← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

باب من أجمع الصِّيام قبل الفجر مالك (١)، عن نافع، عن ابن عمر؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا صَوْمَ إِلَّا لِمَنْ أَجْمَعَ الصِّيامَ قَبْلَ الْفَجْرِ. الإسناد: الحديث صحيحٌ، وقد رُوِيَ من طُرُقٍ: روى ابن القاسم عن مالك قال: لا صَوْمَ إِلَّا أَنْ تُبَيِّتَ الصِّيامَ مِنَ اللَّيلِ (٢). وروى التّرمذيّ (٣)؛ أنّه قال عن عبد الله بن عمر، عن أخته حفصة، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ" قال (٤): وتفرّد به يحيى بن أيّوب، وهو مرفوع السَّنَد. قال الإمام (٥): هذا حديثٌ عَزِيزٌ لم يقع لأحدٍ من أهل المغرب قبل رِحْلَتِي، وهو من فوائدي الّتي انفردتُ بها عن أهل المغربِ الّذين ظَنُّوا أنّه لا يوجد صَحيحًا، وقد أَسْنَدْتُه في "العارضة" (٦). العربية (٧): قوله: "يجمع" يعني ينوي، أصله من جمع شتات الرأي (٨) وتقسيم الخواطر إلى وجهٍ واحدٍ، ومنه قول الشّاعر: يا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ

стр. 1752

ويروى: "يبتّ" يعني: يقطع عليه، ويرجع إلى الأوّل، أي يحذف عنه ما يعارضه ويفرد عن سواه. الأصول (١): قال الإمام: هذا الحديث رُكْنٌ من أركان العبادات، وأصلٌ من أصول مسائل الخلاف، فأمّا ما يتعلّق به من أصول الفقه، فإنّ القَدَرِيَّة لبّست (٢) به على سَلَفِنا (٣) الأصوليِّين، فأسلكتهم في ضنكٍ من النَّظَرِ، قالت لهم: إنّ النَّفْيَ بلا إذا اتَّصَلَ باسْمٍ على تفصيل فإنّه مُجْمَلٌ، وفاوَضُوهم عليه وناظروهم فيه، وما كان لهم أنّ يفعلوا (٤). الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى: في حقيقة النية وقد تكلم النّاس فيها على أقوال كثيرة ليس هذا موضع بسطها؛ وإنّها تجري في (٥) المرء مَجْرَى الرُّوح في الجَسَد، وهي القصد، وهي أيضًا اجتماع القلب على حقيقة الفعل، وهي العزم. المسألة الثّانية: عندنا (٦) أنّ كلّ يوم يلزم التبييت في صومه لا يجوز أنّ يعرى أوّله عنها. وقال أبو حنيفة (٧): إنّ كان قضاءً، لم يجز أنّ تعرى أوله عن النّية، وإنْ كان مُعَيَّنًا كرمضان أو نَذْر معيَّنٍ جازَ أنّ يعرى أوّله عنها. وقال الشّافعيّ: إنّ كان واجبًا لم يعر أوله عنها، وإن لم يكن واجبًا جاز أنّ يعرى أوّله عنها، وبه قال أحمد بن حنبل.

стр. 1753

قال الإمام (١): والمسألة تنبني على أصلّين، وهما: أنّ رمضان كلّه عبادة واحدةٌ، أو عبادات؟ والأدلّة متعارضة، والّذي يدلُّ على أنّه عبادة واحدةٌ؛ أنَّه لا يتخلّله صوم آخر، والدّليل على أنّه عبادات؛ أنّ فسادَ يوم منه لا يتعدّى إلى آخر، وهذا الأصل متزعزع على أبي حنيفة والشّافعيّ؛ لأنّ فسادَ ركعة من الصّلاة لا يتعدَّى عندهم إلى جميعها. وكذلك نقول نحن في مسائل الصّلاة، وبهذا الأصل اختلف قول مالك في تجديد النِّيَّة كلّ ليلة، وبه أقول. المسألة الثّالثة (٢): قال أبو حنيفة: تكفيه نِيَّةُ الصَّومِ مُطْلقًا وإن لم يَنْوِ رمضان؛ لأنّ الوقت قد عيّنَ له فرجع مطلَق اللَّفظ إليه. قال الإمام: وهذا فاسدٌ لوجهين: أحدهما: أنّه يكون له ثواب صوم مُطْلَقٍ لا رمضان كما نوى، لقوله ﷺ : "لِكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى" (٣). الثّاني: أنّه يبطل بصلاة المغرب (٤)، فإنَّ الوقتَ عند الغروب معيَّن لها، ثمّ لا بدّ من تعيينِ النِّيَّة فيه، ولا يكفيه مطلق نيّة الصّلاة. ولا تجزئه نيته (٥) من النّهار حتّى يكون متَّصِلًا بفجرٍ أو قبله كما جاء في الحديث. وكان الخطيبُ بأصبهان حامد بن رجاء البغدادي، وصل إلينا حَاجًّا سنة تسعين وأربع مئة، فذكرنا له في هذه المسألة نكتةٌ بديعة عن الشّيخ الإمام جمال الإسلام أبي بكر محمّد بن أحمد بن ثابت (٦) في هذه المسألة، فقال: إنَّ النِّيَّة هي القَصْد، والقَصْد إلى الماضي محالٌ عَقْلًا، وانعطافُ النِّيَّةِ معدومٌ شرعًا، فصار قولُه: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبيِّت الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ" مُجْمَلًا، فحمَلَهُ مالك على عمومه في النَّفْلِ والفَرْضِ، والحقُّ مَعَهُ؛ لأنّ القصدَ بالفعلِ إنّما يكون حالةَ الفِعْلِ، وأمّا بَعْدَهُ فمحالٌ أنّ يرجع إليه؛ لأنّ المستقبلَ لا يلحق الماضي حِسًّا ولا حُكْمًا، وهذا الكلام قريبٌ من الأوَّلِ.

стр. 1754

وغَلطَ الشّافعيّ في النَّفْلِ، فقال: إنّه يجزئه بنِيَّتِهِ من النّهار، وتَابَعَهُ على هذا الغَلَط أبو حنيفة، وزاد بأنْ قَاسَ الفَرْضَ عليه بأن قال: ويجوز أيضًا صوم رمضان بنيَّةٍ من النّهار. والّذي أوقعهم في هذا الخلاف الحديث المشهور؛ أنّ النَّبِيَّ ﷺ دخل بيته فقال: "هَلْ عِنْدَكم مِن طَعَامٍ؟ فَقَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ" (١) قالوا: ولم يكن طلبه للطّعام عَبَثًا، وإنّما كان ليأكل، فلمّا لم يجده نوى الصوم. الجواب - قلنا: وفي أيِّ وقت كان هذا من النّهار، ولعلّه كان بعد الظُّهر وأنتم لا تقولون به، فليس لكم على هذا الحديث حُجّة، ونحن نقول: إنّه نوى الصِّيام لَيْلًا، وطلبُ الطّعام على أصلكم لا يضرّ؛ لأنّ التَطَوُّع عندكم لا يلزم التّمادي فيه، فقد خرج الحديث عن أيديكم من كلِّ وجهٍ. المسألة الرّابعة: والذي عليه المذهب (٢)؛ أنّ صيام شهر رمضان يجزئ بنِيَّةٍ واحدةٍ في أَوَّلِهِ، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: ينوي النِّيَّة كلّ ليلةٍ (٣)؛ لأنّ اليوم الثّاني صوم يوم واجب فافتقرَ إلى نيَّةٍ كالأَوَّلِ. ودليلُنا: قولُ النّبيِّ ﷺ : "لِكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى" وهذا قد نَوَى الشَّهر كلَّه فوجب أنّ يجزئه. ولأنّ رمضان عبادة تجب في العام مَرَّةً واحدة، فاكتفي فيه بنية واحدةٍ كالزَّكَاةِ. المسألة الخامسة (٤): قال: وكذلك كلُّ من نَوَى صومًا مُتَتَابِعًا بنَذْرٍ أو كفَّارَةٍ، أو كان شأنّه سَرْد الصِّيام، أو رَجُل عادته صوم الاثنين والخميس، فإنّه يكتفى في ذلك بنيَّةٍ واحدة (٥)؛ لأنّ ذلك

стр. 1755

كلّه يجعله في حكم العبادة الواحدة. قال الشّيخ أبو بَكْر الأبْهَرِيّ: ذلك استحسانٌ (١). المسألة السّادسة (٢): وهل يجزئ القضاء عن نِيَّةِ الأداء (٣)، ففيه عن علمائنا قولان: القولُ الأوّل: تجزئ نيَّةُ الأداء عن القضاء، وفي ذلك قولان مبنيان على مسألة الأسير الّذي التبست عليه الشُّهور، فصام شعبان أعوامًا يعتقد أنّه رمضان، فإنّه يجزئه (٤) عن رمضان الأوّل؛ لأنّه قضاء (٥) عنه (٦). والصّحيح أنّ نِيَّةَ الأداء تنُوبُ عن نِيَّةِ القضاء، ولا تنوبُ نيَّةُ القضاءِ عن نِيَّةِ الأداءِ (٧). المسألة السابعة (٨): قال علماؤنا (٩): فوقتُ النِّيَّةِ من وقت الغروب من ليلة الصَّوْم إلى طلوع الفجر إذا كان قَبْلَهُ يوم فِطْر، فمن أراد أنّ ينوي صيام أوَّل يوم من رمضان أو غيره، فوقت ذلك من وقتِ الغروب من ليله إلى طلوع الفجر من يومه. قال الإمام (١٠) - وجهُ التَّوسِعَة في ذلك: أنّ الدخول في هذه العبادة غير متعيّن للمكلَّف وهو وقت نوم وغفلةٍ، وارتقاب ذلك مشقَّةٌ، بخلاف الصّلاة. فإن كان ذلك في غير صوم مُعَيَّنٍ، فنوى ذلك من أوّل ليله، فله أنّ يرجع عن نيّته ما لم يطلع فجر يومه، وإن كان ذلك من صوم تعيَّن زمانه، فإنَّ مِنْ شرط النِّيَّةِ أنّ يستصحبها إلى وقت طلوع الفجر وهو وقت الدُّخول في الصوم.

