← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ويكون عليه القضاء؛ لأنّه لم يفطر متعمِّدًا، وإنّما فعل متعمِّدًا ما جرّه إلى الفِطْرِ ضرورة، فإنْ سَلِمَ من الفِطْرِ فلا شيءَ عليه؛ لأنّه غرر بأمرٍ فسلم منه، وإنّما كره من كره ذلك من العلّماء مَخَافَةَ التّغرير، وأمّا من عرف من نفسه القُدرة، فإنَّ الحِجَامَةَ مباحةٌ له، ولذلك كان سعد وعُرْوَة يحتجِمَانِ وهما صائمان. وكان عبد الله يحتجم في أوَّلِ عمره صائِمًا، فلمّا كبر تَرَكَهُ لِئَلَّا يُغَرِّرَ بصومه، هذا المشهور من المذهب. وفي "المدنية" من رواية ابن نافع عن مالكٌ؛ أنَّه قال: لا يحتجم قويّ ولا ضعيفٌ في صَوْمِهِ حتَّى يفطر، فربّما ضعف بعد القُوَّةِ. ورُوِيَ عن ابن القاسم مثله (١). المسألة الرّابعة (٢): حديثُ هشامٍ (٣)، عن أبيه؛ "أنّه كان يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ" يحتمل معنيان: أحدهما: أنّ يكون عُرْوَة كان يَصُوم. والثّاني: يحتملُ أنّه كان يحكي (٤) أكثر أفعاله. وقد تقدّم أنّه رُوِيَ "أَفْطَرَ الحَاجمُ والمَحْجُومُ" وقد اختلفَ العلّماءُ في ثبوته وصِحَّتِهِ، فإن صحَّ فهو منسوخٌ بفعله ﷺ ؛ لأنّه احتجم وهو صائمٌ. باب صِيَام يوم عَاشُورَاء الإسناد: قال الإمام: الأحاديثُ في هذا الباب صِحَاحٌ مُتَّفَقٌ على صِحَّتِها ومَتْنِها، خرّجها الأيمّة. واختلفت الأحاديث في صوم النَّبيِّ ﷺ يوم عاشوراء في سبب ذلك، فَرَوَى يحيى (٥)؛ أنّ قريشا كانت تصومه في الجاهليّة. ورُوِيَ عن ابن عبّاس؛ أنَّه قال: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينة فرأى اليهود

стр. 1787

تصومه. فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا يوم صالح، أَنْجَى اللهُ فيه بني إسرائيل من عدوِّهم، فَصَامَهُ موسى. فقال: "أنَا أَحَقُّ بمُوسى مِنْكُمْ" فصامَهُ وأَمَرَ بصيامِهِ (١). العربية (٢): قوله: "عاشوراء" هو فاعولاء، من "ع ش ر". فإن قيل: وكيف. قال في الحديث الصّحيح: "أصبح يوم التّاسع صائمًا" (٣) وبناء فاعول من التّاسع تاسوع؟ قلنا: هو صحيحٌ؛ لأنّ العرب تقدِّم النّهار قبلَ اللّيل، وتجعل اللّيلة المستقبلة لليَوْمِ الماضي، فعلى هذا مخرج الحديث. الفقه والشّرح والفوائد المتعلِّقة به: وهي خمس مسائل: المسألة الأولى: أَجْمعَ المذهبُ على أنَّ عاشوراء كان فَرْضًا قبلَ رمضان، بدليل حديث عائشة: "كان يوم عاشوراء"، فلمّا فُرِضَ رمضان كان هو الفَرْض. وقال ﷺ (٤): "هذا يومُ عاشوراءَ، ولم يُكْتَبْ عليكم صيامه، وأنَا صائمٌ، فمن شاءَ فَلْيَصُمْ، ومن شاءَ فَلْيُفْطِرْ". وكان يرسل إلى قُرَى الأنصار في يوم عاشوراء أنَّ من أصبح صائِمًا فليتمّ صيامه، ومن أكلَ فليتمّ أكله. وقال: إنِّي لأحتسب على الله أنّ يكفِّر ذنوب سنة قبله. وقال بعض المُحَدِّثَة: إنّ هذا الحديث ناسخٌ لقوله: "فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ". واحتج أبو حنيفة بأنَّ الصَّومَ يجزئ بِنِيَّةٍ من النَّهارِ. بدليل قوله ﵇: "هذا يوم عاشوراء، فمَنْ كانَ صائمًا فَلْيُتمّ، ومن كان مُفْطِرًا فَلْيُمْسِك" وهذا الحديث لا حُجَّةَ له فيه؛ لأنّه منسوخٌ، والحُكْمُ إذا نُسِخَ لا يحتجّ بما يثبت فيه، وهذه مسألةٌ من أصول الفقه.

стр. 1788

المسألة الثّانية (١): قوله (٢): "صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" قال بعضُ الظَّاهريّة (٣): قوله: "أَمَرَ بَصِيَامِهِ" يقتضي الوجوب من وجهين: من جهة فِعْلِهِ، ومن جهة أَمْرِهِ. وقوله: "فَمَن شَاءَ أَفْطَره ومن شاءَ صَامَهُ" يريد أنَّه لاحقٌ بسائر الأيّام الّتي لم يمنع صومها ولا وجب، ولكنّه مستحَبٌّ، بدليل حديث معاوية (٤): "وأنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِر" وقال أشهب: صيامُ يوم عاشوراء مستحَبٌّ، لِمَا يُرْجَى من ثوابِ ذلك، وليس بواجِبٍ. المسألة الثّالثة (٥): قوله ﷺ : "نحن أحقّ بمُوسَى منكم" (٦) قال علماؤنا: لم يكن ذلك (٧) باتباع اليهود والاقتداء بهم، ولكنّه أَوْحَى إليه في ذلك بِفِعْلِ مقتضاه (٨)، ولكن فيه الاقتداء بموسى ﵇ وموسى ممَّن أُمِرَ رسولُ الله ﷺ أنّ يَقْتَدِي به، لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية (٩). وقال أبو الوليد الباجي (١٠): "يحتمل أنّ يكون النّبيُّ ﷺ كان يصومه في الجاهلية، فلما بُعِثَ تَرَكَ ذلك. فلما هاجر وعَلِمَ أنّه من شريعةِ مُوسَى ﵇ صَامَهُ وأَمَرَ بصيامه، فلما فُرِضَ رمضان نسخ وجوبه". المسألة الرّابعة: قلنا: عاشوراء هو اليومُ العاشر. وقال الشّافعي: التّاسع، بدليل قوله ﵇: "لئن عشتُ لأَصُومنَّ

стр. 1789

التّاسع" (١)، ولا حُجَّةَ له فيه؛ لأنّ قولَهُ: "التّاسع" معناه مع العاشر، وليس فيه دليل على ترك العاشر، ونُبيِّن ذلك بمثال، وذلك أنّ نقرأ "كتاب الموطّأ" فتقول: لئن عشتُ، إلى قابل لأقرأن "البخاريّ" وليس فيه دليل على ترك "الموطَّأ". ودليلنا: أنّ قوله: "عاشوراء" يتعلّق اللّفظ بكونه يوم العاشر، وهو مأخوذٌ من العشر، أي عاشر أيّام المحرّم. المسألة الخامسة (٢): في فضيلة يوم عاشوراء والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ، والصحيح منها قليلٌ، وهو ما وقعَ في المصنَّفَاتِ الصِّحَاحِ، وما تقدَّمَ ذِكْرُهُ. وقد روي عنه: "أنّ في يوم عاشوراء تابَ اللهُ على آدَمَ، وفيه اسْتَوَتْ السَّفينة على الجُودِي، وفيه أنْجَى اللهُ مُوسَى من فِرْعَوْن، وفيه وُلدَ عِيسَى". رواه ابن رُشَيْد (٣)، عن أبي سعيد الأنصاري (٤) في "كتاب الصّحابة". وقد قيل: إنّ من فضيلة هذا اليوم أنّ جميع الوحوش تَصُومُه. فإن قيل: وكيفَ تصومُه الوُحوش ونحن نراها تأكل؟ فالجواب - قلنا: ليس الصّومُ في الآدميِّينَ على صفةٍ واحدةٍ، فقد كان صوم من تَقَدَّمَ بأنَّ لا يتكلَّم، فلا يبعدُ أنّ يضع البارئ سبحانه للوحوش إِمْسَاكًا يكون لهم صومًا. قال الإمام أبو بكر بن العربي: ولقد ذكرت يومًا هذا الحديث، فَعَمَدَ بعض الجُهَّالِ إلى دابَّتِهِ وجعلَ لها بين يَدَيْها تِبْنًا، فلمّا أكلت، قال: أينَ ما ذَكَرَ النّبيُّ (٥) عن الوُحُوشِ؟ وجوابه مع التَّجْهيلِ ما تَقَدَّمَ. وأمّا النَّفَقَةُ فيه والتَّوسعة، فمخلوفَةٌ باتِّفَاقِ إذا أُرِيدَ بها وجه الله تعالى، وأنّه يخلف الله بالدِّرْهَمِ عشرًا.

стр. 1790

وقد رأيت لابن حبيب قطعة أبيات (١) نذكرها إنّ شاء الله: لا تَنْسَ لا يُنْسِكَ الرَّحمنُ عاشورا ... واذْكُرْهُ لا زلتَ في الأحياءِ (٢) مذكورَا قال الرَّسولُ صلاةُ اللهِ تَشْمَلُهُ ... قَوْلًا وَجَدْنَا عليه الحَقَّ والنّورا أوْسِعْ بمَالِكَ في العَاشُورِ إنَّ له ... فَضْلًا وَجَدْنَاهُ في الآثار مَأْثُورَا مَنْ بَاتَ في لَيْلَةِ العَاشُورِ ذَا سَعَةٍ ... تكن معيشَتُهُ في الحَوْلِ مَسْرُورَا فَارْغَبْ فَدَيْتُك فِيمَا فِيهِ رَغَّبَنَا ... خيرُ البَرِيَّةِ مقبورًا ومنشورَا (٣) وقد تكلّمنا على فَضْلِهِ ومَعَانِيهِ في "كتاب المواعظ" (٤)، وأشبعنا القول فيه في "الكتاب الكبير" فلتنظر هنالك، والحمدُ لله. باب صيام يوم الفِطْرِ والأضحى الأحاديث فيه كثيرةٌ: الحديث الأوّل (٥): ثبتَ عن النّبيِّ ﷺ أنّه نَهَى عن صيام يومين (٦): يَوْمِ الفِطْرِ، ويَوْمِ الأَضْحَى. وقال: "يَوْمُ فِطركُمْ مِنْ صِيَامِكمْ، والآخَرُ يَوْمٌ تأكلونَ فيه من نُسُكِكُمْ" (٧) وأرسل رسوله وصرَّحَ بقوله: ينادي على أيّام مِنًى: "إنَّها أيام أَكْلٍ وشُرْبٍ" (٨) وثبت في الصَّحيحِ عن ابن عمر؛ أنّه أَرْخَصَ في صيامها للمُتَمَتِّعِ الّذي لا يجد هَدْيًا (٩).

