← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وقال أبو حنيفة: يُهِلُّ عَقِبَ الصَّلاة إذا سَلَّم منها (١). وقال الشَّافعىّ (٢): يُهِلُّ (٣) إذا أخذت (٤) به راحلته (٥). الدَّليل لمالك: أنّ رسول الله ﷺ أهلَّ حين استقلتْ به راحلَتُه قائمةً (٦)، والله أعلم. العربيَّة (٧): قوله (٨): "اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ" هو مصدرٌ مثَّنى للتكثير والمبالغة (٩)، ومعناه: إجابة لك بَعْدَ إجابة، ولزومًا لطاعتك، فتثنيّته للتَّأكيد (١٠) لا تثنية حقيقة (١١) بمنزلة (١٢) * قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (١٣) أي نعمتاه، على تأويل اليد ها هنا على النعمة، ونعم الله لا تحصى* (١٤). ويونس بن حبيب (١٥) من أهل البصرة يذهب في لبَّيْك إلى أنَّه اسمٌ مفردٌ وليس بمثنّى، وأن الألْف إنّما تُقْلَب ياءًا (١٦) باتصالها بالمُضمَر على حدّ لَدَى وعلى مذهب سِيبَوَيْه (١٧)

стр. 1892

أنّه مثنّى، بدليل قلبها ياءًا مع المُضْمَر (١)، وأكثر النَّاس على مذهب سِيبَوَيْه. وقال ابنُ الأنباري (٢): "ثَنّوا (٣) "لبَّيْك" كما ثَنّوا (٤) "حنانيك"، أي تحنينا بعد تحنين (٥). وأصل لبَّيْك: لبيك، فاستثقلوا الجمعَ بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثّالثة ياءً كما قالوا في الظَّنِّ: تظنَّيت، والأصل: تظَنَّنت، والأصل: تظَنَّنت، قال الشاعر (٦): يذهَبُ بِي في الشِّعرِ كلَّ فَنِّ ... حتَّى يردَّ عني التَّظَنِّي أراد التَّظنُّن. واختلف العلّماء من أهل اللُّغة في معنى "لَبَّيْك". فقيل: اتِّجاهي (٧) وقصدي إليك، مأخوذ* من قولهم: داري تُلِبُّ دارَكَ، أي تواجهها. وقيل: معناها محبتي لك، مأخوذ* (٨) من قولهم: امرأةً لَبَّةٌ، إذا كانت مُحِبَّةٌ لولدها عاطفةٌ عليه. الثّالث - قيل: معناها إخلاصي لك، مأخوذ من قولهم: حَسَبٌ لباب (٩)، ومن ذلك لُبُّ الطّعام ولُبابُه. الرَّابع - قيل (١٠): معناها أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذ من قولهم: قد

стр. 1893

لبَّ الرَّجُل في المكان، إذا أقام فيه ولزمه. قال ابن الأنباري (١): وإلى هذا القول كان يذهب الخليل والأَحْمَر (٢). وأمّا قوله (٣): "فإنّ الحَمدَ والنِّعمةَ لك" يُرْوَى بكسر الهمزة وبفتحها، قال ثعلب: الاختيار كسر "إنَّ" وهو أجوَد (٤) من الفتح؛ لأنّ الّذي يكسر "إنَّ" يذهب إلى أنّ المعنى: إِن الحمدَ والنِّعمةَ لك على كلِّ حالِ. والذي يفتحها يذهب إلى أنّ المعنى: لَبَّيْكَ لأنّ الحمد لك، أي لَبَّيْكَ لهذا السبب (٥). ويجوز "والنِّعمَةُ لَكَ" بالرَّفع على الابتداء، والخيرُ محذوفٌ تقديره (٦) إنَّ الحمدَ لك والنِّعمةَ. قال ابنُ الأنباريّ (٧): إنَّ شئت جعلت خبر إنَّ محذوفًا، ويجوز فتح إنَّ وكسرها في قوله: "إنَّ الحمدَ" والكسر أحبّ إليَّ. وأمّا "الرّغباء إليك" فيُروَى بفتح الرّاء والمدِّ، وبضمّ الرَّارء والقصر (٨). خاتمة (٩): وأمّا التَّلبية، فإنّ أبا حنيفة يراها واجبة (١٠)، ومالك (١١)، والشَّافعىّ (١٢) لا

стр. 1894

يُوجبانها. واختلفوا فيها إذا لم يأت بها: فعند مالك يلزمه (١) الدّم (٢)، والشَّافعىّ لا يرى بتركها دمًا. باب رَفْعُ الصَّوتِ بالإهلال الإسناد: الحديث الأوّل حديثُ جبريل (٣)، وفي حديث أَبي قِلَابَة (٤) قال (٥): "سمعتُهُم يَصْرُخُونَ بهما جميعًا" (٦). العربيّة: قولُه: "الإهلال" يقال: أهلَّ فلان، إذا رفع صوته بالتّلبية. وقال ابنُ قُتَيْبَة (٧): "هو إظهار التَّلبية، ومنه قيل: استهلّ الصَّبيُّ إذا صرخَ". وأهل: إذا واصل الاهلال والتَّكبير. والتَّهليل: هو تفعيلٌ من هلّل وكبّر. والصُّراخ: الصّياح. وقوله (٨): "كان ابن عمر يَرْفَعُ صوتَه بالتَّلبية، فلا يأتي الرَّوْحَاءَ (٩) حتَّى يَصْحَلَ صَوْتُه".

стр. 1895

قال الخليل (١): "صَحِلَ صَوْتُهُ صحلًا، فهو أَصْحَلُ، إذا كانت فيه بُحَّةٌ" (٢). الفقه في ستّ مسائل: الأولى (٣): قوله (٤): "أَتَانِي جِبرِيل" هو إخبار منه أنّ هذا ممّا أتاه به جبريل ولم يقتصر فيه على اجتهاد. وقوله (٥): "أنّ آمُرَ أَصْحَابِي أو مَنْ معي" الشَّكُّ من الرَّاوي، ومَنْ معه هم أصحابُه، لا سيّما (٦) على ما ذهب إليه جمهور أصحاب الحديث، فإنّهم يقولون: فلان له صُحْبَة، وإن لم يكن رأى النَّبيَّ ﵇ إِلَّا مرَّة واحدة. وأمّا القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب، فذهب إلى أنَّ للصُّحْبة مزيَّة على الرُّؤية، وأنَّ اسم الصَّحابىّ إنّما يُطلَق على من صحِبَ النَّبيّ ﵇ وكان معه، وجميعُ من حَجَّ مع النَّبيِّ ﵇ فقد صَحِبَه في طريقه وحَجِّه (٧). وما قاله أبو بكر بن الطَّيِّب أصح (٨) من جهة اللُّغة، على أنّ المشهور عند أصحاب الحديث (٩) ما قدَّمناه. المسألة الثَّانية: قوله (١٠): "أنّ يرفَعُوا أصواتَهُم بالتَّلبية" فيه الأمر بالتَّلبية، وأمرٌ برفع الصّوت بها. فأمّا الأمر بها فإنّها (١١) من شرائع الحجِّ، وممّا لا يجوز للحاجّ تركها في جميع

