← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

المسألة الثّانية (١): قال علماؤنا (٢): البعْلُ: ما شرب بعروقه من الأرض من غير سَقْيِ (٣) سماءٍ ولا غيرها. فإذا سَقَتةُ السّماء فهو عِذْيٌ. وما سقته العيون والأنّهار فهو سيْحٌ وغَيْلٌ. يقال (٤) هو يشربُ غَيْلًا ويشرب سَيْحًا، وإنّما سُمَّيَ سَيْحًا لأنّه يَسِيحُ في الأرضِ أي يجري عليها. قال والعِذْيُ العَثَرِيُّ. قال عبد الملك (٥): "هو يتصرَّفُ على ثلاثة أَوْجُهٍ: بَعْلٌ وعِذْيٌ وسقْيٌ، وكذلك صرّفه رسول الله ﷺ في الحديث على ثلاثة أوجه: قال: "فيما سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ والبَعْلُ العُشْرُ" (٦) وقال الأصمعيّ (٧): البَعْلُ ما شربَ بعروقه من ثَرَى الأرض. وأمّا النّضح فهو ما سُقِيَ بالسَّوَانِي وبالذّرانيق (٨) وبالدَّلْو بِالْيَدِ". وقال يحيى بن آدم: البَعْلُ ما كان من الكروم والنّخيل تذهب عروقه في الأرض إلى الماء ولا يحتاج إلى سَقْيٍ. المسألة الثّالثة: قوله: "فيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ: العُشْرُ" فوجبَ العُشر فيما سَقَتْهُ السَّماء قليلًا كان أو كثيرًا من مَكِيلٍ أو غير مَكِيلٍ. وقالت طائفة: هذا الحديث يُوجِبُ العُشر في كلِّ ما زَرَعَهُ الآدميُّونَ من الحبوب والبُقُول، وكلما أشبه أشجارهم من الثّمرات كلّها قليلها وكثيرها يوجب منه العشر، ونصف العشر عند حَصَادِه وقطافه، كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٩)

стр. 1682

وذلك العُشر ونصف العُشر. المسألة الرّابعة (١): اتفق المذهب (٢) على أنّ الكُروم والتَّخيل تُخْرَصُ عند مالك (٣)، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: لا يخرصُ شيءٌ من ذلك (٤). ودليلنا الأحاديث الواردة في ذلك وهي أربعة: الحديث الأوّل: روى أبو حُمَيْد السَّاعِدِيّ، قال: غَزَوْنَا مع رسولِ الله نحو ﷺ غزوةَ تَبُوكَ، فلمَّا جاءَ وادِي القُرَى، إذًا امْرأَةٌ في حَدِيقَةٍ لها، فقال النّبيُّ ﷺ لأصحابه: "اخْرُصُوا" وخَرَصَ رسول الله ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فقال لها: "أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا"، فلما رَجعَ إلى وادي القُرَى قالَ للمَرْأَةِ: "كم جاءت (٥) حَدِيقَتُكِ؟ " قالت: عَشَرَةَ أَؤسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ الله صلّى الله عليه (٦). الحديث الثّاني: ما خرّج التّرمذيّ (٧)، عن عبد الرّحمن بن مسعود بن نِيَارِ (٨)، قال: جاء سَهْلُ بن أبي حَثْمَةَ إلى مجلسنا، فَحَدَّثَ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إِذا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا، دَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ". الحديث الثّالث: سعيد بن المسيَّب، عن عتَّاب بْنِ أِسيدٍ؛ أنَّ النَّبيِّ ﷺ كان يَبْعَثُ على النَّاسِ من يَخْرُصُ لهم (٩) كُرُومَهُمْ وثمَارَهُمْ (١٠). الحديث الرّابع: وبهذا الإسناد؛ أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه قال الّذي زكاةِ الكُرُومِ: "إنَّما تُخْرَصُ كمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ" (١١).

стр. 1683

قال الإمام القاضي ابن العربي في "العارضة" (١): إنّه لم يثبت عن النّبي ﷺ في الخَرْص غير الحديث المتقدِّم، وهو صحيحٌ متَّفَقٌ عليه، وغير ذلك لم يصحّ سَنَدًا ولا نَقْلًا. المسألة الخامسة: قال علماؤنا: ومن الواجبِ أنّ يَخْرُص الإمامُ ثمّ يخلِّي بينها وبين أربابها ينتفعون بها ويتصرَّفُون فيها، ويدَّخرون من الأموال -أعني الزَّكاة- بما يُقَدَّر عليهم في الخِرْصِ. قال علماؤنا (٢): وصفَةُ الخَرْصِ أنّ يخرصَ الحائط نخلة نخلة، فإذا كمل خِرْصها أضاف بعضها إلى بعض، ورَوَى ذلك ابن نافع عن مالك (٣). المسألة السّادسة (٤): وهل يخفِّف في الخَرْصِ على أرباب الأموال أم لا؟ فالمشهور من مذهب مالك؛ أنّه لا يلغى لهم شيئًا. وقال ابنُ حبيب: يخفّف عنهم ويوسّع عليهم. وقال ابن أبي زيد: هذا خلاف مذهب مالك. وحَكَى عبد الوهّاب (٥) الرِّوَايَتَيْنِ عن مالك. توجيه (٦): فوجه القول الأوّل: أنّ هذا تقديرٌ للمال المزكَّى فلم يشرع فيه تخفيفٌ، كَعَدِّ الماشية والدَّنانير والدَّراهم.

стр. 1684

ووجه القول الثّاني: الحديثُ الثّاني، عن سهل بن أبي حَتْمَة، قال: أمرنا رسول الله ﷺ قال: "إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا دَعُوا الثُّلُثَ". قال. الإمام (١) - ومن جهة المعنى: أنّ التَّخفيفَ في الأموال مشروعٌ؛ لأنّ صاحبَ الحائط يكون له الجار المسكين، فلابُدَّ أنّ يُطعمه ويهدي إليه، ولا يكاد يسلم حائط من أَكْلِ طائرٍ وأَخذِ إنسانٍ، فأَمَرَ بالتَّخفيفِ لهذا المعنى، واللهُ أعلمُ. المسألة السابعة (٢): قال علماؤنا (٣): ويجوز أنّ يرسل إلى الخَرْصِ الخَارِصُ الواحدُ، خلافًا لأحد قولَي الشّافعيّ. والأصلُ في ذلك: حديث عائشة؛ أنّ النّبيَّ ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النَّخلَ ... الحديث (٤). ومن جهة المعنى: أنّ الخارِصَ حاكمٌ لجِنْسِ العَيْن المحكومِ فيها، فجازَ أنّ يكون واحدًا. المسألة الثامنة (٥): قال علماؤنا (٦): وعلى ربِّ الزَّيتون والحُبُوب أنّ يحتسبَ في ذلك بما استأجر به منه عليه، وبما عَلَفَ وأكل فَرِيكًا (٧)؛ لأنَّ الزَّكاةَ قد تعلّقت يوم (٨) بُدُوَّ صلاحه، ووجب عليه تخليصها بمَالِهِ، فما استأجر به على تخليصها منه فهو في حِصَّتِهِ. المسألة التّاسعة (٩): هل يجوز أنّ يخرج عن الحبِّ والتَّمْرِ عَيْنًا؟ قال ابنُ القاسم وأشهب في "الموّازية": أرجو أنّ يُجْزِئه ذلك ولا يجزئه في

стр. 1685

فِطرةٍ ولا كَفَّارَة يَمينٍ (١). وقال عيسى عن ابن القاسم (٢): يُجْزىء ذلك في زكاة الحَبِّ والماشية إذا كان الإمام يضعها موضعها، لم يجز (٣) أخذ ذلك تطوعًا أو كرهًا،* قال أَصْبَغ: وإن كان الإمام غير عَدْلٍ لا يضعها مواضعها لم يجزه أخذ ذلك طوعًا أو كرهًا. قال أَصْبَغ: والناس على خلاف يجزئ ما أخذ كرهًا* (٤)، وبه كان يفتي ابن وهب (٥) وغيره. المسألة العاشرة (٦): قوله (٧): "فَإنْ أَصَابَتِ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ" الجوائح على ثلاثة أضرب: أحدها: قبلَ الخَرْصِ. الثّاني: بين (٨) الخَرْص والجَدَادِ. والثّالث: بعد الجَدَادِ. فأمّا ما كان قبل الخَرْصِ، فلا اعتبارَ فيه (٩)؛ لأنَّ الخِرْصَ لم يتناوله. وأمّا ما كان بين الخَرْصِ والجَدَادِ، فإنَّه يبطل حُكم الخَرْص وتسقط الزَّكاة بعد تقديرها بالخَرْصِ؛ لأنّ الزَّكاة إنّما تجب بالخَرْصِ بشَرْطِ وصولِ الثَّمَرَةِ إلى ربِّها، فإذا أصابتِ الثَّمرة جائحة قصرت (١٠) عن النِّصاب سقطت الزّكاة؛ لأنّه لم يصل إلى صاحبها منها شيءٌ ولا نصاب (١١)، فكان بمنزلة أنّ يخرج الحائط ذلك المقدار.

