← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

المقدِّمة الثّانية في وجوبه وهو فرضٌ من فرائض الإسلام، وركن من أركانِه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١). وفرضه مرّة في العمر، وقد قال بعضُ النّاس - فيما أَمْلَى علينا الشّيخ الإمام أبو الحسن العبدري (٢) - قال بعض النّاس: يجبُ في كلِّ خمسة أعوامِ مرَّة، ورَوَى في ذلك حديثًا أَسْنَدَهُ إلى النّبي ﷺ (٣)، والحديث باطلٌ والإجماع صادٌّ في وجهه (٤)، وليس يجب غير مرَّة واحدة في العمر، وبه قال جماعة العلّماء. وقالت جماعة منهم الشّافعيّ: إنّ العمرة واجبةٌ كوُجوبِ الحَجّ، واستدلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥) ورُوِيَ في حديث جبريل ﵇؛ أنّه قال: ما الإسلام؟ قال: "أنّ تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وأن تقيم الصّلاة، وتؤتي الزَّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ وتعتمر، وتغتسل من الجنابة" (٦). والصّحيح ما قلناه من الأَثَر والنَّظَرِ. أمّا الأثر، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٧) ولم يذكر العمرة، وقال النّبيُّ ﷺ : "بُنِيَ الإِسلامُ " على خمسٍ (٨) فذَكَرَ الحجّ خاصّة. وقال النّبيُّ ﷺ للأعرابى: "وحج البيت" قال: هل علي غيره؛ قال: "لا" (٩)، ولأنّ البيت سبب من أسباب العبادة، فلا يتعلَّق به وجوب شيء، كالزَّوالِ والغروب. وأمّا قولى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١٠)، فليس يقتضي لُزوم الفعل ابتداءً، وإنّما

стр. 1857

فيه تَمَامُه بعد فعله (١). وأمّا حديث جبريل، فقد رواه العالم (٢)، وليس فيه: "وتعتمر" فلا تقبل هذه الزِّيادة؛ لأنّ الحديث مُطْلَقٌ. وأمّا سؤال: ألَّا تدع الحجّ في كلِّ عام، أو مرَّة واحدة؛ فيقال له: الواجب مرّة واحدة، فمن زاد فتطَوعٌ فيه، دليلٌ على أنّ المسلم إذا حجَّ، ثم ارْتَدَّ، ثُمَّ اسْلَمَ؛ أنّه لا إعادةَ عليه في الحَجِّ. هذا فيه نظر، بل يستانف الحَجِّ عندي، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ﴾ الآية (٣). وقال ابنُ القاسم وأشهب عن مالكٌ: من طلَّقَ في الشِّركِ ثمَّ أَسْلَمَ، فلا طلاق عليه، لقوله تعالى: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤). قال: وكذلك من قذفَ ثمَّ أَسلَمَ، أو سرق ثم أَسْلَمَ، أقيمَ عليه الحدّ للفرية وللسَّرِقَةِ. ولو زنا وأَسْلَمَ، واغتصب مسلمة ثم أسلم، لسقط عنه الحدّ. وروى أشهب عن مالك: إنّما معنى قوله: "ما قد مضى" يعني قبل الإسلام من مالٍ أوْ دَمٍ، وهذا هو الصّواب -واللهُ أعلمُ- لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية (٥)، وقوله: "الإسلام يهدم ما قبله" (٦). قال: وإذا أسلم المرتدُّ وقد فاتَتْهُ الصّلوات، أو صاحب جناية، أو أتلف أموال النّاس. فقال الشّافعيّ: يلزمه حق الله والآدميِّين. وقال أبو حنيفة: ما كان لله يسقط، وما كان للآدميِّين يلزمه، وبه قال علماؤنا. واختلف علماؤنا؛ هل الرَّدَةُ تحبط نفس العمل أم لا؟

стр. 1858

وأمّا الآيات في الحَجِّ، فالآية الأُولى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١). قال علماؤنا: هذا من آكَدِ ألفاظِ الوُجُوبِ عند العرب، وكان الحجُّ عند العرب معلومًا مشروعًا لديهم، فخُوطبوا بما عَلِمُوا، وألزموا ما عرفوا. وقد حجّ النّبيُّ ﷺ معهم قبل فَرْصِ الحَجِّ، وَوَقَفَ بعرفة، ولم يُغَيِّر شيئًا من شَرْعِ إبراهيم، حتّى كانت قريش تقف بالمزدلفة، ويقولون: "نحن أهل الحَرَم فلا نخرج منهُ" وهذا يدلُّ على أنَّ رُكْنَ الحجِّ القصد إلى البيت. وللحج ركنان: الطواف بالبيت، والوقوف بعرفة، لا خلاف في ذلك، وكلّ ما وراءه فنازل عنه، مختلف فيه. فإن قيل: وأين الإحرام وهو مُتَّفقٌ عليه؟ قلنا: الإحرامُ هو النِّيَّةُ الّتي تلزم كلّ عبادة، وتتعيَّن في كلِّ طاعةٍ، وكل عمل خَلَا عنها لم يعتدّ به، فالاحرام شرطٌ لا رُكْنٌ. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢) وهو عامٌّ في جميعهم، مسترسلٌ على جملتهم من غير خلاف في ذلك، إِلَّا في هذه الآية، خَلَا الصّغير فإنّه يخرج بالإجماع عن أصول التَّكْلِيفِ. فلا يقال إنّه خَصَّه لأنّه فيه. وكذلك العبد لم يدخل فيها؛ لأنّه أخرجه عن مُطْلَقِ العموم الأوّل، قوله في التّمام للكلام: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ والعبدُ غير مستطيع؛ لأنّ الله قد قَدَّمَ حقَّ السَّيِّد على حَقِّهِ. واختلف النّاس هل الحج مسترسل أو هو على الفور: فذهب (٣) جمهور البغداديِّين إلى (٤) حمله على الفور. ويضعف عندي. واضطربتِ الرَّوايات عن مالكٌ في مُطْلَقَاتِ ذلك، والصحيح عنه من مذهبه؛ أنَّه لا يحلّم فيه بفَوْرٍ ولا تَرَاخٍ، وهو الحَقّ.

стр. 1859

وأمّا الاستطاعة، فالذي عَوَّلَ عليه فقهاء الأمصار، منهم الشّافعيّ وأبو حنيفة وعبد العزيز بن أبي مسلمة؛ أنّه الزّاد والراحلة، ورُوِيَ في ذلك حديث عن النَّبيِّ ﷺ لا يصحّ سَنَدُه. وهذا أيضًا يبعدُ معنًى، فإنّه لو قال الاستطاعة الزّاد، لكان أَوْلَى في التَّفْسِيرِ؛ فإنَّ السبيل في اللُّغة الطّريق، والاستطاعة ما يكسب سلوكها، وهي صحّة البَدَن ووجود القُوت. وقد سأل ابنُ القاسم وأشهب مالكًا عن هذه الآية، فقال: النَّاسُ في ذلك على قَدْرِ طاقتهم وجَلَدِهِم. فقال أشهب له: هذا الزّاد والرّاحلة. فقال: لا واللهِ وما زادك إِلَّا على قَدْرِ طاقة النّاس؛ لأنّه قد يجد الرَّجُل الزّاد والرّاحلة ولا يَقْدِر على المَشْيِ، وآخر يَقْدِرُ أنّ يَمشِي على رجليه، وهذا بالغٌ في البيان. فهذا وُجِدَت الاستطاعة، فلا خلافَ في وجوب فَرضِ الحَجّ، إِلَّا أنّ تعرض آفة، والآفات أنواع، منها الغريم يمنعه عن الخروج حتّى يُؤَدِّي الدَّيْن، ولا خلاف فيه. ومن كان له أَبَوَانِ، ومن كان له من النِّساء زَوْجٌ. فاختلف العلّماء في ذلك، وكذلك اختلف قول مالكٌ. والصحيح في الزَّوْجَة أنّه يمنعها، لا سيّما إذا قلنا: إنّ الحجّ لا يلزم على الفور. وإن قلنا: إنّه يلزم على الفَوْرِ، فحق الزوج مُقَدَّمٌ. وأمّا الأَبوَانِ، فإنْ كان منعه لأجل التّشوق والوحشة، فلا يُلْتَفَتُ إليه، وإن كان خوف الضّيعة وعدم العوض في التَّلَطُّف، فلا سبيل له إلى الحَجِّ. وإذا كان مريضًا أو مَعْضُوبًا (١)، لم يتوجّه عليه المسير (٢) إلى الحجّ. بل أجمعت الأُمَّةُ أنّ الحجَّ إنّما فَرَضَهُ اللهُ على عباده على الاستطاعة إجماعًا، والمريض والمَعْضوب لا استطاعة لهما (٣). وإذا لم يكن للمكلَّفِ قُوتٌ يتزوَّد به في الطريق، لم يلزم الحجّ إجماعًا، وسأحَقِّق ذلك تحقيقًا شَافِيًا في موضعه إنّ شاء الله.