стр. 1896

نُسُكِهِ (١)، عامدًا أو غير عامدٍ، فعليه الدَّم. وقال الشّافعيّ: لا دَمَ عليه. والدليل على ما نقوله: أنّ هذا ترَكَ واجبًا في الحجِّ، فلم يسقُط عنه وجوبه إلى غير بَدَلٍ، كالمبيت بالمُزْدَلِفَة. فإن سلَّموا وجوبَ التَّلبية، وإلَّا فالحديث حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ ظاهر الأمر الوجوب. المسألة الثَّالثة (٢): وأمّا رفع الصّوت بها، فوجهه: أنّ التَّلبية (٣) من شعائر الحجِّ، فكان من سنّتها الإعلان، ليحصلَ المقصودُ منها كالأذان. وليس عليه أنّ يرفع صوته حتّى يشقّ على نفسه، ولكن على قَدْر طاقته، وليس على المرأة ذلك لأنّها عورة (٤). المسألة الرَّابعة (٥): قوله (٦): "لا يرفعُ صوته في مساجد الجماعات" هو كما قالا، إنّه لا يرفع صوتَه بالإهل الّذي غير مسجد مِنىً والمسجد الحرام، وذلك هو المشهور من مذهب مالك (٧). ورَوَى ابنُ القصّار (٨)؛ أنَّ ابنَ نافع، رَوَى عن مالك؛ أنَّه قال (٩): يرفع صوتَه

стр. 1897

في المساجد الّتي بين مكَّة والمدينة. قال (١): هذا وفاق (٢) للشَّافعىّ في أحد قَوْلَيْهِ (٣)، وله قول ثان (٤): أنّه يستحبُّ رفع الصَّوت في سائر المساجد. ووجه قول مالك: أنّ المساجد مبنيَّة للصّلاة ورفع الصَّوت بألقرآن، فلا يصحّ رفع الصوت صبها (٥)؛ لأنّه لا يتعلّق شيءٌ منها بالحجِّ، وأمّا المسجدُ الحرام ومسجد الخَيْفِ، فللحجَّ اختصاص بهما من الطّواف والصّلاة أيام مِنًى. المسألة الخامسة (٦): قال علمائنا (٧): وتُستَحَبُّ التَّلبية* (٨) دُبُرَ كلّ صلاة؛ لأنّ ذِكْرَ الله مشروعٌ بإثر (٩) الصَّلوات، فَيُستَحَبُّ للحاجّ أنّ يكون ذِكْرُهُ ما يختصّ به وما هو شعارُهُ وهو التَّلبية، وهذا حُكم الصّلوات المفروضة والمسنونة والنافلة، رواه ابن المَوَّاز عن مالك. المسألة السَّادسة (١٠): وقوله (١١):"على كلِّ شَرَفٍ منَ الأَرْضِ" يريد ما ارتفع منها. وقال الّذي "الواضحة": عند كلِّ وادٍ، وعند تلقّي النَّاس، وعند اصطلام (١٢)

стр. 1898

الرِّفاق، وعند الانتباه من النّوم (١). وإنّما يريد بذلك: أنّ هذه الأحوال الّتي تُقْصَدُ بالتَّلبية؛ لأنّها شعار الحاجّ (٢)، فشُرعَ له الإتيان بها والإظهار لها عند التَّنَقُّل من حالٍ إلى حالٍ. باب إفراد الحجّ مالك (٣)، عن أبي (٤) الأسود، عن عائشة؛ أنّها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَدَاع، فِينَا (٥) مَنْ أهلَّ بالعُمْرَةِ، ومنَّا من أهَلَّ بالحجَّة (٦)، وأَهَلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ ... الحديث (٧). الإسناد: قال القاضي: تعارضتِ الأحاديثُ ها هنا؛ لأنّهم (٨) اختلفوا فيما كان رسول الله ﷺ له محرمًا في خاصَّة نفسه عام حَجَّة الوداع. فأمّا مالك، فأخذ بحديث عائشة؛ أنّ رسول الله ﷺ أَفْرَدَ الحجّ (٩)، ورُوِيَ ذلك عن أبي بكر، وعمر (١٠)، وعثمان (١١)، وعائشة (١٢)، وجابر (١٣).

стр. 1899

الأصول (١): رَوَى محمّد بن الحسن، عن مالك؛ أنَّه قال: إذا جاءنا عن النَّبيِّ ﷺ حديثان مختلفان، وبلغنا أنّ أبا بكرٍ وعمرَ عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر، كان ذلك دلالة على أنَ الحَقَّ فيما عملا به. فالإفراد عند مالك أفضل (٢). وقال آخرون: القِرَانُ أفضل، وهو أحبّ إليهم، منهم أبو حنيفة (٣). الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى: قولها (٤): "خرجنا مع رسول الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوداع". وهو عام عشرة من الهجرة، ولم يحجّ النّبيّ ﷺ من المدينة غير هذه الحَجَّة، وحج أبو بكر بالنّاس عام تسعة، ولذلك سُمِّيت حجّة الوداع؛ لأنّ النّبيّ ﷺ وَعَظَهُم فيها وودَّعَهُم. المسألة الثَّانية (٥): اختلفت أجوبة العلّماء في هذه المسألة على أربعة أقوال: فكان أوّل من تكلّم عليه (٦) الشّافعىّ في "كتاب مختلف الحديث" (٧) له، وهو

стр. 1900

كتابٌ حَسَنٌ، فتح (١) فيه الطريقة، وكشف الحقيقة، ولم يكن من بابه. وأمّا الطَّحاويّ، فتكلَّم عليه في ألف وخمس مئة ورقة (٢)، قرأتُها، فإذا فيها كلام يتعلّق بالفقه الّذي كان بابه، وكان منه تقصيرٌ في غيره. وأمّا التحقيق فيها، فلا يوصل إليه إِلَّا بضبط القوانين، وفيهما الأصول وحمل الفروع عليها بعد ذلك، وقد بيَّناه في "القانون" (٣). المسألة الثَّالثة (٤): قال الشّافعيّ (٥): وجهُ الجمع بين هذه الأحاديث، أنّ النّبيّ ﷺ أفرد الحجَّ فِعْلًا، وغيره بما (٦) نسبَ إليه أنَّه فعله إنّما معناه: أمر به، والآمرُ تَعُدُّه العرب فاعلًا، وتخبرُ به عن الفعل، تقول: رجم الحاكمُ الزّاني، وقطع اللِّصَّ، لمّا أمر به وإن لم يتناوله. وهذا التَّأويل وإن كان يحسنُ في مواضع، فليس هذا منها؛ لأنّ ظواهر الأحاديث المتقدِّمة تدفعه، فتأمّلوها. وقال آخر: كان أمر النّبيّ ﷺ في إحرامه موقوفًا، حتّى بَيَّنَ اللهُ له كيف يكون فيه، وروى في ذلك أثَرًا (٧). وأتْقَنَ علماؤنا المتأخِّرون الجواب فقالوا: إنَّ النّبيّ ﷺ لمّا أمره اللهُ بالحجّ أحرمَ، ثمّ انتظر الوحي بكيفية الالتزام وصورة التّلبية، فلم يزل ﷺ يُلَبِّي،

стр. 1901

فاعتبر (١) ظاهر ما أُمِرَ به، فقال: "لَبَّيْكَ بحَجَّةٍ" فسمعه جابر وعائشة، فسمعا الحقّ ونقلا الحقّ. وانتظر النّبيّ ﷺ أنّ يُقَرَّ على ذلك، أو يبيّن له فيه شيء، فلم يكن، فقال: "لبَّيك بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ" (٢) فسمعه أنس وهو تحت راحلته، فسمع الحقّ ونقل الحقّ. وسار النّبيّ ﷺ على هذه الحالة حتّى نزل وادي العقيق، فنزل عليه جبريل وقال له: "صلِّ في هذا الوادي المُبَارَك، وقُلْ: عُمْرَة وحَجَّة" (٣) فكشف له قناع البيان عن القِرَانِ، فاستمرّ عليه، والتزم من ذلك ما لزمه، ومرَّ حتّى دخل مكّة، فأمر أصحابه أنّ يفسخوا الحجّ إلى العمرة. المسألة الرّابعة (٤): أمّا مالك (٥) والشّافعىّ (٦) فقالا: الافراد أفضل؛ لأنّه هو المفروض، وتخليص الفَرْض من السُّنَّة، أو عن (٧) فَرْض آخر يُمزَج معه أَوْلَى. وأمّا أحمد بن حنبل (٨) وجماعة (٩) فقالوا: التّمتُّعُ أفضل، لما ثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لَوِ استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الهَدْيَ ولَجَعلتُها عُمْرَةً" (١٠) فتمنَّى النّبيُّ ﷺ أنّ يكون متمتِّعًا، ولا يتمنَّى إِلَّا الأفضل. قلنا: ولا يفعل إِلَّا الأفضل، فكيف يُفَوِّتُه اللهُ تعالى الأكمل ويردَّه إلى الأدون! وأمّا قولهم: إنَّ في الحديث: "تمتَّعَ رسولُ اللهُ ﷺ " فقد احتجُّوا به (١١). قلنا: المراد بقوله: "تَمَتَّعَ" جمع بين الحجّ والعمرة، وهو متاعٌ، ولم يرد

