← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الفائدةُ الرّابعة (١): قوله ﷺ (٢): "فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ" أي صَوْمِي يَمْنَعُنِي من مُجَاوَبَتِكَ لأَنِّي أصونُ صَوْمِي عن الخَنَا والزُّور. والمعنى في المُقَاتَلَة مُقَاتَلَتُه بِلسانه. ورُوِيَ في الصَّحيحِ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ والعملَ بِهِ، فليس للهِ بِهِ حاجةٌ في أَنْ يَدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ" (٣). ولا يُعْلِن بقوله: إنِّي صائمٌ، لما فيه من الرِّيَاءِ واطِّلَاع النَّاس عليه؛ لأنّ الصَّومَ منَ العملِ الّذي لا يظهر، ولذلك يَجْزِي اللهُ الصائمَ أجره بغير حسابٍ. قال الإمام: قولُه:"فَمَنْ شَاتَمَكَ فَلْتَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ" فيه وجهان من التَّأوِيل: أحدهما: أنّ تقول ذلك في نَفسِكَ، فلا تجاوبه بشَتْمٍ ولا غيره. الثّاني: أنّ تقولها مجاوبًا له: إنِّي صائمٌ فلا أُجَاوِبُكَ. والأوّلُ اوَّلَى لنَفْيِ الرِّيَاءِ. الفائدةُ الخامسة (٤): قوله: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لله به حاجة ... " الحديث، معناه: الكراهيةُ والتَّحذير، كما جاء: "من شرب الخَمرَ فليشَقِّص الخنازير" (٥) أي يذبحها، وليس هذا على الأمر (٦) بشَقْصِ الخنازير، ولكنّه على تعظيم إثم (٧) شرب الخمر. وكذلك مَنِ اغْتَابَ أو شَهِدَ زُورًا أو مُنْكَرًا لم يُؤمَر أنّ يدع صيامه، ولكنّه يُؤمَر باجْتِنَابِ ذلك، ليتمّ له أجر صيامه. حديث ثانٍ: مالك (٨)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنَّ رسولَ

стр. 1822

الله ﷺ قال: "والّذى نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخَلُوفِ فَمِ الصائم أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، إنَّمَا يَذَرُ شَهوَته وطعامه وشَرَابه مِن أَجْلِي، فالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزي به ... " الحديث إلى آخره. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه خَرَّجَهُ مسلم (١) وغيره (٢). وفيه فوائد: الفائدةُ الأولى: قولُه: "لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطيبُ عنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ ... " الحديث، أي تَغَيُّر فمِ الصّائم في آخر النّهار، وأكثر ذلك في شدَّة الحَرِّ، وهو من رائحة المَعِدَةِ ولا يذهب بالسِّوَاكِ؛ لأنّه من رائحة النّفس الخارِجِ من المَعِدَةِ وإنّما يذهبُ بالسِّواكِ ما كان في الأسنان. وقال البرقي: هو تغيّر طعم فيه، وهذا ليس على أصلِ مالك، وإنّما هو جار على مذهب الشّافعيّ، ولذلك منع الصائم السِّواك بعد نصف النهار؛ لأنّه وقت وجود الخَلُوفِ فيه عِندَهُ، وأباحه مالك؛ لأنّ الخَلُوفَ لا يزولُ بالسِّواكِ؛ لأنَّ أصله من المَعِدَة، ولو زال بالسِّواكِ قَبلَ الزَوَالِ لمنع وجوده فيه بعد الزَّوال إنّ كان مختصًّا بالفَمِ، وقد سمعتُ جماعة من الخُطَبَاء -أعني خطباء الأندلس- يدخلون قول الشّافعيّ في خُطَبِهِم، وذلك لأحد وجهين. إمّا لِقِلَّةِ معرفتهم بالمَذْهَبِ. وإمَّا لما وَجَدُوا ذلك ثابتًا في خُطَبِهِم -أعني خُطَب ابن نباتة- الواردة من قِبَلِ المشرق، وخطبهم مبنيّةٌ على مذهب الشَّافعىّ، وهذه المسألة قَوِيَّةٌ لمَالِك فلزم التّنبيه عليها لِئَلّا يترك الأخذ بها من لا يعرف وجهها. توحيد: قوله: "أَطيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ" يريد أَزْكَى عند الله وأَقْرَب إليه مِنْ ريح

стр. 1823

المِسْكِ عندكُم (١)، وأكثر ثوابًا عند الله. وقال أبو عبد الله المازَرِي (٢): "هو مجازٌ واستعارةٌ؛ لأنّ استطابة بعض (٣) الرّوائح من صفات الحيوان الّذي له طباع تَمِيلُ إلى شَيْءٍ فتَسْتَطِيبُهُ، وتنفر عن آخر فتستقذره، واللهُ تعالى يَتَقَدَّسُ عن ذلك، ولمن جرت العادة بيننا (٤) بتقريب الرّوائح الطَّيِّبَة مِنَّا، واستعير (٥) ذلك في الصّوم لتقريبه من الله تعالى". وقيل: الصّحيح أنّه أكثر ثوَابًا من الّذي تَطَيَّبَ لغيرِ الله. والتطيّب لوجه الله ينتفع بذلك (٦) جلساؤه، ويذهب كراهية رائحته، فلا يُؤْذِي بها (٧) ولتشتمّ الملائكة. ويحتمل أنّ يُؤْجر الإنسان على أَكْلِهِ وَلِبَاسِهِ وتطيُّبِه إذا كان ذلك حَلَالًا لِوَجْهِ الله تعالى. أمّا الأكل، فلِلْقُوَّةِ على العبادة. وأمّا اللِّباس، فيَنْوِي به سَتْرَ العَوْرَة. وأمّا التَّطَيُّب، فينوِي به ما ذَكَرْنَا. عربية (٨): قولُه: "لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ لا يقال -بِضَمِّ الفَاءِ-: تَغَيُّره. قال الهَرَوي (٩): "يقال خَلَفَ فوه إذا تَغَيَّرَ يَخْلُفُ خُلُوفًا (١٠)، ومنه حديث علىّ ﵁ إذ سئل عن قُبْلَةِ الصَّائمِ، فقال: وما إِرْبُكَ إلى خُلُوفٍ فيها" (١١). ويقالُ: نَوْمَةُ الضُّحَى مَخْلَفَةٌ لِلْفَمِ، أي مُغَيِّرَةٌ.

стр. 1824

الفائدةُ الثّانية: في السِّواك للصّائم وهو عندنا جائزٌ في سائر النّهار، خلافًا للشّافعىّ؛ لاْنّه يُجَوِّزُه في أوَّل النَّهارِ ولا يُجَوِّزه في آخره. واحتج بأنْ قال: السِّواكُ في آخر النَّهار يُذْهِب الخَلُوفَ، وقد مدح عليها شَرْعًا، فلا تجوز إزالتها كدَمِ الشَّهِيدِ. ووجه الرَدِّ عليه: أنّ الخَلُوفَ في الجَوْفِ لا في الفَمِ، وما كان من الجَوْفِ لا يُزيلُهُ السِّواك. وأمّا السِّواك الرَّطبُ فغير جائزٍ باتِّفَاقٍ منَّا؛ لأنّه طيبٌ وذوق ومائِعٌ وإنّه لا يجوز أنّ يُعَبَّر بالفَضْل عن الفضيلة، ومعنى ذلك أنّ يجعله الصّائم باختيارٍ في فيه، فيكون حينئذٍ عندنا على ضربين: مكروهٌ، ومباحٌ. فالمكروه الرطب، والمباحُ اليابس. وقد بيَّنَّاهُ بأبْدَعِ بيانٍ في كتابِ الطّهارة من هذا الكتاب فلننظر هنالك. حديث: قوله "الصَّوم لي" قيَّدنا فيه عن علمائنا سبعة أوجه (١): الأوَّلُ: اْضافه اللهُ (٢) تشريفًا وتخصيصًا، كإضافة الكَعْبَةِ والمَسَاجِدِ على شرف سائر البقاع (٣). الوجه الثّاني: أنّه أراد بقوله: "الصَّوْمُ لِي" الصَّوم لا يعلمه أحدٌ غيري؛ لأنّ كلَّ طاعةٍ لا يقدر المرء أنّ يُخْفِيها، وإن أخفاها عن النّاس لم يخفها عن الملائكة، والصَّومُ يمكنه أنّ ينويه ولا يَعْلَمُ به مَلَكٌ ولا بَشَرٌ. الوجه الثّالث: أنّ المعنى الصَّومُ صِفَتِىِ؛ لأنّ الباري تعالى لا يطعم، فمن فَضَّل الصِّيام على سائر الأعمال؛ فلأن العبدَ يكون فيه على صِفَةٍ من صفاتِ الرَّبِّ، وليس ذلك في أعمال الجوارح إلّا في الصَّوْمِ. فأما في أعمال القلوب، فيكون ذلك كثيرًا، كالعلم والكلام والإرادة. الوجه الرّابع: أنّ المعنى بالصّوم لي، أي من صفة ملائكتي؟ لأنّ العبد في حالة الصَّوْمِ ملكٌ؛ لأنّه يذكر ولا يأكل، يمتثل العبادة ولا يقضي (٤) شهوته.

стр. 1825

الوجه الخامس: "الصَّومُ لِي" المعنى فيه: أنّ كلِّ عمل أعْلَمْتُكُم مقداره إِلَّا الصّوم فإِنِّي انفردتُ بعلمه (١) لا أُطْلِعُ عليه أَحدًا. الوجه السّادس: أنّ معنى "الصّومُ لِي" أنّ يقمع عَدُوِّي وهو الشّيطان؛ لأنّ سبيل الشّيطان إلى العَبْدِ اقتضاء الشّهوات، فإذا تركها العبد بَقِيَ الشيطان لا حراك به ولا حِيلَةَ له. الوجه السّابعِ: رُوِيَ في بعض الآثار؛ أنّ العبدَ يأتي يوم القيامة بحسناته، ويأتي قد ضَرَبَ هذا، وشتَمَ هذا، وأخذَ مال هذا، فتدفع حسناته لغُرَمَائه إِلَّا الصِّيام، يقول الله تعالى: "هُو لِي ليس إِلَيْكُمْ إِلَيْهِ سبيلٌ" قال الإمام: وهذا إنّ صَحَّ بَدِيعٌ. تكملةٌ للحدبث: قال: ثمَّ أردفَ الحديث بقوله: "لَخَلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عندَ اللهِ من رِيحِ المِسْكِ". ووجه التّمثِيلِ فيه: أنّ المِسْكَ مَحْبُوبٌ للنَّفْسِ، والصومُ أحبّ إلى الله وأَقْرَب إليه من حُبِّ المِسْكِ إليكم وقربه من أَنْفُسِكُم، إشارة إلى أنَّ المِسْكَ أطيب الطِّيبِ، كذلك الصوم أفضل العبادات (٢). اعتراض (٣): فإن قيل: فهل يكون أفضل من الصّلاة بهذا المعنى؟ قلنا: إنَّ العبادةَ على ضربين: متعدِّية، ولَازِمَةٌ، فالأفضل منها اللازمة (٤)؛ لأنّه منها. فإن قيل: والصّلاة لازمةٌ، فهل هي أفضل منها؟ قلنا: لا أفضل من الصَّلاةِ، وإنّما يكون فضل الصَّوم بَعْدَها. وقوله: "وللصّائِمِ فَرْحَتَانِ: فرحَةٌ عند إفطاره وفرحةٌ عند لِقَاءِ ربهِ" (٥).

