّرَ هذا الاسم عنده لمن جمع المال على وَجْهِ منع الحقِّ فيه، وعليه ينطلقُ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية (٧)، فَتَوَعَّدَهُم تعالى على مَنْعِ الحقِّ، ولا يجوز أنّ يتوعَّدَهم على جَمْعِ مالٍ قد أُدِّيَتْ زكاتُه؛ لأنّه لا خلافَ بين المسلمين في جَوازِ ذلك. ورُوِيَ عن عليّ؛ أنَّه قال: أربعة آلاف فما دُونَها نَفَقَةٌ (٨)، فإن زادت فهي كَنْزٌ أُدِّيَتْ زكاتها أم لم تؤدّ. فعلى هذين (٩) القولين منع من ادخار كثير المال. وقال ابنُ عبّاس: هي خاصّةٌ فيمن لم تؤدّ زكاته من المسلمين، وعامّةٌ في أهل الكتاب مَنْ أَدَّى زكاته ومن لم يؤدّها.

стр. 1637

وقال عمر بن عبد العزيز: أراها منسوخة بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية (١). وقد ذهب قومٌ من الصّحابة كأبي ذرّ وعلىّ؛ أنّ في الأموال حقوقًا سِوَى الزَّكاة، وتأوَّلُوا قوله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ (٣) الآية. وكان الضّحاك يقول: من ملك عشرة آلاف دِرْهَم فهو من الأَخْسَرِينَ اعمالًا، إلَّا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا في صِلَة الرَّحِم ورفد الجار والضَّعيف (٤)، ونحو ذلك من وجوه الصَّدَقَة والصَّلَة. حديث مالك (٥)، عن عبد الله بن دِينَار، عن أبي صالح السَّمَّانِ، عن أبي هريرة؛ أنَّه كان يقول: من كان عنده مالٌ لم يُؤَدِّ زَكَاتهُ، مُثِّلَ له يَوْمَ القيامةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبيبَتَانِ يَطلُبهُ حتَّى يُمْكِنهُ، يقولُ: أنا كَنْزُكَ. الإسناد (٦): قال الإمام: هذا حديثٌ موقوفٌ عند جماعة رواة الموطّأ من قول أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ مرفوعًا، خَرَّجَهُ البخاريّ (٧) ومسلم (٨) هكذا، وقد رُوِيَ مُسْنَدًا من طُرُقٍ كثيرةٍ (٩)، عن ابن عمر وغيره، وهو صحيحٌ. العربية: قال صاحب "العين" (١٠) "الشُجاع (١١): الحَيَّة"، والأقرعُ ضَرْبٌ منها يقال إنّه

стр. 1638

أقبحها منظرًا. والزَّبيبتان: زبَدَانِ (١) في شِدْقَي المتكلِّم من شدَّةِ كلامه، وأكثر ما يعتري ذلك المتكلِّم عند الضَّجر، فيحتمل أنّ يُوصَفَ الشُّجاع بذلك لغضبه (٢) على المُفَرِّطِ في الزَّكاة. وسئل (٣) مالك (٤) عن الزَّبِيبَتَيْن فقال: أراهما شيئًا يكونُ على رَأْسِهِ كالقَرْنَيْن، واللهُ أعلمُ. وقال ابنُ حبيب (٥): "سمعتُ مُطرِّفًا يقول: هما زَبيبَتَانِ في حَلْقِه (٦)، وأكثر ما تكون عند الغَضَب"، واللهُ أعلمُ. ذكر الفوائد المنثورة المتعلقة بهذا الحديث: وهي ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى (٧): قوله: "مُثِّلَ لَهُ ماله شجاعًا أَقْرَع" ثبتَ ذلك عن النّبيِّ ﷺ من طُرُقٍ كثيرةٍ، وهذه العُقُوبة إنّما تكون -كما قلنا- فيمن مَنَع الحقوق الواجبة. الفائدةُ الثّانية (٨): ومعنى قوله: "مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا" حقيقة؛ لأنّ المال جسمٌ والشُّجاع جسمٌ، فيغيِّر الله الهيئات والصِّفات والجسمُ واحدٌ، ويكون المَثَل في الذَّات لا في الصِّفات،

