متى أُلِّفَ الكتاب
إنّ الجواب عن هذا السؤال في غاية العُسْرِ؛ لأنّنا لم نعثر في الكتاب على ما يحدد بصراحة الفترة الَّتي أمْلى المؤلِّف فيها مصنّفه، إلَّا أنَّ بعض الإشارات يمكن الاستئناس بها في معرفة الفترة الَّتي أملي فيها الكتاب، فالَّذي لا شكّ فيه أنّ كتاب "أحكام القرآن" انتهى المؤلِّف من تقييده في ذي القعدة سنة: ٥٣٠هـ (١)، وكتاب "الأحكام" من جملة الكتب الَّتي أحال عليها المؤلِّف في "المسالك" (٢)، كما أحال على كتابه المفقود: "أنوار الفجر في مجالس الذكر" (٣)، و"العواصم من القواصم" (٤)، و"سراج المُريدين" (٥)، و"النيِّرين" (٦)، و"عارضة الأحوذي" (٧)، و"مسائل الخلاف" (٨)، و"الأمد الأقصى" (٩)، ولولا احتمال
стр. 212
رجوع المؤلِّف إلى كتبه بالتهذيب والزيادة؛ لأمكننا الجزم بأنَّه كتب "المسالك"
في أواخر حياته؛ لأننا نجد الإحالة فيه على معظم تراثه الفكري، وتبقى هذه
المعضلة قائمة، إلى أن نقف على دليل قاطع نقطع به دابر الشكِّ.
стр. 213
مصادر ابن العربيّ في كتابه المسالك
الوقوف على مصادر ابن العربيّ في "المسالك" أمرٌ محفوفٌ بالمخاطر؛ فقد عانينا فيه صَعَدًا، وكلفنا خُطة شديدة، فلطالما قرأنا الكتاب مرَّات ومرَّات، واستصحبنا مصادرهُ الَّتي صرُّح بها، وأصُول مادَّته العلمية الَّتي وثقها، إلَّا أننا وقفنا عاجزين أمام كثير من النُّصوص، هل هي من بنات فكره وحرِّ لفظه، أم هي مقتبسة من غيره؟ ونعتقدُ أن الوعي بهذه المسألة قادنا إلى محاولة معرفة كيف يقرأ ابن العربيّ كتب من تقدَّمه؟ وإلى أيِّ مدى كان يعيش في أفكارها ومسائلها؛ ثم أيّ الكتب كان حضور ساطع في نفسه وهو يُملي عِلْمه على طَلَبَتِه ومُرِيدِيه؟ وما هي المصادر الَّتي تُمثِّلُ الفكر الُّذي قدح عقل هذا العالِم فاستفاض علمه؟ إنَّه ليس باستطاعتنا في هذا الدخل أن نُجيبَ عن هذه التّساؤلات الهامَّة والمشروعة في ذات الوقت، ولكن حسبُنا في هذا المبحث الآن أنّنا سندُلُّ القارئ على المصادر الَّتي صرَّح بها الْمُؤلِّف في ثنايا بحثه، وكذلك بعض المصادر الَّتي أغفلها واستطعنا تحديد بعض الواضع المنقولة منها، وبصَنِيعِنا هذا لم نحاول أن نضع ابن العربيّ في غير موضعه، أو نرتفع به على من سبقوه، فإنَّ من آفات البحث العلمي العصبيّة الطائشة للكتاب المدروس ولصاحبه، ومحاولة نسبة كل إبدل وفكر جديد له خاصّة دون غيره, وهذا مخالف للحقيقة، مجانبٌ للصّواب، فقد جاء ابنُ العربيّ وقد استوت العلوم الإِسلامية
стр. 214
على سُوقها أو كادت، فقد فرغ ابنُ حبيب والبُونيّ والقَنَازِعِيّ والباجيّ من شَرْحِ "الموطَّأ" ووضعوا الأصول ومهَّدوا الفروع، ولم يكد ابن عبد البرِّ القرطبي يضع قلمه المُبدع بعد تأليفه للتّمهيد والاستذكار، حتَّى كان هذا إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من التّصنيف في شرح الحديث، عكفَ فيها العلماء - ومنهم ابن العربيّ- على هذا الموروث العظيم الَّذي آل إليهم، شارحين للمُوطَّأ، ومتعقِّبين وناقدين، ومُضيفينَ ومستَدْرِكينَ، فمِن الممتع حقًّا أن يرقبَ الباحث حركة الأفكار وهي تتحاور، ويفتح بعضها لبعض، ويخرج بعضها من بعض، ويأتي بعضها في إثر بعض، وكيف يقوم الثّاني على المراجعة الدّقيقة للأوَّل، وإخراج ما يقتضي الرَّأي إخراجه، وإضافة ما يقتضي الرّأي إضافنه، ثم ترى الحذق واليقَظَة في استخراج رَسِيسَ الصّواب من تحت أنقاض الخطأ، وهكذا نجد المراجعة الدائمة هي الَّتي تتولَّد منها -بإذن الله- المعرفة، وهذا لا يوجد إلَّا إذا عكف الثاني على عِلْمِ الأوَّل، واستخرج منه صافيات الصّواب وخافيات الخطأ.
وابنُ العربيّ واحدٌ من هذا النَّفَر الكريم الَّذين أحسنوا النَّظَر في ذلك الحصاد الطِّيب الَّذي سبق به الأوائل؛ كما أخذ بنصيب وافر من ثقافة وعلوم عصره، وكان يمدّه في كل ذلك ذكاء قويٌّ، وطَبعٌ سليمٌ، وشَغفْ بالاطِّلاع والتّحصيل شديدٌ وكانت الثمرة كتاب "المسالك" الَّذي يعتبر معرِضًا لأراء كبار علماء اللّغة والكلام والفقه والأصول والحديث على اختلاف مذاهبهم وتعدد مشاربهم، فيه النُقُول المُستفيضة عنهم، وتظهر أهمية هذه النقول فيما حكاه عن كُتبهم الضائعة، من مثل: "الواضحة" لابن حبيب و"المبسوط" لإسماعيل القاضي، و"المجموعة" لابن عبْدُوس، و"كتاب ابن المَوَّاز" وما إلى ذلك.
стр. 215
وليس يعنينا هنا أن نتحدّث عن كلّ الأعلام الَّذي حَكَى عنهم ابن العربيّ القول والقولين، وإنَّما نذكرُ مِن هؤلاء الأعلام مَنْ أكثرَ ابن العربيّ من النَّقل عنهم والاستفادة من علومهم، وها نحن نذكُرهم بحسب موضوعات العلوم.
مصادره في شرح الحديث:
١ - "الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطَّأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار" و"التمهيد لما في الموَطَّأ من المعاني والأسانيد" لأبي عمر بن عبد البرِّ القرطبي (ت.٤٦٣).