стр. 1902

به (١) المتعة المطلقة؛ لأنّه قد تمنّاها، ولو كان فيها ما تمنّاها. الفوائد المطلقة: وهي ثلاث: الأولى: فيه خروج النِّساء في سفَر الحجّ مع أزواجهنّ، ولا خلاف في ذلك بين العلّماء، وإنّما اختلفوا في المرأة لا يكون لها* (٢) زوج ولا ذو محرم منها، هل تخرج إلى الحجّ دون ذلك مع النِّساء أم لا؟ ويأتي ذكره في موضعه من هذا "الكتاب" إنَّ شاء الله. الفائدةُ الثَّانية: فيه إفراد الحجّ، وإباحة التَّمتُّعُ بالعمرة إلى الحجّ، وإباحة القِرَان، وهو جمعُ الحجِّ والعمرة، ولا خلاف بين العلّماء في ذلك، وإنّما اختلفوا في الأفضل من ذلك، كما بيّناه قبل. وتكلم القابسىّ (٣) في مسألة الإفراد والقِرَان والتَّمتُّعُ، وقال: هذه مسألة عظيمةٌ، اختلف النَّاس فيها، وأنا أحسّ صداعًا في رأسي اليوم، وسأنظر إنَّ شاء الله فيها، فما رؤي حتّى لقي الله . باب القِرَان بالحَجِّ مالك (٤)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه؛ أنّ المِقدَادَ بن الأسود دخل على علي بن أبي طالب بالسُّقْيَا، وهو يَنْجَعُ بَكرَاتٍ له دقيقًا وخَبَطًا، فقال: هذا عثمانُ بن عفّانَ ينهى أنّ يُقْرَنَ بين الحجِّ والعمرة. فخرج علىّ (٥) ﵁ وعلى يديه أثَرُ

стр. 1903

الدَّقيقِ والخَبَطِ ... الحديث. الإسناد (١): قال الإمام (٢): هذا حديثٌ مقطوعُ السَّنَد؛ لأنّ محمدَ بن عليّ بن حسين أبا جعفر لم يُدرِكه المِقْدادَ ولا عليًّا. وقد رُوِيَ متَّصلّا مُسْنَدًا من وجوه صحَاحٍ ذَكَرَها النِّسائيّ (٣) وغيره (٤). العربيَّة (٥): قولُه: "السُّقْيَا" هو موضع (٦). يَنْجَعُ ويُنْجِعُ لغتان (٧)، معناه: يُلْقِمُ بَكَرَاتٍ له خَبَطًا (٨). والبَكَرَاتُ: النُّوقُ الفتيَّة. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٩): أمّا قوله (١٠) في القِرَان، فلا خلافَ بين العلّماء أنّ القارِنَ لا يحلُّ إِلَّا يوم النَّحر، فإذا رَمَى جمرةَ العَقَبة، حلَّ له الحلاقُ وألقَى التَّفَثَ كلّه، فإذا طافَ بالبيتِ حلَّ له الحلّ (١١).

стр. 1904

المسألة الثَّانية (١): وقوله (٢): "حتّى يَنحَرَ هديًا إنْ كان معَه" يريد: أنّ القارِنَ إذا لم يهد (٣) الهَدْيَ، فحُكمُه حُكمُ المتمتِّع في الصِّيام وغيره، وإحلالُه بعد رَميِ جمرة العَقَبَة كما وصفت لك. المسألة الثّالثة (٤): قول علىّ (٥):لَبَّيْكَ بعُمرَة وحَجَّة" (٦) فقدَّمَ العمرة في اللَّفظ والنِّية، وبه قال مالك (٧). واحتج ابن المواز في ذلك بأن قال: العمرة يَرْدُفُ عليها الحجّ، ولا تَرْدُفُ هي على الحجّ. * ووجه ذلك: أنّ العمرة لمّا صحّ إردافُ الحجّ عليها، ولم يصحّ إردافها على الحجّ* (٨)، فاختير تقديمها على ذلك في النّية، لصحّة ورود الحجّ على الإحرام بها. وقد رُوِيَ هذا الحديث بلفظ تقديم الحجّ. وقال ابن حبيب: إنَّ عليًّا كان مُهِلًّا بعُمْرَة، فلما سمع من عثمان ما سمع، أردف عليها حجّة. وتقديم العمرة في لفظ الحديث أصحّ من جهة الرِّواية ومن جهة المعنى، والله أعلم. فإن قدَّم الحجّ في اللًفظ، فقد قال الأبهريّ (٩) في "شرحه" (١٠): يجزئه،

стр. 1905

ومعنى ذلك أنّه نواهما جميعًا. المسألة الرّابعة (١): اختلفت الروايات عن مالك في الوقت الّذي يجوز فيه إرداف الحجّ. فقال في الحديث (٢): "ذلك له ما لم يَطُفْ بالبيت وبين الصَّفا والمروة". وقال ابنُ القاسم: ذلك له ما لم يكمل الطّواف، فإذا طات وركع الركعتين لم يكن قارنًا. وقال أشهب وابن عبد الحَكَم: له ذلك ما لم يشرع في الطّواف. وقد حكى عبد الوهّاب (٣) هذه الثّلاثة الأقوال رواية عن مالك. وقال أبو حنيفة: لا يجوز إدخال الحجّ على العمرة قبل الطّواف لها (٤). باب قطع التَّلبية في الحجّ الإسناد: الأحاديث (٥) صِحَاحٌ في هذا الباب. الفقه في أربع مسائل: الأولى (٦): اختلف النَّاس سَلَفًا وخَلَفًا في هذه المسألة:

стр. 1906

فرُوِيَ عن أنَس بن مالك في "الموطَّأ" (١)، ورَوَى ابن عمر في غير "الموطَّأ" مرفوعًا (٢) حديث أنس (٣) بن مالك. المسألة الثّانية (٤): قوله (٥): "حتّى إذا زاغَتِ الشَّمسُ من يوم عَرَفَةَ، قَطعَ التَّلبِيَة" وهذا يحتمل أنّ يفعلَه استحبابًا، وقد اختلف قول مالك فيما يستحبّ من ذلك: روى عنه ابنُ المَوَّاز؛ أنّه يقطع إذا زاغت الشّمسُ (٦). وروى عنه ابن القاسم؛ أنّه يقطع إذا راح إلى المُصَلَّى (٧). ورُوِيَ عنه (٨)؛ أنّه يقطع إذا وقف بعَرَفة. وقال أبو حنيفة (٩) والشّافعىّ (١٠): لا يقطع التّلبية حتّى يرمي جَمْرة العَقَبة يوم النَّحر. وحُجة مالك (١١): أنّ عائشة ﵂ كانت إذا توجّهت إلى الموقف تركت الإهلال (١٢)، وكانت أعلم النَّاس بأفعال النّبي ﷺ ، وأنّها حجّت معه حجَّة الوداع. المسألة الثّالثة (١٣): اختلف العلّماء في التَّلبية في الطّواف للحاجّ، فكان رَبِيعَة يُلَبِّي إذا طاف بالبيت