стр. 1639

بخلافِ قوله ﷺ : "يؤتى بالموتِ في صورة كَبْشٍ أَمْلَح" (١) وخصّ بذلك الشّجاع؛ لأنّه أوّل عَدُوِّ اكتسبَهُ الإنسانُ وبه خرجَ من الجنَّةِ، والله أعلم. الفائدةُ الثّالثة: قد رُوِّينَا حديثًا عن ثوبان؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ فارقَ منه الرُّوح الجَسَدَ وهو بَرِيءٌ من ثَلَاثِ دَخَلَ الجَنَّةَ: الكَنْز، والغُلُول، والدَّيْن" (٢). وقال الشّيخ أبو عمر (٣): "الأحاديثُ المرويّةُ في الّذين يكنزونَ الذَّهبَ والفضَّة منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٤) ". وهذه الآية عامّةٌ في كلِّ مالٍ على اختلافِ أصنافِهِ وتبايُنِ أسمائه واختلاف أغراضه، فمن أراد أنّ يخصها بشيءٍ فعليه الدَّليل. باب صَدَقة الماشية مَالِك (٥)؛ أَنَّهُ قَرَأَ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ في الصَّدَقَةِ قَالَ: فَوَجَدْتُ فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كتَابٌ الصَّدقَةِ، في أرْبَعٍ وعِشرِينَ مِنَ الِإبِلِ، فَدُونَها الْغَنَمُ، في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، وفيما فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى سِتِّينَ حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ ... إلى آخر الحديث المذكور في الموطّأ. الأصول (٦): قال الإمام: ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ في صَدَقَةِ الماشية ثلاثة كُتُبِ، كتَاب أبي بكرٍ الصِّديق بعد مَوْتِ النَّبيِّ ﷺ رواهُ أنس (٧) واستقرَّ عِنْدَه، وكتاب إلى عمرو بن حَزْم

стр. 1640

واستقرَّ عِنْدَهم (١)، وما في كتاب عمر بن الخَطّاب عليه عَوَّلَ مالكٌ، لِطُولِ مُدَّةِ خِلاَفَتِهِ وسَعَهِ بيضة الإسلام في أيام ولايته، وكَثرَةِ مُصَدِّقِيهِ، فما مِنْ أَحَدِ اعترضَ عليه فيه، ولأنّه اسْتَقَرَّ بالمدينة وجَرَى عليه العمل، مع أنّه رواية سائر أهل المدينة. وأمّا كتاب ابن حَزْم فتركَهُ؛ لأنَّ كتاب عمر أيضًا أَوْفَق للأَخْذِ؛ لأنّ فيه زيادة استئناف الزَّكاة بالغَنَمِ. وقال بعضُ أشياخنا: إنَّ الكتابَ الّذي قَرَأَهُ مالك في أَمْرِ الصّدقة هي نُسْخَةُ الكتاب الّذي كَتبهُ رسول الله ﷺ لعُمَّالِهِ، ذكره أبو داود (٢) من طريق الزّهريّ، عن سالم، عن أبيه (٣)، قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصَّدَقَة فلم يخرجه إلى عماله حتَّى قُبِضَ، فعمل به أبو بكر والخلفاء من بَعْدِهِ. وهو حديث مُسْنَدٌ، ولم يسنده مالكٌ في الموطّأ، وإنّما أَرْسَلَهُ. نكتةٌ أصولية (٤): اختلف النّاس في كتاب العالِمِ إذا تحقق كتابه، هل تكون روايته صحيحة ويلزم العلّم به أم لا؟ وفي "حديث الرباعيات" (٥) للبخاريّ؛ أنّه يجوز أنّ يقرأَ الرَّجُلُ كتاب أبيه يتيقَّن أنّه كتابه وخطّه (٦)، فيحدِّث به عنه ويكون مُسندًا. وأمّا قول مالك في كتاب أبي بكر، فإنّه لا يُوجِبُ حُكْمًا باتِّفَاقِ. ورجَّح مالك رواية كتاب عمر على رواية كتاب أبي بكر بأربعة أوجه: الأوّل: أنّها رواية فقيهٍ كبيرِ السِّنِّ محصِّل للعلّم على من هو أحطّ (٧) منه في ذلك. الثّاني: أنّه يرويه عنه ثِقَتَانِ حافِظَانِ ابنا عبد الله بن عمر.