стр. 1860

وقال عبد الوهّاب (١): "الاستطاعة معتبرةٌ بحال المستطيع، فمن قدر على المشي ببَدَنِهِ لَزِمَه الحجّ، ولم يقف وجوبه عليه على راحلة، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية (٣)، فعمَّ، ولأنّه قادرٌ" (٤). المقدمة الثّالثة (٥) في شروط وجوبه فقيل (٦): إنّها أربعة. وقيل - سِتَّةٌ: الحريّة، والعقل، والبلوغ، والاسْتِطَاعة، وليس من شرطه الإسلام، وإنّما هو من شرط الأداء؛ لأنّ قول مالك لم يختلف قطّ أنّ الكُفَّار مُخَاطَبُون بفروع الشّريعة. وقال غيره (٧): هي سِتَّةٌ: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحريّة، وصحّة البَدَن، وبلوغ الدعوة (٨)، والاستطاعة على الوصول دون مانع ولا ضَرَرٍ. أمّا الإسلام، فليس من شروطه (٩) كما قدَّمنا. وأمّا "الحُرِّيّة" فلا خلافَ فيها؛ لأنّ العبدَ مملوكٌ لِعَبْده، مستغرقُ المنافع، فهو يدخل في خطاب الشّرائع كلِّها، ما لم يكن في ذلك تعطيل للسَّيِّد ولا قطع به على الانتفاع. والسَّفَر يمنعه منه، ويسقط منفعته فيه، فلا يجوز له السَّفَر إِلَّا بإِذْنِهِ، فسقطت الاستطاعة وسقطَ الخطّاب، وقد بيَّنَّا ذلك قَبْلُ. وأمّا "البلوغ" فإنّه أمرٌ اجتمعتِ الأُمَّةُ عليه، أمّا أنّ الصّبيَّ إذا حُجَّ به كتب الله له الأجر من فَضْلِهِ، وَلِوَليِّه الأجر زيادة من رحمته. وقد ثبت عن النّبيِّ ﵇ أن

стр. 1861

امرأةً رفعت مولودًا لها في مِحَفَّة (١) لها، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، وَلَكِ أجر" (٢). وأمّا "العقل" فمثل البلوغ، وقد بيَّنَّاه في كتاب الصّلاة، فلينظر هنالك. وأمّا "الاستطاعة" فهي عندنا على حال المستطيع من صِحّةِ بَدَنِهِ وكَثْرَةِ جَلَدِهِ، والصّحيح في الاستطاعة لغة وعقلًا (٣)؛ أنّها صفة المستطيع كيفما تصرَّفَت وجوهها، وقد تقدَّمَ بَيَانُه. المقدمة الرّابعة (٤) وأمّا سُنَنُه فثلاث عشرة سنة: إفراد الحجّ، وترك التّمتُّع، والإحرام من الميقات، وطواف القدوم، وركعتا الطواف، والمبيت بمنى يوم التّروية، والجمع بعَرَفَة، والمَبِيت بالمُزدَلِفَة، ورَمْي الجمار، وتأخير رميها، والحلق والتّقصير، وتأخير الطّواف يوم النحر، وأيام التّشريق، والمبيت لَيَالِي مِنى. فهذه سُنَنُه الّتي يجب بتَرْكِهَا الدَّم عند علمائنا (٥)، في تفصيلٍ طويلٍ، وما عدا هَذَا من السُّنَنِ فإنّها أركان وفضائل. وأمّا أركانه فستّة: النِّيَّة، والإحرام، وطواف الإفاضة، والسّعي بين الصَّفَا والمروة، والوقوف بعَرَفَة، ووقت الحجّ، واخْتُلِفَ في جمرة العَقَبَة. تفصيل (٦): أمّا "الإحرام" فلا خلافَ في وجُوبِهِ؛ لأنّ الأعمال بالنِّيات، وخصوصًا العبادات، وخصوص الخصوص الحجّ. وأمّا "الطواف" فلا خلافَ فيه، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٧).

стр. 1862

وأمّا "الوقوف بعرفة"، فهو الحجّ، وفي الحديث الصّحيح: "الحَجُّ عَرَفَة" (١) يعني معظم (٢) الحجِّ ومقصوده. بَيْدَ أنّ العلّماء بعد اتِّفاقهم على أنَّ عرفة رُكْنُ الحجِّ، اختلفوا في وقت الوقوف فيه. فقالت جماعة: باللَّيل، منهم مالك. وقالت جماعة: فرض الوقوف بالنّهار، منهم الشّافعيّ وأبو حنيفة. وقالت طائفة: الوقوف لَيْلًا ونَهَارًا. واحتجوا في ذلك بأحاديث. وأمّا "السّعي" فاختلفَ العلّماءُ فيه قديمًا وحديثًا. فقال أبو حنيفة: يجزئ فيه الدَّم (٣)، ووقعت رواية عن مالكٌ في "العُتْبيَّة" وهي ساقِطَةٌ. والسَّعْيُ رُكن عظيمٌ، وله في الحجِّ منزلة كريمة. والدّليلُ على ركنية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٤) الآية إلى آخرها، أنزلها اللهُ تعالى رَدًّا على من كان يمتنع (٥) من السَّعيِ. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٦) قلنا: لم يفهم هذه المسألة أحدٌ غير (٧) عائشة ﵂ وكلامها معروفٌ في الحديث. تفسيره: أنَّه إذا قال الرَّجُل للآخر: لا جناح عليك أنّ تفعل كذا، فمقتضاه رفع الحَرَج في الفعل، ولم يكن في الشّريعة حرج في الطَّوَافِ بين الصَّفَا والمَرْوَة. وكيف يكون

стр. 1863

فيه حَرَجٌ وهو من شعائر الله؟! وإنّما كان الحرج في قلوب طائفة من النَّاسِ، كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصَّفا والمروة للأصنام، فلمّا جاء الإسلام، كرهوا أنّ يدخلوا البُقْعَةَ الّتي كانوا يكفرون فيها، أو يفعل الفعل الّذي كانوا يشركون به. فرفع اللهُ ذلك الجُناح عن قلوبهم، وَأَمَرَهُم بالطَّوَاف، وأخَبرهم أنّه من الشَّعَائِرِ، كما قال. وكانوا يطوفون بالبيت العتيق في الجاهلية للأصنام الّتي كانت فيها، ثمّ جاء الإسلام وطَهَّرَ البَيْتَ من الأصنام، وصارَ الطَّوافُ للهِ وحدَهُ، كذلك الصّفا والمروة. وأمّا "رمي الجمار" فليس برُكْنٍ، وقد وَهِمَ فيه عبد الملك، وليس في ركنيتها دليلٌ يُعَوَّلُ عليه. وأمّا "الحجّ" فهو على ثلاثة أضرب: إفراد الحجّ وَحْدَهُ عند الإحرام، وهو أفضلها. وقِرَانه (١) مع العمرة معًا. والتَّمَتُّعُ، وهو أنّ يعتمر غير المكيّ في أشهر الحجّ الثلاثة: شوّال والشّهرين الذين بعده، ثم يحلّ ويحجّ من عامِهِ. ولا يكون مُتَمَتِّعَا إِلَّا بشروط سِتَّةٍ: ألَّا يكون مَكِّيًّا. وأن يجمع بين العمرة والحج في عامٍ واحدِ. وفي سَفَرٍ واحدٍ. وتكون العمرة مقدَّمة. ويأتي بها أو ببعضها في أشهر الحجّ. ويُلَبِّي (٢) بالحجِّ بعد الإهلال. وعلى القارن غير المَكِّيّ والمتمتع الهدي ينحره بمنى بعد الفَجْرِ يوم النَّحْرِ. تمّت المقدِّمات في صَدْرِ هذا الكتاب بحمد الله