стр. 1907

ولا يرى بذلك بَأسًا، وبه قال الشّافعيّ (١)، وابن حنبل (٢). وكرهه مالك (٣)، وهو قول سالم بن عبد الله (٤). وقال ابن عُيَيْنَة: ما رأيت أحدًا يُقتَدَى به يُلَبِّي حول البيت إلّا عطاء بن السّائب. وما اختاره مالك هو الصّواب (٥). باب إهلال أهل مكّة ومَنْ بها من غيرهم الإسناد: الأحاديث (٦) في هذا الباب صِحَاحٌ. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٧): قول مالك (٨) في هذا الباب: "إنَّ المكّي لا يخرجُ من مكَّةَ للإهلال، ولا يهلُّ إلّا مِن جَوْفِ مكَّةَ" هو أمرٌ مجتمعٌ عليه لا خلاف فيه. المسألة الثَّانية (٩): قال عمر بن الخطّاب (١٠) لأهل مكّة: "ما بالُ النَّاسِ يأتونَ شُعْثًا وأنتم مُدَّهِنُون؟ " إنكارًا منه على الحاجّ؛ لأنّ من سُنَّتِه بعَرَفَة أنّ يكون أشعث، فأنكر على أهل مكّة أنّ تفوتَهم مثل هذه الفضيلة، فأراد أنّ يقدِّموا الإهلال من أوّل ذي الحِجَّة،

стр. 1908

ليبعث (١) عهدهم بالتَّرَجُّل والادِّهان، وياخذوا من الشَّعث بحظِّ وافرٍ، وهو الّذي اختاره مالك. المسألة الثّالثة (٢): قوله (٣): "أقام (٤) بمكّة تسعَ سنينَ" تعلَّق مالك في هذه المسألة -مع ما تقدَّم- بفعل ابن الزُّبير بحضرة الصّحابة والتّابعين، وهو الأمير الّذي يشهر فعله ولا ينكر عليه أحدٌ، ولا يثابر (٥) -مع دينه وفضله- إِلَّا على ما هو (٦) الأفضل عنده، ووافقه على ذلك أخوه عُرْوَة مع علمه ودينه، وعلى هذا كان جمهور الصّحابة. المسألة الرّابعة (٧): قوله (٨): "إنّما يُهِلُّ أهلُ مكّةَ" ومعنى ذلك أنّ المُهِلَّ بالحج من مكّة، من أهلها كان أو من غيرهم، فإنّه لا يُهِلُّ من الحرم؛ لأنّه (٩) ليس لهم ميقاتٌ يمرّون به دون ما يحرمون منه. ووجه آخر: أنّ المُهِلَّ من الميقات متوجِّهٌ إلى (١٠) البيت بإحرامه من ميقاته، لِئَلَّا يَرِد عليه إِلَّا مُحْرِمًا، فمن كان عند البيت وفي الحرم، لم يكن له أنّ يخرج (١١) منه للأحرام؛ لأنّ الّذي يُقصَد بالإحرام (١٢) قد صار فيه، ونُسُكُه (١٣) يقتضي الخروج (١٤) للوقوف بعَرَفَة، فلا معنى للخروج إلى الحِلِّ للإحرام.

стр. 1909

المسألة الخامسة (١): فإن أهلَّ أحدٌ منهم من الحِلِّ، فقد روى ابنُ القاسم عن مالك في "المدوّنة" (٢) أنّه لا شيء عليه وإن لم يعد إلى الحَرَم، وهذا زاد ولم يُنْقص. وهذا عندي (٣) فيمن عاد إلى الحَرَمِ ظاهرٌ، فأما من أهلّ من الحِلِّ (٤) وتوجّه إلى عَرَفَة دون دخول الحرم، أو أهلِّ من عَرَفَة بعد أنّ توتجه إليها حلالًا مُريدًا للحجّ، فإنّه نقصَ ولم يَزِد، وإنّما يجب عليه الدّم على هذا القول؛ لأنّ مكّة ليست في حُكْم الميقات؛ لأنّ المواقيت إنّما وُقِّتَت لئلّا يدخل الْمُحُرِمُ إلى البيت إلّا بإحرام، فمن كان عند البيت، فليس له ميقاتٌ، بدليل أنّ العمرة لا يحرم منها (٥)، والمواقيت يستوي الإحرام منها للحج (٦) والعمرة (٧). وقوله (٨) "مَنْ أَهَلَّ من مكَّةَ بالحَجِّ (٩) فليؤخِّرِ الطّوافَ" هو كما قال، وذلك أنّ الطّواف الّذي هو رُكْن من أركان الحجّ، إنّما هو طواف الإفاضة، وأمّا طواف الوُرود فلا، وإنّما هو للورود على البيت بالنُّسُك. وإنمّا، سُمِّيَ طواف الوُرود الطّواف الواجب؛ لأنّه واجبٌ على الورود (١٠)، وليس يجب بمجرّد الحجّ. ولو كان من أركان الحجّ لما سقط عمّن أحرم (١١) من مكّة ولا عن المراهق. فإن أخّره الوارد (١٢) المدركُ: فقد قال ابن القاسم: عليه دم (١٣).

стр. 1910

وقال أشهب: لا شيء عليه (١). باب ما لا يُوجِب الإحرام من تقليد الهَدْي الإسناد: هذا (٢) حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَق على صحّته ومَتْنه (٣). الفقه في مسائل: الأولى (٤): اختلف العلّماء في معناه: فقالت طائفة - منهم مجاهد (٥)، وعطاء (٦)، وابن جُبَير (٧) -: إذا قلَّد الحاجُّ هديَهُ فقد أحرم، وحرم عليه ما يحرُمُ على الملبِّي، وكذلك إذا أَشْعَرَ هديَهُ. واختلفوا أيضًا في تحليله: فمنهم من قال: الإحلالُ كالتَّقليد والإشعار، ومنهم من أباه. وقال الآخرون: إذا نَوَى تقليد الحجّ والعمرة فهو مُحْرِمٌ وإن لم يُلَبِّ. وهذا كلّه عندهم فيما معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٨) وكلّهم يستحِبُّ أنّ يكون إحرام الحجّ وتلبيته في حين تقليده الهَدْيَ وإشعاره. ذكر الفوائد المطلقة في هذا الباب: وهي خمس فوائد:

стр. 1911

الفائدةُ الأولى (١): في حديث عائشة هذا من الفقه؛ أنّ ابنَ عبّاس كان يرى أنّ من بعث هَدْيَه إلى مكّة (٢) إذا قلَّده، أنّ يُحْرِمَ ويجتنبَ كلَّ ما يجتنبُهُ الحاجُّ حتّى ينحر هَدْيَه، وقد تابعه على ذلك ابن عمر (٣) وطائفة منهم ابن (٤) المسيَّب. الفائدةُ الثّانية (٥): فيه من الفقه: أنّ أصحاب النّبيّ ﷺ كانوا يختلفون في المسائل وعلوم من السُّنِّة. الفائدةُ الثّالثة (٦): فيه من الفقه: ما كانوا عليه من الاهتبال بأمر الدِّين والكتاب فيه إلى البلدان. الفائدةُ الرّابعة (٧): فيه من الفقه: عملُ أزواج النّبيِّ ﷺ بأيديهِن، وكذلك كان النّبيّ ﷺ يفعلُ ويمتهنُ في عمل بيته (٨)، فربّما خاطَ ثوبَه، وخَصَفَ نعله (٩)، وقلَّد هديَهُ المذكور في هذا الكتاب (١٠)، كلُّ ذلك يفعلُه بيده. الفائدةُ الخامسة: فيه من الفقه: أنّ تقليد الهَدْي لا يوجبُ على صاحبه الإحرامَ، ولهذا المعنى سبق له الحديث، وهذه حجّة عند التّنازع (١١)، وقد اختلفوا في ذلك:

стр. 1912

فقال مالك: ما ذكره في "موطّئه" (١)، وبه قال الشّافعيّ (٢) وأبو حنيفة (٣). باب ما تفعلُ الحائض في الحجِّ الأحاديث (٤) في هذا الباب صِحَاحٌ. أمّا (٥) قول ابن عمر (٦) "وَلَا بَينَ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ" (٧) فإنّما ذلك من أجل أنّ السّعي بين الصّفا والمَروَة موصولٌ بالطّواف لا فصل بينهما، والطّواف لا يكون عند الجميع إِلَّا على طهارةٍ، وإن كانوا قد اختلفوا في حُكْم مَنْ فعلَه على غير طهارة. ثمّ (٨) لم يذكر حتّى ترجع (٩) إلى بلده (١٠)، على ما نَذْكُرُه بعدُ إنَّ شاءَ الله. الفقه في أربع مسائل: الأولى (١١): قوله (١٢): "إنَّ الحائض تُهِلُّ بحَجَّتِها أو عُمْرَتها" لأنّ الإحرام بالحجِّ والعُمْرَة لا يُنافي الحَيض والنِّفاس، ولا يُفْسِدان شيئًا منهما، ويفسدان الصّومَ والصّلاةَ لما كانا منافِيَين لهما.

стр. 1913

المسألة الثَّانية (١): قوله (٢): "ولكن لا تطوفُ بالبيت، ولا بين الصّفَا والمَرْوَة" يريد أنّها وإن أحرَمت بالحجِّ، أو طَرَأَ عليها الحيضُ بعد إحرامها، فإنّها لا تطوف؛ لأنّ الطّواف ينافيه، ولذلك يُفسِدُه الحيضُ والنِّفاس؛ لأنّ من شرطه (٣) الطّهارة كما قدّمناه. وكذلك يمنعُ السَّعيَ؛ لأنّه بإثْر الطّواف، فإذا لم يمكن الطّواف، لم يمكن السّعي؛ لأنّ من شرطه الطّهارة؛ لأنّه عبادة لا تعلُّق لها بالبيت، ولو طرأ الحيضُ على المرأة بعد كمال الطّواف، لكملَ (٤) سعيُها. المسألة الثّالثة (٥): قوله (٦): "وتَشهَدُ المناسكَ كلَّها" يقتضي أنّها تفعلُها غير ما استثنى منها، فتقفُ بعَرَفَة والمُزدَلِفَة، وترمي الجمارَ، وتبيتُ بمنىً؛ لأنّ الطّهارة ليست بشرط في شيء من ذلك. المسألة الرّابعة (٧): قوله (٨): "وَلَا تَقْرَبُ المسجدَ حتّى تَطهُرَ" يريد أنّ الحائض لا تقرَب المسجد حتّى تَطهُر -أعني المسجد الحرام وغيره- ولا تبيتُ فيه، فيمتنع (٩) عليها الطّواف حينئذٍ بمعنيين: أحدهما: أنَّه في المسجد والحائض لا تدخله. والثآني: أنّ حَدَثَ الحَيضِ (١٠) يمنعُ الطّهارةَ، والطّوافُ لا يكون إِلَّا بطهارةٍ.

стр. 1914

باب العمرة في أشهر الحجّ مالك (١)؛ أنّه بلغه أنّ رسولَ الله ﷺ اعْتَمَرَ ثلاثًا عامَ الحُدَيبية، وعام القَضِيَّة، وعام الجِعْرَانَة. الإسناد (٢): هذا حديثٌ بلاغٌ؛ ويتّصل من وجوه صِحَاحٍ. وذكر البزّار (٣) بإسنادٍ صحيحِ؛ أنّ رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثًا كلّها في ذي القعدة، إحداهن زمان الحُدَيْبِية، والأخرى في صُلح قريش، والأخرى (٤) من مرجعه من الطائف ومن حُنَين من الجِعْرَانة. والحُجَّة ما قاله ابن المسيِّب لسائله: قدِ اعتمر رسول الله ﷺ قبل أنّ يَحُجَّ" (٥). وهذا ما لا خلاف فيه أنّ عمرته كانت قبل حَجَّتِه. وذكر أبو داود (٦) بإسناده عن ابن عمر، قال: "اعتمرَ رسولُ الله ﷺ قبل أنّ يَحُجَّ" وإنّما اعتمر رسول الله ﷺ في أشهر الحجّ على ما ذَكَرَهُ العلّماء، ليري أصحابه أنّ العمرة في أشهر الحجّ جائزة، خلافًا لما كان عليه المشركون في جاهليّتهم. الفقه في ثلاث مسائل: الأولى (٧): قوله (٨): "اعتمرَ رسولُ الله ﷺ ثَلاثًا" هو الصّحيح على مذهب مالك، ومن

стр. 1915

قال: "إنَّ النّبيّ ﷺ قَرَنَ الحجّ والعمرة، يقول: اعتمر أربع عمر، وكذلك يقول أنس (١). وقاله (٢): "وعمرة الحُدَيبيَة" فعدّها عمرة (٣) يقتضي أنّها عنده تامّة، وإن كان صُدَّ عن البيت فلا قضاءَ على من صُدَّ عن البيت بِعَدُوِّ. وقال أبو حنيفة: عليه القضاء (٤). ودليلنا: إجماع الصّحابة على الاعتداد بها (٥)، فلو كانت غير تامّة، وكانت عمرة القضيّة قضاءً لها، لما عدّت عمرة الحُدَيْبِيَة. وقوله (٦): "عام القضيّة" يريد الّتي قاضي النّبيُّ ﷺ كفّار قريش عليها، وكانت في ذي القعدة، ولذلك جعل مالك ترجمة هذا الباب "العمرةُ في أشهُرِ الحجِّ". وقوله (٧): "وعمرة الجغرَانة" يريد عمرته الّتي اعتمر من الجعْرَانةَ منصرفه من حُنَين (٨). المسألة الثَّانية (٩): قوله (١٠): "لم يعتمر إِلَّا ثلاثًا" إنكارٌ لما قال ابن عمر (١١) وأنس؛ أنَّه اعتمر أربعًا. فأمّا ابن عمر، فإنّه أضاف إلى الثّلاثة عمرة في رَجَب، فأنكرت ذلك عائشة، وقالت: لم يعتمر قَطُّ في رَجَبٍ (١٢).

стр. 1916

وأمّا أنس، فإنّه أضاف إلى الثّلاثة عمرة زعم أنَّه قَرَنَها بحَجَّةٍ (١). وقوله (٢): "إحداهُنَّ في شوّال، واثنتان في ذي القِعْدَة" تنبيه على أوقات عُمَرِ النّبيِّ ﷺ ، ووجه التَّعلُّق بذلك: أنّ العمرة في أَشْهُر الحجّ جائزةٌ، وقد كان النَّاس في الجاهليّة ينكرون ذلك، حتّى بيَّنَ النَّبيّ ﷺ جوازه. المسألة الثّالثة (٣): فإنْ سأل سائل عن تقديم العمرة على الحجّ؟ فالجواب: أنّه لما علم يكون الحجّ مقدَّمًا في الرُّتبة للاتّفاق على وجوبه (٤)، ولعلّه اعتقد أنّ العمرةَ لمّا كانت تدخل في عمل الحجِّ فإنّها تابعةٌ له (٥)، فأخبر سعيد بن المسِّيب أنّ النّبيَّ ﷺ اعتمر قبل أنّ يَحُجِّ، وذلك أنَّ النّبيَّ ﷺ إنّما حجَّ بعد أنّ نزل فَرْض الحجّ حجّة الوداع، وقد اعتمر قبل ذلك العمرة المذكورة. وكان (٦) سفيان بن عُيَيْنَة يتأوّل في معنى قول رسول الله ﷺ "دَخَلَتِ العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامةِ" (٧) لم * يُرِد به فسخَ الحجِّ، وإنّما أراد جواز عمل العمرة في أشهُر الحجّ إلى يوم القيامة* (٨)، وإن تمتّع بها إلى الحجّ، وإن قرن بها مع الحجّ، كلُّ ذلك جائز إلى يوم القيامة (٩).

