← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

ولا يرتجعه بهبة ولا عارية ولا إجارة كما تقدَّمَ. مسألة (١): وأمّا الميراث، فلا بأس لمن عادت إليه صدقة الميراث أنّ يَسْتَدِيمَ ملكها، قاله عبد الوهّاب وغيره، قال: لأنّه ليس براجِعٍ في صَدَقَتِهِ ولا يُتَّهَمُ بذلك، ومعناه عندي: أنَّه لم يتملكها (٢) وإنّما الشّرع قَضَى لَهُ وعليه بذلك، ولو أراد الامتناع عن قَبْضِهَا لَجُبِرَ على ذلك. الفصل الخامس (٣) في حكم الارتجاع ففي "الموّازية" (٤) أنّه قد أجاز بعض العلّماء شِرَاءَ الرَّجُل صدقته، وكرهه بعضهم، فإنْ نزل عندنا لم نفسخه، وبهذا قال عبد الوهّاب، وهو قول أبي حنيفة (٥) والشّافعي. وقال ابنُ شعبان: يُفْسَخُ الشِّراء لنهي النّبيّ ﷺ عن ذلك، والقولان يُخَرَّجَانِ (٦) من المذهب، فقد حَكَى ابن الموّاز في المدير وغير المدير يخرج في زكاته عرضًا، لا يجزئه عند ابن القاسم، ويجزئه عند أشهب إذا لم يحاب نفسه (٧) وبئس ما صنع. مسألة: قوله (٨): "أَيَشْتَرِيَهَا؟ قَالَ: تَرْكُهَا أَحبُّ إِلَيَّ" لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.

стр. 1717

باب من تجبُ عليه زكاة الفِطْرِ قال الإمام: هذا الباب كثير الأحاديث، وفروعُه كثيرةٌ، ومقدِّماته ثلاثٌ: ١ - المقدمة الأولى (١): اختلف العلّماء إسلامًا ومذهبًا هل هي واجبة أم لا؟ وهل يعتبر في أدائها النصاب أم لا؟ وفي قدرها ووقت وجوبها؟ أمّا فرضيتها، فلا إشْكَال فيه (٢)، لتَوَارُدِ (٣) أَمْرِ النَّبيِّ ﷺ بها وحَضِّهِ عليها، وذلك يبيِّن أنَّ معنى قوله في هذا الحديث (٤): "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زكَاةَ الفِطْرِ": أَوْجَبَ قَدْرَهَا. وأمّا وقت وجوبها، فلا أَظْهَرَ (٥) فيه من إضافتها. فإن قيل: ما هي؟ قلت: زكاة الفِطْر، فهذا اسمها (٦) الّذي تعرف به (٧)، وسببها الّذي تجب به. وأمّا وقت أدائها، فقبلَ الصَّلاة (٨)، وفي الحديث: "هِيَ طُهْرَةٌ لصِيَامِكُمْ مِنَ

стр. 1718

اللَّغْوِ والرَّفَثِ تُؤَدَّى قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ" (١). وأمّا اعتبار النِّصاب فيها، فهو مذهب أبي حنيفة (٢)، وذلك ساقطٌ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ ذَكَرَ فَرْضها مُطلقًا وأخذَها من كلِّ أحدٍ، ولو اعتبر فيها النِّصاب لوجبت فيه كسائر الصَّدَقات. تأصيل (٣): قوله (٤): "صَدَقَةُ الْفِطْرِ" قال الإمام: هذا هو اسمها على لسان صاحب الشَّرعِ أَضَافَها للتَّعرِيفِ. وقال قوم: أضافها إلى سبب وجوبها. وأنا أقول: إلى وقت وجوبها، وسبب وجوبها هو ما يجري في الصَّوم من اللَّغْوِ، وهذا ممّا خَفِيَ على مَنْ رأيتُ من علمائنا الثلاثة طوائف (٥) لقاءً وكُتُبًا. والدليل على صِحَّة ما قُلْتُه: الحديث المرويّ عن عِكْرِمَة عن ابن عبّاس، قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرُ الصِّيَام، أو للصَّائِم، مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةٌ لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ زكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَة فَهيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ" (٦). قال الإمام: وقد تُضَافُ إلى الشَّهر، فيقالُ: زكاة رمضان، وعن محمّد ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وَكَّلَنِي رسولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فجعلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، وذكر حديث البخاريّ، إلى أنّ قال رسول الله ﷺ : "ذَلِكَ

стр. 1719

شَيْطَانٌ" ذكره البخاريّ (١) مقطوعًا، وهذه صِلَتُه (٢)، وفائدته عظيمةٌ (٣). قال الإمام: ويصحّ أنّ يقال فيها زكاة الصوم؛ فإنّها طُهْرَةٌ له، وزكاة رمضان؛ لأنّه محل الصِّيام، وزكاة الفِطْر؛ لأنّه وقتها الّذي يظهر فيه وجوبها. وأمّا قَدْرُها، فصاعٌ وهو أربعة أمداد، حسب ما جاء في الأحاديث، خَرَّجَهَا البخاريّ (٤) ومسلم (٥) والدّاودي (٦)، وفيها أنّها من التَّمْرِ والشَّعير، ثمّ جعل النّاس عدله مُدَّيْن من حِنْطَةٍ، يعني مكان التَّمْر الحِنْطَة. واتَّفقَ العلّماءُ على حديث أبي سعيدٍ (٧)، وزاد النّسائي (٨): "أو صَاعًا من سُلْتٍ، أو صَاعًا من دَقِيقٍ"، والأحاديث في هذا الباب ثَابِتَةٌ. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٩): اختلف النّاس في وجوب زكاة الفِطْرِ أو ندْبها؟ فعن مالك روايتان: إحداهما محتملة، والأُخرَى قال: زكاة الفطر واجبة (١٠)، وبذلك قال فقهاء الأمصار. وتأوّل قوم قوله: "فَرَضَ" بمعنى قَدَّرَ، وهو معنى الوجوب، وهو الأظهر؛ لأنّه

стр. 1720

قال: "زكاةُ الفِطْرِ" فدخلت تحت قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) المفروضة في القرآن، يعني في الفِطْرِ (٢)، وتحت قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٣) كما قدَّرَ زكاة المال، ألَّا ترى في حديث مسلم فرض رسول اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ على النّاس عمومًا، وقال: "اغْنُوهُمْ عَنْ هَذَا السُّؤَال في هذا اليَوْمِ ... " الأثر (٤)، وهذا أَقْوَى في الأثر. المسألةُ الثّانية (٥): قوله (٦): "زكَاةُ الْفِطْرِ" فأضافَها إلى الوقت، أعني وقت وجوبها. واختلف العلّماءُ في ذلك الفِطْر ما هو؟ فقيل: هو الفِطْر عند غُروب الشّمس من آخر رمضان. وقيل: هو عند طلوع الفَجْرِ؛ لأنّه الفِطْر الّذي يتعيَّن بعد رمضان، فأمّا الّذي قبله من اللّيل فقد كان في رمضان، وإنّما فطر رمضان هو ما يكون بعدَهُ بما يختم به، ثمّ كان (٧) النّبي ﷺ يأكل في يوم الفِطْر (٨). وقوله: "أغْنُوهُمْ عن سُؤَالِ هذا اليَوْم" هو نَصٌّ في وقت العطاء (٩)، لا (١٠) في سبب وجوب العطاء (١١). وبِطُلوعِ الفجر قال ابنُ القاسم ومُطَرِّف وابن الماجِشون، وهو الصَّحيحُ كما أَصَّلْنَا وبَيَّنَّا.

стр. 1721

المسألة الثّالثة (١): قوله (٢): "عَلَى النَّاسِ" ثمّ بَيَّنَ فقال: "عَلَى كُلِّ حُرِّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىَ مِنَ المُسْلِمِينَ" فاقتضَى هذا العموم أنّه تجب على من يَقْدِر على الصَّاعِ وإنْ لم يكن عنده نصاب (٣)، وبه قال عامة الفقهاء بالأمصار. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلَّا على من يملك النِّصاب (٤)، أعني نصاب الزّكاة الأصلّيّة، والمسألة له قويّة، فإنَّ الفقير لا زكاةَ عليه، ولا أمرَ النّبيُّ صلّى الله عليه بأَخْذِها منه، وإنّما أَمَرَ بإعطائها إليه، وحديث ثَعْلَبَة لا يعارض الأحاديث الصِّحَاح ولا الأصول القويّة، وقد قال: "لا صدقة إلّا عن ظَهْرِ غِنىً (٥)، وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" (٦) وإذا لم يكن هذا (٧) غنيًّا فلا تلزمه الصّدقة. المسألة الرّابعة (٨): قوله: "حرٌّ أَوْ عَبْدٌ" هو عامٌّ في كلِّ عبدٍ كافرٍ أو مسلمٍ، وبه قال أبو حنيفة، وله العموم. قلنا له: وقد قال ﷺ : "مِنَ المُسْلِمينَ" (٩). قالوا: إنّما يكون المُطْلَقُ على إطلاقه والمقيَّد على تقييده، فتجب على العَبْدَيْن، فإنّ الحُكْمَ يجوز أنّ يتعلَّقَ بعِلَّتَيْنِ. قلنا له: ولما قال النّبيُّ ﷺ : "في أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ شَاةٌ" فكان هذا عامًّا، وكما