стр. 1756

باب ما جاء في الفطر (١) مالِك (٢)، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ، وقد رُوِيَ مُسْنَدًا، وعن عبد الرّحمن بن حَرْمَلَة، عن سعيد بن المسيَّب، عن النّبيِّ ﷺ مثله (٣). الأصول: قال علماؤنا: ظاهِرُهُ أنّه ﷺ أشار إلى فساد الأمور الّتي تتعلّق بتغيير (٤) السُّنَّة الّتي هي التّعجيل للفِطْر، وأنّ تأخيره ومخالفة السُنّة في ذلك كالعَلَمِ على فساد الأمور، فالمُرَاعَى نية (٥) التعجيل لا صورة التّعجيل، ردًّا على من يؤخّره إلى اشتباك النُّجوم احتياطًا على الصوم، حتّى لو اشتغل الرَّجُل بأمرٍ ما عن الفِطْر مع اعتقاد الفِطْر (٦) وقد انقضى الصّوم بدخول اللّيل، لم يدخل في كراهية تأخير الفِطْر، وكذلك من إشتغل بأداء عبادة كالصّلاة وغيرها كما فعل عمر وعثمان، فإنّه لا يدخل في كراهية تأخير الفطر. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٧): فإذا ثبت ما قلنا، فتمامُ الصّومِ وقت الفِطْر، هذا إذا (٨) انقضى غروب الشّمس وكمل ذهاب النّهار.

стр. 1757

والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) وهذا يقتضي الإمساك إلى أوّل جزء من اللّيل، غير أنّه لا بدّ من إمساك جزء من اللّيل ليتيقّن صيام جميع أجزاء النّهار. المسألة الثّانية (٢): قال علماؤنا (٣): فبماذا يعتبر في ذلك، المفرد أو من كان في مكان ليس فيه أحد ممّن يؤذِّن؟ فإنّه إذا رأى الشّمس قد غربت أفطر. ودليلنا: الحديثُ الصّحيح من قوله: "إذا أقبلَ الليلُ (٤) وأدبر النّهار وغابت الشّمس أفطر الصائم" (٥) فالمراد به قد صار مُفْطِرًا، فيكون ذلك دلالة على أنّ زمان اللّيل يستحيل الصّوم فيه شرعًا. وقد قال بعض العلّماء: إنّ الامساك بعد الغروب لا يجوز، وهو كإمساك يوم الفِطْر ويوم النَّحْر عن الأكلِ. وشذَّ بعضهم وقال: إنّ ذلك جائز وله أجرُ الصائم، واحتجَّ هؤلاء بالأحاديث الواردة في الوِصَال. وقال أحمد وإسحاق: لا بأس بالوِصَالِ إلى السَّحَرِ، والصَّحيحُ ما تقدَّمَ. المسألة الثّالثة (٦): وأمّا الأعمى، فإنّه يَعْتَبِرُ في ذلك بقول من يثقه ويعلم به، وأمّا البَصِير الّذي في الحَضَرِ فيه المؤذِّنون، فقد رَوَى ابنُ نافع عن مالك؛ أنّه لا يأكل عند أذانهم للفَجْر (٧) وإن رأى هو الفجر لم يطلع، ولا يفطر حتّى يؤذِّنوا وإن رأى هو الشّمس قد غربت، لأنّهم موكَّلون بذلك رعاته (٨)، وقد روى عيسى عن ابن القاسم؛ أنّه يأكل ويشرب

стр. 1758

حتّى يطلع الفجر، ولا ينظر (١) إلى مؤذِّن (٢) إذا كان ممّن يعرف الفجر وكان في موضع ينظر إليه، فإن كان في موضع لا يَرَى الفجر (٣)، فليحتط، وكذلك الفِطْر، يفطر إذا غربت الشّمس ولم يشكّ، فإنْ شكّ فليحتط، ولا ينتظر المؤذِّنِين كان في موضع فيه مؤذِّن أو لم يكن. وقال عيسى: وأمرني أنّ أكتبه، وذلك كلّه في المدينة. المسألة الرّابعة: رُوِيَ (٤) أنّ عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان كانا لا يفطران حتّى يصلِّيا المغرب وينظرا إلى اللّيل الأسود، وذلك في رمضان. ورُوِيَ عنِ ابنِ عبّاس وطائفة؛ أنّهم كانوا يفطرون قبل الصّلاة. وإنّما الأصل في ذلك: قوله من حديث عاصم بن (٥) عمر بن الخطّاب يحدِّثُ عنِ أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (٦). باب ما جاء في صيام الَّذي يُصْبِحُ جُنُبًا مَالِك (٧)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ؛ أَنَ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَنَا أَسْمَعُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأغْتَسلُ وَأَصُومُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ" فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ: لَسْتَ مِثْلَنَا. قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأَخَّرَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: "وَاللهِ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلهِ، وَأَعْلَمكُمْ بِمَا أَتَّقِي".

стр. 1759

الإسناد: قال الإمام: هذا حديث موقوف، وأَسْنَدَهُ القعنبيّ (١). قال أبو عمر (٢): "سقطَ ليحيى في هذا الحديث عن عائشة، كذلك رواه عنه عُبَيْد الله ابنه. وذكر ابنُ وضّاح فيه عائشة، كما رواه سائر الرُّواة عن مالك (٣)، وذكر مالكٌ عن عبد ربِّه بن سعيدٍ (٤) وسُمَيٍّ مَوْلَى أبي بكر (٥)، عن أبي بكر بن عبد الرّحمن، عن عائشة وأمّ سَلَمَة زوجي النّبيّ ﷺ ؛ أنّهما قالتا: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْر احْتِلَامٍ في رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ". قال الإمام (٦): الآثار مُتَّفِقَةٌ عن عائشة وأمِّ سَلَمَة بمعنى ما ذكر مالك عنهما". الأصول: قوله: "وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ وَأُصْبِحُ جُنُبًا" فأحال على فِعْلِهِ ليُبَيِّنَ أنَّه أُسْوَة، وأنّه سواء في وجوبِ الاقتداء حتّى يقوم دليل التّخصيص له به. وقولُه: "إِنِّي لأرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ" فإن قيل: من أيِّ شيء كان يخاف (٧) رسول الله ﷺ ، والأنبياء قد أمنوا من سُوءِ الخاتمة، وقد قيل لرسول الله ﷺ : "قد غفرَ الله لك ما تقدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تأخَّرَ" فلم يبق للخشيةِ وجهٌ. وقد أجبنا عن هذا السُّؤال في "الكتاب الكبير" وأَقْوَى وجه فيه؛ أنّ النّبيَّ ﷺ وإنْ كان قد أمِنَ من العقاب، فإنّه يَخْشَى من العتاب، هذا جواب أهل الإشارات. وقال سائر العلّماء: إنّما غفر له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخَّرَ بشَرْط امتثاله لما أُمِرَ به واجتنابِهِ لما نُهِيَ عنه، والله أعلم. ذكر الفوائد المتعلِّقة بهذا الحديث: وهي أربع فوائد:

стр. 1760

الفائدةُ الأولى (١): فيه أنّ أفعالَ النّبيِّ صلّى الله عليه على الإلزام حتّى تُخَصّ. الثّانية (٢): فيه سؤال العالِم وهو واقفٌ. الثّالثة (٣): فيه الغَضَب في الموعظة. الرّابعة: فيه أنّ يذكر الإنسان ما فيه من الخير، لقوله: "وَأَنَا أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمكُمْ بِهِ". الفقه في أربع مسائل: المسألة الأُولى (٤): قوله: "إِنِّي لأُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ" معناه أنَّه قد نَوَى الصِّيام في وقت تصحّ نيته ويصبح جُنُبًا، فكان سؤاله عن حَدَثِ الجنابة هل يمنع صِحَّة الصِّيام أم لا؟ فأجابه النّبيُّ ﷺ أنّه يفعل هذا فيغتسل ويصوم ولا يمنعه حَدَث الجنابة من صِحَّة صومه. وفي ذلك دليل على الإجزاء من وجهين: أحدهما: أنّ النّبيَّ صلّى الله عليه كان يفعله وقد أُمِرْنَا باتّباعه والاقتداء به، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥). والوجه الثّاني: أنّ السائل سأله عن مسألة فأجابه النّبيّ صلّى الله عليه بمثل ذلك من حالِ نفسه، وهذا يدلُّ على أنّ حُكْمَهُ في ذلك ﷺ كحُكْمِ السائلِ، ولوِ اختلفَ حكمهما في هذه المسألة لما جاز أنّ يجيبَهُ بأنَّ مثلَ هذا يفعله وهو يجزئه.

стр. 1761

المسألة الثّانية (١): قوله (٢): "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ" قال علماؤنا: إنَّما خصصنا الجماع؛ لأنّ الاحتلام مُتَّفَقٌ عليه. وقوله: "غَيْرِ احْتِلَامٍ" على معنى الإبلاغ في البيان، لتزول الشبهة ووجوه الاحتمال، وتخليص الحديث حُجَّة في موضع الاختلاف، وذلك أنَّ الأحداث كلّها لا تمنع الصّوم، سواء كانت من عَمَدٍ أو غير عَمَد، وكان أبو هريرة يقول: "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ لَمْ يَصِحّ صَوْمُهُ" (٣) فزال ذلك الخلاف بخَبَرِ عائشة وأمِّ سَلَمَة، وهما أعَلم بهذا لمكانهما من رسول الله ﷺ واطِّلاعهما في ذلك على حاله، ومعرفتهما بما خَفِيَ على النَّاس من أَمْرِهِ. المسألة الثّالثة (٤): وأمّا حدث الحَيْضِ، فقد قال مالك: إنّه - لا يمنع صحَّة الصَّوم، وعليه جمهور الفقهاء سواء أخّرت الغُسلَ عمدًا أو غير عمدٍ. وقال ابنُ مَسْلَمة: يمنع صحَّة الصَّوم. ودليلنا: أنّ هذا حَدَثٌ زالَ موجبه قبلَ الفجرِ، فلا يمنع بقاء حكمه صحّة الصَّوم كحدث الجنابة. وفي "المجموعة" من رواية ابن القاسم وابن وهب عن مالك: إنّما ذلك في الّتي تطهر (٥) قبل الفجر، فتتوانى في الغسل حتّى يطلع الفجر، وأمّا الّتي ترى الطهر قبل الفجر فتأخذ في الغسل دون توانٍ، فلا تكمل غسلها حتّى يطلع الفجر، فإنّها كالحائض قاله عبد الملك، فجعل من شرط جواز الصَّومِ إمكانَ الغسلِ قبلَ الفجرِ. وقال ابنُ شعبان: تصوم ويجزئها، وفيها قول آخر: أنّها تفطر وليست كالجنب، واللهُ أعلمُ.