стр. 1686

المسألة الحادية عشرة: إذا خرصَ فزاد أو نقصَ؟ قال الإمام: وعبدُ الوهَّابِ (١) وغيرُه لا يعتبر زيادته ولا نقصانه؛ لأنَّ الخَرْصَ معيارٌ شَرْعِيٌ. ويتركّب على هذا أنّه (٢) لو نقص الثَّمَرُ عن (٣) الخَرْصِ من غير جائحة، فالّذي رَوَى ابن القاسم (٤) وابن زياد عن مالك؛ أنّه ليس عليه إلَّا ما خرص عليه، ولا شيءَ عليه في الزِّيادة إذا كان الّذي خَرصه عليه عَالِمًا، ؤإن كان غير عالِمٍ أخرج الزِّيادة (٥)، وبهذا قال أَشْهَب. وقال ابنُ نافع: من رأيه عليه الزِّيادة وله النَّقْص (٦). المسألة الثّانية عشرة (٧): وأمّا ما أصابت الشجرة من الجائحة بعد الجَدَادِ، فإن كان قد ضَمِنَها ربّ الحائط بتَعَدَّيهِ لَزِمَه غرمها، وإنْ كان لم يتعد عليها، فلا ضَمَانَ عليه، ووجه التّعدِّي فيها (٨): أنّ يدخل الثَّمَر بيته (٩). خاتمة (١٠): اتَّفقَ أبو حنيفة وأصحابه على أنّ الخَرْصَ بِدْعَةٌ (١١)، واعْجَب لمساعدة الثّوريّ

стр. 1687

لهم على ذلك مع عِلْمِهِ ومعرفته وتَبَحْبُحِهِ في الأخبار وتَمَكُّنِهِ من السُّنَنِ. واحتجوا بذلك (١)؛ أنّ النّبيَّ ﷺ نهى عن المُزَابَنَةِ. وقال جماعة العلّماء بالخِرْصِ في النّخيل والكُرُوم، والزَيْتُون في أحد قولَي الشّافعي. باب زكاة الحُبوب والزَّيتونِ مالك (٢)؛ أنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الزَّيْتُونِ؟ فَقَالَ: فِيهِ الْعُشْرُ. الإسناد: قال الإمام: لم يتقدَّم الزُّهْرِيَّ أحدٌ في صَدَقَةِ الزَّيتُون من طريقٍ صحيحٍ، وهو حسنٌ؛ لأنّه إِدَامٌ وقُوتٌ مدَّخَر من الأقوات مثل القُطْنِيَّة (٣) وشبهها. قال مالك: وقد جعل عمر بن الخطّاب الزّيت قوتًا من الأقوات، فكأن يأخذ منه ومن الحِنْطَةِ نصف العُشْرِ. الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (٤): قوله: "وَفِي الزَّيْتُونِ العُشْرُ" هو قولُ جماعة الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة، وهو أحد قولَي الشّافعيّ، وله قول آخر؛ أنَّه لا زكاةَ فيه. ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٥) والحقُّ هاهنا الزّكاة؛ ولأنّه (٦) لا خلافَ أنّه ليس فيه حقٌّ (٧) واجبٌ غيره، والأمرُ يقتضِي الوُجُوب.

стр. 1688

ودليلُنا من جهة السُّنَّة: قوله: "فيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ" وهذا عامٌ، فيحملُ على عُمُومِهِ، إلَّا ما خَصُّهُ الدَّليلُ. ودليلُنا من جهة القياس: أنّ هذا حَبٌّ مُقْتَاتٌ (١)، فوجبَ (٢) فيه الزَّكاة كالسَّمْسِم. المسألة الثّانية (٣): أمّا حَبُّ السِّمسِم وغيره من الحبوب الّتي تجب فيه الزَّكاة بسبب زَيْتِهَا، فإنْ عصرها فلا خلافَ في المذهب أنّ عليه أنّ يخرجَها من زَيته (٤) وإن لم يعصرها (٥)، فقد (٦) اختلفَ قولُ مالك فيه؟ فمرَّةً قال: عليه العصر، ومرَّةً قال: يخرج من الحب. وجه القول الأوّل (٧): لأنّه حبّ تجبُ فيه الزَّكاة لزَيْتِهِ، فلم يجز لِرَبِّ المال إلَّا إخراج الزَّيتِ كالزَّيْتُون. ووجه القول الثّاني: وذلك أنّ هذا حَبٌّ يَبْقَى على حاله غالبًا وينتفع به، كذلك في الزِّراعة والبَيعْ، وأمّا الزَّيتون فإنّه لا يتصرّف إلّا في البيع ولا يزرع (٨)، فكان السِّمْسِم أَشْبَه الحب بالحِنْطَة (٩) والشّعير. المسألة الثّالثة (١٠): والحبوبُ الّتي جرت عادة النّاس باقْتِيَاتِها على أيّ وجهٍ كانَ فيها الزَّكاة؛ لأنّها قُوتُ في أَنْفُسِها كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، وذكر منها في "الموطّأ" (١١) عشرة أصناف، وفي

стр. 1689

"المجموعة" عن ابن وهب عن مالكٌ: الزّكاة في التُّرْمُسِ (١)، وزاد في "المختصر" التُّرْمُسُ، والفُولُ، والحِمَّصُ، والبَسِيلَةُ، وزاد في "العُتْبيَّهّ" (٢) أشهب عن مالك: "الكِرْسنَّة" (٣). وذكر ابن حبيب عن جماعة من أصحاب مالك: "الاشقالية" وهي: العَلَسُ (٤)، فَزادوا (٥) على ما في "الموطّأ" ستة أصناف، وهي داخلةٌ تحت قوله (٦): "وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ". وهذه الحُبوبُ كلّها منها ما يُدَّخَر ويعتادُ النَّاس اقتياته، ومنها ما لم (٧) يعتادوا ذلك فيه، وهي الكِرْسِنَّة فإنّه لم يعتد النّاس أكلها فيما علمنا، ولعلّه أنّ يذهب ما فيها من المرارة بالعصارة كالتُّرْمُسِ. المسألة الرّابعة (٨): قوله (٩): "ليس في شيءٍ من التّوابل زكاةٌ، ولا الفُسْتُق، ولا القِطْن" قاله عنه (١٠) ابن وهب، وما علمتُ أنّ في حَبَّ القِرْطِمِ وبِزْرِ الكَتَّانِ (١١) زكاة قيل أنّ يُعْصَرَ منها زَيْتٌ كثيرٌ، قال: ففيه الزّكاة إذا كَثُرَ هكذا، قال أَصْبَغ في بِزْرِ الكَتَّانِ، هو أعمّ نفعًا من زَيتِ القِرْطِمِ.

стр. 1690

وقال ابنُ القاسِم: لا زكاةَ في زَيتِ الكَتَّانِ ولا بذْرِهِ، إذ ليس يعيش (١)، وقالَهُ المُغِيرَة وسحْنُون. المسألة الخامسة (٢): قوله (٣) فيمَنْ باعَ زَرْعًا وقد صَلَحَ ويَبِسَ فعليه الزّكاة، معنى ذلك أنَّ الزَّكاةَ تعلّق وُجوُبُها به حينَ صار فيه الحَبّ، فهو حين باعَ الزَّرْعَ باع حَظَّهُ وحظّ المساكين، فعليه أنّ يأتي بِبَدَلِ حظِّ المساكين، وأمّا المشتري فلا زكاةَ عليه (٤)؛ لأنّه لم يخل أنّ يوجد الطّعام بِيَدِ المبتاعِ أم لا؟ فإنْ وُجِدَ بيده، فقد قال ابن القاسم في "المدونة" (٥): "يؤخذ من المشتري ويرجع على البائع بقَدْرِ (٦) ذلك من الثَّمن". وقال أشهب: لا يؤخذ منه شيءٌ ويتبع البائع. ووجه قول مالك: أنَّه ليست له ولاية على المساكين، وإنّما أُجِيزَ له البَيْع لضرورة الشَّرِكَة، فإذا لم يصل إليهم العِوَض تعلَّقت حقوقُهم بعَيْنِ المال حيث وُجِدَ. ووجه قول أشهب: أنّ صاحبَ الحائطِ مُبَاحٌ له البَيْع كَأبِ الصَّبِيِّ يبيعُ مَالَهُ ويأكل ثمنه (٧)، فلا حقّ للولد فيه وإن وَجَدَهُ بعَيْنهِ. المسألة السّادسة (٨): إذا باع رَبُّ الزَّرْع زرعه قائمًا في وقتٍ يجوزُ له ذلك، فكيف يعرف مَبْلَغَهُ ليؤدَّي زكاته؟ قال ابنُ الموَّاز عن مالكٌ: يسأل المبتاع ويَأتَمِنه على ذلك، ويزكِّي على قوله، لأنّه أصحّ الطُّرُق الّتي (٩) يجدها إلى معوفة المقدار؛ لأنّه لا تُهْمَةَ على المبتاع فيه،

