← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقال بمصر: لا يصومها أحدٌ، لنَهْيِ رسول الله ﷺ عن صيامها (١) مسألة (٢): واختلفوا إذا كان غيرَ واجدٍ للهَدْيِ فصام، ثمّ يجد الهَدْيَ قبل إكمال الصّوم الّذي ابتدأ. فذكر ابن وهب عن مالك: إذا دخل في الصّوم فوجد هَدْيًا، فأحبُّ إليَّ أنّ يهدي، فإن لم يفعل أجزأه الصِّيام. وهو (٣) والمتظاهِرِ والحالِف سواء عند مالك، إذا دخل في الصّوم، ووجد* المتمتِّعُ الهَدْي، أو وجدَ المتظاهر الرَّقبة، والحالف ما يُطعم أو يكسو، أنّ كلّ واحد منهما بالخيار بعد دخوله في الصّوم، أنّه إنَّ شاء فادى في الصّوم، وإن شاء رجع إلى ما كان عليه* (٤). باب ما جاء في العمرة مالك (٥)، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أبي بكر بن عبد الرّحمن (٦)، عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ عند الله إِلَّا الجنَّةُ". الإسناد: هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه الأيِمَّة (٧).

стр. 1927

أصوله: قوله (١): "العُمرَةُ إلى العُمرة كفَّارةٌ لما بينهما" "ما" من ألفاظ العموم، فيقتضي من جهة المعنى تكفير جميع ما يقع بينهما إِلَّا ما خَصَّه الدَّليل. وقال الإمام: قوله: "كفَّارَةٌ لِمَا بينهما" إنّما يريد بذلك الصّغائر لا الكبائر. فإن قيل: بأيِّ دليلِ تخصّه بالصّغائر؟ قلنا: الحديثُ الصَّحيح؛ قوله ﷺ : "الجمعةُ إلى الجمعةِ كفَّارةٌ لما بينهما ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ" (٢). فإن قيل في قوله: "الحجِّ المبرورُ" وما هو؟ قيل: هو الّذي لا يعصي الله بعده أبدًا، ولا يلمّ بذَنْب. وفيه وجه ثان: وهو الّذي لم يرفث ولم يفسق، وسلم وقتَ الحجِّ من ذلك، وتمادَى عليه إلى أنّ لَقِيَ الله وهو غير عاص، فذلك هو الحجّ المبرور. الفقه في ثلاث مسائل: الأولى: اختلف العلّماء وفقهاء الأمصار في العمرة هل هي سنّة مؤكّدة أو واجبة؟ فعندنا: إنّها سنّة مؤكّدة (٣)، وبه قال أبو حنيفة (٤). وقال الشّافعيّ (٥): إنّها واجبةٌ، واستدلّ على وجوبها بالآية، قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٦) وهو أمرٌ، والأمرُ على الوجوب. واستدل أيضًا بحديث جبريل، وهو قوله للنّبيِّ ﵇: "أنّ تحجَّ وتعتمرَ وتغتسلَ من الجَنَابَةِ" (٧).

стр. 1928

انتصار لمالك: قلتا: استدلالُ الشّافعىّ بالآية يبطل من وجهين: أحدهما: أنّ معنى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ إنّما يكون الإتمام بعد الشّروع، وإذا شرعَ في عبادة لزمه إتمامها. الوجه الثّاني من وجوه الإبطال: قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١) وقوله ﵇: "بُنِيَ الإِسلامُ على خمسٍ" (٢) ولم يذكر العمرة، والحديث الّذي سأل عنه (٣)، فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: "لا إِلَّا أنّ تَطَّوَّع (٤)، وأنْ تعتمر خير لك" (٥) وهذا حدّ المندوب، فخرج الأمر عن الوجوب إلى النَّدْب بهذين (٦) الأمرين. فإنِ استدلَّ أيضًا بأنّ النَّبيّ ﷺ داوَمَ على العُمرة. قلنا: اللَّهمّ إنَّ دوامَه عليها كدوامِه على المضمضة والاستنثار مع الوضوء. المسألة الثّانية: فإن قيل: فإذا كانت عندكم سُنَّة، لزمكم الدّوام عليها كحدِّ السُّنَن. وإن (٧) كان معنى السُّنَّة ما رأيتم (٨)، وقد يكون ذلك فَرْضًا، ويكون مندوبًا إليه على طريق علمائنا في تسمية متأكّد المندوب إليه إذا حصل على صفتها بأنّه سنّة (٩) على جهة الاصطلاح، وبقولنا قال أبو حنيفة أنّ العمرة ليست بواجبة (١٠).

стр. 1929

وقال ابنُ حبيب وابنُ الجَهْم (١): هي فرضٌ، وهما على مذهب الشَّافعىّ في هذه المسألة. حديث مالك (٢)، عن سُمَىّ مَوْلَى أبي بكر بن عبد الرّحمن؛ أنّه سمع أبا بكر بن عبد الرّحمن (٣) يقول: جاءتِ امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنِّي كنت تجهزْتُ للحج، فاعترض لي أمرٌ؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "اعْتَمِرِي في رمضانَ، فإنَّ عمرةَ رمضان كحَجةٍ". الإسناد (٤): هذا الحديثُ مُرسَلٌ في "الموطَّأ"، إِلَّا أنّه قد صحّ أنّ أبا بكر سمعه من تلك المرأة، فصار بذلك (٥) مُسْنَدًا. وهذه المرأة اختلف فيها: فقيل: إنها أمّ معقل. وقيل: هي أم الهيثم. وقيل: هي أم سنان، وهي جدَّة عبد الله بن سلام. والأشهر عند جماعة المحدِّثِين (٦) أنّها أمّ معقل (٧). الفقه والفوائد: وهما فائدتان: الأولى (٨): فيه من الفقه: تطوُّع النِّساء بالحجِّ إذا كان معهنّ ذو مَحْرَمٍ أو زوجٍ، أو كانت

стр. 1930

المرأة في جماعة نساء يعين بعضهنّ بعضًا، يعني: لا ينضمّ الرّجال إليهنّ عند النّزول والرّكوب وكانت الطّرق مأمونة. الفائدةُ الثّانية: فيه من الفقه: أنّ بعض الأعمال أفضل من بعض، وأن الشّهور بعضها أفضل من بعض (١)، لقوله:، "عمرةٌ في رمضان تعدّ حَجَّة" وهذا لا يكون إِلَّا بالبرّ. وقد اختلف النَّاس في قوله: "الحَجّ المبرور" على أقوال (٢): قيل: المُتَّصِل. الثّاني - قيل: الّذي لا رياءَ فيه ولا سمعة ولا رَفَثَ ولا فسوقَ (٣)، مع الصِّيانة من سار المعاص. الثّالث - قال أهل الإشارة: "الحجّ المبرور" هو الّذي لم تعقبه معصية. والأوّل أرفق بالخَلقِ وأظهر عند العلّماء (٤). وكذلك قال أبو ذَرٍّ (٥) للرَّجل الّذي مرّ عليه وهو يريد الحجّ: "استأنف (٦) العَمَلَ" إشارة إلى أنّ ذنوبه قد حطّت، فصار كيوم ولدته أمه، يستأنف العمل كما يستأنف في أوّل أوقات التّكليف. والعُمرة في الحجِّ كالتّكفير، ولكنّه يحتمل أنّ يريد أنّها كفارة ما لم يغش الكبائر، وأمّا الحاجّ فليس بينه وبين الجنَّة حجاب. نكتةٌ لغوية: قوله: "العُمرَةُ إلى العمرة" والعمرة الزيارة، مأخوذ من اعتمر، أي زار (٧)، يقال: اعتمر فلان وجاء فلان معتمرًا أي زائرًا. أي يأتي من أجل تلك الزيارة، ومن ذلك سمي البيت المعمور، لكثرة (٨) زيارة الملائكة له.

