← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

المسألة التّاسعة (١): قال: فإن كانت الغَنَم كلها عرجاء أو مريضة (٢) أو ذات عَوَار؟ كان على رَبَّ الغنمِ أنّ يأتي بما يجزئ عنه، ولم يلزم المصَّدِّق أنّ يأخذَ منها إلّا أنّ يشاء (٣) ذلك. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يأخذ منها. ودليلُنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤). ودليلنا أيضًا من جهة القياس: أنّ هذا حيوان يخرجُ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فكان من شرطها (٥) السّلامة كالضّحايا، وهذا القياس إنّما يتَّجِهُ على قول ابن القصّار أنّ ذا (٦) العيب لا يجزئ وإن كانت قيمته أكثر. ومذهب مالكٌ؛ أنّها (٧) تجزئ إذا كانت أفضل للمساكين من السليمة (٨). العربيّة: قوله: "ابْن لَبُون " ابن سَنَتَيْن، و"ابن مَخَاض": ابن سَنَة، و"والحِقَّة": الّتي أكملت الثّلاث سنين ودخلت في الرّابعة. و"الجذعة": هي الّتي دخلت في الخامسة. وقوله (٩): "وفي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ" قَالَ علماؤنا (١٠): الرِّقة اسمٌ للفِضَّة (١١)، ويقال: إنها الموازنة. وحكَى عبد الوهّاب أنّ من أصحابنا من قال: هو اسمٌ للذَّهب والوَرِقِ معًا، والأوّل أظهر.

стр. 1647

ما جاء في البقر مالك (١)، عَن حُمَيْدِ بْنِ قَيْسِ المَكِّيِّ، عَنْ طَاووسٍ الْيَمَانِيِّ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الأَنْصَاريَّ أَخَذَ مِنْ ثَلاَثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا، ومَنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً، وَأَتَى بِمَا دُونَ ذَلِكَ، فَأَبَى أَن يَأْخُذَ مِنْهُ شَيئًا، وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فيه شَيْئًا، حَتَّى أَلْقَاهُ فَأَسْأَلُهُ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قبل أَنْ يَقْدُمَ مُعَاذٌ بْنُ جَبَلٍ. الإسناد: قيل: هذا حديثٌ موقوفٌ، وقيل: مُرْسَلٌ، والصحيحُ أنّه موقوفٌ على معاذٍ، وهو حديث غير متَّصِل، ولكنّه عن معاذ ثابت متَّصِل من رواية معمر والثوّري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق عن معاذ بمعنى حديث مالكٌ. وكذلك رواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة وأَسْنَدَهُ. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: زكاةُ البَقَرِ ثابتةٌ أيضًا عن النَّبيِّ ﷺ ، والمُعَوَّلُ فيها على حديث مُعَاذ بن جَبَل؛ لأنَّ تِهَامَة ونَجْد لم تكن أرض بَقَر، وإنّما احْتِيجَ إلى بيان حالها باليَمَنِ، واللهُ أعلمُ، ولم يُدْرِك طاووس مُعَاذًا، فحديثهُ عنه مُرْسَلٌ (٢). الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): قوله: "أَخَذَ مِنْ ثَلاَثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا" والتَّبِيعُ هو (٤) الّذي فُطِمَ عن أُمَّهِ فهو تَبِيعٌ (٥)، وقيل: هو الجَذَعُ من سنَتَيْن، وكذلك فَسَّرَهُ ابنُ نافع وأكثر أهل العلّم بالعربية على أنّه تبيع أوّل سَنَة (٦)، وإنّما يكون تَبِيعًا إذا دخلَ في السَّنَة الثّانية ويقوى على ذلك، قاله

стр. 1648

عبد الوهّاب. وقال ابن حبيب (١): "هو الجَذَعُ من البَقَرِ وهو ابن سَنَتَيْن" (٢). والجَذَعَةُ اسم للصَّغيرِ منها ومن غيرها، وسُمِّيَ جَذَعًا لذلك. واختلف النّاس في المُسِنَّة: فقيل: هي الّتي دخلت في السَّنَة الثّالثة (٣). وقيل: هي الّتي أتت عليها ثلاث ودخلت في الرّابعة (٤)، وهو الّذي اختارَهُ ابن الموّاز (٥). المسألة الثّانية (٦): وأمّا صِفَتُه، فالمشهورُ من المذهب أنّه ذَكَرٌ، ولا يلزم صاحب الماشية أنّ تكون أنثى إلَّا أنّ يشاء ذلك. وقال ابن حبيب: يجوز أنّ يكون ذَكَرًا أو أنثى. وقال علماؤنا: ولا تؤخذ إلَّا أنثى (٧) سواء كانت بَقَرَهُ كلها ذُكورًا أو إناثًا. وقال أبو حنيفة: إنّ كانت البقر (٨) إناثًا جاز فيها مسن ذكر (٩). والدليل على ذلك: الحديثُ المتقدِّم (١٠). ومن جِهَةِ المعنى: أنّ هذا فَرْضٌ ورد الشَّرْعُ فيه بالأُنْثَى على الإطلاق، فلم يجز

стр. 1649

فيه (١) الذَّكَر، كبنات لَبُون في الإبل. وقال الشّافعيّ وأصحابه (٢): إذا كانت البقر ذكورًا كلّها أخذ منها مُسِنٌّ ذَكَرٌ. ودليلنا عليه: قولُه في حديث مُعَاذ: "من كلِّ أَرْبَعينَ مُسِنَّةً" ولم يعرِّف (٣). ومن جهة القياس: أنّه نصابٌ وَجَبَتْ فيه مُسِنَّة، فوجبَ أنّ تكون أُنْثَى كما لو كانت البَقَرُ (٤) إناثًا. المسألة الثّالثة (٥): قوله: "لَم أَسْمَعْ مِنْ رَسولِ الله ﷺ في ذلك شَيْئًا" وقد اختلفَ العلّماءُ في هذا الباب فيما زاد على الأريعين؟ فمذهب مالكٌ والشّافعيّ والطّبريّ وجماعة من أهل الفقه والحديث؛ ألَّا شَيْءَ فيما زاد على الأربعين من البقر حتّى تبلغ سِتِّين، فإذا بلغت ستين ففيها تَبِيعَانِ (٦) إلى سَبْعِينَ، فإذا بلغت سَبْعِينَ ففيها مُسِنَّةٌ وتَبِيعٌ، إلى ثمانينَ فتكون فيها مُسِنَّتَانِ، إلى تسعين فيكون فيها ثلاث تَبَائِع، إلى مئة فيكون فيها تَبِيعَانِ ومُسِنَّةٌ، ثم هكذا في كلِّ ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ، وفي كلِّ أربعين مُسِنَّةٌ. المسألة الرّابعة (٧): قوله (٨): "إنّ الضَّأنَ والمَعْزَ تجمعُ في الزَّكَاةِ" واستدلَّ على ذلك بقول عمر: "في سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاة (٩) "، وهذا يقتضي أنّه مَتَى اجتمعَ في مِلْكِ الرَّجُل أربعون (١٠) بعضها مَعْزٌ وبعضها ضَأْنٌ أنّه تجب فيه (١١) الزَّكاة؛ لأنّ اسم الغَنَم يقعُ على الصِّنْفَيْن. ومن جهة المعنى: أنّ الزَّكاة موضوعةٌ على أنّ تجمع من الأجناس ما تَقَارَبَ في

стр. 1650

المنفعة والجنس (١)، كالحِنْطَة (٢) والشّعير، والمنفعة في الضَّأْن والمَعْزِ واحدةٌ فلذلك جمعهما. المسألة الخامسة (٣): قوله (٤): في البِقَرِ العوامل أنَّ الزَّكَاةَ واجبَةٌ فيها كالسَّائِمَةِ، وهذا قولُ مالك (٥). وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا زكاةَ في شيءٍ من ذلك. ودليلنا: حديثُ أبي بكرٍ المتقدِّم: "في أَرْبَعٍ وعِشْرِينَ من الإِبِلِ فما دونها (٦) الغَنَمُ"، وهذا عامٌ، فيجب حمل ذلك على عمومه إلَّا أنّ يخصَّه دليلٌ، والله أعلم. صَدَقَةُ الخُلَطَاءِ الإسناد: لم يذكر مالك في هذا الباب إلّا خبرًا واحدًا بَيَّنَ فيه مذهبه؛ أنّ الخَلِيطَيْنِ لا يزّكيان زكاة الواحد حتّى يكون لكلِّ واحدٍ منهما نصابٌ. العربية (٧): الخُلَطَاءُ: اسْمٌ شرعيٌّ واقعٌ على الرَّجُلَينِ والجماعة متى يكون لكلِّ واحدٍ منهما ماشية تجب فيها الزَّكاة، فيجمعونها للرِّفْقِ للرّاعي (٨) وغير ذلك (٩)، فهؤلاء يقال لهم الخُلَطَاء.