стр. 1864

باب ماجاءَ في الغُسْلِ للإهلالِ مالك (١)، عن عبد الرّحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن أسماء بنت عُمَيْسٍ؛ أنّها وَلَدَت محمدَ بن أبي بكر بالبَيدَاءِ ... الحديث. الإسناد (٢): قال الإمام: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ في الموطَّأ، وأَسْنَدَهُ ابن أبي شَيْبَة (٣). ومُرْسَلُ مالكٌ أَقْوَى وأَثبَت من أسانيد غيره، لما رُوِيَ من اختلافهم في إسناده. وقوله في هذا الحديث: "بِالْبَيْدَاءِ" وقوله في الحديث الثّاني: "بذي الحُلَيْفَة" ليس بمختلف فيه؛ لأنّ البَيْدَاء متَّصِلَة بذي الحُلَيْفَة، فالبيداء صحراء متَّصِلَةٌ بذي الحُلَيْفَة. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٤): خَرَّجَ أبو داود (٥)، عن ابن عبّاس؛ أنّ النّبىَّ ﷺ قال: "النُّفَسَاءُ والحائِضُ إذا أَتَتَا على الوقت (٦) تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها إِلَّا الطّواف بالبيت". قال الإمام: وفي أَمْرِ النَّبيِّ ﷺ الحائض والنُّفَسَاء بالغُسْلِ عند إلاستهلال (٧) دليلٌ

стр. 1865

على تأكيد الغسل عند الإحرام بالحَجِّ والعمرة (١)، إلّا أنّ (٢) جمهور الفقهاء يستحبّونه ولا يُوجِبُونَهُ، ولا أعلمُ أَحَدًا من المتقدِّمين أَوْجَبَهُ، إِلَّا الحسن بن أبي الحسن البصري فإنّه قال في الحائض والنُّفَسَاء: إذا لم تغتسل عند الإهلال اغتسلت متى ذكرته، وبه قال أهل الظّاهر، قالوا: الغسلُ واجبٌ عند الإهلال على من أراد أنّ يحرم بالحَجِّ طاهرًا كان أو غير طاهر. وهو عند مالك وجميع أصحابه سُنَّة مؤكَّدة لا يُرَخِّصُونَ في تركها إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، ولا يجوز عندهم ترك السُّنَن اختيارًا. وقال ابنُ القاسم: لا يتركُ الرَّجُلُ والمرأةُ الغسلَ عند الإحرام إِلَّا مِنْ ضرورةٍ. وقال مالك: إِنِ اغتسلَ الرَّجُلُ بالمدينة وهو يريد الإحرامَ، ثُمَّ مَضى من فَوْرِهِ إلى ذي الحُلَيْفَة فأَحرمَ، فإنَّ غُسْلَهُ يُجْزِئه. فإن اغتسل غدوة بالمدينة، ثمّ أقام إلى العشاء (٣)، ثمّ راح إلى ذي الحُلَيْفَة فأَحْرَمَ (٤)، فإنّه لا يجزئه الغسل؛ لأنّ الاغتسال للأهلال عنده (٥) آكد من غسلِ الجمعة (٦). وقال أبو حنيفة (٧) والثوري والأوزاعي: يجزئه الوضوء. وقال الشّافعيّ (٨): لا يجب ولا أحبّ لأحدٍ أنّ يدع الغسل للأهلال. المسألة الثّانية (٩): ذكر علماؤنا في الحَجِّ أربعة أغسال: غسل الإحرام، وغسل لدخول مكَّة، وغسل لعَرَفَة، وغسل لطَوَافِ الإفاضة. قال الإمام: والّذى أعرف منه غسلان:

стр. 1866

غسل للإحرام، فإنّ النّبيَّ ﷺ اغتسل وهو مُحْرِمٌ (١)، وأَمَرَ أصحابه أنّ يغتسلوا أيضًا عند الإحرام (٢). واغتسلَ النّبيُّ ﷺ لدخول مكَّة (٣)، وليس غسل الإحرام لرفع حَدَثٍ (٤)، وإنّما للتَّأَهُّب للقاء الله تعالى، ولذلك تغتسل الحائض وحدثها قائمٌ. وأمّا المُحرِمُ فيجوز أنّ يغسل رأسه تَبَرُّدًا، لكن لا يضغث رأسه بِيَدَيْهِ إِلَّا إذا اغتسل من الجنابة. وكره مالك أنّ ينغمس في الماء، لئلَّا يقتلَ الماءُ القملَ، وليس الماءُ بقاتلٍ لها بمجرَّدِ الانغماس، نعم ولا تحريك الشَّعر. المسألة الثّالثة (٥): قوله: "فَوَلَدَتْ أسماء، فذكر ذلك أبو بكرٍ لرسول الله ﷺ " يحتمل أنّ يكون سأله إنّ كان النّفاس ودمه الّذي يمنع صحَّة الصّوم والصّلاة يمنع صحَّة الحَجِّ، فَبَيَّنَ النّبيّ ﷺ أنّ النِّفَاسَ لا يُنَافِي الحَجِّ ولا يمنع صحِّته، بل تصح جميع أفعاله معه، إلّا ما له تعلُّق بالبيت من الطَّوَافِ والرُّكوع الّذي يحتاج إلى طهارة. ويحتمل أنّ يكون سأله عن الاغتسال (٦) للإحرام وإن (٧) علم أنَّ إحرامها بالحجِّ (٨)؛ لأنّ الاغتسال للمُحْرِم مشروعٌ في ثلاثة مواطن: أحدها عند الإحرام، فخافَ أنّ يكون النِّفاس يمنع الاغتسال الّذي يُوجِبُ الحكم (٩)، فبيَّنَ له النّبيُّ ﷺ أنَّ الغسلَ مشروعٌ لها؛ لأنّ ذلك الغسل ليس لرفع حَدَثٍ، فلا يُنَافِيهِ حيض ولا غيره، وإنّما هو غسل مشروعٌ للإحرام، وإذا لم يمنع الإحرام الحيض والنِّفاس لم يمنع الغسل له (١٠).

стр. 1867

باب غسل رأس (١) المحرم مالك (٢)، عن زيد بن أَسْلَمَ، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنَيْن، عن أبيه؛ أنّ ابنَ عبّاس ... الحديث. الإسناد (٣): هكذا رواه يحيى، ولم يتابعه أحد من رواة الموطَّأ على إدخال نافع بين زيد بن أسلم وبين إبراهيم بن عبد الله، وذِكْرُ نافع هاهنا خطأٌ لا شَكَّ فيه، وقد طرحه ابنُ وضّاح. الأصول (٤): وهذه المسألة تُبْنَى على أصلٍ عظيمٍ من أصول الفقه، وذلك أنّ الرَّاوِي إذا أَفْتَى بخلاف ما روى (٥) سقطت روايته (٦). وفيه: أنّ الصَّحابةَ إذا اختلفوا لم يكن قول واحدٍ منهم حُجَّة على غيره (٧) إِلَّا بدليل يحبُ، التّسليم له من الكتاب والسُّنَّة. ألَّا ترى أنّ ابنَ عبّاس والمِسْوَر لما اختلفَا

стр. 1868

لم يكن واحد (١) منهما حُجَّة على صاحبه، حتّى استدلَّ ابن عبّاس بالسُّنَّة فَفَلَجَ (٢)، وهذا يُفَسِّر لك قوله: "أصحابي كالنَّجوم" (٣). العربية: قوله: "المُحرِمُ" هو مأخوذٌ من الحرم أي المنع. وقوله: "يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرنَيْنِ" قال (٤) أهل اللُّغة (٥): هما العَمُودَان اللَّذان فيهما السّاقية على رأس الخشبة (٦). وقال غيره (٧): هما حَجَرَانِ مُشرِفان أو عمودان على الحَوْض يقومُ عليهما السُّقاةُ (٨). وقوله (٩): "كَداء" بفتح الكاف، هي ثَنِيَّة بأعلى مكَّة، والّتي هي أسفل مكّة من "كُدَاء" بضَمِّ الكاف (١٠). وفي الحديث: كانَ رسولُ الله ﷺ يدخل من كَدَاءٍ -بفتح الكاف- بأعلى مكَّةَ، ويخرج من كُدا -بضمِّ الكاف- بأسْفَلِ مكَّة (١١). "والأَبْوَاءُ" (١٢) موضعٌ قريبٌ من المدينة ممّا يلي مكّة (١٣).