стр. 1931

باب نكاحُ المُحْرِم مالك (١)، عن رَبِيعَة بن أبي عبد الرّحمن، عن سليمان بن يَسَارٍ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ بعثَ أبا رَافِعِ مولاه، وَرَجُلًا من الأنصار، فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ بنتَ الحَارِثِ ورسولُ الله ﷺ بالمدينةِ قبلَ أنّ يَخْرُجَ. الإسناد: قال الإمام: هذا الحديث مُرْسَلٌ من مراسيل ابن يسار، وهو (٢) حديثٌ غير متَّصل، وقد رواه مَطَر الورّاق فَوَصَلَهُ، ورواه حمّاد بن زَيْد عن مطر، عن ربيعة، عن سليمان بن يَسَار، عن أبي رافع؛ أنّ رسول الله ﷺ تزوّج مَيْمُونة وهو حَلَالٌ، وبَنَى بها وهي حَلَالٌ، وكنت الرَّسولَ بينهما (٣). والأحاديث في هذا الباب صِحَاحٌ كثيرة المساق والتعارض. الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٤): قوله: "بَعَثَ أبا رَافِعٍ مَوْلَاهُ" ظاهره جواز الاستنابة في عَقْدِ النِّكاح، وسيأتي ذِكرُه. المسألة الثّانية (٥): قوله: "وَرَسُولُ اللهِ بِالْمَدِينَةِ" يقتضي كونه حلالًا؛ لأنّه لا خلافَ أنَّه لم يحرم إِلَّا بعد خروجه من المدينة، وإنّما قصد إلى الإعلام بذلك، لاختلاف النَّاس في صِحةِ نكاح المُحْرِمِ وإنّما اختلفوا لاختلافهم في نكاح النّبيِّ ﵇، هل كان في حال إحرامه؛ أو قبل أنّ يحرم؟

стр. 1932

فرُوِيَ عن أبي رافع ما تَقَدَّمَ. ورُوِيَ عن ابن عبّاس؛ أنّ رسول الله ﷺ تزوّج ميمونة وهو مُحْرِمٌ، والّذي رَوَى أبو رافع أَوْلَى؛ لأنّه باشَرَ القَضِيِّةَ وهو أعلم بها ممّن لم يباشرها. وكذلك رُوِيَ عن ميمونة: تزوّجني رسول الله ﷺ ونحن حَلَالَانِ بِسَرِف (١)، وهي أعلم بحالها وحال النَّبيِّ ﷺ ، لاسيّما وقد ذكرت موضع العَقْد، وقد أنكرت هذه الرِّواية على ابن عبّاس، فقال ابن المُسِّيب: وَهِمَ ابن عبّاس في تزويج النّبيّ ﷺ وهو مُحْرِم، على أنّه يمكن الجمع بينهما من وجهين: أحدهما: أنّ يكون ابن عبّاس أخذ في ذلك بمذهب أنّ من قَلّد هَدْيَه فقد صار مُحْرِمًا بالتّقليد، فلعلّه علم بنكاح النَّبيِّ ﷺ بعد أنّ قلّد هديه وقبل أنّ يخرج. الوجه الثّاني: أنّ يكون أراد بمُحْرِم في الأشهر الحُرُم. المسألة الثّالثة: وقال قوم: حديث ابن عبّاس صحيحٌ من جهة النَّقْل؛ لأنّ الواحد أقرب إلى الغَلَطِ من الجماعة، وأقلّ أحوال الخبر في نكاح ميمونة أنّ يكونا تعارضا، فسقط الاحتجاج بهما لكلِّ طائفتين، وبطلت الحُجَّة من غير قِصّة ميمونة. فإذا كان ذلك فإنّ عثمان رَوَى عن النّبىّ ﵇ أنّه نَهَى عن نكاح المُحْرِمِ وقال: "لَا ينكحْ الْمُحرِم وَلَا ينكح" ولا معارض له؛ لأنّ حديث ابن عبّاس قد عارَضَهُ بغيره. ذكر ابن أبي شيبة عن يزيد بن الاصم قال: حدَّثَتْنِي ميمونة بنت الحارث ان رسول الله ﷺ تزوّجها وهو حلال (٢). وقال: بذلك كانت خالتي وخالة ابن عبّاس. قال الإمام: وقد حمل قوم حديث يزيد بن الاصم مُرْسَلًا بظاهر رواية الزُّهريّ، وليس كما ظنّوا؛ لأنّ رواية الزّهريّ مُحتملة للتأويل. فإذا ثبت هذا، فقد اختلف الفقهاء في نكاح المحرم وهي: المسألة الرّابعة (٣): فقال مالك والشّافعيَّ واللّيث والأوزاعي: لا ينكح المحرم ولا ينكح، فإن فعل

стр. 1933

فالنّكاح باطلٌ، وهو قول عمر وعليّ وابن عمر وزيد بن ثابت. وقال أبو حنيفة: لا بأس أنّ ينكح المحرم، وهو قول القاسم بن محمّد والنَّخَعي. وكذلك هو المشهور من مذهب أبي حنيفة أنّه يعقد المحرم النّكاح لنفسه ولغيره (١)، وبه قال الثّوريّ وابن عبّاس. ودليلنا: قوله: "لَا ينكح المُحرِمُ وَلَا ينكح وَلَا يخطب". ومن جهة القياس: أنَ عقد النِّكاح معنى تصير به المرأة فِراشًا، فوجبَ أنّ يكون محظورًا على المُحرِمِ كَوَطئِهِ الأَمَة. ودليل آخر: وذلك أنّ هذه عبادة تمنع الوطء والطِّيب، فوجب أنّ تمنع عقد النّكاح كالعدّة. المسألة الخامسة (٢): قوله: "وَلَا يَخطب" يحتمل أنّ يريد به السعي في النكاح. ويحتمل أنّ يريد به الخطبة حال النِّكاح. فأمّا السعي، فإنّه ممنوع فإنْ سَعَى فيه وتناول العقد سواه، أو سَعَى فيه لنفسه، أو أكمل العقد بعد التَّحَلُّلِ. قال أبو الوليد: لم أر فيه نصًّا، وعندي أنّه قد أساء والنكاح لا يفسخ، ومن حضر العقد فقد أساء. وقال أشهب لا شيء عليه (٣). المسألة السّادسة (٤): وعَقْدُ النِّكاح ممنوع حتّى يحلّ بالإفاضة، فإنْ تزوّج قبل الإفاضة وبعد الرّمي فسخ نكاحه، ورواه محمّد عن ابن القاسم وأشهب. والدّليل على ذلك: قوله ﵇: "لَا ينكح الْمُحْرِمُ" وما لم يتحلّل التَّحلُّل التّامّ، فاسم الإحرام يتناوله.

стр. 1934

وجه ذلك: أنّ حُكمَ إحرامه باقٍ في باب الاستمتاع، فوجبَ أنّ يكون ممنوعًا من عَقْدِ النِّكاح، أصله قبل الرَّمْي. المسألة السابعة (١): أكثرَ مالك من إدخال الآثار في هذه المسألة؛ لأنّ المُخَالِفَ فيها ابن عبّاس، وهو من فقهاء الصّحابة، فأظهر من قُوَّة الخلاف عليه من الصَّحابة والتّابعين والحكم من الأيمَّة بخلافه، وأنّ هذه المسألة ممّا تَهَمَّمَ بها النَّاس في زَمَانِ الصَّحابة والتّابعين، وخاضوا فيها، والجمهورُ على ما ذهب إليه مالك. المسألة الثّامنة (٢): قوله في المحرم "إنّه يراجع امرأته إنَّ شاء" هو كما قال، إنّه إذا طلّق امرأته طلقة رجعية فإنّ له مراجعتها ما كانت له الرجعة عليها لبقاء عدّتها، خلافًا لما يروى عن ابن حنبل من منعه الرجعة. والدليل على ما نقوله: أَنَّ الرجعة ليست بنكاح وإنّما هي إصلاح باستتمام النِّكاح: ككفارة الظهار. باب حِجَامة المُحْرِم مالك (٣)، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار؛ أنّ رسولَ الله ﷺ احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ، فَوْقَ رَأسِهِ، وهو يَوْمَئِذٍ بِلَحْيَي جَمَلٍ، مكانٌ بطريق مكّةَ. الإسناد (٤): حديث يحيى بن سعيد مُرْسَلٌ، ولكنّه يتَصِلُ من وجوهٍ صحَاحٍ من حديثِ ابْنِ عباسٍ وجابر وأنس، كلُّهم يَرْوُونَه عنِ النَّبيِّ ﷺ أنّه احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ، وبعضُهم يروي: "وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ" وأكثرهم يقول: مِنْ أَذًى كان برأسه. وذكر