стр. 1651

الفقه في إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى (١): قال الإمام: مسألةُ الخُلَطَاء مسألةٌ عسيرةٌ، قال النّبيُّ ﷺ : "وما كانَا مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يتراجحانِ بينهما بالسَّوِيَّةِ" (٢)، واختلفَ العلّماءُ في الخَلِيطَيْنِ هل هما الشَّريكان أم الجاران؟ واختلف النّاسُ فيما يكونانبه خَلِيطَيْنِ في وقتِ الخُلْطَة؟ وفي كيفيَّةِ التَّراجُعِ عند اختلاف تسمية (٣) الأعداد؟ وهذا كلُّه قد بيَّنَّاهُ في موضعه بأصْلِهِ (٤) وفروعه، وفي قوله: "لا يُفَرَّقُ بين مجتمعٍ ولا يُجْمَعُ بين مُفتَرِقٍ" دليلٌ على ما قلناه قَبْلُ في الحوطة في الزَّكاةِ ومنع التَّطَرُّقِ إلى إسقاطها. والّذي يُعَوَّلُ عليه هاهنا من هذا الباب ثلاثة معان: الأوّل: الخليطان أصلٌ في الشَّريعة. الثآني: أنّهما اللّذان لا تنفصل غنمهما، فإن انفصلت في المُرَاحِ خاصّة، والرّاعي والدَّلْو والمَسْرَحِ واحدٌ، عفي عنه عند علمائنا، وفيه تفصيلٌ طويلٌ. الثّالث: أنّهما ليسا بالشَّرِيكَيْن، إذ لو كانا شريكين لما احتيجا (٥) إلى التَّراجع، وهذا أعسر فَصْلٍ على الشَّافعيّ. المسألة الثّانية: قال علماؤنا المالكية: الخُلْطَةُ صحيحةٌ (٦). وقال أبو حنيفة: لا تصحُّ الخُلْطَةُ أصْلًا. ودليلنا: قولُ النّبيِّ ﷺ : "وما كانا من الخَلِيطَيْنِ فإنَّهُما يتراجعَانِ بينَهُما بالسَّوِيّةِ". وقال أبو حنيفة: الخُلْطَةُ هاهنا إنّما هي الشَّرِكَة وإلّا فلا تصحّ الخُلْطَة.

стр. 1652

قلنا له: نُبْطِلُ (١) قولَكَ بقوله صلّى الله عليه: "يترَادَّانِ بالسَّوِيَّةِ"، والشُّرَكَاءُ ليس فيهما ترادٌّ ولا يُتَصَوَّر هذا بينهما؛ لأنّ الشَّريكَ إذا كان له نصفٌ وللآخر نصفٌ وأخذَ السَّاعِي فقد أخذ من كلِّ واحدٍ، فما بقي كان فيهما. وإن كان لواحدٍ ألف شاةٍ وللآخر أربعون شاة، وأتى السَّاعي فأخذَ ما أخذَ منهما، فما بَقِيَ كان بينهما، فليس هنا ترادٌّ، ولا تصحّ الخُلْطَةُ عند مالك إلَّا إذا كان عند كلِّ واحد منهما ما تجب فيه الزَّكاة (٢)، وإلّا لم يكونَا خُلَطَاء. المسألة الثّالثة (٣): إذا ثبت هذا، فالمعاني المعتبرة في الخُلْطَةِ أربعةٌ (٤): الرَّاعِي، والفَحْل، والدَّلْو، والمَبِيت، فإن كان لكلِّ ماشيةٍ راعٍ، فلا يخلو أنّ يكونا يتعاونان بالنّهار في جميعها أو لا يتعاونان، فإن كانا يتعاونان بإذن أربابها فهما خُلَطَاء، وإن كانا لا يفعلان ذلك، أو يفعلانه بغير إِذنِ أَرْبَابِ الماشيةِ، فليسا بخُلَطَاء، هذا الّذي أشار إليه أصحابُنَا. ويجب أنّ يكون في ذلك زيادة، وهو أنّ يكون إِذْنُ أربابِ الأموال في التّعاون على حِفْظِها؛ لأنّ الغَنَمَ من الكَثرَةِ بحيث يحتاج إلى ذلك. المسألة الرّابعة: إذا ثبت هذا فنقول: من شرط الخلطة الاجتماع في الدَّلْوِ والرَّاعي والمُرَاحِ والمَيِيتِ، وفي أقلِّ من هذا وأكثر، وبالاثنين يكونا خليطين. وقال قوم: بالواحد يكونا خليطين (٥)، وهي مسألة من "أصول الفقه" وهي الحكم إذا تعلَّقَ باسم فإنّه يتعلّق بأقلِّ ما يقع عليه ذلك الاسم، ويسمَّى القولُ بأقلِّ الحكم.

стр. 1653

المسألة الخامسة (١): قوله (٢): "الفَحْل" قال علماؤنا: الفَحْلُ والمُراحُ سواءٌ إذا كان على الإشاعة بكرَاءٍ أو مِلْكِ، فهو من صِفَاتِ الخُلْطَةِ، وإن كان لكلِّ واحدِ منهما جزءٌ معيَّنٌ، فلا يخلو أنّ يكون ذلك الجزء يقوم (٣) بماشية صاحبه على الانفراد دون مضَرَّةٍ ولا ضيقٍ، أو لا يقوم بذلك؟ فإن كان يقومُ بماشية صاحبه، فليس من صفات الخُلْطَةِ؛ لأنَّ الارتفاف *لم يوجد بهذه الصِّفة، وإن كان لا يقوم بها، فهي من صفات الخُلْطَةِ؛ لأنّ الارتفاق* (٤) قد حَصَلَ. المسألة السّادسة (٥): أمّا الدَّلْوُ، فهو الّذي تستقى (٦) به الماشية (٧)، وقد خَرَّجَ أصحابنا المسألة في كُتُبِهِم على المياه، وذلك يكون موجودًا بين الأعراب، فيَجتمع أرباب المواشي فيتعاونون على حَفْر بئْرٍ فيكون لهم السَّقْي، ويمنعون غيرهم، فيكون ذلك من صفات الخُلْطَة، ولعلّهم يُعَبِّرُون عنه تارة بالماء، وتارة بالدَّلْو. المسألة السابعة (٨): قوله (٩): "وَالمَبِيت" فحيثُ تبيتُ المواشي، والكلامُ فيه كالكلام في المُراَحِ. قال علماؤنا (١٠): وإنّما اعتبرت هذه الصِّفات في الخُلْطَةِ لأنّها من (١١) الصَّفات الّتي تَخَفَّفَتْ بها المؤونة.

стр. 1654

وقال أشياخنا (١): وبماذا (٢) تحصل الخُلْطَة من هذه الصِّفات؟ اتَّفقَ أصحابُنَا على أنّه ليس من شرطها "حصول جميعها. وقال الشّافعيّ: من شرط الخُلْطَة* (٣) الاجتماع بجميع صفاتها. ودليلنا: أنّ المُرَاعَى في الخُلْطَةِ إنّما هو الارتفاق (٤)، والارتفاق يحصلُ ببعض الصِّفاتِ، فثبتَ بهذا حكم الخُلْطَة. المساْلة الثامنة (٥): إذا ثبت ذلك، فقد اختلفَ العلّماءُ بماذا تحصلُ الخُلْطَة منها؟ فقال ابن حبيب: المراعى في ذلك الرَّاعي وَحْدَهُ، وحكاه عبد الوهّاب (٦)، والّذي عندنا لابن حبيب؛ أنّه قال لو لم يجمعها إلّا في الرّاعي والمرعَى (٧)، وتفرّقت في المبِيَتِ (٨) والمُرَاحِ، فإنّه إذا كان ذلك صار الفَحْلُ واحدً، فضرب هذه فحل هذه، وهذه فحل هذه، وإذا لم يكن لها راعٍ واحد لم يكونا خليطين. المسألة التّاسعة (٩): إذا كان يخالط رَجُلًا ببعض ماشِيته دون بعض، فإن كانت غَنَمًا خَالَطَ منها بأربعين صاحب أربعين وله أربعون بغير خُلْطَة. فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يكون خليطًا (١٠) بالثّمانين، فتجب عليهما شاة، عليه ثلُثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلُثها. قال ابن الماجِشُون وسحنون: لا يكون خليطا (١٠) إلَّا حيث خَالَطَهُ به فتراعى (١١) الغَنَم المختلطة على حكم الخُلْطًة، فيكون على صاحب الأربعين نصف شاة لأنّه لم

стр. 1655

يخالط (١) إلَّا بها، ويكون على صاحب الثّمانين ثُلُثا شاة، وتفصيلُه يطولُ بذِكْرِهِ الكتاب، وفروعُه مُتشًعِّبَةٌ. المسألة العاشرة: اختلفَ العلّماءُ في حكم زمن الخلطة (٢) الّتي تثبت بها حكم الخُلْطة؟ فقال عبد الوهّاب (٣): الشّهر. وقال ابن حبيب: لا يكون أقلّ من ذلك (٤). وقال ابن الموّاز: يكون أقلّ من شهر. وقال علماؤنا (٥): ومن حُكمِ الخَلِيطَيْن أنّ يكون حَوْلهما واحدًا، فإن حال حَوْل أحدهما قبل حَوْل الآخر (٦)؟ فقد رُوِيَ عن ابن القاسم: لا تزكَّى غنم الّذي لم يحل الحول (٧) على ماشيته، ويزكّى غيرها. ووجه ذلك: أنّ الأصل في الزَّكاةِ الحَوْلُ والنَّصابُ، فإذا لم يعتبر نصاب أحدهما (٨)، فكذلك لا يعتبر حوله (٩). ولو كان أحدهما عبدًا أو ذميًا، لم يثبت لهما ولا لأحدهما حكم الخُلْطَة، وزكِّيت زكاة الحرِّ المسلم زكاة منفردة (١٠)، والحمد لله.