ابنُ عبد البرّ مُحدِّث الفقهاء، وفقيهُ المحدِّثين، لا يخلو شرح من شروح "الموطَّأ" من الأخذ عنه والنَّقل منه، وقد استكثر ابن العربيّ من حكايته أقواله، ونقل الفقرات الطويلة من "التمهيد" (١) و"الاستذكار" (٢) بخاصَّة، وقد انتقده في مسائل معدودة، غير أننا رأيناه في كثير من المواضع يُتابعُ آراءه وُيضمِّنها
стр. 216
شرحه دون أن يُصرِّح بالنّقل أو العَزْوِ إليه، وقد بيَّنَّا في هوامش "المسالك" ما استطعنا الوقوف عليه من هذه النُقُول (١). ولكن في الحق أن ابن العربيّ لإمامته وطول اشتغاله بشرح الحديث والغوص في دقائق علمي الكلام وأصول الفقه يمتاز بتشقيق المسائل، والتفَنُّن في وضع العناوين الدَّالة والتراجم المعَبِّرَة، على حين نرى الحافظ ابن عبد البر يُدْمِجُ المسائل الكثيرة تحت الباب الواحد، وهو منهج لا تبعَةَ فيه عليه؛ قد ارتضاه كبار الأيمة الّذين تَصَدَّوا لشرح الحديث.
وشرح ابن عبد البرّ في "الاستذكار" جميع ما في "الموَطَّأ" من المسند والموقوف والمقطوع والبلاغ، وركّز على استعراض آراء علماء السَّلَف وفقهاء المذاهب والأمصار، مع ذِكْرِ أوْجُه استدلالهم واستنباطاتهم، قال عنه ابن حزم الظّاهريّ: "لا أعلمُ في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه! " (٢).
واعتنى ابنُ عبد البرّ في "التّمهيد" بالأحاديث المسنَدَة، وعن أحوال رواتها وأنسابهم، ومعاني الأحاديث، وأقاويل العلماء في تأويلها وناسخها ومنسوخها، ورتَّبَ شرحه على حسب شيوخ مالك في "الموطَّأ".
٢ - "المنتقى" لأبي الوليد الباجي (ت. ٤٧٤ هـ).
أكثر المؤلِّف ﵀ من النقل من كتاب المنتقى للباجي، حيث يمكن
стр. 217
أن نزعم بأن جلّ المادة الفقهية في "المسالك" هي منتقاة من "المنتقى" والباجي فقيه عظيم، ورُكنٌ من العلم باذخٌ، فهو موصول النَّسَب الفقهيِّ، فلا عَجَبَ أن يأوي إليه ابن العربيّ في نقل المسائل الفقهية، وقد ظهر لنا أنّ جلّ المسائل المنقولة لم يعزها إلى الباجي، وساقها كأنها من عند نفسه، ولا سبيل إلى ذكر كلّ المواضع الَّتي أفاد فيها ابن العربيّ من الباجي، فهي إلى الكثرة ما هي (١)، وحسبنا أننا ذكرنا ذلك في هوامش "المسالك".
وذهب الباجي في كتابه "المنتقى" مذهب الاجتهاد في تقرير المسائل، فكان يتبع منهج النّظر والاستدلال، والإرشاد إلى طريق الاختيار والاعتبار.
والنّاظر في هذا الشرح الجليل يرى أن الشارح ﵀ له في كثير من المسائل اختيارات وترجيحات خاصة، وآراء وإستنباطات مفيدة، واستظهارات شخصية، ولذلك قدّم عذره متواضعًا في مقدِّمته فقال (٢): "وذلك أن فتوى المفتي في المسائل وكلامه عليها وشرحه لها، إنما هو بحسب ما يوفقه الله تعالى
стр. 218
إليه ويعينه عليه، وقد يرى الصواب في قول من الأقوال في وقت ويراه خطأ في وقت آخر، ولذلك يختلف قول العالم الواحد في المسألة الواحدة؛ فلا يعتقد الناظر في كتابي أن ما أوردته من الشرح والتأويل والقياس والتنظير طريقهُ القطع عندي حتّى أعيب من خالفها، أو أدُّم من رأى غيره. وإنما هو مبلغ اجتهادي وما أدى إليه نظري. وأمّا فائدة إثبات أنه فتبيين نهج النظر والاستدلال والإرشاد إلى طريق الاختيار والاعتبار؛ فمن كان من أهل هذا الشأن فله أن ينظر في ذلك ويعمل بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده من وفاق ما قلته أو خلافه".
ولم يعتن الباجي- رحمة الله عليه- في هذا الشرح بالأسانيد والكلام على الرّجال، وما يتبع ذلك من المباحث الحديثية؛ كوصل المرسَلِ والمتابعات والشواهد مما يقتضيه المقام، وإنّما اعتنى بتخريج فروع المالكيّة على أصولهم في "الموَطَّأ"، فهو كثيرا ما يربط المسألة بالحديث الَّذي تندرج تحته، مع الإشارة إلى قاعدتها من أصول الفقه وقواعده.
ونعتقد أن هذا الكتاب من الكتب الأصول عند السادة المالكيّة، ومع هذا فإنّه لم يؤتَ حظَّه من الدُّرس الجادِّ والتّأمُّل العميق، مع أنه اشتمل على جملة صالحة من الأقوال والآراء لكبار علماء المذهب لا تكاد توجد في كتب المذهب المالكي المتداولة اليوم، فقد نقل الباجي كثيرا عن أعلام المذهب، وتظهر أهمية هذه النقول فيما حكاه عن كتبهم المفقودة، من مثل كتاب المبسوط للقاضي إسماعيل، وثمانية أبي زيد، وكتاب ابن سحنون، وغيرها من عيون كتب المذهب. وُيعَدُّ "المنتقى" بهذه الْمَثابة مصدرا مهما للفقيه الَّذي يريد الاطلاع على ما دق وخفي من أصول المذهب وفروعه.
стр. 219
٣ - "تفسير غريب الموطَّأ" لعبد الملك بن حبيب (ت.٢٣٨ هـ).
ابنُ حبيب من شرّاح "الموطَّأ" المعدودين، الّذين استطاعوا أن يؤثروا فيمن جاء بعدهم، فشاع ذكره، وكثر النقل منه، وقد أفاد منه ابن العربيّ في بعض ما عرض له من غريب حديث "الموطَّأ" (١).
٤ - "تفسير الموطَّأ" لأبي المطرِّف القَنَازِعِيّ (ت. ٤١٣ هـ).
القَنَازِعِيّ عَلَمٌ من أعلام الفقه والحديث في القرن الرابع والخامس، وقد أغار ابن العربيّ في مواضع على كلام القَنَازِعِيّ، دون أن يُصرِّح بالنقل عنه أو الإفادة منه (٢)، ويبدو أن ابن العربيّ كان في نفسه شيء من القَنَازِعِيّ، بدليل أنّه ذكَرَهُ في مقدمة "المسالك" فأشار إلى أنّ كتابه ليس بمُفيد للطَّالب، فينبغي ألّا يُلتفت إليه.
٥ - "تفسير الموطَّأ" لأبي عبد الملك البُوني (ت. ٤٤٠ هـ).