стр. 1722

قوله: "في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ" فجاء خاصًّا، فهلا قلت: يحمل العمومُ على قومه والخاصُّ على خصوصه، وهذا لا معنى له، وقد وصف النبيُّ ﷺ الّذين تجبُ عليهم بالإِسلام، فينبغي أنّ يرجع الوصف إلى جميعه، وليسا بنازلتين (١) وإنّما هي قصّةٌ واحدةٌ وكلامٌ واحدٌ استوفى في روايةٍ ونقص في رواية، وقد رَوَى الدارقطني (٢) قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ مُسْلْمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ" وذكر الحديث. المسألة الخامسة (٣): قوله: "ذَكَر أَوْ أُنْثَى" فوجب ذلك على الزَّوْجِ، وهل يرجع ذلك إلى الزَّوجِ بأن يؤدِّيها (٤) عنها، قال مالكٌ والشّافعيّ، وقد رُوِيَ عنه أنّه قال: لا يؤدِّيها الزَّوج عنها، وبه قال أبو حنيفة. والمسألةُ مُشكِلَةٌ جدًّا، فإنَّ الحديثَ لم أَرَ من يدخل إليه من بابه، ولا من فقهه بتحقيقه (٥)، فإنّ رسولَ الله ﷺ فرضَ زكاة الفِطْرِ على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ، ذَكَرٍ وأنثى، صغيرٍ وكبيرٍ، فجعلَها مفروضة على هؤلاء، فبأيِّ دليلٍ تخرج (٦) زكاة الفِطْر عنهم، وكلُّ واحدٍ منهم مفروض عليه. فإن قيل: بقوله: "أَدُّوا زكَاةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ (٧) تمونونَ" (٨). قلنا: قد رَوَى الدّارقطني عن عليّ (٩) وابن عمر (١٠) أنّه ذكر زكاة الفِطْرِ وذكر الحديث وقال في آخره: "عَمَّنْ تَعُولُونَ (١١) أَوْ تمونونَ" ولم يصحّ ذلك مُسْنَدًا (١٢).

стр. 1723

والعمدة في ذلك؛ أنّ ابنَ عمر كان يُخرج زكاةَ الفِطْرِ عن نفسه وعن بَنِيهِ الصِّغار وعن عبيده، وكذلك وجدوا (١) السُّنَّة تَجْرِي، فلمّا (٢) جَرَى الحُكْمُ هكذا، انقسم نظر العلّماء: فمنهم من قال: وجبت على كلِّ مَنْ سَمَّى رسول الله ﷺ ويحملها عنهم وليّ المسلمين. ومنهم من قال: وجبت على الوَلِيِّ بسببهم، وكان وجودهم في كفالته سببًا (٣) لوجوب هذه العبادة عليه، كما كان وجوب النِّصاب سَبَبًا لوجوب الزّكاة على المالك. ورجّح قومٌ هذا بأن قالوا: الزّكاةُ عبادةٌ، والعبادةُ لا يجري (٤) فيها التَّحَمُّل ولا يدخل عليها، وإنّما يتعلَّق بذِمَّة كلّ من تجب عليه. ولا خلافَ بين النّاس أنّ الابنَ الصّغير إنّ كان له مالٌ أنّ زكاة الفِطْرِ تُخْرَجُ عنه من ماله. واختلفوا في العَبْدِ إنّ كان له مال؟ فقال قوم: إنَّ السَّيِّد يخرج عنه، إلّا أبا ثور فإنّه أَلْحَقَهُ بالابن الصّغير إذا (٥) كان له مال، وبه قال عطاء، وليس كالابن، فإنّ الابن مستقرّ الملك، والعبد عندنا لمن (٦) ملك، فلا قرار (٧) للذي (٨) يملكه، فإنّما هو بيده معرَّضٌ للانتزاع في كلِّ حينٍ. والمسألةُ مشكلةٌ جدًّا، فإنّه كما يطأ جاريته وملكه غير مستقرّ، كذلك يجب أنّ يلزمه نفقة الفطر، وقد بينّاه فيما تقدَّم. مزيد إيضاح (٩): قال الإمام: فإذا انتهى القولُ إلى هاهنا، عُدْنَا إلى الزَّوجة، فرأينا مُؤْنتها غذاءً

стр. 1724

وكسوة على الزّوجِ، فقال خاطر: تُلْحَق بالولد الصغير والعبد، وجرى خاطر (١): بأنّها تُلحق بالأجِيرِ فإن مَؤُونَتَها عن عِوَضٍ ومَؤُونة الولد صلة (٢)، فلو صحّ الحديث: "أدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ" لتأَوَّلْنَاهُ عمومًا (٣). تكملة (٤): قال الإمام: وتتركّب هاهنا فروع كثيرة أصولها خمسة عشر فرعًا: الأوّل: المكاتَبُ قد خرجَ عنه، فلا يؤدِّي عنه زكاة الفِطْر، وإن كان النّبيُّ صلّى الله عليه قد قال:"الْمُكَاتِبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ" (٥) ولكنّه منفصل في أحكامه منفرد بملكه (٦)، وذلك ليس في مُؤْنَةِ السَّيِّد وعياله (٧)، فدلَّ على أنّ قول النّبيّ ﷺ هذا هو بيانٌ؛ لأنّه لم يتخلّص بعد عن علقة الرِّقِّ إذ هو مُعَرَّضٌ للرُّجوع إلى الحالة الأُولَى. الفرع الثّاني: عَبِيدُ التِّجارة، روى أبو حنيفة والثّوري خلافًا لكافّة فقهاء الأمصار ألَا زكاة فطر فيها (٨)، فلا يكون السبب الواحد مُوجِبٌ زكاتين (٩)، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "عَمَّنْ تَمُونُونَ" فهذا العبد معدٌّ للتِّجارة لا للمُؤْنَة؟ قلنا: يجوز (١٠) أنّ يجب بالسَّبَبِ الواحد حُكْمَانِ متماثلان في الأصل إذا اختلَفَا في الوصفِ والوَقْتِ والذَّاتِ، وهكذا هي أسباب الشَّرْعِ. وقوله: "عَمَّنْ تَمُونونَ" فالعبدُ للتِّجارة هو باقٍ في حُكْمِ المُؤْنَةِ، ولم تسقط التِّجارة فيه من وَاجِبِ مُؤْنَتِه شيئًا، على أنّ الحديث كما قلنا لم يصحّ.

стр. 1725

الفرع الثّالث: المدبر، ولم يخالف (١) فيه إلَّا أبو ثَوْر بناءً على أصلِ العَبْدِ. الفرعُ الرّابع: العبدُ المغصوبُ والآبِق المجهول الموضع، قال الشّافعيّ والأوزاعي وإحدى روايات (٢) أبي حنيفة (٣) وأحمد بن حنبل، وروى عن الزّهريّ أنّه قال: يزكِّي عنه؛ لأنّه علّق الحُكم بوجوب النَّفَقَة شَرْعًا وإن لم يوجد ولا اتَّفَقَ جريانّها. وعلَّقَهُ مالك بالتّمكين أو بالتّعريف (٤) أو بالوصول لموضع الآبِق، وهو الصّحيح؛ لأنّ المغصوبَ والآبِقَ المجهول الحال في حُكْمِ العَدَمِ. الفرع الخامس: العبد المرهون،* من أطرف ما فيه؛ أنّ أبا حنيفة (٥) قال: إن كان يفضل من قيمة العبد المرهون* (٦) عن (٧) الدَّيْنِ الّذي رهن به (٨) نصابٌ، وكان مبلغ الدَّيْن حاضرًا عند الرَّاهِنِ، وجبَ عليه الزَّكاة، وبناهُ أبو حنيفة على أنّ الدَّيْن يسقط الزّكاة، وليس هذا بذلك الدَّيْن، ولا طريقهما واحدٌ، ولا محلّهما واحدٌ، فإنّ هذه الزَّكاة يؤدِّيها عن الحُرِّ، فكيف عن عبد استغرقَه الدَّين؟ الفرع السّادس: عَبْدٌ بين شريكَيْنِ، يقتضي ظاهر الدّليل أنّ يؤدِّي عنه بمقدار ما يَمُونُ عنه، قاله مالك والشّافعيّ. وقال أبو حنيفة والثوريّ: لا يؤدِّي أحدٌ عنه شيئًا (٩)؛ لأنّ السَّبَبَ لم يتمّ، فصار كنِصَابٍ بين شريكين (١٠) لا زكاة فيه، وهذه مسألة غريبةٌ بيّنّاها في "مسائل الخلاف" ولا يحتمل هذا الكتاب الكلام عليها معهم؛ لأنّها عريضة المأخذ. الفرع السّابع: هو أنّ يكون بعضه معتقًا، تَرَدَّدَ النَّظَر، هل يؤدِّي السَّيِّد عن

стр. 1726

نصفه (١) ولا شيءَ على العبدِ لأنّه* لم يستقل بنفسه، ولأنّ السَّيِّد لا ينفق إلَّا على نصفه، قاله مالك. أو يؤدِّي السّيد الكلّ لأنّ * (٢) تامّ (٣) الوجوب لا يتبعَّض، قاله ابن الماجشون. أو يؤدِّي العبدُ عن حرِّيته (٤)، قاله ابن مَسْلَمَةَ والشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: تسقط الزَّكاةُ (٥)، ولعلَّه أَقْوَى في النَّظَر، واللهُ أعلمُ. الفرع الثّامن: الموصى بخدمته، قال الشّافعيّ وأبو حنيفة: زكاةُ الفِطْرِ على مَالِكِ الرَّقَبَة. وقال ابنُ الماجِشُون: إذا كانت الخدمة حياته أو زمَانًا طويلًا، فهي على صاحبِ الخدمة تَعَلُّقًا، فإنّ زكاة الفطر عندهم مرتبطة بالمُؤْنَة. الفرع التّاسع: عبيدُ العَبْدِ، قال أبو حنيفة: زكاة الفطر عنهم على مَوْلَى مواليهم (٦)، وبه قال الشّافعي. وقال مالك: لا شيءَ فيهم؛ لأنّهم لم يتعلّقوا بالسَّيِّد الأَعْلَى، والّذي تعلّقوا به لا زكاة عليه. وقالوا: عليه أنّ يُزَكِّي عن عبيد عبده كما يزكِّي ويؤدِّي عن عبيده (٧) *فإنّهم ماله كله وفي مُؤْنَتِهِ، وما ينفقه العبد إنّما هو مال السّيّد. زاد اللّيث * (٨): فإنّه لا يؤدِّي عنهم من مالِ العبيد وهذا نَظَرٌ ضعيفٌ؛ لأنّه إنْ شاء أنّ يؤدّي من مال ساداتهم (٩) فعلَ وكان انتزاعًا. الفرع العاشر: عبيد امرأته، قال مالكٌ: لا شيءَ عليه فيهم، إلَّا إنْ خدموهُ. الفرع الحادي عشر: انفرد اللَّيثُ بأنْ قال: ليس على أهل العَمُودِ زكاة الفِطْر،