стр. 1656

ماجاء فيما يُعْتَدُّ به من السَّخْلِ مالك (١)، عن ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلي، عَن ابْنٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ جَدِّهِ سُفْيَانَ بْن عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عُمَرَ يْنَ الخَطَّابِ بَعَثَة مُصَدِّقًا، فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ السَّخْلَ ... الحديث إلى آخِرِهِ. الإسناد: قال الإمام: هذا الحديثُ مشهورٌ عوَّل فيه مالكٌ على معانٍ منها: أَنَّهُ بَيَّنَ فيه منع أخذ الرُّبَى، والماخِض والأَكُولَة وفَحْل الغَنَم بما يغني عن ذِكْرِهِ. العربية: السَّخلةُ: جمع سِخَال، والبَهْمَةُ مثل السَّخْلَة، وهما الصَّغيرَتَان من الغَنَم، وجمع البَهْمَة بَهْمٌ. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٢): قال علماؤنا (٣): الغَنَمُ لا تخلوِ في الغَالِبِ من الجَيِّدِ والرَّدِيءِ (٤)، فلو كُلَّفَ رَبُّ الماشية أنّ يدفع من أفضلها لأضَرَّ ذلك به، ولو أخذ منه من أردئها لم ينتفع مستحقٌّ بما يدفع إليهم منها، ولا يصحّ أنا يؤخذ من كلِّ شاة بعضها، فعدلّ بين الفريقين بأن يؤخذ من وسطها، ولذلك بَيَّنَ عمر ما يترك لهم من جيِّدِها كالأكُولَة والرَّبَى، ويجتنب الرَّديء الّذي لا يُوخَذ منه كالسَّخْلَةِ وذات العَوَارِ، فكما يحسب الجيَّد ولا يأخذ منه، فكذلك يحسب الرَّديء ولا يأخذ منه، ويأخذ الوسط، ولا خلافَ فيه بين الفقهاء إذا كانت الأُمَّهَات نِصَابًا.

стр. 1657

والدَّليلُ على وجوبِ الزَّكاة فيها: حديث عمر (١). ومن جهة القياس: أنّ هذا نَمَاءٌ من أَصْلِ ما تَجِبُ فيه (٢) الزَّكاة (٣) المسألة الثّانية (٤): وإذا كمل نصاب السَّخْلِ، عدَّت وأخذت الزّكاة. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يستأنف بها حَوْلًا من يوم كمل النِّصاب. وإنّما تحسب بالسِّخال (٥) مع الأمّهات إذا كانت نِصَابًا. والدّليلُ على ما نقوله: قول أبي بكر: "وفي سائمة الغَنَمِ الزَّكَاةُ"، وقول عمر المتَّفَق (٦): "تَعُدُّ عليهم السَّخْلَة يَحْمِلُهَا الرَّاعِي ولا تَأْخُذُهَا منهم". المسألة الثّالثة (٧): فإذا كانت إبله فصلانَا أو بَقَرُهُ عَجَاجِيل، أو غَنَمُهُ سِخَالًا؛ فإنّه يكلَّف أنّ يأتي بالسِّنِّ الواجبة (٨) عليه أنّ لو كانت كبارًا. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يخرج منها. ودليلنا: قوله ﷺ : "فإذا بَلَغَتْ خمسًا وعِشرِينَ ففيهَا ابنة مَخَاضٍ"، ولم يفرِّق بين الصِّغَار والكبار. ودليلنا من جهة المعنى: أنّ هذه ستُّونَ من الإِبِلِ، فوجبت فيها حِقّة كما لو كَانت بُزُلًا كلّها، والله أعلم. المسألة الرّابعة (٩):

стр. 1658

قال علماؤنا (١): الواجبُ في الزّكاةِ من الماشية الإناث من الضَّأْن والمَعْزِ ولا يأخذ الذكر (٢)، إلَّا أنّ يرى ذلك المصدِّق، وبه قال الشّافعيّ. وقال ابنُ حبيب: يؤخذ الذّكَر من الضَّأْن جَذَعًا كان أو ثَنِيًّا، ولا يؤخذ الذَّكَر من المَعْزِ لأنَّه تَيْسٌ. وقال أبو حنيفة: يؤخذ الذّكَر والأُنْثَى من الجَذَع والثَّنِيَّةِ. ودليلنا: أنّ هذا جنْسٌ من الغنم (٣) لا يصلح للنَّسْلِ، فلم يؤخذ في زكاتها كما دون الجَذَعِ (٤). المسألة الخامسة (٥): وهي مسألة أصولية، قال عمر بن الخطّاب (٦): "تَعُدُّ عليهم السَّخْلَة ولا تأْخُذُها". قال علماؤنا: ليس هذا بجواب، إلّا على مذهب أهل السُّنَّة، فإنَّ عمر بن الخطّاب قال لسُفْيان: قُل لهم: تَعُدُّ عَلَيْهِمْ بالسَّخْلَةِ يَحْمِلُها الرَّاعِي، ولا تَأخُذُها، كما تَعدّ عليهم الرُّبَى والأَكُولَة، ولا تأخذها، وهذا قياسُ النَّظِير بالنَّظِير، تحقيقُه كما قال: غِذَاء المال وخِيَارِه، وذلك إنّما يمتنع عن أخذ الكريمة نَظَرًا لصاحبِ المال، ويمتنع عن أَخْذِ السَّخْلَةِ نظرًا للفقراء. وفيها وجه آخر: وذلك أنّ السّاعي لو أخذها ما أمكنه حلبها، فيسقطُ اعتبارها من كلِّ وجهٍ، ولذلك قلنا: إنّ المصدِّق لا يختار الصَّدَقَة، إنّما يقول لربِّ المال: عليك شاة فَجِيء بها، فهذا جاءِ بالوَسَطِ لَزِمَهُ قَبولها، والحمدُ لله.

стр. 1659

العَمَلُ في صَدَقَةِ عامَيْنِ إذا إجتمعَا الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (١): قال علماؤنا (٢): هو كما قال (٣)، من تأخَّرَ عنه السَّاعي وتَلِفَتْ ماشيته فإنّه لا يَضْمَن؛ لأنّ إمكان الأَدَاءِ إلى الإمام من شرط الوُجوبِ في الأموال الظّاهرة، سواء تَلِفَت بأمرٍ من السَّمَاءِ، أو أَتْلَفَها هو من غير قَصدٍ للفِرَارِ من الزَّكَاةِ، هذا قول مالك وأصحابه. وقال أبو حنيفة: إنْ أَتْلَفَها هو ضَمِنَ. وقال الشّافعيّ: مجيءُ السَّاعي شَرْطٌ في وجوبِ الزَّكاة، وقال مرَّة: هو شرطٌ في الضَّمَانِ. وأصلُ هذه المسألة يتعلَّقُ بفصلّين: أحدهما: هل (٤) الزَّكاة متعلِّقة بالذِّمَّة أو العَين؟ والثّانى: مجيءُ الساعي شرطٌ في الوُجوبِ أو ليس بشرطٍ فيه؟ وقد تقدَّمَ الكلام فيه. المسألة الثّانية (٥): فإذا ثبت هذا، فلا يخلو أنّ يكون بيده يوم غابَ السَّاعي أقلّ من النِّصاب، أو نصاب؟ فإن كان بيده أقلّ ثمّ جاءَ السَّاعي بعد أعوامٍ، فوجدَ عنده نصابًا بالوِلاَدَة أو بالمُبَادَلَةِ، فقال مالك وابن القاسم: يزكِّي الأعوام الّتي كانت فيها نصابًا دون سائر الأعوام، وهو مصدَّقٌ في ذلك. وقال أشهب: يزكِّي لجميع الأعوام.

стр. 1660

المسألة الثّالثة (١) في توجيه هذه الأقوال وتنقيحها فوجه قول مالك ﵀: أنّه إنّما تعلَّقت بماله من (٢) يوم كمال النِّصَابِ، فوجبَ أنّ يجْزِىء فيها حُكم الزّكاة من ذلك الحَوْل، وما قبل ذلك لا تَعَلُّقَ للزّكاة بها (٣). ووجه قول أشهب: أنّا إذا كنّا نُرَاعِي ما وجدَ السّاعي بيَدِه دون ما قَبْلَ ذلك في الكَثْرَة والقِلَّة والتَّقصيرِ عنه، فكذلك في تَمَامِه والزِّيادة عليه. ولو كمل النِّصَابُ بفائدة، فلا خلافَ نَعْلَمُه في المذهب في أنّه لا يزكّي إلّا من يوم كمل النِّصاب، وقاله أَشْهَب وأَصْبَغ. ووجه ذلك: ما قدَّمناهُ أنَّ الفائدةَ لا تُضَافُ إلَّا (٤) إلى النِّصاب. المسألة الرّابعة (٥): فإن غابَ (٦) عنها وهي نصابٌ، ثم نقصت عن النِّصاب، ثمَّ عادت إليه، فوجدها السّاعي على ذلك، فلا يخلو أنّ يكون بلوغها النِّصاب بولادة وما جَرَى مَجْرَاهَا بِوَجْهٍ من البَدَلِ، أو بفائدةٍ. فإن كان بولادة زكّى الجميع (٧) لجميع الأحوال على ما هي عليه اليوم، هان كانت بفائدةٍ لم يزكّها إلَّا يوم بلغت النِّصاب إلى وقت مجيءِ السّاعي. المسألة الخامسة (٨): فإنْ غاب ربّ الماشية بأربعين، فوجدَ السّاعي بيده أَلْفًا بعد أعوامٍ، فقال: إنّها لم تزل أربعين إلى هذا العام، فهل يصدَّق أم لا؟ ففي المذهب في ذلك روايتان: الأُولَى: عن ابن القاسم وابن الماجشون (٩)؛ أنَّه لا يصدّق وتؤخذ منه صدقة