стр. 1691

فإن توهّم نفسه بغير ضمان، وكان (١) المبتاع غير مسلم، تَوَخَّى تَقْدِيرَ الزَّرْعِ، ولا يأخذ في ذلك بقول غير المسلم. المسألة السّابعة (٢): قوله (٣): "وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِ ... " إلى آخر الكلام، هو كما ذَكَرَ، قال: لأنّه إذا باعَهُ قبلَ بُدُوِّ صلاحِهِ فإنّ الزَّكاة فيه على المبتاع؛ لأنّ الثَّمرةَ كانت على ملِكِه حين تعلَّقَتِ الزّكاةُ بها، وهو وقت إزهائها (٤). باب ما لا زكاةَ فيه من الثِّمارِ قال الإمام: هذا البابُ إنّما معناه ضمُّ الحبوب بعضها إلى بعض من القِطْنِيَّة وغيرها، وقد فسَّرَهُ مالك. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله (٦): "وَكَذَلِكَ الحِنْطَةُ كُلُّهَا" يريد أنّها تجمع في الزَّكاة، فتجمع المحمولَةُ -وهي البيضاء- إلى السَّمراء، فهذا بلغتِ النِّصاب ففيها الزَّكاة، وهذا لا خلاف فيه، وكذلك يجمع إلى الحِنْطَةِ الشَّعِيرُ والسُّلْتُ، لا خلاف بين مالكٌ وأصحابه في ذلك (٧)، وبه قال الحسن وطاووس والزّهريّ وعِكْرِمَة. ومنع من ذلك الشّافعىّ (٨) وأبو حنيفة، وقالا: إنّ الشّعير والسُّلْت كلُّ واحدٍ

стр. 1692

منهما صِنْفٌ واحد غير الحنطة (١) لا تجمع في الزّكاة. قال الإمام (٢): والأشبه عندي والأظهر في ذلك (٣)؛ تشابُه الحِنْطَة والسُّلْتِ (٤)، وإذا سَلِمَ السُّلْتُ لحق بالشّعير (٥). المسألة الثّانية (٦): قال علماؤنا (٧): وما كان من الحبوب مُقْتَاتًا (٨) غالبًا، فإنّه تجب فيه الزَّكاة، والّذي يقتات الحِنْطَة والشَّعير والسُّلْتِ والأُرْزِ والدُّخْنِ (٩) والذُّرَّةِ والبَاقِلَّى (١٠) والحِمَّصِ واللُّوبْيَا والعَدَسِ والجُلْبَانِ والتُّرْمُسِ والبَسِيلَةِ والسِّمْسِمِ وحَبِّ الفُجْلِ، وما أشبه ذلك. قال علماؤنا (١١): وهذه الحبوبُ على ضربين: ١ - ضربٌ منها ما هو صِنْفٌ بنفسه، كالأُرْزِ والدُّخْنِ والذُّرَّةِ (١٢) على المشهور من المذهب. ٢ - ومنها ما يضم بعضها إلى بعضٍ كما تضم أنواع التّمر، وكذلك القَطَانيّ كلّها وما جرى مجراها لتَقَارُبِ منافعها. قال القاضي أبو الوليد (١٣): "والأظهر عندي أنّ يكون كلّ صنفٍ منها منفردًا لا يضافُ إلى غيره في الزَّكاةِ والبُيُوعِ، لأنَّا إنْ عَلَّلْنَا الجِنْسَ بانفصال الحُبُوبِ بعضها من (١٤)

стр. 1693

بعض، اطَّرَدَ ذلك فيها وانْعَكَسَ وصَحَّ. وإن عَلَّلْنَا باختلاف الصُّوَرِ والمنافعِ صحَّ، واللهُ أعلمُ". المسألة الثّالثة (١): قال الإمام: استدلَّ مالك (٢) في الفَرْقِ بين القِطْنِيَّةِ والحِنْطَةِ؛ بأنّ عمر خَفَّفَ عن النَّبَطِ فيما كان يأخذ منهم من الحِنْطَةِ، لمّا كانت الحاجة إليها آكد من سائر الأقوات. باب ما لا زَكاةَ فيه من الفواكه والقَضْبِ والبُقُولِ قال الإمام: هذا بابٌ لم يصحّ فيه حديثٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنّما رُوِيَ فيه حديثٌ عن صالح بن موسى، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة؛ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "فيما أَنْبَتَتِ الأرضُ من الخُضَرِ الزَّكَاة" والصّحيح أنَّه إنّما يُرْوَى عنه: "لَيْسَ فيما أَنْبَتَتِ الأرضُ من الخُضَرِ زكاة" (٣). الفقه في ثلاث مسائل (٤): المسألة الأولى (٥): قال مالك (٦): "السُّنَّةُ التِي لا اخْتِلاَفَ فِيهَا عِنْدَنَا، وَالَّذِي سَمِعتُ مِنْ أَهْلِ

стр. 1694

الْعِلْمِ؛ أَنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ صَدَقَةٌ: الرُّمَّانُ والْفِرْسِكَ، والتِّينُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ". قال علماؤنا (١): هو كما قال، ولا خلافَ بين أهل العلّم (٢) فيما ذَكَرَ. وأضاف مالكٌ إلى جملتها التِّين؛ لأنّه لم يكن بِبَلَدِهِ، وإنّما كان يستعمل (٣) على التَفَكُّهِ (٤) لا على معنى القُوت. واختلف أهل المذهب في هذا الباب؟ فقال ابن حبيب: الزَّكاةُ واجبةٌ في كلِّ ثمرة شجرةٍ ذات سَاقٍ سواء كانت ممّا يُدَّخَر كالجَوْزِ والفُسْتُقِ، أو لا يُدَّخَر كالرُّمَّانِ والفِرْسِكِ، وبه قال أبو حنيفة. قال الإمام (٥): وقد رأيت لمالك في ذلك رواية؛ أنّ في الخُضَرِ الزَّكاة. والدَّليلُ على ما نقوله: أنّ هذا ليس بمقتات مدّخر (٦) فلم تجب (٧) فيه الزّكاة كالحشيش. المسألة الثّانية (٨): وأمّا التّين، فإنّه عندنا بالأَنْدَلُس قوتٌ، ولذلك أَلْحَقَهُ مالك في باب ما لا زكاةَ فيه. ويحتملُ أصله في ذلك القولين: أحدهما: أنّه لا زكاةَ فيه؛ لأنّ الزَّكاةَ إنّما شُرِعَتْ فيما كان يُقْتَاتُ بالمدينة، ولم يكن التِّين يُقْتَاتُ فيها، فلم يتعلّق به حكم الزَّكاة، وإن تعلّق بالزَّبِيبِ والتَّمْرِ لَمَّا كانا مقتاتين بها. والثّاني: أنَّ حكم الزَّكاةِ متعلِّقٌ بالتِّين، قِيَاسًا على الزَّبِيبِ والتَّمْرِ، وإن لم يكن التِّين مقتاتًا بالمدينة.

стр. 1695

وقال ابنُ نافع وعليّ عن مالك: ألْحَقَ العلّماءُ بالحِنْطَةِ والشَّعير ما أشبه ذلك من الحُبوب، فكان الأُرْزُ بالعِرَاقِ أكثر من البُرِّ، والذُّرَّةُ باليَمَنِ أكثر، فلذلك أَلْحَقُوها. المسألة الثّالثة (١): قوله (٢): "وَلَيْسَ في الْقضْبِ زكَاةٌ وَلاَ في الْبُقُولِ" وهذا قولُ مالكٌ والشّافعيّ وجميع أصحابهما. وقال أبو حنيفة: في جميعها الزّكاة إلّا القَضْب والحَشِيشُ والحَطَبُ. ودليلنا: أنَّ الخُضَرَ كانت بالمدينة في زَمَنِ رسول الله ﷺ بحيثُ لا يَخْفَى ذلك عليه، ولم يُنْقَل (٣) إلينا أنّه أَمَرَ بإخراج شَيْءٍ منها، ولا أنّ أحدًا أخذ منها زكاة، ولو كان ذلك لكان منقولًا كما نُقِلَ إلينا زكاة (٤) سائر ما أَمَرَ به، فثبتَ أنّه لا زكاةَ فيها (٥). ودليلنا من جهة القياس: أنّه نبتٌ لا يُقْتَاتُ، فلم تجب فيه الزّكاة كالحَشِيشِ والقَضْبِ. باب ما جاء في صدقة الرّقيق والخيل والعسل مالك (٦)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكٍ بنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ على المُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ". الإسناد: تنبيه على وهم في الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٧): "هكذا الحديث عن سُلَيمَان بن يَسَار عن عِرَاكِ بْنِ مَالِك