стр. 1762

حديث: رُوِيَ (١) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْك يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَتَذْهَبَنَّ إِلَى أُمَّي الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَتَسْأَلْهُمَا (٢) عَنْ ذَلِكَ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى دخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا كُنَّا عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَر ذَلِكَ الْيَوْمَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَتَرْغَبُ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ؟ قَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا، وَاللهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ اليَوْمَ. الْحَدِيثُ إلى آخره. فيه تسع فوائد: الفائدةُ الأولى: فيه: أنّ الحُجَّة القاطعة عن الاختلاف فيما لا نَصَّ فيه من كتابٍ ولا سُنَّةٍ أنّ يرجع إليه بالبُرْهَان والعَقْلِ (٣). الثّانية: فيه من المعاني والفقه ما يدلُّ على أنّ الشّيء إذا تُنُوزِعَ فيه ردَّ إلى من يظنّ أنّه يُؤخذ عنه عِلْم ذلك، وذلك أنّ أزواج النّبيِّ ﷺ أعلم بهذا المعنى. الثّالثة (٤): فيه اعترافُ العالِمِ بالحقِّ وإنصافُه إذا سَمِعَ الحُجَّة، وهكذا أهل الدِّين والعلّم. الرّابعة: فيه مراجعة العالم إلى الحقِّ، وفيه رجوع العالم عمّا كان يعتقده إذا تبيّن له أنّ الحقّ فيما سواه.

стр. 1763

فإن قيل: كيف وجب رجوعه عن ذلك؟ ولِمَ قال بخِلَافِهِ؟ ولِمَ أخذ جماعة بخلاف هذا الحديث إِلَّا رَجُلًا أو رَجُلَيْن فإنّهما شَذَّا مع أنّ أبا هريرة رواه عن الفَضْل؟ قلنا: قد عارَضَهُ ما رُوِيَ (١) عن عائشة وأمّ سَلَمَة ولم يعلم أبو هريرة بالنَّسْخِ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية (٢)، و ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية (٢)، فإذا أحلّ أنّ يطأَ حتّى الفَجْرِ، فهل يكون الغسل إلّا نهارًا! وقد ذكر نحو هذا الاحتجاج رَبِيعَة بن أبي عبد الرّحمن. قيل: ولما سمع أبو هريرة هذا عنها اعْتَذَرَ. وهذا فعل منهُ ﷺ والأفعالُ تُقَدَّمُ على الأقوالِ عند بعض الأصوليِّين، ومن قدَّم منهم الأقوال فإنذه يرجِّح الفعل هاهنا لموافقة ظاهر القرآن؛ لأنّ الله تعالى أباح المباشرة إلى الفجر، وإذا كانت النّهاية إلى الفجر كما تقدّم، فمعلومٌ أنّ الغُسْلَ إنّما يكون بعد الفَجْرِ إذا كان الجماع مباحًا له، فاقتضى هذا صحَّة صوم من طلع الفجر عليه وهو جُنُبٌ، فلمّا طابقَ ظاهر القرآن فعله ﷺ قُدِّمَ على ما سِوَاهُ. وقد قيل: إنّ ما رواه أبو هريرة محمولٌ على أنّ ذلك كان في أوّل الإسلام، لمّا كانوا إذا ناموا حرم عليهم الجماع، فلما نسخ ذلك نسخ ما يتعلّق به. الخامسة (٣): فيه أنّ الرجال كانوا يدخلون على أزواج النّبيِّ ﷺ ، ويسمعون منهنّ للضرورة إلى نقل العلّم عنهنّ بعد الاستئذان (٤) لعلّم السّامع، وإنّما قصدَ مروان بالسُّؤال عائشة وأمّ سَلَمَة لأنّهما أعلم النّاس بذلك. السّادسة (٥): فيه قَبُول خبر المرأة، وكذلك قبول خبر الواحد.

стр. 1764

السّابعة (١): فيه الشّهادة على الصّوت؛ لأنّ المسلمين إنّما رووا عن أزواج النّبيِّ ﷺ من وراء حجاب. الثامنة (٢): فيه جواز ركوب الدّابّة في داخل المدينة، وقد كان مالكٌ يأخذ في خاصّة نفسه ألَّا يركب في المدينة، لمّا كانت جُنَّةُ النّبيِّ ﷺ فيها. التّاسعة (٣): فيه ركوبُ الاثنين في الدَّابَّةِ، وذلك من التّواضع وترك الكِبْرِ. باب ما جاء في الرُّخْصَة في القُبْلَةِ للصَّائم مَالِك (٤)، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ في رَمَضَانَ، فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا ... الحديث إلى آخره. الإسناد: قال أبو عمر (٥): "هذا حديثٌ مُرْسَلٌ عند جميع الرُّواة للموطّأ عن مالك، وهذا (٦) المعنى أنّ رسول الله ﷺ كان يُقَبِّل وهو صائمٌ، صحيحٌ من حديث عائشة (٧) وأمِّ سَلَمَة (٨) وحَفْصَة (٩).

стр. 1765

وحديثُ عائشة عند مالكٌ مُسْنَدٌ من حديث هشام عن أبيه عن عائشة (١)، ومُرْسَلٌ أيضًا على ما ذكرنا". العربيّة: قال: والإرْبُ الحاجةُ (٢)، في قول عائشة (٣): "وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لإرْبِهِ" فكنى بالحاجة عن الشَّهْوَةِ الّتي يريدها الرَّجُل من امرأته، فكان من حُسْنِ سياق الكلام أنّ قال: "وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لإرْبِهِ" ولم يقل "لِحَاجَتِهِ"، وذلك كناية عن الحاجة الّتي يحبّ الرَّجُل من أهله. وقال ابنُ حبيب (٤): "القُبْلَةُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ الصَّائِمِ بالتَّشْدِيدِ والرُّخْصَةِ، ليس ذلك باختلافٍ من القَوْلِ والرِّوَايَةِ، ولكنّه على تَصَرُّفِ المعنَى في ذلك، فمعنى (٥) الشدّة فيها: *أنّه في الفريضة وعلى الشابِّ، ومعنى الرُّخصة فيها: أنّه في التَّطَوُّع وعلى الشّيخ وعلى من ملك نَفْسَهُ عما بعدها* (٦) ". الأصول (٧): قال الإمام: القُبْلَةُ والمباشَرَةُ مستثناةٌ من تحريم القرآن المطلق ونهيه، وأنّ فِعْلَهُ جائزٌ بِفِعْلِ النَّبيِّ- ﷺ نَفْسِهِ. وفيه الفقه كلّه في الاقتداءِ بفعل النّبيِّ صلّى الله عليه، وأنّه يقْتَدَى به كَقَوْلهِ. *ثم ذكر مالك حديث أم سلمة، وهو مثل الّذي قبله في* (٨) الاقتداء بفعل النّبيِّ ﷺ ، وأحال الصّحابة في قصد البيان عليه، كما كان يحيل- ﷺ . وقول السّائل (٩): "اللهُ يُحِلُّ لِرَسُولهِ مَا شَاءَ" يعني أنّه لما رأى أنّ النَّبيَّ ﷺ يختصُّ بأشياء، ظَنَّ أنّ هذا منها، فبيَّنَ النّبيُّ ﷺ أَنّ الأصل الاسترسال على الاستدلال

стр. 1766

بجميع أفعالِهِ حتّى يقوم الدَّليل على تخصيصه بها. نكتةٌ (١): قوله: "وَإِنِّي لأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ" ذكر قوله "أَخْشَاكُمْ" مقرونًا بالرَّجَاءِ، وذَكَرَ قوله: "أَتْقَاكُمْ" على القَطْعِ، ورجاءُ رسولِ الله ﷺ قَطْعٌ؛ لأنّه لم يخب ظَنّه بِرَبِّهِ، وقطعهُ قَطْعٌ؛ لأنّه خبرٌ عن حقيقةِ حَالِهِ، أَعْلَمَهُمْ بذلك على سبيل الاعتقادِ والإعلام في الدِّين (٢)، لا على سبيل الفَخْر على المسلمين. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): قول عائشة ﵂ أنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه: "كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ" وكانت تقول: "وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لإِرْبِهِ مِنْ رَسُول اللهِ ﷺ " و"لِنَفْسِهِ- في لفظ آخر (٤) - كَمَا كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَمْلِكُ نَفْسَهُ" فلذلك شَدَّدَ فيه ابن القاسم عن مالك في كلِّ صوم؛ لأنَّ القُبْلَةَ لا تدعو إلى خَيْرٍ، ورخَّصَ فيها في التَّطَوُّعِ من رواية ابن وهب، وذَكَرَهُ ابن حبيب. والصحيح عندي ما في الحديث من قول عائشة: "وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لإرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " فلا ينبغي لأحدٍ أنّ يتعرضها إِلَّا أَنْ يكون شَيْخًا مُنْكَسِرَ الشَّهْوَةِ، ولعلّ هذا السائل كان كذلك؛ لأنّ في تَعَاطِيهَا تغريرًا بالعبادة، وتعريضًا لها لأسباب الفساد، وذلك مكروهٌ باتِّفاقٍ من الأُمَّةِ. المسألة الثّانية: قولها (٥): "كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجهِ وَهُوَ صَائِمٌ" دليلٌ على أنّ القُبْلَةَ لا تمنعُ صِحَّة الصَّوم، ولا خلافَ في ذلك، إِلَّا أنَّه يُكْرَهُ لمن لا يأمن نفسه ولا يملكها، لئلّا يكون سببًا إلى ما يُفْسِد الصّوم، والمباشرة في ذلك تجري مَجْرَى القُبْلة؛ لأنّها مِمَّا يُتَلَذَّذُ بها، وهي من باب الاستمتاع، وربَّمَا كانت سببًا إلى مَذْيٍ أو مَنِيٍّ.