стр. 1661

سائر الأعوام على ما هي عليه الآن. والرِّوايةُ الثّانية: روى محمّد بن سحنون عن أبيه؛ أنَّه يصدَّق في ذلك. توجيه (١): وجهُ الرِّواية الأولى عن ابن القاسم؛ أنّ هذا قد ظهر كَذِبُه وتَبَيَّنَ فِرَارُهُ عن (٢) الزَّكاة، فلم (٣) يعتبر بقوله. ووجه الرَّواية الثّانية من قول ابن سحنون: أنّ الزّكاة لا تجب عليه إلَّا بإقراره أو بِبَيِّنَةٍ تثبتُ عليه، وليس فسقه (٤) بالّذي يمضي علية الدّعاوي دون بَيِّنَةٍ كالّذي عُرِفَ بجحد الأَمْوَالِ. النّهيُ عن التَّضْيِيق على النّاس في الصَّدَقَة ذكر مالك (٥) فيه حديث عائشة؛ أنّها قالت: مُرَّ على (٦) عمر بْن الخَطَّاب بِغنَمٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَرَأَى فِيهَا شَاةً حَافِلًا ذَاتَ ضَرْعٍ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الشَاةُ؟ فَقَالُوا: شَاةٌ مِنَ الصَّدقَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْطَى هَذ أَهْلُهُا وَهُمْ طائِعُونَ، لَا تَفْتِنُوا النَّاسَ، لَا تَأْخُذُوا حَزَرَاتِ المُسْلِمِينَ، نكِّبُوا عَن الطَّعَامِ. العربية (٧): قوله: "حَافِلًا" يعني الّتِي قد حَفلَ ضَرْعها، أي: امْتَلأَ لَبَنًا، ومنه قيلَ: مجلسٌ حافلٌ ومحتفلٌ، وإنّما أخذت - والله أعلم- من غنم كانت كلّها لبونًا. وأمّا "الحَزَرَات" فما يغلبُ على الظَّنِّ أنَّه خيرُ المالِ وخِيَارُه، وقال صاحب "العين" (٨): "الحَزَرات: خِيَارُ المالِ"، وقيل: الحزَرات كِرَامُ الأموال، وكذلك قال

стр. 1662

رسول الله ﷺ لمعاذ حين بَعَثَهُ إلى اليمن: "إيًاكَ وكرائم أموالهم، واتَّقِ دعوةَ المَظْلُومِ" (١). وقوله: "نكِّبُوا عَنِ الطَّعَامِ": فمأخوذٌ -والله أعلم- من قول رسول الله ﷺ : "إنّما تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مواشِيهِم أَطْعِمَتَهُمْ" (٢)، فكأنّه قال: نكِّبُوا عن ذَاتِ الدَّرِّ، نكِّبُوا عن ذات اللَّبن، وخُذُوا الجَذَعَة والثَّنِيَّة. وفيه فائدتان: الفائدةُ الأولى: فيه أنّ عمر ﵀ كان شديد الإِشْفَاقِ على المسلمين، وكان كما قيل فيه: "كالطّير الحذر"، وهكذا يلزم الخلفاء أنّ يكونوا فيمن أمَّرُوهُ واستعملوه الحذر منهم والاطلاع في أعمالهم، وكان عمر ﵀ إذا قيل له: لا تستعمل فلانًا، أو قيل له: ألَّا تستعمل أهل بدر، قال إذ يسهم (٣) بالولاية، على أنَّه قد استعمل منهم قومًا منهم سعد ومحمد بن مسلمة. الفائدةُ الثّانية: رُوِيَ عن حُذَيْفَة أنّه قال لعمر: ألَّا تستعملني، إنّك لتستعمل الرَّجُل الفاجر، فقال: أستعمله لأستعين بقُوَّتِه، ثمّ أكون بعد على قَفْوِهِ، يريد اسْتَقْضِي عليه، وأعرف ما يعمل به. الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى: فيه الدّليل على أنّ الشّاة الحافل لا تُؤخَذ إلَّا على وجهها؛ لأنّه لم يأمر بردِّها، ووعظ وحذّر ليوقف على مذهبه وينتشر ذلك عنه بتطمين نفوس الرَّعِيَّة. قال مالك (٤): ولا يأخذ المصدق لَبُونًا، إلّا أنّ تكون الغَنَمُ كلُّها ذات لَبَنٍ، فيأخذ حينئذٍ لَبُونًا من وَسَطِها، ولا يأخذ حزرات النّاس.

стр. 1663

وسئل مالك عن قوله: "نكِّبُوا عن الطَّعَامِ" فقال: يُريدُ اللَّبَنَ. المسألة الثّانية (١): قال علماؤنا (٢): الكلامُ في هذا النَّوع على ثلاثة أقوال: أحدها: إبّان أخذها منها. والثّاني: في أيِّ موضعٍ تؤخذ فيه الصّدقة. الثّالث: في موضع تفرّق الصَّدَقة فيه. الأوّل: إبَّانَ الخروج لأَخْذِ الصَّدَقَة، فهو وقت طلوع الفَجْر (٣)، وهو إبّانَ تجتمع فيه على المياه في الجبال والقِفَارِ من بقايا الأمطار؛ لأنّ ذلك أهون على المصدّقين، وأَمْكَن لاجتماع النّاس دون مَضَرَّةِ ولا مشقَّةٍ تلحقهم في تَرْكِهِم الكلأَ للاجتماع للصَّدَقَة؛ لأنّ ذلك أهون عليهم، ولأنّ الماشيةَ حينئذٍ أسرع للانتقال. وقال الشّافعي: إنّ وقتَ خروجه (٤) وجميع النّاس في شهر المحرم متى كان من كلِّ سَنَةٍ. ودليلنا: ما قدَّمْنَاهُ من قول عمر ﵁. مسألة (٥): فإذا ثبت ذلك، فإن حُكمَ البلادِ على ضربين: ١ - ضَرْبٌ لم تجرِ العادةُ بخروج السُّعَاةُ إليه لِبُعْدِه، ففي "كتاب ابن سحنون" أنّ حَوْلَهَا من يومِ أفادَها بميراثٍ أو غيرِهِ، يخرج زكاتها كزكاة العين. مسألة (٦): وأمّا الأسيرُ يكتسبُ الماشيةَ في دار الحربِ، فإنَّ حُكْمَهُ حُكم من تخلَّفَ عنه

стр. 1664

السُّعاةُ، فإذا خلص بها أدُّى زكاتَها لماضي السِّنِين. والقياسُ عندي أنَّ حُكْمَهُ حُكْم من لم تَجْرِ العادة بخروج السُّعاة إليه يُخْرِج زكاةَ الماشية كما يخرج زكاة العَيْن. ٢ - والضربُ الثّاني: فيمن (١) جرتِ العادةُ بخروج السُّعاة إليهم، فإنّهم يخرجون في سَنَةِ الخِصْبِ، وأمّا سنة الجَدْبِ ففي "المجموجمة" عن أشهب؛ قال مالكٌ: لا يُبْعَثُون في سَنَةِ الجَدْبِ، ورُوِيَ عنه أيضًا: لا تخرج (٢) السُّعاة في سَنَةِ الجَدْبِ. توجيه وتنقيح (٣): أمّا وجه قول مالك الأوّل وما احتجّ به من خروج السّاعي في عام عِامٍ جَدْبٍ، فإنّما يأخذ ما لا يجب (٤)، فإنْ بِيعَ فلا شيء (٥) له، ولا ينتفع المساكين به. ووجه القول الثّاني: أنّ هذا معيبٌ (٦) بسبب عَجَفِ الماشية (٧). مسألة (٨): فهذا قلنا بخروج السُّعاةِ في الجَدْب، فقد تقدَّمَ من قول مالك ما يقتضي أنّه يأخذ من العِجَافِ عِجَافًا. وقال محمّد (٩): يشتري له ما يعطيه. ووجه قول مالك: أنّ صِفَةَ الغَنَم في العَجَفِ عيب (١٠) كما لو كانت سِمَانًا كلّها. والعَجَفُ عِنْدَه (١١) عَيْبٌ فيها كما لو كانت ذات عَوَار.