стр. 1791

ولقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١). قال علماؤنا: ولا يتَّفِقُ ذلك إِلَّا في أيام مِنًى. فلما كانت ضرورة سامحت فيها الشَّريعة، كذلك يُرْوَى عن عائشة (٢). الفقه في ثلاث عشرة مسألة: المسألة الأولى (٣): قال الإمام: والأيّام المَنهيّ عن صيامها ثمانية أيام: منى ثلاثة أيام، ويَوْمَا العيد، ويوم الجمعة. وقد ثبت في الصّحيحين (٤) عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "لا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بصيامٍ، ولا لَيْلُهُ بقيام" (٥). ويومُ السَّبت؛ روى التّرمذيّ (٦)؛ أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن صَوْمِهِ. وعن يَوْمِ الشَّكِّ، لما رَوَى عمّار بن ياسر، قال: "مَنْ صَامَ يوم الشّكّ، فَقَدْ عَصَى أبا القاسم" (٧). المسألة الثّانية (٨): قال علماؤنا (٩): وأيّام السَّنَةِ تنقسمُ في الصِّيام على سِتَّةِ أقسام: فمنها ما يجب صومُه ولا يحلّ فطره إِلَّا بعدَ وَصْفٍ من الأوصاف السِّتَّةِ، وهو شهر رمضان. ومنها ما يجبُ فطره ولا يحلّ صومه، وهو يوم النَّحْرِ ويوم الفِطْر. ومنها ما يجوز صومُه على وجهٍ ما، وهي (١٠) اليومان اللّذان بعد يوم النَّحْر.

стр. 1792

ومنها ما يُكرَهُ صَوْمُه، وهو اليوم الرّابع من أيام التَّشْريق. ومنها ما يجوز صَوْمُه وفِطْرُه، وهو ما لم يرد في صومه ترغيب (١). ممّا عَدَا شهر رمضان ويوم الفطر ويوم النّحر وأيّام التّشريق. ومنها ما يستحبّ (٢) صومه، وهو ما ورد فيه ترغيب، مثل قوله للأعرابي: "إِلَّا أنّ تَطَّوَّعَ" والفائدة في قوله: "إِلَّا انْ تَطَّوَّعَ" هو نَدْبٌ منه إلى التَّطَوُّعُ بالصِّيام في غير رمضان وحَضٌّ عليه. نكتةٌ أصولية (٣): اختلفَ العلّماءُ (٤) في النَّهْيِ عن صوم يَوْمِ العيدِ: فقال عامّة الفقهاء: إنّها شريعة غير مُعَلَّلَة. وقال أبو حنيفة: إنّ النَّهْيَ مُعَلَّلٌ بعِلَّةٍ، وهي أنّ النّاس أضيافُ الله، أَذِنَ لهم في الأَكْلِ عندَهُ يوم الفِطْر (٥)، وإنّما أرادوا أنّ يركبوا على هذه مسألة، وهي: من نَذَرَ صوم يَوم العِيد. فقال علماؤنا: النَّذْرُ باطلٌ. وقال أبو حنيفة: يلزمه النَّذْر ويقضي؛ لأنّ النَّهْيَ ليس لمعنى في النّهى عنه، وهذا فاسدٌ، بل النّهي شريعة. وقوله: إنّ الخَلْقَ أضيافُ اللَّهِ يبطلُ بزمان اللّيل، فإنّ الخَلْقَ (٦) أضيافه كلّ ليلةٍ، ومَنْ نذَرَ اللّيل لا يلزمه فيه قضاء، ويبطلُ بزَمَانِ الحَيْضِ، فإنّ الحائضَ لو نذرت لم يلزمها قضاؤه. المساْلة الرّابعة (٧): أمّا صيام أيّام مِنى، فقد عيَّنَها النّبيُّ ﷺ للأكل والشُّرْبِ، فتعينت بذلك كزمان

стр. 1793

اللّيل، لكن -كما بيَّنَّا- أرخص فيها للمُتَمتِّع ضرورة، وهو الّذي لا يجد هَدْيًا. وحَكَى عبد الوهّاب أنَّه لا يجوز ذلك بإِجماعٍ، وبهذا قال مالكٌ وفقهاء الأمصار. وقال أبو الفَرَج في "الحاوي": من نَذَرَ أنّ يعتكفَ أيّام التّشريق اعْتكَفَها وصامها. والدّليلُ على المنع من صيامها ابتداءً: ما رُوِيَ عن عائشة وابن عمر؛ قالا: لم يرخص في أيّام التّشريق أنّ تصمن، إِلَّا لِمَنْ لم يجد الهدي. ومن جهة المعنى: أنّها أيام عيد، فأشبهت الفِطْرَ والأَضْحَى. ورَوَى ابنُ نافع عن مالكٌ: أَحبّ إلَيَّ ألَّا يصومها في الفِدْيَة. واختلف علماؤنا هل يجزئه أنّ يصومها عن ظِهَارٍ؟ فقال في "المختصر" عن مالك: في مُبتدإ صوم الظِّهار (١). فقال في "المدنية": أرى أنّ يفطر يوم النَّحر ويصوم أيام التّشريق. وقال ابنُ القاسم: كلَّمْتُ مالكًا فيه فضَعَّفَهُ، وقال: أَرَى أنّ يبتدىَ، قال ابنُ القاسم: هذا رَأْيي، ولا عُذْرَ لأَحَدٍ في خَطأ خالَفَ ما افترضَ اللهُ عليه. المسألة الخامسة (٢): وأمّا صيام آخر أيّام التَّشَريقِ، فإنّه يصومُه من نَذَرَهُ مُفْرَدًا، ولا خلافَ نَعْلَمُهُ في ذلك. وأمّا من نَذَرَ صِيَامَ ذِي الحجَّة: فقال ابنُ القاسم: يَصُومُه. وقال ابن المَاجِشُون: أحبّ إليَّ أنّ يفطره ويقضيه ولا أوجِبُهُ. المسألة السّادسة (٣): وأمّا من نَذَرَ صيام عامٍ مُعَيَّنٍ، ففي "المختصر" عن مالكٌ؛ أنّه لا يصوم

стр. 1794

الرّابع (١). وفي "المدوّنة" (٢) ما يدلُّ على أنّه لا (٣) يَصُومُه. ويصومه من شرع في صومٍ مُتَتَابِعٍ، ولا يصوم اليومين قَبْلَهُ. ووجه ذلك: أنّ اليومين قَبْلَهُ تختصُّ بأحكام من النّحر (٤) والتّكبير بإِثْر الصّلوات، ولزوم الرَّمْيِ فيها للتَّعجيل (٥)، فكانت فيه (٦) أحكام العيد آكد (٧) والله أعلم. وهذا لِمَنْ شرعَ في صيام شهري التّتابع من أوّل شوّال، فمرضَ أو منعه أمرٌ غالِبٌ حتّى أوفاه الأضحى (٨). المسألة السّابعة (٩): وأمّا صيام عشر ذي الحجّة ومِنًى وعَرَفَة، فمرغوب (١٠) في ذلك، وأَجْرُهُ كثيرٌ. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ الآية (١١)، الشفع يوم النّحر، والوتْر يوم عرفة. وقد قيل في ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (١٢) إنّ شاهدًا يومُ الجمعة، ومشهودًا يوم عَرَفَة. وقلى رُوِيَ في المُصَنَّفَاتِ؛ أنَّ صيام يوم عَرَفَة كصيام سَنَتَيْنِ، وأنّ صيام يوم مِنًى كصيام سَنَة، وأنّ صيام يوم من سائر العَشرِ كصيام شهر. وهذا في غير الحَجِّ، وأمّا في الحَجِّ، فيوم عَرَفَة فطره أفضلُ من صومه، وكان رسول الله ﷺ فيه مُفْطِرًا. وصيام الأشهر الحُرُم أفضلُ من غيرها، وهي أربعة:

стр. 1795

المحرم، وصفر (١)، وذو القعدة، وذو الحجة. المسألة الثّامنة (٢): قال (٣): وفي الأَشْهُر الحُرُمِ أيّامٌ هي أفضل من سائرها. وقالت عائشة: كان رسولُ الله ﷺ يصومُ حتَّى نقول: إنّه لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتّى نقولُ: إنّه لا يَصُومُ، وما رَأَيْتُه اسْتَكْمَلَ صيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلّا رَمَضَان، وما رَأَيْتُهُ أكثرَ صيَامًا منه في شعبانَ (٤). قال الإمام (٥): ففي هذا دليلٌ على فَضْلِ صيام شَعْبَان، وأنّه أفضلُ من صيامٍ سِوَاهُ، وكان رسول الله ﷺ يصومُ الاثنين والخميس فسئل في ذلك، فقال: "إنَّ الأعمالَ تُعْرَضُ على اللهِ فيهما (٦)، فأحبُّ أنّ يُعْرَضَ عَمَلِي على الله وأنا صائِمٌ" (٧) فصيامهما مُسْتَحَبٌّ، الخميس والاثنين (٨). المسألة التّاسعة (٩): صيام الأيّام الغُرِّ فكره مالك أنّ يتعمّد صيام الأيّام الغُرِّ، وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر على ما رُوِيَ فيها، مخافَةَ أنّ تجعل العامّة صيامها واجبًا (١٠). ورُوِيَ أنّ صيام الأيَّام البِيض، هي أوّل يوم، ويوم عشرٍ، ويوم عشرين، صيامُ الدَّهْرِ، وقد أباحَ بعض العُلماء ذلك ولم يَرَ بذلك بَأْسًا. المسألة العاشرة (١١): صيام يوم الجمعة أمّا النّهي عنه، فلما رَوَى النَّسائي (١٢)، عن أبي سعيد الخُدْريّ؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا صيام (١٣) يوم عيد".