стр. 1767

المسألة الثّالثة: اختلفَ العلّماءُ فيمن قَبَّلَ قبلةً واحدةً فأَنْزَلَ، هل يكفِّر أم لا؟ وهذا منهم خلافٌ في حالٍ. فمن رأى الكفَّارةَ، اعتقدَ أنّ القُبْلَةَ الواحدة يكون منها الإنزال، ففاعلها قاصدٌ إليه ومُنْتَهِكٌ لحُرْمَةِ الشَّهْرِ، فوجبتِ الكفّارةُ. ومن رأى ألَّا كفارة، اعتقد أنّ الإِنْزَال لا يكون منها غالبًا، فالفاعل لها وإن وقع ذلك منه غير قاصدٍ إليه ولا مُنْتَهِكٍ لحُرْمَةِ الشَّهْرِ، فإنّه لا كفّارةَ عليه. المسألة الرّابعة: قوله (١): "كَانَا يُرَخِّصَانِ في الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ" فيه دليلٌ على أنّ الباب يتعلَّقُ به منعٌ، ولولا ذلك لكان مُطلَقًا مُبَاحًا، وإنّما يكون رخصة ما يتعلَّق ببابه (٢) المنع، وأَرْخَصَ في شيءٍ منه لأَمْرٍ ما. وفرَّقَ علماؤنا بين الشَّيخِ والشّاب، وعمومُ (٣) الحديثِ وظاهرُهُ يقتضي جوازها لهما جميعًا؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ لم يقل للمرأة: هل زوجك شيخ أو شابٌّ؟ ولو ورد الشّرع بالفَرْقِ بينهما لما سكتَ ﵇ عنه؛ لأنّه المبيِّن عن الله تعالى مراده من عباده. وكان ابنُ عبّاس يَكْرَهُ القُبْلَةَ للشَّيْخ والشابِّ، وذهب فيها مذهب ابن عمر، وهو شأنّه في الاجتهاد والاحتياط، وقد بيّنّا في هذا "الكتاب" أنَّ مالكًا ﵀ من سَعَةِ عِلْمِهِ وتَبَجُّحِهِ في الفقه إذا ذكر في "كتابه" هذا حديثًا مُجْمَلًا أَعْقَبَهُ بحديثٍ مُفَسِّرٍ له، من أجل ذلك ساقَ بعد هذا الباب بابًا قال فيه: باب التَّشديد في القُبْلَةِ للصَّائم مالك (٤)؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ كَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ

стр. 1768

كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ تَقُولُ: وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لإِرْبِهِ مِنْ رَسُول اللهِ ﷺ . الإسناد: هذا حديث مُرْسَلٌ، وقد يسْنَدُ عن عائشة صحيحًا (١). الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (٢): قد رُوِيَ أنَ "الْقُبْلَةَ لِلصَّائِمِ لَا تَدْعُو إلَى خَيْرٍ" (٣)، يريد أنّها من دَوَاعِي الجِمَاعِ، وهو ممّا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، فليس في قصدها والفعل لها (٤) لمن لا يملك نَفْسَه إِلَّا التَّغرير بِصَوْمِهِ، وأمَّا من ملك نفسه فلا حَرَجَ عليه. وقد قال ابنُ عبَّاس: إنّ عروق الخِصْيَتَيْنِ مُعَلَّقَةٌ بالأَنْفِ، فإذا وجد الرِّيح تحرَّكَ، وإذا تحرّك دَعَا إلى ما هُوَ أكثر من ذلك، والشّيخُ أَمْلَكُ لإِرْبِهِ (٥). المسألة الثّانية (٦): قوله (٧): "فَضَحِكَتْ" يحتمل معانٍ كثيرة: ١ - الأوّل: أنّ تكون عائشة تضحك عند ذلك لما كانت تخبر به من مثل هذا، ولعلّها هي المخبر عنها، والنِّساء لا يحدِّثن الرِّجال عن أنفسهنّ بمثل هذا، فكانت تبتسم لإخبارها به لحاجة النّاس إلى معرفة هذا الحكم. ٢ - وقال الدّاوُدِيُّ: يحتمل أنّ تضحك تَعَجُّبًا ممّن يخالفها في ذلك. ٣ - ويحتمل أنّ تذكر (٨) حبّ النّبيّ ﷺ إيّاها، فتضحكُ سرورًا لذلك، وما قدّمناهُ أَوْلَى.

стр. 1769

٤ - قال الإمام أبو بكر: يحتمل أنّ تضحك لأنّ العادةَ الجارية بين النّاس ألَّا يخبر أحد بما يجري من هذه المعاني، إِلَّا أنّ (١) الشَّرْعَ أَوْجَبَ أنّ يذكر هذا، واللهُ أعلمُ. باب ما جاءَ في الصِّيام في السَّفر الأحاديث في هذا الباب كثيرة المساقِ، لبابُها حديثان: الأوّل: قوله (٢): "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ في رَمَضَانَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ". وَفي طريقٍ آخَرَ من هذا الحديث (٣)، قال ابنُ شِهَاب: "وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالأَحْدَثِ فَالأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ " ويَرَوْنَه النّاسخ. قال الإمام الحافظ: ويحتملُ قول ابن شهاب على أنّ النَّسْخَ في غير هذا الموضع، وإنّما أراد الآخِر من أفعاله ﷺ ينسخُ الأوائِلَ إذا كان مِمَّا لا يمكن فيه البناء، إذ ليس لنا أنّ نقول بقول القائل بأنّ هذا من قول ابن شهاب، ميل إلى القَوْلِ بأنّ الصَّومَ لا ينعقد في السَّفَر، فيكون كمذهب بعض أهل الظّاهر (٤)، وهذا غير معروف عنه. الحديث الثّاني (٥): قوله: "فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ" وكلُّ الفقهاء على أنَّ من أصبحَ صائمًا في السَّفَرِ أنّه لا يفطر في يومه، وذهب بعضهم إلى أنّ ذلك له. وإن كان فرعًا بين أصلّين: أحدهما: أنّ من أصبح صائمًا ثُمَّ عرضَ له مرضٌ، فإنّه مباحٌ له الفِطْر.

стр. 1770

والثّاني: أنّ منِ افتتحَ صلاةً (١) في سفينةٍ حَضَرِيَّة (٢)، ثمّ انبعثت به السَّفينة في أثناء الصّلاة فتوجهت إلى السَّفَر؛ أنّه يتمّ صلاةً حضريَّةً. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٣): اختلف النّاس في الصّوم في السَّفَرِ على ثلاثة أقوال: الأوّل - قال الشّافعيُّ (٤): الفِطْرُ أفضل في السَّفَر. الثّاني - قال مالك: الصَّومُ أفضل إِلَّا عند لقاء العدوِّ، ولا خلاف فيه بينهم. الثّالث: يُحْكَى عن قومٍ من الظّاهريّة الّذين (٥) لا تقوم بهم حُجَّة، أنّهم قالوا: الصَّوْمُ في السَّفَر لا يجوزُ (٦)، وأنّ من صام لا يجزئه، وهم أقلّ خلفًا، وقولهم أعظم خَرْقَا في الدِّين وفَتْقًا، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية (٧)، وهذا نصٌّ. فإن قيل: فقد قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٨) فأوجب العدَّةَ على المُسَافِرِ مُطْلَقًا من غير اعتبار فِطْر أو صومٍ، وقال ﷺ في قوم صاموا في السَّفَر: "أُوْلَئِكَ الْعُصَاةُ" (٩) وقال أيضًا: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ" (١٠) أو: "في صِيَامِ (١١) رَمَضَانَ". فالجواب- أنّا نقول: قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ جملة هي أحد قسمين (١٢):

стр. 1771

القسمُ الأوّل: وهو قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فقسمَ اللهُ تعالى في الآية الأولى المخاطَبِينَ بالصِّيَامِ قسمين: أحدهما: مريضٌ ومسافرٌ. والثّاني: قادِرٌ على الصَّوْمِ. وإنّما تقابل هذان القسمان؛ لأنّ القسم الأوَّل معناه: مَنْ كانَ له عُذْرٌ يمنعه من الصِّيام، ففسَّرَ العُذْرَ بالمَرَضِ والسَّفَرِ، ثمّ قابَلَهُ بالقسم الثّاني وهي الطاقة على الصَّومِ، فجعلَ على الّذي لا يَقْدِر على الصِّيام عِدّة مِن أَيَّامٍ أُخَرٍ، وجعل على القادر له فِدْيَة إنّ لم يُرِدِ الصِّيامَ. وقال ابنُ أبي ليلى عن (١) أصحاب محمّد: إنّ هذه الآية لما نزلت شقّ عليهم فؤُمِرُوا بالفِدْيَة، ثمّ نسخَ ذلك بالآية الّتي بعدها، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٢) معناه: فأفطر، فعليه عدَّة من أيّام أُخَر، وبهذا ينتظم التَّقسيم ويستتبُّ الكلام، ويرتبط أوّل الكلام مع آخره في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ الآية (٣)، يعني: أنّ تنتقلوا عن الأداءِ إذ تَعَذَّرَ إلى القَضَاءِ الّذي تَيَسَّر، ثمّ قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (٤) ولو صام مرَّتَيْنِ لزاد عليها. المسألة الثّانية (٥): أمّا قوله: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" و"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ" فيعارِضُه حديث أنس: "سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" (٦). ورَوَى حَمْزَة بن عمرٍو الأَسْلَمِيّ، أنّ رسول الله ﷺ قال له في الصَّوم في السَّفَر: "إنّ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفطِرْ" (٧).