стр. 1641

الثّالث: أنَّه اتِّفاق من أهل المدينة على نَقْلِها، ونَقْلُهُم مُقَدَّمٌ على نَقْلِ غيرهم بالترجيح اتِّفاقًا. الرّابع: عملُ عمر بن عبد العزيز بها في الأقطار الّتي فيها كتاب أبي بكرٍ الصِّديق. الفقه في عشر مسائل: المسألة الأولى: قال علماؤنا: في هذا الحديث دليل أَنَّه لا مَدْخَلَ للغَنَمِ ولا بنت المخاض بعد المئة، وبه قال الشّافعي. وقال أبو حنيفة: لها مدخل (١). وليس في ذلك حُجَّة. والدّليلُ على ما نقوله: كتاب عمر المذكور في الصَّدَقَة. المسألة الثّانية: قال علماؤنا: النِّصابُ المزكَّى من الماشية في الغَنَمِ أربعون فصاعدًا، ومن البقر ثلاثون فصاعدًا، ومن الإبل خمسة فصاعدًا، فهذا الأصل في زكاة الماشية (٢). وأمّا (٣) قوله: "في أَرْبَعِ وعشرينَ فَدُونَها الغَنَمُ" مأخوذ من الأربع والعشرين وإن كانت الأربع (٤) وَقْصًا. وقد اختلف قول مالكٌ في ذلك، فمرَّةً قال: إنّ ما يؤخذ من الصَّدَقَة فإنَّما هو على الجُمْلَةِ. ومرَّةً قال: إنّما هو على من تلزم به تلك الصَّدَقَة، وما زاد على ذلك فإنّما هو وَقْصٌ إلى أنّ يتغير (٥) السّنّ، لا يجب في ذلك شيءٌ، ولا يؤخذ منه شيء، وهذا هو الّذي اختارَهُ ابن القَصّار، وقد اختلف في هذا قول أبي حنيفة والشّافعيّ. فوجهُ القول الأوّل: حديثُ عمر: "في أربع وعشرين من الإبِلِ فَدُونَها الغَنَمُ" وقوله: "فيما فوقَ ذلكَ إلى خمسٍ وثلاثينَ بنت مَخَاضٍ".

стр. 1642

ووجهه من جهة القياس: أنّ هذا حقٌّ يتعلَّقُ بمقدارٍ، فوجب أنّ يتعلَّقَ به وبالزِّيادة عليه إذ لم ينفرد بالوُجوبِ، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ وأَرَشِ المُوضِحَة. ووجه القول الثّاني: أنّ العشرين من الإبِلِ نصابٌ، فوجب أنّ يتقدَّمَهُ عَفْوٌ كالخمس (١). المسألة الثّالثة (٢): قوله: "فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ" يقتضي أنّ فيها أربع شياه؛ لأنّ ذلك عدد ما فيها من الخمس، ويقتضي أنّ الغَنَم هي الموجبة (٣) فيها، فإن أخرج عن خَمسٍ واحدًا منها لم يجزئه، وإنّما يجزئه أنّ يخرج ما وَجَبَ عليه منها وهي شاة. قال مالك: تؤخذ (٤) من غَنم غالبِ ذلك البلد، ضَأْنًا كان أو معزًا، ولا ينظر إلى ما في ملكه. ورَوَى ابنُ نافع عن مالك: من أدَّى (٥) مِنْ ضَأْنٍ أو معزٍ أَجْزَأ عنه، ولا يكلّف أنّ يأتي بما ليس عنده. وقال عبد الملك: إنّ كان من أهل الضَّأْنِ فمنها، وإن كان من أهل المعز فمنها، وإن كان من أهل الصِّنفين* أخذهما عنده، فإن كان من أهل الضَّأْن أخذ منها، وإن كان عنده الصِّنفان* (٦). خُيِّرَ السَّاعِي. المسألة الرّابعة (٧): قوله (٨): "فَإِنْ لَم يَجدْ فَابْن لَبُون" (٩) يقتضي أنَّه إذا لم يكن عنده ابنة مَخَاض وكان عنده ابن لَبُون أجزَأَ عنه (١٠)، ولا يجزئ مع وجودها، هذا مذهبُ مالك الصّريح.

