← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وإن ابتدأت بالضَّرَرِ فلا جزاء على قالتها على المشهور من المذهب، فيمن عَدَا عليه شيءٌ من سباع الطّير وغيرها من الوحش. وقال أشهب: عليه الفِدْيَةُ في الطَّير وأن ابتدأت بالضَّرَر. وقال أَصْبَغُ: مَنْ عدا عليه شيءٌ منها فقتله وداه بشاة. وقال ابن حبيب: هو مِنْ أَصْبَغَ غَلَطٌ. واحتج ابنُ القاسم في "المبسوط " بأنّ الإنسان أعظمُ حُرْمةَ من الصّيد، فإذا قتلَه الإنسانُ دفعًا عن نفسه فلا شيءَ عليه. المسألة الرّابعة عشر: فإنْ قتل حمام الحرم ابتداءً وهو جاهل أو عالم، فعليه الجزاء في المذهب (١). المسألة الخامسة عشر (٢): اختلف العلماء في الزُّنبور (٣)، فَشَبَّهَهُ بعضُهم بالحيّة والعقرب، وقال (٤): ولولا (٥) أنّ الزّنبور لا يعتدي (٦)، لكان أغلظ على النَّاس من الحيّة والعقرب؛ لأنّه إنّما يُخْشَى إذا أُوذي، قال (٧): فإن عرضَ الزُّنبور للإنسان فدفعه على نفسه، لم يكن عليه فيه شيءٌ. المسألة السَّادسة عشر (٨): وأمّا "الغراب" فقال (٩): لا يقتل من الغِرْبان إِلَّا الأبقع خاصّة، واحتجوا بما ذَكَرَهُ النّسائي (١٠)، عن عائشة، عن النَّبيُّ ﷺ قال: "خَمْسٌ يقتلن في الحل والحرم:

стр. 1962

الحيَّةُ، والفأرةُ، والحِدَأَةُ، والغُرابُ الأبقعُ، والكلب العقور". قال القاضي: وهذه مسألة ما رأيتُ من فهم عنها في الغراب الأبقع، فقيل (١): الغراب الأبقع من الغربان الّذي في بطنه وظهره بياضٌ، وكذلك الكلبُ الأبقعُ أيضًا، وأمّا الغرابُ الأدْرَعُ فهو الأسود، والغراب الأعصمُ هو الأبيض الرِّجلين، وقيل: الأحمر الرِّجْلين، وقيل للرَّجُل: أعصم (٢). باب ما يجوزُ للمُحْرِمِ أنّ يَفْعَلَهُ قال القاضي ﵁: الّذي يتعلّق بهذا الباب من الفقه إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى (٣): قال ابنُ عبَّاس: لا بأس أنّ يقتلَ المُحْرِمُ البراغيث. ولا خلاف بين العلماء في أنّ المُحْرِمَ يحكُّ جسدَه ويحكّ رأسه حَكًّا رفيقًا، لئلّا يقتلَ قملةً أو يقطعَ شَعْرةً، وقد أرخص بعض العلماء في الشَّعرة والشَّعرتين؛ لأنّه ليس في الشَّعرتين شيء. وقال الشَّافعىّ (٤): إِنْ قطَعَ المُحْرِمُ مِن شَعْر رأسه أو جَسَدِه ثلاث شعرات فعليه فدية (٥)، وإنْ نتف شعرة فعليه مُدٌّ، وفي الشَّعْرتين مُدّان، وسيأتي بيانُه إنَّ شاء الله. الحديث الأوّل (٦): قال في حَدِيثِ رَبيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهُدَيْرِ؛ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يُقَرِّدُ بَعِيرًا لَهُ بِالسُّقْيَا وَهُوَ مُحْرِمٌ.

стр. 1963

عربيّة: القُرْدَانُ: من دوابِّ الإبل (١)، كالقمل الّتي هي من دواب بني آدم، وفيه الجمع والإفراد، قُرَادٌ وقِرْدان، كعار وعِرْيَان. والحديث الثَّاني (٢): قوله: "وأَحَبُّ ما سمعتُ إِليَّ قول ابن عمر؛ أنّه كان يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً أَوْ قُرَادًا عَنْ بَعِيرِهِ. وقيل: أراد أنّ ينزع القُراد عن بعيره بالطِّين، والعرب تفعل ذلك؛ لأنّ ذلك أخفّ عليها من خروج القُراد من البعير. والحَلَمَةُ: القُرَادُ (٣)، والحلمتان: القردان، وَاحدُها حَلَمَة. و"السُّقْيَا" (٤) موضعٌ. الفقه في إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى (٥): قوله (٦): "يُقَرِّدُ بَعِيرًا" يريد: يزيل عنه القُرَاد في حال إحرامه، وقد اختلف في ذلك، فأجازه عُمَر وابن عبّاس، وبه قال أبو حنيفة (٧) والشّافعيّ (٨)، وكرهه ابن المسيَّب وابن عمر، وبه قال مالك. والأصلُ في ذلك: منعُ قتلِ القُمَّلِ، فنقول: إِنَّ هذا حيوان يتولّد في جَسَدِهِ حيوان من غير جِنْسِهِ ولا يختصُّ به، فلم يكن للمُحْرِمِ طرحه (٩)، كالقُمَّلِ من جَسَدِ الإنسان.