стр. 1727

وهي وَهْلَةٌ لا مردَّ لها، ولا أدري كيف قال هذا!؟ وهي متعلِّقة بالصَّوم، واليوم وهم بذلك مخاطَبُونَ وعندهم مساكين، ولعلّه رأى أنّ النّبيَّ ﷺ لم يخاطب بها ولا طَلَبها إلَّا من أهل الحاضرة، وذلك مَيْلٌ إلى أنّ الحاضرة ينفرد (١) كلّ واحدٍ منهم فيها (٢) بملكه ويحتجز عن صاحبه، والاشتراكُ في البادية في المعاش والمشاركة في الطّعام أكثر، فوكَّلَهُم إلى العادة، وإن كان بَيَّنَ لهم طريق العبادة، وهي بالنَّظَرِ والحديث واجبةٌ على أهل العَمُودِ والبَوَادِي أجمع؛ لأنّ رسول الله ﷺ أمر صارخًا: "إِنَّ زَكَاةَ الْفِطرِ واجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، حَاضِرٍ أَوْ بَادٍ: مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ" (٣). فصل الجنس والتقدير، وهو النوع الثّاني عشر: إذا قلنا: إنّها واجبةٌ تجبُ على رَقَبَة، فإنَّ تقديرها صاع من طعامٍ أيّ أنواع الطعام كان (٤). وقال أبو حنيفة والثّوريّ: نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، ومن غيره صَاع (٥). ولا تعجب إلَّا من الثّوريّ مع سَعَةِ عِلْمِهِ وتَبَحْبُحِهِ في الأَخبار والأحاديث (٦) كيف تبعه (٧) فقال: نصف صاعٍ من بُرٍّ وصاع من غيره، والحديثُ الصَّحيحُ يردّ عليهما في "كتاب مسلم" (٨) "صاعٌ من شعيرٍ أو صاع تَمْرٍ (٩) "، وفي "البخاريّ" (١٠) مثله: "فجعلَ النّاس عَدْلَهُ مُدَّيْنِ من حِنْطَةٍ"، وهذا غير لازم من وجهين: أحدهما: حكم معاوية، ولا يلزم، وقد خالَفَهُ أبو سعيد وقوله الحقُّ، فإنّ في الحديث "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ أَوْ زَبِيبٍ" خَرَّجَهُ البخاريّ (١١)، فقد

стр. 1728

جعل النّبيُّ صلّى الله عليه (١) على الرَّقَبَةِ الطعام وغيره (٢). الفرع الثّالث عشر: قال قومٌ: يخرج زائدًا على ما في الحديث، وهو الذُّرَّةُ والدُّخْنُ والأُرْزُ، قاله ابنُ القاسم. وقال أشهب: لا يتعدَّى بها ما في الحديث وما قاله رسولُ الله ﷺ . وقال محمّد: لا يخرج من السَّوِيقِ وإن كان عيشَ قومٍ. وقال ابنُ القاسم: يخرج منه. قال الإمام: يخرج من عيش كلِّ أُمَّةٍ من اللَّبَنِ لبنًا، ومن اللّحم لَحْمًا، ومن التِّين تينًا، ولو أكلوا ما أكلوا. الفرع الرّابع عشر: تقديمُها قبل الصّلاة كما تقدَّمَ في الحديثِ فهو أفضل، وفيما بعد الصّلاة أنقص، وإذا فات اليوم فهو مَأْثُومٌ، فإن أَدَّى في وقتها قبل الصّلاة كما ثَبَتَ في الحديث فقد أدّاها في أَوَّلِ الوَقْتِ وهو أفضل كما الصّلاة إذا أداها في أوّل الوقت. تتميم: قوله: "صَاع " الصّاعُ أربعة أَمْدَادٍ، والمُدُّ رِطْلٌ وثُلُث، والصّاع خمسة أرطال. ودليلنا: قول أهل المدينة المتواتر، وما رواه خَلَفُهم عن سَلَفِهِم: إنّ هذا المُدَّ مُدّ النّبيِّ ﷺ ، وألاّ مُدَّ ينسب إليه غيره، وأنّه هو الّذي كانوا يخرجون به زكاة الفِطْرِ في زَمَنِ النّبيِّ ﷺ ، وقد أخرج هو ﷺ به، وبه احتجّ مالك على أبي يوسف بحَضْرَةِ الرَّشيد، واستدعى أبناء المهاجرين والأنصار، فكلٌّ أَتَى بمُدٍّ زعم أنّه أخذَهُ عن أبيه، أو عن عمِّه، أو عن جارِه، مع شهادة الجمهورِ واتِّفَاقِهِمْ عليه اتِّفَاقًا يُوجِبُ العِلْمَ ويَقْطَعُ العُذْرَ.

стр. 1729

كتاب الصِّيام وفيه اثنان وعشرون بابًا: الباب الأوّل ما جاء في رؤية الهلال للصيام والفطر في رمضان قال الإمام: ولا بُدّ في صَدْرِهِ من مقدِّمات ثلاث: المقدِّمة الأولى: في لغته "الصِّيام في كلام العرب: الإمساك، إلَّا أنّه واقع في عُرْفِ الشَّرعِ على إمساكٍ مخصوصٍ في وقتٍ مخصوصٍ. وأمّا الفطرُ، فهو قطعُ الصَّوم الشّرعيّ بالأكل والشُّرب؛ لأنّ الفطر إنّما هو الأكل والشُّرب، وقد يُستعمل في كلِّ ما يقطع الصّوم من الجماع وغيره على المجاز"، هذا كلام أبي الوليد الباجي (١). قال الإمام أبو بكر بن العربي (٢): الصّومُ هو في اللُّغةِ عبارة عن التَّرْكِ والإمساك، وكذلك هو في الشّريعة، لكنّ الشّريعة سلكت سبيلَ اللُّغَةِ في تخصيص الشيء ببعض متناولاته، ولم تختلف في ذلك شريعة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...﴾ الآية (٣). قيل: يعني شهرًا بشهر. وقيل: يعني صفة بصفة. ولعلّه أراد الوجهين، وقد بينّا ذلك في موضعه (٤).

стр. 1730

نكتةٌ: وقوله (١): "رَمَضَان" مأخوذ من رَمِضَ يَرْمَضُ إذا حرَّ جوفه من شدّة العَطَش، والرَّمْضَاء: شِدَّة الحَرِّ. تنبيه على التّرجمة (٢): قوله: "الصِّيَام وَالْفِطْر في رَمَضَانَ" الفطرُ لا يكون في رمضان، وإنّما (٣) رُؤيةُ الهلال في زمان رمضان للفِطْرِ والصَّوم في رمضان، ورؤية الهلال في غيره في الأغلب (٤). مزيد بيان (٥): قوله (٦): "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ" قال بعض النّاس: إنّه لا يُقالُ: جاء (٧) رمضان، وإنّما يقال: جاء (٨) شهر رمضان، ورُوِيَ في ذلك حديث عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَا تَقُولوا: جَاءَ رَمَضَان، وَلَكِن قُولُوا: جَاءَ شَهْرُ رَمَضَان، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَهِ تَعَالَى" (٩) وهذا (١٠) لم يجمع عليه أنّه اسمٌ من أسماء الله تعالى. المقدِّمة الثّانية (١١): قال علماؤنا (١٢): والصَّومُ يجبُ (١٣) بسِتّة أوصاف هي:

стр. 1731

العقل. والبلوغ. والإِسلام. والصِّحة. والإقامة. والطهارة من دم الحيض والنِّفاس. وهذه السِّتَّة الأوصاف تنقسم على أربعة أقسام: منها ما يشترط في وجوب الصِّيام، وفي صحَّة فِعْلِهِ، وفي وجوب قضائه وهو الإسلام؛ لأنّ الكافر لا يجب عليه الصِّيام، ولا يصحّ منه أنّ يفعلَهُ، ولا يجبُ عليه قضاؤُه إذا أَسْلَمَ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية (١)، وإنّما استَحَبَّ له مالكٌ قضاءَ الصوم في اليوم الّذي أسلم فيه أو في بعضه والإمساك عن الأكل مراعاة (٢) لقول من يرى أنَّه مخاطَبٌ بفُروع الشّريعة، كالصِّيام في حالِ الكُفر. ومنها ما هو مشروطٌ (٣) في وجوبِ الصِّيام، لا في جواز فِعْلِهِ ولا في وُجوبِ قضائه، وهما الإقامة والصِّحة؛ لأنّ المسافر والمريض مخاطَبَانِ بالصَّوم مُخَيَّرانِ بينه وبين غيره. وقد قيل: إنّهما غير مخاطَبَيْنِ بالصّوم، وهذا بعيدٌ جِدًّا لا خفاءَ عليه. ومنها ما هو شرطٌ في وجوبِ الصِّيام وفي صحَّة فِعْلِهِ، لا في وجوب قضائه، وهما العقل والطّهارة من دّمِ الحَيْضِ والنِّفاس؛ لأنّ الصِّيام لا يجب عليهما ولا يصحّ منهما، والقضاء واجبٌ عليهما. وقد قيل في المجنون: إنّه لا يجب عليه القضاء فيما كَثرُ من السِّنين، واختلف في هذا (٤)، وهما في حالِ الجنون والحَيْضِ أنّهما غير مخاطَبين بالصِّيام.