стр. 1826

قال أهل الفقه: فرحة عند الإفطار بلَذّةِ الأَكْلِ. وقال أهلُ العبادة: فَرْحَتُهُ تمام الصِّيام على الكمَالِ، وإذا لَقِيَ الله كان أشدَّ فرحًا. تتميم (١): وأمّا قوله: "الصَّوْمُ لي" الصّومُ في لسان العرب: الإمساك (٢). وقال ابنُ الأنباريّ (٣): إنّما سُمِّيَ الصَّومُ صَوْمًا (٤)؛ لأنّه حبس للنَّفْسِ عن المطاعم والمشارب والشَّهوات. وقد قال ﷺ : "مَنْ صَامَ شهر الصَّبْرِ فثلاثة أيّام من كلِّ شَهْرٍ فكأنما صامَ الدَّهْرَ" (٥) يعني بشَهرِ الصَّبْر رمضان. وقد يُسَمَّى الصائِمُ سائحًا، ومنه قوله تعالى: ﴿السَّائِحُونَ﴾ (٦) يعني الصائمين. ومنه قوله تعالى: ﴿عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ (٧). وللصوم وجوهٌ في لِسانِ العَرَبِ قد بيَّنَّاه في أوَّل كتاب الصِّيام. حديث رابع: مالك (٨)، عن عَمِّهِ أبِي سُهَيْل بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أنَّه قال: إذًا دَخَلَ رمضانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ. الإسناد: قال الإمام: هذا حديث مرفوع في غير "الموطَّأ" (٩) عن النَّبيِّ ﷺ مِنْ وُجوهٍ مُخْتَلِفَةٍ.

стр. 1827

وقع في التّرمذيّ (١)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذ كان أوَّلُ ليلةِ من رمضانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ومَرَدَةُ الجِنِّ، وغُلقَتْ أبوابُ النَّارِ، فلم يُفْتَح منها بابٌ، وفُتحَتْ أبوابُ الجنَّةِ، فلم يُغْلَقْ منها بابٌ، ونَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أقْبِل، ويَا بَاغِيَ الشَّرِ أَقْصرْ، ولله عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وذلكَ كلَّ ليَةٍ" وقد ضَعَّفَ أبو عيسى هذا الحديث، وذَكَرَ أنّ الصّحيح منها رواية الأَعْمَش عن محمّد (٢). ووقع في الصِّحاح: "إذًا دخلَ رمضان فُتِّحَتْ أبوابُ السَّماء" (٣) وفي رواية: "فُتِّحتْ أبوابُ الجَنَّةِ" (٤) وفي رواية: "فُتِّحَتْ أبوابُ الرَّحْمَة، وغُلِّقَتْ أَبْوابُ جَهَنَّم، وَسُلْسِلتِ الشَّيَاطِينُ" (٥) هذه أمثل الأحاديث في هذا الباب. الأصول: قوله: "إذا كانَ رمضان فُتِّحت أبوابُ الجَنَّةِ" هذا يقتضي أنّها مخلوقة رَدًّا على القَدَرِيَّة الذين يقولون: إنها لم تُخْلَق، والأخبار والآثار الصِّحاح في ذلك كثيرةٌ جدًّا، وقد بلغت من الاستفاضة حَدًّا يقربُ من التّواتر. ذكر الفوائد المتعلقة بهذا الحديث: وهي ثلاث عشرة فائدة: الفائدةُ الأولى: قوله: "أَبْوَاب السَّمَاءِ" ورُوِيَ: "أبواب الرَّحْمَة" وإذا فتحت أبواب الجنَّة الّتي فوق السموات وسقفها عرش الرّحمن، فَأَوْلَى وأَحْرَى أنّ تفتح أبواب السّماء الّتي تحتها. الفائدةُ الثّانية: قولُه: "أبواب الرَّحمة" والرحمةُ تكون بمعنيين: أحدهما: إرَادَةُ الله تعالى الإنعام والثّواب لعباده، وتلك صفةٌ من صفاتِهِ ليست

стр. 1828

بجسمِ ولا لها بابٌ (١) حقيقة. والمعنى الثّاني: تكون الرَّحمة بمعنى الجَنَّة، فإنها رحمةُ الله، وفي الحديث الصّحيح؛ أنّ الله تعالى قال للجَنَّةِ: "أنت رحمتي أرحم بك من شئت من عبادي"، وقال للنَّار: "أنت عَذَابِي أصيب بك من أشاءَ من عِبَادِي ولكل واحد منكما ملؤها". الفائدةُ الثّالثة (٢): قوله: "وصُفِّدَتِ الشّياطين" يعني شدّت في الصِّفَادِ، وهي الآلة الّتي تصفد بها اليدان والرِّجلانِ. والتّصفِيدُ بتخفيف الفاء هو الغُلُّ عند العرب، والشّياطين هم خَلْقٌ من خَلقِ الله، وهم ذُرِّيَة إبليس - لَعَنَهُ اللهُ-، وهم أجسامٌ يأكلون ويطعمون ويشربون ويولدون ويموتون ويعذّبون ولا يُنَعَّمون بحالٍ. وأَنْكَرَتْ ذلك القَدَرِيّة لإضمارهم عقيدة الفلاسفة، وربمّا خَيَّلُوا على عوامّ المسلمين، فيقولون: هم أجسامٌ لطيفةٌ، لا تأكل ولا تشرب، بسائط، وكذبوا: ليس كذلك عندهم ولا عند الفلاسفة حقيقة، ولا هم موجودون، لا لطائف ولا بسائط، وقد بيَّنَّا هذا الفن في "الكتاب الكبير" فليُنظر هنالك. تنبيه على وهم: أمّا قولُه: "صُفَّدَتِ الشّياطين" فمن النّاس من قال: إنّه حمل المُطْلَق على المقيَّد، وليس كذلك، وإنّما هو من باب الخَاصِّ والعامّ، وذلك قولُه: "صُفِّدَتِ الشّيَاطِينُ" عامٌّ في المَرَدَةِ وغيرِهِم. وقوله: "صفِّدَتِ المَرَدَةُ مِنَ الشَّيَاطِينِ" خاصٌّ في المَرَدَةِ لا غير. والأصلُ في هذا الباب -أعني من الخاص والعام- أنّ الخاصّ والعامّ إذا وَرَدًا، لا يخلو أنّ يكونا متِّفِقَيْنِ أو مختلفين، فإن كانا مُتَّفِقَيْن، كان الخاصُّ على خصوصه والعامُّ على عمومه، ويكونُ في الخاصِّ زيادة فائدة. مثال ذلك: قولُه ﵇: "لا صلاةَ بعدَ العَصْرِ حتَّى تغرب الشَّمسُ، ولا صلاةَ بعدَ الصُّبحِ حتَّى تطلع الشَّمسُ" هذا عام في الوَقْتِ كلِّه وحديثُ عبد الله بن عمر: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشّمس ولا صلاة بعد الصُّبح ولا غروبها" هذا خاصٌّ في هذا الوقت.

стр. 1829

فقال عوامُّ الفقهاء: إنّ الخاصِّ يقضي على العامّ بحديث ابن عمر. قلنا: هذا خطأٌ، بل يبقى العامُّ على عمومه والخاصُّ على خصوصه؛ لأنّ معناهما واحدّ، وهما متَّفِقَانِ، وإنّما يقضي الخاصُّ على العامِّ إذا كانا مختلفين كما قدَّمناهُ. فإذا كانا مختلفين، فيقضي الخاصُّ فيه على العامِّ، وقد بيَّنَّاهُ في بابه في أوّل الكتاب، فليُنْظَر هنالك. وقوله: "صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ" عامٌّ في المَرَدَةِ وغيرهم، وقوله: "مَرَدَة" خاصٌّ في المَرَدَةِ، وهما مُتَّفِقَانِ، فلا بُدَّ من زيادة فائدة في قولة: "مَرَدَة"؛ لأنا إنّ قلنا: إنّ العموم يدخل تحت المَرَدَة وغيرهم، فما فائدة تَكْرَارِهِم في الاختصاص؟ قلنا: فائدةُ ذلك توكيدُ التَّحريمِ في قوله: "لا تحرّوا بصلاتكم هَذَيْنِ الوقتين" وفائدة تأكيد التَّصْفِيدِ لها ولا زيادة اختصاص. الفائدةُ الرّابعة (١): قوله: "سُلسِلَت" يعني رُبِطَت في السَّلاسِل. وقوله: "فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ" فيه دليل على أنّ أبوابَها مُغلقة. وقوله:، غلقت أَبوَابُ النَّارِ" دليل على أنّها مفتحة. وقد غلطَ في ذلك بعض المُعْتَدِينَ (٢) على كتاب الله تعالى، فقال: إنّ قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (٣). دليل على أنّ أبوابها مفتحة أَبَدًا، إذ لم يجعله جواب الخبر (٤). وقوله في النّار: ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (٥) دليلٌ على أنّها مغلقة. فقلب الحقيقة، وتكلّم في كتاب الله برَأْيِهِ. وقال آخر (٦) من الفضوليِّين: قوله: "فُتِّحَتْ أبْوَايُهَا" يفسِّره واو الثّمانية، إذ للجنَّة ثمانية أبواب، كما قال تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٧) بواو، وسائر الأعداد