стр. 1964

المسألة الثَّانية (١): وهذا حُكْمُ جميع الحيوان (٢)، لا يجوز للمُحْرِمِ قتله إِلَّا ما تقدّم ذِكْرُهُ. والدّليل على ذلك: قوله ﷺ لكَعْبِ بن عُجْرَةَ: "أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " (٣) ثمّ أباح له إزالتها على أنّ يفتدي، فدلّ (٤) ذلك على المنع من إزالة ما يقع عليه هذا الاسم من أذى. المسألة الثَّالثة (٥): فإِذا ثبت هذا، فالهوامُّ على ضربين: ضربٌ منه يخْتصُّ بالأجسام، كالقُرَادِ باجسام الدّواب، والقُمَّلِ في أجسام بني آدم. وضربٌ لا يخْتصُّ بذلك، كالنّمل والذِّرِّ (٦) والبراغيث والبعوض (٧). فأمّا ما كان من ذلك من دوابِّ الجَسَد، فلا يقتلُه المُحْرِمُ ولا يزيلُه عن جَسَدِه المختصِّ به، إِلَّا لكثرته إذا ظهر (٨)، فيُميطُه عنه، وهل يكون عليه فِدْيَةٌ أم لا؟ فالمشهور من قول مالك أنّ عليه فِدْيَة إذا أصاب الكثير منه، وإن أصاب اليسير منه، فليطعم شيئًا من الطّعام (٩). وقال ابن القاسم في القليل والكثير من ذلك الإطعامُ. المسألة الرَّابعة (١٠): وهل يجري ذلك مجرى الصَّيد، أو مجرى إلقاء التَّفَثِ؟ فهذا لم أر فيه نصًّا لعلّمائنا، وعندي (١١) أنّه يحتمل الوجهين، أمّا مشابهتُه بقتل الصّيد، فإنّه يَحْرُمُ عليه

стр. 1965

قتلُه في غير (١) الجسم المختصّ به، فلا يجوز له أنّ يقتل قملة يجدها ساقطة في الأرض، كما لا يجوز له أنّ يتلف (٢) شَعْرًا في الأرض، لمّا كان من (٣) إلقاء التَّفَثِ، فلو كان قتل القُمَّلِ من باب إلقاء التَّفَثِ خاصّة، لجاز أنّ يقتلَه على غير جَسَدِه. المسألة الخامسة (٤): وأمّا ما ليس من دوابِّ الجَسَدِ، كالبقّ والذَّرِّ والنّمل، فإنّه يجوز للإنسان طرحُه عن جَسَدِه. ويطرح عن بعيره العَلَقَ (٥) وسائر الحيوان، إِلَّا ما كان من دوابّ جَسَده، ولا يقتل شيئًا من ذلك، فإنْ قَتَلَهُ، فقد قال مالك: يُطْعِم، وقال مرَّة: أحَبُّ إليَّ أنّ يُطعِم. وإن ابتدأ الإنسانَ شيءٌ من ذلك بالضَّرَرِ فقتلَهُ، فقال مالك في مُحْرِمِ لذعته ذَرَّةٌ فقتلَها وهو لا يشعر: أرى أنّ يُطْعِمَ شيئًا، وكذلك النَّمْلة. ووجه ذلك: أنّ ضررها يسيرٌ، وطرحُها يقومُ مقامَ قتلها في دفع أذاها. المسألة السّادسية (٦): قوله (٧):" فَلْيَحْكُكْ وَلَا يَشْدُدْ" (٨) تريد أنّ ذلك لا يُتَّقَى منه شيءٌ من قتل القُمَّلِ ولا نتف الشَّعر. وما لم يخف منه على المُحْرِم إتيانُ شيءٍ من المحظور عليه فهو مباح، وقد قال مالك: لا بأس أنّ يحكّ المُحْرِمُ سائر (٩) جَسَدِه وقروحه.