стр. 1935

النّسائي (١)؛ أنّه ﷺ احتَجَمَ وَسَطَ رَأسهِ وهو مُحْرِمٌ، وهو حديثٌ مَدَنِيٌّ لَفْظُهُ لفظ حديث مالك. وذكر أبو داود (٢) بإسناده عن عِكْرِمَة، عن ابن عبّاس؛ أنّ رسولَ الله ﷺ احْتَجَمَ في رَأْسِهِ من أَذًى كانَ بِهِ. الفقه في أربع مسائل: الأولى (٣): قوله: "احْتَجَمَ فَوْقَ رَأْسِهِ" بيان لموضع الحِجَامَة؛ لأنّها تختلف باختلاف مواضعها، وهي أشدَّ في الرّأس، لما يحتاج إليه من حَلْقِ شعر موضعها، وربّما قتل شيئًا من الدّوابِّ، إلّا أنّ ذلك كله مباحٌ مع الحاجة إليه. وروي عنه أنّه احتجم من شيءٍ كان به على قَدَمِهِ. المسألة الثّانية (٤): قال علماؤنا (٥): والحجامةُ على ضربين: أحدهما: يحلق لها. وضرب: لا يحتاج إلى حَلْق شعر. فأمّا إذا كانت في موضع فيه شعر، فعليه الفِدْيَةِ لإماطَةِ الأَذَى بحلق الشعر. والأصل في جواز ذلك: الحديث أنّه احتجم فوق رأسه، وهذا نصٌّ. والأصل في وجوب الفِدْيَة عليه قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية (٦). المسألة الثّالئة (٧): فإن كانت الحِجَامَةُ في غير رأس، فاحتاج إلى حلق شعر لها أو نتفه من جسده

стр. 1936

لغير حجامة، فعليه الفدية. ورَوَى أحمد بن المُعَذَّل (١)، عن عبد الملك في "المبسوط" أنّ شَعْرَ الرَّأْسِ والجِلد سواءٌ، وبهذا قال أبو حنيفة (٢)، والشّافعىّ. وقال أهلِّ الظّاهر (٣): لا فِديَةَ عليه إِلَّا أنّ يحلق شعر رأسه. والدّليل على ما نقوله: أنّ الحِجَامَة إنّما كرهت للمحرم للرَّفاهية، وأمّا للضّرورة فلا بَأسَ بها. ومن حلق ذلك واحْتَجَمَ نَاسِيًا أو جاهلًا، ففي "كتاب محمّد" أنّ عليه الفِدْيَة، وذلك أنّه أسقط أَذًى، وكل ما فيه إسقاط الاْذى فعليه الفِدْيَة. المسألة الرّابعة (٤): قوله: "وَلَا يَحْتَجِمُ إِلَّا مِنْ ضَرُورةٍ" ليس له فعل ذلك على العادة من الاحتجام لغير مَرَضٍ. فإذا خافَ تجدُّدَ مرض أو زيادته دوامة، ورَجَا في الحِجَامَةِ رفع ما يخاف، فإنّها له مباحة، على حسب ما تقدّم من وجوب الفِدْيَة. وقد قال سحنون: لا بَاس أنّ يَحْتَجِمَ ما أراد، ما لم يحلق شعرًا، ولا يحتجم في رأسه. قال ابنُ حبيب: أكره الحِجَامَة للمُحْرِمِ إِلَّا للضّرورة، ولا فِدْيَةَ في ذلك ما لم يحلق لها شَعْرًا، والحمد لله على ذلك (٥). كمل السَّفر الثّاني من كتاب المسالك في شرح موطَّأ أبي عبد الله مالك (٦)

стр. 1937

باب (١) ما يجوز للمحرم أكله من الصيد الأحاديث (٢): قال الفقيه القاضي أبو بكر بن العربي ﵁ (٣) -: إنَّ أبا قَتَادَة كان وَجَّهَهُ رسول الله ﷺ على طريق البحر مخافةَ العَدُوِّ، فلذا لم يكن مُحرِمًا إذ اجتمع أصحابه؛ لأنّ مخرجهم لم يكن واحدًا، وكان ذلك عام الحُدَيْبِية، أو بعدَهُ بعامٍ عام القضيّة، وكان اصطيادُ أبي قَتَادَة لنفسه لا لأصحابه، واللهُ أعلمُ. الأصول والفقه (٤): قال القاضي ﵁: هذا بابٌ كبيرٌ، وهي مسألةٌ عظيمةٌ اختلفَ العلّماءُ فيها، واضطربَ المذهبُ فيها اضطراباَ كثيرأ على أقوالٍ، أصولُها على ثلاثة: القول الأوّل: يؤكل كلّ صيد إذا لم يكن يتناول صيده المحرّم. الثّاني: يؤكل ما لم يقصده (٥) المحرم معينًا. الثّالث: أنّه لا يؤكل كلّ صيد يُلْقِي (٦) به المحرمونَ مخافةَ أنّ يكون قصده، وفي ذلك نكتةٌ بديعة وهي: أنّ الله تعالى قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٧) والمراد به: لا يَصِيد المُحْرِم بسبب الأكل، ونبّه على تحريم الأكل، فاقتضى ظاهر الآية الامتناع من أكله، واقتضى نصُّها تحريم صيده. وقال النَّبيُّ ﷺ للصَّعبِ بن جَثَّامَةَ وقد أهدى له حمارًا وحشيًّا: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ

стр. 1938

عليكَ، إِلَّا أنَّا حُرُمٌ" (١) فاقتضى ذلك تحريم ما صيد من أجل المحرم، ويحتمل أنّ يكون الحمار حَيًّا، فامتنع النّبيُّ ﷺ من قَبُوله؛ لأنّه لو قبلَهُ كان يلزمه إرساله، فرأى إبقاءه على ملك صاحبه أَوْلَى، والأوَّلُ أظهر في التَّأويل، وحديث أبي قتادة نَصٌّ (٢) في أنّ يأكل المُحْرِم ما لم يصد من أجله، ومَنْ شكَّ في شيء فليدعه "وإنّما هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ" كما قالت عائشة (٣). فإن قيل: إنّما منع اللهُ من الصَّيد في حقِّ المُتَعَمِّد، وأنتم قد جعلتمُ المخطىءَ مثله؟ الجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها إِنَا نقول له: إنّما ذكر اللهُ المتعمِّد لأنّه الأغلب، وأمَّا الخطأ فلا يقع في قتل الصَّيد إِلَّا نادرًا، بل لم نسمعه، وإنّما تُكُلَّمَ في تصوير مسألة فيه. الثَّاني: إنَّ قوله (متعمدًا) حال من القاتل مفعوله (٤) القتل ليس المقتول، وقد بيّنَّا ذلك في "رسالة الملجئة" (٥). الثّالث: إنَّ الأفعال كلّها من ارتكاب المحظور (٦)، وخطؤها وعمدها سواء، فالصّيد مثله. المسألة الثّانية (٧): قوله (٨): "فَأَكَلَ منهُ بَعْضُ أصحابه (٩) وَأَبَى بَعْضُهُم" فدلّ على القول بالرّأي والقياس (١٠)؛ لأنّ كلَّ طائفة قد ذهبت في ذلك إلى معنى ما (١١) دون النَّصِّ (١٢)، فلم

стр. 1939

يعنِّف منهم أحدًا، ولا قال للآكلين: لم قدمتم على الأكل دون نصٍّ، ولا للممتنعين: لم امتنعتم دون نصٍّ، وإنّما قال ﷺ : "إنّما هي طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ" فيحتمل أنّ يريد به رزقًا يسّره اللَّهُ لكم، وفي هذا تصريحٌ بالتّحليل، لا من طريق أنّ الرِّزق إنّما يكون حلالًا (١)، بل قد يكون حلالًا وقد يكون حرامًا، من حيث أقرّهم عليه ولم يمنعهم منه، ولو لم يرد هذا اللفظ لكان مباحًا بقوله: "كُلُوا مَا بَقِيَ مِنْهُ" (٢)، وقال في حديث حسّان (٣): "كلوه حلالًا". المسألة الثّالثة: ولِمَ امتنع من الأكل؟ قيل: لأنّه كان مُحْرِمًا. وقيل: لأنّه صِيدَ من أجله. وقال (٤) أبو حنيفة (٥): يجوز لمن صِيدَ من أجله (٦) أنّ يأكل منه. قلنا: الدّليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية (٧) .. فإن قيل: المرادُ به هو الاصطياد. قلنا- الجواب أنّ نقول: إنَّ الأظْهر هو غير ذلك؛ لأنّه يلزم أنّ يكون البَرُّ هو الصّيد، وذلك (٨) لا يجوز (٩)، ولا بُدَّ فيه من إضمار وهو: "وحرّم عليكم صَيْدُ وَحْشِ البَرِّ ما دمتم حُرُمًا" وحمل الآية على ما قلنا يغني عن (١٠) هذا الإضمار، وهو