стр. 1732

وقد قيل في الحائض: إنّها مخاطَبَةٌ بالصَّوم، ومن أجل ذلك وجبَ عليها القضاء بأَمْرٍ آخَرَ، وهذا بعيدٌ، ولو كانت مخاطَبَة به لأُثِيبَتْ ولأَجْزَأَ عنها أيّام أُخَر. ومنها ما هو شرطٌ في وُجوبِه وفي وُجُوبِ قَضَائِهِ، لا في صِحَّةِ فِعْلِهِ وهو البلوغ؛ لأنّ الصَّغير لا يجب عليه الصِّيام، ولا يجب عليه القَضَاء، ويصحّ منه الصِّيام. وقد اخْتُلِف هل هو مأمورٌ قبل البلوغ على طريق النّدْب أم لا؟ على قولين مرويين، وبالله التوفيق. المقدِّمةُ الثّالثة: هي أنّ تعلم أنّ الصِّيام يتنوَّعُ على ستَّةِ أقسام: واجب. وسنّة. ومستحب. ونافلة. ومكروه. ومحرَّم. فالواجب منه عشر: صيام شهر رمضان. وصيام كلّ نَذْر أَوْجَبه الإنسان على نفسه. وصيام قضاء رمضان، وقضاء النَّذْر الواجب قضاؤُه. وصيام كفّارة الظِّهار. وصيام كفَّارة القَتْل. وصيام كفَارة رمضان. وصيام كفَّارة اليمين بالله. وصيام كفَّارة صيد المُحْرِم. والصَّوم عن المُتَمَتِّع. وصوم كفَّارة إمَاطَةِ الأَذَى في الحجِّ.

стр. 1733

تفسير (١): أمّا الواجب: فهو صيام شهر رمضان، وهو واجبٌ على الأعيان، أَوْجَبَهُ اللهُ في كتابه، وافترضه على عباده، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية (٢)، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الآية (٣). أمّا الآية الأولى (٤): قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٥) يعني شهر رمضان شهر واحدٌ في العامِ، وفُرِضَ صومُه في العام الثّاني من الهجرة، ففرضَهُ اللهُ علينا كما فرضَهُ على من كان قبلنا على اختلاف من القَوْلِ؟ قيل: هم أهل الكتاب (٦). وقيل: هم النّصارى (٧). وقيل: هم جميع النّاس (٨). وهذا الأخيرُ قولٌ ساقطٌ؛ لأنّه قد كان الصّوم على مَنْ قَبْلَنا بإمساكِ اللِّسانِ عن الكلام، ولم يكن هذا في شَرْعِنَا، فصار ظاهرُ القول (٩) راجعًا إلى النّصارى لأَمْرَيْنِ: أحدهما: أنّهم الأَدْنَوْنَ (١٠). الثّاني: أنّ الصوم في صَدْرِ الإسلام كان إذا نام الرَّجُلُ لم يفطر، وهو الأشبه بصومهم. وقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (١١) يدلُّ على أنّ المرادَ به في رمضان لا عاشوراء.

стр. 1734

ومن قال: إنّ الصَّومَ كان ثلاثة أيام في كلِّ شهر، فقد أَبْعَدَ؛ لأنّه حديثٌ ليس له أصلٌ في الصِّحَّةِ، فلا يُعَوَّلُ عليه. الآية الثّانية: قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (١) هو تفسيرٌ لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (٢) يعني هلال رمضان، وإنَّما سُمِّيَ شهرًا لشُهْرَتِهِ، فَفَرَضَ اللهُ سبحانه علينا الصَّوْمَ عند رؤية الهلال (٣)، وهذا قول النّبيِّ ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ ... " الحديث (٤)، وثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ من طريقٍ آخر أنّه قال: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ" (٥)، وروى التّرمذي (٦)، عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "أَحْصُوا هِلاَلَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ". وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ...﴾ الآية (٧)، فهو محمولٌ على العادَةِ بمشاهدة (٨) الشّهر، وهي رؤية الهلال. وقد قيل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهو مقيمٌ، ثمّ سافر لَزِمَه الصَّومُ في بَقِيَّتِه، قاله ابنُ عبّاس وعائشة. وقيل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَلْيَصُم منه ما شَهِدَ، ولْيُفْطِرْ ما سافر. قال علماؤنا: إذا صام في المِصْرِ، ثمّ سافر في أثناء اليوم لَزِمَهُ إكمالُ الصَّومِ، فلو أَفْطَرَ في البلد فلا كفَّارةَ عليه؛ لأنَّ السَّفَر عُذْرٌ طَرَأَ عليه، فكان كالمريضِ يطرأُ عليه المرضُ، ويخالفُ المرض والحَيْض؛ لأنّ المريضَ يُباحُ له الفِطْر، والحائضَ يَحْرُمُ عليها الصّوم، والسّفر لا يُبيحُ له ذلك، فَوَجَبَتْ عليه الكفّارة لهَتْكِ حُرْمَتِهِ.

стр. 1735

تنبيه: فإذا ثبتَ أنّ الصَّومَ في شهر رمضان واجبٌ بإجماع الأُمَّةِ، ففي (١) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ (٢) مسألة اختلف النّاسُ فيها، هل كان قَبْلَهُ صومٌ مفروضٌ أم لا؟ فالصحيحُ أنَّ الفَرْضَ قَبْلَهُ كان يوم عاشوراء، فلمّا نزل فَرْض رمضان كان هو كالفريضة، فمن شاء صامَ عاشوراء، ومن شاء أَفْطَرَهُ. والحمدُ لله. حديث مَالِك (٣)، عَن نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتى تَرَوْهُ، فَإِن غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ" وفي حديث ابن عبّاس (٤): "فَإِنْ غُمَّ عَلَيكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاَثِينَ". وهذا (٥) الحديث محفوظٌ عن عكرمة (٦) عنِ ابنِ عبّاس. الإسناد: قال الإمام: هذا حديث صحيحٌ متَّفَقٌ على صِحَّته ومَتْنِهِ، خرَّجَهُ الأيمّة مسلم (٧) والبخاريّ (٨) وغيرهما (٩). تنبيه: ومن فقه مالك ﵀ أنّ جعل حديث ابن عبّاس بعد حديث ابن عمر؛ لأنّه عندي مفسِّرٌ له ومبيِّنٌ لمعنى قولِه ﷺ : "فَاقْدُرُوا لَهُ" في حديث ابن عمر، وكان ابن عمر يذهب في معنى قوله: "فَاقْدُرُوا لَهُ" مذهبًا خلاف ما ذهب إليه مالك، والّذي ذهب إليه مالكٌ هو الّذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلّماء، وهو الصّحيح إنّ شاء الله.

стр. 1736

قال علماؤنا: ويتركّب على هذا الحديث قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ الآية (١)، واختلف المفسِّرون في سبب نزولها على أقوال: قيل (٢): إنّ قومًا سألوا عن زيادة الأهلة ونقصأنّها فنزلت هذه الآية. وقال علماؤنا: وأُخِذَ "الهلال" من استهلال النّاس برفع أصواتهم عند رؤيته، و"المواقيت" هي مقادير الأوقات لعبادتهم وحَجِّهم. واختلفوا في مدّة (٣) تسميته هِلَالًا على ثلاثة أقوال: أحدها: إلى ليلتين، وهذا قول الزّجاج (٤). والقول الثّاني: إلى ثلاث ليال. والثّالث: إلى أَن يبدِّدَ ضوؤُه سوادَ اللَّيل، فإذا ظهر (٥) ضوؤه قيل له: قمر. واختلفوا في الهلال متَى يصيرُ قَمَرًا؟ فقال قوم: يصيرُ هلالًا لليلتين ثمّ يصير بعدها قَمَرًا. وقال آخرون: لا يسمَّى هلالًا حتّى يُحَجَّر بحجره، أي يستدير بخطِّه، والهلال لا يكون إلَّا في اللّيلة السّابعة على قول أهل اللُّغة (٦). الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى: قوله: "فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ" قال علماؤنا: الصوم يجب بطريقين: أحدهما: الرُّؤْيَةُ العامَّة، مثل أنّ يراه العدد الكثير والجمّ الغفير، فهذا لا يفتقر فيه إلى تعديل؛ لأنّه من باب الخَبَرِ المتواتر، نَصَّ عليه ابن عبد الحكم؛ لأنّ باب