стр. 1966

المسألة السّابعة (١): سؤالُه (٢) ابنَ المسيِّب عن ظُفْر له انْكَسَر، فدلّ على أنّه بَقِيَ معلَّقًا يتأذَى به، فأمره بقطعه، وقد رواه ابن وَهْب (٣)؛ أخبرني مالك عن محمّد بن (٤) عبد الله بن أبي مريم قال: انْكَسَرَ ظُفري وأنا مُحْرِمٌ، فتعلَّق فآذانىِ، قال: فذهبت إلى سعيد فسألتُه فقال: اقطَعْهُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ﴾ الآية (٥)، ففعلتُ (٦)، وذلك أنّ قطع الظُّفْر ممنوع للمُحْرِمِ؛ لأنّه من إماطة الأذى وإلقاء التَّفَثِ، فإنْ قطَعَه فذلك على ضربين: أحدهما: أنّ يقطعه لضرورة. والثّاني: أنّ يقطعه لغير ضرورة. فإِنْ قطعه لضرورة (٧) فإنَّ ذلك ينقسم على قسمين: أحدهما: أنّ يقطعه لضرورة مختصَّة بالظّفر. والثّاني: أنّ يقطعه لضرورة غيرِ مختصَّة (٨) بالظُّفْر. فأمَّا الضّرورة المختصَّةُ به، فمثل ما ذكرنا من أنّ ينكسر الظُّفْرُ فيبقى مُعَلَّقًا يتأذى به، فهذا يقطعُه ولا شيء عليه فيه على ما ذكرنا، ولا نعلم فيه خلافًا للمذهب، فإن قطع (٩) أكثره افتدى (١٠). المسألة الثّامنة (١١): وأمّا إنَّ كان الضَّرَرُ من غير سببِ الظُّفْر، مثلُ أنّ يكون بأصابعه قروحٌ فلا يقدِرُ

стр. 1967

على مداواتها إلّا بتقليم الأظفار، فإنّه يُقَلِّمُها ويفتدي، وبه قال مالك. ووجه ذلك: أنّ الضَّرر يُبيحُ (١) له تقليم الأظفار، إِلَّا أنّه لمّا لم يكن الضَّرَرُ من جهة الظُّفْر، لزمته الفِدْيَة. وأمّا إنَّ قَلَّمَها لغير ضرورة، فقد ارتكب المحظور، وتجب عليه بذلك الفِدْيَة، سواءٌ فعلَ ذلك جاهلًا أو عامدًا أو ناسيًا. ووجه ذلك: أنَّه من إماطة الأذى المعتاد وإلقاءِ التَّفَثِ، وذلك محظورٌ على المُحْرِمِ، كحَلْق الرَّأس. المسألة التّاسعة (٢): "أَيَقْطُرُ فِي أُذُنَيْهِ مِنَ الْبَانِ الَّذي لَمْ يُطَيَّبْ" (٣) هو كما قال، وذلك أنّ استعمال الذُّهْن الّذي ليس بمُطَيّب يكون في ثلاثة مواضع. أحدها: أنّ يستعمله في باطن جَسَدِه ممّا لا يظهر، كتقطيره (٤) في الأذن والاستنشاق (٥) به والمضمضة، فإنّ ذلك كلّه جائز للمُحْرِمِ أنّ يفعله، ولا شيء عليه فيه؛ لأنّه بمنزلة أكله إياه. الثّاني: أنّ يستعمله في ظاهر جسده غيرِ باطن يَدَيْه وقدَمَيْه، فهذا ممنوع، فإن فعل ذلك فعليه الفِدْيَةُ عند مالك وأصحابه، قال ابنُ حبيب - وقد رَوَى عنه إباحة ذلك-: وبه أخذ اللّيث (٦). ووجه قول مالك: أنّه (٧) إزالة الشّعثِ؛ لأنّ ممّا يفعله المحلّل كالمتنظّفِ في الحمام. ولو دهَنَ به عضوًا من جسده، وجبت عليه الفِدْيَة، إذا كان ما دهنه من جَسَدِه موضعًا له بالٌ، فإنْ لم يكن إلّا شيئًا يسيرًا، فلا شيء عليه؛ لأنّ إزالة الشَّعث لا تحصل إلّا بذلك.

стр. 1968

المسألة العاشرة (١): فإنْ دهن بطون يَدَيْه أو قدميه لشقوق بهما فلا بأس بذلك، فإنْ فعل ذلك لغير علّة فعليه الفِدْيَة. ووجه ذلك: أنّهما ظاهران ظهور سائر الأعضاء، وإذا لم يقصد بدُهْنِهِما دفع مضرَّةٍ فعليه الفِدْيَة، فإن قصد بذلك دفع المضرّة أو القوّة على العمل فلا فِدْيَة عليه. المسألة الحادية عشر: فإنْ حلق قفاه لموضع الحجامة وهو مُحْرِمٌ، فعليه الفِدْيَة جاهلًا كان أو عالمًا أو ناسيًا (٢). باب الحجّ عمن يحجّ عنه الحديث (٣): وفيه ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى: اجتمعتِ الأُمَّةُ على وجوب الحجِّ. والدّليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ...﴾ الآية (٤). والحجُّ (٥) في اللّغة القصدُ، إِلَّا أنّ الشّرع قد ورد بتخصيص هذه اللّفظة واستعمالها في قَصْدٍ (٦) مخصوصٍ، إلى موضعٍ مخصوصٍ، في وقتٍ مخصوصٍ، على شرائطَ مخصوصةٍ، وإنّما يجب مرَّةً في العمر، ولا خلافَ في ذلك.