стр. 1830

بغير واو. والحقُّ الصّحيح المعقول (١) المعلوم. ما قال النّبيّ ﷺ : "إنِّي آتي باب الجنَّة وآخذُ بحلقة الباب فاُقَعْقِعُ (٢)، فيقول الخازن: من؛ فأقول: محمّد. فيقول: بكَ أُمِرْتُ، لا أفتح لأَحَدٍ سِوَاكَ" (٣) وإنّما تفتح أبواب الجنَّة في رمضان، ليعظم الرَّجاء ويكثر العمل، وتتعلّق بها الهِمَم، ويتشوّف إليها الصَّابر الصَّائم. وتغلق فيه أبواب النّار، لتخزى الشّياطين، وتقلّ المعاصي، وتصِير (٤) الحسنات في وجوه السيئات، فتذهب سبيل النّار. تنبيه آخر: قال الإمام: وقد وقع مجلس بين ابن خَالَوَيْه وأبي على الفارسي في هذه المسألة بحَضْرَةِ سيف الدَّولة، وذلك أنَّه سُئِلَ ابن خَالَوَيْه في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (٥) لِمَ جاءت الواحدة بواو والأخرى بغير واو؟ فقال ابن خَالَوَيْه: هذه واو الثّمانية؛ لأنّ العرب لا تعطف الثّمانية إِلَّا بالواو (٦). فقال سيف الدّولة لأبي علىّ: أَحَقًّا ما يقولُ؛ فقال أبو عليّ: لا، وإنّما أقولُ: إنّ قولَهُ في أبوابِ النّار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أبواب النّار مغلقة، فكان مجيئهم شَرْطًا في فتحها؛ لأنّ قوله: "فُتِّحت أبوابها" فيه معنى الشّرط، وأمّا قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ في أبواب الجنَّة، فهذه واو الحال. كأنّه قال: وفُتِّحت أبوابها، أي وهذه حالها مفَتَّحَة الأبواب (٧). وهذا أحسن. ورُريِّتُ عن أبي علىّ برواية عنه وعن الشّيخ أبي بكر: قوله: "وفتحت" "وغلقت" على المجاز لا على الحقيقة. ومعنى الباب إنّما هو سبيلٌ وطريقٌ إلى فعل فِعْلٍ كان سببًا إلى فتح أبواب الجنَّة وغلق أبواب النّار عنه؛ لأنّه لا يدخل الإنسان الجَنَّةَ والنَّارَ إِلَّا بالفَرْجِ والنَّظَرِ والبَطْنِ، فإذا عَفَّ، قيل: فُتِّحَت له أبواب الجنَّة، وإذا أساءَ، قيل: فُتِّحَت له أبواب النّار، فإذا

стр. 1831

كان في شهر رمضان أَمْسَكَ عن الطَّعَامِ والشّرابِ والمعاصي، فكأنّ أبواب النّار غُلِّقَت عن هذا وفتحت له أبواب الجَنَّة. وكذلك قال أكثر النّاس: إنّ معنى: "فتحت أبواب الجنَّة" أي كثرت الطّاعات، "وغُلِّقَت أبوابُ النَّار" أي انقطعت المعاصي وقَلَّتْ، وضربت لذلك الأبواب في الوجهين مثلًا. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: هذا مجازٌ جائزٌ لا يقطعُ الحقيقة ولا يعارضها، وكلا المعنيين صحيحٌ مليحٌ موجودان. الفائدةُ السّادسة (١): قوله: "غُلِّقَت أبْوَابُ النَّارِ" وروي في رواية: "غُلِّقَتْ أبوابُ جَهَنَّم"، وروى النسائي (٢): "غُلِّقَتْ أَبوَابُ الجَحِيمِ" وهذا يدلُّ على أنّها أسماء جهنَّم،* خلافًا لمن تعدَّى فجعل ذلك عبارة عن انتهاء درجات جهنم* (٣)، وأنّها طِبَاق سبع، لها هذه التّسميات، وليس كما زعم بعضى الجُهال المُعْتَدِين أنَّ أبواب جهنَّم سبعة، ولم يخلق إلى الآن من يُحَدِّث عن محمّد ﷺ تسمية أبوابها، وذلك كلُّه اعتداءٌ على دِينِ الله تعالى. وأبوابُ الجنَّة ثمانية، ولم يخلق إلى الآن من يُسَمِّيها عن محمّد ﷺ ، والّذى صحَّ عنه أنّ للجنَّة بابًا يقال له الرَّيَّانُ، لا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصائمون (٤)، وأمّا أنّها ثمانية، فهي ثمانية كما قال ﷺ في الحديث الصّحيح: "من أنفق زوجين في سبيل الله، دُعِيَ من أبوابِ الجَنَّةِ الثَّمَانية، يدخل من أيّها شاء" فقال أبو بكر: يُدعَى أحد من تلك الأبواب كلّها؛ قال: "نعم أنت منهم" (٥). اعتراض من مستريب (٦): قال: إنَّا نَرَى المعاصي في رمضان كما هي في غيره، فما أفاد تصفيد الشّياطين؟ وما معنى هذا الخبر؟ قلنا له: كذبتَ، أو جهلتَ، ليس يَخْفَى أنّ المعاصي في رمضان أقلّ منها في

стр. 1832

غيره، ومن زعم أنّ رمضان في الاسترسال على المعاصي وغيره سواء فلا تُكلِّموه، فقد سقطت مُخَاطَبَتُه، بل تقلّ المعاصي ويبقى منها ما بقي (١)، وذلك لثلاثة أوجه: أحدها أنّ يكون المعنى صُفِّدت وسُلْسِلَت (٢)، ويبقى ما ليس بمَارِدٍ ولا عفريتٍ، ويدلُّ على ذلك الحديثُ الآخر. الوجه الثّاني: أنّ يكون المعنى أنّها بعد تَصْفِيدِهَا كلِّها وسلسلتها، تحمل المرء على المعاصي بالوسوسة، فإنّه ليس من شرط الوسوسة الّتي يجدها المُؤْمِن نفسه من الشّيطان الاتِّصال، بل هي بالعبد (٣) صحيحة؛ فإنّ الله هو الّذي يخلُقها في قَلْبِ العبدِ عند تكلُّم الشيطان بها، كما يخلق في جسم المسحور عند تكلّم الساحر، وعند تكلُّم العائن في جسم المُعَيَّن. الوجه الثّالث - قلنا: ليس من شرط التَّصْفِيدِ عدم الوسوسة؛ لأنّ الوسوسة لا تكون باليَدِ والرِّجْل. فإن قيل: إذا كان هذا تأويله (٤)، فلم يبق للحديث معنى. قُلْنَا: عن هذا جوابان: أحدهما: أنّه ليس يلزمنا معرفة معنى الحديث، ولا أنّ نُعلِّل جميع الأشياء، فإنّ أكثر الأحاديث غير معلولة (٥) المعنى. الجواب الثّاني - أنّ نقول: فائدة الحديث أنّهم منعوا الإذاية بأيديهم وأرجلهم من العمل والجنون والحُمْق وغير هذا، وهذا كتاب مقنع جدًّا، إنّ شاء الله. الفائدةُ السابعة (٦): قوله: "ويُنَادِي مُنَادٍ" هذا المُنَادي غير مسموع للآدميِّينَ، ولكنّهم أُخْبِرُوا بذلك ليَعْلَمُوا أنّهم غير مغفولٍ عنهم ولا مَهْمُولينَ (٧)، فإنّ البارئ سبحانه لا تجوز عليه

стр. 1833

الغَفْلَة ولا الإهمال بحالِ ولا بِوَجْهِ. وقد وهم في ذلك المتكلمون من علمائنا في بعض الإطلاقات على الله، وذلك قبيحٌ لا ينبغي، فلا تلتفتوا إليه. الفائدةُ الثامنة: "ولله عُتَقَاءُ من النّار" اعْلَمُوا -وفقكم الله وَوَفَّقَ لكم المُعَلِّم- أنّ لله سبحانه عتقاء من النَّار في كلِّ ليلةٍ ويَوْمٍ، وفي كلِّ ساعةٍ من كلّ شهرٍ، ولعتقه أسبابٌ من الطّاعات، فلِلَّهِ عتقاء من النّار بالتّوحيدِ، وبالصَّلاة، وبالزَّكاة، وبالصِّيام، فعتقاء رمضان بثواب الصِّيام وبركته، وفي الحديث الصّحيح: "والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ برهانٌ، والصَّبْر ضيَاءٌ والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليك، كلُّ النَّاس يَغْدُو، فَبَائِعٌ نفسَهُ فَمُعتِقُها أَوْ مُوبِقُها" (١) فهذا الحديث يُفَسِّر لك معنى قوله: "عتقاء" والحمدُ لله. الفائدةُ التّاسعة (٢): في قوله: "كلُّ ليلةٍ من رَمَضَانَ" تنبيهٌ على أنّ الأُجْرَة يأخذها عند إنتهاء عَمَلِهِ مُتَّصِلًا به، وفي الحديث الصّحيح: "أعطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أنّ يجفَّ عَرَقَهُ" (٣) وإذا كان تمام الشّهر أخذَ ثوابًا مُجَرَّدًا، وأجرةً مُضَاعَفَةً مُؤَكَّدَة، وقد بيَّنَهَا النّبي ﷺ بقوله عن ربِّه: من صام رمضان إيمانًا واحتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّم مِنْ ذَنْبِهِ (٤) حديثٌ صحيحٌ مَلِيحٌ. الفائدةُ العاشرة (٥): قولُه: "يا بَاغِيَ الخَيْرِ، وَيَا بَاغِيَ الشَّر" قال أهل العربيّة: أصلُ البَغْي فيه (٦)، وأقلُّه ما جاء في طلب الخَيْرِ، وأَظُنُّهُم قالوا ذلك؛ لأنّ الله لما أضاف إليه الشّر ذكره مُطْلَقًا، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٧) وقد يضافُ إليه الشّرَ مُقَيَّدًا، كقوله: ﴿يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٨) وقوله: "يا بَاغِيَ الخَيْرِ" قد يضافُ إليه، وقد قال

стр. 1834

عبد الله بن الأعور أحد أصحاب النّبيّ ﷺ في ذلك: يَا سَيِّدَ النَّاسِ ودَيَّانَ العَرَبْ إلَيْكَ أشكو ذِرْبَةً من الذِّرَبْ خَرَجتُ أبْغِيهَا الطَّعَامَ في رَجَبْ وذَكَرَ الحَدِيث. (١) الفائدةُ الحادية عشرة (٢): قد بيَّنَّا فيما تقدَّمَ كيفيَّةَ بطلان الإحباط للحَسَنَاتِ بالسَّيَّئَاتِ على مذهب المُبْتَدِعَةِ، وبيَّنَّا أنّ الحسنات تحبط السَّيِّئَاتِ وذلك بالموازنة، إِلَّا أنَّ الإيمانَ يُحْبِط السَّيَّئَاتِ كلّها من غير موازنة. فإذا نَظَرْنَا إلى الأعمال، فإحباطُ الحَسَنات للسَّيَّئَات إنّما يكون بالوَزنِ الّذي أخبر الله عنه. وقد أخبرنا نبيُّنا ﷺ أنّ الصَّلاة تُكَفِّر الذُّنوب إِلَّا الكبائر، وذلك في صحيح الحديث. فإذا كانت كبائر الذُّنوب لا تَسْقُط بالصَّلاة، فأحرى ألَّا تسقط بالصِّيام؛ لأنّ الصّلاة أفضل من الصِّيام - كما قدّمنا (٣) قبل (٤) - قَدْرًا أو أكثر ثوابًا، وأعظم في الدُّنيا عقابَا. الفائدةُ الثّانية عشرة (٥): فإذا ثبت هذا، فعتقاءُ الله في رمضان على ثلاثة أضرب: الأوّل: أنّ تكون حسناته وسيئاته قبل رمضان متقابلة، أو للسَّيِّئات فضل في الوَزْنِ، فيأتي رمضان بزيادة توازي الفضل وتربو عليه، فيغفر له ما تقدَّم من ذنبه. الثّاني: أنّ يكون المعنى به عتقه من النّار، بشرط أنّ يدوم على حاله بعد رمضان كما هو في رمضان من العِفَّة والتَّعَبُّد.