стр. 1696

لا خلافَ في ذلك، وفي رواية عُبَيْد الله بن يحيى، عن أبيه، عن مالك وَهَمٌ وخَطَأٌ، فلم يَلْتَفِت إليه في الرِّضاع (١) ولا غيره لظهور الوَهَمِ فيه، وذلك أنّه قال فيه: "وعن عِرَاكِ بن مالك" فأدخل فيه الواو، وقد صنع مثل ذلك في كتاب الرّضاع (٢)، فلم يلتفت إليه أحدٌ من أهل الرِّواية. تنبيه (٣): قوله: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" حديثٌ صحيحٌ من نقل الأيمَّة الحُفَّاظ، وخرّجه مسلم (٤)، والبخاري (٥). الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٦): أجمع العلّماء على ألَّا زكاةَ على أحدٍ في رَقِيقِهِ إلّا أنّ يكون اشتراه للتِّجارةِ، فإنِ اشتراهُ للقُنْيَةِ فلا زكاةَ عليه. وقال علماؤنا (٧) في هذا الحديث: إنّه يقتضي نَفْيَ كلِّ صدقةٍ في هذا الجنس، إلّا ما دلّ الدّليل عليه. ولا خلاف أنَّه ليس في الرِّقاب من العبيد صَدَقَةٌ. وذهب مالك (٨) والشّافعي (٩) إلى أنّه لا صَدَقَةَ في رِقَاب الخَيْلِ، وقال أبو حنيفة: تُزكَّى إناثها إذا جمعت (١٠). ودليلنا: هذا الحديث، وهو قوله: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ ... " الحديث، وهذا

стр. 1697

نَفْيٌ، والنَّفْيُ على الإطلاق يقتضي الاستغراق. ودليلنا من جهة القياس: أنّ هذا حيوانٌ لا تجب في ذُكُورِهِ الزَّكاة إذا انفردت، فلا تجب فيها مع الإناث كالبَغْلِ والحمار (١)، عكسه الإبِل والبقر. المسألة الثّانية: في الخيل الحديث الصّحيح، قوله: "عَفَوْتُ لكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ" (٢). حديث مَالِك (٣)، عَنْ ابن شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَالُوا لأَبِي عُبَيْدَة بْنِ الْجَرَّاحِ: خُذْ مِنْ خَيْلِنَا وَرَقِيقِنَا صَدَقَةً، فَأَبَى، ثُمَّ كَتَبَ إلَى عُمَرَ، فَأَبَى عُمَرُ، ثُمَّ كَلَّمُوهُ أَيْضًا، فَكَتَبَ، فَكتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِن أَحَبُّوا فَخُذْهَا مِنْهُمْ، وَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ، وَارْزُقْ رَقِيقَهُمْ. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): في هذا الحديث دليلٌ واضحٌ أنَّه لا زكاةَ في الرَّقَيقِ ولا في الخَيْلِ، ولو كانتِ الزكاةُ واجبةً فيهما ما امتنع عُمَر ولا أبو عبيدة من أَخْذِ ما أوجبَ اللهُ عليهم أخذَهُ لأَهْلِهِ. المسألة الثّانية (٦): قوله: "وَكَتَبَ إِلَيهِ عُمَرُ: خُذْ مِنْهُمْ إِنْ أَحَبُّوا ذَلِكَ" يريد أنّ هذا تطوُّعٌ منهم، ومن تَطَوَّعَ بشيءٍ أُخِذَ منه سواء كان ممّا تجب فيه الصَّدَقَة أو من غيره. المسألة الثّالثة (٧): قوله: "وَارْدُدْهَا عَلَيهِمْ" يريد على فقرائهم.

стр. 1698

المسألة الرّابعة (١): قوله: "وَارْزُقْ رَقِيقَهُمْ" يحتمل أنّ يريد أنّ يُجْرِي لرقيقهم رِزْقًا لكونهم في ثَغْرٍ من ثُغُورِ المسلمين يُسْتَعَانُ بهم في الحرب، وليس لهم سَهْمٌ فيرتفقون بالرِّزْقِ. ويحتمل أنّ يريد بذلك: أنّ هذا مكافأةٌ لهم على تَطَوُّعِهم بالصَّدَقَة من رقيقهم (٢). المسألة الخامسة (٣): قوله (٤): "أَنْ لَا يَأْخُذَ من العَسَلِ وَلاَ مِنَ الخَيْلِ صَدَقَةً" بهذا قال مالك والشّافعي (٥)؛ لأنّه لا زكاةَ في العَسَلِ. وقال أبو حنيفة: فيه الزَّكاة (٦). والدليل على ما نقوله: أنّ هذا طعامٌ يخرجُ من حيوانٍ، فلم تجب فيه الزَّكاة كاللَّبَنِ. والجمهور على خلافه، أعني قول أبي حنيفة، وأنّه لا تجوز فيه الزّكاة. جِزْيَةُ أهلِ الكِتَابِ مالكٌ (٧)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ من مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ، وأنَّ عُمَرَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ فَارِسَ، وَأَنَّ عُثمَانَ أَخَذَهَا مِنَ الْبَرْبَرِ. الإسناد (٨): قال الإمام: هذا حديث مُرْسَلٌ من مراسيل ابْنِ شهاب، وهكذا هو الحديث عند

стр. 1699

جماعة الرُّوَاةِ، وكذلك رَوَاهُ مَعْمَر، عن ابن شهاب، والحديثُ صحيحٌ مُسْنَدٌ من طُرُقٍ كثيرةٍ (١). العربية (٢): الجِزْيَةُ هي فعلة من جَزَى، كأنّها تجزي عنهم فيما كان واجبًا من القَتْلِ عليهم. الفقه في سبع عشرة مسألة: المسألة الأولى (٣): قوله: "أَخَذَ الْجِزيَةَ مِن مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ" على ما رَوَى؛ أنّ النّبيَّ ﷺ بعث (٤) إلى البَحْرَيْنِ يأتي بِجِزْيَتِها. قال علماؤنا (٥): وأهلُ الكُفْر على ضربين: أهلُ كتاب، كاليهود والنَّصَارى. وضربٌ ثانٍ هم غير أهل كتاب، كالمجوس وعَبَدَةِ الأوثان (٦)، فلا خلافَ أنّ ليس لهم كتاب عند المتأخِّرين من علمائنا (٧). وإنّ الفقهاء قد اختلفوا في هذه المسألة (٨)؟ فقال مالكٌ والشّافعيّ (٩) وأبو حنيفة في أحد أقواله (١٠)؛ أنّهم ليسو أهل كتاب، وقال في القول الآخر: إنّهم أهل كتاب، وقد رُفِعَ كتابهم، وذكر وَهْب وغيره؛ أنَّه كان لهم نبيٌّ اسْمُهُ "دارسيب" (١١) فإن ثبت هذا فيدخلون في الجِزْيَةِ مع أهل الكتاب.

стр. 1700

والصّحيح أنّه لم يثبت ما نقله وهبٌ، وفائدة الخلاف في هذا الباب إنّما هو في مناكحتهم، وأمّا الجِزيَة فَنَرَى الأخذ منهم، وحكمهم في ذلك كحُكْمِ أهل الكتاب، لقوله: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" (١). المسألة الثّانية: قال الإمام: لا شكَّ أنّهم مشركون عندنا، واليهود والنّصارى عند أبي إسحاق الأشعريّ ليسوا بمُشْرِكِينَ، وإن كان قد قال الله تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الآية، إلى قوله ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) فسمّاهم مشركين؛ لأنَّ اسمْ الشِّرك واقعٌ في العُرْفِ على غير اليهود والنَّصَارى، وأمّا اليهود والنَّصارى فلا خلافَ أنّهم أهل كتاب. وأمّا غير (٣) أهل الكتاب كالمَجُوسِ وعَبَدَةِ الأوْثَانِ، فلا خلافَ في جَوازِ إقرارهم على الجِزْيَةِ عَرَبًا كانوا أو عَجَمًا، والأصلُ في ذلك قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤). المسألة الثّالثة (٥): وأمّا المجوس، فَيُسَنُّ بهم سُنَّة أهل الكتاب في أخذ الجِزْيَةِ، وبه قال أبو حنيفة، وهذا أحد قولي الشّافعيّ، وله قول آخر* أنّهم أهل كتاب، وفائدة القولين أننا إذا قلنا: إنّهم * (٦) ليسوا أهل كتاب، فلا تحلّ مناكحتهم وأكل ذبائحهم. وإذا قلنا: إنّهم أهل كتاب، حلّت مناكحتهم وأكل ذبائحهم. وأنكر ذلك أصحاب (٧) الشّافعيّ وقالوا: إنّ مذهب الشّافعيّ لا يجوز مناكحتهم ولا ذبائحهم بوجهٍ. والدّليلُ على ما نقوله أنّهم ليسوا أهل كتاب: قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (٨).