стр. 1737

الشهادة من باب الإخبار. والرُّؤْيَةُ إذا كانت فَاشِيَةً صيم بغير خلاف، وإن كان الغيم قبل فيه الشهادة (١) بغير خلاف، وإن كان الصّحو والنّظر عسير؟ فقال مالك وأبو حنيفة والشّافعيّ: لا يقبل الواحد، وقبِلَهُ أبو ثَوْر. وأمّا الصّوم، فاتَّفَقَ هؤلاء على قَبُولِ الواحدِ فيه، إلّا مالكًا خاصّة فإنّه رَدَّه (٢)، وأجاز أبو حنيفة فيه شهادة الواحد والمرأة والعبد (٣). وسبب الخلاف فيه، هل هذا من باب الإخبار، أو من باب الشّهادة؟ وما كان (٤) طريقه السّماع يُقْبَل فيه الواحد، كالخَبَر عن النّبيِّ ﷺ أنَّه حَكَمَ بحُكْمٍ من الأحكام، وما كان يختصّ به بعض الأشخاص كالقول: هذا عبد هذا، وشبه ذلك، فيقبل (٥) فيه اثنان. مزبد بيان: قال الإمام: والطّريق الثّاني لا يخلو أنّ تكون السّماء مغيمة أو مصحية، فأيّهما كان فلا يقبل فيهما إلَّا شاهدان، وبه قال الشّافعيّ في الفِطْر، وخالف في الصّوم. ودليلنا: أنّه أحد طرفَي الشّهر، فافتقر إلى شاهِدَيْن كالطَّرف الثّاني. وأمّا قول أبي ثَوْر: يفطر ويصام بشاهد واحدٍ لأنّه من باب الخبر. قلنا: إنّ هذه شهادة تفتقرُ إلى العدد كسائر الشّهادات. فإن كانت السّماء مصحية؟ فمَالِك وجمهور أصحابه والشّافعيّ على قَبُولِ عَدْلَيْنِ. فأمّا العامّة (٦)، فهو أنّ يرى الهلال الجمّ الغفير والعدد الكثير- كما تقدّم- حتّى يقع بذلك العلّم الضّروريّ، فهذا لا خلاف في وجوب الصّوم لمن رآه ولمن لم يره، فهذا يخوج عن حكم الشّهادة إلى حُكم الخبر المستفيض، وذلك مثل أنّ تكون القرية

стр. 1738

الكبيرة يَرَى أهلها الهلال، فيراه منهم الرجال والنّساء والعبيد ممّن لا يمكن منهم التّواطؤ على باطل، فيلزم النّاس الصوم. المسألة الثّانية (١): فإذا ثبت الشّهر بالشَّهادَةِ، جاز نقلُه على خبر العدل دون خبر الفاسق، نصّ عليه أحمد بن ميسر وقال: يلزم الصّوم من باب قَبُولِ خَبَرِ الواحد العَدْل لا من باب الشّهادة، قال ابن أبي زيد: هو كما قال؛ لأنّه للرَّجُلِ أنّ ينقل لأهل بيته وابْنَتِهِ البِكْر مثل ذلك، فيلزمهم تبييت الصِّيام بقَوْلِهِ ونَقْلِه. قال الإمام (٢): وهذا وَهَمٌ منه؛ لأنّ أهل البيت يأخذون بقول صاحب البيت، لقول النّبيِّ ﷺ : "أَلَا وَكُلُّكُمْ رَاعٍ ... " الحديث (٣)، ولهذا يجوز نقله إليهم ولو لم يكن عَدْلًا، وينفذ حكمه عليهم وإن كان فاسقًا. وإذا نقل العدلُ رواية أهل بَلَدٍ إلى بلدٍ، فإنْ نقلَهُ على استفاضة، عُوِّلَ عليه وعُمِلَ به. قال الإمام: ومعنى ذلك؛ أنّ الصّوم يكون ثبوته بطريقين: أحدهما: الخبر. والثّاني: الشّهادة، وذلك إنْ قلَّ عدد الرَّائِينَ له، وإذا ثبت (٤) من طريق الشّهادة فيجب أنّ يعتبر فيه من صفات الشُّهود وعَدَدِهم واختصاص ثبوته بالحكم (٥) ما يعتبر في سائر الشهادات. وجه ذلك: اختلاف حال النّاس في رؤيته، وأنّ اختصاص بعض النّاس برؤيته دون بعض (٦).

стр. 1739

المسألة الثّالثة (١): قال علماؤنا (٢): وإذا رأى أهل البصرة هلال رمضان، ثمّ بلغ ذلك أهل الكوفة والمدينة واليمن، فالّذي رواه ابن القاسم وابن وَهْب في "المجموعة" لزمهم الصّيام أو القضاء إنْ فات الأداء. وقال ابن الماجِشُون: إنّ ثبت بالبصرة بأمرٍ شائعٍ يستغني عن الشهادة (٣)، والتّعديل، فإنّه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضَاء، وإن كان إنّما ثبت بشهادة شاهدَيْن (٤) ثم يلزم ذلك من البلاد إلَّا من كان يلزمه حكم ذلك الحاكم ممّن هو في ولايه، أو يكون ذلك ثبت عند أمير المؤمنين، فيلزم القضاء جماعة المسلمين، وهذا قول مالك (٥) ﵀. ووجه الرِّواية الأولى: أنّه لما ثبت عند (٦) الحاكم، انتقل (٧) الخبر الّذي ثبت عنده ليتمكّن (٨) أخذ ذلك عنه، فوجب أنّ يستوي حكم ما ينقل عن الحاكم (٩)، وما عمّت رؤيته؛ لأنّهما قد عَادَا (١٠) إلى الحكم الّذي هو خبر (١١). ووجه الرِّواية الثّانية: أنّه حُكْمٌ من الحاكم، فلا يلزم إلّا من تناله ولايته ويلزمه حُكْمُه (١٢). المسألة الرّابعة: قوله: "فَإن غُمَّ عَلَيْكُمْ" قد تقدّم قوله: "فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ" تحقيق واضحٌ في ذلك

стр. 1740

المعنى أيضًا، وقضى في أنّ لا يتعدَّى رؤية الهلال في الفِطْر والصَّوم؛ لأنّه معيار العبادة الّذي يحقّق مقدارها المفروض. وأمّا (١) قوله: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ" بناء "غم" للسّتْر (٢) والتّغطية، ومنه الغمّ، فإنّه يُغَطِّي القلبَ عن (٣) استرساله في أَمَانِيهِ (٤)، ومنه الغمام وهي السَّحَاب (٥). ورُوِيَ فيه: "فَإِنْ عُمَّ عَلَيْكُمْ" بالعين المهملة من العماء، وهو بمعناه؛ لأنّه ذهاب البَصَر عن الشهادة، أو ذهاب (٦) البصر عن المعقولات، ومثله فإن حالت دونه "غمامة" أو"غياية" بالعين المعجمة والياءين المعجمتين (٧)، ومثله أيضًا "الغي" وهو الّذي لا يظهر معه الرُّشْد يستره ولا يظهر معه (٨)، وهو الحجاب الّذي على القلب من الغَفْلَةِ عن الحقِّ والدِّين، من الكفر. ويروى: "فَإِنْ غِيمَ عَلَيْكُمْ" أي: إنّ حال بينكم وبين رؤيته غيم، ويروى: "فَإِنْ غمَّ" يقال: غمَّ علينا الهلال وغمى وأغمى فهو مغمى عليه، وقد غامت السَّماء تغيم غيومه فهي غائمة ومغيمة، وأغامت وغيمت وتغيَّمَت. وقد رُوِيَ عن أحمد بن حنبل؛ أنّه قال: إذا حال دون منظر الهلال غَيْمٌ، فليصبح صائمًا لعلَّهُ يكون من رمضان، وكذلك كان يفعل عبد الله بن عمر في رواية نافع عنه، على ما يأتي بيانُه إنّ شاء الله. المسألة الخامسة (٩): قوله: "فَاقْدُرُوا لَهُ" أي: احسبوا، ومنه القَدْر والتَّقدير، أي معرفة المقدار، فَسَّرَهُ قوله: "فأكملوا العدّة" وقد ورد في الصّحيح: "فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلاَثِينَ يَوْمًا".

стр. 1741

وقال علماؤنا: قوله "فَاقدُرُوا لَهُ" إنّ الهاء في "له" (١) تعود على الشّهر وهو الهلال المتقدِّم الذِّكْر *وهو الهلال سُمِّيَ بذلك لشهرته، ويقال: الاسم يعود (٢) إلى الأيام الّتي تختلف عليه فيها أحواله الثلاثة من الابتداء والاستواء والانتهاء* (٣)، وقد جمع بينهما في الحديث الصّحيح، واللّفظ لمسلم (٤)، قال رسول الله ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشرُونَ" معناه: حصره من جهة أحد طَرَفَيْه وهو النُّقْصَان، أي أنّه قد كان تسعًا وعشرين وهو أقلّه، وقد يكون أكثر، فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر لأنفسكم احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفًا، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته، واجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداءً وانتهاءً باستهلاله. نكتةٌ: قوله: "فَإنْ غُمَّ" يريد من الغيم لا من العدد، الدّليل على ذلك قوله: "لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ" والحديث يفسّر بعد هذا. وقال ابن حبيب (٥): "يريد من العدد، ولو أراد الغيم لقال: غُيِّمَ عليكم" وأخطأ لقول النّبيّ ﷺ : "غُمَّ" من الغيم مجاز، فَفَرَّ من المجاز ووقع فيه. وقوله: "فَاقْدُرُوا لَهُ" ذهب بعض العلّماء إلى أنّ الهلال إذا التبس على النّاس فإنّه يحسب له بحساب المُنَجِّمِين، وزعم أنّ هذا الحديث يدلُّ على ذلك، واحتج أيضًا بقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٦) على أنّ المراد به الاهتداء في الطُّرق في البَرِّ والبحر. وقالوا أيضًا: لو كان التّكليف يتوقَّفُ على حسابِ النّجوم لضاقَ الأمرُ فيه، إذ لا يعرف ذلك إلَّا قليل من النّاس، والشَّرعُ مبنيٌّ على ما يعلمه الجماهير من العلّماء. وأيضًا: فإنّ الأقاليم على رأيهم مختلفة، ويصحّ أنّ يُرَى في إقليم دون إقليم، فيؤدِّي ذلك إلى اختلاف في الصّوم عند أهلها، مع كون الصّائمين منهم لا يعدِلُون غالبًا على طريق مقطوع، ولا يلزم قومًا ما ثبت عند قوم من طريق النّجوم.