стр. 1643

ومذهب أبي حنيفة أنّه يجوز ذلك، وبناهُ (١) على مذهبه في إخراج القيمة (٢) في الزّكاة، وهو الّذي ذَكَرَهُ شُيُوخُنا (٣). ويحتمل عندي وجه آخر، وهو أنّ يكون على وجه البَدَلِ؛ لأنَّ كلَّ ما يجمع بعضه إلى بعض، فهو على وجه البَدَلِ لا على وَجْهِ القِيمَةِ كالوَرِقِ والذَّهب. المسألة الخامسة (٤): قوله: "فما زَادَ على ذَلِكَ، فَفِي كلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وفي كلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ" قال علماؤنا (٥): يقتضي أنّ ما زادَ على المئة وعشرين (٦)، فإنّ زكاته بالإِبِلِ، وهذا راجعٌ إلى الجملة، وعلى هذا إنّما هو فَرْض (٧) الزّكاة، إنّه إذا بلغت إلى فَرْضِ بطَلَ ما قَبْلَهُ ورجع الحُكمُ إليه، فلا مدخلَ للغَنَم ولا لغيرها بعد (٨) الخمسة والعشرين (٩)، وبهذا قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة (١٠): إنّ زادت الإبلُ على مئة وعشرين، رجعت فريضة الغَنَم. فيكون في مئة وخمس وعشرين حِقَّتَانِ وشاةٌ (١١)، وهكذا في كلِّ خمس شاة إلى خمس وأربعين ومئة ففيها حِقَّتَانِ وابنة مَخَاضٍ، وفي كلِّ خمسين ومئة ثلاث حِقَاق

стр. 1644

وفي مئة وخمس وخمسين (١) ثلاث حِقَاق وشاة، وعلى هذا التّرتيب هو مذهبنا. ودليلُنا عليه: حديث عمر، وهو حُجَّةٌ في الزَّكاةِ، يجبُ الرُّجوع إليه والعمل به (٢). لأنّه قد بعثَ به إلى الآفاق ولم يعلم له مخالف في ذلك الوقت. ودليلُنا من جهة القياس: "أنّ ابنة مَخَاض سنّ لا يعود بعد الانتقال عنه فَرْضًا بِنَفْسِهِ (٣) كسنِّ الجَذَعَةَ. المسألة السّادسة (٤): فهذا ثبت أنّ الغَنَمَ لا تعودُ في صدَقَةِ الإِبِلِ (٥)، فاختلف أصحابنا في قوله: "فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ (٦)، ففي كلِّ أربعينَ ابنة لَبُون، وفي كلِّ خَمسين حِقَّةٌ" على ثلاثة أقوال: ١ - القول الأوّل: رَوَى ابنُ القاسِم عن مالكٌ؛ أنّ الفَرْضَ يتغيّر (٧) إلى تخيير السَّاعِي بين حِقَّتَيْنِ وثلاث بنات لَبُون (٨). ٢ - وَرُوِيَ عنه أنّه قال: لا ينتقل الفَرْضُ إلّا بزيادة عَشرٍ من الإِبِلِ، وبه قال أشهب. ٣ - وَرُوِي عنه؛ أنَّ الفَرْضَ ينتقلُ إلى ثلاثِ بناتِ لَبُون من غير تَخْيِيرٍ، وهذا اختيار ابن القاسم. وعندنا؛ أنَّ مَجِيءَ السَّاعي شرطٌ في صحَّةِ الزَّكاةِ. المسألة السّابعة: قوله: "وَفِي سَائِمَةِ الغَنَمِ إِذَا بَلَغَت" واختلفَ العلّماءُ فيها على أقوال:

стр. 1645

فقال أبو عبد الملك (١): "هي الرّاعية قليلة كانت أو كثيرة: وقد تُسَمَّى الواحدة سائمةٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ الآية (٢)، يعني: فيه ترعون ماشيتكم". ويحتمل (٣) أنّ يكون قصدها لأنّها عامّة الغَنَم. ويحتملُ أنّ يذكر ذلك صلّى الله عليه لينصَّ على السّائمة ويُكَلّف المجتهد الاجتهاد في إلحاقِ المَعْلُوفَة يها، فيحصل له أَجْر المجتَهِدِينَ، وقال: "إذًا بَلَغَتْ أربعين إلى عِشْرْينَ ومئة شاةٌ" فَنِصابُ الغَنَمِ أربعون، وَوَقْصُها إلى تمامِ المئَة وعشرينَ. المسألة الثّامنة: قوله (٤): "وَلاَ يُحرَجُ فيِ الصَّدقَةِ تَيْسٌ، وَلاَ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ، إلَّا مَا شَاءَ المُصَّدِّقُ، وَلاَ يُجمَعُ بَينَ مُفْتَرِقٍ، ولا يُفَرِّقُ بَينَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدقَةِ". شرح (٥): قوله "عَوَار" فإن العَوَار -بفَتْحِ العَيْنِ-: ذات العَيْبِ والنَّقْصِ، من ذلك الكبيرة والمريضة البَيِنِّ مرضُها، والعَوْرَاء البينِّ عَوَرُها، والجرْبَاء، والعَمْيَاء، والعَرجَاء الَّتِي لا تلحق الغَنَم، فهذه كلُّها تدخلُ في ذاتِ العَوَارِ، ولا يجوز للمصَّدِّقِ أنّ يأخذَ منها شَيئًا. أمّا التّيْسُ والهَرِمَة فكذلك أيضًا (٦)، والذَّكَر من المَعْزِ، وإنّه لا يؤخذ شيء من ذكرر المعز، وإنّما يجب في ذَاتِ العَوَارِ إلّا أنّ يكونَ التَّيْسُ فَحْلاَ مُسِنًا من كِرَام المَعْزِ، فيلحق بالعُجُول، فلا يجوز أيضًا للمُصَّدَّق أنّ يأخذه إنّ كان ذلك لفضله؛ لأنَّ عمر قد قال للمُصَّدِّقِ: لا تأخذ فَحْلَ الغَنَمِ.

стр. 1646

المسألة التّاسعة (١): قال: فإن كانت الغَنَم كلها عرجاء أو مريضة (٢) أو ذات عَوَار؟ كان على رَبَّ الغنمِ أنّ يأتي بما يجزئ عنه، ولم يلزم المصَّدِّق أنّ يأخذَ منها إلّا أنّ يشاء (٣) ذلك. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يأخذ منها. ودليلُنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤). ودليلنا أيضًا من جهة القياس: أنّ هذا حيوان يخرجُ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فكان من شرطها (٥) السّلامة كالضّحايا، وهذا القياس إنّما يتَّجِهُ على قول ابن القصّار أنّ ذا (٦) العيب لا يجزئ وإن كانت قيمته أكثر. ومذهب مالكٌ؛ أنّها (٧) تجزئ إذا كانت أفضل للمساكين من السليمة (٨). العربيّة: قوله: "ابْن لَبُون " ابن سَنَتَيْن، و"ابن مَخَاض": ابن سَنَة، و"والحِقَّة": الّتي أكملت الثّلاث سنين ودخلت في الرّابعة. و"الجذعة": هي الّتي دخلت في الخامسة. وقوله (٩): "وفي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ" قَالَ علماؤنا (١٠): الرِّقة اسمٌ للفِضَّة (١١)، ويقال: إنها الموازنة. وحكَى عبد الوهّاب أنّ من أصحابنا من قال: هو اسمٌ للذَّهب والوَرِقِ معًا، والأوّل أظهر.