стр. 1665

مسألة (١): وأمّا موضع أَخْذِ الصَّدَقَةِ، ففي موضع الماشية، وليس على أربابها نقلها إلى المصدّق. ودليلنا: المشهورُ من فعل النَّبيِّ ﷺ إذْ يبعث أصحابَه مصدّقين إلى الجهات، ولا يأمر النّاس بجَلْبِ مواشِيهِم إلى المدينة، ومن جهة المعنى: أنّ الضّرورة على أربابِ المواشي في جَلْبِها وجَمْعِها للصَّدَقَة أشدّ من الضّرورة على المصدّقين في تطوّفهم على المواشي. مسألة (٢): قال علماؤنا (٣): وكذلك زكاة الحَبِّ يخرجُ إليه في موضعه، ويؤخذ من النّاس حيث حَصدُوهُ، لما (٤) رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ : "وَأعلمهُمْ أنَّ عليهم صَدَقَة تُؤْخَذُ من أغنيائِهِمْ وتردّ على فُقَرَائِهِم"، فإذا كانت تدفع إلى فقراء الجِهَةِ الّتي أخذت بها، فلا معنى لنقلها. ودليلنا من جهة المعنى: أنّ في تكليفهم حمله زيادة في الزّكاة، وربّما لم تكن لهم دوالت ولا مال غير ما أصابوه، فيؤدِّي ذلك إلى أنّ يؤخذ منهم نصف ما حصدوه أو أكثر. مسألة (٥): وأمّا موضع تفريقها، ففي الموضع الّذي تؤخذ فيه، إلَّا أنّ لا يكون فيه فقراء، فإنْ كان فيه فقراء، فلا يخلو أنّ يكونوا أشدّ حاجة من غيرهم، أو حاجتهم كحاجة غيرهم، أو تكون حاجة غيرهم أشدّ، فإن كانت حاجتهم أشد* أو مساوية لحاجة غيرهم، فأهل موضع الصّدقة أولى بصدقتهم حتّى يغنوا أولًا، ينقل منها إلَّا ما فضل عنهم، وإن كانت حاجة غيرهم أشدّ* (٦) فرّق من الصَّدَقَة بموضعها بقَدْرِ ما يراه

стр. 1666

الإمام، ونقل سائرها إلى موضع الحاجة، هذا هو المشهور من مذهب مالك، وفي "المجموعة" من رواية ابن وهب وغيره عن مالكٌ: لا بأس أنّ يبعث الرَّجُل ببعض زكاته إلى العراق، ثمّ إنّ هلكت في الطّريق لم يضمن، فإن كانت الحاجة كثيرة بموضعه أحببت له إلَّا يبعث، وهذا إباحة لإخراج (١) الزَّكاة عن موضعها، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: لا يجوز نقل الصَّدَقَة عن موضعها. والدّليل على ما نقوله: قوله لمعاذ بن جبل: "خُذْ مِنْ امْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذ من أغنيائهم وتردُّ على فقرائهم". فإن قيل: هذا يقتضي نقلها من عَدَن إلى اليمن؛ لأنّه خاطب بذلكَ أهل اليمن وعَدَن في اليمن. فالجواب: أنّ المراد بذلك أنّ تؤخذ (٢) من الأغنياء فتردّ على الفقراء، ومعلوم أنّ معاذًا كان يخاطِبُ بذلك أهل اليمن وعَدَن وأهل كلّ بلد، فيقتضي ذلك ردّ زكاة أغنيائهم إلى فقرائهم. فإنْ تَلِفَتْ في الطّريق، فلا ضمانَ عليه، وعلى رواية ابن وهب؛ أنّ عليه الضَّمان. وقيل عنه: لا ضمانَ عليه كالرِّوايةِ الأُولَى (٣)، والرِّوايةُ الأُولَى عن ابن وهب أصحّ من ألَّا ضمان عليه. مسألة (٤): فهذا احتاج الإمام أنّ ينقلها من بلدٍ إلى بلدٍ، فَمِنْ أينَ تكون مُؤْنَته؟ فروَى ابنُ القاسم عن مالك؛ أنّه يتكَارَى عليها من الفَيْءِ. وقال ابنُ القاسم: لا يتكَارَى عليها منه، ولكن يبيعها في البلد ويبتاع عوضها في بَلدٍ آخر (٥). توجيه (٦): فوجه قول مالكٌ: أنّ الفَيءَ لنوائب المسلمين، فيجبُ أنّ تحمل به هذه الزّكاة

стр. 1667

ولا تباع؛ لأنّ بَيْعَهَا في موضِع الغَنِيِّ عنها يذهب بأكثرها. ووجه قول ابن القاسم: أنّ الزّكاة حقّ للفقراء ولمن سُمِّيَ معهم خاصّة، فلا يجب أنّ يتمّونَ بالفَيْءِ الّذي لا يختصّ بهم، وإنّما ثبتَ لهم من الزَّكاةِ مقدار ما يخلص لهم منها بعد البَيْعِ، وهو أَحْوَط إنّ شاء الله. باب أَخذِ الصَّدقَةِ ومن يجوزُ له أخذُها مالك (١)، عن زَيْد بن أسلم، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ؛ أَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِم، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَى الْمِسْكينُ لِلْغَنِيِّ". الإسناد: قال أبو عمر (٢): "تابعَ مالكًا على إرسال هذا الحديث سُفيان بن عُيَيْنَةَ وإسماعيل بن أُمَيَّهً (٣)، ورواهُ معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بنيسار، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن النّبي ﷺ مُسْنَدَا" (٤)، وكذلك رواه التّرمذيّ (٥). الفقه في ستّ عشرة مسألة: المسألة الأولى (٦): قال علماؤنا (٧): هذا الحديث مطابقٌ لقوله: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَة لِغَنِيَّ ولا لِذِي

стр. 1668

مِرِّةِ سَوِيٍّ" (١) لأنّ قوله هذا مجملٌ ليس على عمومه (٢)، بدليل الخمسة الأغنياء المذكورين في حديث هذا الباب، وهذا أيضًا مُطَابقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (٣). فاؤل ما نبدأ به شرح الأحاديث الواردة في هذا الباب، ثم تُفَسِّر (٤) الآية. المسألة الثّانية (٥): قوله: "لا تَحِلُّ الصَدَقَةُ" يريدُ صدَقَة الأموال الواجبة على المسلمين، فإنّها لا تحل لغَنِيِّ غير الخمسة المذكورين، فهي الصَّدَقَة"الواجبةُ لا الصَّدَقَة المبتدأة (٦) من غير وجوبٍ؛ لأنّ تلك بمنزلة الهديّة تحلّ للغنيِّ وللفقير، وقد رُوِىَ عن النّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا تحل الصَّدَقةُ لِغَنِيِّ" وذكر الخمسة، ثم ذكر وحرَّمَ الصَّدَقة على كلِّ أحد ما عَدَا الأصناف المذكورة، وكذلك حرَّمَ المسألة على من كان عنده غداء وعشاء في رواية (٧)، وعلى من كان عنده أُوقية (٨)، وهو الصّحيح. المسألة الثّالثة: قوله: "إلَّا لِغَازٍ في سَبِيلِ اللهِ " هم أهل الدِّيوان يُفْرَض لهم العطاء وتُصْرَف لهم الصَّدَقَة، وكان ابنُ القاسم يقول: لا يحلّ لِغَنِيِّ أنّ يأخذَ الصَّدَقَةَ يستعينُ بها على الجهاد ويُنْفِقها في سبيل الله، وإنّما يجوز ذلك للغازي الفقير، قال: وكذلك الغَارِم له أنّ يأخذ إذا كان فقيرًا، ولا يجوز له أنّ يأخذ من الصَّدَقة ما يفي به ماله ويؤدِّي منه دَيْنَه وهو عنها غنيّ له مالٌ غائبٌ عنه، لم يحل له أنّ يأخذ من الصَّدقَةِ شيئًا وليستقرض (٩)، فإذا بلغ بَلَدَهُ أنَّ ى ذلك من مَالِهِ هذا كلِّه، ذَكَرَهُ ابن حبيب عن ابنِ القاسم، وخالفه ابن نافع وغيره في ذلك؛ لأنّه قد روي عنه خلافه، رواه أبو زيد

стр. 1669

وغيره عن ابنِ القاسمِ؛ أنّه قال في الزّكاة يُغطَى منها الغَازِي: إنّ (١) كان معه في غزاته ما يكفيه من مَالِهِ وهو غنيٌّ في بَلَدِه. ورَوَى ابنُ وَهْب عن مالكٌ؛ أنّه يُعْطَى منها الغُزَاةُ ومن لزم مواضع الرِّبَاطِ فقيرًا كان أو غنيًا. المسألة الرّابعة (٢): "العامل" فإنّه يأخذ أُجْرَته على تكفّل (٣) ذلك، واختلف علماؤنا في المقدار الّذي يأخذه العاملون من الصَّدقة؟ فقيل: هو الثمن بقسمة الله لها على ثمانية أقشام، قاله مجاهد والشّعبي. وقيل: يُعْطون على قَدْرِ أعمالهم من الأُجْرَة، قاله ابن عمر ومالك. وقيل: يُعطون من غير الزَّكاة، وهو ما كان من بيت المال، وهذا قولٌ صحيح عن مالكٌ بن أنس، من رواية ابن أبي أُوَيْس وداود بن سعيد (٤)، وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الخلاف". المسألة الخامسة: "الغارم" هو أحد رَجُلَيْن: إمّا رجلٌ له مالٌ مثل مئة دينار وعليه مئة دينار، فهو فقير غارِمٌ يحلّ له أخذ الصَّدَقَة، ولا تُوخَذ منه عندنا. وقيل: تُوخَذ منه ويُغطَى، وهذا ضعيفٌ. وقال ابن الموّاز: لا يُعْطَى. وقال (٥) في "الأحكام" (٦): هم الّذين ركِبَتْهُمُ الدُّيون ولا وفاءَ لهم، ولا عندهم ما يؤدُّون به. وقيل: إنّ كان سَفِيهًا وَصَيَّرَهَا في سفاهة فإنّه لا يُعْطَى منها إلَّا أنّ يتوب؛ لأنّه