اقتبس ابن العربيّ أيضًا من كلام البوني في تفسيره للموطّأ، وذكر كلامه بألفاظه، دون أن يُصرِّح بالنَّقل عنه (٣)، كما أنَّه في بعض المواضع يقول: قال
стр. 220
علماؤنا" (١)، أو"قال بعض الأشياخ" (٢)، وصرَّح باسمه في مواضع معدودة. (٣)
٦ - "شرح صحيح البخاري" (٤) لأبي الحسن علي بن خَلَف بن بطَّال القُرطُبيّ ثم البَلَنْسِيّ (ت. ٤٤٩)
يعتبر هذا الشرح من أقدم شروح صحيح البخاري، فهذا ما استثنينا شرح الإمام أبي سليمان الخطابي (ت. ٣٨٦ هـ) (٥)، وشرح العلّامة المهلَّب بن أحمد بن أبي صُفْرَة (ت. ٤٣٥ هـ) (٦)، فإن هذا الشرح يعد أوّل شرح موسّع جمع فيه صاحبه بين الفقه الَّذي هو العمدة في الكتاب، وبين
стр. 221
الفوائد اللَّغوية والبيانيّة والعَقَدِيُّة والزُّهْدِيُّة، مع شرح الغريب، وقد استفاد منه صاحبنا في كثير من الواضع، والغريب حقًّا أنّه لم يذكره صراحة في أيّ من الواضع الَّتي وَفَّقَنا الله إلى معرفة أصولها، فهو يشير تارة ب "قال علماؤنا" (١)، أو: "قال بعض الأشياخ" (٢)، أو: "قال بعض العلماء" (٣)، أمّا في الغالب الأعمّ؛ فإنّه لا يُشير إلى المصدر لا تصريحا ولا تلميحا (٤)، وهذا أمرٌ لا يَليقُ ولا يَجْمُلُ بمقام ابن العربيّ، وهو العالم الواسع الاطِّلاع، البليغ العبارة، المتضَلِّع من فنون الأدب وحِكَمِ التّشريع، الَّذي باستطاعته أن يعبِّر عمّا يريد بأبلغ البيان وأجلى العبارات، فهو أجلّ من أن يُرمَى كما يُعرَف بالسَّرقات الأدبيّة، وهذا أمر لم ينفرد به صاحبنا, ولم يتميَّز به عن نظرائه من علماء الحديث والتفسير واللّغة والتاريخ, فهو منهجٌ مُتَّبَعٌ عند عدَدٍ غير قليل من الأعلام، لا يمكننا في هذه العجالة أن نعرض بعض الأمثلة، فهي معلومة عند الباحثين، وكم كنّا نودُّ أن نقف وقفةً طويلةً مع هذه المسألة، نكشف عن ملابساتها، وندلُّ على وجه العُذْر فيها, ولكن حسبنا هذه الإشارة الدالة واللمحة الخاطفة.
٧ - "المعلم بفوائد مسلم" لأبي عبد الله المازَرِيّ (ت. ٥٣٦ هـ).
يعتبر الإمام المازَرِي آخر المشتغلين من شيوخ إفريقيا [تونس] بتحقيق
стр. 222
الفقه، وممن بلغ رتبة الاجتهاد (١)، وهذا ما استوجب على "سيدي" خليل اعتباره أحد الأربعة الَّذين اعتمد عليهم في "مختصره".
ولم يستوعب الإمام المازَرِيّ في "المُعْلِم" شرحَ جميع كتاب مسلم، وإنّما تعرَّض لبعض الجزئيات من كل باب بالتّعليق والشرح، فيذكر أحيانا المسألة الخلافية ويستجلب أقوال العلماء فيها، وأدلّتهم، مع مناقشتها والترجيح بينها، ويكتفي أحيانا بذكر الخلاف في المسألة دون تَوَسُّع في جلب الأدلّة ومناقشتها.
اعتمده صاحبُنا ابن العربيّ كمصدَرٍ من المصادر الأصيلة في فهم الحديث واستخراج دُرَرِه، فذَكَرَه مرّة بعنوان: "الْمُعْلِم" (٢)، وتارة ذكَرَ مؤلِّفه بقوله: "قال الإمام الحافظ أبو عبد الله المازري" (٣)، وتارة أخرى بصيغة: "قال أبو عبد الله المازري" (٤)، وربما اكتفى أحيانا بـ "قال علماؤنا" (٥)، وفي مواضع ليست بالقليلة، اقتبس المؤلِّف الفقرات الطِّوال بدون أدنى إشارة إلى المؤلِّف أو المؤلِّف (٦).
ولم يقتصر المؤلِّف على الرجوع إلى هذه الشروح الكبرى فقط، بل اعتمد
على جملة من المصادر الَّتي لا يمكننا -الآن على الأقل- الجزم بأنه رجع إليها
стр. 223
مباشرة، ولكن الغالب في الظّن أنه رجع إليها بواسطة، مثل "شرح الموطَّأ" لأبي زكريا يحيى بن مُزَيْن (ت. ٢٥٩ هـ) (١)، و"شرح الموطَّأ" المسمَّى: "الدَّلائل على أمّهات المسائل" لأبي محمَّد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (ت. ٣٩٢ هـ) (٢)، إضافة إلى شروح غريب الحديث، مثل: "تفسير غريب الموَطَّأ" لأحمد بن عمران الأخْفَش (٣) , و"غريب الحديث" لأبي سليمان الخطابي (٤)، و"غريب الحديث" لأبي عُبَيْد القَاسِم بن سَلَّام (ت. ٢٢٤ هـ) (٥)، و"غريب الحديث" لأبي محمَّد عبد الله بن مسلم بن قُتَيْبَة (ت. ٢٧٦ هـ) (٦)، و"تأويل مختلف الحديث" أيضًا (٧). و"الغرِبَيْنِ" غريب القرآن والسُّنَّة، لأبي عُبَيْد أحمد بن محمَّد الهرويّ (ت. ٤٠١) (٨).
стр. 224
مصادره في الفقه
١ - " الْمُدَوَّنَة" لعبد السلام بن سعيد التنوخي، اللقب بسحنون (ت.٢٤٠ هـ)
وهي أصل علم المالكيِّينَ، وهي مقدَّمَةٌ على غيرها من الدَّواوين بعد موطّأ مالك. وُيروَى أنَّه ما بعد كتاب الله أصَّح من موطّأ مالك ﵀ ولا بعد الموطَّأ ديوان في الفقه أفيد من المدوَّنة، هي عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل النحو، وككتاب أُقليدس عند أهل الحساب، وموضعها من الفقه موضع أم القرآن من الصلاة، تجزئ عن غيرها, ولا يجزئ غيرها عنها (١).