стр. 1647

ما جاء في البقر مالك (١)، عَن حُمَيْدِ بْنِ قَيْسِ المَكِّيِّ، عَنْ طَاووسٍ الْيَمَانِيِّ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الأَنْصَاريَّ أَخَذَ مِنْ ثَلاَثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا، ومَنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً، وَأَتَى بِمَا دُونَ ذَلِكَ، فَأَبَى أَن يَأْخُذَ مِنْهُ شَيئًا، وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فيه شَيْئًا، حَتَّى أَلْقَاهُ فَأَسْأَلُهُ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قبل أَنْ يَقْدُمَ مُعَاذٌ بْنُ جَبَلٍ. الإسناد: قيل: هذا حديثٌ موقوفٌ، وقيل: مُرْسَلٌ، والصحيحُ أنّه موقوفٌ على معاذٍ، وهو حديث غير متَّصِل، ولكنّه عن معاذ ثابت متَّصِل من رواية معمر والثوّري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق عن معاذ بمعنى حديث مالكٌ. وكذلك رواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة وأَسْنَدَهُ. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: زكاةُ البَقَرِ ثابتةٌ أيضًا عن النَّبيِّ ﷺ ، والمُعَوَّلُ فيها على حديث مُعَاذ بن جَبَل؛ لأنَّ تِهَامَة ونَجْد لم تكن أرض بَقَر، وإنّما احْتِيجَ إلى بيان حالها باليَمَنِ، واللهُ أعلمُ، ولم يُدْرِك طاووس مُعَاذًا، فحديثهُ عنه مُرْسَلٌ (٢). الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): قوله: "أَخَذَ مِنْ ثَلاَثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا" والتَّبِيعُ هو (٤) الّذي فُطِمَ عن أُمَّهِ فهو تَبِيعٌ (٥)، وقيل: هو الجَذَعُ من سنَتَيْن، وكذلك فَسَّرَهُ ابنُ نافع وأكثر أهل العلّم بالعربية على أنّه تبيع أوّل سَنَة (٦)، وإنّما يكون تَبِيعًا إذا دخلَ في السَّنَة الثّانية ويقوى على ذلك، قاله

стр. 1648

عبد الوهّاب. وقال ابن حبيب (١): "هو الجَذَعُ من البَقَرِ وهو ابن سَنَتَيْن" (٢). والجَذَعَةُ اسم للصَّغيرِ منها ومن غيرها، وسُمِّيَ جَذَعًا لذلك. واختلف النّاس في المُسِنَّة: فقيل: هي الّتي دخلت في السَّنَة الثّالثة (٣). وقيل: هي الّتي أتت عليها ثلاث ودخلت في الرّابعة (٤)، وهو الّذي اختارَهُ ابن الموّاز (٥). المسألة الثّانية (٦): وأمّا صِفَتُه، فالمشهورُ من المذهب أنّه ذَكَرٌ، ولا يلزم صاحب الماشية أنّ تكون أنثى إلَّا أنّ يشاء ذلك. وقال ابن حبيب: يجوز أنّ يكون ذَكَرًا أو أنثى. وقال علماؤنا: ولا تؤخذ إلَّا أنثى (٧) سواء كانت بَقَرَهُ كلها ذُكورًا أو إناثًا. وقال أبو حنيفة: إنّ كانت البقر (٨) إناثًا جاز فيها مسن ذكر (٩). والدليل على ذلك: الحديثُ المتقدِّم (١٠). ومن جِهَةِ المعنى: أنّ هذا فَرْضٌ ورد الشَّرْعُ فيه بالأُنْثَى على الإطلاق، فلم يجز