стр. 1670

إنْ أخَذَها قبل التوبةِ عاد إلى سَفَاهةِ مثلها وأكثر منها. والدُّيُونُ وأصنافها كثيرة، وتفاصيلها في "كتب الفقه". المسألة السّادسة (١): قوله: "أَوْ رَجُلٌ اشتَرَاهَا بِمَالِهِ" أو الّذي أهدى له المتصدّق عليه، فذلك مجازٌ؛ لأنّها ليست بصَدَقَةِ بعد الشراء والهديَّةِ، وإنّما هي خَالِص مِلْكٍ، وقد بَيَّنَ النبيّ ﷺ ذلك بقوله: "قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا" (٢). وقد قال الشّيخ أبو عمر بن عبد البرّ (٣): "أجمّع العلّماءُ على (٤) أنّ الصَّدَقةَ تحلُّ لمن عمل عليها وإن كانا غَنِيًّا، وكذلك المشتري لها بمَالِهِ، والّذي أُهْدِيَ له (٥) وإن كان غنيَّا؛ لأنّ الخمسة تحل لهم الصَّدَقَة". ولذلك قال علماؤنا: لا يحلّ استعمال من لا تحلّ له الصَّدَقَة من هاشميّ أو ذِمِّيِّ، ويجوز أنّ يُسْتَأْجَرَ على حراستها وسوقها لَمَّا كانت تلك أُجْرَةٌ مَحْضَةٌ. المسألة السّابعة (٦): في تفسير الآية المطابقة لنصِّ الحديث، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية (٧) قال الإمام: هذه الآية من أمّهات الآيات؛ لأنّ الله تعالى بحِكْمَتِهِ البالغة وأحكامه الماضية العالية، خصَّ بعضَ الناسِ بالأموالِ دونَ البعضِ، نِعْمةً منه عليهم، وجعل شُكرَ ذلك منهم إخراجَ سَهْمٍ يُؤَدُّونَه إلى من لا مالَ له، نيابةً عنه سبحانه فيما ضَمِنَهُ بفَضْلِهِ (٨) لهم في (٩) قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية (١٠)، وَقَدَّرَ الأصناف (١١) على حسب أجناس الأموال، فجعل في النّقدين رُبع

стр. 1671

العشر، وجعلَ في النّبَاتِ العُشر، ومع التكاثر المؤنة (١) والتّعب نصف العُشر، ويترتّب على ذلك القول في حقيقة الصَّدقَةِ على قولين: أحدهما: أنَّه جزءٌ من المال مُقَدَّرُ مُعَيَّنٌ، وبه قال مالكٌ والشّافعيّ وأحمد. وقال (٢) أبو حنيفة: إنّها جزءٌ من المال مُقَدَّرٌ (٣)، فجوَّزَ إخراجَ القيمةِ في الزَّكاةِ، إذْ زَعمَ أنَّ التكليفَ والابتلاءَ إنّما هو في نَقْصِ الأموالِ، وذَهِلَ عن التّوفية (٤) بحقِّ التَّكليفِ في تعيين (٥) النّاقص، وأنّ ذلك يُوَازِي التَّكليف في قَدْر النّاقصِ، فإنَّ المالكَ يريد أنّ يَبْقَى ملكه بحَالِهِ ويُخْرِجُ من غَيْرِهِ عنه (٦)، فإذا مالت نَفْسُهُ إلى ذلك، وعلقت به *كان التكليفُ قطع تلك العلّاقة الّتي هي بين القلب وبين ذلك الجزء من المال فوجب إخراج ذلك الجزء بعينه* (٧). ثمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (٨)، عندنا أنّ هذه اللام من قوله "للفقراء" لام المحلِّ (٩)، وعند الشّافعيّ على أنّها لام الملك. فإن قال الشّافعيّ: شخصٌ يصحّ منه الملك، فأضيف إليه بلام الملك، فَصَحَّ (١٠) منه الملك، كما لو قال: هذه الدّار لفلان. قلنا: إنّما كان يصحُّ هذا لو كان هذا الملك غير مشغول بحَقِّ، كما أنّ الدَّار لو كانت لزيد فوهبها عمرو لرجل، لما صحّت منه الهِبَة؛ لأنّه وهبَ ما ليس له وليست ملكه، ألَّا ترى لو قال الله تعالى: أرموا هذه الزَّكاة في البحر، لكنا نمتثلُ قوله تعالى.

стр. 1672

الصِّنْفُ الأوّل (١) قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (٢)، فَأَتى بلَفْظ الحَصْر. فأمّا الفقراء، فاختلف العلّماء في ذلك على أقوال: القول الأوّل - قيل: الفقيرُ السّائلُ الّذي يسأل النّاس، وبه قال مالكٌ في "كتاب ابن سحنون"، وقاله ابن عبّاس والزّهري، واختاره ابن شعبان. القول الثّاني - قيل: الفقير هو المحتاجُ الزَّمِنُ، والمسكينُ هو المحتاجُ الصّحيح، قاله قتادة. وقيل: الفقيرُ المسلمُ، والمسكينُ أهل الكتاب. وقيل: الفقيرُ الّذي لا شيءَ له، والمسكينُ الّذي له الشىء اليسير، لقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ الآية (٣). وقيل: إنّه شيءٌ واحدٌ الفقير والمسكين. وقيل: الفقراءُ المهاجرون، والمساكين الأعراب. وقال (٤) الشّافعيُّ: الفقراءُ أسوءُ حالًا من المساكين، وبقولنا (٥) قال جماعة من أهل اللُّغة. ومن جهة المعنى: أنَّ المسكينَ مأخوذٌ من السُّكون، والفقيرَ مأخوذٌ من كَسْرِ الفِقَارِ، والّذي يسكنُ ولا يتحرَّك أشدَّ ضعفًا من المكسور الفِقَار؛ لأنَّ ذلك يتحرّك. وقال الأخْفَش: الفقيرُ مشتَّقٌ من قولهم: فقرت لهم فقرة من مالى، أي: أعطيتهم، فالفقيرُ على هذا هو الّذي له قطعة من مالٍ.

стр. 1673

مسألة (١): فإذا ثبت هذا، فإنَّ الفقيرَ الّذي يأخذ الصَّدَقَة، عند مالك (٢) من له أربعون دينارًا أو دارًا (٣)، إذا كان كثير العيال، وذلك يقتضي أنَّ المُرَاعَى في ذلك قَدْر حاجته في نفسه وعياله دون النِّصاب (٤). وروى المُغِيرَة عن مالك؛ أنّه قال: إذا كان يفضل له من ثَمَنِ داره عشرون دينارًا لم يُغطَ من الزَّكاة، وهذا يدلُّ على مراعات النِّصاب (٥)، وبه قال أبو حنيفة. مسألة (٦): وليس من صفاته الضّعف عن التَّكَسُبِ (٧) والعمل، رواه المغيرة عن مالك. وقال الشّافعيّ: لا يُعْطَى القوقي على التَّكَسُّبِ وإن لم يكن له مال. ودليلُنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (٨)، وهذا عامٌ، فيحملُ على عمومه إلّا ما خّصَّهُ الدّليلُ. مسألة (٩): قال علماؤنا (١٠): ومن صفته إلَّا يكون من آلِ محمَّدٍ ﷺ ، وبهذا قال أبو حنيفة (١١) والشّافعيّ.

стр. 1674

وذكر ابنُ القصّار؛ أنّ مِنْ أصحابنا من قال: تحلُّ لهم الصّدقة الواجبة ولا يحل لهم التَّطَوُّع؛ لأنّ المِنَّةً قد تَقَعُ فيها. ومنهم من قال: لا يحلّ لهم التَطوُّعُ دون الفَرْضِ، وكان الأبْهَرِيُّ يقول: قد حلَّت لهم الصَّدقات كلّها فَرْضُها ونقلها. وقال ابن حبيب في "شرح المؤطأ" (١) له: إنّ الزكوات الواجبة وصدقة التطوع محرمة عليهم، وحكَى ذلك عن مُطَرِّف وابن الماجِشُون وأَصْبَغ، وهو الصَّحيح من القَوْلِ، لقول ﷺ للحَسَن وقد جعل تَمْرَة في فيه من الصَّدَقة: "أَمَا عَلِمْتَ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لا يَأكُلُونَ الصَّدَقَةَ" (٢) وما ذَكَرَهُ ابن القَصّار أنّ التطَوُّع يجوز لهم دون الفَرْضِ هو رواية أَصْبَغ عن ابن القاسم في "العُتْبِيّةَ" (٣). مسألة (٤): ومَنْ ذَوُو القُرْبَى؟ هم الذين لا تحلّ لهم الصَّدَقَة، وقال ابنُ القاسم: هم بنو هاشم خاصة، وبه قال أبو حنيفة إلَّا أنّه استَثْنَى بني أبي (٥) لهب. وقال أصْبَغُ: عَشِيرَتُه الأقْرَبُون الّذينَ نادى بهم حين أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٦) وهم: آل عبد المطّلب (٧)، وآل عبد مَنَاف الأشراف، وآل قصي، وآل غالب. وقال الشّافعيّ: هم بنو هاشم وبنو عبد المطَّلِب. وقول ابن القاسم أظهر؛ لأنّ (٨) الآل إذا وقع على الأقارب فإنّما يتناول الأدنين.