стр. 1940

أَوْلَى (١). المسألة الرّابعة (٢): قوله (٣): "وَمَن أَحْرَمَ وَعِنْدَهُ صَيْدٌ" هو كما قال: إنَّ ملك صيدًا قبل إحرامه، فلا يخلو أنّ يُحرم وهو بيده، أو يخلفه في أَهْلِه، فإنْ خَلَّفَهُ ثمّ أَحْرَم وليس معه، فإنّه لا يزولُ ملْكُه عنه وليس عليه إرسالُه، هذا معنى قول مالك (٤): "لا بأسَ أنّ يجعلَهُ في أهله " يريد قبل إحرامه، وبه قال أبو حنيفة (٥). وللشّافعيّ فيه قولان: أحدُهما: مثل قولنا (٦). والثّاني: يزول ملكُه عنه (٧). والدَّليل على بقاء ملكه عليه: أنّ هذه حُرْمَةٌ تمنع (٨) ابتداء الاصطياد، فلم تمنع استدامته كحُرْمَةِ الحرم (٩). المسألة الخامسة (١٠): ومن أحرم وفي يده صَيْدٌ، فأمسكه حتّى حَلَّ، فعليه إرساله، وكذلك لو اشتراه في حال إحرامه. وَرَوَى ابن أبي زيد في "نوادره " (١١) عن عطاء؛ أنّه إذا حلَّ فله

стр. 1941

إمساكه. والذي روى عبد الرزّاق (١) عنه مثل قولنا. ووجه ذلك: أنّ الصّيد في حال الإحرام يمنع الملك ويُنَافِيه، فلم يُرْسِل مِنْ يَدِهِ ما يملكه. المسألة السّادسة (٢): قوله (٣) "في صَيْدِ الحِيتَان" هو كما قال، والأصلُ في ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٤) واسمُ البحر واقعٌ على العَذْب والمالح، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ (٥). المسألة السّابعة (٦): ودوابّ البحر والأنّهار والبِرَك وغيرها، يجوز للمُحْرِم صيدُها، قاله مالك في "المختصر". والسُّلَحْفَاةُ عندي (٧) ممّا يجوز للمُحْرِمِ اصطيادُه على قول مالك أنّها تؤكل بغير ذكاةٍ وهي (٨) تِرْسُ (٩) الماء، وأمّا على قول ابن نافع من أنّها (١٠) لا تؤكل بغير ذكاة، فإنّه لا يجوز (١١) للمحرم اصطيادها (١٢)، وبه قال عطاء فيما يعيش في البَرِّ والبحر، أنّه إنْ قتله محرم، فعليه الجزاء، والسُّلَحْفَاة ممّا يعيش في البَرِّ والبحر. ووجه ذلك في الإباحة للمُحْرِم قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (١٣) ولا

стр. 1942

خلافَ أنّها من صيْد البَحْر؛ لأنّها لا تكون إلّا فيه. وأمّا سلحفاة البَرِّ ففي "المبسوط " (١): لا يصيدُها المُحْرِمُ. ووجه ذلك عندي (٢): أنّه اعتقد (٣) أنّها قد تكون في البَرَاري دون المياه، والأصحّ عندي (٤) أنّها لا تكون إِلَّا في المياه، ولكنّها تخرج منها في كثير من الأوقات. المسألة الثَّامنة (٥): وأمّا الضُّفْدَع، ففي "المبسوط" عن مالك؛ أنّه من صَيْدِ البحر، وفي "كتاب محمّد": لا شيءَ على المُحْرِمِ في قتله. قال أشهب: وقيل يُطعِمُ شيئًا، ولعلّ أشهب قد رَاعَى في هذه الرِّواية قولَ ابنِ نافعِ: لا يؤكل إِلَّا بذكاة. المسألة التّاسعة (٦): وأمّا الطّير -أعني طير الماء- ففي "المبسوط " عن مالك: لا يَصِيدُه المُحْرِمُ. والدّليلُ على صحَّة ذلك: أنّه ممّا لا يُستباح أكلُه إِلَّا بذكاة، فوجب أنّ يكون من صيد البَرِّ كغيره من الطّير. المسألة العاشرة (٧): اختلف العلّماء في الجماعة يشتركون في قتل الصَّيْد. فقال مالك: إذا قتل الصّيد جماعة المُحْرِمين، فعلى كلّ واحدِ جزاءٌ كاملٌ، وبه قال أبو حنيفة (٨).

стр. 1943

قال القاضي: إنّما ذلك قياسًا على الكفّارة في قتل النّفس؛ لأنّهم لا (١) يختلفون في وجوب الكفّارة على كلِّ واحد من القاتِلِينَ المشتركين في قتل النَّفْس خطأ كفّارة كاملة، ومَنْ جعلَهُ (٢) جزاءً واحداً قاسَهُ على الدِّيَةِ. المسألة الحادية عشرة (٣): قال القاضي: وعُمْدَةُ هذا الباب أنّ العلّماء متَّفقون على أنّ قتل المُحْرِم للصَّيد حرامٌ وعليه جزاؤه، وأكلُه عليه حرامٌ، وهم مختلفون فيما صاده الحلال، هل يحلُّ للمُحْرِم أكلُه أم لا، على أربعة أقوال: القول الأوّل: أنّ أكل الصَّيد حرام على المُحْرِمِ بكلِّ حال، على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية (٤)، فلم يخصّ أكلًا من قتلٍ؛ لأنّ (٥) طائفة قالوا: لحم الصّيد مُحَرَّم على المُحْرِمِين على كلّ حال، ولا يجوز للمُحْرِمِ أكل صيد البتَّهً (٦). وكان ابنُ عبّاس يقول: هي مبهمة (٧). وكان عليّ وابن عمر لا يريان أكل الصّيد للمُحْرِم (٨). وقيل: إنَّ ما صَادَهُ الحلالُ جازَ لمن كان حلالًا في حال اصطياده أكله، بنحو ما كان وقت اصطياده مُحْرِمًا أو غير مُحْرِمٍ. الثّالث: أنّ ما صاده المُحْرِمُ لنفسه جاز لغيره من المُحْرِمِين أكلُه، ولم يجز ذلك له وحده. الرّابع: أنّ ما صِيدَ للمُحْرِم لم يجُز له ولا لغيره من المُحْرِمِين أكلُه.

стр. 1944

باب ما لا يجوزُ للمُحْرمِ أَكْلُهُ من الصَّيْدِ حديث الصَّعْب بن جَثَّامَة (١)، لم يَرْوه عن النَّبِىِّ ﷺ إِلَّا ثلاثة أحاديث؛ لأنّ الصَّعْبَ من الثّلاثة الّتي رواها قولُ النَّبىِّ ﷺ : "إنا حُرُمٌ" (٢). الثّاني قوله: "لا حِمَى (٣) إلّا لله ولرسوله" (٤). الثّالث: سأله فقال: يا رسول الله، إنا نجد السنا (٥) من العدوّ وقد قتل الصّبيان، فقال له: "هُمْ من آبائهم" (٦). الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٧): قوله (٨): "أَهْدَى لرسول الله ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا" كذا رواه الزُّهريّ، وهو أثبتُ النَّاس فيه (٩). ويُحْتَمل أنّ يكون إِنّما ردَّهُ النبيُّ ﷺ على أحد أمرين: إمّا أنّه لا يصحّ قَبُوله. وإمّا لأنّه يَلْزَمُه إرسالُه فلا فائدة في قَبُوله. وعلى الوجهين إنَّ من أُهْدِيَ له صيدٌ وهو مُحْرِمٌ فإنّه يجوز له الامتناعُ من قَبوله. وقد قيل (١٠) في "المبسوط" (١١): إنَّ الحمار الّذي أُهْدِيَ لرسول الله ﷺ إنّما ردّه من أجل أنّ الحمار كان حيًّا.

стр. 1945

المسألة الثّانية (١): فمن أهْدِىَ له صَيْدٌ في حال إحرامه فقَبِلَه، لم يكن عليه ردُّه على قياس المذهب؛ لأنّه قد مَلَكَهُ بالقَبُول على قول ابن القصّار، أو قد (٢) خرج عن الواهب وإن لم يدخل في ملك الموهوب له على قول إسماعيل، فليس له أنّ يردَّه على واهبه إنْ كان حلالًا. المسألة الثّالثة (٣): قوله (٤): "إنّما صِيدَ مِنْ أجْلِي "ذهب إلى أنّ الصَّيد إنّما يحرُم على من صِيدَ من أجله دون غيره، وقد خالفه في ذلك علىٌّ، وقد امتنع من أكله وإن كان صِيدَ من أجل عثمان. وفي "المبسوط" عن ابن القاسم قال: وكان مالك لا يأخذ بحديث عثمان، وما رُوِيَ عن عثمان يقتضي صحَّة ذكاته عنده. فإذا صيد من أجله وأكلَه وهو عالم بذلك، فإنّ عليه جزاؤه عند العلّماء أجمع. المسألة الرّابعة (٥): قوله (٦): ومن قتل صَيْداً مملوكًا، وجبَ عليه مع الجزاء لصاحبه القيمة (٧)، وبه قال أبو حنيفة (٨) والشّافعيّ (٩). وقال (١٠): لا جزاءَ عليه وإنّما عليه القيمة (١١). ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ...﴾ الآية (١٢).