стр. 1701

ودليلنا من جهة السُّنَّة: قولُه ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ". ودليلنا من جهة القياس: أنّ المجوسَ فِرْقَةٌ لا تجوزُ مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، عَكْسُه اليهود والنّصارى (١). المسألة الرّابعة: عندنا أنّه يجوز إقرار جميع الكُفَّار على الجِزْيَة. وقال الشّافعيّ: لا يقرّ عليها إلَّا أهل الكتاب والمَجُوسِ. وقال أبو حنيفة: يجوز إقرار جميعهم إلّا العرب من عَبَدَةِ الأوثان. والدَّليلُ على ما نقوله: أنّ هذا أصلُ الكُفْرِ، فجاز إقراره على الجِزْيَةِ، كالكتابي، وهذا لا يصحُّ له. المسألة الخامسة: اختلفَ العلّماءُ على أيِّ وجهٍ تؤخذ منهم الجِزْيَة؟ فقال الشّافعي: تُجْزِيء عنهم فيما لزمهم من كِرَاءِ الأرضِ إذا نزلوا بدار الإسلام، فتعين عليهم الكراء. والصّحيحُ أنّها بَدَلٌ عن القَتْلِ، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (٢). قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٣): سمعتُ أبا الوفاء إمام الحنابلة عليّ بن عقيل في مجلس النّظر يتلوها ويحتجُّ بها، فقال: ﴿قَاتِلُوا﴾ (٤) وذلك أمرٌ بالعقوبة (٥)، ثم قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) وذلك بيانٌ للذّنب الّذي أَوْجَبَ العقوبة (٧). وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٨) تأكيدُ الذَّنْبِ في جانب الاعتقاد (٩). ثمّ

стр. 1702

قال: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (١) زيادة في الذّنب في مخالفة الأعمال (٢). ثم قال: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (٣) إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأَنَفَة عن الاستسلام (٤)، ثمّ قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٥) تأكيدٌ للحُجَّةِ؛ لأنّهم كانوا يَجِدُونَهُ مكتوبًا عندهم في "التّوراة" و"الإنجيل"، ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فبيَّنَ الغاية الّتي تمتدّ إليها العقوبة، وعيّن البَدَلَ الّذي ترتفع به (٦)، وهذا من الكلام البديع. فقبلها النَّبيّ ﷺ حتّى من المجوس، على ما رواه عبد الرّحمن بن عوف (٧)؛ لأنّ قول: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٨) كما بيَّنَّاه لم يكن شَرْطًا، وإنّما كان تأكيدًا للحُجَّةِ، وقد قال النّبيُّ ﷺ : "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" وهذا عمومٌ اتَّفَقَ العلّماءُ على تخصيصه في الجِزْيَةِ خاصَّة دون سائر أحكام التّحريم. وهنا نكتةٌ (٩): وهي أنَّ النبيَّ ﷺ فرضَ الجِزْيَةَ جملة على الكُفَّار بالبحرين وبدُومَةِ الْجَنْدَلِ (١٠)، وتولَّى الكُفَّارُ أداءَها عن أنفسهم بما يصلُح لهم، فلمّا استوثقَ الأمرُ لعمر، ووقع بين الكفّار التَّظَالُم فيها، وخِيفَ من بعضهم التَّحامُل على البعض، ولم يكن فيها تقديرٌ لا على الأعيانِ مُفَصَّلًا، ولا على الكُلِّ مُجْمَلًا، تولَّى عُمَرُ فرضها مع الصّحابة على الاجتهاد، على الموسر قَدْرُه وعلى المقتر قَدْرُهُ، وجعلَ أعلاها أربعة دنانير، ولو كان معه بيت مال، وفرضَ عليهم مع ذلك ضيافة (١١) المسلمين ومؤنة لمن يحرس أهل الذِّمَّةِ ويمنعُ من تطرقَ إليهم بالإذاية، على ما تَقَرَّرَ في عهد عُمَر، على ما أَوْرَدْنَاهُ في كُتُبِنَا.

стр. 1703

نُكْتَةٌ (١): والَّذي يدُلُّ على أنّ الجِزْيَةَ بَدَلٌ عن القَتْلِ لا عَنِ الدّار، أخذ عمر العُشرَ من أهل الذِّمة إذا تصرَّفوا بالتِّجارات عِوَضًا عن تَصَرُّفِهِم بَيْنَنَا وانتفاعهم بأموالنا، وإنّما قصدَ عمر إلى العُشر؛ لأنَّ النّبيَّ ﷺ جعلَهُ غاية الزَّكاةِ، فقال النّبيّ ﷺ : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ" فجعلَه غاية الكِرَاءِ في الاقتداء. المسألة السّادسة: قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (٢)، فجعلَ القَتْلَ عقوبة على الكُفْر وجَبْرًا على الإسلام. وقوله (٣): "ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا" هذا (٤) يقتضي أنَّه قَدَّرها بهذا المقدار، وذلك (٥) لما رأى من الاجتهاد والنَّظَر للمسلمين واحتمال أحوال أهل (٦) الجِزْيَةِ. واختلفَ النّاس في مقدار الجِزْيَة؟ فالّذي ذهب إليه مالك؛ أنّ قَدْرَها على أهل الذّهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِقِ أربعون دِرْهَمًا، لا يُزَادُ على ذلك. فإن كان منهم من يضعف عن أدائها (٧) خُفِّفَ عنه بقَدْرِ ما يراه الإمام، هذا هو المذهب. وقال ابنُ القاسم: لا ينقص من فَرْضِ عُمر ولا يُزَادُ عليه لِمُعْسِرٍ ولا لِغَنِيٍّ. وقال ابنُ القصّار: أقلُّها دينار وعشرة دراهم (٨). وقال الشّافعيّ: أقلُّها دينار، ولا يتقدَّر أكثرها؛ لأنّه إذا بَذَلَ الأغنياء دينارًا لم

стр. 1704

يجز قتالهم، وهذا تصريحٌ بأن أكثر الجِزْيَةِ دينار. وقال أبو حنيفة: الجِزْيَةُ على ثلاثة أقسام (١): أقلُّها على الفقراء اثنا عشر درهمًا ودينار. والثّاني: على أوسط النّاسِ أربعة وعشرون دِرْهَمًا ودينَارَانِ. والثّالث: على أغنيائهم ثمانية وأربعون دِرْهَمًا وأربعة دنانير. والدّليل على ما نقوله: أنّ هذا فعلُ عمر وحُكْمُهُ بحَضْرَةِ المهاجرينَ والأنصار، ولم يخالِفه في ذلك أحدٌ فثبتَ أنّه إجماعٌ (٢). قال الإمام: والّذي عندي؛ أنّ أقلَّها ما فرض على أهل العُنْوَةِ. واختلف إذا ضعف عن حملها؟ فقيل: إنّها تُوضَع عنه، وهو الظّاهر من المذهب غير (٣) مذهب ابن القاسم. وقيل: يحمل بقَدْرِ احتماله. قال القاضي أبو الحسن: ولا حدَّ لذلك. وقيل: إنَّ حدَّ الجِزْيَة دينار. وقد بيَّنَّا أَن الجِزْيَةَ تُقْبَل من جميعِ الأُمَمِ، واختلفَ النَّاسُ في قَبُولها من مُشْركي العرب على القولين: قيل: إنّها تقبل. وقيل: لا تقبل. المسألة السابعة: فإذا ثبتَ هذا، فهي على ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ تكون مُجْمَلَةٌ عليهم. والثّاني: أنّ تكون مُفرَّقَةٌ عليهم دون الأرض. والثّالث: أنّ تكون مُفَرَّقَةٌ (٤) على رقابهم وأرضهم، أو على أرضهم دون

стр. 1705

رقابهم، مثل أنّ يكون على كلِّ رأسٍ كذا، وعلى كلِّ زيتونةٍ كذا. وأمّا إذا كانت الجِزْيَةُ مُجْمَلَة عليهم، فذهبَ ابنُ حبيب إلى أنَّ الأرضَ موقوفةٌ عليهم للجِزْيَةِ، لا تبُاعُ ولا تُوهَب (١) ولا تقسم، ولا تكون لهم إلَّا إنْ أَسْلَمُوا عليها، وأنَّ مَنْ ماتَ منهم فتكون لِوَرَثَتِهِ من أهل دِينِهِ، إلّا أنّ لا يكون له وَرثَة من أهل دِينِهِ فتكون للمسلمين. وذهب ابنُ القاسم إلى أنّ أرضَهُم بمنزلةِ مَالِهِم، يَبِيعُونها ويُورثونَها ويقسمونها، وتكون لهم إنْ أسلموا عليها. وأمّا إذا كانَتِ الجِزْيَةُ مُفَرَّقَة (٢) على رقابهم، فلا خلافَ أنّ لهم أرضهم يبيعونها ويورثونها (٣)، وتكون لهم إنْ أسلموا عليها، ومن مات منهم فذلك لِوَرثَتِهِ، ولا تجوز وصيَّةٌ إلَّا في ثُلُثِ مَالِهِ. وأمّا إذا كانتِ الجِزْيَةُ مفرَّقَةٌ على الجماجم والأرض، أو على الأرض دون الجماجم، فاختلفوا في جواز بَيْعِ الأرض على ثلاثة أقوال: وهي المسألة الثامنة: فالقول الأوّل: أنّ البَيْعَ جائزٌ، ويكون الخَرَاجُ على البائع، وهو مذهب ابن القاسم في "المدوّنة" (٤) وغيرها. والقولُ الثّاني: أنَّ البيعَ لا يجوز، وهي رواية ابن نافع عن مالك في كتابه التجارة إلى أرض الحرب من "المدوّنة". والقولُ الثّالث: أنّ البيعَ جائزٌ، ويكون الخَرَاج على المبتاعِ ما لم يُسلم البائع، وهو مذهب أشهب، وقاله في "المدوّنة" (٥)، ولا خلاف أنّها لهم إذا أسلموا عليها. المسألة التّاسعة: فإنْ صالحوا على الجِزْيَةِ مبهمة من غير بيان ولا تعيِينٍ، وَجَبَتْ لهمُ الذِّمَّة،