وأصل "الْمُدَوَّنَة" هو ما دَوَّنه عليّ بن زياد في كتابه الَّذي سمّاه "خير من زنته"، ثم كتاب "الأسَدِيَّة" لأسَد بن الفُرَات (ت.٢١٣ هـ) أو كما يسميها البعض: "مدونة أسد" واستدراك سحنون عليها؛ في القصة الشهورة، الَّتي حكاها شيخ شيوخنا محمَّد الفاضل بن عاشور (٢)، وهي أنّ سحنونا لاحظ فيما كتَبَه أسَد بن الفُرات نَبوات أو اختلافات عمّا يظنُّ لأنه سمِعَه من عليّ بن زياد، فحَدَا به ذلك -إخلاصًا في خدمة دين الله ونُصحًا لله ولرسوله ولعامّة
стр. 225
المسلمين - حَدَا به ذلك إلى أن يرجع في تحقيق ما وقع له فيه الشّكّ، وما اتّهم فيه ما أخذَه من أسَد بن الفُرات بالاضطراب، أن يرجع إلى الَّذي كان مُسَلَّمًا له من بين أصحاب مالك جميعًا بأنّه أتمهم قيامًا على فِقْهِ مالك، وأكثرهم ملازمة له، وأكثرهم إتقانا لضبط ما روى عنه من المسائل، وهو عبد الرحمن بن القاسم، فتوجَّه سحنون إلى مصر كما هو معروف، وصدرت عنه "المدوّنة" الَّتي تُعتبر في الحقيقة أثرًا لأربعة من الرِّجال على التّعاقُب، هم: عليّ بن زياد المدَوِّن الأوّل , وأسدُ بن الفُرات مُدَوِّن "المدونّة" الَّتي عوضها سحنون على ابن القاسم، وابنُ القاسم الَّذي صُحِّحَت لدَيْه مدوَّنة أسَد بن الفُرات "الأسَدِيَّة"، وسحنون الَّذي كتب خلاصة ما سمع من ابن القاسم، مع ما سمع من غيره من أصحاب مالك بإفريقية وبمصر.
وقد أصبحت "المُدَوَّنَة" دستور المالكيّة الَّذي يحتكمون إليه أيَا كانت مدارسهم، حتَّى إنَّه أذا أطلق "الكتاب" فإنُّما يريدونها, لصيرووته عندهم علمًا بالغلبة عليها، وهي الَّتي تُسَمَّى "الأم" (١).
فلا غرو أن يُكثر المؤلِّف عن النقل عن هذا المصدر (٢).
стр. 226
٢ - "الواضحة في السنن والفقه" لعبد الملك بن حبيب السُّلَميّ، (ت.٢٣٨ هـ)
ثانية الأمّهات والدَّواوين، وقد اعتنى بها مالكية الأندلس بخاصَّة، فهي إحدى المفاخر عند التّفاخر، وفيها يقول ابن حزم الأندلسي: "وألِّفتْ عندنا تآليف في غاية الحسْن، لنا [أي معشر أهل الأندلس]، في بعضها ... ومنها في الفقه الواضحة" (١)، وظلَّت "الواضحة" مرجعًا فقهيًا لا يُنافس في الأندلس، حتَّى غلب عليها بعد حين من الدَّهر، ضاع أغلبها فيما ضاع من عيون إرثنا الإِسلامي، وبقيت منها أجزاء في الوضوء بخزانة القَرَويِّين تحت رقم: ٨٠٩، استفدنا منها في قراءة النَّصِّ وتحريره، كما وصلتنا قطع مختلفة محفوظة بمكتبة رقادة في القيروان بتونس، تحتوي على شذرات من صلاة السَّفَر، ومناسك الحجّ، والشّهادات، ونشر بعضها أحد المستشرقين الأعاجم بألمانيا (٢).
وقد أكثر المؤلِّف من الرُّجوع لهذا الكتاب في كثير من المواضع، بواسطة الباجي في المنتقى (٣).
стр. 227
٣ - "العُتْبيَّة" أو"المستخرجة من الأسْمِعَة" لأبي عبد الله محمَّد بن أحمد العتبي (ت.٢٥٥).
وهي ثالثة الأمّهات والدّواوبن، يقول عنها ابن خلدون في مقدِّمته: "اعتمد أهل الأندلس كتاب العُتْبيَّة وهجروا الواضحة" (١). فالعُتْبيَّة كتاب قد عوَّل عليه الشيوخ المتقدِّمون من القروِّيين والأندلسيِّين، واعتقدوا أنَّ من لم يحفظه، ولا تفقَّه فيه كحفظه للمدوَّنة وتفقُّهه فيها، بعد معرفة الأصول وحفظه لسُنَنِ رسول الله ﷺ ؛ فليس من الرّاسخين في العِلْم , ولا من المعدودين فيمن يُشار إليه من أهل الفقه (٢).
و"العُتْبيَّة" عبارة عن حصر شامل لمسائل فقهية يرجع معظمها لابن القاسم العتقي عن مالك بن أنس، وهي برواية من جاءوا بعده مباشرة، كما أنَّها تحتوي على آراء فقهية لتلاميذ مالك وخلفائه (٣).
فالمستخرجة إذا هي سماعات أحد عشر فقيها، ثلاثة منهم أخذوا عن مالك، وهم: ابن القاسم، وأشهب، وابن نافع المدني، وابن وهب، ويحيى اللَّيثيّ، وسحنون وغيرهم.
فالعُتْبيّ حفظ لنا في "المستخرجة" -فضلًا عن الرِّوايات المسموعة - سماعات كثيرة عن مالك وتلاميذه، ورَتَّبه على السماعات؛ فجمع سماع
стр. 228
ابن القاسم من مالك على حدة، وكذلك فعل بسماع أشهب وابن نافع وغيرهما، ثم جمع سماع سحنون من ابن القاسم على حدة، وكذلك فعل بسماع يحيى بن يحيى منه، ثم جعل كلّ سماع في دفتر، وجعل بكلّ دفتر عنوانا يعرف به، وهي أول كلمة منه، ولولا أنّ الله سبحانه ألهمه إلى حفظ هذه السماعات لضاعت، إلَّا أن العُتبيَّ لم يتمكن من تمحيصها وعرضها على أصول المذهب ومقارنتها بالرِّوايات الأخرى. وكان من حسن حظّ "العُتْبيَّة" أن يهتم بها ابن رشد الجدّ فقام بهذه العملية النقدية في "البيان والتحصيل والشرح والتوجبه والتعليل في مسائل المستخرجة" (١)، وأصبحت "العُتْبيَّة" -بعد أن تميَّز فيها الصحيح من السقيم- خيرًا وبركة.
وقد أكثر ابن العربيّ من الوجوع إلى "العُتْبيَّة" بواسطة الباجي في "المنتقى" (٢).، وربما رجع إليها مباشرة بدون واسطة (٣).
٤ - كتاب "المجموعة" لمحمد بن إبراهيم بن عبدوس (ت. ٢٦٠ هـ).
وقد رجع إليه كثيرا (٤)، ويعتبر هذا الكتاب من الأصول عند المالكيّة
стр. 229
كالمدونة، ويقع -فيما ذكر القاضي عياض (١) - في خمسين كتابًا، وقد أعجلتهُ
المنيَّة قبل تمامه، والكتاب يُعدُّ مفقودًا.