стр. 1772

فإن قيل: فإنْ تعارضتِ الأحاديث فما الحُكْمُ فيها؟ قلنا: لو علمنا (١) التّواريخ لحَكَمْنَا بالآخِرِ منها على الأوَّلِ، فإذا جُهِلَتِ التّواريخُ، فاختلفَ النّاس فيه على ثلاثة أقوال: الأوّل - منهم من قال: يؤخذُ بالأشدِّ منها؛ لأنّه الأحوط والَّذي يُحْتَاطُ له ولهم (٢). الثّاني - منهم من قال: يؤخذ بالأَخَفّ؛ لأنّ الله تعالى قد رفعَ الحرجَ وبعثَ النّبيَّ ﷺ بالحَنِيفيَّةِ السَّمْحَة. الثّالث - منهم من قال: تسقط ويطلب دليلٌ آخر، فإن أَمْكَنَ التَّرجيح فيجب العمل به. وهاهنا تترجح أحاديث الجواز على أحاديث المنع؛ لأنّ هذا الّذي قال النّبيُّ ﷺ : "أُولئِكَ الْعُصَاةُ" و"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ" إنّما كان في سَفْرَةٍ واحدةٍ، وهذا الّذي لأنس (٣) بن مالك الأنصاري، ولحمزة بن عمرو الأَسْلَميّ ولأنس ابن مالكٌ الكَعْبِيّ وقد قيل له: "إدْنُ فَكُلْ"، قال: إنِّي صائم، قال له رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ" (٤) كان في أوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وأيضًا: فإنّ النّبي ﷺ إنّما قال: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ" حين رأى رَجُلًا قد ظُلِّلَ عليه من شِدَّة الحَرِّ، فسأل عنه، فقيل: إنّه صائمٌ، فقال: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ"، وقد رُوِي عنه أنّه قال: "لَيْسَ مِنْ أم بِرٍّ أم صوم فِي أم سَفَرٍ" (٥) وهي لُغَةٌ للمَقُولِ له قالها النّبيُّ ﷺ قَصْدَ الإفْهَامِ. وقولُ النّبيِّ ﷺ : "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" قالها في قومٍ صاموا بعدَ فِطْرِ النّبيِّ ﷺ وَأَمْرِهِ بِالْفِطْرِ. وقال: "تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ" وكذلك قال علماؤنا (٦): إنّ الفطر في الجهاد أفضل لما

стр. 1773

فيه من القوّة على الحرب، فكان الحرب سببًا لفطرهم؛ لا أنَّ السّفَر لا يصحّ فيه الصّوم، ولو كانت العلّة السَّفَر (١) لَمَا علّل بالتَّقَوِّي للعَدُوِّ، ومما يُبيِّنُ ذلك: أنّ النّبيَّ ﷺ صام ولم يمتنع (٢) من الصَّوم لما علم من نَفْسِهِ القُوّة والجَلَد، وقد بلغ به العَطَش أَنْ صبَّ على رأسه الماء ليتقوَّى بذلك على صَوْمِهِ، وليخفِّف على نفسه بعض ألَمِ الحَرِّ، وهذا أصلٌ في استعمال ما يتقوَّى به الصَّائم على صومه ممّا لا يَقَعُ به فِطْر (٣) من التَّبَرُّدِ بالماء والمَضْمَضَةِ، وَيُكرَهُ لَهُ الانغماس في الماء لِئَلّا يبتلعه مع (٤) ضيق نفسه، فيفسد صومه، فإنْ فَعَلَ فَسَلِمَ فلا شيء عليه (٥). قال الإمامُ: والحجّةُ القاطعةُ والقاضي على ذلك كلِّه الآية المُحْكَمَةُ بإجماعٍ، وهي قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦) فإن فيه تمام الأَجْرِ وحفظ الزّمان المعين والمبادرة بالعِبَادَةِ، ولأن الذِّمَّة تبرأ به، والدّليل على ذلك فعل النّبيّ ﷺ أنّه أفطر لِعُذْرٍ. وقال بعضُ النّاس: إنّما أفطر من أجل النّاس. وقولُ آخرون: بل أفطر للمَشَقَّة ممّا لَحِقَهُ من العَطَشِ والحَرِّ، والجمعُ بين الحديثين أنّه أَفْطَرَ من كِلَيْهِما. وقولُ النّبيِّ ﷺ : "تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ" يدلُّ أنَّه أوحي إليه بالفَتْحِ، لكن لم يدر إنّ كان عُنْوَةً أو صُلحًا. وأدخلَ مالك الحديثَ على أنّ الصِّيام في السَّفَر أفضل، وهي مسألة خلافٍ اختلف العلّماء فيها على ثلاثة أقوال: القول الأوّل - قيل: إنّ الفِطْر والصّوم في السَّفَر سواء. الثّاني - قيل: إنّ الصّوم أفضل، وهو مذهب مالكٌ، لِمَا رُوِيَ في ذلك من صَوْمِهِ هو وعبد الله بن رواحة، ولغير ذلك من الأحاديث، ولقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٧) فَعَمَّ الجميع.

стр. 1774

الثّالث - قيل: الفِطْر أفضل، للحديث المتقدِّم، وهو قوله: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ" ولقوله في "مسلم" (١) وغيره: أنّ هذه: "رَحْمَةٌ مِنَ الله فَمَنْ شَاءَ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ" فقد جعلَ الفِطْر حسنًا، والصّوم لا جُناح عليه فيه، وهذه إشارة إلى تفضيل الفِطْر على الصَّوم. وأمّا من قال: هما سواء، فلِقَوْلهِ للَّذي سأله عن الصِّيام في السّفر: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ" (٢). واحتجَّ المخالِفُ على أنّ الصَّوم لا يجوز في السَّفَرِ بالحديث المتقدِّم، وهو: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصومُوا في السَّفَرِ". نكتةٌ أصوليّة: قلنا: هو عمومٌ خرجَ على سَبَبٍ؛ فإن قلنا: يقصر على سببه كما ذهب إلى ذلك بعضى الأصوليِّينَ، لم يكن فيه حُجَّة. وإن لم يقصر على سببه (٣)؟ قلنا: يحتمل أنّ يكون المراد به لمن كان على مِثْلِ حَالِ ذلك الرَّجُل، وبلغ (٤) به الصَّوم إلى مثل ذلك المبلغ، ويحمل على ذلك بالدَّليل الّذي قدَّمناهُ في فضيلة الصَّوم. ويحتمل أنّ يريد أنّ ليس للصّوم فضيلة على الفِطْر تكون بِرًّا، فإن قال واحتج بقوله: "أُولئِكَ هُمُ الْعُصَاةُ" فلا يكون حُجَّة لمن يقول: إنّ الصّوم لا ينعقد في السَّفَرِ؛ لأنّه يحتمل أنّ يريد به أنّه قد شَقَّ عليهم الصّوم، حتّى (٥) صاروا مَنْهِيِّينَ عنه، واللهُ أعلمُ.

стр. 1775

باب ما يَفْعَلُ من قَدِمَ من سَفَرٍ أو أرادَهُ في رمضان الفقه في عشر مسائل: المساْلة الأولى (١): قوله (٢): "فَعَلِمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ الْمَدِينَةَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِهِ" يحتمل أنّ يريد يه قبل طلوع الفَجْر، فيجب عليه الصّوم. ويحتملُ أنّ يريد به بعد طلوع الفَجْر، وهو الأظهر؛ لأنّه أوّل اليوم وما قبل ذلك فهو آخر اللَّيْلِ، فعلى هذا كان صَوْمُه مُسْتَحَبًّا. المسألة الثّانية (٣): قوله (٤): "إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَطَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، فَإِنَّهُ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ". قال الإمام: لا يخلو أنّ يفطر قبل خروجه أو بعدَهُ، فإنْ أفطرَ نهارًا قبل خروجه، فالّذي ذهب إليه مالك أنّه يكفِّر سواء خرج لسَفَرِهِ أو لم يخرج، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ. وقال ابن القاسم في "العُتْبِيَّة" (٥): لا كفّارةَ عليه؛ لأنّه مُتَأَوِّلٌ. وقال أشهب: لا كفَّارةَ عليه خرجَ أو أقامَ، وبه قال سحنون. ورَوَى ابنُ حبيب عن ابن الماجِشُون وابن القاسم؛ إنْ أفطرَ قبلَ أنّ يأخذَ في أُهْبَةِ السَّفَر فعليه الكفّارة، وإنْ أفطرَ بعد الأَخْذِ فيه فلا كفَّارةَ عليه. وقال ابنُ القاسم في "الواضحة" (٦) إنّ خرج فلا كفّارة عليه، وإن أقام فعليه الكفَّارَة.

стр. 1776

والدّليلُ على صِحَّةِ القول الأوّل: أنّ فطرَهُ وُجِدَ قبل سبب الإباحة فوجبت عليه الكفّارة، كما لو أفطر قبل ذلك بِيَوْمٍ. المسألة الثّالثة (١): فإنْ خرجَ بعد الفَجْرِ بعد أَنْ نَوَى الصّوم، فالمشهورُ من مذهبِ مالكٌ أنّه لا يجوز له الفِطْر (٢). والدّليل على ما نقوله: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) وهذا أَمْرٌ مقتضاه الوُجوب. المسألة الرّابعة (٤): فإنْ أفطر، فهل عليه الكفّارة أم لا؟ ذهب مالكٌ إلى أنَّه لا كفَّارةَ عليه (٥)، وبه قال أبو حنيفة (٦). وقال المُغِيرَة، وابن كنانة: عليه الكفّارة (٧)، وبه قال الشّافعيّ. المسألة الخامسة: من قدم من سفره فوجد امرأته النّصرانية طاهرة، هل له وَطْؤُها إذا كان مُفْطِرًا؟ ففي ذلك قولان: يطأ، ولا يطأ. ووجه من قال يطأ: أنّها مُفْطِرَةٌ مثله، فجاز له وَطْؤُها. ووجه من قال أنّه لا يطؤها: بناء على أنَّها مُخَاطَبَةٌ بفروع الشّريعة، فكأنّها صائمةٌ، وهذا ضعيفٌ جدًّا.