стр. 1969

واختلف علماؤنا في وجوبه على الفَوْر أو على التّراخي، فذهب عبد الوهّاب (١) إلى أنّه على الفور، وبه قال أبو حنيفة (٢)، وقال القاضي أبو بكر (٣): هو على التّراخي، وبه قال الشّافعيّ (٤)، وهو الأظهر عندي (٥). وقال بعضُ المغاربة: في هذه المسألة طريقان (٦): أحدهما: أنّ يدلَّ على أنّ الأوامر على التَّرَاخِي. الثّاني: أنّ يدلّ على المسألة نفسها. والدّليلُ على أنّ الأوامر على التّراخي: أنّ لفظة "افْعَل" ليست بمقتضيه للزّمان، إِلَّا بمعنى (٧) أنّ الفعل لا يقع إِلَّا في الزّمان، وذلك كاقتضائها للحال والمكان، ثمّ ثبت (٨) أنّ له أنّ يأتي بالمأمور به (٩) أي مكان شاء وعلى أي حالٍ شاء، فكذلك له أنّ يفعلَه في أيِّ زمان شاء. وظاهرُ قول القاضي أب بكر أنّه يجب إذا غلب على ظنِّه الفَوْت. وقال بعض الشّافعية: إنّه يجوز له التّراخي بشرط السَّلَامة، فإن مات قبل الإتيان به، تبيّن أنّ (١٠) العصيان قد وقع بتأخيره. الثّانية: الاستطاعة، قد بَيَّنَا فيما تقدّم وجوبها من أقوال العلماء.

стр. 1970

الثّالثة (١): قولُه في هذا الحديث (٢): "أَفَأَحُجُّ عَنْهُ" سؤال عن صحَّة النِّيابة فيه، فقال ﷺ : "نَعَمْ" وذلك يقتضي صحَّة النِّيابة في الحجِّ. والعبادات على ثلاثة أَضْرُب: ١ - أحدها: عبادةٌ مختصَّةٌ بالمال، كالزّكاة، فلا خلافَ أنّه تصحّ النِّيابة فيها. ٢ - وعبادةٌ مختصّة بالجَسَد، كالصّلاة والصّوم، لا خلاف أنّه لا تصحّ النِّيابة فيها، ولا خلافَ نعلَمُهُ فيها، إلّا ما رُوِيَ عن داود أنَّه قال: من مات وعليه صومٌ يصومُهُ عنه وَلِيُّهُ (٣). ٣ - وعبادةٌ لها تعلُّق بالمال والبَدَنِ كالجهاد والحجّ، فقد أطلق القاضي أبو محمّد (٤) أنّه تصحّ النِّيابة فيهما، وقد كره (٥) ذلك مالك وقال: لا يحجّ أَحَدٌ عن أحَدٍ، ولا يصلّي أَحَدٌ عن أحَدٍ، ورأى أنّ الصَّدقة عن (٦) الميِّت أفضل من استئجار (٧) من يحجّ عنه، إِلَّا أنّه إنْ أَوْصَى بذلك نُفِّذَتْ وصيَّتُهُ. وقال ابنُ القصّار: لا تصحّ النِّيابةُ، وإنّما للميِّت المحجوج عنه أجرُ نَفَقَتِه إنَّ أوْصَى أنّ يستأجر من ماله على ذلك، وإن تطوّع أحد عنه بذلك فله أجرُ الدّعاء وفضلُه، وهذا وجه انتفاع الميِّت بالحجِّ. والّذي عندي (٨): أنّ المسألة في المذهب على قولين، غير أنَّ القولَ بصحَّة النِّيابة أظهر، فممّا يدلّ (٩) على ذلك: أنّ مالكًا قال فيمن أوصَى أنّ يحجَّ عنه بعد موته: ينفذ (١٠)

стр. 1971

ذلك. وقال مرّة: لا يحجّ عنه صرورةٌ (١)، ولا عبدٌ، ولا مُكَاتَبٌ، ولا معتقٌ بعضُه، ولا مُدَبَّرٌ، ولا أمُّ ولد؛ فلولا أنَّ الحجَّ (٢) على وجه النِّيابة عن المُوصِي، لما (٣) اعتُبِرَت صفة المباشرِ للحجِّ (٤). نكتةٌ أصولية (٥): فإذا ثبت هذا، فعلى أيِّ وجه تكون النّيابة؟ قال عبد الوهّاب (٦): لسنا نعني بصحّة النِّيابة أنّ الفَرْضَ يسقطُ عنه حجّ الغير، وإنّما نريد بذلك التّطوعُ، فذهب إلى أنّه تصحّ النِّيابة في نَفْلِهِ دون فَرْضِهِ. وأمّا إذا قلنا: إنَّ الاستنابة غيرُ مكروهة على ما ذهب إليه ابن حبيب، فَوَجْهُ الحديث (٧) بَيِّنٌ. وإذا قلنا: إنّها مكروهة، فيحتمل أنّ يكون أبوها توفِّي عن وصيّتهن بذلك، وإن لم يكن في الحديث ما يدلّ عليه، إلّا أنّه قد رُوِيَ في حديث موسى بن سَلَمَة عن ابن عبّاس (٨)؛ أنّ السؤال كان عن ميِّت لم يحجّ حجّة الإسلام. باب ما جاء فيمن أُحْصِرَ بعَدُوِّ الأحاديث (٩): حديث (١٠)؛ عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ قال لها: "ألم تَرَيْ أنّ قومَكِ حين