стр. 1742

وفي الصّحيح؛ قال رسول الله ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ" ثمّ قال: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلاَثين" قال علماؤنا: معناه أنّ الشّهر مقطوع بأنّه لا بدّ أنّ يكون تسعًا وعشرين بأنْ ظهر الهلال، وإلّا طلب أصل العدد الّذي هو ثلاثون يومًا، وهو نهاية عدده. قال الإمام: فإن غمّ الهلال، عمل على تقديره بالحساب، فإذا قال الحاسب: هو اللّيلة على درجة من الشّمس يمكن أنّ يظهر فيها لو لم يكن غيم، فإنّه يعمل به على قوله في الصّوم والفِطْر، لقوله: "فَاقْدُرُوا لَهُ" يريد فاحسبوا له تقدير المنازل الّتي أخبر الله عنها بقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ الآية (١). تنبيه على وَهَمٍ: وقد سقط بعض المتأخرين من الرّاحلين (٢) هاهنا سقطة كبيرة، فنسب هذا القول لبعض الشّافعيّة، وما قال بهذا القول أحدٌ غير واحد من التّابعين. إنصاف (٣): قال الإمام: وقد كنت رأيت للقاضي أبي الوليد الباجي (٤) بأنّ بعض (٥) الشّافعية يَقُول: إنّه يرجع في استهلال الهلال إلى الحساب وإلى حساب المنجِّمين، فأنكرت ذلك عليه، حتّى أخبرني فخر الإسلام أبو بكرٍ الشّاشي (٦) وأبو منصور محمّد بن الصّبّاغ (٧) حديثًا بمدينة السّلام (٨)، عند الإمام أبي نصر ابن الصّبّاغ (٩) بباب حرب

стр. 1743

منها (١)، وعَمّ أبي منصور، قال: لا يؤخذ في استهلال الهلال بقول المُنَجِّمين، خلافًا لبعض التّابعينَ. وكذلك حدَّثني أبو الحسن الطّيوريّ، عن القاضي أبي الطَّيِّب الطَّبريّ، عن أبي حامد الإسفراييني إمام الشّافعية في وقته بمِثْلِهِ، فكُنْتُ كثيرًا ما أسطو على أبي الوليد بوَهَمِهِ، حتّى وجدتُ في "زِمامِ المياومة" أنّ أبا بكر ابن طرخان بن يلتكين حدثني؛ أنّه قرأ على أبي عُبَيْد قوله ﷺ : "فَاقْدُرُوا لَهُ" أي: اقدروا له منازل القمر، قال أبو العبّاس بن سُرَيْج -رئيس مذهب الشّافعيّ ومُحْيِي رسم مذهبه-: هذا خطاب لمن خصّ الله بهذا الكلام (٢)، وقوله: "فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ" خطاب للعامَّة. قال الإمام: وهذه هَفوَةٌ لا مردَّ لها، وعثرةٌ لا إقَالَةَ فيها، وكبوة لا استقالةَ منها، ونبوة لا قُرْبَ معها، وزَلَّةٌ لا استقرارَ بعدها، أَوْهِ يا ابنَ سُرَيج! أين استمساكك بالشَّريعة! وأين صوارمك السُّرَيْجِيّة؟ تسلك هذا المضيق في غير طريق، وتخرج إلى الجهل بعد (٣) العلّم والتّحقيق، ما لمحمد والنّجُوم! ومالك للترامي هكذا (٤) والهجوم، ولو رُوِّيتَ من بحر الآثار، لانجلى عنك الغُبَار، وما خَفِيَ عليك في الرُّكُوبِ الفرس من الحمار، وكأنّك لم تقرأ في الصَّحيح من الحديث الصّريح، قوله: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّة لَا نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذا"، وَأَشَارَ بيَدِهِ الْكَرِيمَة ثَلاَث إشَارَاتٍ، وَخَنَسَ بِإِبْهَامِهِ في الثَّالِثَةِ (٥)، فإذا كان ابن سُرَيْج وبعض التّابعين يتعلّق بدقائق النُّجوم ودرجاتها، فإنّا نقول: نحن لا ننكر أصل الحساب، ولا جري العادة في تقدير المنازل، ولكن لا يجوز أنّ يكون المراد بتأويل الحديث ما تأوّله وذَكَرَهُ لوجهين: أمّا أحدهما: فما تَفَطَّن له مالكٌ وجعله أصلًا في تأويل الحديث لمن بعدَهُ، وذلك أنَّه قال ﷺ في الحديث الأوّل: "فَاقْدُرُوا لَهُ" فجاء بلفظٍ مُحْتَمَلٍ، ثمّ فسَّرَ

стр. 1744

الاحتمال في الحديث الثّاني فقال: "وَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ" فكان تفسير التّقْدِير. وأمّا الثّاني: فلا يجوز أنّ يُعَوَّلَ في ذلك على قول الحساب، لا لأنّه باطلٌ، ولكنّه صيانة لعقائد النّاس من الارتباط بالعُلْويّات (١) وأنْ تعلق عباداتها بتداوير الأفلاك ومواقعها في الاجتماع والاستقبال، وذلك بحر عَجَّاجٌ إنْ دخلوا فيه غَرِقُوا، والنّجاة في قوله: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسبُ ... " الحديث. فإذا كان النّبيُّ ﷺ ينفي عن نفسه تصريف الأنامل المعتادة عند أهل الحساب، فأَوْلَى وأَحْرَى أنّ ينفي عن نفسه تصريف الكواكب وتَعْدِيلَهَا (٢). قال الإمام: فإذا انتهى القول هاهنا، فإنّ العلّماء اتّفَقُوا على أنّ قول المؤذِّن الواحدِ مقبولٌ في الوقتِ للصّلاة، وفي الفِطْر والإمساك للصّوم، قال النّبيّ ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِي ابْن أُمِّ مَكْتُومٍ ... " الحديث (٣). فإذا كان هذا هكذا، فإنّه قد اختلفوا في لزوم الصّوم لرمضان والخروج عنه على أربعة أقوال: القول الأوّل: إنّه لا يصام ولا يفطر إلَّا بشاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ غير مستورين (٤)، قاله مالكٌ، وإسحاق، واحد قولي الشّافعيّ، وجماعة كثيرة. الثّاني: قال الشّافعي: يُصامُ بشاهدٍ واحدٍ، ولا يفطر إلَّا بشاهِدَيْن رَجُلَيْن عَدْلَيْن. الثّالث: يصام ويفطر بشاهدٍ واحدٍ، قاله أبو ثَوْر. الرّابع: إنْ كانت السّماء مغيمة (٥)، لم يقبل في الهلال شاهدان (٦) -وبه قال سحنون- حتّى يكون الخبر مستفيضًا. ومدارُ المسألة من طريق الأثر على حديث (٧) ابن عبّاس دون غيره، قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ ألَّا إِلَهَ إلَّا الله، أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ يَا بِلاَل، أَذِّنْ في النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا

стр. 1745

غَدًا" (١) وقال التّرمذيّ (٢): فيه اختلاف تارة يُسْنَد وتارة يرسل (٣). قال الإمام: وليس هذا بعيب في الحديث، ولا قادح فيه، وقد بيَّنَّا طرق الأحاديث وما يعلَّل منها وما يُتْرَك في أول "الكتاب" فلينظر هنالك. نكتةٌ في ذلك (٤): وإنّ الرّاويين إنْ كانا مختلفين (٥)، فقد أفاد أحدهما ما لم يفد الآخر، وإن كان واحدًا، فجائزٌ له أنّ يُسْنِدَ في رواية ويُرْسِل أخرى. المسألة السّادسة (٦): لما علّق النّبيُّ ﷺ الحكم على الرُّؤية، وذكرنا (٧) أنّه خبر أو شهادة، وحقّقنا أنّه خبرٌ ينقله مسلم إلى مسلمين، فعرضت هاهنا نازلة جرت لابن عبّاس، وقع في "صحيح مسلم" (٨) أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلاَهُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ فَسَأَلَهُ ابْن عَبّاس عَنْ رَمَضانَ؟ فَقَالَ لَهُ كُرَيْب: أَهْلَلْنَا لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، قَالَ لَكنْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُهُ حَتَّى نُكْمِلَ ثلاثين (٩)، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ؟ فَقَال: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فاختلف النّاس في تأويل هذا الحديث (١٠): فمنهم من قال: إنّما فعلَ ذلك ابن عبّاس لاختلاف الأقطار في ارتفاع الهلال وانخفاضه وعُلُوِّه في الأُفُق وسفله، وإليه أشار البخاريّ (١١) بقوله: "باب لأهل كلّ بلد

стр. 1746

رؤيتهم" وهذا لا يُسْتنْكَر في مطالع السّموات، فإنّ سهيلًا يظهر في بعض الأُفُقِ دون بعض، وبَنَات نَعْش نَيْرٌ (١) شماليّ (٢) تراها آخر الصَّيف حيث يطلع سُهَيْل، ويغيب من كواكبها السّبعة اثنان وتبقى خمسة، ونراها في بلدنا مستقلة عن الأُفُقِ (٣) بعيدة عن مَحَلِّ الغُروب. ومنهم من قال في تأويل هذا الحديث: إنَّ السَّماء كانت مصحية، فلم يره أحد من أهل المدينة، فكانت رؤيتهم أَقْوَى من خَبَرِ كُرَيْب، إذ لم يكونوا يرجعون من المعاينة إلى الخبر (٤)، فليس الخبر كالمعاينة (٥). المسألة السابعة: قوله: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ" يقتضي منع الصّوم في آخر شعبان، فإنّ رؤية هلال رمضان والمراد به منع ذلك على معنى التَّلقِّي لرمضان والاحتياط، وقد رُوِيَ في ذلك حديثٌ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضانَ بصِيَامٍ قَبْلَهُ، بِيَوْمٍ وَلاَ بِيَوْمَينِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْمًا" (٦). نكتةٌ أصوليّة (٧): الذَّرائعُ أصلٌ من أصول الفقه، وهو كلُّ فعل جائزٍ في ذاته مُوقع في محذور أو محظُورٍ لعاقبته (٨)، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرَّتَيْنِ، مثلٌ لا حقيقة عند الأكثر، وحقيقةٌ عند الأقلِّ، والأوّل أصحّ، وقد قال ﷺ : "لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ" (٩) فما زال النّبيّ ﷺ يحذّر فعلهم ويكرّر إبلاغًا في المعذرة