стр. 1946

باب أمر الصّيد في الحرم الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (١): اتفق العلّماءُ على أنّ المراد بقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) يعني متلبِّسين بالإحرام، يحكم فيه، ويجب الجزاء. وأمّا إنَّ قتل في الحَرَمِ، فإنّ من علمائنا من قال: ليس مثل الأوّل، ورواه عن مالك، وهو ردّ للعربيّة وحطٌّ (٣) لمرتبة الحرم في الشّريعة؛ فإنّ منزلة الحَرَم كمنزلة الإحرام في وجوب الاحترام. المسألة الثّانية: قال مالك (٤): "كلُّ شيءِ صِيدَ في الحَرَمِ، أو أُرْسِلَ عليه الكلْبُ في الحرم، فَقُتِلَ ذَلِكَ الصَّيْدُ في الْحِلِّ، فإِنَّهُ لَا يَجُوزُ (٥) أَكْلُهُ، وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، جَزَاءُ ذَلِكَ الصَّيد، وَأَمَّا الّذِي يُرْسِلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ في الْحِلِّ فَيَقْتُلُهُ فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَلَيسَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ جَزَاءٌ"، وإنّما اختلفَ في الّذي يُرْسِلُ كلبَه خارج الحَرَم على صَيْدٍ فأخذه في الحَرَمِ، فاتَّفَقُوا على أنّه لا يؤكل، وليس عليه جزاء، إِلَّا أنّ يكون أرسله قريبًا من الحرم، فإن أرسله في الحرم فأخذه في الحلِّ، فإنّه لا يحل أكله وعليه الجزاء. المسألة الثّالثة (٦): فإن قتل الصَّيدَ في الحَرَم حلالٌ أو حرامٌ، فإنْ كان حلالًا، فلا يخلو أنّ يكون الصَّيْد في الحَرَم أو في الحلِّ، فإن كان صيده في الحَرَم فعليه الجزاء، وبه قال أبو

стр. 1947

حنيفة (١) والشّافعىّ (٢). وقال ابنُ القضار (٣): إنّه إجماع من الصّحابة والتّابعين. وقال داود (٤): لا جزاء عليه إنَّ كان حلالًا، تَعَلُقًا بالظّاهر. والدّليل من الآية قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٥) وهو حرام، يقال: أحرمَ فهو مُحْرِمٌ إذا أَتَى الحَرَم وإذا أتى بحَجَّةٍ أو عُمْرَة، يُبَيِّنُ ذلك قول الشّاعر (٦): قتلوا الخليفةَ مُحْرِمًا في داره (٧) ... ودعا فلم ير (٨) مثله مخذولًا يريد أنّه كان في حرم المدينة، ولا خلافَ أنّه لم يكن مُحْرِمًا بحجٍّ ولا عمرة. المسألة الرّابعة (٩): ويحرم (١٠) الاصطياد في حَرَمِ المدينة. وقال أبو حنيفة (١١): ليس بحرام. ورواية ابن القصار (١٢) تقول إنّه مكروهٌ، والأوّل هو المذهب (١٣). ودليلنا قوله ﷺ : "ما بَيْنَ لابَتَيها حَرَامٌ" (١٤).

стр. 1948

المسألة الخامسة (١): فهذا قلنا بتحريم الاصطياد فيه، فهل يجب فيه الجزاء؟ فالمشهور من مذهب مالك أنّه لا جزاء فيه، وقال عبد الوهّاب: إنَّ مقتضى المذهب (٢) أنّ الجزاء واجب فيه، وهو قول ابن أبي ذئب، وقول مالك أَوْلَى (٣) وأظهر؛ لأنّ المدينة لا تتعلّق الكفّارة بشيء من العمل المخصوص بها، فلذلك لم تتعلّق الكفّارة بقتل صيدها، ومكّة تتعلّق الكفّارة والفِدْيَة بالأعمال المختصّة بها، فلذلك تعلّقت الكفّارة بقتل الصَّيد بها، والله أعلم. باب الحُكْم في الصَّيْد قال القاضي: استشهد الإمام (٤) ﵀ بالآية، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية (٥)، والكلام فيها في مآخذ أربعة: المأخذُ الأوّل (٦): قوله تعالي: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾. فجعل القتلَ مُنَافِيًا للتَّذكية خارجًا عن حُكْمِ المذبوح للأكل. وقال علماؤنا: إذا قال الرَّجُل: للَّه علىّ أنّ أقتُلَ وَلَدي فهو عاصٍ، لا شيء عليه. وإذا قال: لله علىّ أنّ أذبحَ ولدي، فإنّه يفديه بشاةٍ. المأخذُ الثّاني (٧): قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ انتِقَامٍ﴾. قال القاضي: هو عامٌّ في كلِّ صيدٍ كان مأكولًا غير مأكولٍ (٨)، بَيْدَ أنّ العلّماء

стр. 1949

اختلفوا في خروج السِّباع عنه. وقال علماؤنا: يجوز للمُحْرِم قتل السِّباع الأربعة المبتدئة بالضرر كالأسد والذِّئب والفهد والنّمر والكلب العَقُور وما في معناها (١)، ومن الطّير كالغُراب والحِدَأَة (٢)، على ما يأتي بيانه في الباب الّذي بعد هذا إنَّ شاء الله. المأخذُ الثّالث (٣): قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٤). وذلك ثلاثة أقسام: متعمّد، ومخطىء، ونَاسٍ. فالمتعمِّدُ: هو القاصدُ إلى الصّيد مع العلّم بالإحرام. والمخطىءُ: هو الّذي يقصد شيئًا فيصيب صيدًا. والنّاسي: هو الّذي يتعمَّدُ الصَّيدَ ولا يذكر إحرامه. واختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأوّل: أنّه يُحْكَم عليه في العَمْد والخطأ والنِّسيان، قاله ابنُ عبّاس (٥)، ويُروى عن عمر وعطاء (٦) والحسن والزّهري (٧). والثّاني: إنَّ قتله متعمِّدًا لفعله (٨) ناسيًا لإحرامه، فأمَّا إذا كان ذاكرًا لإحرامه فقد حلَّ ولا حَجَّ له، ومن أخطأَ فهو الّذي يجزئ. الثّالث: لا شيء على المخطىء والنّاسي، وبه قال الطّبري (٩) وابن حنبل في إحدى روايتيه. واختلفَ الّذين قالوا بعدم الكفّارة في توجيه ذلك على أربعة أقوال:

стр. 1950

الأوّل: ورد القرآن بالعَمْد، وجعل الخطأ تغليظًا (١)، قاله سعيد بن جُبَيْر. الثّاني قوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ خارج عن الغالب، فأُلْحِقَ به النّادر كسائر أصول الشّريعة. الثّالث: قال الزّهري إنّه واجب (٢) -يعني في العَمْدِ- بالقرآن المطلق، وفي الخطأ والنّسيان بالسُّنَّة. الرَّابع: إنّه واجب (٣) بالقياس على قاتل الخطأ، فعليه كفّارة؛ لأنّه أتلف نفسًا (٤)، فتعلّقت بالخطأ ككفّارة (٥) القتل (٦). وقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٧) مثلُ الشّيء حقيقته، وهو شبهه (٨) في الخِلْقَة الظّاهرة، ويكون مثله في المعنى وهو مجاز (٩)، فإذا أطلق المِثْلُ اقتضى بظاهره حَمْله على الشَّبَه الصُّوريّ دون المعنويّ (١٠)، فالواجب هو المِثْل الخِلْقِي، وبه قال الشّافعيّ (١١). وقال أبو حنيفة (١٢): المِثْلُ في القيمة دون الخِلْقَةِ، وقال: وجدنا (١٣) ذلك في ذوات الأمثال في المتلفات (١٤) المثل خِلْقَة؛ لأنّ الطّعام كالطّعام والدّهن كالدّهن.