стр. 1972

بَنَوْا الكعبةَ، اقتصروا على قواعد إبراهيم". العربيَّة (١): قال الخليل (٢) وغيره: "حصرتُ الرَّجُلَ حَصْرًا إذا منعته وحبسته"، قال: و" أُحصِر الرَّجلُ (٣) من بلوغ مكّة والمناسِك من مرض (٤) أو نحوه" هكذا قالوا، وجعلوا الأوّل ثلاثيًّا من حصرت، والثّاني رباعيًا من أحصرت في المرض، وعلى هذا خرج قول ابن عبّاس:، لا حَصْرَ إلّا حَصْرَ العَدُوِّ" ولم يقل: لا إحصار إِلَّا إحصار العدوّ. وقال (٥) ابن السّكّيت (٦): أحصر من العَدُوُّ ومن المرض جميعًا، وقالوا: حصر وأحصر بمعنى واحد في المرض والعدوِّ، ومعنى أحصر حبسَ، واحتجّ من قال هذا من الفقهاء بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ...﴾ الآية (٧)، وإنّما نزلت هذه الآية في الحُدَيْبِيَة (٨)، وإنّما كان حصرهم أو إحصارهم يومئذٍ من العدوّ. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة (٩) الأولى (١٠): الإحصار عند علمائنا على ثلاثة أضرب: منها الحصر بعدوٍّ. وبالسّلطان الجائر.

стр. 1973

ومنها بالمرض وشبهه. وأصل الحصر الحبس والمنع. وأمّا قول مالك (١) فيمن حصره العدوّ، أنّه يحلّ من إحرامه، ولا هَدْيَ عليه ولا قضاءَ، إِلَّا أنّه إنْ كان ساقَ هَدْيًا نَحَرَهُ، وقد وافقه الشّافعيُّ (٢)، على أنّه يتحلّل بالموضع الّذي حِيلَ فيه بينه وبين الوصول إلى البيت، وأنّه لا قضاء عليه، إِلَّا أنّ يكون صرورةً فلا يُسقِطُ ذلك فرضَ الحجِّ. واختلف الفقهاء (٣) في موضع نحر رسول الله ﷺ يوم (٤) الحُدَيْبِيَةِ هل كان في الحلِّ أو في الحَرَمِ؟ فكان عطاء يقول (٥): لم ينحر رسول الله ﷺ هَدْيَهُ يوم الحُدَيْبِيَة إِلَّا في الحَرَمِ، وهو قول ابن إسحاق. وقال غيره من أهل السِّيَر والمغازي: لم ينحر رسول الله ﷺ هَدْيَهُ يوم الحُدَيْبيَة إلّا في الحلِّ، وهو قول الشّافعيّ (٦)، واحتج بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية (٧)، وهي المسألة الثَّانية. المسألة الثَّالثة (٨): اختلف العلماء فيمن حصرَهُ العدوُّ بمكّة؟ فقال مالك: يتحلَّلُ بعُمْرَةٍ كما لو حصره العدوُّ في الحِلِّ، إِلَّا أنّ يكون مكِّيًّا فيخرج إلى الحِلِّ ثمّ يحلّ بعمرة، وقد قال مالك: أهلُ مكَّة في ذلك سواء كأهل العراق. وقال الشّافعيُّ (٩): الإحصارُ بعدوٌّ بمكَّة وغيرها سواءٌ، ينحرُ هَدْيَهُ ويحلُّ مكانه.

стр. 1974

وقال أبو حنيفة (١): إذا أتى مكّة مُحْرِمًا بالحجِّ فلا يكون محصرًا. وقال مالك: من وقف بعَرَفَةَ فليس بمُحْصَرٍ، ويقيمُ على إحرامه حتّى يطوفَ بالبيت ويهدي إنَّ شاء الله. ذكر الفوائد المطلقة المتعلِّقة بهذا الحديث: وهي خمس فوائد: الفائدةُ الأولى (٢): فيه من الفقه معانٍ منها: إباحةُ الإهلال والدخول (٣) في الإحرام (٤) الثَّانية (٥): فيه ركوب الطّريق المخوف، وهو إذا كان الأغلب فيه السلاّمة؛ لأنّ (٦) ابن عمر لم يخف في الفتنة إِلَّا منعَ الوصول إلى البيت خاصّة دون القتل؛ لأنّهم لم يكونوا في الفِتْنَةِ يقتلونَ من لا يقاتلونهم. الثَّالثة (٧): قوله (٨): "مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ ... أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ" وقد كان أحرم بعُمْرَة، ففيه دخول (٩) الحجّ على العمرة، وقد اختلف النَّاس في ذلك فيمن أدخل الحجّ على العُمْرَة أو العُمْرَة على الحجِّ، وقد تقدّم القول فيه، وجمهور العلماء مجمِعُون على أنّه من أدخل الحجَّ على العُمْرَة في أشهُرِ الحجِّ قبل الطّواف بالبيت أنّه جائز ذلك له، ويلزمه ما يلزم مَنْ أَهَلَّ بهما معًا.