стр. 1835

الثّالث: أنّ يكون المعنى به ما يسَّرَ الله لعَبده من نِيَّةِ خالصةٍ وتَوبَةٍ صادقةٍ يختم بها شهره، فيعتقه من النَّار دهره، واللهُ أعلمُ. حديث - قوله: "من صام رمضان ثُمَّ أَتْبَعَهُ بستّ من شَوَّال" (١) قد تقدَّمَ الكلام عليه، وحديث: "صيام يوم الجمعة" كذلك أيضًا قد تكلَّمنا عليه، فلم يَبْقَ الكلام إِلَّا على تَفَاضُلِ الشُّهورِ والأيّامِ والأَعْوَامِ والسَّاعَات. فإن قيل: أيُّ الأعوام أفضل؟ وأيُّ الشُّهور أفضل؟ وأيُّ الأيَّام أفضل؟ وأيُّ السّاعات أفضل؟ فالجواب أنّ يقال: أفضلُ الأعوام أنّ يقالَ عام تسع (٢) وهو عام حَجَّة الوداع، وفيه استدار الزّمان، وفيه قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (٣). وأمّا الشُّهور، فشهر رمضان؛ لأنّ فيه أنزل القرآن، وفيه الصوم، وفيه ليلة القَدْر، وفيه تَمَهَّدَ الشَّرْعُ. واختلفَ النّاسُ أي الشُّهورِ بعد رمضان أَفْضَل؟ فقيل: شعبان. وقيل: المحرم. وقيل: ذو الحِجَّة. فمن قال شعبان: احتج بأنَّ النّبيّ ﷺ كان يصومُه. ومن قال رَجَب: احتجَّ بأنْ قال: هو شهر الأصمّ والأصبّ، ورجم بالميم، فمن رواه بالباء وقال الاصب، قال: لأنّ فيه تصبّ الرَّحمة. وقيل الأصمّ؛ لأنّ الملائكة تصمّ فيه، فلا تكتب فيه علي بني آدم شيئًا. وقيل له ذلك؛ لأنّه لا تسمع فيه قعقعة السِّلاح. وقيل: رجم -بالميم-؛ لأنّ الشّياطين ترجم فيه. وأمّا ذو الحجة، فهو أفضل بعد رمضان للحَجِّ الّذي فيه، ولمنىً وعَرَفَة. وأمّا الأيّام، فيوم الجُمعة، لقوله ﷺ : "أفضلُ يوم طلعت عليه الشّمس يوم

стр. 1836

الجُمُعَة" (١) وهو من باب حمل المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ؛ لأنّ فضلَ الجُمُعة مُطْلَقٌ وغيره مُقَيَّدٌ. وأمّا الساعات، فكلُّ ساعةِ تؤدّي فيها فريضة فهي أفضل السّاعات، كساعة يوم الجمعة، وكساعة صلاة الصُّبح فأنّها أفضل الصَّلوات عند مالك. وأبو حنيفة عنده اْفضل الصلوات، صلاة العصر لأنّها عنده أفضل السّاعات ساعتها. وقيل: إنّ أفضل الأيَّام يوم عاشوراء؛ لأنّه يكفر سنة قَبْلَهُ وسنَة بعدَهُ، والحمد لله ربِّ العالمين.

стр. 1837

كتاب الاعتكاف وفيه تسع عشرة مسألة: المسألة الأولى (١): في لغته قرآنًا وشرعًا الاعتكافُ في اللُّغة هو العكوفُ واللبث في المكان (٢) والملازمة فيه، وكذلك هو في القرآن هو اللّبث (٣) ببقعة مخصوصة، قال الله تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ الآية (٤) وقال عزّ من قائل: ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٥) فجرتِ الشّريعةُ على عادتها (٦) في قَصرِ اللَّفْظِ المُشتَرَكِ على بعض متناولاته، وتخصيصِ العامِّ على بعضِ مُحتمَلَاتِهِ، كما فعلتِ اللُّغة، فصار في الشّريعة عبارة عن ملازمة المسجد (٧)، وأقله يوم وليلة. وقال الشّافعيّ (٨): أقلّه لحظة، فهو في الشَّرعِ على (٩) ما هو في اللُّغة سواء، قال الله تعالى: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (١٠) حكاية عن قول قوم إبراهيم، أي ملازمين. المسألة الثّانية: وأمّا وجوب النِّية، فباتِّفاقِ من الاُمَّة؛ لأنّه عبادة، إذ لا يُجْزِىء عملٌ من الأعمالِ بغير نيَّةٍ، للنَّصِّ الوارد في ذلك عن النّبيّ ﷺ بقوله: "إنّما الأعمالُ بالنِّيِّاتِ"

стр. 1838

فالاعتكافُ عملٌ من الأعمال، فلا يجزئ بغير نيةٍ، كما أنّه ينوي بالصِّيام اعتقاد القُرْبَة إلى الله بِأَدَاءِ ما افْتَرَضَ الله عليه من استغراقِ طرفَي النّهار. المسألة الثّالثة (١): وأن يعتقدَ فيه (٢) أنّه عمل، لما قيل فيه إنّه الصّلاة، وقراءة القرآن، وذِكْر الله تعالى، دون سواه من أعمال البرّ، وهو مذهب ابن القاسم؛ لأنّه لا يُجَوِّز للمُعْتكِفِ عيادة المريض ولا مدارسة العلّم، ولا الصّلاة على الجنائز وإن كان ذلك من أعمال البرّ. وقيل: إنّه يجوز أنّ يفعل جميع أعمال البرّ المختصة بالآخرة، وهو مذهب ابن وهب؛ لأنّه لا يرى بأسًا للمُعْتكِفِ بمُدَارَسَةِ العِلْمِ، وعيَادَةِ المَريضِ في موضع معتكفه، وكذلك الصّلاة على الجنائز على مذهبه، إذا انتهى إليه زحام النَّاس الّذين يصلّون عليها. وإذا قلنا: إنّه من الأعمال المختصّة بالآخرة، فإنّه يجوز الحكم بين النّاس والإصلاح بينهم؛ لأنّه من أعمال الآخرة. المسألةُ الرّابعة (٣): أمّا الصّوم، فليس لأحدٍ من علمائنا فيه على وجوب الصِّيام دليل به (٤) احتفال، وأكثر ما عوَّلَ عليه مالك (٥) فيه، قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٦) فخاطبَ بذلك الصّائمين، وهذا لا حُجة فيه؛ لأنّه خطابٌ خرجَ عن حالٍ، فلا يلزم (٧) أنّ يكون شرطًا (٨) في جميع الأحوال. وقد اعْتكفَ رسولُ الله ﷺ عشرًا من شوّال (٩)، ولم يذكر فعل الصِّيام ولا تَرْكَهُ، فالمسألةُ عسيرة المأخذ في الشّريعة، والّذى عندي فيه؛ أنّ الاعتكافَ هو ملازمة المسجد بالنِّيَّةِ، فالنِّيَّةُ تقطع قلبه عن الدَّنيِا وعلائقها، والمسجد يمنع بَدَنه عن الاشتغال باشغالها؛ لأنّ المساجدَ بيوتٌ الله، أذِنَ الله أنّ تُرْفَعَ

стр. 1839

ويذكر فيها اسمُهُ، ليس فيها عمل في غيره، فلا يجوز له أنّ يفعل من الدُّنيا إِلَّا ضرورة الآدميَّة، وهي الطّعام والشّراب، فمنعَ من الأكل نهارًا؛ لأنّه أحد الأسباب المنقطعة عن الدُّنيا، ومنع من الخروج عن المسجد إِلَّا لحاجةِ الإنسانِ ولتحصيل القوت، ومنعه مالك تَفَطُّنًا لهذه الدَّقِيقَةِ. المسألة الخامسة (١): الموضع وهو المسجد، لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢) واختلفَ علماؤنا هل يكون في كلِّ مسجد، أو في بعض المساجد دون بعض؟ فالمشهور من مذهب مالك أنَّ الاعتكاف يصحّ في كلِّ مسجدٍ، وأنّه لا بَأسَ به في كلِّ مسجدٍ لا تُجْمَعُ فيه الجُمُعَة إذا كان ممّن لا تلزمه الجمعة، أو بموضع لا يلزم منه إتيان الجمعة. ودليل مالك: قوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣) فعمّها ولم يخصّ منها شيئًا دون شيْءٍ، وخالَفَهُ ابن عبد الحَكَم، وقال: لا يصحّ إِلَّا في المسجد الجامع، وهذا قول جماعة من السَّلَفِ، روي عن حُذَيْفَة بن اليمان وسعيد بن المسيَّب؛ أنّ الاعتكاف لا يكون إِلَّا في مسجد نبيٍّ كمسجد النَّبيِّ ﷺ ومسجد إيليا والبيت الحرام. والمرأة والرَّجُل في ذلك سواءٌ عند مالك، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه، فإن المرأة لا تعتكف عنده إِلَّا في مسجد بَيْتِها (٤)، وحجته: قوله: "لا تسافر المرأةُ مسيرة يَوْمِ وليلةٍ إِلَّا مع ذي مَحْرَمٍ" (٥). المسألة السّادسة: وأدنى الاعتكاف يوم وليلة، وأعلاهُ عشرة أيام، هذا هو مذهب مالك. وأفضلُ الشهور للاعتكاف شهر رمضان. وأفضل أيّامه العشر الأواخر منه. روي أنّ رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأواخر منه والعشر الأوّل، فأتاه جبريل ﷺ ، فقال له: إنّ الّذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الأواخر.