стр. 1706

وحلّوا (١) في الجِزْيَة محل أهل العُنْوَة في جميع وجوهها، على ما فصَّلْنَاهُ قبلُ. والجِزْيَةُ العُنْوِيَّة هي الجِزْيَةُ الّتي تُوضَع على المغلُوبِينَ على بلادهم المقدرين فيها لعمارتها، فإنّها عند مالك على ما فَرَضَها عمر ﵁ أربعة دنانير على أهل الذَّهَب، وأربعون دِرْهَمًا على أهل الوَرِق، معِ ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيّام، إلَّا أنّ مالكًا ﵁ رأى أنّ تُوضع عنهم الضِّيافة إذا لم يوف لهم بالعهد. المسألة العاشرة (٢): قوله: "وَضيَافَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ" يريدُ ضيافة المارِّين من المسافرين المسلمين، يكون ذلك على أهل الذِّمَّة، وأَقْصَى أمد الضِّيافة ثلاثة أيام؛ لأنّها فرقٌ بين السَّفَر والمقام، والّذي يلزمهم من الضِّيافة في مُدَّتها، ما يسهل عليهم وجرت العادة به (٣) دون تكلُّف، ولا يلزمهم التَّكلُّف والخروج عن عادتهم في أقواتهم. المسألة الحادية عشرة: قوله (٤): "وَلاَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ إلَّا مِنَ الرِّجَال الأحْرَارِ الْبَالِغِينَ" لأنّها ثمن لتأمينهم وحَقْن دمائهم، والصّبِيّ والمرأة لا يقتلان. والعبد مال من الأموال، واخْتُلِفَ فيه إذا أُعْتِقَ. - وهي المسألة الثّانية عشرة-: على ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ عليه الجِزْيَة؛ لأنّه حدّ له (٥) ذِمَّة المسلمين، فوجبت عليه (٦) الجِزْيَة لهم. والقول الثّاني: أنّه لا جِزْيَةَ عليه؛ لأنّه مُؤمِنٌ محقون الدّم، والجِزْيَةُ إنّما هي ثمن إذا أُعْتِقَ في بلاد المسلمين. وأمّا إنْ أُعْتِقَ في دَارِ الحَرْبِ، فعليه الجِزْيَة على كلِّ حالٍ.

стр. 1707

المسألة الثّالثة عشرة (١): قال علماؤنا (٢): لا جِزْيَةَ على الرُّهبان، وبه قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشّافعيّ، وله قول آخر: إنّ عليهم الجِزْيَة. وهذا مبنيٌّ على أصلّين: أحدهما: ألَّا جِزْيَةَ على الفقير والرَّاهبِ، إنّما تُرِكَ (٣) له من المال اليسير، فهذا من جملة الفقراء (٤). الثّاني: أنّ الرّاهب لا يُقْتَل، فهو مَحْقُون الدَّمِ من غير عَقْدٍ كالمرأة. وقال بعضُ علمائنا قياسًا على هذا: إنّه لا جِزْيَةَ على العبيد؛ لأنّهم نوعٌ من المال كالخَيْلِ والإبْلِ، وقد تقدَّم الكلام عليه. المسألة الرّابعة عشرة (٥): ومتَى تُؤخذُ الجِزْيَة من أهل الذِّمَّةِ؟ فقال أبو حنيفة: تؤخذ في أَوَّلِ الحَوْلِ حينَ تنعقد لهم الذِّمَّة، ثمّ بعد ذلك عند أوّل كلّ حَوْلٍ. وقال الشّافعيّ: تؤخَذُ في آخر الحول (٦)، وهو الصّحيحُ إنّ شاء الله. والدّليلُ على ما نقوله: أنّه حقٌّ يتعلَّقُ وُجُوبُه (٧)، فوجب أنّ تؤخذ بآخره كالزّكاة. المسألة الخامسة عشرة (٨): إذا اجتمعت على الذِّمِّيِّ جِزْيَة سينين (٩)؟ لم تتداخل في قول الشّافعيّ،

стр. 1708

وتتداخل في قول أبي حنيفة وتجب عليه جِزْيَة سَنَةٍ واحدةٍ. والظّاهر من مذهب مالك أنّه إنْ كان فَرَّ منها أخذت منه السِّنون (١) الماضية، وإن كان ذلك لعُسْرٍ لم تتداخل ولم يبق في ذِمَّتِهِ (٢) ما يعجز عنه من السِّنين الماضية، وقد رأيت هذا لابن القصّار، وهذا القولُ مَبْنِيٌّ على أنّ الفقير لا جِزْيَةَ عليه ولا تبقى (٣) في ذِمَّتِهِ. المسألة السّادسة عشرة (٤): قال علماؤنا (٥): إذا سقطت عن الفقير فإنّما تسقطُ بموت الذِّمِّيِّ (٦)، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشّافعيّ: لا تسقط بموتٍ (٧). ودليلنا: أنّ هذه عقوبة، فوجب أنّ تسقط بالموتِ كالحُدُودِ. قال الإمام: والصحيحُ ما قالَهُ علماؤنا أنّها تسقط بالموتِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى من قال لا تسقط بالموت، فإنّه لا أصلَ له. وكذلك إذا أَسْلَمَ تسقط عنه بإجماعٍ، وقد سُئِلَ الشّيخ أبو إسحاق الشِّيرازي عن هذه المسألة، فأجاب:- وهي المسألة السابعة عشرة-: فقيل له: ما تقول - أبقاكَ اللهُ- في الجِزْيَةِ الواجبة على الذِّمِّيِّ، هل تسقط عنه بالإِسلام أم لا؟ فقال: لا تسقط، فَطُولِبَ بالدّليل، فاستدلَّ بأن قال: هذا حدّ الخراجين، فهذا وجبت بالكُفْرِ لم تسقط عنه بالإسلام، أصل ذلك خَرَاج الأرض. وأجاب الشّيخُ أبو عبد الله الدّامغاني بثلاثة أَجْوِبَةٍ: أحدها: أنّه لا يمتنعُ أنّ يكون نوعًا من الخَرَاجِ، ويعتبر في أحدهما ما لا يُعْتَبَرُ في الآخَر. والثّاني: أنّه لا يمتنع أنّ يكون الخراجان يَجِبَانِ بسبَبِ الكُفْر، ويسقط (٨)

стр. 1709

أحدهما بالإِسلام وإن لم يسقط به الآخر، كالقتل مع الاسترقاق. والثّالث: أنّ المعنى في خَرَاجِ الأرضِ أنّه إنّما وجبَ بالتَّمَكُّنِ من الانتفاع بالأرض (١)، فلذلك لم يسقط بالإِسلام، والفروعُ في هذا الباب يكثر ذِكْرُهَا واستقصاؤُها، والحمد لله، وفي هذه كفاية، والله الموفِّق. باب عُشُور أهل الذِّمَّة الإسناد (٢): قوله (٣): "كُنْتُ غُلاَمًا" هكذا رواه يحيى، يريد بذلك شَابًّا، ورواه مُطَرِّف وأبو مُصْعَب (٤): "عَامِلًا" يريد على أهل الذّمّة في العُشرِ (٥)، فكان يأخذ هو وابن مسعود (٦) من النَّبَطِ العُشْر، وأضافَ ذلك إلى زَمَنِ عمر؛ لأنّ ما كان يُفْعَلُ فيه كان كإجماع (٧) الصَّحابة لمشورتهم، فهذا لم يثبت فيه اختلاف فهو إِجْمَاعٌ. الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (٨): قوله (٩): "عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ يَأْخُذُ عُمَرُ مِنَ النَّبَطِ الْعُشرَ؟ " سؤالٌ عن وجه ذلك وحُجَّتِهِ، "فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ" وليس في هذا أكثر من الإخبار بالسَّبَبِ، وليس هذا إخبارٌ عن الحُجَّةِ المُوجِبَةِ،