стр. 1951

المأخذ الرَّابع (١): في قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية (٢). نزلت هذه الآية في غزوة الحُدَيْبِية (٣)، أحرم بعضُ النَّاس مع النَّبيِّ ﷺ وبعضُهم لم يُحْرِم، فكان إذا عرضَ صَيْدٌ اختلفت أحوالهم وأفعالهم، واشتبهت أحكامُه عليهم، فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية بيانًا للحكم. واختلف العلّماء في المخاطب بهذه الآية؟ فقال قوم (٤): هم المحلُّونَ. وقيل: إنّهم هم المحرمون، قاله ابن عبّاس وغيره. وقال قوم: الأصلُ في الصَّيْد التّحريمُ لا الإباحة (٥)، وهذا ينعكس فيقال: الأصل في الصّيد الإباحة والتحريم فرعه على التّرتيب، ولا دليل يرجِّحُ أحد القولين. وقوله: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ (٦) حُكْم الآية بيان لحُكْم صِغَار الصَّيْد وكباره. قال مالك: كلّ شيء (٧) ينالُه الإنسانُ بيده أو رمحه أو بشيء من سلاحه يقتله فهو صَيْد. وقال مالك: يحلّ صيد الذّميّ، وأمّا صيد المجوسيّين فلا يحلّ إجماعًا (٨). الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٩): قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١٠) في المنظر والبدن. فقال مالك وعلماؤنا: المِثْلُ النَّظير من النَّعَمِ.

стр. 1952

وقال أبو حنيفة: المِثْلُ والنّظيرُ القِيمَة. واختلفوا في التّرتيب في كفّارة جزاء الصَّيد. فقال مالك: الإطعامُ أو الصِّيام حَكَما عليه - يعني الحَكَمَيْنِ - بما يختار من ذلك، مُوسِرًا كان أو مَعْسِرًا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف (١). وقال زُفَر (٢): الكفَّارةُ مرتبة يُقوَّمُ (٣) المقتولُ دراهم يشتري بها هَدْيًا، فإنْ لم يبلغ اشترى بها طعامًا، فإنْ لم يجد لا هَدْيً ولا طعامًا ولا قدر على شرائه، فإنّه يصوم بقيمة ذلك، ينظرُ كم تكون تلك الدَّراهم طعامًا، فيصومُ عن كلِّ صاعٍ من بُرٍّ يومين. المسألة الثّانية (٤): اختلفوا في مَوْضِع الإطعام: فذهب مالك إلى أنّ الإطعام في الموضع الّذي أصاب فيه الصَّيد إنَّ كان ثمَّ طعامٌ، وإلّا في أقرب المواضع إليه حيث الطَّعامُ. وقال أبو حنيفة (٥): يُطعِمُ* إنَّ شاء في الحَرَمِ وإنْ شاء في غيره. وقال الشّافعيُّ (٦): لا يُطْعِمُ إِلَّا مساكين مكّة، كما لا ينحرُ الهَدْيَ إِلَّا بمكّة. واختلفوا في مقدار الإطعام والصّيام عنه: فقال مالك: يُطْعِمُ* (٧) كلَّ مسكين مُدًّا، أو يصوم مكان كلّ مُدٍّ يومًا. وهو قول الشّافعيّ (٨) وأهل الحجاز.

стр. 1953

المسألة الثّالثة (١): اختلف العلّماء في المُحْرِمِ يقتُلُ الصَّيد ثمّ يأكل منه: فقال مالك: ليس عليه إِلَّا جزاءٌ واحدٌ. وقال أبو حنيفة (٢): في قتله جزاءٌ كاملٌ، وفي أكله ضمان ما أكل منه، وبه قال الأوزاعيّ. والكلامُ في الصَّيدِ كثير الفروع مشعبٌ جدًّا، وفيما سردناه لكم عليكم كفاية إنَّ شاء الله. باب ما يَقْتُل المُحْرِم من الدّوابِّ مالك (٣)، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْعَقرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالكَلْبُ الْعَقُورُ". الإسناد: قال القاضي: لا خلافَ بين أيِمَّة الحديث في صِحَّتِهِ ومَتْنِهِ (٤)، واختلاف ألفاظه تتقارب وكلّها صِحَاحٌ. قال القاضي: وهذا الحديث مُعْضل من معضلاتِ الأحاديث. الأصول: قوله (٥): "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقتَلْنَ في الْحَرَمِ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ ". قال علماؤنا (٦): يقتضي إباحةُ ذلك على كلِّ وجهٍ إِلَّا ما خَصَّصَهُ الذَّليلُ (٧)

стр. 1954

فكأنّه قال (١): لا إثْمَ عليه في قتلهنّ، فإذا أبيح قتلها فلا معنى للكفّارة والجزاء بقتلها؛ لأنّ الكفّارة لا تستعمل في المباح. وأمّا قوله في بعض الرّوايات (٢): "يُقْتَلْنَ في الحِلِّ وَالْحَرَمِ" فمالك (٣) والشّافعىّ يَرَيَانِ التّحريم يتعلّق بمعاني هذه الخمس دون أسمائها (٤)، وإنّما ذُكرت لينبّه بما (٥) شَرِكَها في العلّة، لكنّهما اختلفا في العلّة ما هي؟ فقال الشّافعيّ: العلّة أنّ (٦) لحومها لا تؤكل، وكذلك كلّ (٧) ما لا يؤكل لحمه من الصّيد مثلها. ورأى مالك ﵀ أنّ العلَّة كونها مضرّة، وأنّه إنّما ذكر الكلب العقور لينبّه به على ما يضرّ بالأبدان على جهة *المواجهة والمغالبة، وذكر العقرب لينبّه بها على ما يضرّ بالأجسام على جهة* (٨) الاختلاس، وكذلك ذكر الحِدَأَة والغُراب لينبّه على ما يضر بالأموال مجاهرة، وذكر الفأر لينبّه على ما يضرّ بالأموال اختفاء (٩). وأمّا "الكلب العقور" فاختلف العلّماء فيه وبالمراد بهذا الكلب؟ فقيل: هو الكلب المألوف. وقيل: المراد به ما يفترس؟ لأنّه يسمّى في اللُّغة كلبًا بعلّة الافتراس. تنبيه (١٠): واختلف الفقهاء في إلحاق غيرها بها، واعجبًا لمن يُلْحِق الحصى بالبرّ (١١) في

стр. 1955

الرِّبا، ولا يُلْحِق التمر والفهد والذِّئب بهذه (١)، وقد نبّه النَّبىّ ﷺ في هذا الحديث على العلّة وهي (٢) الفسق، ولم يتعرّض لعلّة الرِّبا في البُرِّ بتنبيه، ولكنّه فُهِمَ من ذِكْر الأعيان الأربعة التّنبيه على أمثالها، فهاهنا (٣) أَوْلَى، ولا وجه لقول من قال: إنَّ من يبتدىء الإذاية به خلاف من لا يبتدىء؛ *لأنّ من كانت الإذاية في طبعه، فواجب قتله ابتدأ أو لم يبتدىء* (٤) لوجود فسقه الّذي صرّح النّبيّ ﷺ به، ألَّا ترى أنّ الحربىَّ يُقتَلُ ابتداءًا بالقتال لاستعداده (٥) لذلك ووجود سببه فيه، ولا تعجب من أبي حنيفة في هذا، واعْجَبْ من بعض علمائنا حيث يقول: إنَّ صغار ما يُقْتَل، كبارُهُ من هذه الفواسق لا يُقْتَل؛ لأنّها لم تُؤْذِ بَعْدُ (٦)، وكيف تكون الإذابة جبلّته وينتظر به وجودها، وقد قتل الخضر الغلام ولم توجد بعد منه فتنة، فهذا أَوْلَى، وقد قال تعالى في الكفّار ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (٧) فكيف في هذه الفواسق. الفقه في ستة عشرة مسألة: المسألة الأولى (٨): قال علماؤنا في تفسير هذا الحديث (٩): إنَّ كلَّ ما يبتدىء بالضَّرَرِ غالبًا، فإنّ للمُحْرِمِ قتله ابتداءًا، ولا جزاءً عليه. إنَّ الخمس الدواب جامعة لأنواع ذلك وهي: الغراب والحِدَأَة والعقرب والفأرة (١٠) والكلب العقور، وكلّ ما يعدو ويفترس مثل الأسد والنّمر والفَهْد والذِّئب وغيرها يلحق بها، وقد ذكر مالك (١١) الفرق بين الطّير منها والكلب العقور.