стр. 1840

وقد روي أنّ رسول الله ﷺ : "اعتكفَ العَشْرَ الوُسُطَ" (١) هكذا وَقَعَ مُقَيَّدًا، بضَمِّ الواو والسِّين. ويحتمل أنّ يكون جمع واسط، كما قيل: واسطة الرَّجل، وواسطة العراف. قال الإمام: ولم أزل أبحث عنه حتّى أنِّي لم أجد له معنى ولا أثر إِلَّا عند أحد أشياخي -وكان من أهل اللُّغة- فإنّه قال: "وُسُط" جمع أوسط، واحده وسيط. ويروى "الوَسَط" بفتح الواو والسِّين، وهي رواية أبي علىّ الجيَّانىّ، وهو وسيطي (٢). والأولُ أصحّ وأفصح. حديث: قول عائشة ﵂: كان رسولُ الله ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأسهُ مِنَ المسجد (٣) فَأُرُجِّلُه (٤). قد بيَّنَّا أنّ الاعتكافَ هو الثُّبوت وهو الإقامة، وأدخل مالك ﵀ في أوّل الباب ما يدلُّ على أنّ الاعتكاف هو الثّبوت في حديث عائشة هذا، ويبيّنُه بذلك قولها: "كان رسول الله ﷺ يُدنِي إِلَيَّ رَأْسهُ فَاُرَجلُهُ، وإنَما كان يمنعه الثبوت في مكانه، ونبه بذلك بقولها: "ولا يدخلُ البيتَ إِلَّا لحاجةِ الإنسانِ" وذلك لشغله بالاعتكاف، هذا معنى التّرجمة. الإسناد: حديث عائشة اختلفَ فيه الرُّواةُ، فتارةً رُوي فيه: عن عمرة بنت عبد الرّحمن، وتارة بسقوطها، فلمّا رأينا اختلافهم مع حفظهم، علمنا أنَّه إنّما تركوها مع علمهم بذلك، وهذا جائزٌ فإن عروة كثيرًا ما يروي عن خالته عائشة دون واسطة (٥). الفقه: وفي هذا الحديث ثلاث مسِائل:

стр. 1841

المسألة الأولى: في ثلاثة أدلّة من الفقه (١): أحدها: أنّ المعتكِفَ يجوز له إلقاء التَّفَث (٢) بخلاف المُحْرِم. الثّاني: لو حلفَ الإنسان بالطّلاق: لا دخلت الدّار، فأدخل رأسه في الدّار، لم يحنث، بدليل أنّ المعتكِفَ لا يجوزُ له الخروج إِلَّا لحاجةٍ. الثّالث: أنّ الحائض يجوز أنّ تمسّ بيدها زوجها أو سيّدها ولا ينتقض صومه. وفيه: أنّ المرأةَ تمس الرَّجل في الاعتكاف بغير شهوة، وكذلك الرَّجُل للمرأة ولا ينتقض صوم المعتكف منهما ولا اعتكافه. وإن مسِّ المرأة بغير لذّة لم يفسد صوم اللّامس والملموس. فإن قيل: لا دليل في الحديث؛ لأنّه (٣) لم يمسّ بغير لذّة. فالجواب: أنّ الدّليل على أنّه لم يمسها للَذّة، قول الله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ الآية (٤)، مع العلّم بأن النّبيّ ﷺ لم يكن يمسّها (٥) للذّة وهو معتكف؛ لأنّه لا يجوز له ذلك. ولأنّه أملك لإِرْبِهِ، أي لعَقْلِهِ وحاجته وشهوته من غيره. فخصص فعله اللّمس بغير لذة. مسألة: وخروج المُعْتَكِفِ على وجهين: لا يخلو أنّ تكون له حاجة يجوز له أنّ يفعلها في المسجد فلا يخرج. أو لا يجوز له أنّ يفعلها، فهذا يخرج نهارا. فأمّا إذا خرج للحاجة الّتي لا يجوز له أنّ يفعلها في المسجد، فإنّه لا يتعدَّى إقرب المواضع إليه، فإن تعدَّى أقرب المواضع إليه، ابتدأَ اعتكافه من ذي قبل. هكذا قال مالكٌ في "المدنيّة". ولا يجوز أنّ يقف لأداء شهادة إِلَّا ماشيًا، فإن وقف ابتدأ.

стр. 1842

ولا يعزِّي أحدًا، ولا يعودُ مريضًا، ولا يصلِّي على جنازة إلّا في المسجد. ولا يخيط ثيابه (١) إِلَّا الشّيء الخفيف، ولا يحكم إِلَّا كذلك. ولا يجوز له صوم الأيَّام الّتي يلحق فيها الجمعة، وأجمعوا أنّها مكروهة اعتكافها. أمّا وجه الكراهة؛ فلأنّ الاعتكاف أقل من عشرة أيّام مكروهٌ. مسألة: قال علماؤنا (٢): والاعتكاف يجب بأحد وجهين: إمّا بالنَّذْر. وإمّا بالنِّيَّةِ مع الدخول فيه لاتِّصال عمله. أمّا النَّذْرُ، فمثاله: رجل قال: علىَّ أنّ أعتكفَ ثلاثة أيّام، فابتدأ يوم السّبت، فلما اعتكَفهُ مرضَ وبَقِيَ عليه يومان من اعتكافه؛ فبقي مريضًا إلى يوم الخميس. قال علماؤنا: لا شكَّ أنَّه يَبْنِي اعتكافه على اليوم الّذي مَضَى له، قال ابنُ القاسم: إنّه يخرج يوم الجمعة إلى الصّلاة، ويبَدىء اعتكافه، وقال ابنُ المَاجِشُون: يصلِّي الجمعة ويَبْنِي على اعتكافه. ففي هذه الصُّورة هو الخلاف بين ابن القاسم وعبد الملك، وهذا إذا اعتكف في موضع لا يجمع فيه. وقال فضل بن مَسلَمَة: أجازوا للمُؤَذِّن الإمامة وكرهوا له الإقامة. وأمّا الأذان، فلا يكون المُعتكِفُ مُؤَذِّنًا ولا يطلع المنار (٣). وَوَجْهُهُ: أنّ الصَّومعةَ خارجةٌ من المسجد. ولا بأس به أنّ يؤذِّن في باب المسجد. وقيل: له أنّ يؤذِّن في الصَّومعة. ووجه من قال هذا: أنّها قُرْبَةٌ تتقدَّمُ الصّلاة، فجاز الخروج إليها كالصَّلاة. مسألة: في رجل اعتكفَ يومًا، فلمّا كان عند الظُّهر مرضَ فخرج مِنْ معتكفه، فلمّا كان

стр. 1843

عند العصر صحَّ فرجع إلى معتكفه، فأَتَمَّ بقيَّةَ نهاره. فاختلف المحقِّقونَ فيه من علمائنا: فقيل: إنّ له أجر اعتكافه يومه كلّه من أوَّله إلى آخره، وهذا بناءً على أنّ من نَوَى فعل شيءٍ فقطع بينه وبينه قاطعٌ، كان له أجره، ومن أراد فعلَ أمرٍ ولم يقدر عليه، كان له مثل أَجْرِ من فَعَلَهُ. والدليل على ذلك: قولُ النّبيّ ﷺ : "إنَّ بالمدينةِ أقوامًا ما قَطَعْتُمْ واديًا ولا سَلَكتُمْ شِعبًا إِلَّا وَهُم مَعَكم، حَبَسَهُمُ العُذْرُ" (١) فصرَّحَ رسولُ الله ﷺ بالنِّيِّةِ الّتي استوجبوا بها الأجر الكامل. وقال بعضُ أهل العلّم: ولهذا المعتكف من الأجر بقَدْرِ ما اعْتكفَهُ. فيقال لصاحب هذا القول: فأين فائدة هذا الحديث والنِّيَّة الّتي اعتقدها (٢) قبل؟ ألَّا ترى أنّ أجره في الّتي تقدَّمَ قَبْلُ باقٍ، ولو قطع مختارًا له لما كان له أجر فيما تقدَّم. والصّحيح هو الكلام الأوّل. مسألة: فإن أخرج (٣) لاقتضاء دَيْنٍ منه، أو استيقاد حدّ عليه مُكْرَهًا إلى الحاكم، فاختلفَ علماؤنا في ذلك: فقال ابنُ القاسم: يبطل اعتكافه. ورَوَى ابنُ نافع عن مالك (٤)؛ أنّه لا يبطل اعتكافه؛ لاْنّه مُكرَهٌ وله البنَاء على ما مَضَى. مسألة (٥): فإنِ اعتكفَ في أيّامٍ من غير رمضان، فمرضها كلّها أو مرض بعضها، ففي ذلك ثلاثة أقوال:

стр. 1844

أحدها: أنّ عليه القضاء جملة من غير تفصيلٍ، وعلى هذا رواية ابن وهب عن مالك في بعض روايات الصِّيامِ في "المدوّنة". والثّاني: أنّه لا قَضاءَ عليه جملةً من غير تفصيل، وهو مذهب سحنون والمشهور عنه. والثّالث: التّفرقة بين أنّ يمرض قبل دخوله في الاعتكات أو بعده. مسألة: واختلف إذا أفطر ساهيًا على قولين: أحدها: أنّه لا قضاءَ عليه، وهو مذهب سحنون. والثّاني: أنَّ عليه القضاء بشرط الاتِّصال، وهو مذهب ابن القاسم، فإن أفسدَهُ عامدًا فعليه القضاء ويبطل اعتكافه إجماعًا. مسألة: قال علماؤنا: ويدخل المعتكف معتكفه الّذي يعتكف فيه قبل غروب الشَّمس، فإن دخل بعد الغروب وقبل طلوع الفجر في وقت يجوز له أنّ ينوي الصِّيام أَجْزَأَهُ، كذا (١) حكاه عبد الوهّاب (٢)، وفي "كتاب ابن سحنون" عن أبيه؛ أنَّه لا يجزئه، وبه قال ابن المَاجِشُون، قال ابن المَاجِشُون: ومن دخل اعتكافه قبل الفجر، لا يحتسب بذلك اليوم فيما لزم نفسه. مسألة (٣): ويجوز عندنا أنّ يعقد المعتكف نكاحه ونكاح غيره بما يخف (٤) من الكلام (٥)؛ لأنّ عقده النكاح لا ينافي الاعتكاف، كما لا ينافي (٦) دواعي النِّكاح من التَّطَيُّب (٧).