стр. 1869

الفقه (١): اختلف العلّماء في غسل المُحرِم رأسه بالماء، فكان مالكٌ لا يجيز ذلك للمُحْرِم ويَكرهُ ذلك له، ومن حجَّتِهِ: أنّ ابنَ عمر كان لا يغسلُ رأسه وهو مُحرِمٌ إلّا من احتلامٍ (٢). وقال مالك (٣): إذَا رَمَى جَمرةَ العَقَبة، فَقَدْ حَلَّ له قَتْلُ القَمُلِ، وحَلْقُ الشَّعْرِ، وإلقاءُ التَّفَثِ، ولُبْسُ الثِّيَابِ. قال: وهذا الّذي سمعتُ من أهل العلّم. المسألة الثَّانية (٤): قال أبو عمر (٥): ومَحملُ حديث أبي أيّوب عند مالك (٦): أنّه إنّما (٧) كان رسولُ الله ﷺ يغسلُ رأسَه من الجنابة مُحْرِمًا، فلا يكون عليه فيه حُجَّةٌ. وعند غيره: مَحْمَلُه على العمومِ والظَّاهر؛ لأنّه (٨) لم يجرِ في الحديث لواحد (٩) منهم ذِكْر الجنابة (١٠). وقال الشّافعيّ (١١) وأبو حنيفة (١٢) وجماعة (١٣): لا بأس بغسل المُحْرِم رأسه بالماء، ورَوَوا (١٤) الرُّخصة في ذلك عن ابن عبّاس (١٥).

стр. 1870

المسألة الثَّالثة (١): اختلفَ العلّماءُ في دخول المُحْرِم الحمّام، فكان مالك (٢) وأصحابُه يكرهون ذلك، ويقولون: من دخل الحمّام وهو مُحْرِم، فتَدَلَّكَ أو تنقَّى (٣)، فعليه الفِدْيَة. وكان الشَّافعىّ (٤) وأبو حنيفة وأبو يوسف (٥) وأحمد (٦) وإسحاق لا يرون بدخول الحمام بَأسًا. ورُوِيَ عن ابن عبّاس من وجهٍ ثابتٍ؛ أنّه كان يدخل الحمّام وهو مُحْرِمٌ (٧). المسألة الرَّابعة (٨): قوله (٩): "كان لا يغسِلُ رأسَه وهو مُحْرِمٌ إِلَّا من احتلامٍ" يقتضي ظاهرُه أنّ غسله لدخول مكَّة كان يختص بِجَسَده دون رأسه. وقد قال ابنُ حبيب (١٠): إذا اغتسلَ المُحْرِمُ لدخول مكَّة، فإنّه يغسِلُ جَسَدَه دون رأسه، فقد كان ابنُ عمرَ لا يغسلُ رأسَه وهو مُحْرَمٌ إِلَّا مِن جنابةٍ. ومَنْ غسل رأسَه، فلا حرج ما لم يَغْمِسْ رأسَه في الماء. وقال ابنُ أبي زَيْد (١١): "لعلّ ابن عمر كان لا يغسلُ رأسَه إِلَّا من جنابة، يعني: في غير هذه الثَّلاثة"، فذهب إلى تخصيص ذلك. وحَكَى ابنُ الموّاز (١٢) عن مالك؛ أنَّ المُحْرِم لا يتدلَّك في غسل دخول مكَّة، ولا يغسِلُ رأسَه إِلَّا بالماء وحدَه.

стр. 1871

الفوائد: الأولى (١): فيه وجوه من الفقه: اختلافهما بالأبواء، يحتمل أنّ يكون بمعنى المذاكرة بالعِلْم. ويحتمل أنّ يكون أحدُهما فَعَل من ذلك ما أنكر عليه الآخر، والظّاهر من إرساله (٢) إلى أبي أيّوب يسأله أنَّ عنده من ذلك عِلْمًا. الثَّانية: فيه استتار الغاسل عند الغسل، ومعلومٌ أنَّ ذلك واجبٌ. ويحتمل أنّ يكون يغتسل تَبَرُّدًا وعليه إزاره، فإنَّ الغسل على وجه التَّبرُّد جائزٌ للمُحْرِم وإن كان لغير ضرورة، وهي رواية ابن القاسم. ويحتمل أنّ يكون اغتسل من وراء ستر، والله أعلم (٣). باب ما يُنْهَى عنه من لبْس الثِّيابِ في الإحرام قال الإمام (٤): اتفق الحُفَّاط من أصحاب نافع على لفظ هذا الحديث الأوّل (٥) في هذا الباب، منهم مالكٌ، وأيّوب، وعبد الرَّحمن، وعبد الله بن جُرَيْج، وابن عَوْف، وكذلك رواه الزُّهري عن نافع، ورواه جعفر بن بُرْقَان، فَوهم فيه في موضعين: أحدهما: أنّه قال فيه: "فمن لم يجد إزارًا فسراويلَ" وليس هذا في حديث ابن عمر.

стр. 1872

والموضع الثّاَني: أنّه قال: "قال نافع: ويَقْطَعُ الخُفَّ أسفلَ من الكعبين" فجعله من قول نافع، والصّحيح في الموضعين ما قدَّمناهُ. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (١): قوله ﵇ (٢):"لا تلبسوا القُمُصَ ولا العمائِمَ ولا البَرَانِسَ" قال علماؤنا (٣): هذا قولٌ قويٌّ مُستوعِبٌ في المنع، في منع المُحْرِم المَخِيطَ الّذي لا يحصل غالبًا إِلَّا بالخياطة، وهي القميص (٤) وما كان في معناه، يدخل المخيط كلّه في هذا المنع. المسألة الثَّانية (٥): ومقدار ما تجب فيه الفِدْية في لُبْس المَخِيط: أنّ ينتفع بذلك، فأمّا من يزيله بفوره (٦) صفلا شيء عليه (٧). وكذلك الخُفّان، والمقدار الّذي يُعتبر في ذلك: أنّ يقْصِدَ دفع مضرَّة. والثَّاني: أنّ يطول لُبْسُه له كاليوم واللَّيلة. فإن لم يَقْصِد صبه دفع شيءٍ بعينه، فإنّه قد حصل التّرفّه بلبسه (٨). المسألة الثَّالثة (٩): قوله: "لا تَلْبَسُوا العَمَائِمَ" فإنّها ومما في معناها من القلانِس فممنوع؛ لأنّ

стр. 1873

المُحرِم مأمورٌ بالشَّعَث والعِمَّةُ تمنع منه. والآن (١) إحرام الرَّجُل في رأسه. فيلزمُه كشفُه مُحْرِمًا، ولا يحلّ له ستره إِلَّا مِنْ عُذْرٍ مع الفِدْيَةِ، لاختصاص الإحرام به، وقال عبد الوهّاب: لا خلاف في ذلك. المسألة الرَّابعة (٢): قوله: "ولا الخِفَافَ إِلَّا أنّ لا يجد نَعلَيْن، فليقطعهما (٣) أسفل من الكعبين" (٤) ولا خلاف في ذلك عند جماعة الفقهاء. وحُكِيَ عن عطاء وابن حنبل (٥) وقومٌ من أصحاب الحديث (٦)؛ أنّه إذا لم يجد النَّعلين لبس الخُفَّين التَّامَّين ولم يقطعهما. والدّليل على صحة مذهب مالك (٧): قوله ﷺ : "وَلَيْقْطَعهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ" وهذا أمرٌ يقتضي الوجوب. ودليلنا من جهة المعنى: أنّ هذه حالةُ إحرامِ، فلا يجوز فيها لبس الخُفَّين التَّامَّين مع القُدرة عليه (٨)، أصل ذلك إذا وَجَدَ النَّعلين. ودليل ثانٍ: أنّ هذا قادر على قطع الخُفِّ ومقارنة النَّعلين به (٩)، فلا يجوز له أنّ يلبس الخُفَّ التَّامّ. وأمّا حجتهم فحديث ابن عبّاس الّذي يأتي مُسْنَدًا بعد هذا، قوله: "مَنْ لم يجد النَّعلين فَلْيَلْبَس الخُفَّيْن" (١٠). الجواب عنه: أنَّ ابنَ عبّاس حَفِظَ لبسَ الخُفَّين (١١).