стр. 1796

وقال النّبيُّ ﷺ في يوم الجمعة: "هذا يومٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا" (١) وقال: "هذا عيدُنَا يا أهلَ الإِسلامِ" (٢) وقال: "إنّ هذا يومٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا". وفي الصّحيح أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تَخُصُّوا ليلةَ الجُمُعَة بقيامٍ ولا يومه بصيامٍ" (٣). وما ذَكَرَهُ مالك إنّه حسنٌ. وذَكرَ بعضُ النّاس أنّ الّذي كان يصومُه ويتحراه محمّد بن المنكدر. قال الرّاوي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه. وأمّا تحديده يومَ عيد فكره صومه، أصله الفطر والأَضْحَى، وغمزَ الدّارقُطْنيّ الحديث، وِقال: قد ورد مَوْقُوفًا. واعْلَمُوا أنّ وُرُودَ الحديثِ تارَةً موقوفًا وتارةً مُسْنَدًا فإنّه ليس بغَمْزٍ فيه، فإنّ الرَّاوِي قد يُخْبِر عن نفسه بما سمع من نَبِيِّه ﷺ . والحديثُ صحيحٌ لا إشكالَ فيه، ولا معدلَ لأحدٍ عنه. وأمّا غير ذلك من الأقوال فلا يُلْتَفَتُ إليها. المسألة الحادية عشرة (٤): صيام يوم السبت قال الإمام: لم يصحّ الحديث فيه، ولو صحَّ لكان معناهُ مخالفة أهل الكتاب، وأمّا يوم الشَّكِّ فقد تقدَّمَ النّهي عنه. المسألة الثّانية عشرة (٥): صيام الدَّهْرِ وهي مسألةٌ خلافيةٌ، فكره ذلك قَوْمٌ لقوله: "لا صامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ" (٦). وقال قوم: هو جائزٌ، لقوله حمزة بن عمرو الأَسْلَمِيّ: يا رسولَ الله، إنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصِّيَامَ (٧). فلم ينكر عليه، ولو كان ممنوعًا لما أَقَرَّهُ عليه. الجواب عنه من أَوْجُهٍ: الأوّل: يحتمل أنّ يكون قوله: "لا صام من صَامَ الأَبَد" على الدُّعاء.

стр. 1797

ويحتمل أنّ تكون "لا" بمعنى "لم" كقولى تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (١) وأمّا الأبد المذكور هاهنا فقد قيل: مَحْمَلُه على أنَّه يُدْخِل في صومها الأيام المنهيّ عن صومها، كالعيدين وأيّام التشريق، وهو الصّحيح. وكذلك قال علماؤنا: إنّما ذلك لمن صام فيه (٢) الأيّام المنهيّ عنها. وأمّا مَنْ كان فيه رجاء لقوّة ويستوكف منه المنفعة، ففِطْره أفضل من صومه وفي مثله يقال: "لا صام من صام الأبد"؛ لأنّه يهدم الأَعْلَى بالأَدْنَى، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله: "صوم أخي داود، فكان يصوم يومًا ويفطر يومًا" (٣). وكذلك قال لعبد الله بن عمرو بن العاصي: "صُمْ يومًا وأفطر يومًا" فقال: إنِّي أطيق أفضل من ذلك. فقال: "لا أفضل من ذلك، ولا صامَ من صامَ الأَبَد" قالها ثلاثًا (٤). فرع غريب (٥): وقد اتَّفَقَ العلّماءُ على أنَّ من نَذَرَ صومَ الدَّهْرِ فإنّه يلزمه، ويتركَّب على هذا فرع غريب أيضًا: وهذا إذا أَفْطَرَ بعد ذلك فيه متعمِّدًا، فقال كافّة النَّاسِ: يستغفر الله ولا شيءَ عليه. وقال ابنُ نافع وعبد الملك: عليه الكفَّارة عِوَضًا عنه (٦)، وهذا ضعيفٌ؛ لأنّه (٧) ليس فيه خَبَرٌ ولا لَهُ نَظير في نَظَرٍ. المسألة الثّالثة عشرة: قوله (٨): "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتّ من شَوَّالٍ، كانَ كصيامِ الدَّهْرِ" قال الإمام: ومعنى ذلك؛ أَنَّ الحسنةَ لمّا كانت بعشر أمثالها، كان مبلغ مَا لَهُ من الحَسَنات في صومِ الشَّهر والسِّتةِ أيّام ثلاث مئة وستّون حَسَنَة، عدد أيّام السَّنَة، وكأنَّه صام سَنَة

стр. 1798

كاملة، يكتب (١) له في كلِّ يوم منها حسنة. كره (٢) مالك الأخذ بهذا الحديث، مخافةَ أنّ يلحق برَمضَان ما ليس منه من فعل أهل الجاهلية (٣) والجَفَاءِ. قال الإمام: ولو صام ستّة أيَّامٍ في المُحَرَّمِ، لكان أفضل له، وليس لتعينها (٤) بشوّال معنى، غير أنّ فيه تحصيل العمل وقَصْر الأَمَل، وسيأتي الكلام على بقيّةِ هذه المعاني في آخر كتاب الصوم، إنّ شاء الله. باب النّهْي عن الوِصَالِ في الصِّيام مالك (٥) عن نافع، عن ابن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ الوِصَالِ، فقالوا: يا رسول الله، إنَّك تُوَاصِلُ. فقال: "إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى". وعن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيني" (٦). الإسناد: قال الإمام: هذان حديثان صحيحان مُتَّفَقٌ على صحّتهما ومَتْنِهما. وقد (٧) رُوِيَ نحو ما رواه (٨) ابن عمر وأبو هريرة، رواه أبو سعيد الخُدْرِيّ (٩)، وأنس بن مالك (١٠)، وعائشة (١١) ﵂ من طُرُقٍ صِحَاحٍ.

стр. 1799

الأصول: قال الإمام: فإن قيل: قوله: "نَهَى" هل هذا النّهي يقتضي المَنْع والتَّحريم، أم هو بمعنى الشَّفَقَة عليهم؟ فيكون قوله على النّدب، وهي: المسألة الأولى (١): قلنا: بَلْ هو على وَجْهِ التَّخْفِيفِ عنهم والشَّفَقَة والرَّحمة بأُمَّتِهِ، فمن قدر على الوِصَالِ فلا حَرَجَ؛ لأنّه لله يَدَع طعامه وشرابه، وكان عبد الله بن الزّبير وجماعة يواصِلُون الأيّام (٢)، ففي هذا دليلٌ أنّه لو كان على التّحريم لم يخالفوه بالمواصلة، كما لم يخالِفُوهُ بصوم يوم الفِطْر والأَضْحَى. لَمَّا كان ذلك على التّحريم وأنّه أيضًا ﷺ واصلَ بهم إلى السَّحَر، وهذا يدلُّ على جوازِهِ، ولولا ذلك لما واصل بِهِم. المسألة الثّانية: قوله: "يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِيني" فيه عن علمائنا ثلاث تأويلات. أحدها: أنّ ذلك حقيقة، وهذا فاسدٌ؛ لأنّه لو صحَّ ذلك لما قالوا: "فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ". التَّأْوِيلُ الثّانِي: "إنَّهُ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي" أي يُطعمني من الرّي والشِّبع، فأكون بحال مَنْ أكلَ؛ لأنّ الطَّعامَ ليس من شرْطِهِ أنّ يُشْبِع، وإنّما يُحْدِثُ البارئ تعالى الشِّبَعَ والرّيَّ عند تناولهما. التّأويل الثّالث (٣) - قولُه: "يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي" على معنى الكناية، عما يخلق الله تعالى له من القُوَّةِ على الصِّيَامِ، بأن يخلق الباريء فيه من الشِّبع والرِّيِّ ما يغني عن الطَّعامِ، فلا يبالي بالوِصَالِ، ولو كان طعامُه وشرابُه من الطّعام والشراب المعتاد، لما كان مواصِلًا ولكانَ مُفْطِرًا. المسألة الثّالثة (٤): قوله (٥): "إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ" هو تأكيدٌ في المنع، لما كان يخافه من الضَّعْفِ

стр. 1800

عليهم عما كان أنفع منه من الجهاد والقُوَّة على الغزو (١)، مع حاجتهم في ذلك الوقت إليه، فلمّا سألوهُ عن وِصَالِهِ، أعلمهم أنّ حالته في ذلك غير حالتهم. المساْلة الرّابعة (٢): إذا ثبت هذا أنّه يجوزُ الوِصَالُ، فإنّما يصحّ أنّ يُصَامَ من اللَّيْلِ على التَّبَعِ للنَّهَارِ، وأمّا أنّ يُفْرَدَ بالصّوم فلا يجوز ذلك. المسألة الخامسة: فإن قال قائل: صيامُ النَّهارِ دائمًا، أو قيام اللَّيل دائمًا، أيّهما أفضل الصّيام أم القِيَام؟ الجواب - قلنا: إنّ صيام النّهار للشُّبَّانِ أَنْفَع؛ لأنَّ الشَّابّ (٣) شهواني، والشّهوة لا تموت إِلَّا بالصّوم والصّوْم جُنَّة؛ لأنّ الشّاب إذا دام على الصّوم، فإنّه يطرد عنه باللّيل النوم، إذا كان إفطاره على السُّنَّةِ، كما جاء عن نبيِّ الرحمة صاحب الشّريعة ﷺ : "ثلث للطَّعَامِ، وثُلث للشَّراب، وثلث للنَّفس" يعني البَطْنِ. وقيامُ اللّيل للشُّيوخِ أفضل من صوم النَّهار؛ لأنّه قد فنيت شهوته، وبقيت في قلبه قوّته، وهو ضعيف النّفس من جهة فَنَاءِ الشَّهْوَةِ، قويّ القلب من جهة الإيمانِ والمعرفة، فإذا صام ذهبت عنه القُوَّة ويزيد في ضَعْفِهِ ضعفًا، حتّى ربّما يقع له في فرائضه الخَلَل، فالفِطْر له أنفع، وقيام اللّيل له أنجح. وأمّا الكُهولُ، فعليهم بصيام النّهار وقيام اللّيل، فإنّهم خرجوا من حدِّ الصِّبَا (٤) ولم يدخلوا باب الشّيخوخة، وله في حال الكُهُولَةِ بقيّة من القوّة، فلا يدعه أنّ يصير هباءًا منثورًا، فليأخذ حَظّه من اللَّيل بقيامه، وحظّه من النّهار بصيامه، فلعلّه لا يبلغ ما بلغ الشّيوخ، وذلك (٥) كله إذا كان الشّاب تائبًا والكهل مُرْبِذًا (٦) والشيخ مُنِيبًا، وأمّا سائر النّاس فَهَمَجٌ لا خير فيهم.