стр. 1710

والحُجَّةُ في ذلك ما تقدَّمَ، أنّهم (١) إنّما عوهدوا على (٢) التِّجارة وتنمية أموالهم بآفاقهم الّتي يستوطنونها، فإذا طَلَبُوا التَّنمية بالتِّجارة إلى غير ذلك من الآفاق (٣)، كان ذلك عليهم حقٌّ غير الجِزْيَة الّتي صالحوا عليها، وهو الوجه الّذي فَعَلَهُ عمر. المسألة الثّانية (٤): فيه مسألة من مسائل "أصول الفقه" وهو فِعْلُهُ بحَضْرَةِ الصَّحابة ولم يخالفه أحدٌ في ذلك، فحصلَ الإجماع (٥)، وكما أجمعوا على صِحَّةِ هذا الحُكْم، كذلك أجمعوا على صِحَةِ تقدير ما يُؤْخَذ منهم بالعُشْر (٦). باب اشتراءِ الصَّدَقَة والعَوْدِ فيها مَالِك (٧)، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَهُوَ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ في سَبِيلِ اللهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ". وذَكَرَ (٨) مثله عن نافع عن ابن عمر. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ على صِحَّتِهِ ومَتْنِهِ، خَرَّجَهُ الأيمّة

стр. 1711

مسلم (١) والبخاري (٢) وجماعة من المصنِّفِينَ (٣). العربية (٤): "الْفَرَسُ الْعَتِيقُ": الفَارِهُ، وقال صاحب "العين" عَتَقَتِ الفَرَسُ إذا سبقت، وفرس عَتِيقٌ: رائع (٥). والعتيقُ واحد العتاق من الخيل وهي الكرام السّابقة (٦)، قاله ابن السِّكِّيت (٧). الفقه في عشر مسائل: المسألة الأولى (٨): قال علماؤنا: والحملُ عليها في سبيل الله على وجهين: أحدهما: أنّ يعلم مَنْ فيه النَّجدة والفُروسيّة، فيهبه له ويُمَلِّكُه إياه، لما يعلم من نَجْدَته، فهذا يملكه الموهوب له ويتصرّف فيه بما شاء من بَيْعٍ وغيره. والثّاني -وهو الأظهر-: أنّ يكون دفعه إلى من يعلم حاله ومواظبته على الجهاد، فيدفعه إليه على سبيل التَّحْبِيسِ له في هذا الوجه، فهذا ليس للموهُوب لَهُ أنّ يبيعَهُ؛ لأنّه موقوفٌ على معنى التّحبيس في سبيل الله. المسألة الثّانية (٩): قوله: "وَكَانَ الرَّجُلُ قَدْ أَضَاعَهُ" يحتمل أنّ يريد به أمرين: أ- أحدهما: أنّه أضاعَهُ، من الإضاعة، بأن لم يُحْسِنِ القيامَ عليه، ويبعدُ مثل هذا في أصحاب النّبيِّ ﷺ ، إلَّا أنّ يُوجِبَ ذلك عُذْرٌ.

стр. 1712

٢ - ويحتمل أنّ يريد ضائعًا من الهَزلِ المفرط للجهاد (١). المسألة الثّالثة (٢): قوله: "فَأَرَدْتُ أَنْ أَشتَرِيَهُ مِنْهُ" يحتمل معنيين (٣): أحدهما: أنّه كان وَهَبَهُ إيَّاهُ، فأراد أنّ يشتريَهُ لضَيَاعِهِ. ويحتمل أنّ يكون حَبْسًا، فظنَّ أنّ شِرَاءَهُ جائزٌ وبَيْعَ الّذي كان بيده مباحٌ، حتّى منعه من ذلك رسول الله ﷺ . ويحتمل أنّ يكون بلغَ من الضّياع مبلغَ عدم الانتفاع به في الوجه الّذي حَبَّسَهُ فيه، فرأى أنّ ذلك يُبِيحُ له شراءه. المسألة الرّابعة (٤): وضياعُ الخيل الموقوفة على وجهين: أحدهما: لمن (٥) يُرْجَى صلاحُه والانتفاع به في الجهاد، كالضَّعف والمرض المرجوّ بُرْؤُهُ، فهذا لا خلافَ أنّه يُستباحُ بَيْعُه. الثّاني: الكلبُ (٦) الّذي لا تُرْجَى إفاقته، فهذا اختلف فيه أصحابنا على قولين: القولُ الأوّل - قال ابنُ القاسم: إذا عدم الانتفاع به في الوجه الّذي وقفَ له، ولم يُرْجَ بُرْؤُه جازَ بَيْعُه، وَوُضِعَ ثَمَنُه في ذلك الوجه (٧). وقال ابنُ الماجِشُون: لا يجوز بيعه بوجه (٨).

стр. 1713

المسألة الخامسة (١): قوله: "فَإِنَّ الْعَائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ" يريد أنّه من القُبْحِ (٢) بمنزلةِ العائِدِ في أكل ما قذف (٣) بعد أنّ قَبُحَ وتَغَيَّرَ عن حالِ الطَّعامِ، وكذلك المتصدِّق قد أخرج في صَدَقَتِهِ أوساخ مَالِهِ، فلا يرتجعه إلى ملكه بعد أنّ تَغَيَّرَ بصَدَقَتِهِ. وفي هذا خمسة فصول: الأوّل: في وجه العَطِيَّة. الثّاني في صِفَتِها. الثّالث: في صفة المُعْطِي. الرّابع: في صفة الارْتِجَاعِ، الخامس: في حُكْمِ الارْتِجَاعِ. الفصل الأوّل (٤) في وجه العَطِيَّة فهو أنّ يُعْطِي على وجه الصَّدَقَة الواجبة أو التَّطَوُّع، فهذا لا يجوز له ارتجاع صدقته لقوله: "الْعَائِدُ في صَدَقَتِهِ ... " الحديث. وأمّا إنْ كانت عَطِيَّته على غير وجه الصَّدقَةِ، ففي "الموّازية" (٥) في الّذي يحمل على الفَرَسِ لا للسَّبِيل ولا للمَسْكَنَةِ، قال مالكٌ: لا بأس أنّ يشتريه. ووجه ذلك: أنّها عطيَّةٌ لم يقصد بها القُرْبَة، فجاز له أنّ يملكها في المستقبل، كما يجوز له اعتصار ما وهب لغير القُرْبَة، والحديثُ محمولٌ على العَوْدِ إلى ملك ما وَهَبَهُ على وجه القُرْبَةِ، ومحمولٌ على ارتجاع ما وهَبَ الأجنبي بغير عِوَض، بدليل ما قَدَّمنَاهُ، وتركّب على هذا ما أمكن.

стр. 1714

الفصل الثّاني (١) في صفة العَطِيّة فإنّها إنّ (٢) كان عَيْنًا بَتَلَها (٣)، مثل أنّ يتصدَّقَ بفَرَسٍ أو عَبْدٍ أو أصل أو وَرِقٍ، أو ما أشبه ذلك، فإنّه لا يجوز له الرُّجوع فيه. وفي "العُتْبِيّة" (٤) في امرأة جعلت خلخالها في سبيل الله إنْ شفاها الله، فلمّا برأت أرادت أنّ تخرج قيمتها وتحبسها، فكرِهَ ذلك، قال سحنون: لأنّه من وجوه الرُّجوع في الصَّدَقَةِ. فرعٌ غريبٌ (٥): فإن أعطى (٦) غَلَّة أو منفعة؟ فقد قال ابن الموّاز في الّذي يتصدّق بغَلَّةِ الأصل سِنِينَ أو حياة المحبَّس عليه: لا بأس أنّ يشتري ذلك المتصدِّق، لم يختلف في هذا مالك وأصحابه، إلَّا عبد الملك فإنّه أَبَاهُ، واحتجّ بنَهْيِ النَّبيِّ ﷺ في الرُّجوع في الصَّدَقَة، وأجازَ ذلك لوَرَثَتِهِ. الفصل الثّالث (٧) في صفة المعطي فإن كان أجنبيًّا، فلا يرجع المتصدّق عليه فيما تصدَّق به عليه، قال مالك في "العُتْبِيّة" و"الموّازية" وإن كانت دابّة فلا يركبها، وإن كان أمرًا قريبًا (٨)، وقد ركب ابن عمر ناقة قد وهبها فصرع عنها، فقال: ما كنت لأفعل مثل هذا، كأنّه اعتقد أنَّه عُوقِبَ في ذلك.