стр. 1874

المسألة الخامسة (١): قوله (٢): وأنّه ليس له أنّ يغَطِّي رأسه لنَهْيِ النَّبىِّ ﵇ عن لبس المُحْرِم البرانس والعمائم. وأجمعوا أنّ إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أنّ تُغَطِّي رأسها وتستُر شَعرها عند جمهور العلّماء من الصّحابة والتَّابعين ومن بعدهم، فإنّهم لم يختلفوا في كراهية التَّبرقُع والنِّقاب للمرأة المُحْرِمَة، إِلَّا شَيْئًا يُرْوَى عن أسماء أنّها كانت تغطِّي وجهها وهي مُحْرِمَة (٣). وعن عائشة أنّها قالت: تغطي المرأة وجهها إنّ شاءت. ورُوِيَ عنها أنَّها قالت: لا تفعل، وعليه النَّاس اليوم. المسألة السَّادسة (٤): وأمّا القُفَّازان، فاختلفوا فيهما أيضًا: فرُوِيَ عن سعد بن أبي وقّاص، أنّه كان يُلبِسُ بناته القُفَّازين (٥)، وأرخصت فيهما عائشة. وقال مالك: إنّ لبست المرأةُ القُفَّازَين افْتَدَت. وللشّافعىّ في ذلك قولان: أحدهما: أنّها تفدي (٦). والثَّاني: أنَّه لا شيء عليها (٧). تنقيح (٨): قال الإمام (٩): والصّواب قول من نَهَى المرأةَ عن القُفَّازَين، وأَوْجَب العلّماء

стр. 1875

الفِدْيَةَ لثبوتها عن النَّبيِّ ﷺ . واتّفق مالك (١) وأبو حنيفة (٢) في إيجاب الفِدْيَة على من لبس السَّراويل فقالا: عليه الفِدْيَة. وقال الشَّافعيّ (٣) وابنُ حنبل (٤) والثَّوريّ: إذا لم يجد المُحْرِمُ إزارًا لبس السَّراويل ولا شيء عليه، وهذا لا يصحّ في النَّظَر (٥). الفوائد المُتَعَلَّقة بهذا الحديث (٦): رَوَى ابن (٧) عمر؛ أنَّ رَجُلًا سألَ رسولُ الله ﷺ عمّا يَلبسُ الْمُحْرِم ... الحديث إلى آخره. قال النَّاس: ففيه إجابة السَّائل بأكثر ممّا سأل عنه. واختلف النَّاس في تأويله: فيحتمل أنّ يريد بذلك أنّه سأل عمّا يلبس، فذكر له ما يلبس، والمنهي عنه أكثر من المأمور به. ويحتمل أنّ يريد به الزيادة، واعجبا لأحمد بن حنبل (٨) يقول: لا تلبس الخُفَّين مقطوعة أسفل من الكعبين (٩)، وهو نصٌّ في الحديث.

стр. 1876

باب لبس الثِّياب المُصَبَّغَة في الإحرام الإسناد: حديث أسماء (١) في هذا الباب؛ أنّها كانت تلبسُ المُعَصْفَرات وهي مُحْرِمَة وليس فيها الزَّعفَران (٢)، فإنّه (٣) حديثٌ لم يُتابع أحدٌ من أصحاب هشام مالكًا على قوله في حديث هشام عن عُرْوَة عن أبيه عن أسماء، وإنّما يروونه (٤) عن هشام عن فاطمة بنت المُنْذِر عن أسماء. الفقه في ثلاث مسائل: الأولى (٥): قوله (٦): "نَهَى رسولُ الله ﷺ أَنْ يَلْبسَ المُحْرِمُ ثوبًا مصبوغًا"، وأفضلُ لباسِ المُحرِم البياض. لما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "خيرُ ثيابِكُم البَيَاضُ يَلْبَسُهَا أَحْيَاؤُكُمْ وَيُكَفَّنُ فِيهَا مَوتَاكُم" (٧). فإن كان مصبوغًا فيجتنب المصبوخ بالزَّعفران والوَرْسِ، يجتنيُه الرِّجال والنِّساء، لما فيه من الطِّيبِ والصَّبْغِ الّذي يُستَعْمَل غالبًا للتَّحَمُّل، وهذان المعنيان ينافيان الإحرام، ومن لبسه فعليه الفِدْيَة.

стр. 1877

المسألة الثَّانية: قوله (١): "نهى عن لبس المُعَصْفَرَاتِ" وهو نهي تحريم. وقال قومٌ: هو نهي كراهية، وهو مطابق للحديث الّذي نهى رسول الله ﷺ عن لُبْسِ القُسِّىِّ (٢). وعن لُبْس المُعَصْفَرِ (٣): الكلام عليه قد تقدّم في "كتاب الصَّلاة" (٤). المسألة الثَّالثة (٥): قوله (٦): "يُكرَهُ لُبسَ المِنْطَقَة" يحتمل أنّ يريد لغير حاجة إليها؛ لأنَّها ممّا يترفَّه بلبسها، فلا يجوز للمُحرِم لبسها على ذلك الوجه، فإن لَبِسَها لحاجة إليها الحمل (٧) نفقته، ولم يترفَّه بلُبسها في شدِّ إزاره، وإنّما يشدِّها تحت إزاره، فلا بأس بذلك ولا فِدْيَة عليه؛ لأنّ ذلك ممّا تدعو (٨) الضّرورة إليه. فإن لم يكن له مِنْطقه، وشدَّ نفقته تحت إزاره، فلا بأس بذلك. وقال (٩) الشّافعيّ (١٠): يلبس المُحرِم المِنْطَقَة للنّفقة. وقدا أجمعوا أنَّ للمُحرِم أنّ يَعقِدَ الهِمْيَان (١١) والإزار على وَسَطه والمِنْطَقَة كذلك، وليس في هذا الباب على من لبس المِنْطَقَة والهِمْيَان فِدْيَة عند مالك (١٢).

стр. 1878

باب تخمير المُحْرِمِ رأسَه الفقه في ثلاث مسائل: الأولى (١): "رَأَى عثمانَ بالعَرْجِ يُغَطِّي وَجْهَهُ وهو مُحْرِمٌ" (٢) يحتمل أنّ يكون فعلَ ذلك لأنّه رآه مباحًا، وقد منعه (٣) ابن عمر وغيره فقالوا: لا يجوز للمُحْرِمِ تغطية وجهه، وإلى ذلك ذهب مالك (٤)، وإنّما ذَكَر فعلَ عثمان * وذَكَرَ الخلافَ عليه ليكون للمجتهد طريقٌ إلى الاجتهاد بظهور (٥) الاختلاف عليه (٦). وقال ابن القصّار (٧): إنّما (٨) ذلك معمروه ليس بحرام (٩). وحَكى عبد الوهّاب (١٠) لمتأخِّري أصحابنا قولين: الكراهية والتّحريم. وقال أبو حنيفة: تعلّق الإحرام بالوجه كتعلُّقِه بالرَّأس (١١). وقال الشّافعيّ: لا تعلُّق له بالوجه (١٢). والدليل على ما نقوله: ما رَوَى ابن عبَّاس عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال في الرَّجُل الّذي وَقَصَت به دابّته وهو مُحْرِمٌ: "اغْسِلُوه بِمَاءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنوه في ثيابه ولا تخمِّروا وَجْهَهُ