стр. 1675

الصِّنْفُ الثّاني (١) قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (٢) قيل: هم السُّعاةُ في طَلَبِها وتحصيلها، ويُوَكَّلْون على جَمْعِهَا. قال الإمام: وهذا يدلُّ على مسألةٍ بديعةِ، وهي أنَّ ما كان من فُروضِ الكِفَايَاتِ، فالقائمُ به يجوزُ له أخذ الأُجْرَةِ عليه، ومِنْ ذلك الإمامة؛ فإنَّ الصَّلاةَ وإن كانت متوَجِّهَة على جميع الخَلْقِ، فإن تقدُّدَّ بعضهم بهم من فُروضِ الكفاية، فلا جرم بجواز أَخْذِ الأُجرة عليها، وإليه الإشارة في الحديث الصّحيح: "ما تركتُ بعد نفقة عِيَالِي ومَؤُونَةِ عَامِلِي، فَهُوَ صَدَقَةٌ" (٣). الصِّنف الثّالث (٤) قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قال علماؤنا: ليس على وجه الأرض منهم اليوم أحدٌ، قاله جماعة، وأخذ به مالك. ومنهم من قال: هم باقون؛ لأنّ الإمام ربّما احتاجَ إلى من يتألَّف (٥) على الإسلام، وقد قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدِّين. والّذي عندي أنّه إنْ قَوِيَ الإِسلامُ زالوا (٦)، وإن احْتِيجَ إليهم أُعْطُوا سَهْمهم كما كان يُعْطِيه رسولُ الله ﷺ ؛ لأنّه قد رُوِيَ في الصّحيح أنّه قال: "بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأَ" (٧). فإذا قلنا بزوالهم، فإنّ سَهْمَهُم يعودُ إلى سائر الأصناف الثّمانية مَحَلًّا لا

стр. 1676

مستحقّون (١)، إذ لو كانوا يستحقون (٢) لسقط سَهْمُهُم بسقوطه عن (٣) أرباب الأموال ولم يرجع إلى غيرهم. وقيل: إنّه يرجع إلى عُمّار المساجد (٤). الصِّنفُ الرّابع (٥) قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٦) قيل: هم المكاتَبُونَ، قاله عليّ، والشّافعي، وأبو حنيفة (٧)، وجماعة. وقيل: إنّه العِتقُ، وذلك بأن يَبْتَاعَ الإمامُ رقيقًا فَيَعْتَقُهم، ويكون ولاؤهم لجميع المسلمين، قاله ابن عمر. وعن مالكٌ في ذلك أربع روايات: ١ - قيل: لايُعين (٨) مكاتَبًا. ٢ - وقال في إحدى رواياته (٩): ما بلغني عن أبي بكرٍ ولا عمر ولا عثمان أنّهم فعلوا ذلك. ٣ - ورَوَى عنه مُطَرِّف؛ أنّه يُعطَى المكاتَبُونَ. مسألة (١٠): وقد اختلفَ العلّماءُ في فكِّ الأسيرِ منها؟ فقال أَصْبَغُ: لا يجوز ذلك.

стр. 1677

وقال ابن حبيب (١): يجوز ذلك. وإذا كان فكُّ المسلم عن رِقِّ* المسلم عبادة وجائزًا من الصَّدَقة، فأَوْلى وأَحْرَى أنّ يكون ذلك في فكِّ المسلم عن رقِّ* (٢) الكافر وذُلِّه. إذا قلنا: يُعَانُ منها المكاتَب، فهل نعتق منها بعضَ رقبة أو نصف عَبْدٍ أو عُشرَهُ؟ فإن فيه تفريعًا كثيرًا يطولُ ذِكْرُهُ، وقد بيَّنَّاهُ في موضعه، والأصناف الباقية ذكرها قد تقدَّمَ بيانُهَا في صَدْرِ البَابِ، فلا معنَى للتَطْوِيلِ. مسألة (٣): واختلفَ العلّماءُ بافي صِنْفٍ يبدأ؟ فأمّا العاملون، فإن قلنا: إنّ أُجْرَتَهم من بيت المال، فلا كَلاَمَ، وإن قلنا: إنّ أجرتهم من الزَّكاة، فبهم نبدأُ فنعطيهم الثُّمُنَ (٤)، فإن أخذَ العاملُ حَقَّهُ فلا يبقى صنف يترجَّحُ فيه إلّا صنفين وهما: سبيل الله، والفقراء، أو ثلاثة أصناف إنّ قلنا: إنّ الفقير المسكين صِنْفَان، فلا كلامَ، فإنَّ ابنَ السَّبيلِ إذا اجتمع مع الفقير (٥) فإن الفقير مُقَدَّمٌ عليه. فرع (٦): قال علماؤنا: هل للرَّجُل أنّ يعطي الزَّكاة للزَّوجة؟ قال القاضي أبو الحسن (٧): إنّ ذلك (٨) محمولٌ على الكراهية، وذَكَرَ عن ابن حبيب أنَّه قال: إنّ كان يستعينُ بالنّفقة عليها بما يُعطيها (٩) فلا يجوز، وإن كان معه ما ينفق عليها ويصرف ما يأخذ منه (١٠) في نَفَقَتِهِ وكُسْوَتِهِ، فذلك جائزٌ إذا كانت الزَّوجة المعطية للزَّوج.

стр. 1678

وقال أبو حنيفة (١): لا يجوز بحال (٢). قال الإمام: والصّحيحُ جوازُه لحديث زينب امرأة ابن مسعود، وصَدَقَةُ التَّطَوُّع والفَرْضِ هاهنا سواء؛ لأنَّ المنعَ إنّما هو لأجل عَوْدِهِ عليه، وهذه العِلَّةُ لو كانت مراعاةً لاسْتَوَى فيها التَّطَوُّع والفَرْضُ. مسألة (٣): واختلفَ العلّماءُ هل يُعْطَى من الزكاةِ نصابًا أم لا؟ على قولين: فقال بعض المتأخرين: إنّ كان في البلد زكاتان نَقْدٌ (٤) وحَرْثٌ، أخذ ما يبلِّغه إلى الأخرى. والّذي أراهُ أنّ يُعْطَى نِصَابًا، وإن كان في بلد زكاتان نقدٌ (٥) وحَرْثٌ وأكثر (٦)، وقد بيَّنَّا ذلك في موضعه إنّ شاء الله. باب ما جاءَ في أخْذِ الصَّدقة والتَّشْدِيد فيه مالك (٧)، أنَّه بلغه أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ قال: لَوْ منعوني عِقَالًا لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ بلاغٌ، وهو يتَّصِلُ من حديثِ أبي هريرة (٨).

стр. 1679

العربية: قوله: "الصَّدَقة" اشتقت الصَّدقة من الصَّدق في موازنة الفعل للقَوْل والاعْتِقَادِ. الفقه في مسألتين (١): المسألة الأولى (٢): لا خلافَ بن علمائنا أنّ للإمام المطالبة بالزَّكاة، وأنَّ من (٣) أقَرَّ بوجوبها عليه، وقامت (٤) عليه بها بَيِّنَة، كان للإمام أخذها منه، وعلى هذا يجب على منِ امْتَنَعَ من أدائها ونصب الحربَ دونَها إنّ يقاتِل مع الإمامِ، فإنْ أَبَى إلَّا أنّ يقاتَل عن نفسه (٥) فَدَمُهُ هَدَرٌ وتُوخَذُ من مَالِه (٦)، وهو صريحُ مذهب مالك، قال (٧): "الأمر عندنا فيمن منع فريضةً من فرائضِ اللهِ أنّ يُجَاهَدَ إنّ لم يَقْدَر على أَخْذِها منه" وهذا موافقٌ لِقول لأبي بكر الصِّديق: "لأُقَاتِلَنَّ من فَرَّقَ بين الزَّكاة والصَّلاةِ" (٨). باب زكاة ما يُخْرَصُ من ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ مالك (٩)، عن سليمان بن يَسَار (١٠) وبُسْر بن سَعِيد؛ أنّ النّبيِّ ﷺ قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ والبَعْلُ: العُشْرُ، وفيما سُقِيَ بالنَّضْحِ نصفُ العُشْرِ". الإسناد: أرسل مالك في "الموطّأ" هذا الحديث، وأَسْنَدَهُ ابن وهب، عن يونس، عن

стр. 1680

الزُّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر؛ أنّ النّبيِّ ﷺ قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ ... " الحديث (١). العربيّة: قوله: "زَكاةُ مَا يُخْرَصُ" الخَرْصُ والخِرْصُ بالفتح والكسر لغتان، وقد يكون بالفَتْح المصدر، وبالكَسْرِ الاسم (٢). وقوله: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ" السَّقيُ بالفَتحْ المصدر، وبالكَسْر الاسم، وليس للعدد فعل. والسَّماءُ المطر. والعَثَرِيّ (٣): هو الّذي سَقَتْهُ السَّمَاء. وقيل: هو شبه نَهْرٍ يُحْفَرُ في الأرض يُسْقَى به البَعْلُ من النَّخْل. الفقه في اثنتى عشرة مسألة: المسألة الأولى (٤): قال الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ الآية (٥)، وقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ (٦) والآية عامَّةٌ، قوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ الآية (٧). واختلفَ العلّماءُ في وجوب الزَّكاةِ في جميع ما تضمّنته أو بعضه على تفصيل طويل لبابه: أنَّ الزَّكاةَ انّما تتعلَّقُ بالمُقْتَاتِ كما قدَّمنَا دون الخضر، وقد كان بالطّائف الرُّمَان والفِرْسِك (٨) والأُتْرُجّ، فما اعترضه رسول الله ولا ذَكَرَهُ، ولا أحدٌ من الخلفاء.