стр. 1845

فإن "قيل: فإذا منع النّكاح الاعتكاف، فمنع مقدَّماته من العقد كالصَّوْمِ، والدّليل جواز نكاح المعتكف (١). فنقول: العبادات (٢) على ضربين: فما جاز الكلام فيه جاز فيه النِّكاح إِلَّا الحجّ عندنا. وما لم يجز فيه الكلام لم يجز فيه النِّكاح. وحجَّتُنا الحديث مبين الّذي فيه (٣): "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ ولا يُنْكَحُ" (٤) وضَعَّفَه البخاريّ. واحتجَّ البخاريّ (٥) بحديث: سعيد بن المسيَّب، عن ابن عبّاس؛ أنّ رسول الله ﷺ تزَوَّجَ ميمونةَ وهو مُحْرِمٌ، وترك (٦) البخاريُّ طرقًا كثيرة في هذا الحديث (٧)؛ لأنّه رواهُ من الصّحابة عشرة، ومن التّابعين كثيرٌ، وأخذ بحديث سعيد رَدًّا على مالك؛ لأنّ سعيدًا كان مَدَنِيًا، وهذا الحديث لا حُجَّةَ فيه؛ لأنّ سعيد بن المسيَّب أَنكرَهُ، وقال: لم أرو (٨) هذا الحديث قَطّ. ذكر ذلك في "سنن أبي داود" (٩). ولم يبقَ لأبي حنيفة حُجَّة إلّا من جهة المعنى، وأمّا القياس، فإن كثير العمل ممنوعٌ في الاعتكاف. وقال (١٠) ابنُ الجلّاب (١١): "ولا بأس أنّ يكتب المعتكف في المسجد ويقرأ

стр. 1846

عليه غيره (١) القرآن إذا كان في موضعه" وفي "المدوّنة" (٢): كره مالك أنّ يكتب المعتكفُ العلّم في المسجد. قال عنه ابن وهب (٣): إلّا أنّ يكون الشّيء اليسير، والتّرك أحبّ إليَّ والتّجرُّد للعبادة (٤). مسألة (٥): أجمع العلّماء (٦) على أنّ من وطيءَ زوجته في اعتكافه عامدًا في ليلٍ أو نهارٍ يبدأ اعتكافه. ورُوِي عن مجاهد وابن عبّاس؛ قالا: كانوا يجامعون وهم معتكفون حتّى نزلت: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ الآية (٧). وقال ابن عبّاس: كانوا إذا اعتكفوا يخرجُ أحدهم إلى الغائط، جامع امرأته ثم اغتسل، ورجع إلى اعتكافه، فنزلت الآية، ومقتضاها الجماع. واختلفوا فيما دونه من القُبْلَةِ واللَّمْسِ والمُبَاشرة: فقال مالك: من فعل شيئًا من ذلك كلِّه ليلًا أو نهارًا فسد اعتكافه، أنزلَ أو لم يُنْزِل، لقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ الآية (٨). مسألة: وإن نذر العبد الاعتكاف في رقِّهِ ثمّ عتق، لزمه ذلك. واختلفوا أيضًا إذا اعتكف وهو في الرِّقِّ: فقيل: لا يجوز؛ لأنّ منفعةَ السَّيِّد فيه. وقيل: إنِ اشتَغْنَى السَّيِّد عنه مِقْدَارَ اعتكافه صحَّ له ذلك.

стр. 1847

خاتمة ذلك: قال الإمام (١): والاعتكافُ شرطٌ شديدٌ لا يقدر عليه إِلَّا من له عزم من النّاس، قال مالكٌ بن أنس: ما رأيتُ أحدًا اعتكفَ في بَلَدِنا غير أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام. وأبو بكر هذا (٢) يُسَمَّى المغيرة، وهو ابن أخي أبي جهل بن هشام، وكان أحد الفقهاء السَّبعة. وفَّقَنا اللهُ للأعمال الصالحة بِمَنِّهِ وتوفيقه. ما جاء في لَيْلَةِ القَدْرِ التّرجمة والعربية (٣): قوله (٤): "لَيْلَة القَدْر" قال الإمام: هي ليلة القَدْرِ، والقَدْر والقَدَرُ. فأمَّا الأوَّل فالمراد به الشّرف، كقولهم: لفلان قدر في النّاس، يعنون مرتبةً وشرفًا وقَدْرًا. الثّاني: القَدَرُ بمعنى التَّقدير، قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ الآية (٥). قال علماؤنا: يُلْقِي اللهُ فيها إلى الملائكة ديوان العلّم بما قَدَّرَ من القَدَرِ. الثّالث: القَدْرُ هو بمعنى الزِّيادة في المقدار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٦) والبركةُ هي النَّماءُ والزِّيادة، فليلة القَدْر هي اللَّيلة المباركة، ولو لم يكن من شَرَفِهَا إِلَّا نزول القرآن فيها لكَفى (٧)، فشرفها نزول القرآن فيها، قال (٨) الله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٩). يريد الكتاب المبين؛ لأنّ الهاء من: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ عائدة عليه، وإن كان لم

стр. 1848

يتقدّم له ذِكْرٌ في هذه السُّورة، فإنّه قد تقدَّمَ في سورة الدُّخان. قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (١) ففيها أُنْزِلَ القرآن من اللّوح المحفوظ إلى السَّماء الدُّنيا، ثمّ أُنْزِلَ على النّبيِّ ﷺ من السَّماء نجمًا بعد نجمٍ على قَدْرِ الحاجةِ، فكان بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عشرون سنة، ورُوِيَ ذلك عن ابن عبّاس في "تَفْسِيرِهِ" (٢). فأكثر المحقِّقين من علمائنا أنّها ليلة النِّصف من شعبان، وهو باطلٌ قطعًا؛ لأنّه لا يعضده أَثَرٌ ولا خبرٌ (٣)، والصحيحُ أنّها ليلة القَدْر، فيها يُفْرَقُ ما يكون في العام من أَوَّلِهِ إلى اَخره من أَرْزَاق العباد وآجالهم من الشَّقَاءِ والسَّعادة، يشهد له: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٤)، أي يحكم فيها بالموت والحياة. وقوله (٥): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٦) معناه: التَّعَجُّب بها والتَّعظيم لها، وما كان في القرآن من قوله: "وما أدراك" فقد أدراه، وما كان فيه من قوله: "وما يُدرِيكَ" فلم يدره، وقال الفرّاء (٧) وسفيان بن عُيَيْنَة وغيرهما ذلك، والله أعلمُ. وأمّا قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٨) ففي تأويل ذلك اختلاف على ثلاثة أقوال. القول الأوّل - قيل: إنّ معنى ذلك أنَّ العمل بما يُرْضِي الله في تلك اللَّيلة من صلاة وغيرها خيرٌ من العمل في غيرها ألف شهر. القول الثَّاني - قيل: إنَّ المعنى أنَّ العمل في ليلة القَدْرِ خيرٌ من ألف شهر ليس فيها ليلة القَدر، وهو نحو ما تقدَّم؛ لأنّ فضيلةَ اللَّيلة على ما سواها ليس بمعنىً يختصُّ بها، حَاشَا تضعيف الحسنات فيها. القول الثّالث - قيل: إنّه كان في بني إسرائيل رجلٌ يقومُ اللَّيل ويصومُ النّهار، ففعل

стр. 1849

ذلك ألف شهر، فتَمَنَّى النّبيّ ﷺ أنّ يكون ذلك في أُمَّتِهِ. فقال: "يا رب جعلت أعمار أمتي أقصرع الأعمار، وأقلّ الأعمال"، فأَعطاهُ اللهُ ليلة القَدْرِ الّتي هي خير من ألف شهر، يريد خير من تلك الألف شهر الّتي قامها الإسرائيلى، وهذا معنى حديث مالك (١)؛ أنّ رسول الله ﷺ أُرِيَ أعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ، فكأَنَّهُ تقاصرَ أعمارَ أُمَّتِهِ ألَّا يَبْلُغُوا من العَمَلِ ما بَلَغَهُ غيرهم في طُولِ العَمَلِ، فاعطاهُ اللهُ ليلةَ القَدْر الّتي هي خيرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ. القول الرّابع - قيل: إنّ المعنى في ذلك مَا رُوِيَ أنّ رسولَ الله ﷺ رأى في منامه بني أُمَيَّة يعلون منبره فشقَّ ذلك عليه، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٢) و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ إلى قوله ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ الآية (٣)، يعني مُلْك بني أُمَيَّة، قال: فحسبنا ملك بني أُمَيَّة، فإذا هو ألف شهر. قال الإمام (٤): وهذا ضعيفٌ جِدًّا لا يصحُّ سَنَدًا ولا نَقلًا. المسألة الثّانية (٥): اختلف العلّماء في ليلة القدر وفي تعينها وفي ميقات رجائها على ثلاثة عشر قولًا: القولُ الأوّل - قيل: هي في العام كلِّه، قال ابن مسعود: من يَقم الحَوْلَ يُصب ليلة القَدْر (٦). القولُ الثّاني - قيل: إنها في شهر رمضان، لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الآية (٧)، فجعله مَحَلَّا عامًّا في لياليه وأيّامه لنزول القرآن، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ الآية (٨)، فجعله خاصًّا في ليْلَةِ القَدْرِ منه. القول الثّالث - قيل: إنّها ليلة سبع عشرة ليلة من رمضان، قالَهُ ابن الزُّبَيْر (٩)، ورواه ابن مسعود عن النّبيِّ ﷺ (١٠)، وفي ذلك إشارةٌ من كتاب الله تعالى، وهي

стр. 1850

قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الآية (١)، وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان. القول الرّابع - قيل: إنها ليلة إحدى وعشرين، لرُؤْيا النّبيّ ﷺ أنّه سجد في صبيحتها في ماءٍ وطين، فكان ذلك فيها (٢). القول الخامس: أنّها ليلة ثلاث وعشرين، أو هي رواية عبد الله بن أبي أنيس عن النّبيِّ ﷺ (٣). وقد رَوَى أهل الزهد أنّ جماعة منهم سافروا في البحر في رمضان، فلمّا كان ليلة ثلاث وعشرين سَقَطَ أحدُهم من السَّفينة في البحر في رمضان، فَرَجْرَجَ الماءَ في حلقه فهذا هو حُلْوٌ. وكان ما ينزل من السَّماء في تلك اللَّيلة من البركة والرَّحمة تقلب الأجاج المالح عَذْبًا، فما ظنّك بهذا إذا وجدت ذَنْبًا، وذلك قوله: "مَنْ قَامَ رمضان إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ" (٤) وقوله: "مَنْ قامَ ليلة القَدرِ إيمانًا ... " الحديث (٥)، وإن قام الشّهر كله فقد نالها، وأن اتَّفقَ أنّ يقوم منه ليلة فصادفها فقد نَالَها. القولُ السّادس: أنّها ليلة خمس وعشرين (٦)، وفي ذلك أَثَرٌ مأثورٌ. القول السّابع: أنّها ليلة سبع وعشرين، قاله أُبَىّ بن كعب، وقال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنّ آية تلك اللَّيلة أنّ الشَّمس تطلعُ في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها (٧)، كأنّ الأنوار قد مُحِيت عنها، وكان ابن عبّاس ﵁ يحلف أنّها ليلة سبع وعشرين - وينزع في ذلك بإشارة عليها بَنَى الصّوفيّة عقدهم في كثير من الدَّلالة - ويقول: إذا عددت حروف ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فقولك: "هي" هو الحرف السّابع والعشرون من السورة، وهو موضع الاشعار بها (٨). القول الثّامن: أنّها في أشفاع هذه الأفراد، وادَّعَت ذلك الأنصار في تفسير (٩)