стр. 1777

المسألة السّادسة: فإن قدِمَ من سَفَرهِ فوجدَ امرأته المسلمة قد طهرت؟ قال علماؤنا (١): له أنّ يطأها بقيَّة يَوْمِهِ؛ لأنّ من أفطر في رمضان لإباحةِ السَّفَر فإنّ له أنّ يفطر بقيَّةَ يَوْمِهِ، وإن دخلَ الحَضَرَ والمرأة مفطرة (٢) لأجل حيضتها، فإنّ لها أنّ تفطر بقيَّة يومها وإن طهرت من حيضتها، فإذا جاز لها الفِطْر جازَ لها الجِمَاع. وأصل ذلك: أنّ من أفطر لِعِلَّةٍ تُبِيحُ له الفِطْرَ مع العِلْمِ بأن ذلك اليوم من رمضان، فإنّه يستديمُ الفِطْر بقيَّةَ يومه وإن زالت العِلَّة، مثل الحائض والمريض يفيق (٣) والمسافر يقدم، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: متى زالتِ العِلَّةُ وجبَ الإمساك بقيَّةَ اليوم. المسألة السابعة (٤): وهذا إذا كانت زوجته مسلمة، فإن كانت كتابيّة، فقد قال ابن أبي زيد في "نوادره" (٥): قال بعض أصحابنا: ليس له وَطْؤُها؛ لأنّها متعدِّيةٌ لتَرْكِها الإسلام والصّوم، وهذا مبنيٌّ على أنّ الكُفّارَ مخاطَبُونَ بفروع الشّريعةِ من الصّلاةِ والصَّوْمِ وغير ذلك، وذكره عبد الحقّ (٦) عن بعض شيوخه وعن ابن شعبان، وقد اختلفَ علماؤُنا في ذلك، والّذي عندي وعليه جمهور أصحابنا ما تقدَّم ذِكْرُهُ، وبه قال الشّافعيّ. المسألة الثّامنة (٧): قال ابن الماجشون في النّصرانيُّ يُسْلِمُ بعد الفَجْرِ: إنّه يستحبّ له أنّ يكفَّ عن الأَكْلِ.

стр. 1778

وقال أشهبُ: له أَنْ يفعل ما يفعله المُفْطِر من الأكل والجِمَاع، وبه قال محمّد من أصحابنا، وهذا مبنيٌّ على أنّهم مخاطَبُونَ بالفُرُوع. المسألةُ التّاسعةُ (١): قال (٢): ومن أفطرَ في رمضان لعطشٍ شديدٍ، فقد رَوَى ابن سحنون عن أبيه؛ أنّه يَتَمَادَى على فطرهِ بقيَّة يَوْمِهِ بالأكل والشُّرْبِ والجِمَاع. وقال ابنُ حبيب: لا يفطر بعد أنّ يزول عطشه بالشُّرْبِ، وهو الصَّوَابُ. توجيه: وهي: المسألة العاشرة (٣): وجه قول سحنون: أنّ هذا جازَ له الفِطْر مع العلّم بأن اليوم من رمضان، فجازَ له أنّ يستديم ذلك كالمريضِ. ووجه قول ابن حبيب: أنّه إنّما جاز له الفِطْر لضرورة العَطَشِ، فإذا زالَ رجعَ إلى أَصْلِ التَّحريمِ، على قوله في المُضْطَرِّ إلى (٤) أكل الميِّتة، على ما يأتي بَيَانُه إنّ شاء الله. باب كفَّارة من أَفْطَرَ في رمضان مالكٌ (٥)، عن ابن شهاب، عن حُمَيد بن عبد الرّحمن بن عوف، عن أبي هريرة؛ أنّ رَجُلًا أفطرَ في رمضانَ، فأمَرَهُ رسولُ الله ﷺ أَنْ يُكفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أو صيامِ شهرينِ متتابعينِ، أو إِطْعَامِ سِتِّينَ مسكينًا ... الحديث.

стр. 1779

الإسناد (١): قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ مُتَّفقٌ عليه خَرَّجَهُ الأيِمّة مسلم (٢) والبخاري (٣)، إِلَّا أَنَّ في طُرُقِهِ اختلافًا على ألفاظٍ مختلفةٍ، فقال أصحاب "الموطّأ" وأكثر الرُّواة عن مالكٌ؛ أنّ رَجُلًا أَفْطَرَ في رَمَضَانَ، وخالفهم جماعة فقالوا: إنَّ رَجُلًا أفطر بِجِمَاعٍ، وهو الصَّحِيحُ، وهو الّذي رواهُ ابن عُيَيْنَة ومَعْمَر وأكثرُ رواة ابن شهاب عن ابن شهاب، عن حُمَيد عن أبيْ هريرة؛ أنّ رَجُلًا وَقَعَ على امْرَأَتِهِ في رمضان، فذَكَرُوا المعنى الّذي أَفْطَرَ به عامِدًا. وثبت أنَّ رَجُلًا جاء إلى النّبِيِّ ﷺ يضرب فَخِذَه وينتف شَعْرَه وهو يقول: هلكت احترقت (٤)، وفي رواية: هَلَكَ الأبْعَدُ (٥). الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (٦): اتفق الرُّواةُ عن مالك أنَّ التَّخْيِيرَ بين العِتْقِ والصَّوم والإطعام بلفظ، ورواه يونس بن عقيل والأوزاعي على أنّ الكفّارةَ بالعِتْقِ، فإن لم يجد فصيامٌ، فإن لم يجد فإطعامٌ. المسألة الثّانية (٧): قولى: "إنّ رَجُلًا أَفْطَرَ في رَمَضَانَ" الفطرُ يكون بأحد ثلاثة أشياء: بداخل: وهو الأكل والشرب. والإيلاج، وهو مغيب الحَشَفَةِ في الفَرْجِ. أو بخارج: وهو المَني والحَيْض. فإذا وُجِدَ شيءٌ من ذلك في أيّام رمضان فسد الصَّوم، سواء كان لِعُذْرٍ أو لغير عُذْرٍ.

стр. 1780

فأمّا المعذور فيأتي بيانه إنّ شاء الله. وأمّا غير المعذور، فإنّ الكفّارةَ تلزمه بذلك كلِّه عند مالك، على أيِّ وجهٍ كان فطره من العَمْدِ أو الهَتْكِ لِحُرْمَةِ الصّوم. وقال أبو حنيفة بمثل قولنا في ذلك كلّه (١)، إِلَّا بخروج المَنِيِّ من غير إيلاجٍ. والدليل على ما نقوله: أنّ هذا قَصَدَ إلى الفِطْرِ وهَتَكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ، فوجبت عليه الكفّارة كالمُجَامِعِ. المسألة الثّالثة (٢): قوله (٣): "هلكتُ يا رسولَ الله" وقد استدلَّ بعض علمائنا بقوله: "هلكت" أنّ هذا الرَّجل كان متعمِّدًا. وقوله: "هلكلتُ" لا يكون إِلَّا مع القَصْدِ إلى هَتْكِ حُرْمَةِ العِبَادَةِ، فإنّ النَّاسِي غير هالك ولا محترق (٤). وقال ابنُ المَاجِشُون: يُكَفِّر النَّاسي في الجِمَاعِ في رمضان خاصَّة دون الأكل، لأنّا لم نعلم حال هذا الوَاطِىء في الحديث، ولعلَّه كان ناسيًا ولم يشعر (٥). واتّفقَ النّاس على أنّ من وَطِىءَ أهله في رمضان مُتَعَمِّدًا أنّه قد أَتَى كبيرة وعليه الكَفَّارة. واختلفوا فِيمَنْ وَطِىءَ ساهيًا، فذهبَ عامَّةُ النّاس إلى أنّه لا كفَّارَة عليه؛ لأنّ الذَّنْبَ موضوعٌ عنه، ونزعَ لذلك بعض علمائنا، وتعلَّقَ بوَجْهَيْنِ: أحدهما: أنّ الأعرابيَّ الّذي واقعَ أَهْلَهُ يحتملُ أنّ يكون أَتَى ذلك سَهْوًا، ويحتملُ أنّ يكون أتَى ذلك عَمدًا. والثّاني: أنّه إذا وجبتِ الكفَّارةُ في العمد، فمثله في السَّهْوِ، ككفَّارة القَتْلِ، وهذا فاسد.

стр. 1781

أمّا الأعرابيّ فكان مُتَعَمِّدَا غلبته شَهْوَتُه وزلَّتْ به قَدَمُه كما بَيَّنَّا قبلُ، فجاء يَضْرِبُ نَحره ويَنْتِفُ شَعْرَهُ، ويقول: "هَلَكْتُ احْتَرَقْتُ" ومحالٌ أنّ يكون هذا مجيء النّاسِي، بل هو مجيء المتعمِّد المجترىء. فإن قيل: لِمَ تَرَكَهُ النّبيّ ﷺ دون أَدَبٍ أو تَثْرِيبٍ؟ قلنا: لأنّه جاءَ مُسْتَفْتِيًا، والشريعةُ قد قَضَتْ بالمصلحة في ذلك كلِّه، وهي رفع العقوبة والتّثريب على المستفتي؛ لأنّه لو فعل ذلك مع واحدٍ ما جاءَ غيره بعدَهُ ولانْسَدَّ باب الاستفتاء، وبقي الخَلْق في ظُلْمَةِ الجَهَالَةِ والمعصية. وأمّا احتجاجُهُ بكفَّارَةِ القَتْلِ، فهي وهلةٌ عظيمةٌ؛ لأنّ كفَّارَةَ القَتْلِ وردت في الخطأ، فقلنا: العمدُ أَوْلَى، وخالفنا في ذلك جماعة من العلّماء. أمّا هاهنا فَوَرَدَتِ الكفارةُ في العَمدِ، فكيف يجوز أنّ يقلب القوس رِكْوَة (١) فيحمل عليه الخَطَأ، هذا من أفسد وجوه النَّظَرِ. المسألة الرّابعة (٢): اختلفَ النّاسُ في هذه الكفَّارة، هل هي مُرَتَّبَةٌ كسائر الكفَّارات، أم هي على التَّخْيِير؟ قال علماؤنا: هي على التَّخْيِير، لقوله في حديث أبي هريرة: "أو" وهو نَصٌّ. فإن قيل: قد قال له النّبيُّ ﷺ : "هل تستطيع؟ " وناقله بالعَجْزِ مِنْ خَصْلَةٍ إلى أُخْرَى. قلنا: يحتمل أنّ يكون ناقله قَصْدَ التَّرتيبِ، ويحتمل أنّ يكون ناقَلَهُ ليَعْلَمَ ما عندَهُ من هذه الخِصَالِ فيأخذ بالأَوْلَى (٣) منها، والأَوْلَى (٣) عند مالك منها الإطعام؛ لأنّه أنفع لأهل الحِجَازِ لجوعهم، وأكثر ثَمَنًا لِقِلَّةِ القُوتِ عندهم. وقال ابن حبيب: هي على التَّرْتِيبِ، وهو الحقُّ؛ لأنّ "أو" (٤) في حديث أبي هريرة يَحْتَمِل التّخيير ويَحْتَمِل التَّفْصِيل، فلا يردّ الظّاهر بمحتمل.