стр. 1801

فإن قيل: أيّهما أفضل الجُوع على جهة الرِّياضة، أم الصّوم لاستعمال السُّنَّة؟ قلنا: إنَّ الصَّوم له أفضل من الجُوع بِلَا صَوْمٍ إذا كان فِطْرُهُ على الحلال وعلى السُّنَّةِ الّتي ذكرنا، فالصوم للشيوخ وللكهول أفضل من الجوع على سبيل الرياضة. باب صيام الَّذِي يقتُلُ خَطأً أو يَتظَاهَر الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (١): قوله (٢): "من عليه صيام شهرين مُتَتَابِعَيْنِ في قَتْلِ خَطَأٍ أو تَظَاهُرٍ ... " إلى آخر الكلام. وهو كما قال، إنّ من وجب عليه صيام لقتل من تلزمه الكفَّارة بقَتْلِهِ، أو التظاهر مع عدم الرَّقَبة، فإنّ الّذي يلزمه من الصِّيام شهران متتابعان، قال الله تعالى في كفَّارةِ القتْلِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٣) وقال في الظِّهَارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٤). المسألة الثّانية (٥): فَمَن (٦) شَرَعَ في صَوْمِهِمَا فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ أو حَيْضٌ أَمْسَكَ عن الصَّوْمِ حتَّى يمكنه فيصوم، ولا يؤخِّره، فمن أخَّر بعد الإمكان بطلَ التتّابعُ الّذي هو شَرْطٍ في صحَّةِ صَوْمِهِ، فوجب عليه الاستيناف. المسألة الثّالثة (٧): فإنّا أبيح (٨) له الفِطْر، ولا يقطع التّتابعَ القَدْرُ الّذي لا يمكن معه الصّوم

стр. 1802

كالحيض والمرض، ويجري النِّسيان مَجْرَى ذلك؛ لأنّه لا يمكن الاحتراز منه. فإن نَسِيَ أنّ يصل أيّام القضاءِ والحَيْضِ بصيامه وغلطَ في العَدَدِ، فقد قال عبد الملك: يستأنف صيام شهرين، وقاله (١) المغيرة في خطإ العدد، وقال: وهذا بخلاف المفطر ناسيًا (٢). قال القاضي أبو الوليد الباجي (٣): "ويحتملُ عندي ألَّا يكون عليه استئناف صومه، ويجزئه أنّ يَصِلَ؛ لأنّ هذا ممّا لا يمكنه الاحتراز منه. وأمّا ما يلحق به المَشَقَّة ويمكن معها الصّوم كالسَّفَرِ، فإنّه لا يبيح له الفِطْر، وإن أفطرَ استأنفَ الصّوم"، والحمدُ لله. باب ما يَفْعَلُ المَريضُ في صيامِه الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٤): قال الإمام أبو بكر بن العربي: تَفَطَّنَ مالك ﵀ في المرض (٥) لنكتة، وهي: أنّ المريض يفطر بمجرّد المشقَّة وإن لم يَخَف زيادة المرض. وقال غيره من العلّماء: لا يفطر إِلَّا إذا خافَ زيادة المَرَضِ وقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية (٦)، قال مالكٌ: فأرْخَصَ اللهُ للمُسَافرِ في الفِطْرِ بنفس السَّفَر، فكذلك أرخص للمريض بَنَفْسِ المَرَضِ. فإن قيل: إنّما أَرْخَصَ بالفطر للمسافر لأجل المَشَقَّةِ باتِّفاقٍ من الأُمَّةِ.

стр. 1803

قلنا:* وكذلك المريض أرخص له الفِطْر بنَفْسِ المَرَضِ* (١)، وإلى هذا وَقَعَتِ الإشارةُ بقَوْلهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية (٢) لكن المشقّة لما كانت تختلف في السَّفَر باختلاف أحوال النَّاس في الحَضَرِ، وتعذّر حصر ذلك، علّق الحُكْم على ضابطٍ ظاهرٍ مُنْحَصِرٍ، وهو السَّفَر، كالعدّة وضعت لبراءة الرَّحِمِ ولا شغل في اليائسة والصغيرة حتّى تستبرىء الرَّحم منها، ولكن لمّا تَعَذَّر ضبط سنّ الصغيرة من الكبيرة، وضبط حال اليائس من الحائض، أَوْجَبَ اللَّهُ تعالى العدَّة على الكُلِّ صيانةً للفِرَاشِ وصيانةً للأنْسَابِ. المسألة الثّانية (٣): أمّا المرض، فهو أمرٌ منضبط، كلُّ أحدٍ أعلم بنفسه. فإن قيل: فإن أَمِنَ زيادة، وهي العِلَّة الّتي لأجلها أُبيحَ له الفِطْر صامَ، وإنْ خافَ الزيادة أَفْطَرَ. قلنا: هذا الّذي ذَكَرْتُمُوهُ صحيحٌ، وليس بمُعْتَرِضٍ على كلامنا ولا على نكتةٌ مالكٌ، فإنّ الله تعالى علَّقَ الفِطْرَ بنفس المَرَضِ، وصومُ المريضِ مَشَقَّةٌ وإن لم يخف الزِّيادة، واللَّهُ قد رَفَعَ المَشَقَّة بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ الآية (٤). ومن أصول القواعد (٥) عندنا باتِّفاقٍ من أهل السُّنَّة؛ أنّه لا يكون ما لا يريد تعالى، ونحن نَرَى مريضًا يصومُ ومسافرًا يصومُ، فكيف وقع هذا وهو مَنْ أخبرَ أنَّه لا يريده؟ قال الإمام (٦): قولُ الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٧) أي يأمركم، وعبر بالإرادة عن الأمر (٨) مجازًا، وهذا طريق في الاستعارة وإن كان مُتَّبعًا ولكن مرتبته أجلّ من هذا الجواب؛ لأنّ التّأويل إنّما يُصَارُ إليه عند الضَّرورة، ولا ضرورةَ هاهنا؛ لأنّ معنى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٩) أي يريد أنّ يُكَلِّفَكُم اليُسْر ولا يريد أنّ

стр. 1804

يكلِّفَكُم العُسْر، وكذلك فَعَلَ تعالى، وكذلك كان كما أَخْبَرَ في وجهي النَّفْي والإثْبَات. المسألة الرّابعة (١): قوله (٢): "وإِنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ " قال علماؤنا: المَرَضُ عبارة عن خروج البدن عن الاعتدال والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ، وهو على ضربين: يسير وكثير، كما بَيَّنَّاهُ. وقال ابنُ القاسم: والّذي يُصيبه الضربان من الخوى في رمضان، وذلك مرض من الأمراض، فإذا بَلَغَ منه ما يجهده فَلْيُفْطِر. وهذا تقدير منه (٣)، وليس بالبيِّنِ، ولكنّه تقدير بما تَيَقَّنَ أنّ يؤول إليه، وذلك أنّ يخاف منه، ويغلب على الظَّنِّ أنّ يزيد في مَرَضِهِ ويجدّد له مرضًا غير مرضه، أو يُديم له زمانَ مَرَضِهِ، فإنّ هذا المقدار يُبيح له الفِطْر. باب النَّذْر في الصِّيام والصِّيام عن المَيِّت الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٤): قوله (٥): "النَّذر" النَّذْرُ ما ينذره الإنسان ويلزمه نفسه قبلَ الدُّخول فيه، والتَّطَوُّعُ هو ما لا يلزمه بالقَوْلِ، وإنّما يدخل فيه اختيارًا، فيلزمه بالدخول فيه إتمامه. قال علماؤنا: النَّذْرُ على ضربين: لا يخلو أنّ يكون بدنيًا، أو ماليًا. فإن كان النَّذْرُ ماليًا، فلا خلافَ أنّه تجوزُ فيه النِّيابة.

стр. 1805

وإن كان بدنيًّا، فعندنا أنّه لا تجوز فيه النِّيابة، وذلك لقوله: "إذا ماتَ المرءُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا من ثلاثٍ: ولدٌ صالحٌ يَدْعُو لَهُ، أو صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ ... " الحديث (١). ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ الآية (٢). قال: وفي العارضة قال علماؤنا: لا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ باتِّفَاقٍ فَرْضًا ولا نافلة، حياةً ولا موتًا، وكذلك الصِّيام فإنّه لا يصومه أحدٌ عن أحدٍ. المسألة الثّانية: قال: ثُمّ إنّ النّاس أطلقوا الأحاديث في الاحتجاج في ذلك، فقالوا: ثبتَ في الصَّحيح؛ أنّه قال: "من ماتَ وعليه صومٌ صام عنه وَليُّهُ" (٣) وعن ابن عبّاس؛ أنّ امرأةً أتت النّبيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله، إِنَّ أُمِّي ماتت وعليها صومٌ، أَفَأَقْضيهِ عنها؟ ... إلى قوله: "فَدَيْنُ اللهِ أحقّ أنّ يُقْضى" (٤). وهذه الأحاديث تعارض القرآنَ المُطْلَقَ، وعمومُ القرآنِ المقطوعِ به أَوْلَى من الحديثِ المُطْلَقِ. ويعارضه أيضًا: قوله ﵇: "إذا ماتَ المَيِّتُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ ... " الحديث (٥). المسألة الثّالثة (٦): فممّن قال به أحمد بن حنبل. وقال (٧) الحسن البَصْريّ: إنْ صامَ عنه ثلاثون رَجُلًا من قَوْمِهِ (٨) يومًا أجزأه. وهذه مسألة تصعبُ على الشّادين إذا صدمتهم هذه الظواهر، وتسهل على العالِمِينَ، فخذوا فيها وفي أمثالها دُستورًا يُسَهِّل عليكم السّبيل، ويُوَضِّح لكم الدّليل: لما قال النّبيُّ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وعَلَيْهِ صَوْمٌ، صامَ عنه وَليُّهُ" قلنا: لا يخلو هذا الميِّت

стр. 1806

أنّ يكون قَدرَ على الصَّوْمِ وتَرَكَهُ، أو لم يَقْدِر قَطُّ عليه، فإن لم يقدر عليه، لم يجب عليه شيءٌ. وإن قدر على الصَّوم وَتَرَكَهُ مختارًا، فكيف تشغل (١) به ذمة وليه؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ الآية (٣)، وهاتان آيتان مُحْكَمَتَانِ عامَّتَانِ غير مخصوصتين، رُكْنٌ في الدِّينِ، وأصلٌ للعالمين، وأُمٌّ من أُمَّهَاتِ الكتاب المُبِين، إليها تُرَدُّ البنات، ويها يُسْتَنَارُ في المشكلات، وقد عارضت هذه الأحاديث ظاهرها. وأمّا الحسن وأحمد بن حنبل فإنّهما تاها عن المسألة (٤) وسبيلها، ولم يتَفَطَّنُوا لِمَا تَفَطَّنَ له مالك ﵀ إذ قال (٥): لا يصلِّي أحدٌ عن أَحَدٍ، ولا يصوم أَحَدٌ عن أَحَدٍ. والصّحيحُ من هذه المسألة؛ أنّ هذه عبادة مختصَّةٌ بالبَدَنِ، فلم تدخلها النِّيَابة كالصَّلاة. باب ما جاءَ في قَضاءِ رمضان والكفّارات الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى (٦): قال الإمام: هذا الباب فيه أحكامٌ كثيرةٌ، معظمها أربعة: ١ - الأوّل: وقتُ فعلها؛ أمّا قضاءُ رمضان، فوقتُه العام كلّه أَثَرًا ونَظَرًا. أمّا الأَثَرُ فقول عائشة: إنّ كان ليكون عليَّ صوم رمضان ... الحديث (٧). فإن قيل: فإن كان لعائشة شغل، فليس لغيرها شغل.