стр. 1715

قال عبد الوهّاب: لا بأس أنّ يركب الفرس الّذي جَعَلَهُ في السَّبِيل، ويشرب من ألبان الغَنَمِ اليسير، وما أشبه ذلك ممّا يقِلُّ قَدْرُهُ (١). فرع آخر (٢): إنّ كان ابنًا، فقال مالكٌ في "المدوّنة" (٣) في الرَّجُل يتصدَّق على ابنه الصّغير في حِجْرِه بجارية، فَتَتْبَعُهَا نَفْسُهُ، له أنّ يشتريها، ولا يجوز ذلك إذا تصدَّقَ بها على أجنبيّ، قال (٤) عيسى عن ابن القاسم: إنّما أرخص فيها لمكان الابن من الأَبِ (٥). وقال مالك فيمن تصدّق على ابنه بغنم: لا بأس أنّ يأكل من لحمها ويشرب من لبنها ويكتسي من صوفها، وإن تصدَّق عليه بحائط، جاز أنّ يأكل من ثَمَرِهِ، بخلاف الأجنبي. وفي (٦) "الموّازية" من رواية أشهب: لا يكتسي من صُوفها (٧). الفصل الرّابع (٨) في صفة الارتجاع عمدةُ المذهبِ؛ أنّ كلّ ارتجاعٍ يكونُ باختياره (٩)، فإنّه ممنوع كالابتياع، لما روي عن النّبيِّ صلّى الله عليه أنّه قال: "لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ". ومن جهة المعنى: أنّ المنع يتعلّق بما يكون باختيار الممنوع، فأمّا ما يقع بغير اختياره (١٠) فلا يصحّ عنه النّهي (١١)، وكذلك الصَّدَقَة فيما تصدّق به (١٢)، فلا يقبله

стр. 1716

ولا يرتجعه بهبة ولا عارية ولا إجارة كما تقدَّمَ. مسألة (١): وأمّا الميراث، فلا بأس لمن عادت إليه صدقة الميراث أنّ يَسْتَدِيمَ ملكها، قاله عبد الوهّاب وغيره، قال: لأنّه ليس براجِعٍ في صَدَقَتِهِ ولا يُتَّهَمُ بذلك، ومعناه عندي: أنَّه لم يتملكها (٢) وإنّما الشّرع قَضَى لَهُ وعليه بذلك، ولو أراد الامتناع عن قَبْضِهَا لَجُبِرَ على ذلك. الفصل الخامس (٣) في حكم الارتجاع ففي "الموّازية" (٤) أنّه قد أجاز بعض العلّماء شِرَاءَ الرَّجُل صدقته، وكرهه بعضهم، فإنْ نزل عندنا لم نفسخه، وبهذا قال عبد الوهّاب، وهو قول أبي حنيفة (٥) والشّافعي. وقال ابنُ شعبان: يُفْسَخُ الشِّراء لنهي النّبيّ ﷺ عن ذلك، والقولان يُخَرَّجَانِ (٦) من المذهب، فقد حَكَى ابن الموّاز في المدير وغير المدير يخرج في زكاته عرضًا، لا يجزئه عند ابن القاسم، ويجزئه عند أشهب إذا لم يحاب نفسه (٧) وبئس ما صنع. مسألة: قوله (٨): "أَيَشْتَرِيَهَا؟ قَالَ: تَرْكُهَا أَحبُّ إِلَيَّ" لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.

стр. 1717

باب من تجبُ عليه زكاة الفِطْرِ قال الإمام: هذا الباب كثير الأحاديث، وفروعُه كثيرةٌ، ومقدِّماته ثلاثٌ: ١ - المقدمة الأولى (١): اختلف العلّماء إسلامًا ومذهبًا هل هي واجبة أم لا؟ وهل يعتبر في أدائها النصاب أم لا؟ وفي قدرها ووقت وجوبها؟ أمّا فرضيتها، فلا إشْكَال فيه (٢)، لتَوَارُدِ (٣) أَمْرِ النَّبيِّ ﷺ بها وحَضِّهِ عليها، وذلك يبيِّن أنَّ معنى قوله في هذا الحديث (٤): "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زكَاةَ الفِطْرِ": أَوْجَبَ قَدْرَهَا. وأمّا وقت وجوبها، فلا أَظْهَرَ (٥) فيه من إضافتها. فإن قيل: ما هي؟ قلت: زكاة الفِطْر، فهذا اسمها (٦) الّذي تعرف به (٧)، وسببها الّذي تجب به. وأمّا وقت أدائها، فقبلَ الصَّلاة (٨)، وفي الحديث: "هِيَ طُهْرَةٌ لصِيَامِكُمْ مِنَ

стр. 1718

اللَّغْوِ والرَّفَثِ تُؤَدَّى قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ" (١). وأمّا اعتبار النِّصاب فيها، فهو مذهب أبي حنيفة (٢)، وذلك ساقطٌ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ ذَكَرَ فَرْضها مُطلقًا وأخذَها من كلِّ أحدٍ، ولو اعتبر فيها النِّصاب لوجبت فيه كسائر الصَّدَقات. تأصيل (٣): قوله (٤): "صَدَقَةُ الْفِطْرِ" قال الإمام: هذا هو اسمها على لسان صاحب الشَّرعِ أَضَافَها للتَّعرِيفِ. وقال قوم: أضافها إلى سبب وجوبها. وأنا أقول: إلى وقت وجوبها، وسبب وجوبها هو ما يجري في الصَّوم من اللَّغْوِ، وهذا ممّا خَفِيَ على مَنْ رأيتُ من علمائنا الثلاثة طوائف (٥) لقاءً وكُتُبًا. والدليل على صِحَّة ما قُلْتُه: الحديث المرويّ عن عِكْرِمَة عن ابن عبّاس، قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرُ الصِّيَام، أو للصَّائِم، مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةٌ لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ زكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَة فَهيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ" (٦). قال الإمام: وقد تُضَافُ إلى الشَّهر، فيقالُ: زكاة رمضان، وعن محمّد ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وَكَّلَنِي رسولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فجعلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، وذكر حديث البخاريّ، إلى أنّ قال رسول الله ﷺ : "ذَلِكَ

стр. 1719

شَيْطَانٌ" ذكره البخاريّ (١) مقطوعًا، وهذه صِلَتُه (٢)، وفائدته عظيمةٌ (٣). قال الإمام: ويصحّ أنّ يقال فيها زكاة الصوم؛ فإنّها طُهْرَةٌ له، وزكاة رمضان؛ لأنّه محل الصِّيام، وزكاة الفِطْر؛ لأنّه وقتها الّذي يظهر فيه وجوبها. وأمّا قَدْرُها، فصاعٌ وهو أربعة أمداد، حسب ما جاء في الأحاديث، خَرَّجَهَا البخاريّ (٤) ومسلم (٥) والدّاودي (٦)، وفيها أنّها من التَّمْرِ والشَّعير، ثمّ جعل النّاس عدله مُدَّيْن من حِنْطَةٍ، يعني مكان التَّمْر الحِنْطَة. واتَّفقَ العلّماءُ على حديث أبي سعيدٍ (٧)، وزاد النّسائي (٨): "أو صَاعًا من سُلْتٍ، أو صَاعًا من دَقِيقٍ"، والأحاديث في هذا الباب ثَابِتَةٌ. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٩): اختلف النّاس في وجوب زكاة الفِطْرِ أو ندْبها؟ فعن مالك روايتان: إحداهما محتملة، والأُخرَى قال: زكاة الفطر واجبة (١٠)، وبذلك قال فقهاء الأمصار. وتأوّل قوم قوله: "فَرَضَ" بمعنى قَدَّرَ، وهو معنى الوجوب، وهو الأظهر؛ لأنّه

стр. 1720

قال: "زكاةُ الفِطْرِ" فدخلت تحت قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) المفروضة في القرآن، يعني في الفِطْرِ (٢)، وتحت قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٣) كما قدَّرَ زكاة المال، ألَّا ترى في حديث مسلم فرض رسول اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ على النّاس عمومًا، وقال: "اغْنُوهُمْ عَنْ هَذَا السُّؤَال في هذا اليَوْمِ ... " الأثر (٤)، وهذا أَقْوَى في الأثر. المسألةُ الثّانية (٥): قوله (٦): "زكَاةُ الْفِطْرِ" فأضافَها إلى الوقت، أعني وقت وجوبها. واختلف العلّماءُ في ذلك الفِطْر ما هو؟ فقيل: هو الفِطْر عند غُروب الشّمس من آخر رمضان. وقيل: هو عند طلوع الفَجْرِ؛ لأنّه الفِطْر الّذي يتعيَّن بعد رمضان، فأمّا الّذي قبله من اللّيل فقد كان في رمضان، وإنّما فطر رمضان هو ما يكون بعدَهُ بما يختم به، ثمّ كان (٧) النّبي ﷺ يأكل في يوم الفِطْر (٨). وقوله: "أغْنُوهُمْ عن سُؤَالِ هذا اليَوْم" هو نَصٌّ في وقت العطاء (٩)، لا (١٠) في سبب وجوب العطاء (١١). وبِطُلوعِ الفجر قال ابنُ القاسم ومُطَرِّف وابن الماجِشون، وهو الصَّحيحُ كما أَصَّلْنَا وبَيَّنَّا.
следующие страницы →