стр. 1879

ولا رَأْسَه، فإنّه يُبعَثُ يومَ القيامةِ مُلَبِّيًا" (١). ودليلنا من جهة المعنى: أنّ هذا شخصٌ يتعلّق به حُكمُ الإحرام، فيلزمه كشف وجهه مع السّلامة كالمرأة. المسألة الثَّانية (٢): فإن غَطَّى المُحرِمُ وجهَه، فهل عليه فدْيَةٌ أم لا؟ فقال ابنُ القاسم (٣): لم أسمع من مالك في ذلك شيئًا، وأرى ألَّا فِدْيَةَ عليه. وبهذا قال ابنُ القصار (٤). وقال عبد الوهّاب في "شرح الرِّسالة": وفي قول ابن القاسم نظر. وتحصيل المذهب: أنّه إذا قلنا بتحريم التّغطية، فعليه الفِديَة، وإن قلنا بكراهتّتها دون التَّحريم، فلا فِدّيَةَ فيه. وقال الشَافعي (٥): الْمُحْرِمُ إذا مات لا يُخَمَّر رأسه ولا يُطَيب، ويُستدام له حال إحرامه بعد الموت. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك: أنّ الكفَنَ معنى يغطّى به الرَّأس من الميِّت الحلال، فجاز أنّ يغطّى به رأس الميِّت المُحْرِم، وأصل ذلك الميراث. واحتجوا بالحديث المتقدِّم في الّذي وقصت به ناقته وهو مُحَرِمٌ. فالجواب: أنّ هذا الحديث ممّا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنّ النَبى ﷺ علَّلَ المنع من تخمير رأسه بما لا طريقَ لنا إلى معرفته، من قوله: "فإنّه يُبْعَث يومَ القِيامةِ مُلَبِّيًا" وإذا علَّل بما لا طريقَ لنا إلى معرفته، دلَّ على اختصاصه بذلك الحُكم.

стр. 1880

باب ماجاء في الطِّيبِ في الحَجِّ الإسناد (١): "الأحاديث (٢) في البابِ صِحَاحٌ. أمّا حديث عائشة (٣)، فلم يُخْتَلَف فيه عن عائشة، والأسانيد في ذلك متواترةٌ. وأمّا حديث حُمَيد (٤)، فهو مُرْسَلٌ ويَتَّصِلُ من حديث ابن (٥) أُمَيَّة (٦). وأمَا قوله في حديث مالك عن حُمَيْد: "وهو بحُنَيْن" فالمراد به مُنصرفه من غَروة حُنَيْن، والموضعُ الّذي لقيَ فيه الأعرابىّ رسول (٧) الله ﷺ هو الجِعْرَانَة (٨)، وهو طريقُ حُنَيْن، وفي ذلك الموضع قسم رسول الله ﷺ غنائم حُنَين على ما ذكر أهل السِّير والخَبَر. وأمّا قوله: "وَعَلَى الأّعْرَابِىِّ قَمِيصٌ" فالقميصُ المذكور في حديث مالك هو الجُبَّة المذكورة في حديث غيره. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٩): قول عائشة: "كنت أُطَيِّبُ النَّبىَّ ﷺ لإحرامه قبلَ أنّ يُحْرِم". قال الإمام: ظاهرُه يقتضي أنّها كانت تُطيِّبه بمَا لَهُ رائحة، ويحتمل أنّ يكون بما لا تبقى له رائحة. وقد رُوِيَ عنها مفسَّرًا أنَها قالت: "كنت أطَيِّبُ رسولَ الله ﷺ

стр. 1881

لإحرامه (١) طِيبًا لا يشبه طِيبكُم" (٢). وقد وقع في الصَّحيح من حديث عائشة قالت: "كنت أُطَيِّبُ رسولَ الله ﷺ " (٣). ورُوِيَ: "كنت (٤) انظر إلى بياض الطِّيب" (٥). ويُرْوَى: "وبِيصَ (٦) الطِّيب في مَفْرِقِ رسول الله ﷺ وهو مُحرِمٌ" (٧). المسألة الثَّانية (٨): اختلف النّاس اختلافًا كثيرًا متباينًا، فالشّافعيّ (٩) من فقهاء الأمصار رأى أخذ الحديث بظاهره، وانتهت الكراهية بقوم فيه لأَنْ يقول عالِمُهُم (١٠): "لأَنْ أُطْلَى بقَطِرَانٍ أَحَبُّ إليَّ من أنّ أُصبِحَ مُحرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا" (١١). واختلف العلّماء في هذا الحديث على أربعة أقوال: - فمنهم من قال: كان ذلك خصوصًا للنّبىِّ ﵇. قلت: وهذا حسنٌ قويٌّ في النَّظر (١٢)، وذلك أنّ النَّبىَّ ﷺ فيما روي عنه من الآثار، وقامت عليه الأدلَّة من سائر الأخبار، أنّه قال: "حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ (١٣) ... " (١٤)

стр. 1882

الحديث (١)، فذَكَرَ الطّيب. قلت: أدخلَ اللهُ حبّها في قلبه، خصَّه بكلِّ واحدة منها بفرضه. وأمّا الصَّلاة فأفردها بقيام اللَّيل (٢). وأمّا النِّكاح فافرده بالزِّيادة في العدد (٣). وبإسقاط الصَّداق في الموهوبة (٤). وبالاستغناء عن الوَلِيِّ والشّهود (٥). وخصَّه بالطَّيبِ، فإنَّ تطيِّبَه (٦) وهو مُحْرِمٌ ليكمل له المتاع بما يحب في كلِّ حال. وقد تكلَّمنا على هذا الحديث بالاستيفاء في "الكتاب الكبير" فلينظر هنالك. - القول الثَّاني- ومنهم من قال: إنَّ ذلك الطِّيب الّذي كانت عائشة تدهن به رسول الله ﷺ إنّما كان طِيب لَونٍ لا طِيبَ رِيحٍ، وقد رُوِيَ ذلك في الآثار (٧). وقد تفطَّنَ له مالك بثقابة ذهنه، فذكر الحديث في أوَّل الباب (٨) ثم قال في آخره (٩): لا بأسَ أنّ يَدَّهِنَ الرَّجُلُ بدُهْنٍ ليس فيه طِيبٌ. - الثَالث- ومنهم من قال: كان النَّبيُّ ﷺ يتطيَّب، ثمَّ يطوف على نسائه، ثمّ يغتسل من الجنابة، ويغتسل للأحرام، فيبقى وبيص (١٠) الطِّيب وبرقه ونضارته، ويذهب عينه.

стр. 1883

وكذلك رُوِيَ في الحديث: "كنتُ أطيّب رسول الله ﷺ ، ثمّ يطوفُ على نسائه، ثم يغتسل ويُحرِم" (١). - القول الرَّابع: ومنهم من قال: هذا منسوخٌ ومخصوصٌ بالحديث الصَّحيح الّذي قطعه مالك في "المُوَطّأ" (٢) وأَسنَدَه في الصّحيحين (٣) وفي كلِّ كتابٍ؛ قول النَّبيّ ﷺ للأعرابي: "انْزِغ قميصك واغْسِل عنك الطِّيب" أو قال: "أَثَر الطِّيب " أو "الصُّفْرَة". فتعارض هاهنا على هذا الوجه قولُه وفعلُه، فوجب الرّجوع إلى قوله؛ لأنّه قاله في حالة فعله، وهذه نُكْتَةٌ بديعة فافهموها (٤). باب مواقيت الإهلال مالك (٥)، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يُهِلُّ أهلُ المدينة من ذي الحُلَيْفَة ... " الحديث. الإسناد (٦): أمّا قول ابن عمر: بلغني أنّ رسول الله ﷺ قال: "يُهِلُّ أهل اليمن (٧) من يَلَمْلَم" (٨)، فهو مُرْسَل الصَّاحب عن الصَّاحب، وهو عندهم كالمُسْنَدِ سواء في وجوب الحُجَّة.