стр. 1807

قلنا: ذلك الشّغل كان مُبَاحًا، والمباحُ لا يُزَاحِمُ الفُروضَ، فلولا أنَّ التَّأخير كان جائزًا ما تأَخَّرَ بذلك الشّغل. المسألة الثّانية (١): أمّا الكفّارة، فوقتها مَنُوطٌ بأسبابها تارةً (٢)، ومسترسلة على العمر تارة. فأمّا كفارة الظِّهار فَتَقِفُ على مطالبة المرأة، فإن طلبت تَعَيَّنَ وقتها، وإن تركت فَوَقْتُها العُمر ما لم يغلب على الظَّنِّ الفَوْت، وهذا معنى اتَّفَقَت عليه الأُمَّة. وهذه هي العمدة لعلّمائنا الأصوليِّينَ في أنّ مُطْلَق الأَمْرِ ليس على الفَوْرِ. المسألة الثّالثة (٣): ٢ - قضاء من أفطر ناسيًا، واختلف العلّماء فيه؛ فقالت جماعة: لا قضاءَ على من أَفْطَرَ ناسيًا، واختاره الشّافعيّ، ونَزَعَ لقول النّبيِّ ﷺ : "اللَّهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ" (٤). قالوا: وهذا ينفي القضاءَ؛ لأنّه لم يتعرض له. وَحَمَلَهُ علماؤنا على أنّ المرادَ به نفي الإثم عنه، فأمّا القضاء فلا بدّ منه؛ لأنّ صورةَ الصَّومِ قد عُدِمَت، وحقِيقَتُه بالأكل قد ذَهَبَتْ، والشّيءُ لا بَقَاءَ له مع ذهابِ حقيقته، كالحَدَثِ يبطلُ الطَّهارة سَهْوًا جاءَ أو عمدًا. وهذا الأصلُ العظيمُ لا يردّه ظاهر محتمل التَّأويلِ، وقد صحَّحَ الدّارقطنيّ (٥)؛ أنّ النّبيَّ ﷺ ، قال له: "اللهُ أَطْعَمَكَ وسَقَاكَ، ولا قضاءَ عليك" وهذه الزيادة إنّ صحَّت، فالقول بها واجبٌ، وقد قال فيها بعض علمائنا: أرادَ ولا قضاءَ عليك على الفَوْرِ، وهذا باطلٌ. المسألة الرّابعة (٦): ٣ - قال علماؤنا: يقضي رمضان مُتَفَرِّقًا، وكذلك أيّام الكفّارة، وقد اخْتَلَفَ في

стр. 1808

هذه المسألة الصّحابة: ابن عمر وأبو هريرة وابن عبّاس وسِوَاهم، فكان أبو هريرة يقول: يقضي مُتَفَرِّقًا، وهو الّذي شَكَّ فيه مَالِك. وقد احتجَّ مجاهد بقراءة أُبَيّ بن كعب: "فصيام ثلاثة أيام متَتَابِعَات" (١). ورُوِيَ عن عائشة؛ أنّها قالت: نزلت "فعِدَّةٌ من أيَّامٍ أُخَر مُتَتَابِعَاتٍ" ثم سقط قوله: "متتابعات" (٢) تريد من المُصْحَف، وقد بيَّنَّا في هذا الكتاب في باب الكلام على الصّلاة الوُسْطَى؛ أنّ القراءة الشَّاذَّة لا تُوجِبُ حُكْمًا، وأنّها لا تلحق بالقياس، فكيف بخبر الواحد! لأنّه إذا سقط أصلها فأَوْلَى وأَحْرَى أنّ يسقط حكمها. المسألة الخامسة (٣): إذا أسلمَ الكافِرُ في بعض يومٍ: قال ابنُ القاسم وجماعة: يلزمه الإمساك عن الأكل. وقال آخرون: يجوز له الأكل، وهو الصّحيح؛ لأنّ الله قد أسقط عنه بعض اليوم بإسلامه، وإذا سقط البعض سقط الكُلُّ؛ لأنّه لا يتجزَّأ. اعتراض (٤): فإن قيل: يلزمكُم على هذا أنّه إذا قال الرَّجُل لزوجته: أنت طالق، فإنّه يلزمه نصف طلقة أو نصف يوم، يكملُ عليه الجميع عَدَدًا وزَمَانًا. قلنا: هاهنا ألزم (٥) نفسه البعض ممّا لا يتجزّأ، فلزمه (٦) الجميع إذا لم يسقط عنه أخذ الباقي، والكافرُ بإسلامه والتزامه للشرائع، قد أسقط عنه* الّذي التزم له نصف اليوم، فلا سبيل إلى أنّ يعود إليه ما أسقط الله عنه* (٧)، فصار يومًا لا أَثَرَ له في حَقِّه، فلم يتعلّق به حكم من أحكامه.

стр. 1809

المسألة السّادسة (١): قوله (٢): "ومَنِ اسْتَقَاءَ" يريد من اسْتَدْعَى ذلك، فهو الّذي يلزمه القضاء، هذا قول مالكٌ، واختلفَ أصحابُه في وجوب ذلك: فقال الأَبْهَرِيُّ: هو على الاستحباب. وقال الداودي (٣): هو على الوجوب، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة (٤) قال الإمام (٥): والدّليلُ على وجوب ذلك: أنّ المُتَعَمِّدَ له لا يسلم في الغالب من رجوع شيءٍ إلى حلقه ضرورة. المسألة السّابعة (٦): فإذا قلنا بوُجوبِ القضاء عليه، فهل عليه الكفارة؟ قال أبو بكر الأَبْهَرِيُّ (٧): إنِ اسْتَقَاءَ عامِدًا فعليه الكَفَّارة. وقال عبد الوهّاب: القضاءُ على الوجوبِ وتلزمه الكفّارة. وقال أبو الفَرَج: لو سُئِلَ عنه مالك لأَوْجَبَ عليه الكفّارة. قال الإمام (٨): وهذا الّذي قاله عبد الوهّاب يبطلُ عندي من وجهين: ١ - أحدهما: أنّ الكفَّارةَ إنّما تجب إذا كان الفِطْرُ باختيارِ الصَّائمِ، وأمّا إذا فعلَ ما يُؤَدِّي إلى الفِطْرِ فإنّه لا تجب عليه الكفَّارة. ألَّا ترى أنّه لو أَمْسَكَ المَاءَ في فيه، فغَلَبَهُ فدخل في حلقه، لم تجب عليه الكفَّارة، ووجب القَضَاءُ، وكذلك فِطْر المستقيء إنّما يقعُ بالرّاجِعِ، وهو لم يتعمَّد ارتجاعه، وهذا الظّاهِرُ عِنْدِي من قول مالك. ٢ - وأيضًا: فإنّ الكفَّارةَ لم تثبُت في ذمَّتِهِ قبلَ ذلك بأَمْرٍ واجِبٍ، فيكون عليه، ولا يجب إِلَّا بأَمْرٍ متيقّنٍ (٩).

стр. 1810

وقد رُوِّينَا حديثًا مُسْنَدًا عنِ النّبيِّ ﷺ من حديث أبي هريرة؛ أنّه قال: "مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ في رَمَضَانَ وهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قضاءٌ، وإن استقاءَ فعليه القَضَاء" (١). فقال علماؤنا: القيء في رمضان على ضربين: لا يخلو أنّ يكون ذَرَعَهُ أو استقاءَهُ. فإن ذَرَعَهُ فلا خلافَ أنّه لا شيءَ عليه، إلّا أنّ يرجع إلى حَلقه منه شيءٌ، فعليه القضاء، ورَوَى داود (٢) من أصحاب مالك من المدينة؛ أنّه لا شيءَ عليه، وضَعَّفَ ذلك أصحابُنَا. وإنِ استقاء عامدًا، فعليه القضاء بلا خلافٍ، واختلفوا في الكفارة، فقال ابن المَاجِشُون: عليه الكفَّارة؛ لأنّه قصدَ الفعل كالرّامي خطأ. باب قضاء التَّطَوُّع مالك (٣)، عن ابن شهاب؛ أنّ عائشة وحفصة زوجتي النّبيّ ﷺ أَصْبَحَتَا صائمتَيْنِ متطوِّعَتَيْنِ، فَأُهْدِيَ لَهُمَا طعامٌ، فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ، فدخلَ عليهما رسول الله ﷺ ... الحديث. الإسناد (٤): قال الإمام: أدخلَ مالك هذا الحديث وهو من مراسيل ابن شِهاب، ويعارِضُه ما صحَّ عن النّبيّ ﵇ وثبتَ أنّه دخلَ على عائشة، فقال لها: "هل عِنْدَكِ شَيْءٌ"؟