стр. 1975

الرَّابعة (١): اختلف العلماء بعد ذلك: فمنهم من قال: عليه القضاء إذا أحصره العدوّ وليس عليه هَدْي. ومنهم من قال: عليه الهَدْي ولا قضاء عليه؛ لأنّ النَّبيّ ﷺ حين صدّه العدوّ أَهْدَى وقَضَى. فأمَّا الهدي، فكان معه ابتداءً، فلا حجّة فيه؛ لأنّه لم يوجبه بنفس الصَّدِّ وأمّا القضاء فلم يفعله أيْضًا بأصل وجوب استقر في ذِمَّتِه (٢)، وإنّما كان ليظهر صدقُه فيما أخبر به من دخول البيت والطّواف والسّعيِ فيه، وليبلغ أمله من إخزاء (٣) المشركين، وأمّا من صدّه المشركون عن الحجّ، فأجره قائمٌ وحجُّه تامٌّ إن شاء الله. باب ما جاء فيمن أُحْصِرَ بغير عَدُوِّ الأحاديث (٤) صحاح. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٥): لا خلاف عن مالك أنّ المُحْصَرَ بمرضٍ ومن فاته الحجّ حكمُهُما سواءٌ، كلاهما يتحلَّلُ بعمل عُمْرَة، وعليه دَمٌ لا يذبحه إلّا بمكّة أو بمنىً، وهو قول أبي حنيفة (٦). وقال الشّافعيّ (٧): ينحر في الحلِّ إذا لم يقدر على الحرم.

стр. 1976

قال القاضي ﵁ (١): المشهور من مذهب (٢) الشّافعي (٣)؛ أنّ المُحصَرَ ينحر هَدْيَهُ حيث أُحْصِرَ؛ لأنّه خارج من قوله : ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤) وبدليل نحر رسول الله ﷺ هَدْيَه يوم الحُدَيْبيَة في الحِلِّ على ما نَقَلَهُ أهل السِّيَرِ والمعازي، وقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٥) فدلّ ذلك أنّ البلوغ على من قدر لا على من أُحْصِرَ. وعند مالك (٦) والشّافعىّ في المكِّىِّ والغريب يُحصرُ بمكّةَ أنّه يحِلُّ بالطّواف والسَّعيِ، قال مالك: إذا بقي محصورًا حتّى فرغ النَّاس من حجِّهم، فإنّه يخرج إلى الحلِّ، فَيُلَبِّي ويفعلُ ما يفعلُ المُعْتَمِرُ ويحلُّ، فإذا كان قابلُ حجّ وأَهْدَى. باب ما جاء في بناء الكعبة الأحاديث في هذا الباب كثيرة المساق، والصّحيح ما ذَكَرَه مالك في "موطّئه" (٧). العربية (٨): قال الخليل (٩): قيل لها كعبة لارتفاعها على وجه الأرض، ومنه قيل للكعب كعب لارتفاعه عن القدم. وقوله (١٠): إنَّ بناءهم لم يتمّ على قواعد إبراهيم، فالقواعدُ أسُّ البيت، واحدُها قاعدة عند اللُّغة، قالوا: والواحدةُ من النِّساء اللآتي قعدت عن الولادة قاعد،

стр. 1977

والجمع فيهما جميعًا قواعد (١)، وهي لغة القرآن ونصّه (٢). الفقه والفوائد المنثورة في أربع فوائد: الفائدةُ الأولى (٣): فيه من وجوه الفقه والعلّم: معرفة بنيان قريش للكعبة، ومعرفة التّاريخ، وأنّ بنيانهم لم يتمّ على قواعد إبراهيم والقواعد من البيت (٤). وأمّا بنيان قريش البيت الحرام فلا خلاف في ذلك، وقد اختلف أهل التاريخ في تاريخ بنيانها (٥). فقال موسى بن عُقبة عق ابن شهاب؛ قال: كان بين الفِجَارِ (٦) وبين بنيان الكعبة خمسة عشرة سنة (٧). وذكر ابنُ وهب: قال: إنَّ الله بعث محمدًا ﷺ على رأس * خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة (٨). وقال محمّد بن جُبَيْر بن مطعم: بُنيَ البيت بعد* (٩) خمس وعشرين سنة من الفيل (١٠). وقال ابن إسحاق: على رأس خمس وثلاثين (١١).