стр. 1747

وإسقاطًا للحُجَّة، وقد روى التّرمذيّ في "مُصَنَّفِهِ" (١) قال: "إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَان فَلَا تصُومُوا حَتَّى تَرَوْا هِلَالَ رَمَضَانَ" كلّ ذلك توقِّيًا من الزِّيادة وتقية من رهبانيةِ أهل البدع. وقال أيضًا مطلقًا: "لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَإِنْ حَالَت دُونَه غَيَايَةٌ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا" (٢) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٣) في البابِ. قال عمّار: "مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَذِي شَكَّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ" (٤) وهذا احتياط منه على العبادة، وروى أبو داود (٥): "إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَان فَلَا يَصُومَنَّ أَحَدكُمْ حَتَّى يَأْتِي رَمَضَان". قال الإمام: وهذا إنّما فَعَلَهُ النّبيُّ ﷺ احترازًا ممّا فعله أهل الكتاب؛ لأنّهم كانوا يزيدون في صومهم على ما فرضَ اللهُ عليهم أوَّلًا وآخِرًا، حتّى بدَّلُوا العبادةَ، فلهذا لا يجوز استقبال رمضان ولا تشييعه من أجله، ولأجل هذا قلنا في قول النّبيّ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتًّا مِنْ شَوَّالَ ... " الحديث (٦) لأنّه لا يحلّ صلتها بيوم الفطر ولكن يصومها متى ما كان؛ لأنّ المقصود بالحديث: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتًّا مِن شَوَّالَ ... " الحديث، فقد حصلت له المثوبة ثلاث مئة وستِّين يومًا، وذلك الدَّهْر؛ لأنّ الحَسَنَةَ بعشر أمثالها، فأفضلها أنّ تكون في عشر ذي الحِجَّة إذ الصّوم فيه أفضل منه في شوال. حديث: قوله (٧): "رُئِيَ الْهِلَالُ في زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِعَشِيٍّ، فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى أَمْسَى". قال علماؤنا (٨): في هذا دليلٌ على أنّه كان في رمضان، وأنّ الهلال الّذي رُئِيَ هو هلال شوال، ولا خلافَ بين النّاس أنّه إذا رُئِيَ لا يَخْلُو أَنْ يُرَى قبل الزَّوَالِ أو بعدَهُ، وأيّهما كان فإنّه للّيلة المستأنفة القابلة، وقيل: إذا رُئِيَ قبل الزّوال فإنّ مالكًا وأبا حنيفة والشّافعيّ وجمهور الفقهاء يقولون: إنّه لليلة القادمة، وقال ابن حبيب وابن

стр. 1748

وهب وأبو يوسف: إذا رئي قبل الزّوال فهو للّيلة الماضية (١)، وإنْ رُئِيَ بعد الزَّوال فهو لليلة المقبلة. قال الإمام أبو بكر: هما سواء، رُئِيَ قبل الزّوال أو بعدَهُ ولا يلزم؛ لأنّه عملٌ بتقدير المنازِلِ وحِسَابِ النُّجومِ. وروى ابن نافع عن مالكٌ؛ أنّ الإمام إذا كان يصوم بالحساب ويفطر بالحساب أنّه لا يُقْتَدَى به. قال الإمام: وقد نزلت بالمهدية نازلة وَأَنَا بها، وكان الوَالِي نُجُومِيًّا، فاقتضَى حسابه عنده أنّ اللّيلة للهلال، وأراد العمل به فلم يمكن، حتّى عَضَدَ نفسه بكتاب جاء من البادية؛ أنّ الهلال استهلّ البارحة بشاهدٍ واحدٍ، فسأل المفتين بها، فأَفْتَوْا عليه أنّه لا يعمل بالواحد، وأفتاه بالعمل بالوَاحِدِ مَنْ كان يداخل أهل دولته وينظر في شيء من الحساب: فاختارَ العملَ على ذلك الكتاب فأَنْفَذَهُ (٢)، وعَظُمَ ذلك على النّاس أيضًا، ولكلنهم سلَّمُوا الحُكمَ للهِ. قال الإمام (٣): والدليل على ما ذهب إليه الجمهور: أنّ هذا الهلال رُئِيَ نهارًا فوجب أنّ يكون لليلة القادمة، أصلُه إذا رُئِيَ بعد الزّوال، وهذا الخلاف إنّما هو إذا رُئِيَ يوم ثلاثين، ولا يصحّ أنّ يكون قبل ذلك. مسألة: إذا رأى هلال رمضان وحده فإنّه يصومُ عند جمهور الفقهاء؛ لأنّه إذا صام برؤية غيره وهي ظَنٌّ، فأَوْلَى وأَحْرَى أنّ يصومَ برؤية نفسه الّتي هي يقين، ولقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤). ومن جهة المعنى: إنّه إذا لزمه الصَّوم برؤية غيره، فَأَوْلَى أنّ يصومَ بتحقيق نفسه. فرع (٥): فإن أفطرَ متعمِّدًا عَالِمًا بما عليه، لَزِمَتْه الكفَّارة، ولا خلافَ في المذهب في

стр. 1749

ذلك (١)، وقال أبو حنيفة: لا كفّارة عليه (٢). ودليلنا: أنّه انتهاك (٣) حرمة يوم يعلمُ أنّه من رمضان فلزمته الكفّارة، كما لو أفطر اليوم الثّاني. فإن رأى هلال شوال وحده، فلا يخلو أنّ يكون مسافرًا أو حاضرًا؟ فإن كان حاضرًا لم يجب عليه الفِطْر للعلَّة الّتي ذكر مالك ﵁. وقال أَشْهَبُ: يفطر بنيَّته ويُمْسِك عن الأكل (٤)، وإن كان مسافرًا جاز له الأكل. مسألة: فإذا ضَيَّعَ الإمام أمر الهلال، وجب على النّاس أنّ يَتفقَّدُوا ذلك من أنفسهم عند أهل القُطْر ومن يُقْتَدَى به؛ لأنّ صوم رمضان من فروض الأعيان لا من فروض الكفايات. مسألة (٥): وإذا صامَ النّاسُ يومَ الفِطْر وهم يظنُّون أنّه رمضان، فجاءهم الخبر أنّ الهلال قد رُئِيَ، أَفْطَرُوا أيَّ ساعة جاءَهُم الخبر، ولم يُصَلُّوا (٦) لا قبل الزّوال ولا بعده؛ لأنّ صلاة العيد تفوتُ بزوال الشّمس (٧). مسألة (٨): فإنْ أصبحوا مفطرين يظنّونَ أنذه من شعبان، فجاءهم الخبر أنّ هلال رمضان قد رُئِيَ: قال ابنُ القاسم: يصومُ منهم من أكلَ ومن لم يأكل، فإن أفطر متعمِّدًا وَجَبَتْ عليه الكفّارة.

стр. 1750

وقال القاضي أبو محمّد: والقياس يُوجِبُ أَلَّا كفّارة عليه؛ لأنّه لم يفسد صومًا (١)؛ لأنّ الكفّارةَ إنّما تجب بالتّعَمُّد (٢) وبإفساد الصَّوم (٣)، يبيِّنُ ذلك أنَّه لو أفسد الصّوم بالأكل لكانت (٤) عليه الكفّارة، ولو أكل مرّة ثانية في يومه ذلك لم تجب عليه كفّارة؛ لأنّه لم يفسد بذلك صومًا. مسألة: فإن شهِدَ شاهدٌ على هلال رمضان ليلة الاثنين، فردَّ القاضي شهادته، ثم شهِدَ شاهدٌ على هلال شوال على ليلة الأربعاء؟ قال يحيى بن عمر: لا تلفّق الشّهادة بهما؛ لأنّ الأُولَى رُدَّتْ بالحاكم، فلا تُقْبَل شهادة مردودة. حديث- قوله (٥): "شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وذكر البزّار: "شَهْرا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا ثَمَانِية وَخَمْسِينَ يَوْمًا" وقد (٦) سمعت من حسبهما ووجدهما ناقصين عددًا. وأمّا قوله: "ثَمَانِية وَخَمْسِينَ يَوْمًا" هو تفسير لمن تأوَّلَهُ في العَدَدِ، وأمّا تفسير من تأوّله في الفَضْلِ فلا يحتاج إلى هذا. ومذهب إسحاق؛ أنّهما لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا، وإنّما يرجع ذلك إلى الفَضْل. والمسألة قريبة لا يتعلّق بها حُكْمٌ ولا عِلْمٌ ولا عَمَلٌ، فإنّ الأَجْرَ كامِلٌ باتِّفَاقٍ، وما وراء ذلك تعب غير مُثْمِرٍ (٧) لمعنى. وقال أبو عبد الله (٨): "معناه لا ينقصان من الأجر وإنْ نقص العدد. وقيل معناه في عامٍ بعَيْنِهِ". وقيل: لا يجتمعان ناقصين في سَنَةٍ واحدةٍ في غَالِبِ الأمرِ.