стр. 1811

قالت: لا. قال: "فإنِّي صائمٌ" ثمّ خرجَ فدخلَ عليها بطعامٍ أو جَاءَهَا زَوْرٌ، فأرسلت إلى النّبيِّ ﷺ ، فقالت له: عِنْدَنَا شَيْءٌ، قال لها: "وما هو؟ " قالت له: حَيْسٌ (١)، فقال لها: "قَرِّبِيهِ" فَأَكَلَ منه، ثمّ قال: "لقد كنتُ صائمًا" (٢) قال: النّسائيّ (٣) في تحديثه: "يا عائشة، مَثَلُ الصّائِمِ المُتَطَوِّع كَمَثَلِ رَجُلٍ أَخْرَجَ صَدَقَته، فمَا أَعْطَى نَفَدَ، وما بَقِيَ وبخل به وأَمْسَكَهُ بَقِي" زاد الدّارقطنيّ (٤)، عن النّبيِّ ﷺ : "الصّائِمُ المُتَطَوِّعُ أميرُ نَفْسِهِ، إنّ شاءَ أَفْطَرَ وشَاءَ صَامَ". الأصول (٥): فإن قيل: كيف يصحُّ الاحتجاج بالمُرْسَلِ من الأحاديث؟ قلنا: المراسيل عندنا من الأحاديث المُسْنَدَةِ، وقد بَيَّنَّاه في أَوَّلِ الكتاب فإذا ثبتَ ذلك وتعارض الحديثان؟ قال المخالف: يحمل قَوْلُه (٦): "اقْضِيَا يومًا مَكَانَهُ" على الاستحباب. قلنا: بل يُحْمَلُ أكل النّبيِّ ﵇ على أنَّه كان مجهودًا بالجُوعِ، وهي كانت غالب أحواله، فكان يصومُ إذا عدم رغبة في الأَجْرِ، ويفطر إذا وجدَ للحاجة في الأكل. والدّليل عليه: قوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٧) وكلُّ من بدأ بعمل (٨) لله وشرع فيه بفعله فلا وجه لإبطاله. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٩): قولهما: "أَصْبَحَتَا صائِمتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ" يحتمل أنّ يكون هذا في يوم لم يكن

стр. 1812

عندهما رسول الله ﷺ ويحتمل أنّ يكون ذلك بإِذْنِهِ، وذلك أنّ المرأة إذا عَلِمَت أنّ زوجها لا حاجةَ له فيها (١) في الغالب، جازَ لها أنّ تصومَ دُونَ إِذْنِهِ، فإن علمت أنَّه يحتاج إليها، لم تصم إِلَّا بإِذْنِهِ. وكذلك السُّرِّيَة وأمّ الوَلَد؛ لأنّ الاستمتاع حقٌّ من حقوق السَّيِّد، فليس لها المنع بالنّوافل. وممّا يعلم أنّه لا حاجةَ له بذلك، أنّ يكون غائبًا، فهذا لا حقَّ له في الإذْنِ. وكذلك خادم الخِدْمَة، بخلاف السُّرِّيَة وأم الولد، فلا يحتاج إلى إِذْنِهِ في صومها من جِهَةِ الاستمتاع بها، إِلَّا أنّ يضعف عن الخدمة، فذلك من حقوق السَّيِّد، وليس للعبد أَن يبطل حق سيده بصومه، وهذا كلّه قول مالك. المسألة الثّانية (٢): قال ابنُ شعبان: وقد اختلفَ في صيام العَبْدِ بغير إِذْنِ سيِّدِه، وإن كان لا يضرّه: فقيل: لا بأس به. وقيل: لا يجوز، وبهذا أقول؛ لأنّه أَقْوَى في النَّظَر. المسألة الثّالثة (٣): قال علماؤنا (٤): هذا في صَوْمِ التَّطَوُّع وفيما تدخله الزوجة على نفسها. فأمّا قضاء رمضان، فلا إِذْنَ لأَحَدٍ فيه على زوجة ولا عَبْدٍ وإن أَضْعَفه، قاله مالك في "المجموعة". ووجه ذلك: أنّ الصَّوْمَ لزِمَه بالشَّرْعِ كصوم شهر رمضان. المسألة الرّابعة (٥): ومن صام منهم بإِذْنٍ أو بغير إِذْنٍ، لم يجز له (٦) الفِطْر حتّى يتمّ صومه؛ لأنّه صومٌ قد لَزِمَه بالدُّخول فيه. وهل للزّوج فيه حقٌّ وللسَّيِّد بأن يجبرهن على الفِطْر مع عَدَمِ الإذْنِ والمعرفة

стр. 1813

بالحاجة بعد التَّلَبُّسِ بالصَّوْمِ. المساْلة الخامسة (١): قوله: "فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْه" يحتمل أنّ يكون للضّرورة والحاجة إليه أو النِّسيان لصومهما. ويحتمل أنّ يكون لاعتقاد جواز ذلك، ثمَّ شَكَّتَا فيه. وقد اختلفَ الفقهاءُ في جوازِ فِطْرِ التّطَوُّع لغير ضرورةٍ: فقال مالكٌ: لا يجوزُ ذلك، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيُّ: يفطر متَى شَاءَ. ودليلنا - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) وهذا قد عقد الصّوم فيجبُ أنّ يَفي به. ودليلنا من جِهَةِ السُّنَّةِ: قوله للأعرابي: "إلّا أَنْ تَطَّوَّعَ" وهذا يدلُّ أنّ عليه ان يَطَّوَعَ. المسألة السّادسة (٣): قوله: "اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ" ظاهِرُهُ الوُجوب، ويحتمل النَّدْبَ، بدليل: "إلّا أنّ تَطَّوَعَ". وقد اختلفَ فيه قول مالك، فقال: مَنْ أفطرَ في صومِ نَفْلٍ مختارًا فعليه القَضَاء، وإنْ أَفْطَرَ لضرورةٍ فلا قضاءَ عليه. وقال الشّافعيّ لا قضاء عليه في الوَجهين. وقال أبو حنيفة: بل القضاء عليه في الوجهين، إِلَّا النّاسي فلا قضاءَ عليه. ودليلنا على وجوب القضاء في العمد: أنّ هذه عبادة مقصودةٌ في نفسها، فكان القضاء على من أفسدها (٤) من غير ضرورة كالحج، والفروعُ على هذا النّوع كثيرةٌ، لُبَابُها ما ذَكَرْنَا لكم.

стр. 1814

باب من أَفْطَرَ في رمضان من عِلَّةٍ الحديث في هذا الباب عن أنس (١) ثابتٌ صحيحٌ مُتَّصِلٌ. الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى: قوله (٢): "مِنْ عِلَّةٍ" والعِلَلُ على ضروب كثيرة، أمّا المَريضُ والمسافرُ، فقد تقدَّمَا، وأمّا الحائض فتقضي الصّوم دُونَ الصَّلاة للحديث (٣) الصّحيح. وقوله (٤): "إنَّ أنَسًا كَبرَ حَتَّى كانَ لا يَقْدِرُ على الصِّيام" قال علماؤنا (٥): العجزُ عن الصِّيَامِ على ضربين: ١ - أحدهما: موجودٌ سَبَبُهُ، وهو المرض والعطش والجُوع، فهذه مَتَى وُجِدَتْ ومَنَعَت تمام الصَّوْمِ سقطتِ الكفَّارةُ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية (٦)، والأصلُ براءةُ الذِّمَّة من الكفّارات وغيرها فلا يثبت إِلَّا بالدّليل. المسألة الثّانية (٧): ويُبيحُ الفطرُ ما قدَّمنا ذِكْره من المَشَقَّةِ وخَوْفِ زيادة المَرضِ أو تجدّده أو طُول مُدَّتِه. ٢ - والثّاني أنّ يكون الجسد سَالِمًا من سَبَبِ العَجْزِ إِلَّا بحال من شرع في الصَّومِ فطرأَ عليه المانع من تَمَامِهِ، وقد عرف ذلك من حالِهِ كالشَّيْخِ الكبير والحامِل، فهؤلاء أَصِحَّاء ليس بهم مانع، إِلَّا أنّ ذلك طرأ (٨) عليهم عند الصَّومِ، فمن شرع فيه

стр. 1815

فغَلَبَهُ عطشٌ أو غيره فأفطَرَ، فلا إِطعامَ عليه، ومن أفطر ابتداءً لِعِلمِهِ أنَ المشقة تلحقه. فأمّا الكبير فإنّه يستحبُّ له أنّ يطعم، ولا يجب ذلك عليه، وبه قال سحنون. وقال أبو حنيفة (١) والشّافعيّ: يجب عليه الإطعام. ودليلنا: أنّ هذا مفطرٌ بِعُذْرٍ موجودٍ فلم يلزمه إطعام كالمسافِرِ والمريضِ. وأمّا قوله في المُسِنَّ بأنّه: "يفتدي" وهي: المسألة الثّالثة (٢): فإنّه يحتمل أنّ يفعل ذلك على وجهِ النَّدْبِ والاستحباب، وإن كان العلّماء قد اختلفوا في وجوب الفدْيَةِ عليه، وقد بَيَّنَّا في الحديث الصّحيح والقرآن المطلق، أنّ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (٣) و "يطوقونه" (٤) كيفما قُرِىءَ منسوخٌ، على ما ثبت في الصّحيحِ، فليس على العاجز عن الصيامِ من الكِبَرِ فِدْيَة؛ لأنّه لم يتوجّه عليه خطاب فيفتدي ممّا لزمه. المسألة الرّابعة (٥): قال علماؤنا: في الحاملِ والشَّيخِ الهَرِمِ إذا أَضَرَّ بهما الجُوع والعَطَش فأَفْطَرا، لم تكن عليهما كفَّارة، فإنْ أفطرت الحاملُ والمُرْضِع، فعن مالك في ذلك روايتان. وقال الشّافعيّ: تَفْتَدِي الحامل ولا تفتدي المُرْضِع؛ لأنّ الحامل تخافُ على نفسها والمُرْضِع تخاف على غيرها، فصارت المُرْضِع بمنزلة من يمرض مرضًا في رمضان فيضعف عن الصَّوم فلا فِدْيَةَ عليها. والصّحيح أنَّه ليس على المُرْضِعِ ولا على الحامِلِ فديةٌ، على أنّه قد روي عن ابن عبّاس أنّه قال: نسخ قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ إِلَّا في الحامل والمُرْضِع (٦). وأراد ابن عبّاس بقوله: "نسخ" خصّ، والتخصيصُ حكايته مذهب، والمذهب من الصَّاحبِ لا تقوم به حُجَّة، على ما تقدَّمَ بيانُه.