стр. 1978

قال الشّيخ أبو عمر (١): وفي حديث ابن شهاب دليلٌ على أنّ الحِجْرَ من البيت، فإذا صحّ ذلك وجب إدخاله في الطّواف، ولأجل ذلك أجمع العلماء أنّ كلّ من طاف بالبيت لَزِمَه أنّ يُدْخِلَ الحِجْرَ في طوافه، واختلفوا (٢) فيمن لم يُدْخِلُه في طوافه؟ فالّذي عليه الجمهور أنّ ذلك لا يجوز (٣). المسألة الثّالثة (٤): أمّا حديث عائشة (٥) أنّها قالت: "مَا أُبالي أصَلَّيتُ في الحِجْرِ أمْ في البيْتِ" فليس فيه أكثر من أنّ الحِجْرَ من البيت، وأنّ من صلّى فيه كمن صلّى في البيت. والصَّلاة (٦) فرْضٌ ونَفْلٌ. فأمّا الفرضُ، فقد رَوَى محمّد عن أصْبَغ؛ أنَّه من صلّى في البيت أعاد أبدًا. وقال محمّد: لا إعادة عليه. وقال أشْهَب: من صلّى على ظهر البيت أعاد أبدًا. ووجه قول أصْبَغ: أنّ القِبْلَة تمرّ على جميع البيت، ويَستقبِلُ المستَقْبِلُ بها جانِبَي البيت، ومن صلَّى فيه فقد تعذَّرَ ذلك عليه، وهو مصلٍّ إلى غير القِبْلة من غير عُذْرٍ. ووجه قول محمّد: أنّه موضع (٧) تصلَّى فيه النّافلة لغير عُذْرٍ، فجاز أنّ تصلَّى فيه الفريضة كخارج البيت. المسألة الرّابعة (٨): أمّا التنفُّلُ فلا بأس به في الحِجّرِ والبيت، قاله ابنُ حبيب، ومنعه أبو حنيفة (٩).

стр. 1979

وأمّا الصّلاة (١) على ظهر البيت، فقال ابن حبيب: لا تصلَّى النّافلة عليه، وهو كمصلّ إلى غير القِبْلَة، وتصلَّى النّافلة داخل البيت لفعل النَّبىِّ ﷺ (٢). حديث (٣): قال رسول الله ﷺ : "لقد هممتُ أنّ أهدمَ الكعبة، وأبنيها (٤) على قواعد إبراهيم ... الحديث" (٥). رُوِيَ أنّ هارون الرّشيد ذكر لمالك أنّه يريد هدم ما بناه الحجّاج من الكعبة، وأن يَرُدَّهُ إلى بنيان ابن الزُّبير، فقال له مالك: ناشدتُك الله يا أمير المؤمنين ألَّا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يأتي أحَدٌ منهم إِلَّا نقض البيت وبناه، فتذهب هَيْبتُه من صدور النَّاس (٦). الرَّمَل في الطّواف الأحاديث (٧) صِحَاحٌ. العربيَّة: الرَّمَلُ: مأخوذ من رَمَلُ يَرْمُلُ إذا تحرّك ومشَى مشيًا زاد فيه. وقيل (٨): الرَّملُ الخَبَبُ في المشيء. والشَّوْطُ مأخوذ من قولهم: جرى الفَرَسَ شوطًا إذا بلغ مجراه ثمّ عاد، فكلُّ من أتى موضعًا ثمّ (٩) انصرَف عنه فهو شَوطٌ. والرَّمَلُ (١٠) هو المشيُ خَبَبًا يشتدُّ فيه دون الهَرْوَلَة، وهيئتُه أنّ يحرِّكَ الماشي

стр. 1980

منكَبَيه لشدّة الحركة في مَشيِه، هكذا تتمة السَّبعة، فحُكْمُها * حكم الثلاثة الأشواط، وأمّا الأربعة الأشواط، وأمّا الأربعة الأشواط * (١) المشيُ المعهود، وهو الأظهر (٢). الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (٣): لا خلاف عند علمائنا أنّ الرَّمَلَ هو الحركة، والزِّيادة في المشي لا تكون إلّا في ثلاثة أطواف من السَّبعة، في طواف دخول مكّة، خاصّة للقادم الحاجِّ أو المُعْتَمِر. وفي هذا الحديث دليلٌ على (٤) أنّ الطَّائف يبتدىءُ طوافَه من الحَجَرِ إلى الحَجَر، وهذا ما لا خلافَ فيه أيضًا. المسألة الثَّانية (٥): اختلف العلماء في الرَّمَل هل هو سُنَّةٌ من سُنَنِ الحجِّ لا يجوز تركها، أم ليس بسُنَّة واجبة؛ لأنّه كان لعلّة ذهبت وزالت، فمن شاء فعله اختيارًا. فرُوي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وهو قول مالك (٦) والشّافعىّ (٧) وأبي حنيفة (٨) وأحمد (٩) أنّه سُنّة. وقال آخرون: ليس الرَّمَلُ سنّة، فمن شاء فعله ومن شاء لم يفعله، وروي ذلك عن جماعة من التّابعين (١٠)، وجمهور العلماء على أنّ الرَّمَلَ من الحَجَرِ إلى الحَجَرِ،