стр. 1956

وقال أبو حنيفة (١): يَقتُلُ (٢) ابتداءً الذِّئب والكلب العَقُور والغُراب والحَدأَة ولا جزاء عليه، وكذلك إنَّ قتل أسدًا أو نمرًا وكل ما يعقر النَّاس؛ لأنّ الكلب مأخوذ من التَّكَلُّب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٣) والعَقُور مأخوذ من العَقْر، وقد رُوي عن أبي هريرة -وهو قول أهل اللِّسان (٤) - أنّه قَال (٥) الكلب العَقُور هو الأسد (٦). ودليلنا من جهة القياس: أنّ هذا حيوان يلحق الضَّرَرُ من جهته بالعدوان والافتراس غالبًا، فجاز للمُحْرِمِ أنّ يبتدئه بالقتل، كالذِّئب والكلب العَقُور وغيره. وقال الشّافعيُّ (٧): كلُّ حيوانِ يحرمُ أكلُه فإنّه مباحٌ للمُحْرِمِ قتله، إلّا السَّبع وهو المتولِّد من الذِّئب والضّبع. ودليلنا قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ...﴾ الآية (٨)، والصَّيد اسمٌ واقعٌ على كلِّ مستوحشٍ (٩) سواء كان ممّا يُؤكَل لَحمه أو لا يؤكل. ومن جهة المعنى: أنّ هذا حيوان وحشيّ لا يبتدىء بالضَّرَر غالبًا، فوجب الجزاء على مَنْ قَتَلَه مُحْرِمًا، كالضّبع (١٠) والثَّعْلَب. المسألة الثّانية (١١): قوله: "الحِدَأَةُ والعَقْرَبُ " قال ابنُ القصَّار: نَصَّ النَّبيُّ ﷺ عليها، ونَبَّهَ بذلك على ما هو أكثر ضَرَرًا منها، وهذا يحتاج إلى تأصيل (١٢)؛ لأنّه ليس في جنسها ما يبلغ ضررها؛ لأنّ أكثر ضررها ليس بشدّة فيها، وإنّما هو لِكَثْرَتِهِا ودَنُوِّهَا من النَّاس وطلبها

стр. 1957

الغَفْلَة، حتّى لا يمكن الاحتراز منها (١) ولا الانفصال عنها إلّا بقتلها. المسألة الثَّالثة (٢): أمّا الرَّخَمُ (٣) والعِقْبَان والنُّسور، فإنّها نادرةٌ نافرة عن النَّاس، فهذا اتَّفَقَ منها ما يعدوا فهو نادر كسائر الحيوان. المسألة الرَّابعة (٤): أمّا الفأرة، فقد قال ابن القصَّار: إنّه نصّ عليها (٥) ونَبَّهَ على ما هو أقوى منها، وهذا أيضًا من ذلك الباب؛ لأنّ الفأرة ليست تؤذي بقُوَّة، وإنّما تُؤْذي باختلاس، ولا نعلم ما يساويها في جنس إذايتها، فكيف ما يزيد عليها، ونحو ذلك كلامه في العقرب والحيَّة، وكذلك قال في الكلب العقور بأنّه نصّ عليه (٦) ونبه على ما هو أقوى منه (٧). المسألة الخامسة (٨): قال علماؤنا (٩): وإنّما سَمَّاها فواسق لخروجها عمّا عليه سائر الحيوان، بما فيها من الضَّرَر (١٠) الّذي لا يمكن الاحتراز منه، وكذلك الحيّات أيضًا لا يمكن الاحتراز منها. المسألة السّادسة (١١): وأمّا الوزع، فقال مالك (١٢): لا بأس بقتلها في الحرم، ولو تركت لكثرت وغلبت، فجعل مالك أذاها في كثرتها؛ لأنّ لها أذى بإفساد ما تدخل فيه، مع أنّ

стр. 1958

النّبيّ ﷺ سمّاها فويسقة (١)، غير أنّ مالكًا كرّه للمُحْرِم أنّ يقتلها في حلٍّ أو حَرَمٍ (٢)، ومعنى ذلك أنّه لا تكون غالبًا إلّا في البيوت، وحيث يدفع مضرّتها الحلال وقصر مدة الإحرام، والفرق بينها وبين الفأرة أنّها أكثر أذى وأسرع في الفرار والعَدْوِ. قال القاضي (٣): فهذا إنّما هو من مالك على وجه الكراهية؛ لأنّ عائشة قالت: سمّاه النَّبيّ ﷺ "فُوَيْسِقًا" (٤) ولم يسمع أنّه أمر بقتلها أعني الوزغ. وقال مالك: قد سمعت أنّ النّبىّ ﷺ أمر بقتلها (٥)، مجمل ذلك على حال الإحلال، سواء كان في الحرم أو في غيره، لما (٦) قدّمنا من الأدلّة. فإن قتلها المُحْرِمُ، فقد قال مالك: يتصدَّق بشيء مثل شحمة الأرض. ووجه ذلك: أنّه يضعف عن الضَّرَرِ ابتداءًا، ويضعفُ عن الفرار، ولا يوجد إلّا نادرًا، فأشبه سائر الهوام. المسألة السَّابعة (٧): لم يختلف قولُ مالك في الأسد والنّمر والفهد أنّه يجوز للمُحْرِم قتلها، واختلف قوله في الذِّئب، فروى عنه ابنُ عبد الحَكَمِ إباحة ذلك ومنعه (٨). المسألة الثَّامنة (٩): وأمّا قتلُ صغار الأسود والنّمور والفهود، هل يقتل ابتداءًا أم لا؟ فروى البَرْقِيُّ (١٠) عن أشهب جواز ذلك (١١).

стр. 1959

ورَوَى ابنُ الموَّاز عن ابن القاسم وأشهب منع ذلك (١) فإن قتلها فهل يديها أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا فِدْيَةَ عليه. وقال أشهب: عليه الجزاء. المسألة التّاسعة (٢): وأمّا (٣) الضَّبعُ والثَّعلب والهرُّ وما أشبهها، فلا يتقلهنَّ المُحْرِمُ، فإنّها لا تبدأ بالضَّرَرِ غالبًا، بل تَفِرُّ من الإنسان إذا رأته، وكان عطاء يقول: إنَّ الهرَّ الوحشيَّ سَبُعٌ وإنّه يجوز للمُحْرِمِ أنّ يبدأه بالقتل (٤)، وما قلناه بيِّنٌ والحمدُ لله. المسألة العاشرة (٥): روى محمّد (٦) عن مالك؛ أنّه لا يقتُلُ المحرِمُ قِرْدًا. وقال ابنُ القاسم: لا يقتل أيضًا خنزيرًا وحشيًا ولا إنسيًا، ولا خنزيرَ الماء (٧). وقال ابنُ حبيب: لا يقتلُ الدُّبّ (٨) وشبهه من السِّباع الّتي لا تؤذي - يريد أنّها لا تبدأ بالضَّرَرِ-، فإن قَتْلَهُ وَدَاهُم (٩)، وأراه يريد من هذه السِّباع الّتي لا تبدأ غالبًا بالضَّرَر، فقد روى محمّد عن مالك فيمن قتل قِرْدًا أنّ عليه جزاؤه. وروى ابنُ القاسم فيمن قتل خنزيرًا وحشيًا أو إنسيًا أو خنزيرًا الماء أنّ عليه جزاؤه. وقال ابنُ حبيب فيمن قتل دُبًّا (١٠): عليه جزاؤُهُ.

стр. 1960

المسألة الحادية عشرة (١): قوله (٢): "وما أَضَرَ مِنَ الطَّيْرِ فإنّه لا يجوز للمُحْرِمِ قَتْله" هو كما قال، لا يُقتَلُ ابتداءً من الطّير إلّا الغراب والحِدَأَة؛ لأنَّ المنع عام في الطّير وسائر الحيوان، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣) ثمّ خَصَّ النَّبيُّ ﷺ من الجملة الغُرابَ والحِدَأةَ، فبقيَ باقيها على الحَظْر. وأيضًا: فإنّا قد بيَّنَّا أنّ مضرَّتَهُما الّتي أباحت قتلهما ابتداءً لا يشاركهما فيها شيء من الطّير، فوجب ألّا يشاركهما في إباحة القتل. المسألة الثّانية عشر (٤): اختلف قول مالك في إباحة قتلهما ابتداءًا، فالظّاهر من مذهبه ما ثبت في "موطّئه" جواز ذلك (٥)، وقد رَوَى عنه أشهبُ منعَ ذلك للمُحْرِمِ في الحَرَمِ (٦)، وهذا (٧) موافقٌ للحديث. المسألة (٨) الثّالثة عشر (٩): وأمّا صغارُ الغِرْبان والحِدَاء (١٠) فقد قال ابن القاسم يُوديها إنَّ قَتَلَها إنَّ كانت صغارًا لا حركةَ لها، ولم يرو فيها (١١) خلافًا. فلا خلافَ في المذهب أنّه لا يجوز قتلها (١٢) ابتداءً، ومن قَتَلَها فعليه الفِدْيَة،