стр. 1649

فيه (١) الذَّكَر، كبنات لَبُون في الإبل. وقال الشّافعيّ وأصحابه (٢): إذا كانت البقر ذكورًا كلّها أخذ منها مُسِنٌّ ذَكَرٌ. ودليلنا عليه: قولُه في حديث مُعَاذ: "من كلِّ أَرْبَعينَ مُسِنَّةً" ولم يعرِّف (٣). ومن جهة القياس: أنّه نصابٌ وَجَبَتْ فيه مُسِنَّة، فوجبَ أنّ تكون أُنْثَى كما لو كانت البَقَرُ (٤) إناثًا. المسألة الثّالثة (٥): قوله: "لَم أَسْمَعْ مِنْ رَسولِ الله ﷺ في ذلك شَيْئًا" وقد اختلفَ العلّماءُ في هذا الباب فيما زاد على الأريعين؟ فمذهب مالكٌ والشّافعيّ والطّبريّ وجماعة من أهل الفقه والحديث؛ ألَّا شَيْءَ فيما زاد على الأربعين من البقر حتّى تبلغ سِتِّين، فإذا بلغت ستين ففيها تَبِيعَانِ (٦) إلى سَبْعِينَ، فإذا بلغت سَبْعِينَ ففيها مُسِنَّةٌ وتَبِيعٌ، إلى ثمانينَ فتكون فيها مُسِنَّتَانِ، إلى تسعين فيكون فيها ثلاث تَبَائِع، إلى مئة فيكون فيها تَبِيعَانِ ومُسِنَّةٌ، ثم هكذا في كلِّ ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ، وفي كلِّ أربعين مُسِنَّةٌ. المسألة الرّابعة (٧): قوله (٨): "إنّ الضَّأنَ والمَعْزَ تجمعُ في الزَّكَاةِ" واستدلَّ على ذلك بقول عمر: "في سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاة (٩) "، وهذا يقتضي أنّه مَتَى اجتمعَ في مِلْكِ الرَّجُل أربعون (١٠) بعضها مَعْزٌ وبعضها ضَأْنٌ أنّه تجب فيه (١١) الزَّكاة؛ لأنّ اسم الغَنَم يقعُ على الصِّنْفَيْن. ومن جهة المعنى: أنّ الزَّكاة موضوعةٌ على أنّ تجمع من الأجناس ما تَقَارَبَ في

стр. 1650

المنفعة والجنس (١)، كالحِنْطَة (٢) والشّعير، والمنفعة في الضَّأْن والمَعْزِ واحدةٌ فلذلك جمعهما. المسألة الخامسة (٣): قوله (٤): في البِقَرِ العوامل أنَّ الزَّكَاةَ واجبَةٌ فيها كالسَّائِمَةِ، وهذا قولُ مالك (٥). وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا زكاةَ في شيءٍ من ذلك. ودليلنا: حديثُ أبي بكرٍ المتقدِّم: "في أَرْبَعٍ وعِشْرِينَ من الإِبِلِ فما دونها (٦) الغَنَمُ"، وهذا عامٌ، فيجب حمل ذلك على عمومه إلَّا أنّ يخصَّه دليلٌ، والله أعلم. صَدَقَةُ الخُلَطَاءِ الإسناد: لم يذكر مالك في هذا الباب إلّا خبرًا واحدًا بَيَّنَ فيه مذهبه؛ أنّ الخَلِيطَيْنِ لا يزّكيان زكاة الواحد حتّى يكون لكلِّ واحدٍ منهما نصابٌ. العربية (٧): الخُلَطَاءُ: اسْمٌ شرعيٌّ واقعٌ على الرَّجُلَينِ والجماعة متى يكون لكلِّ واحدٍ منهما ماشية تجب فيها الزَّكاة، فيجمعونها للرِّفْقِ للرّاعي (٨) وغير ذلك (٩)، فهؤلاء يقال لهم الخُلَطَاء.
следующие страницы →