стр. 1851

قوله: "التمسوها في تاسعة تَبْقَى" قالوا هي ليلة ثنتي وعشرين قالوا: ونحن أعلم بالعَدَدِ منكم (١). القول التّاسع: أنَّ الصّحيح منها: لا تُعْلَمُ، لكن النّبيّ ﷺ قد حَضَّ على رمضان، وحَضَّ بالتَّخْصِيصِ العشر الأواخر. وكان رسولُ الله ﷺ يُحْيي فيها لَيْلَهُ ويُوقظ أهلَهُ ويشدّ مئزره (٢)، وصدَقَ رسولُ الله ﷺ أنّها في العَشرِ الأَوَاخِرِ. وفي الحديث دَلِيلٌ على أنّها متنفِّلَةٌ غير مخصوصة بليلةٍ؛ لأنّ رؤيا النّبيّ ﷺ خرجت في صبيحة ليلة (٣) إحدى وعشرين من رمضان وعلى جسمه وأَنْفِهِ أثر الماء والطين (٤). واستفتاهُ رَجُلٌ ليختار له عند عجزه عن عموم الجميع، فاختار له ليلة ثلاث وعشرين (٥)، فدلّ ذلك أنّها تنتقلُ، وما كان رسولُ الله ﷺ ليبخس السّائل حظّه منها. ومن فضل الله على هذه الاُمَّة أنّ أعطاها قِيرَاطَيْنِ من الأَجْرِ من صلاة العصر إلى غروب الشّمس، وأعطى اليهود والنّصارى جميعًا قيراطينِ، قيراطًا لكلّ طائفة منهما من أوّل النّهار إلى صلاة العصر، وأعطى الله هذه الأُمَّة ليلة القَدْرِ لقصر أعمارها، فجعل لهم ليلة بألف شهر (٦)، فما فَاتَهُم من تقصير الأعمار الطّوال الّتي كانت لمن (٧) قبلهم، أدركوه فيها، فخفَّ عنهم شَغَب الدُّنيا، وأدركوا عظيم الثَّوابِ في الآخرة، والحمد لله. وقد رَوَى التّرمذيّ (٨) عن النّبيّ ﷺ أنّه رأى في منامه بني أُميّة يَنْزُونَ على مِنْبَرِهِ نذزْوَ القِرَدَةِ (٩)، فشقَّ ذلك عليه، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾

стр. 1852

الآية (١)، فهذه ثلاثة عشر قولًا للعلّماء. فإن قيل: فلم لم يخبر النّبيّ ﷺ بها؟ فالجواب - قلنا: قد أراد النّبيُّ ﷺ أنّ يُخْبِر بها، فَتَلاحى رَجُلَانِ من المسلمين فَرُفِعَت، وعسى أنّ يكون خيرًا لهم، والحديث مَرْوِىٌّ من حديثِ عُبَادة بن الصَّامت؛ أنّ رسول الله ﷺ خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان ... الحديث. إسناده: خرَّجَهُ الأيِمَّة، وأمّا مسلم فلم يخرّجه ولا عُذْرَ له فيه، والبخاري (٢) وغيره (٣) قد خَرَّجَهُ. العربية: قوله: "تَلَاحَى رَجُلَانِ" قال أهل العربيّة: اللحاءُ والملاحاة كالسَّبِّ والسّباب، يقال: لحيت الرَّجُل إذا لمته، من لحيت الشَّجَرة إذا قشّرتها، كأنّه مكاشفة عن باطن المكروه والتّحذير عن الشّيء الكائن بين النّاس. الثّانية: قوله: "فَالْتَمِسُوهَا" وهو افتعلوا من اللّمس ولا لمس فيه؛ لأنّ اللّمس محسوس وهي معقولة، ولكنه كنى بالالتماس عن طلب المعنى فيه لما كان اللّمس ممّا يعرف به الملموس، جعله كناية عن معرفة المعلوم مجازًا. الثّالثة: فيه دليل على أنّ العقوبة تعمُّ سائر النّاس من المسيء والمُحْسِن؛ لأنّ تلاحي الرّجلين كان سببًا أَلَّا يعرفها أحدٌ، فالجدال (٤) لا يأتي بخير، فعمَّ العقوبة بجدالهما المسيئ والمُحسِن، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٥).

стр. 1853

الرّابعة: فيه وجوب التّبليغ عن النّبيّ ﷺ ، وذلك قوله: "خرجتُ لأخبركم" كما قال: "بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيةً" (١). الخامسة: فيه جواز النَّسخِ قبل العَمَل، خلافًا للمبتدعة (٢)، وقد رفع اللهُ ليلة القَدْرِ بعد إنزالها وقبل الإعلام بها. السّادسة: قوله: "وعَسَى أنّ يكونَ ذلك خيرًا لكم" يريد أنّ كون الخير غير مقطوع به، وإن كان بلفظ التّراخي، لقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ الآية (٣). السّابعة: قوله: "رُفِعَتْ" معناه أي نسيتها، أي رفع علمي بها، وقد جاء عن النّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لقد أَذْكَرَنِي آيَةً كنتُ أنُسيتُها" قال ذلك لرَجُلٍ سمعه يقرأ (٤)، معناه: رفع علمي بها (٥). والصّحيح أنّها في العشر الاواخر من كلِّ رمضان، إِلَّا أنّها تنتقل في العشر، فتارة تكون إحدى وعشرين، وتارة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، فمن وافقها فقد سعد، والله يكشفها لمن يشاء من عباده. وقال عبد الوهّاب (٦): "ليلة القدر هي غير مرتفعة بموت النَّبيِّ ﷺ ، خلافًا لمن قال: إنها زائلة (٧)، لقوله: "الْتَمِسُوها في العَشْر الأَوَاخِر" (٨) فعمَّ كلّ وقتٍ، ولأنّها من شعائر الدِّين والإِسلام كشعائر سواها" (٩)، وليس فيها تعيينٌ كما بيَّنَّا قبلُ.

стр. 1854

تنبيه على وَهَم: قال المؤلِّف: ومن الغريب قول بعض المتأخِّرينَ من الباطنيّة أنَّه قال: إنّ ليلة القَدْرِ هي في كلِّ ليلةٍ من العام. واستدَّل على ذلك بأن قال: وذلك أنَّ ليلة القَدْرِ تنتقل على حساب (١) دَوَرَان الشَمس، وهي ثابتة- والله أعلم- على حساب (١) دَوَرَانِ القمر، ولتعلم أنّ حساب الشَّمس مأخوذٌ من دَوَرَانِ القمر، كما أنّ أصل حساب السَّنَة مأخوذٌ من دَوَرَانِ الشَّمس، فما قَطَعَتِ الشّمسُ في مُدَّةِ دَوْرَةِ القمر بُرْجًا، سمِّيَت تلك المُدَّة شَهْرًا. فإذا دار القمر اثْنَي عشر دورة، سمِّيت تلك المدة سَنَة لقربها من حول (٢) الشّمس، وذلك أنَّ سَنَةَ القمر (٣) ثلاث مئة يوم وخمسة وستون (٤) يومًا وربع يوم، وجزء من عشرين جزءًا من ثلاثين. وسنة الشَّمس ثلاثة مئة يوم وخمس وخمسون (٥) يومًا وربع يوم، وجزء من مئة وستين، وعلى هذا عُلِمَ بالتَّقْرِيبِ، والله أعلم. وهذا التَّقدير متحقِّق الإحصاء (٦)، والله أعلم. ثمّ اعلم أنَّ ليلةَ القَدْرِ تنتقل على الحساب الشمسي (٧)، فتكمل عدّة ليالي السَّنَة كلّها ليالي القَدر في مثل عدد ليالي السَّنَة. ويصح في هذه المُدَّة دَوَرَان ليلة القَدْرِ على ليالي السَّنَة باجمعها فصولها وأوقاتها بتَقْدِيرِ العزيز العلّم، فتكون كلّ ليلة ليلة القدر في العام كلِّه. قال القاضي: وهذا كلامٌ لا أصلَ له، فلا يُلْتَفَتُ إليه، ذَكَرَهُ في "كتاب الإشراف" له (٨)، بل هو كلامٌ غير مرشد، واللهُ الموفِّق للصّواب بِمَنِّهِ.

стр. 1855

كتابُ الحَجِّ والمَنَاسِك وفي أوّله أربع مقدِّماتِ: المقدِّمةُ الأُولى: في اشتقاقه ، الثّانية: في وجوبه، الثّالثة: في شروطه، الرّابعة: في سُنَنِهِ. المقدِّمة الأولى في اشتقاقه وهو (١) في اللُّغة القَصْدُ وغيره، وخصَّ هاهنا بقَصْد البيت على ما قدَّمْنَاهُ من الطّريقة في تخصيص التَّسمِيَةِ ببعض المسمَّيَاتِ (٢). وقال ابنُ السِّكِّيت: الحَجُّ القصدُ - بفتح الحاء -، والحِجُّ - بكسر الحاء -: القوم الحجاج، والحَجَّة - بفتح الحاء -: الفِعْلَةُ الواحدة من الحجِّ، والحجَّة أيضًا - بفتح الحاء -: اللّحمة الّتي يتعلّق بها القرطان من الأُذُنِ. والحُجَّة - بالضَّمِّ: البرهان. والحَجُّ أيضًا القطع، يقال: حججتُه حَجًّا أي قطعته قطعًا. والحِجَّة - بكسر الحاء- السُّنَّة والتلبية على وزن تَفْعِلَة وهي الإجابة، وأصل ذلك: من ألبّ بالمكان إذا أقام فيه بمعنى لبَّيْك، أي إقامة بين يديك، وهي أيضًا اللُّزوم للشَّيء والمُداومة عليه.