стр. 1917

باب قطع التّلبية في العُمرة الفقه في ثلاثة مسائل: الأولى (١): اختلف العلّماء في قطع التَّلبية في العمرة: فقال مالك ما ذكره في "الموطَّأ" (٢)، وأضاف قوله إلى ابن عمر والزّبير (٣). وقال الشّافعيّ: يقطعُ إذا افتتح الطّوافَ، ومرّةً قال: يُلَبِّي حتّى يستلم الرُّكن، وهو شيءٌ واحدٌ (٤). وقال أبو حنيفة: لا يزال المعتمرُ يُلَبِّي حتّى يفتتح الطّواف (٥). المسألة الثَّانية (٦): قوله (٧): "مَنِ اعتمرَ من التّنعيم أنّه يقطعُ التّلبية إذا رأى البيتَ" وهذا كما قال، أنّ من اعتمر من التّنعيم -وهو أدنى الحلّ إلى المسجد الحرام- فإنّه يستديم التّلبية حتّى يرى البيت؛ لأنّه ليس بينهما كبير مسافة. وأمّا الّذي يهِلُّ من المواقيت، فقد (٨) استدام التَّلبية أيَّامًا، فاستحبّ له قطعها عند الحرم؛ لأنّها في الجملة مقصودة، ولأن من حُكْمِ النُّسُك أنّ يُعَرَّى بعضُه من التَّلبية كالحجّ (٩).

стр. 1918

المسألة الثّالثة (١): وقع في "المختصر" (٢): من أحرم من الميقات فإنّه يقطع التَّلبية إذا دخل الحرم، فإنْ أحرم قبل الجِعْرَانَة قطعَ التَّلبيةَ حين دخول مكّة، ومن أحرم من التّنعيم قطع عند رؤية البيت ولبَّى، وهذا لما ذكرناه من طُول مدّة التَّلبية وقِصَرها (٣). نكتةٌ لغويّة: قوله (٤): "الجِغرانَة" من النَّاس من يشدد الرّاء (٥)، ومنهم من يخفّفها (٦). باب ما جاء في التّمتع الأحاديث (٧) صِحَاحٌ، والآيات منها قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٨). قال علماؤنا (٩): والتَّمتُّعُ على أربعة أَوْجُهٍ ومعانً: أحدها: التَّمتُّعُ المعروف عند عامّة العلّماء، وهو ما رواه مالك (١٠) عن ابن عمر، فبيَّن به معنى التَّمتُّعُ. والمعنى الثّاني: أنّ التَّمتُّعُ أيضًا القِرَانُ عند جماعة من العلّماء؛ لأنّ القارِن يتمتَّعُ بسقوط سَفَرِه الثّاني من بلَدِه كما فعل المُتّمتّع، فحلّ من عُمْرَتِه إذا حجّ من عامِه ولم ينصرف إلى بلده، والتَّمتُّعُ والقِرَانُ يتّفقان في هذا المعنى، وكذلك يتّفقان عند

стр. 1919

أكثر العلّماء في الهَدْيِ والصِّيام لمن لم يجد هَدْيًا منهما. والوجه الثّالث: هو فسخ الحجِّ في العمرة، وجمهور العلّماء يكرهونه. والوجه الرّابع: ما ذهب إليه ابن الزُّبَير أنَّ * التَّمتُّعُ هو تمتُّع المحصر، وهو محفوظ عن ابن الزبير* (١) من وجوه، منها ما رواه وهيب، قال إسحاق بن سويد (٢)، قال: سمعتُ عبد الله بن الزُبير وهو يخطبُ وهو يقول: أنّها النَّاس، والله ليس التَمتعٌ بالعمرة إلى الحجِّ كما تصنعون، ولكن التّمتّعَ بالعُمرة إلى الحجِّ أنّ يخرج الرَّجُل حاجًّا، فيحبسه عدوٌّ، أو أمر يمسكه، حتّى تذهب أيّام الحجِّ، فيأتي البيتَ ويطوفُ ويسعَى بين الصَّفا والمَروَة ويحلّ، ثمّ يتمتّعُ بحلِّه إلى العام المقبل، ثمّ يحج ويَهْدِي (٣). وأمّا نَهْيُ عمر عن التَّمتُّعُ، فإنّما هو نهي أَدَبٍ لا نَهْي تحريمٍ؛ لأنّه كان يعلم أنّ التَّمتُّعُ مباحٌ، والقِرَانَ مباح، وأن الافراد مباحٌ، فلمّا صحّت هذه (٤) الإباحة والتّخيير في ذلك كلِّه اختارَ الإفراد، فكان يحضّ على ما هو المختارُ عنده، ولهذا كان يقول: افصِلُوا بين حَجِّكم وعُمرَتكُم، فإنّه أتمُّ لحجِّ أحَدِكُم (٥). الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (٦): قال علماؤنا (٧): وللتّمتُّع ستّ شروط (٨) لا يكون متمتِّعًا إِلَّا باجتماعها (٩)، ومتى انخرم شرطٌ لم يكن متمتِّعًا: أحدها: أنّ يجمع بين العمرة والحجِّ في سَفَرٍ واحدِ.

стр. 1920

الثّاني: أنّ يكون ذلك في عام واحد. الثّالث: أنّ يفعل العمرة أو شيئًا منها في أشهر الحجّ. الرّابع: أنّ يقدِّم العمرة على الحجّ. الخامس: أنّ يحل من العمرة قبل الإحرام بالحجّ. السّادس: أنّ يكون غير مكِّيٍّ. تفصيل (١) وتنقيح: أمّا الأوّل، فهو أنّ يأتي بالحجّ والعمرة في سَفَرٍ واحد؛ لأنّه (٢) المعنى الّذي يتمتِع به، وهو أنَّه ترك أحد السَّفَرَيْن؛ لأنّ كلّ نُسُكٍ منهما كان من حُكْمِهِ أنّ ينفرد بسَفرٍ، فترخّص بترك أحد السَّفَرَين لمّا جمعهما في سَفَرٍ واحدٍ، على ما نبيِّنُه بعد هذا. وأمّا الثّاني، فهو أنّ يكونا (٣) في عامٍ واحدِ، فإنّه لو اعتمر في أشهر الحجّ، ثمّ حلَّ (٤)، ثمّ أقام إلى عام ثانٍ فحجّ، لم (٥) يكن متمتِّعاَ؛ لأنّ المراد بذلك (٦) في أشهر الحجّ، فحينئذٍ يكون متمتِّعًا. فإن اعتمر في أشهر الحجّ (٧)، ففاته الحجّ، فلم يحجّ من عامه ذلك، لم يكن متمتعًا، وكذلك لو أحرم بالحجّ بعد أنّ اعتمر في أشهر الحجِّ، ففاته الحجّ، ولو أكمل حجّه لكان (٨) متمتِّعًا؛ لأنّه قد أتى بالحجّ في (٩) أشهر عمرته. وأمّا الثّالث، وهو أنّ يعتمر في أشهر الحجّ؛ لأنّها أحق بالحجِّ لمن أراده، وسائر الأشهر أحقّ بالعمرة، وهذا معنى اختصاص هذه الأشهر بهذا الوصف؛ لأنّه لا