٥ - "الموَّازِيَّة" لمحمد بن إبراهيم، المعروف بالمَوَّاز (ت.٢٦٩ هـ).
يذكر أحد الباحثين أن "الموّازيّة" صارت في القرن الرابع الهجري أحد أشهر كتب الفقه في شمال إفريقيا، حيث ضمَّت كلّ المسائل العويصة في الفقه المالكي، فضلًا عن الاهتمام بفروع المالكيّة (٢).
ويتميَّز منهج ابن الموّاز في كتابه بأنَّه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم؛ لأنّ غيره إنَّما قصدَ جمع الرِّوايات ونقل منصوص السّماعات والاختيارات وأجوبة المسائل. ويُعتَبر هذا الكتاب من جملة ما فُقِدَ من إرثنا الفقهي الخالد.
وقد وصلتنا قطعة نادرة في المكتبة العاشورية بتونس، تقع في ١٥ ورقة (٣)، يقوم الأخ الأستاذ حميد لحمر الفاسي بالاعتناء بها تمهيدا لنشرها.
وأغلب الاقتباسات والإحالات على هذا الكتاب -إن لم نقل كلّها- بواسطة الباجي في "المنتقى"، وقد تعددت الصيغ في الإشارة إلى الكتاب، فتارة
стр. 230
يسمِّيه؛ "الموّازية" (١) وتارة: "كتاب محمَّد" (٢) وتارة أخرى: "كتاب ابن المواز" (٣) وفي بعض المواضع يقتصر على: "قال محمَّد" (٤).
٦ - "المبسوط في الفقه" للقاضي إسماعيل بن إسحاق (ت. ٢٨٢ هـ). يعتبر إسماعيل القاضي أحد الّذين شهد لهم بالاجتهاد بعد مالك، حيث قال الباجي (٥): "ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلَّا لإسماعيل القاضي" والدرسة العراقية الَّتي يتزعمها إسماعيل القاضي هي وليدة مدرسة المدينة النبويّة المنوّرة، غير أنَّ منهجها الفقهي تأثر بالبيئة الفقهيّة بالعراق، والَّتي كان منهج مدرسة أهل الرأي هو المتغلِّب فيها، ونتيجة لهذا التأثر، تميَّز مالكية العراق بميلهم إلى التّحليل المنطقي للصُّور الفقهيّة والاستدلال الأصولي، وذلك بإفراد المسائل وتحرير الدّلائل على رسم الجدَليِّين وأهل النَّظر من الأصوليِّين، وهو المنهج الَّذي يُشار إليه عند المالكيّة المتأخِّرين بطريقة العراقيّين، ويمثلُهُم في ذلك القاضي إسماعيل، ومِن بَعْدِه ابن القصَّار وابن الجلاب، والقاضي عبد الوهّاب، والقاضي أبو الفَرَج، والأبهري، ونظراؤهم.
стр. 231
ومن أسفٍ فإنُّ كتاب "المبسوط" لا زال إلى يوم الناس هذا في حكم المفقود، يَسَّر الله من يبحث عنه بحِدٍّ وَسَطَ المجاميع الأجزاء المجهولة النِّسْبة في مكتبة القرويِّين بفاس.
وقد أكثر المؤلِّف من الرُّجوع إليه بواسطة الباجي في "المنتقى" (١).
٧ - "التفريق" لأبي القاسم عُبَيْد الله بن الحسن بن الجلَّاب (ت.٣٧٨ هـ).
يعتبر كتاب "التفريع" مثالا رائدًا لنوع جديد من المؤلَّفات الفقهيّة، وهي المختَصَرات الجامعة الَّتي تتناول عددًا ضخمًا من المسائل المندرجة تحت أبواب الفقه كلّها، بصورة شاملة، وبصِيغَةِ مُوجَزة.
ولقد اختار ابن الجلَّاب في كتابه "التفريع" منهجَا يُلائم الغرض الَّذي كان يرمي إليه من وراء تأليف كتابه التفريع، فاعتمد خطَّة محكمَةً لإخراج مؤلَّف جامع يقوم على أركان أربعة:
١ - التفريع والتفصيل، سعيا لتغطية أكثر ما يمكن من المسائل الحادثة، أو المتوقعة الحدوث.
ب- الإيجاز والاختصار.
جـ- تقرير الآحكام لمختلف المسائل، لتحديد الشارع من كلّ أمر.
стр. 232
د- التبسيط والتوضيح، مع شدَّة الضَّبط والدّقة والتمحيص (١).
وقد تأثر المؤلِّف بمنهج ابن الجلاّب في تناوله لبعض القضايا الفقهية، ونقل أقواله في عدة مواضع (٢).
٨ - "النّوادر والزِّيادات على ما في المدوَّنة من غيرها من الأمّهات" لأبي محمَّد ابن أبي زَيْد القيروانيّ (ت. ٣٨٦ هـ).
يعتبر ابن أبي زيد مالكًا الصّغير، فهو الَّذي لَّخص المذهب، وضمَّ نشره، وذبَّ عنه (٣)، ونقل الدّبَّاغ في "معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان" (٤)، قال: يقال: لولا الشيخان، والمحمَّدان، والقاضيان، لذهب المذهب، فالشيخان: أبو محمَّد بن أبي زيد وأبو بكر الأبهري. والمحمدان: محمَّد بن سحنون ومحمد بن المَوُّاز. والقاضيان: أبو محمَّد عبد الوهاب وأبو الحسن بن القصّار".
وقد استطاع ابن أبي زيد أن يرجع بالفقه إلى صفائه العِلْمِيّ، ويَفُكّه من قيود الجدليّات والعصبيات، وأن يسلك في خدمة المذهب المالكي مسلكًا فريدًا، ويضبط ما تناثر في مصادره من الأقوال، مما قاله مالك وخالفه فيه أصحابه، أو ما وافقوه فيه، أو ما انفرد أصحاب مالك ومن بعدهم بتقريره من الأحكام. فدرَسَ الأقوال الفقهيّة، وحقَّق الصُّوَر الَّتي تتعلَّق بها، حيث كان
стр. 233
صورة واحدة واختلفت فيها الأنظار، أو صورًا مختلفة يرجع كلّ قولٍ إلى أحَدٍ منها (١). وذلك هو المنهج الَّذي سار عليه ابن أبي زَيْد في كتبه الموسَّعة, ويعتبر "كتاب النوادر" الَّذي طبع في بيروت بدار الغرب الإِسلامي، بمثابة الجامع" في أمهات الكتب الفقهية المالكيّة من المسائل والخلاف والأقوال، فهو مَعْلَمَةٌ فقهيّة شاملةٌ. كما يعتبر "كتاب النوادر" في نظر شيخ شيوخنا محمَّد الفاضل بن عاشور (٢) من أعظم الكتب الفقهيّة وأعونها على تكوين الملَكَة الفقهيّة الحقّ، والتّخريج على حُسْن الفهم ودِقَّةِ التّنزيل وبَراعة التّعليل، فقد جمع فيه صُوَرَ الحوادث الَّتي لم تنصّ أحكامها في "الْمُدَوَّنَة"، واهتم بأكثر الصُّوَر الَّتي تعرض في عصره في القيروان، فبيَّنَ أحكامها بحسب تنزيل النُّقول وتحقيق مناطها، أو الجواب عنها مما يتخرَّجُ من الأصول أو من النُّقول على سُنُّةِ الاجتهاد في المسائل.