стр. 1782

المسألة الخامسة: قوله: "فَأَتَى بِعَرَقِ تَمْرٍ" واختلف النّاسُ فيه، وقد فَسَّرَهُ ابن عُيَيْنَةَ، فقال: هو الزِّنْبِيل لغته العَرَق بفتح الراء، هو إذًا يقال له: المِكْتَل (١). وقيل: يقال له الزِّنبيل، وهو يحمل خمسة عشر صاعًا إلى عشرين صاعًا. والعَرْقُ -بإسكان الراء-: العظم الّذي عليه قطعة اللّحم، والعِرْق- بإسكان الراء وكسر العين-: أحد عروق الجَسَد. وقال مالك: يطعم لكل مسكين مُدًّا ويترك ما فوق الخمسة عشر صاعًا؛ لأنّه مشكوكٌ فيه، والإطعام عند مالك أفضل وأعمّ نَفْعًا؛ لأنّه يحتاجه جماعة لاسيَّمَا في أوقات الشَّدَائِدِ. وأمّا العِتْق، فإنّ فيه إسقاط مَشَقَّةٍ وتكلّف نَفَقَة، والمتأخِّرونَ من أصحابنا يُرَاعون في ذلك الأوقات والبلاد، فإن كانت أوقات شِدَّةٍ فالإطعام أفضل، وإن كان وقت خَصْبٍ فالعِتْق أفضل. والذي احتجَّ به ابن الماجِشُون في تفضيل الإطعام؛ أنّه الأمر المعمول به في الحديث، وقد أَفْتَى الفقيه أبو إبراهيم (٢) مَنِ استفتاهُ في ذلك من أهل الغِنَى الواسع بالصِّيامِ، لما علم من حاله أنّه يشقّ عليه أكثر من العِتْق والإطْعَام، وأنّه أوْزَع له من انهتاك حرمة الصّوم (٣)، والله أعلم. المسألة السّادسة (٤): إذا ثبت ذلك، فالّذي يجب من العِتْقِ عتق رقبة مؤمنة، وأمّا الصّيام فصيام شهرين متتابعين، وعلى هذا جمهور العلّماء. وقال ابن أبي ليلى (٥): ليس التَّتَابُعُ بلازمٍ في ذلك. والدّليلُ على ما نقوله: الخبر المتقدِّم، وفيه صوم شهرين متتابعين.

стр. 1783

ومن جهة القياس: أنّها كفَّارةٌ تَرَتَّبَتْ بالشَّرْع، فكان من شرطها التَّتَابُع، أصل ذلك كفّارة الظِّهَار (١). تنبيه على وَهَمٍ (٢): ولَمَّا قال النّبيُّ ﷺ (٣) للأعرابيِّ "كُلْهُ" ظَنَّت طائفةٌ أنّ الكفَّارة ساقطةٌ عنه، وقالوا: إنّ ذلك مخصوصٌ به، ولم ينتبهوا لفقهٍ عظيمٍ، وهو أنّ هذا الرَّجُل إنّ ازْدَحَمَت عليه جهة الحاجة وجهة الكفَّارة، فقدَّم الأهمَّ وهو الاقتيات، وبَقِيَتِ الكفَّارةُ في ذِمَّتِهِ إلى حين القُدْرَة حسب ما أَوْجَبَها عليه رسول الله ﷺ . قال (٤) علماؤنا: ولم يذكر القضاء لِعِلْمِهِ، وقد وردَ أنَّ النّبيَّ ﷺ قال له: "صُمْ يَوْمًا مَكانَهُ، واسْتَغْفِرِ اللهَ" خَرَّجَهُ الدّارَقُطنيّ (٥). واختلف النّاس فيما يصوم؟ فمنهم من قال: يصومُ اثنى عشر يومًا؛ لأنّ الله رَضِيَ (٦) من اثني عشر شهرًا بِشَهْرٍ (٧)، ويُعْزَى هذا القول إلى رَبِيعَة. ومنهم من قال: يصوم ثلاثين يومًا، لقول النّبيِّ ﷺ لعبد الله بن عمرو ابن العاصي: "صُمْ يَوْمًا من الشَّهْرِ، ولك أجر ما بَقِيَ" (٨) وقد خرّج الدارقطني (٩) فيه: أنّ يَصُومَ ثلاثين يومًا. المسألة السّابعة (١٠): وأمّا المرأة، فإن كانت طَاوَعَتْهُ فعليها الكفارة على حسب ما يجب على الرَّجُل؛ لأنّه قد وَجَدَ منها مثل ما وجدت منه، فلزمها ما لزمه كالحَدِّ. وإن أَكْرَهَهَا،

стр. 1784

فالّذي عليه الجمهور من الفقهاء من أصحاب مالكٌ؛ أنّ عليه الكفَّارة عنهما. وقال ابن سحنون: لا كَفَّارَةَ عليها ولا عليه عنها، ورواه ابنُ نافع عن مالك في "المدنية". فإذا قلنا: يكفر عنها، فقد قال المُغِيرَة: يُكَفِّر عنها بعِتْقٍ أو إِطْعَامٍ، والولاء لها. والّذي عندي؛ أنَّه يُكَفَّر عنها بما أَمْكَنَ؛ لأنَّ دِينَ اللهِ يُسْرٌ. باب ما جاء في حِجَامَةِ الصَّائِمِ الأحاديث في هذا الباب ثلاثة: أمّا حديث ابن عمر (١)، فصحيح. وأمّا حديث سعد بن أبي وقّاص (٢)، فإنّه حديثٌ مُنْقَطِعُ السَّنَدِ (٣). وأمّا الحديث الثّالث؛ قوله: فهو (٤) "أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ" (٥) فإنّه حديث ضعيف، انْفَرَدَ به داود بن الزبرقان، وهو متروك الحديث، عن محمّد بن جُحَادَة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، عن النّبيِّ ﷺ . وقال يحيى بن مَعِين: لا يصحُّ في هذا الباب حديثٌ عن النّبيِّ ﷺ . الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٦): اختلف النّاسُ في حِجَامَةِ الصَّائمِ، فذهب جماعة إلى أنّه يُقْضَى بِفِطْرِ الحَاجِمِ والمحجوم، منهم أحمد بن حنبل (٧)، للحديث المَرْوِيَّ: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ" وهذا ضعيفٌ أَيْضًا.

стр. 1785

وذهب مالك وأبو حنيفة (١) والشّافعي وجمهور الفقهاء إلى جواز ذلك، وأنّه لا يفسد الصَّوْم. وقال ابن حنبل: يبطلُ صومه، وعليه القضاء دون الكفَّارة. ودليلنا: حديث ابن عبّاس؛ أنّ النّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهو صائِمٌ (٢)، وهذا نَصٌّ من وجهين: من جهة القياس، ومن جهة النَّظَر. أمّا القياس، فلأنّ هذه جراحة في البَدَنِ فلم يقع بها الفِطْر كالفَصَادِ، وقد قال الدّاوُديّ: إنَّ تركَ الحِجَامَة للصّائم أَحْوَط، لما رُوِيَ في المنع من ذلك من أَدِلَّةِ المُخَالِف، وهو منه مَيْلٌ إلى قول أحمد بن حنبل، والصّحيحُ ما عليه الجمهور. وقوله (٣): "ثمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ" يريد أنّه لما كبرَ وضعفَ كان يخات على نفسه أن يضطّر إلى الفِطْر، ولهذا يُكْرَهُ لمن خافَ الضَّعْفَ على نفسه ألَّا يحتجمَ حتّى يفطر؛ لأنّ الحِجَامَة رُبَّمَا أَدَّتْهُ إلى فساد الصَّومِ. المسألة الثّانية (٤): قوله (٥): "ومَا رَأَيتُهُ احْتَجَمَ قَطُّ إِلاّ وَهُوَ صَائِمٌ" قال الإمام (٦): يحتمل قوله ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه كان يسرد الصِّيام. والثّاني: أنّه كان لا يسرد ولكنّه قصد إلى ذلك ليُبَيِّن جوازه. الثّالث: يريد بقوله: "وَهُوَ صَائِمٌ" غير الصَّوم الشَّرعيّ، وإنّما أراد أنّه يقصد أنّ يحتجم قبل أنّ يأكل، لقُوَّتِهِ على هذا المعنى. المسألة الثّالثة (٧): فإِنِ احتجمَ فاحتاج إلى الفِطْرِ، فقد أَوْقَعَ نَفْسَهُ في المَحْظورِ (٨) ولا كفَّارةَ عليه،