стр. 1921

تطول به مدّة الإحرام، ولا تشقُّ على المُحْرِم في الغالب، ولكنّه (١) يكمل سَعيه. فإذا لم يرد الحجّ، فالعمرة فيها مطلقة؛ لأنّ الأشهر (٢) لا تختصّ بالحجّ اختصاصًا يمنع (٣) من غيرها، وإنّما تختص بها اختصاص كمال وفضيلة، فمن أراد التَّرَفُّه والاستمتاع بمكّة، كانت رخصة في أنّ يحل بعمرة، ثمّ يبقى حلالًا إلى الحجّ. مسألة في المعنى (٤): قال (٥): وليس مِنْ شَرْطِ هذه العمرة أنّ يُحرمَ بها في أشهر الحجِّ، ولو أحرم بها في رمضان أو شعبان، فاستدام ذلك، وأتى ببعض أفعالها في أشهر الحجّ، قال ابنُ حبيب (٦): ولو بشوط واحد من السّعي (٧) في أشهر الحجِّ كان متمتِّعًا، وبهذا قال أبو حنيفة (٨)، والنَّخعىّ، وعطاء، والحسن، وجماعة النَّاس. وقال الشّافعيّ في أحد قَوْلَيه (٩): ولا يكون متمتِّعاَ حتّى يحرم (١٠) بالعمرة في أشهر الحجّ. والدليل على ما نقوله: أنّ السّعي والطّواف رُكْنٌ من أركان العمرة، فإذا أتى به في أشهر الحجّ كان متمتِّعًا كالإحرام. فإن لم يبق عليه غير الحِلَاق، فليس بمُتمتِّع؛ لأنّ الحِلَاقَ تحلُّلٌ (١١) من النُّسُكِ وليس من أفعال العُمْرَة، قاله ابن حبيب وغيره عن مالك. واحتجّ ابنُ حبيب لذلك؛ أنّه لو لبس الثّياب أو مسّ الطِّيب أو النِّساء قبل أنّ

стр. 1922

يحلق اويقصر، لم يكن عليه شيءٌ يريد ليس عليه قضاء. وأمَّا الرّابع (١)، فهو أنّ يقدِّم العمرة على الحجّ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٢) و"إلى" للغاية، فيجب أنّ يكون ما بعدها متأخِّرًا عمّا قبلها إذا كان (٣) غاية له (٤). ومن جهة المعنى: أنّ التَمَتُعَ إنّما هو ما ذَكَرْنَاهُ ممّن يريد الحجّ، فيدخل في أوّل أشْهُرِه (٥) فيأتي بالعمرة، وإن (٦) كان الإتيان بالحجّ أَوْلَى ليترفّه بالعمرة إلى أنّ يرد (٧) زمان الحجّ (٨)، وهو إذا قدَّم الحجّ على العمرة، فقد غيّره عن هذا المعنى (٩)، وأتى بالحجّ في أشهره، ولعلّه قد أحرم به في أوّل أشهُره، فلم يتمتّع بشيء. وأمّا الخامس (١٠): وهو أنّ يحلّ من العمرة قبل الإحرام بالحجّ، ويفوت حكم الإرداف، فلا يكون قارنًا؛ لأنّه إذا أردف الحجّ على العمرة في وقت يصحّ له ذلك، كان قارنا ولم يكلن متمتّعًا. وأمّا السّادس (١١): فهو ألَّا يكون مكِّيًّا، فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١٢). ومن جهة المعنى: أنّ المَكِّيَّ لا يلزمه سَفَر الحجّ ولا العمرة فيترخّص بترك أحدهما، ولأنّ غير المكّىّ قد قلنا إنّه إذا رجع إلى أفُقِهِ، أو إلى مثل أفُقِهِ، فليس بمتمتّع، وهذه حالة (١٣) المكّىّ بموضعه.

стр. 1923

مسألة (١): وحاضرو المسجد الحرام هم أهل مكّة. وقال ابن حبيب عن مالك: إنَّ مَنْ كان من أهل مكّة على مسافة لا تقصر في مثلها الصّلاة، فهو من حاضري المسجد الحرام. وقد أشار إليه ابن شعبان. وقال أكثر شيوخنا: ليس هذا مذهب مالك (٢)، إنّما هو قول الشّافعيّ (٣)، وله قول ثان: أنّهم أهل الحرم. وقال أبو حنيفة (٤): هم من (٥) دون الميقات. والاستدلال بالآية على ما نقوله: أنّ قوله تعالى: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يقتضي من كان أهله مقيمًا بالمسجد الحرام أو موجودًا (٦) عنده، وهذا هو الّذي يفهم من قولهم: فلان حاضر في موضع كذا، ومن حاضرة فلانة، ولا يقال لمن كان دون ذي الحُلَيْفَة (٧)، وبينه (٨) وبين مكّة مسيرة عشرة (٩) أيّام (١٠)، أنّه من حاضري المسجد الحرام، وأنّه ممّن يحضر أهله المسجد الحرام. مسألة (١١): وحُكمُ أهلِّ ذي طَوًى (١٢) في ذلك حكم أهل مكَّة في القِرَانِ والتَّمتُّع؛ لأنّهم من

стр. 1924

حاضري المسجد الحرام. ووجه ذلك: اتّصال البيوت بالمجاورة، والمراعى في ذلك أنّ يكون من أهلِّ مكّة حين الإحرام بالعمرة وبعد ذلك. مسألة: وإذا أهلِّ المتمتِّعُ بالحجِّ، ثمّ مات من سَعْيِة، أو قبل أنّ يصوم، ففيها للعلّماء أقوال: الأوّل: أنّ عليه دم المتعة؛ لأنّه دَيْنٌ عليه، ولا يجوز أنّ يُصامَ عنه. القول الثّاني: أنّه لا دَمَ عليه؛ لأنّ الوقتَ الّذي أَوجَبَ عليه فيه الصِّيام قد فات. مسألة (١): اتَّفقَ مالك (٢) وأبو حنيفةَ (٣) والشّافعىّ (٤) أنَ المتمتِّع إذا لم يجد هَدْيًا، صام ثلاثةَ أيّام إذا أحرم بالحجِّ إلى آخر يوم عَرَفَة. وقال عطاء (٥): لا بأس أنّ يصوم المتمتِّعُ في العشرِ وهو حلال قبل أنّ يُحْرِمَ. وقال مجاهد (٦) وطاوس (٧): إذا صامهنّ في أشهُر الحجّ أجزأه. وقال مالك (٨): إذا صام بعد إحرامه بالعُمْرَة، وهو يريد أنّ يتمتَّع بالعُمرة إلى

стр. 1925

الحجِّ لم يجزه، ولمن يصومُ ما بين إحرامه بالحجِّ إلى يوم عَرَفَة، وهو قول الشّافعيّ (١)، رواه عن عائشة وابن عمر (٢). وقال أبو حنيفة (٣): إنَّ صام بعد إحرامه بالعُمْرَةِ أجزاه. وقال الحسن بن زياد (٤): إنَّ أحرم بالعُمَرة لم يجزه الصّوم حتّى يُحْرِمَ بالحجِّ، وهو قول عمرو بن دينار. وقال عطاء: لا يصوم حتّى يقفَ بعَرَفَة. مسألة (٥): وأجمع العلّماء على أنَّ الصّوم لا سبيل للمتمتِّع إليه إذا كان يجد الهَدْيَ، واختلفوا إذا لم يجد الهَدْيَ، ولم يصم الثّلاثة الأيَّام قبل يوم النّحر. قال مالك (٦): يصومها في أيّام التّشريق، فإنْ فاتَه ذلك، صام عشرة أيّام إذا رجع إلى بلده وأجأه، وإن وجد هَدْيًا بعد رجوعه وقبل صومه، أَهْدَى ولم يصم. وقال أبو حنيفة (٧): إذا لم يصُمِ الثّلاثة الأيَّام في الحجّ، لم يجزه الصِّيام بَعْدُ، وكان عليه هَدْيَانِ: هديٌ للمتعة أو قِرَانِه (٨)، وهديٌ لتحلُّلِه من غير هَدْيٍ ولا صيام. مسألة (٩): واختلف قول الشّافعيّ: في صيام أيّام مِنىً للمتمتّع إذا لم يجد هديًا: فقال بالعراق: يصومُها، كقول مالك.