وأغلب النقول عن ابن أبي زيد (٣) وكتابه "النّوادر" كانت بواسطة "المنتقى" للباجي (٤).
стр. 234
٩/ ١٠ - "المعونة" و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب ابن نصر البغدادي (ت.٤٢٢ هـ) نالت مؤلّفات القاضي عبد الوهاب شهرة عند المالكيّة المغاربة، بَلْه المشارقة، فهو وإن كان عراقيًا في مدرسته المالكيّة، إلَّا أنَّ آراءه اتَّسمت بتبنِّيها لمبادئ وقواعد الترجيح القيروانية المصرية، ولذا فكتبه تعتبر جسرَا يربط بين آراء الفرع المالكي العراقي، وترجيحات الفرع المصري القيرواني، وقد ظهر تأثير القاضي عبد الوهاب على المدرسة الأندلسية متمثلة في زعيمها أبي الوليد الباجي وكتابه "المنتقى"، الَّذي يتردَّد على صفحاته آراء الفاضي معزوَّة إلى كتبه "التلقين" و"الإشراف" و"المعونة" و"شرح الرسالة"، وربما مال الباجي في بعض القضايا إلى ترجيح رأي القاضي عبد الوهاب (١)، والظاهر أن ابن العربيّ نقل ما نقل من كتب القاضي بواسطة الباجي (٢).
стр. 235
١١ - "المقدِّمات لبيان ما اقتضته رسوم الْمُدَوَّنَة من الأحكام الشَّرعيات والتّحصيلات المحكَمَات لأمّهات مسائلها المشكِلاَت" لأبي الوليد محمّد ابن أحمد بن رشد (ت. ٥٢٠ هـ)
يمثل كتاب "المقدِّمات" حلقة جديدة في التآليف المالكيّة، ونظرة جديدة إلى "الْمُدَوَّنَة" وإلى التّصانيف الفقهية لشيوخ المذهب" (١)
ومن الغريب حقا أن يُكثِر ابن العربيّ من النّقل عن المقدِّمات، بدون إشارة إلى ابن رشد (٢)، وفي أحسن الأحوال كان يستعمل صيغة: "قال علماؤنا" (٣).
مصادر ثانوية:
ذكرنا فيما سبق أهم المصادر الَّتي أكثر المؤلِّف من الرّجوع إليها والاستمداد منها، وهذا لا يعني أنّه اقتصر في تحوير مجموعِهِ عليها، بل استطاع إن يوظّفَ مجموعة لا بأس بها من المصادر الأصيلة (٤) لاستيفاء الكلام على حديث مالك، وشرحه شرحًا مُوَسَّعًا، على منهج النَّظَر والاستدلال، والتُّفَقُّه
стр. 236
في المعاني، فلا غَرْوَ أن نراه يرجع إلى "سماع ابن وهب" (١)، والمقصود هو سماع عبد الله بن وَهْب (ت. ١٩٧ هـ) عن الإمام مالك، ويُعتبر من الكتب المفقودة (٢).
كما استفاد المؤلِّف من جملة من المصادر منها:
١ - "كتاب "الْمَدَنِيَّة" (٣) لأبي زَيد عبد الرحمن بن دينار الغافِقيّ الطُّلَيْطِلِيّ (ت. ٢٠١) يقول عنه القاضي عياض (٤): "كانت له رحلات استوطن في إحداهنّ المدينة، وهو الَّذي أدخل الكتب المعروفة بالمدنية لا إلى الأندلس، وذكَر القاضي عياض أيضًا أنّه لَقِيَ ابن القاسم في رحلته الأخرى، ورَوَى عنه سماعه، وعرض عليه "المدذنِيَّة" وفيها أشياء من رأيه، وكان من الحفّاظ المصُونين، والأخيار الصّالحين. ومن أسَفٍ تعدُّ "المدنية" من إرثنا المفقود (٥).
стр. 237
٢ - "المختصر" (١) لأبي محمَّد عبد الله بن عبد الْحَكَم بن أعْيَن المصري (ت. ٢١٤) من كبار تلامذة الإمام مالك، وصديق للإمام الشّافعيّ، قال عنه أبو إسحاق الشِّيرازيّ (٢): "وكان أعلمُ أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضَت إليه الرِّياسة بعد أشهَب" (٣)، من تآليفه "المختصر الكبير" وهو الراد عند ابن العربيّ، و"المختصر "الأوسط" و"المختصر الصغير" قال عياض (٤): "وقد اعتنى الناس بمختصراته ما لم يُعتَن بكتاب من كُتُب المذهب بعد "الموطَّأ" و"المدوَّنة" ... ذكرَ بعضُهُم أنّ مسائل "المختصر الكبير" ثمانية عشر ألف مسألة". وصلتنا من هذا الكتاب قطع متفرِّقة، منها قطعة القروِّيين بفاس (٥)، تحت رقم: ٨١٠، يبلغ عدد أوراقها ٣٣ ورقة، كتبت بخطّ أندلسيٍّ، وتشتمل على جملة من كتاب الحج، والجهاد، والوصايا، والمدبّر، والمكاتب، والعتق، والولاء، وأمّهات الأولاد،
стр. 238
وتنتهي هذه القطعة عند كتاب الجامع (١). كما وصلتنا قطعة أخرى محفوظة بمكتبة القيروان بتونس، تحتوي على الجزء الثاني من كتاب الشهادات (٢). وطُبعَ مؤخَّرا "شرح جامع مختصر ابن عبد الحكم" لأبي بكر الأبهري (ت. ٣٧٥ هـ) (٣).
٣ - "كتاب ابن سحنون" (٤) لأبي عبد الله محمَّد بن سحنون التَّنُوخيّ القيروانيّ (ت. ٢٥٦) قال عنه ابن حارث الخشني في قضاة قرطبة وعلماء إفريقية (٥): "كان في مذهب مالك من الحفّاظ المتقَدِّمين، وفي غير ذلك من المذاهب من النّاظرين المتصَرِّفِينَ، وكان كثير الوضع للكتب، غزير التأليف، يُحْكَى أنه لما تصفَّح محمدُ ابنُ عبدِ الحكَمِ كتابَه ... قال: ... هذا كتابُ رَجُل سَبَحَ في العِلْمِ سَبْحًا" (٦). ويذكر فؤاد
стр. 239
سزكين (١) أنَّه لم يبق من مؤلَّفات ابن سحنون إلَّا أربع قطع، نشر أغلبها حديثا.