стр. 1751

باب من أجمع الصِّيام قبل الفجر مالك (١)، عن نافع، عن ابن عمر؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا صَوْمَ إِلَّا لِمَنْ أَجْمَعَ الصِّيامَ قَبْلَ الْفَجْرِ. الإسناد: الحديث صحيحٌ، وقد رُوِيَ من طُرُقٍ: روى ابن القاسم عن مالك قال: لا صَوْمَ إِلَّا أَنْ تُبَيِّتَ الصِّيامَ مِنَ اللَّيلِ (٢). وروى التّرمذيّ (٣)؛ أنّه قال عن عبد الله بن عمر، عن أخته حفصة، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ" قال (٤): وتفرّد به يحيى بن أيّوب، وهو مرفوع السَّنَد. قال الإمام (٥): هذا حديثٌ عَزِيزٌ لم يقع لأحدٍ من أهل المغرب قبل رِحْلَتِي، وهو من فوائدي الّتي انفردتُ بها عن أهل المغربِ الّذين ظَنُّوا أنّه لا يوجد صَحيحًا، وقد أَسْنَدْتُه في "العارضة" (٦). العربية (٧): قوله: "يجمع" يعني ينوي، أصله من جمع شتات الرأي (٨) وتقسيم الخواطر إلى وجهٍ واحدٍ، ومنه قول الشّاعر: يا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ

стр. 1752

ويروى: "يبتّ" يعني: يقطع عليه، ويرجع إلى الأوّل، أي يحذف عنه ما يعارضه ويفرد عن سواه. الأصول (١): قال الإمام: هذا الحديث رُكْنٌ من أركان العبادات، وأصلٌ من أصول مسائل الخلاف، فأمّا ما يتعلّق به من أصول الفقه، فإنّ القَدَرِيَّة لبّست (٢) به على سَلَفِنا (٣) الأصوليِّين، فأسلكتهم في ضنكٍ من النَّظَرِ، قالت لهم: إنّ النَّفْيَ بلا إذا اتَّصَلَ باسْمٍ على تفصيل فإنّه مُجْمَلٌ، وفاوَضُوهم عليه وناظروهم فيه، وما كان لهم أنّ يفعلوا (٤). الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى: في حقيقة النية وقد تكلم النّاس فيها على أقوال كثيرة ليس هذا موضع بسطها؛ وإنّها تجري في (٥) المرء مَجْرَى الرُّوح في الجَسَد، وهي القصد، وهي أيضًا اجتماع القلب على حقيقة الفعل، وهي العزم. المسألة الثّانية: عندنا (٦) أنّ كلّ يوم يلزم التبييت في صومه لا يجوز أنّ يعرى أوّله عنها. وقال أبو حنيفة (٧): إنّ كان قضاءً، لم يجز أنّ تعرى أوله عن النّية، وإنْ كان مُعَيَّنًا كرمضان أو نَذْر معيَّنٍ جازَ أنّ يعرى أوّله عنها. وقال الشّافعيّ: إنّ كان واجبًا لم يعر أوله عنها، وإن لم يكن واجبًا جاز أنّ يعرى أوّله عنها، وبه قال أحمد بن حنبل.

стр. 1753

قال الإمام (١): والمسألة تنبني على أصلّين، وهما: أنّ رمضان كلّه عبادة واحدةٌ، أو عبادات؟ والأدلّة متعارضة، والّذي يدلُّ على أنّه عبادة واحدةٌ؛ أنَّه لا يتخلّله صوم آخر، والدّليل على أنّه عبادات؛ أنّ فسادَ يوم منه لا يتعدّى إلى آخر، وهذا الأصل متزعزع على أبي حنيفة والشّافعيّ؛ لأنّ فسادَ ركعة من الصّلاة لا يتعدَّى عندهم إلى جميعها. وكذلك نقول نحن في مسائل الصّلاة، وبهذا الأصل اختلف قول مالك في تجديد النِّيَّة كلّ ليلة، وبه أقول. المسألة الثّالثة (٢): قال أبو حنيفة: تكفيه نِيَّةُ الصَّومِ مُطْلقًا وإن لم يَنْوِ رمضان؛ لأنّ الوقت قد عيّنَ له فرجع مطلَق اللَّفظ إليه. قال الإمام: وهذا فاسدٌ لوجهين: أحدهما: أنّه يكون له ثواب صوم مُطْلَقٍ لا رمضان كما نوى، لقوله ﷺ : "لِكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى" (٣). الثّاني: أنّه يبطل بصلاة المغرب (٤)، فإنَّ الوقتَ عند الغروب معيَّن لها، ثمّ لا بدّ من تعيينِ النِّيَّة فيه، ولا يكفيه مطلق نيّة الصّلاة. ولا تجزئه نيته (٥) من النّهار حتّى يكون متَّصِلًا بفجرٍ أو قبله كما جاء في الحديث. وكان الخطيبُ بأصبهان حامد بن رجاء البغدادي، وصل إلينا حَاجًّا سنة تسعين وأربع مئة، فذكرنا له في هذه المسألة نكتةٌ بديعة عن الشّيخ الإمام جمال الإسلام أبي بكر محمّد بن أحمد بن ثابت (٦) في هذه المسألة، فقال: إنَّ النِّيَّة هي القَصْد، والقَصْد إلى الماضي محالٌ عَقْلًا، وانعطافُ النِّيَّةِ معدومٌ شرعًا، فصار قولُه: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبيِّت الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ" مُجْمَلًا، فحمَلَهُ مالك على عمومه في النَّفْلِ والفَرْضِ، والحقُّ مَعَهُ؛ لأنّ القصدَ بالفعلِ إنّما يكون حالةَ الفِعْلِ، وأمّا بَعْدَهُ فمحالٌ أنّ يرجع إليه؛ لأنّ المستقبلَ لا يلحق الماضي حِسًّا ولا حُكْمًا، وهذا الكلام قريبٌ من الأوَّلِ.

стр. 1754

وغَلطَ الشّافعيّ في النَّفْلِ، فقال: إنّه يجزئه بنِيَّتِهِ من النّهار، وتَابَعَهُ على هذا الغَلَط أبو حنيفة، وزاد بأنْ قَاسَ الفَرْضَ عليه بأن قال: ويجوز أيضًا صوم رمضان بنيَّةٍ من النّهار. والّذي أوقعهم في هذا الخلاف الحديث المشهور؛ أنّ النَّبِيَّ ﷺ دخل بيته فقال: "هَلْ عِنْدَكم مِن طَعَامٍ؟ فَقَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ" (١) قالوا: ولم يكن طلبه للطّعام عَبَثًا، وإنّما كان ليأكل، فلمّا لم يجده نوى الصوم. الجواب - قلنا: وفي أيِّ وقت كان هذا من النّهار، ولعلّه كان بعد الظُّهر وأنتم لا تقولون به، فليس لكم على هذا الحديث حُجّة، ونحن نقول: إنّه نوى الصِّيام لَيْلًا، وطلبُ الطّعام على أصلكم لا يضرّ؛ لأنّ التَطَوُّع عندكم لا يلزم التّمادي فيه، فقد خرج الحديث عن أيديكم من كلِّ وجهٍ. المسألة الرّابعة: والذي عليه المذهب (٢)؛ أنّ صيام شهر رمضان يجزئ بنِيَّةٍ واحدةٍ في أَوَّلِهِ، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: ينوي النِّيَّة كلّ ليلةٍ (٣)؛ لأنّ اليوم الثّاني صوم يوم واجب فافتقرَ إلى نيَّةٍ كالأَوَّلِ. ودليلُنا: قولُ النّبيِّ ﷺ : "لِكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى" وهذا قد نَوَى الشَّهر كلَّه فوجب أنّ يجزئه. ولأنّ رمضان عبادة تجب في العام مَرَّةً واحدة، فاكتفي فيه بنية واحدةٍ كالزَّكَاةِ. المسألة الخامسة (٤): قال: وكذلك كلُّ من نَوَى صومًا مُتَتَابِعًا بنَذْرٍ أو كفَّارَةٍ، أو كان شأنّه سَرْد الصِّيام، أو رَجُل عادته صوم الاثنين والخميس، فإنّه يكتفى في ذلك بنيَّةٍ واحدة (٥)؛ لأنّ ذلك

стр. 1755

كلّه يجعله في حكم العبادة الواحدة. قال الشّيخ أبو بَكْر الأبْهَرِيّ: ذلك استحسانٌ (١). المسألة السّادسة (٢): وهل يجزئ القضاء عن نِيَّةِ الأداء (٣)، ففيه عن علمائنا قولان: القولُ الأوّل: تجزئ نيَّةُ الأداء عن القضاء، وفي ذلك قولان مبنيان على مسألة الأسير الّذي التبست عليه الشُّهور، فصام شعبان أعوامًا يعتقد أنّه رمضان، فإنّه يجزئه (٤) عن رمضان الأوّل؛ لأنّه قضاء (٥) عنه (٦). والصّحيح أنّ نِيَّةَ الأداء تنُوبُ عن نِيَّةِ القضاء، ولا تنوبُ نيَّةُ القضاءِ عن نِيَّةِ الأداءِ (٧). المسألة السابعة (٨): قال علماؤنا (٩): فوقتُ النِّيَّةِ من وقت الغروب من ليلة الصَّوْم إلى طلوع الفجر إذا كان قَبْلَهُ يوم فِطْر، فمن أراد أنّ ينوي صيام أوَّل يوم من رمضان أو غيره، فوقت ذلك من وقتِ الغروب من ليله إلى طلوع الفجر من يومه. قال الإمام (١٠) - وجهُ التَّوسِعَة في ذلك: أنّ الدخول في هذه العبادة غير متعيّن للمكلَّف وهو وقت نوم وغفلةٍ، وارتقاب ذلك مشقَّةٌ، بخلاف الصّلاة. فإن كان ذلك في غير صوم مُعَيَّنٍ، فنوى ذلك من أوّل ليله، فله أنّ يرجع عن نيّته ما لم يطلع فجر يومه، وإن كان ذلك من صوم تعيَّن زمانه، فإنَّ مِنْ شرط النِّيَّةِ أنّ يستصحبها إلى وقت طلوع الفجر وهو وقت الدُّخول في الصوم.
следующие страницы →