стр. 1926

وقال بمصر: لا يصومها أحدٌ، لنَهْيِ رسول الله ﷺ عن صيامها (١) مسألة (٢): واختلفوا إذا كان غيرَ واجدٍ للهَدْيِ فصام، ثمّ يجد الهَدْيَ قبل إكمال الصّوم الّذي ابتدأ. فذكر ابن وهب عن مالك: إذا دخل في الصّوم فوجد هَدْيًا، فأحبُّ إليَّ أنّ يهدي، فإن لم يفعل أجزأه الصِّيام. وهو (٣) والمتظاهِرِ والحالِف سواء عند مالك، إذا دخل في الصّوم، ووجد* المتمتِّعُ الهَدْي، أو وجدَ المتظاهر الرَّقبة، والحالف ما يُطعم أو يكسو، أنّ كلّ واحد منهما بالخيار بعد دخوله في الصّوم، أنّه إنَّ شاء فادى في الصّوم، وإن شاء رجع إلى ما كان عليه* (٤). باب ما جاء في العمرة مالك (٥)، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أبي بكر بن عبد الرّحمن (٦)، عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ عند الله إِلَّا الجنَّةُ". الإسناد: هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه الأيِمَّة (٧).

стр. 1927

أصوله: قوله (١): "العُمرَةُ إلى العُمرة كفَّارةٌ لما بينهما" "ما" من ألفاظ العموم، فيقتضي من جهة المعنى تكفير جميع ما يقع بينهما إِلَّا ما خَصَّه الدَّليل. وقال الإمام: قوله: "كفَّارَةٌ لِمَا بينهما" إنّما يريد بذلك الصّغائر لا الكبائر. فإن قيل: بأيِّ دليلِ تخصّه بالصّغائر؟ قلنا: الحديثُ الصَّحيح؛ قوله ﷺ : "الجمعةُ إلى الجمعةِ كفَّارةٌ لما بينهما ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ" (٢). فإن قيل في قوله: "الحجِّ المبرورُ" وما هو؟ قيل: هو الّذي لا يعصي الله بعده أبدًا، ولا يلمّ بذَنْب. وفيه وجه ثان: وهو الّذي لم يرفث ولم يفسق، وسلم وقتَ الحجِّ من ذلك، وتمادَى عليه إلى أنّ لَقِيَ الله وهو غير عاص، فذلك هو الحجّ المبرور. الفقه في ثلاث مسائل: الأولى: اختلف العلّماء وفقهاء الأمصار في العمرة هل هي سنّة مؤكّدة أو واجبة؟ فعندنا: إنّها سنّة مؤكّدة (٣)، وبه قال أبو حنيفة (٤). وقال الشّافعيّ (٥): إنّها واجبةٌ، واستدلّ على وجوبها بالآية، قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٦) وهو أمرٌ، والأمرُ على الوجوب. واستدل أيضًا بحديث جبريل، وهو قوله للنّبيِّ ﵇: "أنّ تحجَّ وتعتمرَ وتغتسلَ من الجَنَابَةِ" (٧).

стр. 1928

انتصار لمالك: قلتا: استدلالُ الشّافعىّ بالآية يبطل من وجهين: أحدهما: أنّ معنى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ إنّما يكون الإتمام بعد الشّروع، وإذا شرعَ في عبادة لزمه إتمامها. الوجه الثّاني من وجوه الإبطال: قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١) وقوله ﵇: "بُنِيَ الإِسلامُ على خمسٍ" (٢) ولم يذكر العمرة، والحديث الّذي سأل عنه (٣)، فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: "لا إِلَّا أنّ تَطَّوَّع (٤)، وأنْ تعتمر خير لك" (٥) وهذا حدّ المندوب، فخرج الأمر عن الوجوب إلى النَّدْب بهذين (٦) الأمرين. فإنِ استدلَّ أيضًا بأنّ النَّبيّ ﷺ داوَمَ على العُمرة. قلنا: اللَّهمّ إنَّ دوامَه عليها كدوامِه على المضمضة والاستنثار مع الوضوء. المسألة الثّانية: فإن قيل: فإذا كانت عندكم سُنَّة، لزمكم الدّوام عليها كحدِّ السُّنَن. وإن (٧) كان معنى السُّنَّة ما رأيتم (٨)، وقد يكون ذلك فَرْضًا، ويكون مندوبًا إليه على طريق علمائنا في تسمية متأكّد المندوب إليه إذا حصل على صفتها بأنّه سنّة (٩) على جهة الاصطلاح، وبقولنا قال أبو حنيفة أنّ العمرة ليست بواجبة (١٠).

стр. 1929

وقال ابنُ حبيب وابنُ الجَهْم (١): هي فرضٌ، وهما على مذهب الشَّافعىّ في هذه المسألة. حديث مالك (٢)، عن سُمَىّ مَوْلَى أبي بكر بن عبد الرّحمن؛ أنّه سمع أبا بكر بن عبد الرّحمن (٣) يقول: جاءتِ امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنِّي كنت تجهزْتُ للحج، فاعترض لي أمرٌ؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "اعْتَمِرِي في رمضانَ، فإنَّ عمرةَ رمضان كحَجةٍ". الإسناد (٤): هذا الحديثُ مُرسَلٌ في "الموطَّأ"، إِلَّا أنّه قد صحّ أنّ أبا بكر سمعه من تلك المرأة، فصار بذلك (٥) مُسْنَدًا. وهذه المرأة اختلف فيها: فقيل: إنها أمّ معقل. وقيل: هي أم الهيثم. وقيل: هي أم سنان، وهي جدَّة عبد الله بن سلام. والأشهر عند جماعة المحدِّثِين (٦) أنّها أمّ معقل (٧). الفقه والفوائد: وهما فائدتان: الأولى (٨): فيه من الفقه: تطوُّع النِّساء بالحجِّ إذا كان معهنّ ذو مَحْرَمٍ أو زوجٍ، أو كانت

стр. 1930

المرأة في جماعة نساء يعين بعضهنّ بعضًا، يعني: لا ينضمّ الرّجال إليهنّ عند النّزول والرّكوب وكانت الطّرق مأمونة. الفائدةُ الثّانية: فيه من الفقه: أنّ بعض الأعمال أفضل من بعض، وأن الشّهور بعضها أفضل من بعض (١)، لقوله:، "عمرةٌ في رمضان تعدّ حَجَّة" وهذا لا يكون إِلَّا بالبرّ. وقد اختلف النَّاس في قوله: "الحَجّ المبرور" على أقوال (٢): قيل: المُتَّصِل. الثّاني - قيل: الّذي لا رياءَ فيه ولا سمعة ولا رَفَثَ ولا فسوقَ (٣)، مع الصِّيانة من سار المعاص. الثّالث - قال أهل الإشارة: "الحجّ المبرور" هو الّذي لم تعقبه معصية. والأوّل أرفق بالخَلقِ وأظهر عند العلّماء (٤). وكذلك قال أبو ذَرٍّ (٥) للرَّجل الّذي مرّ عليه وهو يريد الحجّ: "استأنف (٦) العَمَلَ" إشارة إلى أنّ ذنوبه قد حطّت، فصار كيوم ولدته أمه، يستأنف العمل كما يستأنف في أوّل أوقات التّكليف. والعُمرة في الحجِّ كالتّكفير، ولكنّه يحتمل أنّ يريد أنّها كفارة ما لم يغش الكبائر، وأمّا الحاجّ فليس بينه وبين الجنَّة حجاب. نكتةٌ لغوية: قوله: "العُمرَةُ إلى العمرة" والعمرة الزيارة، مأخوذ من اعتمر، أي زار (٧)، يقال: اعتمر فلان وجاء فلان معتمرًا أي زائرًا. أي يأتي من أجل تلك الزيارة، ومن ذلك سمي البيت المعمور، لكثرة (٨) زيارة الملائكة له.
следующие страницы →