стр. 1961

وإن ابتدأت بالضَّرَرِ فلا جزاء على قالتها على المشهور من المذهب، فيمن عَدَا عليه شيءٌ من سباع الطّير وغيرها من الوحش. وقال أشهب: عليه الفِدْيَةُ في الطَّير وأن ابتدأت بالضَّرَر. وقال أَصْبَغُ: مَنْ عدا عليه شيءٌ منها فقتله وداه بشاة. وقال ابن حبيب: هو مِنْ أَصْبَغَ غَلَطٌ. واحتج ابنُ القاسم في "المبسوط " بأنّ الإنسان أعظمُ حُرْمةَ من الصّيد، فإذا قتلَه الإنسانُ دفعًا عن نفسه فلا شيءَ عليه. المسألة الرّابعة عشر: فإنْ قتل حمام الحرم ابتداءً وهو جاهل أو عالم، فعليه الجزاء في المذهب (١). المسألة الخامسة عشر (٢): اختلف العلماء في الزُّنبور (٣)، فَشَبَّهَهُ بعضُهم بالحيّة والعقرب، وقال (٤): ولولا (٥) أنّ الزّنبور لا يعتدي (٦)، لكان أغلظ على النَّاس من الحيّة والعقرب؛ لأنّه إنّما يُخْشَى إذا أُوذي، قال (٧): فإن عرضَ الزُّنبور للإنسان فدفعه على نفسه، لم يكن عليه فيه شيءٌ. المسألة السَّادسة عشر (٨): وأمّا "الغراب" فقال (٩): لا يقتل من الغِرْبان إِلَّا الأبقع خاصّة، واحتجوا بما ذَكَرَهُ النّسائي (١٠)، عن عائشة، عن النَّبيُّ ﷺ قال: "خَمْسٌ يقتلن في الحل والحرم:

стр. 1962

الحيَّةُ، والفأرةُ، والحِدَأَةُ، والغُرابُ الأبقعُ، والكلب العقور". قال القاضي: وهذه مسألة ما رأيتُ من فهم عنها في الغراب الأبقع، فقيل (١): الغراب الأبقع من الغربان الّذي في بطنه وظهره بياضٌ، وكذلك الكلبُ الأبقعُ أيضًا، وأمّا الغرابُ الأدْرَعُ فهو الأسود، والغراب الأعصمُ هو الأبيض الرِّجلين، وقيل: الأحمر الرِّجْلين، وقيل للرَّجُل: أعصم (٢). باب ما يجوزُ للمُحْرِمِ أنّ يَفْعَلَهُ قال القاضي ﵁: الّذي يتعلّق بهذا الباب من الفقه إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى (٣): قال ابنُ عبَّاس: لا بأس أنّ يقتلَ المُحْرِمُ البراغيث. ولا خلاف بين العلماء في أنّ المُحْرِمَ يحكُّ جسدَه ويحكّ رأسه حَكًّا رفيقًا، لئلّا يقتلَ قملةً أو يقطعَ شَعْرةً، وقد أرخص بعض العلماء في الشَّعرة والشَّعرتين؛ لأنّه ليس في الشَّعرتين شيء. وقال الشَّافعىّ (٤): إِنْ قطَعَ المُحْرِمُ مِن شَعْر رأسه أو جَسَدِه ثلاث شعرات فعليه فدية (٥)، وإنْ نتف شعرة فعليه مُدٌّ، وفي الشَّعْرتين مُدّان، وسيأتي بيانُه إنَّ شاء الله. الحديث الأوّل (٦): قال في حَدِيثِ رَبيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهُدَيْرِ؛ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يُقَرِّدُ بَعِيرًا لَهُ بِالسُّقْيَا وَهُوَ مُحْرِمٌ.

стр. 1963

عربيّة: القُرْدَانُ: من دوابِّ الإبل (١)، كالقمل الّتي هي من دواب بني آدم، وفيه الجمع والإفراد، قُرَادٌ وقِرْدان، كعار وعِرْيَان. والحديث الثَّاني (٢): قوله: "وأَحَبُّ ما سمعتُ إِليَّ قول ابن عمر؛ أنّه كان يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً أَوْ قُرَادًا عَنْ بَعِيرِهِ. وقيل: أراد أنّ ينزع القُراد عن بعيره بالطِّين، والعرب تفعل ذلك؛ لأنّ ذلك أخفّ عليها من خروج القُراد من البعير. والحَلَمَةُ: القُرَادُ (٣)، والحلمتان: القردان، وَاحدُها حَلَمَة. و"السُّقْيَا" (٤) موضعٌ. الفقه في إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى (٥): قوله (٦): "يُقَرِّدُ بَعِيرًا" يريد: يزيل عنه القُرَاد في حال إحرامه، وقد اختلف في ذلك، فأجازه عُمَر وابن عبّاس، وبه قال أبو حنيفة (٧) والشّافعيّ (٨)، وكرهه ابن المسيَّب وابن عمر، وبه قال مالك. والأصلُ في ذلك: منعُ قتلِ القُمَّلِ، فنقول: إِنَّ هذا حيوان يتولّد في جَسَدِهِ حيوان من غير جِنْسِهِ ولا يختصُّ به، فلم يكن للمُحْرِمِ طرحه (٩)، كالقُمَّلِ من جَسَدِ الإنسان.

стр. 1964

المسألة الثَّانية (١): وهذا حُكْمُ جميع الحيوان (٢)، لا يجوز للمُحْرِمِ قتله إِلَّا ما تقدّم ذِكْرُهُ. والدّليل على ذلك: قوله ﷺ لكَعْبِ بن عُجْرَةَ: "أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " (٣) ثمّ أباح له إزالتها على أنّ يفتدي، فدلّ (٤) ذلك على المنع من إزالة ما يقع عليه هذا الاسم من أذى. المسألة الثَّالثة (٥): فإِذا ثبت هذا، فالهوامُّ على ضربين: ضربٌ منه يخْتصُّ بالأجسام، كالقُرَادِ باجسام الدّواب، والقُمَّلِ في أجسام بني آدم. وضربٌ لا يخْتصُّ بذلك، كالنّمل والذِّرِّ (٦) والبراغيث والبعوض (٧). فأمّا ما كان من ذلك من دوابِّ الجَسَد، فلا يقتلُه المُحْرِمُ ولا يزيلُه عن جَسَدِه المختصِّ به، إِلَّا لكثرته إذا ظهر (٨)، فيُميطُه عنه، وهل يكون عليه فِدْيَةٌ أم لا؟ فالمشهور من قول مالك أنّ عليه فِدْيَة إذا أصاب الكثير منه، وإن أصاب اليسير منه، فليطعم شيئًا من الطّعام (٩). وقال ابن القاسم في القليل والكثير من ذلك الإطعامُ. المسألة الرَّابعة (١٠): وهل يجري ذلك مجرى الصَّيد، أو مجرى إلقاء التَّفَثِ؟ فهذا لم أر فيه نصًّا لعلّمائنا، وعندي (١١) أنّه يحتمل الوجهين، أمّا مشابهتُه بقتل الصّيد، فإنّه يَحْرُمُ عليه

стр. 1965

قتلُه في غير (١) الجسم المختصّ به، فلا يجوز له أنّ يقتل قملة يجدها ساقطة في الأرض، كما لا يجوز له أنّ يتلف (٢) شَعْرًا في الأرض، لمّا كان من (٣) إلقاء التَّفَثِ، فلو كان قتل القُمَّلِ من باب إلقاء التَّفَثِ خاصّة، لجاز أنّ يقتلَه على غير جَسَدِه. المسألة الخامسة (٤): وأمّا ما ليس من دوابِّ الجَسَدِ، كالبقّ والذَّرِّ والنّمل، فإنّه يجوز للإنسان طرحُه عن جَسَدِه. ويطرح عن بعيره العَلَقَ (٥) وسائر الحيوان، إِلَّا ما كان من دوابّ جَسَده، ولا يقتل شيئًا من ذلك، فإنْ قَتَلَهُ، فقد قال مالك: يُطْعِم، وقال مرَّة: أحَبُّ إليَّ أنّ يُطعِم. وإن ابتدأ الإنسانَ شيءٌ من ذلك بالضَّرَرِ فقتلَهُ، فقال مالك في مُحْرِمِ لذعته ذَرَّةٌ فقتلَها وهو لا يشعر: أرى أنّ يُطْعِمَ شيئًا، وكذلك النَّمْلة. ووجه ذلك: أنّ ضررها يسيرٌ، وطرحُها يقومُ مقامَ قتلها في دفع أذاها. المسألة السّادسية (٦): قوله (٧):" فَلْيَحْكُكْ وَلَا يَشْدُدْ" (٨) تريد أنّ ذلك لا يُتَّقَى منه شيءٌ من قتل القُمَّلِ ولا نتف الشَّعر. وما لم يخف منه على المُحْرِم إتيانُ شيءٍ من المحظور عليه فهو مباح، وقد قال مالك: لا بأس أنّ يحكّ المُحْرِمُ سائر (٩) جَسَدِه وقروحه.
следующие страницы →