٤ - "الثمَانِيّة" (٢) لأبي زَيْد عبد الرحمن بن إبراهيبم القرطبيّ، وكان يُعرَف بابن تارك الفرس، وقد اشتهر بكنيته، توفِّي عام: ٢٥٨ هـ, رحل إلى المدينة النّبويّة المنوَّرة، فسمع فيها من ابن كنانة وابن الماجشُون ومُطَرِّف ونظرائهم من المدنيِّين (٣)، و"ثمَانيّةُ أبي زَيْدٍ" هي عبارة عن ثمانية كتب أو أجزاء دون فيها صاحبها أسئلته الَّتي سألها مشايخه من المدنيين (٤)، وتعد من الكتب المفقودة.
٥ - "مسائل الخلاف" (٥) لأبي بكر أحمد بن محمَّد بن الْجَهْمِ المروزي، ثم البغدادي، المعروف بالوراق (ت. ٣٢٩ هـ) قال عنه أبو الوليد الباجي (٦): "أبو بكر مشهور في أيمة الحديث، وألّف كتبا جليلة على
стр. 240
مذهب ملك، منها "كتاب الرد على محمَّد بن الحسن"، و"كتاب بيان السنة" -خمسن كتابا-، و"كتاب مسائل الخلاف والحجة لمذهب مالك"، ... وكان ابن الجهْم صاحب حديثٍ وسَمَاعٍ وفقهٍ" وذكَر الخطيب البغدادي (١) حكايته عن أبي بكر الأبْهَرِيِّ: "أنّه كان فقيهًا مالكيًّا, وله مصنَّفاتِ حِسَانٍ، محشُوَّةٍ بالآثار" يَحتجُّ فيها لمالك، وَينصُرُ مذهَبَهُ، ويردُّ على مَن خالفه" (٢)، وتوجد نسخة نادرة من "مسائل الخلاف" في خزانة القرويين، تحت رقم: ٤٨٩، (٣) كُتِبَت بخطٍّ أندلسيٍّ، مبتورة الأوّل والآخِر، (٤) والكتاب متين الوضع، بديع المنزع، يجنحُ إلى الطّريقة العراقيّة الَّتي تَعتمِدُ على القياس والتأصيل، وتحقيق المسائل، وتقرير "الدلائل" ونرجو الله أن يقيّض له من ينفض عنه غبار القرون المتطاولة، وينشره، لينتفع به كرام العلماء في اجتهاداتهم في فقه الحالة (٥).
стр. 241
٦ - "كتاب الحاوي" (١) لأبي الفَرَج عمر بن محمَّد اللَّيثيّ البغداديّ (ت. ٣٣١ هـ) من كبار الفقهاء، لُغَوِيٌّ فصيحٌ، روَى عن أبي بكر الأَبْهَرِيّ، وأبي عليّ بن السَّكَن، وغيرهما (٢)، يُعتبر كتابه "الحاوي في مذهب مالك" في حكم المفقود، يَسَّرَ الله تعالى العثور عليه.
٧ - "كتاب الزَّاهي" (٣) و"كتاب مُختَصَر ما ليس في المخْتَصَر" (٤) لأبي إسحاق محمَّد بن القاسم بن شعبان، المعروف بابن القُرطُبيّ، المصريّ (ت. ٣٥٥ هـ)، قال عنه المؤرِّخ أبو منصور أحمد بن عبد الله الفَرْغَانيّ (٥): "كان رأس الفقهاء المالكيِّين بمصر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك، مع التفنُّن في سائر العلوم، من الخبر والتاريخ والأدب، إلى التَّدَيُّن والوَرَع، وذُكِرَ أنّه كان يلحن، ولم يكن له بَصَرٌ بالعربيّة مع غزارة عِلْمِه، وكان واسع الرِّواية، كثير الحديث، مليح التّأليف" وقال القاضي عياض (٦): "وذكِرَ لي أن أبا الحسن بن القابسيّ ... كان يقول في ابن شعبان: إنَّه لَيِّنٌ في الفقه،
стр. 242
وأمّا كتبه ففيها غرائب من قول مالك، وأقوال شاذَّةٌ عن قوم لم يشتهروا بصُحبته، ليست مما رواه ثقاة أصحابه واستقَرَّ من مذهبه" وقال أبو إسحاق الشيرازي (١): "ووافق موته دخول بني عُبَيْد الرّوافض، وكان شديد الذَّمِّ لهم، ويقال إنَّه كان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم، يقول: اللهم أَمِتْنِي قبل دخولهم مصر (٢)، فكان كذلك" (٣)، والكتابان لم يبق منهما في أيدينا شيء اليوم، وعسى أن يظهر منها شيء فيما بعد إن شاء الله.
٨ - "الشرح الكبير" (٤) لأبكر محمَّد بن عبد الله التّمِيمِيّ الأَبْهَرِيّ (ت. ٣٧٥) قال أبو القاسم الوهراني في الجزء الَّذي أملاه في أخبار الأبهَرِيّ (٥): "كان رجُلا صالحا ... فقيها عالمًا ... يحفظُ قول
стр. 243
الفقهاء حفظا مشبعا"، وقال الخطيب البغدادي (١): "وله تصانيف في شرح مذهب مالك بن أنس، والاحتجاج له، والرَّدّ على من خالفَه، وكان إمام أصحابه في وقته"، ووصلتا أجزاء من كتابه: "شرح المختصر الكبير" محفوظة بالمكتبة الأزهريّة بالقاهرة، تحت رقم: ١٦٥٥ فقه مالكي، يحتوي الجزء الثالث على: ٣١٨ ورقة، والجزء السابع على: ١٤٠ ورقة، والجزء الثاني عشر على: ٨٦ ورقة (٢)، كُتِبَت حسب سزكين (٣) سنة: ٦٠٤ هـ
٩ - "عُيون الأدلة في مسائل الخلاف بين علماء الأمصار" (٤)
стр. 244
لأبي الحسن علي بن عمر بن القصّار البغداديّ (ت. ٣٩٧ هـ) (١)، قال عنه أبو ذر الْهَرَوِيّ: "هو أفقه من رأيت من المالكيين" (٢)، وقال القاضي عبد الوهاب: "تذاكرت مع أبي حامد الإسفرايني الشّافعيّ في أهل العِلْم - وجرى ذِكْر أبي الحسن بن القصّار وكتابه في الحجّة لمذهب مالك - فقال لي. ما تركْ صاحبكم لقائل ما يقول" (٣)، وقال أبو إسحاق الشيرازي (٤): "وله كتاب في مسائل الخلاف لا أعرف لهم [أي للمالكية] كتابا في الخلاف أحسن منه".
وَصَلَنا السِّفْر الأول من هذا الكتاب القيِّم، وهو محفوظ بمكتبة دير الأسكوريال تحت رقم: ١٠٨٨، ويشتمل على كتاب الطهارة وبعض المسائل من كتاب الصلاة، ويقع في ١٨٧ ورقة، بالخط المبسوط الأصيل (٥). كما احتفظت لنا خزانة القَرَوِيِّين تحت رقم: ٤٦٧ (٦) ببضعة أسفار من هذا الكتاب العجيب العُجاب - على حد تعبير شيخ شيوخنا عبد الحي الكتاني (٧) - منها:
стр. 245
السِّفْر الثامن عشر، ويقع في ٢٠٦ ورقة، يشتمل على قطعة من كتاب النكاح، وكتاب الإيمان والنذور، وكتاب الجهاد، وكتاب الجزية، وكتاب الصدقات.