стр. 1816

* قوله (١): "المرأة الحامل إذا خافت على ولدها"* (٢) إنّه في الحامل على سبيل النَّدبِ، وقد اختلفَ النّاسُ في ذلك. فعن مالكٌ فيه روايتان: إحداهما: ألَّا إطعام عليها، وبه قال أبو حنيفة. والثّانية: أنّ عليها الإطعام، ويُخَرَّج على هذه الرِّواية وجوب الإطعام على الشّيخ، فإن أفطرت خوفًا على نفسها فلا إطعامَ عليها، وإن أفطرت خوفًا على حَمْلِهَا فعليها الإطعام، قاله ابن حبيب. المسألة الخامسة (٣): وأمّا المُرْضِع، فإنْ ضعفت عن الصَّومِ مع إرضاعِ وَلَدِهَا، فإنّه يجب أنّ تستأجر له إنْ أمكنَ ذلك وقبلَ غيرها، فإنْ لم يقبل غيرها ولم يمكن الاستئجار له أرضعت ابنها وأَفْطَرَتْ. واختلف علماؤنا هل عليها إطعام أم لا؟ فعن مالكٌ في ذلك روايتان: إحداهما: نَفْيُهُ، وبه قال أبو حنيفة. والثّانية: إيجَابُه. المسألة السّادسة (٤): قوله (٥): "وَمَنْ أخَّر رمضان حتّى دخلَ عليه رمضان آخر" فقال الشّافعيُّ: عليه الكفَّارة مع القَضَاء. وقال أبو حنيفة: لا فِدْيَةَ عليه (٦). وقال سائر العلّماء: عليه الفِديَة ولستُ أعْلَمُ في ذلك دليلًا في الشّريعة (٧)، إِلَّا

стр. 1817

أنّ الدّارقطنيّ (١) أسندَ حديثًا؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: عليه الفدية، ولم يصحّ. وقال بعضُ العلّماء: إنّه مَنْ أَخَّر قضاء رمضان حتّى جاء رمضان آخر فإنّه يُطعِم. قال الإمام (٢): هذا الفصل يَقْتَضِي أَن قضاءَ رمضان مُؤَقَّتٌ عند ابنِ القاسم، وأنَّ وقتَهُ الّذي وقّته رمضان آخر (٣)، فمَتَى أَخًرَهُ عن وقته لغير عُذْرٍ فعليه الكفَّارة مع القَضَاء، وبهذا قال مالك والشّافعىّ. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه شيء، والكلامُ معه أَوَّلًا في توقيت القضاء، فإنّه لا يجوز له تأخيره عن وَقْتِهِ. المسألة السابعة (٤): قوله: "فأنّه يُطْعِمُ كلّ يَوْمِ مِسْكينَا، مُدًّا من حِنْطَةِ" يريد أنّه يلزمه عن كلِّ يومِ فَرَّطَ فيه، وهذا الّذي عليه جمهور علمائنا. وقال أشهبُ: يُطعِم في غير المَدِينَة مُدًّا ونصفًا، وهو قَدْر شبع أهل مصر. قال الإمام (٥): وإنّما ذلك منه على وجهِ الاستحباب، على ما ذَكَرَهُ في إطعام كفَّارة اليمين، ومعنى المسألة: أنّ يُطعِم مُدًّا كامِلَا لمسكينٍ* واحدِ لا يفرّقه على مسكينين وأكثر، فإن فعل لم يجزه حتّى يتمّ مُدًّا كاملًا لمسكين* (٦)، وهكذا الكفّارات يُعتَبَرُ فيها قَدْر الطَّعام وعدد المساكين. وقد قال علماؤنا: إنّ الحاملَ إذا ثقل وَلَدُها فإنّها تُفْطِر ولا إِطعَامَ عليها بعد ستَّةِ أشهر وهي كالمريضة، وقَبْلَ سِتَّةَ أَشْهُر تُطْعِم عن وَلَدِها لخَوْفِها عليه، ألَّا ترى أنّه لا يجوزُ فعلها بعد السِّتَّة أشهر إلّا في الثلث كالمريض.

стр. 1818

جامع قضاء الصّيام فيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى (١): قول عائشة (٢): "إنْ كَانَ لَيَكونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ من رمضانَ" يقتضي جواز تأخيرها (٣) مع التَّمَكُّنِ مِنْهُ، إلى أنّ يبقى من شعبان قَدْر ما عليها من الأيّام الّتي خلت من الصَّومِ، ولا يكون المُؤَخِّر لذلك مُفَرِّطًا، ولو كان مُفَرِّطًا لما جازَ له التَّأخير عن أوَّل إمكانِ الصَّوْمِ. المسألة الثّانية (٤): روى ابنُ نافع عن مالك في الّذي يُفَرِّطُ في قَضَاءِ رَمَضَانَ حتّى يمرض: أحبُّ إلي أنّ يُوصِي بالإطْعَامِ، وهذا نحو القول الأوّل. وقال غيره (٥): يُوصِي، وليس بواجبٍ عليه ذلك، بل يستحبُّ له. وقال ابنُ الجلّاب (٦): "إنّ كان معذورَا في بعض الأيّام دون بعض، لَزِمَهُ مع القضاء الإطعام بِعَدَدِ الأيّام الّتي زال فيها عُذره دون غيرها". المسألة الثّالثة (٧): وهل يكون للزوج جبر المرأة على تأخير القَضاءِ إلى شعبان؟ الظّاهر عندي أنّه ليس له ذلك إِلَّا باختيارها؛ لأنّ لها حقًا في إبراء ذِمَّتِها من الفَرْضِ الّذي لَزِمَها. وأمّا النفل فإن له منعها منه لحاجته إليها. وقد رُوِيَ عن أبي هريرة؟ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأةٍ أنّ تصومَ وزوجها شاهد إِلَّا بإذْنِهِ" (٨).

стр. 1819

باب صيام اليوم الّذي يشكّ فيه الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (١): قولُه (٢): "إنَّ أهلَ العِلْمِ يَنْهَوْنَ عن أنّ يُصَامَ اليَوْم الّذي يُشَكُّ فيه" قال علماؤنا (٣): إنّما ذلك على سبيل الاحتياط لرمضان، ويرونَ أنَّ صيامَهُ لا يجزئ من صامه إذا ثبتَ بعد ذلك أنَّه من رمضان، وعليه أنّ يقضيه، ولا بأس بصيامه على وَجْهِ التَّطَوُّعِ. المسألة الثّانية: قلنا: أكثرُ العلّماء على الكراهية ذريعة، ربما خطر بِالْبَالِ الاحتراز من هذه الحال، فيقول المرء: أصومُ قبل الشَّهرِ مخافَةَ ان اوقع الفِطْر فيه. وهذه معصيةٌ عظيمة في الدِّين، قال عمار بن ياسر: من صامَ يوم الشَّكِّ فقد عَصَا أبَا القاسِم (٤). وقال النّبيُّ ﷺ : "لا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بيَوْمٍ ولا يَوْمَيْنِ" (٥) بل روى أبو داود: "إذًا انْتَصفَ شَعْبَان، فلا يصومنَّ أحدكم حتَّى يأتي رَمَضَان" (٦) وهذا إنّما فَعَلَهُ ﷺ احترازًا ممّا فَعَلَهُ أهل الكتاب؛ لأنّهم كانوا يزيدون في صومهم على ما فرضَ اللهُ عليهم أوِّلًا وآخرًا، حتّى بدَّلُوا العبادةَ، فلهذا لا يجوز استقبال رمضان ولا تشييعه، ومن أجله قلنا في قول النّبيّ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضانَ" فقد حصلت له المثوبة بصومه عشرة أشهر، ومن صام ستّة أيّام، فقد حصلت له مثوبة ستِّين يومًا. وذلك الدّهر، فأفضلها أنّ تكون في عشر ذي الحجَّة إذ الصّوم فيها أفضل منه في شوّال المذكور في الحديث، فيكون ذِكْرُهَا لتَحصِيلِ الأَجْرِ لا للتَّوْقِيتِ، وقد بَيَّنَّاهُ في مَوضِعِهِ.

стр. 1820

باب جامع الصِّيام هذا بابٌ فيه فوائد كثيرة وأحاديث جَمّة: الحديث الأوّل: قولُه في حديث أبي هريرة (١): "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فإذَا كانَ أَحَدُكُمْ صائمًا فلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ ... " الحديث إلى آخره. فيه خمس فوائد: الفائدةُ الأولى: قوله: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ" لأ أي يُسْتَجَنُّ به من النّار. قال الإمام: معناه أنّ يسترَهُ ويمنعه من الفواحش وما لا يليقُ بالذِّكْرِ، ومن قال: إته جُنَّة من النّار، فإنَّ آخر هذا الحديث ينقض هذا التَّأويل. الفائدةُ الثّانية (٢): قوله: "فَلَا يَرْفُثْ" الرفث هنا الكلام القبيح والشَّتْم والخَنَا والجفاء، وأَنْ تُغْضِب صاحبك بما يسوءُ من القَوْلِ والبذاء (٣)، ونحو ذلك. الفائدةُ الثّالثة (٤): قوله: "ولَا يَجْهَلْ" وهو قريب ممّا وصفنا من الشّتْمِ والسّباب وقُبْح الكلام في القَوْلِ، قال، الشاعر (٥): أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ علينا ... فَنَجْهَلْ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا واللَّغوُ هو الباطلُ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٦) معناه -قالوا-: الباطل.