стр. 1786

ويكون عليه القضاء؛ لأنّه لم يفطر متعمِّدًا، وإنّما فعل متعمِّدًا ما جرّه إلى الفِطْرِ ضرورة، فإنْ سَلِمَ من الفِطْرِ فلا شيءَ عليه؛ لأنّه غرر بأمرٍ فسلم منه، وإنّما كره من كره ذلك من العلّماء مَخَافَةَ التّغرير، وأمّا من عرف من نفسه القُدرة، فإنَّ الحِجَامَةَ مباحةٌ له، ولذلك كان سعد وعُرْوَة يحتجِمَانِ وهما صائمان. وكان عبد الله يحتجم في أوَّلِ عمره صائِمًا، فلمّا كبر تَرَكَهُ لِئَلَّا يُغَرِّرَ بصومه، هذا المشهور من المذهب. وفي "المدنية" من رواية ابن نافع عن مالكٌ؛ أنَّه قال: لا يحتجم قويّ ولا ضعيفٌ في صَوْمِهِ حتَّى يفطر، فربّما ضعف بعد القُوَّةِ. ورُوِيَ عن ابن القاسم مثله (١). المسألة الرّابعة (٢): حديثُ هشامٍ (٣)، عن أبيه؛ "أنّه كان يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ" يحتمل معنيان: أحدهما: أنّ يكون عُرْوَة كان يَصُوم. والثّاني: يحتملُ أنّه كان يحكي (٤) أكثر أفعاله. وقد تقدّم أنّه رُوِيَ "أَفْطَرَ الحَاجمُ والمَحْجُومُ" وقد اختلفَ العلّماءُ في ثبوته وصِحَّتِهِ، فإن صحَّ فهو منسوخٌ بفعله ﷺ ؛ لأنّه احتجم وهو صائمٌ. باب صِيَام يوم عَاشُورَاء الإسناد: قال الإمام: الأحاديثُ في هذا الباب صِحَاحٌ مُتَّفَقٌ على صِحَّتِها ومَتْنِها، خرّجها الأيمّة. واختلفت الأحاديث في صوم النَّبيِّ ﷺ يوم عاشوراء في سبب ذلك، فَرَوَى يحيى (٥)؛ أنّ قريشا كانت تصومه في الجاهليّة. ورُوِيَ عن ابن عبّاس؛ أنَّه قال: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينة فرأى اليهود

стр. 1787

تصومه. فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا يوم صالح، أَنْجَى اللهُ فيه بني إسرائيل من عدوِّهم، فَصَامَهُ موسى. فقال: "أنَا أَحَقُّ بمُوسى مِنْكُمْ" فصامَهُ وأَمَرَ بصيامِهِ (١). العربية (٢): قوله: "عاشوراء" هو فاعولاء، من "ع ش ر". فإن قيل: وكيف. قال في الحديث الصّحيح: "أصبح يوم التّاسع صائمًا" (٣) وبناء فاعول من التّاسع تاسوع؟ قلنا: هو صحيحٌ؛ لأنّ العرب تقدِّم النّهار قبلَ اللّيل، وتجعل اللّيلة المستقبلة لليَوْمِ الماضي، فعلى هذا مخرج الحديث. الفقه والشّرح والفوائد المتعلِّقة به: وهي خمس مسائل: المسألة الأولى: أَجْمعَ المذهبُ على أنَّ عاشوراء كان فَرْضًا قبلَ رمضان، بدليل حديث عائشة: "كان يوم عاشوراء"، فلمّا فُرِضَ رمضان كان هو الفَرْض. وقال ﷺ (٤): "هذا يومُ عاشوراءَ، ولم يُكْتَبْ عليكم صيامه، وأنَا صائمٌ، فمن شاءَ فَلْيَصُمْ، ومن شاءَ فَلْيُفْطِرْ". وكان يرسل إلى قُرَى الأنصار في يوم عاشوراء أنَّ من أصبح صائِمًا فليتمّ صيامه، ومن أكلَ فليتمّ أكله. وقال: إنِّي لأحتسب على الله أنّ يكفِّر ذنوب سنة قبله. وقال بعض المُحَدِّثَة: إنّ هذا الحديث ناسخٌ لقوله: "فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ". واحتج أبو حنيفة بأنَّ الصَّومَ يجزئ بِنِيَّةٍ من النَّهارِ. بدليل قوله ﵇: "هذا يوم عاشوراء، فمَنْ كانَ صائمًا فَلْيُتمّ، ومن كان مُفْطِرًا فَلْيُمْسِك" وهذا الحديث لا حُجَّةَ له فيه؛ لأنّه منسوخٌ، والحُكْمُ إذا نُسِخَ لا يحتجّ بما يثبت فيه، وهذه مسألةٌ من أصول الفقه.

стр. 1788

المسألة الثّانية (١): قوله (٢): "صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" قال بعضُ الظَّاهريّة (٣): قوله: "أَمَرَ بَصِيَامِهِ" يقتضي الوجوب من وجهين: من جهة فِعْلِهِ، ومن جهة أَمْرِهِ. وقوله: "فَمَن شَاءَ أَفْطَره ومن شاءَ صَامَهُ" يريد أنَّه لاحقٌ بسائر الأيّام الّتي لم يمنع صومها ولا وجب، ولكنّه مستحَبٌّ، بدليل حديث معاوية (٤): "وأنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِر" وقال أشهب: صيامُ يوم عاشوراء مستحَبٌّ، لِمَا يُرْجَى من ثوابِ ذلك، وليس بواجِبٍ. المسألة الثّالثة (٥): قوله ﷺ : "نحن أحقّ بمُوسَى منكم" (٦) قال علماؤنا: لم يكن ذلك (٧) باتباع اليهود والاقتداء بهم، ولكنّه أَوْحَى إليه في ذلك بِفِعْلِ مقتضاه (٨)، ولكن فيه الاقتداء بموسى ﵇ وموسى ممَّن أُمِرَ رسولُ الله ﷺ أنّ يَقْتَدِي به، لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية (٩). وقال أبو الوليد الباجي (١٠): "يحتمل أنّ يكون النّبيُّ ﷺ كان يصومه في الجاهلية، فلما بُعِثَ تَرَكَ ذلك. فلما هاجر وعَلِمَ أنّه من شريعةِ مُوسَى ﵇ صَامَهُ وأَمَرَ بصيامه، فلما فُرِضَ رمضان نسخ وجوبه". المسألة الرّابعة: قلنا: عاشوراء هو اليومُ العاشر. وقال الشّافعي: التّاسع، بدليل قوله ﵇: "لئن عشتُ لأَصُومنَّ

стр. 1789

التّاسع" (١)، ولا حُجَّةَ له فيه؛ لأنّ قولَهُ: "التّاسع" معناه مع العاشر، وليس فيه دليل على ترك العاشر، ونُبيِّن ذلك بمثال، وذلك أنّ نقرأ "كتاب الموطّأ" فتقول: لئن عشتُ، إلى قابل لأقرأن "البخاريّ" وليس فيه دليل على ترك "الموطَّأ". ودليلنا: أنّ قوله: "عاشوراء" يتعلّق اللّفظ بكونه يوم العاشر، وهو مأخوذٌ من العشر، أي عاشر أيّام المحرّم. المسألة الخامسة (٢): في فضيلة يوم عاشوراء والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ، والصحيح منها قليلٌ، وهو ما وقعَ في المصنَّفَاتِ الصِّحَاحِ، وما تقدَّمَ ذِكْرُهُ. وقد روي عنه: "أنّ في يوم عاشوراء تابَ اللهُ على آدَمَ، وفيه اسْتَوَتْ السَّفينة على الجُودِي، وفيه أنْجَى اللهُ مُوسَى من فِرْعَوْن، وفيه وُلدَ عِيسَى". رواه ابن رُشَيْد (٣)، عن أبي سعيد الأنصاري (٤) في "كتاب الصّحابة". وقد قيل: إنّ من فضيلة هذا اليوم أنّ جميع الوحوش تَصُومُه. فإن قيل: وكيفَ تصومُه الوُحوش ونحن نراها تأكل؟ فالجواب - قلنا: ليس الصّومُ في الآدميِّينَ على صفةٍ واحدةٍ، فقد كان صوم من تَقَدَّمَ بأنَّ لا يتكلَّم، فلا يبعدُ أنّ يضع البارئ سبحانه للوحوش إِمْسَاكًا يكون لهم صومًا. قال الإمام أبو بكر بن العربي: ولقد ذكرت يومًا هذا الحديث، فَعَمَدَ بعض الجُهَّالِ إلى دابَّتِهِ وجعلَ لها بين يَدَيْها تِبْنًا، فلمّا أكلت، قال: أينَ ما ذَكَرَ النّبيُّ (٥) عن الوُحُوشِ؟ وجوابه مع التَّجْهيلِ ما تَقَدَّمَ. وأمّا النَّفَقَةُ فيه والتَّوسعة، فمخلوفَةٌ باتِّفَاقِ إذا أُرِيدَ بها وجه الله تعالى، وأنّه يخلف الله بالدِّرْهَمِ عشرًا.

стр. 1790

وقد رأيت لابن حبيب قطعة أبيات (١) نذكرها إنّ شاء الله: لا تَنْسَ لا يُنْسِكَ الرَّحمنُ عاشورا ... واذْكُرْهُ لا زلتَ في الأحياءِ (٢) مذكورَا قال الرَّسولُ صلاةُ اللهِ تَشْمَلُهُ ... قَوْلًا وَجَدْنَا عليه الحَقَّ والنّورا أوْسِعْ بمَالِكَ في العَاشُورِ إنَّ له ... فَضْلًا وَجَدْنَاهُ في الآثار مَأْثُورَا مَنْ بَاتَ في لَيْلَةِ العَاشُورِ ذَا سَعَةٍ ... تكن معيشَتُهُ في الحَوْلِ مَسْرُورَا فَارْغَبْ فَدَيْتُك فِيمَا فِيهِ رَغَّبَنَا ... خيرُ البَرِيَّةِ مقبورًا ومنشورَا (٣) وقد تكلّمنا على فَضْلِهِ ومَعَانِيهِ في "كتاب المواعظ" (٤)، وأشبعنا القول فيه في "الكتاب الكبير" فلتنظر هنالك، والحمدُ لله. باب صيام يوم الفِطْرِ والأضحى الأحاديث فيه كثيرةٌ: الحديث الأوّل (٥): ثبتَ عن النّبيِّ ﷺ أنّه نَهَى عن صيام يومين (٦): يَوْمِ الفِطْرِ، ويَوْمِ الأَضْحَى. وقال: "يَوْمُ فِطركُمْ مِنْ صِيَامِكمْ، والآخَرُ يَوْمٌ تأكلونَ فيه من نُسُكِكُمْ" (٧) وأرسل رسوله وصرَّحَ بقوله: ينادي على أيّام مِنًى: "إنَّها أيام أَكْلٍ وشُرْبٍ" (٨) وثبت في الصَّحيحِ عن ابن عمر؛ أنّه أَرْخَصَ في صيامها للمُتَمَتِّعِ الّذي لا يجد هَدْيًا (٩).
следующие страницы →