стр. 1884

وقد ذكره أبو داود (١) بإسناده (٢) عن ابن عبَّاس، قال: "وَقَّتَ رسولُ الله ﷺ لأهل اليمن يَلَمْلَم ... " الحديث (٣). الأصول (٤): قال الإمام: ثبتَ أنّ رسول الله ﷺ حدّدَ المواقيت، فلمّا كان في زمن عمر وفتح الله العراق، شَكَوْا إليه أنّ نجدًا جَوْرٌ عن طريقهم، فَوَقَّتَ لهم ذات عرق (٥) (٦). وهو دليل على صِحَّةِ القول بالقياس، كما قال جميع العلّماء، وعلى صِحَّةِ القول بالمصلحة كما قال مالك، وقد بيَّنَّا ذلك في "أصَول الفقه". إشارة (٧): كان النّبيُّ ﷺ إذا أحرمَ أحرم بالقول، وقد عَلَّم في التَّلبية: "لبّيك (٨) اللَّهُمَّ لبَّيك" (٩)، والدّاعي بالحجِّ إبراهيم. الفقه في خمس مسائل: الأولى: قال علماونا (١٠): للحجِّ ميقاتان: ميقاتُ زمان وابتداؤه شوّال. وميقات مكانٍ، وهي المواضع المذكورة في هذا الحديث المتقدِّم. والمواقيت كلّها متَّفَق عليها، إِلَّا ميقات أهل العراق، فإنّه اختلف العلّماء فيه،

стр. 1885

وفيمن وقت (١) لهم. فقال (٢) مالك (٣) والشَّافعىّ (٤) وأبو حنيفة (٥): ميقاتُ أهل العراق وناحية (٦) المشرق كلّها ذات عِرْق، وهو قول سائر العلّماء. وقال جابر (٧) وعائشة (٨): وقَّت رسول الله ﷺ لأهل العراق ذات عِرْق. وقالت طائفة: عمر هو الّذي وَقَّت لأهل العراق ذات عِرْق (٩)؛ لأنّ العراق في زمانه افتتحت، ولم يكن فتح (١٠) العراق على (١١) عهد رسول الله (١٢) ﷺ . وقال علماؤنا: هذه غَفْلَةٌ من قائل هذا الحديث، بل رسول الله ﷺ هو الّذي وقَّت لأهل العراق ذات عِرق والعقيق (١٣)، كما وقّت لأهل الشَّام الجُحْفَة (١٤)، والشَّام كلها يومئذِ دار (١٥) كُفْر، فَوَقّت المواقيت لأهل النّواحي؛ لأنّه علم أنّه ستُفْتَح على أمَّتِه الشَّام والعراق وغيرهما من البلدان.

стр. 1886

المسألة الثَّانية: وكره مالك أنّ يُحرِم أحدٌ قبل الميقات، ولا يجوز (١) عند مالك دخول مكّة بغير إحرامٍ (٢). وقال الزُّهري: يجوز له أنّ يدخل مكّة بغير إحرامٍ (٣). والدليل لمالك: أنّ هذا قاصدٌ إلى مكّة لا يتكرَّر دخولُه إليها، فلزمه (٤) الإحرام كالنّافذ (٥) للنُّسُك. واستدلّ الزُّهري بحديث أنّ؛ أنّ رسول الله ﷺ دخل مكّة عام الفتح وعلي رأسه المِغْفَر (٦)، فلو (٧) كان حرامًا لما كان على رأسه المِغْفَر. الجواب: أنّه قد يجوز للضّرورة، ولا ضرورة أشدُّ من الحاجة إلى التّوقِّي (٨) من الحرب، وهو ﷺ إنّما دخلها عنوةً، ولو سُلِّمَ له ذلك لكان أمرًا مختصًّا به، وقد قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله حَرَّمَ مكَّةَ، فلا تحلّ لأَحَدٍ بعدي ... " إلى قوله: "وقد عادَت حُرمتُها اليوم كحُرمتُها بالأمس" (٩). فرع (١٠): فإن دخل مكَّة بغير إحرام، فقد رَوَى عبد الوهّاب (١١) أنَّه أساءَ ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنّ دخوله محل الفَرْضِ لا يُوجِب الدُّخول في الفَرْض، كدخول مِنًى وعَرَفَة.

стр. 1887

فرع آخر (١): ومن سلك طريقًا إلى مكّة وهو لا ينوي أنّ يبلغها، فلمّا جاوز الميقات نَوَى دخول مكَّة، أجزأه (٢) أنّ يُحْرِم من حيث نَوَى ذلك، ولا يرجع إلى الميقات (٣)؛ لأنّه إنّما قصد مكّة من حيث أَحرَمَ. باب العمل في الإهلال مالك (٤)،عن نافع، عن ابن عمر؛ أنّ تَلْبِيَةَ رسولِ الله ﷺ :"لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ". الإسناد: قال أبو عمر (٥): هكذا رواه الرُّواة عن مالك (٦)، وكذلك رواه نافع (٧) أيضًا. وفي حديث أبي هريرة زيادة؛ "لَبَّيْكَ إلَه الْخَلْقِ" (٨). قال الإمام: وأجمع العلّماء على القول بهذه التَّلبية، واختلفوا في الزِّيادة فيها. فقال مالك: أكره أنّ يُزادَ على تلبية رسول الله ﷺ (٩).

стр. 1888

وهو (١) أحد (٢) قولي الشّافعيّ (٣)؛ أنَّه لا يزاد على تلبية رسول الله ﷺ ، إلّا أنّ يرى شيئًا يُعجبُه، فيقول: لبَّيْكَ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخرة. قال أبو عمر (٤): ومَن زاد في التَّلبية ما يحلُّ ويحمُلُ (٥) من الذِّكْر الحَسَنُ فلا بأس به، ومَنِ اقتصر على تلبية رسول الله ﷺ فهو أفضل عندي. الفقه في ثمان مسائل: الأولى (٦): قوله (٧): "إنَّ تَلْبِيَةَ رسولِ الله ﷺ " يريد (٨) الّتي كان يواظب عليها؛ ولذلك نسبَها إليه، ومواظبتُه ﷺ عليها على سبيل الاختيار، لا على سبيل الوجوب، ولذلك زاد فيها ابن عمر، وبأيِّ لفظٍ يأتي المُلَبِّي أجزأه. المسألة الثَّانية (٩): والتَّلبيةُ في الحجِّ مسنونةٌ غير مفروضة، قال ذلك ابن الجلّاب في "تفريعه" (١٠) ومع ذلك عندي إنها ليست من أركان الحجِّ، وإلّا فهي (١١) واجبة، ولذلك يجب الدّم بتركها.

стр. 1889

المسألة الثّالثة (١): قوله (٢): "كان يصلِّي في مسجد ذي الحُلَيْفَة" هذا اللَّفظ إذا أطلق في الشّرع اقتضى ظاهرُهُ بعُرْفِ الاستعمال النّافلة، وهو المفهوم من قولهم: صلّى فلان ركعتين، وإن كان قد رخوِيَ أنّ الصّلاة الّتي صلّاها كانت صلاة الفجر (٣). وقد اختار مالك أنّ يكون إحرامه بِإثْر صلاة نافلة؛ لأنّه زيادة خير. وقد كان الحسن (٤) يستحبّ أنّ يكون (٥) بإثْر صلاة فريضة (٦). المسألة الرَّابعة (٧): فإن لم يحرم بإثر نافلة وأحرم بإثر فريضة أجزأة. فإن وَرَدَ الميقاتَ في وقت لا تجوز صلاة النَّافلة فيه، وليس بوقت فريضة، فالأفضلُ أنّ ينتظر وقتَ جواز الصَّلاة، إِلَّا أنّ يخاف فَوَاتًا أو عُذْرًا. فإن أحرم ولم ينتظر ذلك أجزأه؛ لأنّ ذلك مندوبٌ إليه وليس بواجبٍ ولا شرطٍ في صحّة الإحرام. المسألة الخامسة (٨): قال الإمام: العلّماء يتأوَّلون القرآن في قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٩) قالوا: الفَرْضُ التَّلبية، قاله عطاء (١٠) وعِكرِمَة. وعن (١١) ابن عبَّاس؛ أنَّ الفَرْضَ الإهلال والتَّلبية (١٢).