стр. 1821

الفائدةُ الرّابعة (١): قوله ﷺ (٢): "فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ" أي صَوْمِي يَمْنَعُنِي من مُجَاوَبَتِكَ لأَنِّي أصونُ صَوْمِي عن الخَنَا والزُّور. والمعنى في المُقَاتَلَة مُقَاتَلَتُه بِلسانه. ورُوِيَ في الصَّحيحِ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ والعملَ بِهِ، فليس للهِ بِهِ حاجةٌ في أَنْ يَدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ" (٣). ولا يُعْلِن بقوله: إنِّي صائمٌ، لما فيه من الرِّيَاءِ واطِّلَاع النَّاس عليه؛ لأنّ الصَّومَ منَ العملِ الّذي لا يظهر، ولذلك يَجْزِي اللهُ الصائمَ أجره بغير حسابٍ. قال الإمام: قولُه:"فَمَنْ شَاتَمَكَ فَلْتَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ" فيه وجهان من التَّأوِيل: أحدهما: أنّ تقول ذلك في نَفسِكَ، فلا تجاوبه بشَتْمٍ ولا غيره. الثّاني: أنّ تقولها مجاوبًا له: إنِّي صائمٌ فلا أُجَاوِبُكَ. والأوّلُ اوَّلَى لنَفْيِ الرِّيَاءِ. الفائدةُ الخامسة (٤): قوله: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لله به حاجة ... " الحديث، معناه: الكراهيةُ والتَّحذير، كما جاء: "من شرب الخَمرَ فليشَقِّص الخنازير" (٥) أي يذبحها، وليس هذا على الأمر (٦) بشَقْصِ الخنازير، ولكنّه على تعظيم إثم (٧) شرب الخمر. وكذلك مَنِ اغْتَابَ أو شَهِدَ زُورًا أو مُنْكَرًا لم يُؤمَر أنّ يدع صيامه، ولكنّه يُؤمَر باجْتِنَابِ ذلك، ليتمّ له أجر صيامه. حديث ثانٍ: مالك (٨)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنَّ رسولَ

стр. 1822

الله ﷺ قال: "والّذى نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخَلُوفِ فَمِ الصائم أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، إنَّمَا يَذَرُ شَهوَته وطعامه وشَرَابه مِن أَجْلِي، فالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزي به ... " الحديث إلى آخره. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه خَرَّجَهُ مسلم (١) وغيره (٢). وفيه فوائد: الفائدةُ الأولى: قولُه: "لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطيبُ عنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ ... " الحديث، أي تَغَيُّر فمِ الصّائم في آخر النّهار، وأكثر ذلك في شدَّة الحَرِّ، وهو من رائحة المَعِدَةِ ولا يذهب بالسِّوَاكِ؛ لأنّه من رائحة النّفس الخارِجِ من المَعِدَةِ وإنّما يذهبُ بالسِّواكِ ما كان في الأسنان. وقال البرقي: هو تغيّر طعم فيه، وهذا ليس على أصلِ مالك، وإنّما هو جار على مذهب الشّافعيّ، ولذلك منع الصائم السِّواك بعد نصف النهار؛ لأنّه وقت وجود الخَلُوفِ فيه عِندَهُ، وأباحه مالك؛ لأنّ الخَلُوفَ لا يزولُ بالسِّواكِ؛ لأنَّ أصله من المَعِدَة، ولو زال بالسِّواكِ قَبلَ الزَوَالِ لمنع وجوده فيه بعد الزَّوال إنّ كان مختصًّا بالفَمِ، وقد سمعتُ جماعة من الخُطَبَاء -أعني خطباء الأندلس- يدخلون قول الشّافعيّ في خُطَبِهِم، وذلك لأحد وجهين. إمّا لِقِلَّةِ معرفتهم بالمَذْهَبِ. وإمَّا لما وَجَدُوا ذلك ثابتًا في خُطَبِهِم -أعني خُطَب ابن نباتة- الواردة من قِبَلِ المشرق، وخطبهم مبنيّةٌ على مذهب الشَّافعىّ، وهذه المسألة قَوِيَّةٌ لمَالِك فلزم التّنبيه عليها لِئَلّا يترك الأخذ بها من لا يعرف وجهها. توحيد: قوله: "أَطيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ" يريد أَزْكَى عند الله وأَقْرَب إليه مِنْ ريح

стр. 1823

المِسْكِ عندكُم (١)، وأكثر ثوابًا عند الله. وقال أبو عبد الله المازَرِي (٢): "هو مجازٌ واستعارةٌ؛ لأنّ استطابة بعض (٣) الرّوائح من صفات الحيوان الّذي له طباع تَمِيلُ إلى شَيْءٍ فتَسْتَطِيبُهُ، وتنفر عن آخر فتستقذره، واللهُ تعالى يَتَقَدَّسُ عن ذلك، ولمن جرت العادة بيننا (٤) بتقريب الرّوائح الطَّيِّبَة مِنَّا، واستعير (٥) ذلك في الصّوم لتقريبه من الله تعالى". وقيل: الصّحيح أنّه أكثر ثوَابًا من الّذي تَطَيَّبَ لغيرِ الله. والتطيّب لوجه الله ينتفع بذلك (٦) جلساؤه، ويذهب كراهية رائحته، فلا يُؤْذِي بها (٧) ولتشتمّ الملائكة. ويحتمل أنّ يُؤْجر الإنسان على أَكْلِهِ وَلِبَاسِهِ وتطيُّبِه إذا كان ذلك حَلَالًا لِوَجْهِ الله تعالى. أمّا الأكل، فلِلْقُوَّةِ على العبادة. وأمّا اللِّباس، فيَنْوِي به سَتْرَ العَوْرَة. وأمّا التَّطَيُّب، فينوِي به ما ذَكَرْنَا. عربية (٨): قولُه: "لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ لا يقال -بِضَمِّ الفَاءِ-: تَغَيُّره. قال الهَرَوي (٩): "يقال خَلَفَ فوه إذا تَغَيَّرَ يَخْلُفُ خُلُوفًا (١٠)، ومنه حديث علىّ ﵁ إذ سئل عن قُبْلَةِ الصَّائمِ، فقال: وما إِرْبُكَ إلى خُلُوفٍ فيها" (١١). ويقالُ: نَوْمَةُ الضُّحَى مَخْلَفَةٌ لِلْفَمِ، أي مُغَيِّرَةٌ.

стр. 1824

الفائدةُ الثّانية: في السِّواك للصّائم وهو عندنا جائزٌ في سائر النّهار، خلافًا للشّافعىّ؛ لاْنّه يُجَوِّزُه في أوَّل النَّهارِ ولا يُجَوِّزه في آخره. واحتج بأنْ قال: السِّواكُ في آخر النَّهار يُذْهِب الخَلُوفَ، وقد مدح عليها شَرْعًا، فلا تجوز إزالتها كدَمِ الشَّهِيدِ. ووجه الرَدِّ عليه: أنّ الخَلُوفَ في الجَوْفِ لا في الفَمِ، وما كان من الجَوْفِ لا يُزيلُهُ السِّواك. وأمّا السِّواك الرَّطبُ فغير جائزٍ باتِّفَاقٍ منَّا؛ لأنّه طيبٌ وذوق ومائِعٌ وإنّه لا يجوز أنّ يُعَبَّر بالفَضْل عن الفضيلة، ومعنى ذلك أنّ يجعله الصّائم باختيارٍ في فيه، فيكون حينئذٍ عندنا على ضربين: مكروهٌ، ومباحٌ. فالمكروه الرطب، والمباحُ اليابس. وقد بيَّنَّاهُ بأبْدَعِ بيانٍ في كتابِ الطّهارة من هذا الكتاب فلننظر هنالك. حديث: قوله "الصَّوم لي" قيَّدنا فيه عن علمائنا سبعة أوجه (١): الأوَّلُ: اْضافه اللهُ (٢) تشريفًا وتخصيصًا، كإضافة الكَعْبَةِ والمَسَاجِدِ على شرف سائر البقاع (٣). الوجه الثّاني: أنّه أراد بقوله: "الصَّوْمُ لِي" الصَّوم لا يعلمه أحدٌ غيري؛ لأنّ كلَّ طاعةٍ لا يقدر المرء أنّ يُخْفِيها، وإن أخفاها عن النّاس لم يخفها عن الملائكة، والصَّومُ يمكنه أنّ ينويه ولا يَعْلَمُ به مَلَكٌ ولا بَشَرٌ. الوجه الثّالث: أنّ المعنى الصَّومُ صِفَتِىِ؛ لأنّ الباري تعالى لا يطعم، فمن فَضَّل الصِّيام على سائر الأعمال؛ فلأن العبدَ يكون فيه على صِفَةٍ من صفاتِ الرَّبِّ، وليس ذلك في أعمال الجوارح إلّا في الصَّوْمِ. فأما في أعمال القلوب، فيكون ذلك كثيرًا، كالعلم والكلام والإرادة. الوجه الرّابع: أنّ المعنى بالصّوم لي، أي من صفة ملائكتي؟ لأنّ العبد في حالة الصَّوْمِ ملكٌ؛ لأنّه يذكر ولا يأكل، يمتثل العبادة ولا يقضي (٤) شهوته.

стр. 1825

الوجه الخامس: "الصَّومُ لِي" المعنى فيه: أنّ كلِّ عمل أعْلَمْتُكُم مقداره إِلَّا الصّوم فإِنِّي انفردتُ بعلمه (١) لا أُطْلِعُ عليه أَحدًا. الوجه السّادس: أنّ معنى "الصّومُ لِي" أنّ يقمع عَدُوِّي وهو الشّيطان؛ لأنّ سبيل الشّيطان إلى العَبْدِ اقتضاء الشّهوات، فإذا تركها العبد بَقِيَ الشيطان لا حراك به ولا حِيلَةَ له. الوجه السّابعِ: رُوِيَ في بعض الآثار؛ أنّ العبدَ يأتي يوم القيامة بحسناته، ويأتي قد ضَرَبَ هذا، وشتَمَ هذا، وأخذَ مال هذا، فتدفع حسناته لغُرَمَائه إِلَّا الصِّيام، يقول الله تعالى: "هُو لِي ليس إِلَيْكُمْ إِلَيْهِ سبيلٌ" قال الإمام: وهذا إنّ صَحَّ بَدِيعٌ. تكملةٌ للحدبث: قال: ثمَّ أردفَ الحديث بقوله: "لَخَلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عندَ اللهِ من رِيحِ المِسْكِ". ووجه التّمثِيلِ فيه: أنّ المِسْكَ مَحْبُوبٌ للنَّفْسِ، والصومُ أحبّ إلى الله وأَقْرَب إليه من حُبِّ المِسْكِ إليكم وقربه من أَنْفُسِكُم، إشارة إلى أنَّ المِسْكَ أطيب الطِّيبِ، كذلك الصوم أفضل العبادات (٢). اعتراض (٣): فإن قيل: فهل يكون أفضل من الصّلاة بهذا المعنى؟ قلنا: إنَّ العبادةَ على ضربين: متعدِّية، ولَازِمَةٌ، فالأفضل منها اللازمة (٤)؛ لأنّه منها. فإن قيل: والصّلاة لازمةٌ، فهل هي أفضل منها؟ قلنا: لا أفضل من الصَّلاةِ، وإنّما يكون فضل الصَّوم بَعْدَها. وقوله: "وللصّائِمِ فَرْحَتَانِ: فرحَةٌ عند إفطاره وفرحةٌ عند لِقَاءِ ربهِ" (٥).
следующие страницы →