стр. 1681

المسألة الثّانية (١): قال علماؤنا (٢): البعْلُ: ما شرب بعروقه من الأرض من غير سَقْيِ (٣) سماءٍ ولا غيرها. فإذا سَقَتةُ السّماء فهو عِذْيٌ. وما سقته العيون والأنّهار فهو سيْحٌ وغَيْلٌ. يقال (٤) هو يشربُ غَيْلًا ويشرب سَيْحًا، وإنّما سُمَّيَ سَيْحًا لأنّه يَسِيحُ في الأرضِ أي يجري عليها. قال والعِذْيُ العَثَرِيُّ. قال عبد الملك (٥): "هو يتصرَّفُ على ثلاثة أَوْجُهٍ: بَعْلٌ وعِذْيٌ وسقْيٌ، وكذلك صرّفه رسول الله ﷺ في الحديث على ثلاثة أوجه: قال: "فيما سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ والبَعْلُ العُشْرُ" (٦) وقال الأصمعيّ (٧): البَعْلُ ما شربَ بعروقه من ثَرَى الأرض. وأمّا النّضح فهو ما سُقِيَ بالسَّوَانِي وبالذّرانيق (٨) وبالدَّلْو بِالْيَدِ". وقال يحيى بن آدم: البَعْلُ ما كان من الكروم والنّخيل تذهب عروقه في الأرض إلى الماء ولا يحتاج إلى سَقْيٍ. المسألة الثّالثة: قوله: "فيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ: العُشْرُ" فوجبَ العُشر فيما سَقَتْهُ السَّماء قليلًا كان أو كثيرًا من مَكِيلٍ أو غير مَكِيلٍ. وقالت طائفة: هذا الحديث يُوجِبُ العُشر في كلِّ ما زَرَعَهُ الآدميُّونَ من الحبوب والبُقُول، وكلما أشبه أشجارهم من الثّمرات كلّها قليلها وكثيرها يوجب منه العشر، ونصف العشر عند حَصَادِه وقطافه، كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٩)

стр. 1682

وذلك العُشر ونصف العُشر. المسألة الرّابعة (١): اتفق المذهب (٢) على أنّ الكُروم والتَّخيل تُخْرَصُ عند مالك (٣)، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: لا يخرصُ شيءٌ من ذلك (٤). ودليلنا الأحاديث الواردة في ذلك وهي أربعة: الحديث الأوّل: روى أبو حُمَيْد السَّاعِدِيّ، قال: غَزَوْنَا مع رسولِ الله نحو ﷺ غزوةَ تَبُوكَ، فلمَّا جاءَ وادِي القُرَى، إذًا امْرأَةٌ في حَدِيقَةٍ لها، فقال النّبيُّ ﷺ لأصحابه: "اخْرُصُوا" وخَرَصَ رسول الله ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فقال لها: "أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا"، فلما رَجعَ إلى وادي القُرَى قالَ للمَرْأَةِ: "كم جاءت (٥) حَدِيقَتُكِ؟ " قالت: عَشَرَةَ أَؤسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ الله صلّى الله عليه (٦). الحديث الثّاني: ما خرّج التّرمذيّ (٧)، عن عبد الرّحمن بن مسعود بن نِيَارِ (٨)، قال: جاء سَهْلُ بن أبي حَثْمَةَ إلى مجلسنا، فَحَدَّثَ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إِذا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا، دَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ". الحديث الثّالث: سعيد بن المسيَّب، عن عتَّاب بْنِ أِسيدٍ؛ أنَّ النَّبيِّ ﷺ كان يَبْعَثُ على النَّاسِ من يَخْرُصُ لهم (٩) كُرُومَهُمْ وثمَارَهُمْ (١٠). الحديث الرّابع: وبهذا الإسناد؛ أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه قال الّذي زكاةِ الكُرُومِ: "إنَّما تُخْرَصُ كمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ" (١١).

стр. 1683

قال الإمام القاضي ابن العربي في "العارضة" (١): إنّه لم يثبت عن النّبي ﷺ في الخَرْص غير الحديث المتقدِّم، وهو صحيحٌ متَّفَقٌ عليه، وغير ذلك لم يصحّ سَنَدًا ولا نَقْلًا. المسألة الخامسة: قال علماؤنا: ومن الواجبِ أنّ يَخْرُص الإمامُ ثمّ يخلِّي بينها وبين أربابها ينتفعون بها ويتصرَّفُون فيها، ويدَّخرون من الأموال -أعني الزَّكاة- بما يُقَدَّر عليهم في الخِرْصِ. قال علماؤنا (٢): وصفَةُ الخَرْصِ أنّ يخرصَ الحائط نخلة نخلة، فإذا كمل خِرْصها أضاف بعضها إلى بعض، ورَوَى ذلك ابن نافع عن مالك (٣). المسألة السّادسة (٤): وهل يخفِّف في الخَرْصِ على أرباب الأموال أم لا؟ فالمشهور من مذهب مالك؛ أنّه لا يلغى لهم شيئًا. وقال ابنُ حبيب: يخفّف عنهم ويوسّع عليهم. وقال ابن أبي زيد: هذا خلاف مذهب مالك. وحَكَى عبد الوهّاب (٥) الرِّوَايَتَيْنِ عن مالك. توجيه (٦): فوجه القول الأوّل: أنّ هذا تقديرٌ للمال المزكَّى فلم يشرع فيه تخفيفٌ، كَعَدِّ الماشية والدَّنانير والدَّراهم.

стр. 1684

ووجه القول الثّاني: الحديثُ الثّاني، عن سهل بن أبي حَتْمَة، قال: أمرنا رسول الله ﷺ قال: "إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا دَعُوا الثُّلُثَ". قال. الإمام (١) - ومن جهة المعنى: أنّ التَّخفيفَ في الأموال مشروعٌ؛ لأنّ صاحبَ الحائط يكون له الجار المسكين، فلابُدَّ أنّ يُطعمه ويهدي إليه، ولا يكاد يسلم حائط من أَكْلِ طائرٍ وأَخذِ إنسانٍ، فأَمَرَ بالتَّخفيفِ لهذا المعنى، واللهُ أعلمُ. المسألة السابعة (٢): قال علماؤنا (٣): ويجوز أنّ يرسل إلى الخَرْصِ الخَارِصُ الواحدُ، خلافًا لأحد قولَي الشّافعيّ. والأصلُ في ذلك: حديث عائشة؛ أنّ النّبيَّ ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النَّخلَ ... الحديث (٤). ومن جهة المعنى: أنّ الخارِصَ حاكمٌ لجِنْسِ العَيْن المحكومِ فيها، فجازَ أنّ يكون واحدًا. المسألة الثامنة (٥): قال علماؤنا (٦): وعلى ربِّ الزَّيتون والحُبُوب أنّ يحتسبَ في ذلك بما استأجر به منه عليه، وبما عَلَفَ وأكل فَرِيكًا (٧)؛ لأنَّ الزَّكاةَ قد تعلّقت يوم (٨) بُدُوَّ صلاحه، ووجب عليه تخليصها بمَالِهِ، فما استأجر به على تخليصها منه فهو في حِصَّتِهِ. المسألة التّاسعة (٩): هل يجوز أنّ يخرج عن الحبِّ والتَّمْرِ عَيْنًا؟ قال ابنُ القاسم وأشهب في "الموّازية": أرجو أنّ يُجْزِئه ذلك ولا يجزئه في

стр. 1685

فِطرةٍ ولا كَفَّارَة يَمينٍ (١). وقال عيسى عن ابن القاسم (٢): يُجْزىء ذلك في زكاة الحَبِّ والماشية إذا كان الإمام يضعها موضعها، لم يجز (٣) أخذ ذلك تطوعًا أو كرهًا،* قال أَصْبَغ: وإن كان الإمام غير عَدْلٍ لا يضعها مواضعها لم يجزه أخذ ذلك طوعًا أو كرهًا. قال أَصْبَغ: والناس على خلاف يجزئ ما أخذ كرهًا* (٤)، وبه كان يفتي ابن وهب (٥) وغيره. المسألة العاشرة (٦): قوله (٧): "فَإنْ أَصَابَتِ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ" الجوائح على ثلاثة أضرب: أحدها: قبلَ الخَرْصِ. الثّاني: بين (٨) الخَرْص والجَدَادِ. والثّالث: بعد الجَدَادِ. فأمّا ما كان قبل الخَرْصِ، فلا اعتبارَ فيه (٩)؛ لأنَّ الخِرْصَ لم يتناوله. وأمّا ما كان بين الخَرْصِ والجَدَادِ، فإنَّه يبطل حُكم الخَرْص وتسقط الزَّكاة بعد تقديرها بالخَرْصِ؛ لأنّ الزَّكاة إنّما تجب بالخَرْصِ بشَرْطِ وصولِ الثَّمَرَةِ إلى ربِّها، فإذا أصابتِ الثَّمرة جائحة قصرت (١٠) عن النِّصاب سقطت الزّكاة؛ لأنّه لم يصل إلى صاحبها منها شيءٌ ولا نصاب (١١)، فكان بمنزلة أنّ يخرج الحائط ذلك المقدار.
следующие страницы →