стр. 1890

المسألة السَّادسة (١): اختلفت (٢) الآثار في المواضع الّتي ألزم فيها رسول الله ﷺ الحجّ (٣) من أقطار ذي الحُلَيْفَة: فقال قوم: من المسجد مسجد ذي الحُلَيْفَة بعد أنّ صلَّى فيه. وقال آخرون: لم يحرم إِلَّا بعد أنِ استوتْ به راحِلَتُه، وقد صحّ عن ابن عبَّاس المعنى في اختلافهم موضوحًا (٤). وفيه دليلٌ أنّ الاختلاف في القول والأفعال جميعًا والمذاهب (٥)، كان ذلك في الصّحابة (٦)، وإنّما وقع الاختلاف بين الصّحابة بالتَّأويل، فيما نقلوه وانفرد (٧) بعِلمِه بعضهم دون بعض. المسألة السَّابعة (٨): قوله (٩): "فإذا اسْتَوَتْ به راحِلَتُهُ" يريد بعد أنّ استوت به راحلته قائمة (١٠). وذهب مالك (١١) وأكثر الفقهاء إلى أنَّ المستحبّ أنّ يُهِلَّ الرَّاكب إذا استوت به راحلتُه قائمة، على لفظ الحديث.

стр. 1891

وقال أبو حنيفة: يُهِلُّ عَقِبَ الصَّلاة إذا سَلَّم منها (١). وقال الشَّافعىّ (٢): يُهِلُّ (٣) إذا أخذت (٤) به راحلته (٥). الدَّليل لمالك: أنّ رسول الله ﷺ أهلَّ حين استقلتْ به راحلَتُه قائمةً (٦)، والله أعلم. العربيَّة (٧): قوله (٨): "اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ" هو مصدرٌ مثَّنى للتكثير والمبالغة (٩)، ومعناه: إجابة لك بَعْدَ إجابة، ولزومًا لطاعتك، فتثنيّته للتَّأكيد (١٠) لا تثنية حقيقة (١١) بمنزلة (١٢) * قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (١٣) أي نعمتاه، على تأويل اليد ها هنا على النعمة، ونعم الله لا تحصى* (١٤). ويونس بن حبيب (١٥) من أهل البصرة يذهب في لبَّيْك إلى أنَّه اسمٌ مفردٌ وليس بمثنّى، وأن الألْف إنّما تُقْلَب ياءًا (١٦) باتصالها بالمُضمَر على حدّ لَدَى وعلى مذهب سِيبَوَيْه (١٧)

стр. 1892

أنّه مثنّى، بدليل قلبها ياءًا مع المُضْمَر (١)، وأكثر النَّاس على مذهب سِيبَوَيْه. وقال ابنُ الأنباري (٢): "ثَنّوا (٣) "لبَّيْك" كما ثَنّوا (٤) "حنانيك"، أي تحنينا بعد تحنين (٥). وأصل لبَّيْك: لبيك، فاستثقلوا الجمعَ بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثّالثة ياءً كما قالوا في الظَّنِّ: تظنَّيت، والأصل: تظَنَّنت، والأصل: تظَنَّنت، قال الشاعر (٦): يذهَبُ بِي في الشِّعرِ كلَّ فَنِّ ... حتَّى يردَّ عني التَّظَنِّي أراد التَّظنُّن. واختلف العلّماء من أهل اللُّغة في معنى "لَبَّيْك". فقيل: اتِّجاهي (٧) وقصدي إليك، مأخوذ* من قولهم: داري تُلِبُّ دارَكَ، أي تواجهها. وقيل: معناها محبتي لك، مأخوذ* (٨) من قولهم: امرأةً لَبَّةٌ، إذا كانت مُحِبَّةٌ لولدها عاطفةٌ عليه. الثّالث - قيل: معناها إخلاصي لك، مأخوذ من قولهم: حَسَبٌ لباب (٩)، ومن ذلك لُبُّ الطّعام ولُبابُه. الرَّابع - قيل (١٠): معناها أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذ من قولهم: قد

стр. 1893

لبَّ الرَّجُل في المكان، إذا أقام فيه ولزمه. قال ابن الأنباري (١): وإلى هذا القول كان يذهب الخليل والأَحْمَر (٢). وأمّا قوله (٣): "فإنّ الحَمدَ والنِّعمةَ لك" يُرْوَى بكسر الهمزة وبفتحها، قال ثعلب: الاختيار كسر "إنَّ" وهو أجوَد (٤) من الفتح؛ لأنّ الّذي يكسر "إنَّ" يذهب إلى أنّ المعنى: إِن الحمدَ والنِّعمةَ لك على كلِّ حالِ. والذي يفتحها يذهب إلى أنّ المعنى: لَبَّيْكَ لأنّ الحمد لك، أي لَبَّيْكَ لهذا السبب (٥). ويجوز "والنِّعمَةُ لَكَ" بالرَّفع على الابتداء، والخيرُ محذوفٌ تقديره (٦) إنَّ الحمدَ لك والنِّعمةَ. قال ابنُ الأنباريّ (٧): إنَّ شئت جعلت خبر إنَّ محذوفًا، ويجوز فتح إنَّ وكسرها في قوله: "إنَّ الحمدَ" والكسر أحبّ إليَّ. وأمّا "الرّغباء إليك" فيُروَى بفتح الرّاء والمدِّ، وبضمّ الرَّارء والقصر (٨). خاتمة (٩): وأمّا التَّلبية، فإنّ أبا حنيفة يراها واجبة (١٠)، ومالك (١١)، والشَّافعىّ (١٢) لا

стр. 1894

يُوجبانها. واختلفوا فيها إذا لم يأت بها: فعند مالك يلزمه (١) الدّم (٢)، والشَّافعىّ لا يرى بتركها دمًا. باب رَفْعُ الصَّوتِ بالإهلال الإسناد: الحديث الأوّل حديثُ جبريل (٣)، وفي حديث أَبي قِلَابَة (٤) قال (٥): "سمعتُهُم يَصْرُخُونَ بهما جميعًا" (٦). العربيّة: قولُه: "الإهلال" يقال: أهلَّ فلان، إذا رفع صوته بالتّلبية. وقال ابنُ قُتَيْبَة (٧): "هو إظهار التَّلبية، ومنه قيل: استهلّ الصَّبيُّ إذا صرخَ". وأهل: إذا واصل الاهلال والتَّكبير. والتَّهليل: هو تفعيلٌ من هلّل وكبّر. والصُّراخ: الصّياح. وقوله (٨): "كان ابن عمر يَرْفَعُ صوتَه بالتَّلبية، فلا يأتي الرَّوْحَاءَ (٩) حتَّى يَصْحَلَ صَوْتُه".

стр. 1895

قال الخليل (١): "صَحِلَ صَوْتُهُ صحلًا، فهو أَصْحَلُ، إذا كانت فيه بُحَّةٌ" (٢). الفقه في ستّ مسائل: الأولى (٣): قوله (٤): "أَتَانِي جِبرِيل" هو إخبار منه أنّ هذا ممّا أتاه به جبريل ولم يقتصر فيه على اجتهاد. وقوله (٥): "أنّ آمُرَ أَصْحَابِي أو مَنْ معي" الشَّكُّ من الرَّاوي، ومَنْ معه هم أصحابُه، لا سيّما (٦) على ما ذهب إليه جمهور أصحاب الحديث، فإنّهم يقولون: فلان له صُحْبَة، وإن لم يكن رأى النَّبيَّ ﵇ إِلَّا مرَّة واحدة. وأمّا القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب، فذهب إلى أنَّ للصُّحْبة مزيَّة على الرُّؤية، وأنَّ اسم الصَّحابىّ إنّما يُطلَق على من صحِبَ النَّبيّ ﵇ وكان معه، وجميعُ من حَجَّ مع النَّبيِّ ﵇ فقد صَحِبَه في طريقه وحَجِّه (٧). وما قاله أبو بكر بن الطَّيِّب أصح (٨) من جهة اللُّغة، على أنّ المشهور عند أصحاب الحديث (٩) ما قدَّمناه. المسألة الثَّانية: قوله (١٠): "أنّ يرفَعُوا أصواتَهُم بالتَّلبية" فيه الأمر بالتَّلبية، وأمرٌ برفع الصّوت بها. فأمّا الأمر بها فإنّها (١١) من شرائع الحجِّ، وممّا لا يجوز للحاجّ تركها في جميع
следующие страницы →