والسِّفر الثامن والعشرون، ويقع في: ١١٣ ورقة، يشتمل على كتاب الحجر، وكتاب الصلح، وكتاب الحوالة، وكتاب الضمان، وكتاب الكفالة، وكتاب الشركة، وكتاب الوكالة، وكتاب الإقرار.
والسّفْر الحادي والثلاثون، ويقع في: ٨٧ ورقة، يشتمل على كتاب المكاتب، وكتاب الفرائض والمواريث.
و"عيون الأدلة" كتابٌ في الخلاف العالي، يتناولُ فيه مؤلِّفُه بأسلوب مُتْقَنٍ ومركَّز آراء المذاهب المختلفة وأدلّتهم في القضايا الفقهيّة المختلَف فيها، ثمّ يذكر أدلّة المالكيّة باسطًا الكلام على أوجُه النّظَر المختلِفة فيما يعرضه من أدلّة، مناقشا لها مناقشة دقيقة عميقة، تدلُّ دلالة واضحة على اطّلاعه وتعمُّقه في دراسة المذاهب المختلفة (١). وقد اختصر القاضي عبد الوهاب البغدادي هذا
стр. 246
الكتاب في "عيون المجالس" (١) نقل فيه لفظ القاضي حرفا حرفا، إلّا في بعض المسائل اختصرها بعض الاختصار، من غير إخلال بالمعنى (٢).
١٠ - "الخصال الصغير" (٣) لأبي يعلى أحمد بن محمَّد العبدي، البصري، المعروف بابن الصواف (ت. ٤٨٩). من كبار علماء المالكيّة في العراق، قال عنه القاضي عياض (٤): "إمام المالكيّة بالبصرة، وصاحب تدريسهم، ومدار فتواهم، وذو التآليف في وقته مذهبا وخلافا"، وكتاب "الخصال الصغير"مختصر مفيد على الطريقة العراقية، التزم فيه صاحبه الاقتصار على الراجح في المذهب، باتقان في الضبط، وإبداع في التحرير، ودقة في الاختصار، ونعتقد أن هذا الكتاب هو من جملة الكتب الَّتي مهّدت لظهور المختصرات
стр. 247
المشهورة في المذهب المالكي. ومن العجيب أن تهمل جلّ كتُب التراجم وكتب الفقه هذا الكتاب (١)، فلم نجد في ضوء المصادر المتوفِّرة لدينا مَنْ ذكرَهُ أو نَقَلَ منه، ما عدا ابن الأبار (٢) الَّذي نصَّ على أن أبا الربيع سليمان بن حَكَم الغافقيّ (ت. ٦١٨) صنع رجزا في الفقه على مذهب مالك، تتبّع فيه كتاب "الخصال الصغير" وأبوابه. ومن العجيب أيضأوالطريف في ذات الوقت أن يكون صاحبنا ابن العربيّ هو أول من أدخل هذا الكتاب إلى الغرب الإِسلامي ضمن النفائس الَّتي جلبها معه من رحلته إلى المشرق العربيّ (٣)، ومن عجائب الاتفاق الإلهي أن تصمد هذه النُّسخة أمام غمرات الحوادث وكتاف الشدائد، وتنجو من أعين جواسيس محاكم التفتيش، وثقافة الحقد الصليي الكريه، فتصل إلينا
стр. 248
هذه النُّسخة من رواية صاحبنا ابن العربيّ، نشرت أخيرا في بيروت (١).
ونكتفي بهذا القَدْرِ من العَرْض التفصيلي للمصادر الَّتي رجع إليها المؤلِّف، سواء بطريقة مباشرة أو بالواسطة. ونُذَكِّر القارئ الكريم أنه ليس من مهمتنا ذكر كلّ المصادر التي رجع إليها المؤلِّف، ولكن نرى من المستحسن أن نشير إلى نماذج منوعة من بعض المراجع الإضافية الَّتي استقى منها المؤلِّف مادة كتابه، فقد رجع إلى كتاب "العين" (٢) للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. ١٧٠ هـ)، و"تهذيب اللغة" (٣) لأبي منصور الأزهري (ت.٣٧١ هـ)، و"نُزهة الألباء في طبقات الأدباء" (٤) لأبي البركات الأنباري (ت.٥٧٧ هـ)، و"الزاهر في معاني كلّمات الناس" (٥) و"المذكَّر والمؤنَّث" (٦) لأبي بكر الأنباري (ت.٣٢٨ هـ)، و"جامع البيان عن تأويل القرآن" (٧) لابن جرير الطَّبَرِيّ (ت. ٣١٠هـ)،
стр. 249
و"معاني القرآن وإعرابه" (١) لأبي إسحاق الزجّاج (ت. ٣١١ هـ)، و"كتاب الزِّينَة في الكلّمات الإِسلامية العرببة" (٢) لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرّازي (ت. ٣٢٢)، و"التَّمهيد في الرَّدِّ على الملحِدَة والرّافضة والخوارج والمعتزلة" (٣) لأبي بكر محمَّد بن الطيب بن الباقلانيّ (ت.٤٠٣ هـ)، و"التَّنبيه والرَّدّ على أهل الأهواء والبدع" (٤) لأبي الحسين محمَّد بن أحمد الْمَلَطِي (ت.٣٧٧ هـ)، و"مشكلّ الحديث أو تأويل الأخبار المتشابهة" (٥) لأبي بكر بن فُورَك (ت. ٤٠٦ هـ)، و"التأكيد في لزوم السُّنَّة" (٦) لأبي عاصم خُشَيْش بن أصرم النسائي (ت.٢٥٣ هـ)، و"السِّراج في ترتيب الحِجَاج" (٧) لأبي الوليد الباجي (ت.٤٧٤ هـ)، و"العزلة" (٨) لأبي سليمان حَمْد بن محمَّد الخطّابي (ت.٣٨٨ هـ)، و"إحياء علوم الدين" (٩) لأبي حامد الغزالي
стр. 250
(ت.٥٠٥ هـ)، و"الشِّفَا بتعريف حقوق المصطفى" (١) للقاضي عياض (ت.٥٤٤ هـ)، و"التاريخ الكبير" (٢) لأبي عبد الله البخاري (ت.٢٥٦ هـ) و"التاريخ الكبر" المعروف بـ "تاريخ ابن أبي خَيْثمَة" (٣) لأبي بكر أحمد بن أبي خَيْثمَة (ت.٢٧٩ هـ)، و"الاستيعاب في أسماء الأصحاب" (٤) لأبي عمر بن عبد البرّ (ت.٤٦٣ هـ)، وغيرها من الأسفار والأجزاء القيِّمة، ونُحيلُ من أراد الاستزادة على الفهرست الَّذي صنعناه في المجلد الثامن للكتب الواردة في المتن، وفهرست الأعلام.