стр. 1856

المقدِّمة الثّانية في وجوبه وهو فرضٌ من فرائض الإسلام، وركن من أركانِه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١). وفرضه مرّة في العمر، وقد قال بعضُ النّاس - فيما أَمْلَى علينا الشّيخ الإمام أبو الحسن العبدري (٢) - قال بعض النّاس: يجبُ في كلِّ خمسة أعوامِ مرَّة، ورَوَى في ذلك حديثًا أَسْنَدَهُ إلى النّبي ﷺ (٣)، والحديث باطلٌ والإجماع صادٌّ في وجهه (٤)، وليس يجب غير مرَّة واحدة في العمر، وبه قال جماعة العلّماء. وقالت جماعة منهم الشّافعيّ: إنّ العمرة واجبةٌ كوُجوبِ الحَجّ، واستدلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥) ورُوِيَ في حديث جبريل ﵇؛ أنّه قال: ما الإسلام؟ قال: "أنّ تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وأن تقيم الصّلاة، وتؤتي الزَّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ وتعتمر، وتغتسل من الجنابة" (٦). والصّحيح ما قلناه من الأَثَر والنَّظَرِ. أمّا الأثر، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٧) ولم يذكر العمرة، وقال النّبيُّ ﷺ : "بُنِيَ الإِسلامُ " على خمسٍ (٨) فذَكَرَ الحجّ خاصّة. وقال النّبيُّ ﷺ للأعرابى: "وحج البيت" قال: هل علي غيره؛ قال: "لا" (٩)، ولأنّ البيت سبب من أسباب العبادة، فلا يتعلَّق به وجوب شيء، كالزَّوالِ والغروب. وأمّا قولى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١٠)، فليس يقتضي لُزوم الفعل ابتداءً، وإنّما

стр. 1857

فيه تَمَامُه بعد فعله (١). وأمّا حديث جبريل، فقد رواه العالم (٢)، وليس فيه: "وتعتمر" فلا تقبل هذه الزِّيادة؛ لأنّ الحديث مُطْلَقٌ. وأمّا سؤال: ألَّا تدع الحجّ في كلِّ عام، أو مرَّة واحدة؛ فيقال له: الواجب مرّة واحدة، فمن زاد فتطَوعٌ فيه، دليلٌ على أنّ المسلم إذا حجَّ، ثم ارْتَدَّ، ثُمَّ اسْلَمَ؛ أنّه لا إعادةَ عليه في الحَجِّ. هذا فيه نظر، بل يستانف الحَجِّ عندي، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ﴾ الآية (٣). وقال ابنُ القاسم وأشهب عن مالكٌ: من طلَّقَ في الشِّركِ ثمَّ أَسْلَمَ، فلا طلاق عليه، لقوله تعالى: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤). قال: وكذلك من قذفَ ثمَّ أَسلَمَ، أو سرق ثم أَسْلَمَ، أقيمَ عليه الحدّ للفرية وللسَّرِقَةِ. ولو زنا وأَسْلَمَ، واغتصب مسلمة ثم أسلم، لسقط عنه الحدّ. وروى أشهب عن مالك: إنّما معنى قوله: "ما قد مضى" يعني قبل الإسلام من مالٍ أوْ دَمٍ، وهذا هو الصّواب -واللهُ أعلمُ- لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية (٥)، وقوله: "الإسلام يهدم ما قبله" (٦). قال: وإذا أسلم المرتدُّ وقد فاتَتْهُ الصّلوات، أو صاحب جناية، أو أتلف أموال النّاس. فقال الشّافعيّ: يلزمه حق الله والآدميِّين. وقال أبو حنيفة: ما كان لله يسقط، وما كان للآدميِّين يلزمه، وبه قال علماؤنا. واختلف علماؤنا؛ هل الرَّدَةُ تحبط نفس العمل أم لا؟

стр. 1858

وأمّا الآيات في الحَجِّ، فالآية الأُولى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١). قال علماؤنا: هذا من آكَدِ ألفاظِ الوُجُوبِ عند العرب، وكان الحجُّ عند العرب معلومًا مشروعًا لديهم، فخُوطبوا بما عَلِمُوا، وألزموا ما عرفوا. وقد حجّ النّبيُّ ﷺ معهم قبل فَرْصِ الحَجِّ، وَوَقَفَ بعرفة، ولم يُغَيِّر شيئًا من شَرْعِ إبراهيم، حتّى كانت قريش تقف بالمزدلفة، ويقولون: "نحن أهل الحَرَم فلا نخرج منهُ" وهذا يدلُّ على أنَّ رُكْنَ الحجِّ القصد إلى البيت. وللحج ركنان: الطواف بالبيت، والوقوف بعرفة، لا خلاف في ذلك، وكلّ ما وراءه فنازل عنه، مختلف فيه. فإن قيل: وأين الإحرام وهو مُتَّفقٌ عليه؟ قلنا: الإحرامُ هو النِّيَّةُ الّتي تلزم كلّ عبادة، وتتعيَّن في كلِّ طاعةٍ، وكل عمل خَلَا عنها لم يعتدّ به، فالاحرام شرطٌ لا رُكْنٌ. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢) وهو عامٌّ في جميعهم، مسترسلٌ على جملتهم من غير خلاف في ذلك، إِلَّا في هذه الآية، خَلَا الصّغير فإنّه يخرج بالإجماع عن أصول التَّكْلِيفِ. فلا يقال إنّه خَصَّه لأنّه فيه. وكذلك العبد لم يدخل فيها؛ لأنّه أخرجه عن مُطْلَقِ العموم الأوّل، قوله في التّمام للكلام: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ والعبدُ غير مستطيع؛ لأنّ الله قد قَدَّمَ حقَّ السَّيِّد على حَقِّهِ. واختلف النّاس هل الحج مسترسل أو هو على الفور: فذهب (٣) جمهور البغداديِّين إلى (٤) حمله على الفور. ويضعف عندي. واضطربتِ الرَّوايات عن مالكٌ في مُطْلَقَاتِ ذلك، والصحيح عنه من مذهبه؛ أنَّه لا يحلّم فيه بفَوْرٍ ولا تَرَاخٍ، وهو الحَقّ.

стр. 1859

وأمّا الاستطاعة، فالذي عَوَّلَ عليه فقهاء الأمصار، منهم الشّافعيّ وأبو حنيفة وعبد العزيز بن أبي مسلمة؛ أنّه الزّاد والراحلة، ورُوِيَ في ذلك حديث عن النَّبيِّ ﷺ لا يصحّ سَنَدُه. وهذا أيضًا يبعدُ معنًى، فإنّه لو قال الاستطاعة الزّاد، لكان أَوْلَى في التَّفْسِيرِ؛ فإنَّ السبيل في اللُّغة الطّريق، والاستطاعة ما يكسب سلوكها، وهي صحّة البَدَن ووجود القُوت. وقد سأل ابنُ القاسم وأشهب مالكًا عن هذه الآية، فقال: النَّاسُ في ذلك على قَدْرِ طاقتهم وجَلَدِهِم. فقال أشهب له: هذا الزّاد والرّاحلة. فقال: لا واللهِ وما زادك إِلَّا على قَدْرِ طاقة النّاس؛ لأنّه قد يجد الرَّجُل الزّاد والرّاحلة ولا يَقْدِر على المَشْيِ، وآخر يَقْدِرُ أنّ يَمشِي على رجليه، وهذا بالغٌ في البيان. فهذا وُجِدَت الاستطاعة، فلا خلافَ في وجوب فَرضِ الحَجّ، إِلَّا أنّ تعرض آفة، والآفات أنواع، منها الغريم يمنعه عن الخروج حتّى يُؤَدِّي الدَّيْن، ولا خلاف فيه. ومن كان له أَبَوَانِ، ومن كان له من النِّساء زَوْجٌ. فاختلف العلّماء في ذلك، وكذلك اختلف قول مالكٌ. والصحيح في الزَّوْجَة أنّه يمنعها، لا سيّما إذا قلنا: إنّ الحجّ لا يلزم على الفور. وإن قلنا: إنّه يلزم على الفَوْرِ، فحق الزوج مُقَدَّمٌ. وأمّا الأَبوَانِ، فإنْ كان منعه لأجل التّشوق والوحشة، فلا يُلْتَفَتُ إليه، وإن كان خوف الضّيعة وعدم العوض في التَّلَطُّف، فلا سبيل له إلى الحَجِّ. وإذا كان مريضًا أو مَعْضُوبًا (١)، لم يتوجّه عليه المسير (٢) إلى الحجّ. بل أجمعت الأُمَّةُ أنّ الحجَّ إنّما فَرَضَهُ اللهُ على عباده على الاستطاعة إجماعًا، والمريض والمَعْضوب لا استطاعة لهما (٣). وإذا لم يكن للمكلَّفِ قُوتٌ يتزوَّد به في الطريق، لم يلزم الحجّ إجماعًا، وسأحَقِّق ذلك تحقيقًا شَافِيًا في موضعه إنّ شاء الله.

стр. 1860

وقال عبد الوهّاب (١): "الاستطاعة معتبرةٌ بحال المستطيع، فمن قدر على المشي ببَدَنِهِ لَزِمَه الحجّ، ولم يقف وجوبه عليه على راحلة، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية (٣)، فعمَّ، ولأنّه قادرٌ" (٤). المقدمة الثّالثة (٥) في شروط وجوبه فقيل (٦): إنّها أربعة. وقيل - سِتَّةٌ: الحريّة، والعقل، والبلوغ، والاسْتِطَاعة، وليس من شرطه الإسلام، وإنّما هو من شرط الأداء؛ لأنّ قول مالك لم يختلف قطّ أنّ الكُفَّار مُخَاطَبُون بفروع الشّريعة. وقال غيره (٧): هي سِتَّةٌ: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحريّة، وصحّة البَدَن، وبلوغ الدعوة (٨)، والاستطاعة على الوصول دون مانع ولا ضَرَرٍ. أمّا الإسلام، فليس من شروطه (٩) كما قدَّمنا. وأمّا "الحُرِّيّة" فلا خلافَ فيها؛ لأنّ العبدَ مملوكٌ لِعَبْده، مستغرقُ المنافع، فهو يدخل في خطاب الشّرائع كلِّها، ما لم يكن في ذلك تعطيل للسَّيِّد ولا قطع به على الانتفاع. والسَّفَر يمنعه منه، ويسقط منفعته فيه، فلا يجوز له السَّفَر إِلَّا بإِذْنِهِ، فسقطت الاستطاعة وسقطَ الخطّاب، وقد بيَّنَّا ذلك قَبْلُ. وأمّا "البلوغ" فإنّه أمرٌ اجتمعتِ الأُمَّةُ عليه، أمّا أنّ الصّبيَّ إذا حُجَّ به كتب الله له الأجر من فَضْلِهِ، وَلِوَليِّه الأجر زيادة من رحمته. وقد ثبت عن النّبيِّ ﵇ أن
следующие страницы →