стр. 1981

على ما في حديث جابر (١) في الأشواط الثّلاثة (٢). المسألة الثَّالثة (٣): اختلفَ قولُ مالكٍ وأصحابه فيمن ترك الرَّمَلَ في الطَّوافِ بالبيت طواف الدّخول، أو ترك الهَرْوَلَة في السَّعيِ بين الصَّفَا والمروة، ثمّ ذكر (٤) وهو قريبٌ، فمرة قال (٥): لا يُعيد، ومرّة قال (٦): يعيد، وبه قال ابن القاسم - بالقول الأوّل أنّه لا يعيد-، واختلف قولُه (٧) أيضًا، هل عليه دم أم لا؟ وهي: المسألة الرَّابعة (٨): فمرّة قال: لا شيء عليه. ومرّة قال: عليه دم. وقال ابنُ القاسم: هو خفيف ولا أرى فيه شيئًا. وكذلك رواه ابنُ وَهْب عن مالك في "موطّئه" أنّه لم يرد فيه شيئًا، وقال ابنُ القاسم: رجع عنه مالك. ورَوَى ابنُ حبيب عن مُطَرِّف وابن الماجِشُون وابنِ القاسم: في قليل ذلك وكثيره دَمٌ (٩). قال القاضي (١٠): والحُجّة لمن لَمْ يَرَ فِيهِ دَمًا واسْتَخَفَّهُ: أنَّهُ شيءٌ مختلفٌ فيه (١١).

стр. 1982

المسألة الخامسة: اختلف العلماء فيمن طاف الطّواف الواجب منكوسًا (١). فقال مالك وأصحابه (٢): لا يجوز الطّواف منكوسًا، وعليه أنّ ينصرف من بلده فيطوف؛ لأنّه كمن لم يطف. وقال أبو حنيفة (٣): يعيدُ الطّوافَ ما دام بمكّة، فإذا بلغ الكوفة أو أبْعَدَ كان عليه دم ويجزئه، وكلهم يقول إذا كان بمكّة أعاد، وبه قال مالك والشَّافعىّ (٤). ومن نسيَ شَوْطًا واحدًا من الطّواف الواجب، أنّه لا يُجزئه، وعليه أنّ يرجع من بلده على بقيّة إحرامه، فيطوفُ بالبيت، ولهم في هذه المسألة (٥) كلامٌ طويلٌ. المسألة السّادسة (٦): أجمع العلماء أنّه ليس على النِّساء رَمَلٌ ولا هَرْوَلَةٌ، ولا شيءَ في سَعْيٍ بين الصَّفا والمروة. واختلفوا في أهل مكّة، هل عليهم رَمَلٌ أم لا؟ وكان ابنُ عمر لا يرى عليهم رَمَلًا إذا طافوا بالبيت. وقال ابنُ وَهْبٍ: كان مالك يَستحبٌّ لمن حجّ من مكّة أنّ يرملَ بالبيت. وقال الشّافعيّ (٧): كلّ طواف قبل عَرَفَةَ، أو كلّ طواف يدخل بينه وبين السّعي فإنّه يرملُ فيه، وكذلك العُمْرَةُ. المسألة السَّابعة (٨): أمّا قول عُرْوَة (٩) في الطّواف:

стр. 1983

اللَّهُمَّ لَا إلَه إِلَّا أنْتَا ... وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَ مَا أمَتَّا يَخْفِضُ صَوْتَهُ بذلِكَ. فقال (١) ابنُ حبيب عن مالك: ليس العمل على قول عُرْوَة هذا، وإنّما أراد أنّه (٢) ليس بِذِكْرٍ مُعَيَّنٍ للطّواف حتّى لا يجزئ (٣) غيره، بل لمن شاء أنّ يدعو به ولمن شاء تركه (٤). قال الشّيخ أبو عمر (٥): ليس قول عُرْوَة بشِعْرٍ (٦)، ولكنّه هو من الشِّعر الّذي يجري مَجْرَى الذِّكْر، وكان عُروة شاعرًا ﵀، وقد كان يقول الحسن (٧) في مثل هذا: يا فَالِقَ الإصْبَاح أنْتَ رَبِّي ... وَأَنْتَ مَوْلَايَ وَأِنْتَ حَسْبِي فأَصْلِحَنَّ باليَقِينِ قَلْبِي ... وَنَجِّنِي مِنْ كربِ يوم الكَرْبِ (٨) الاستلام في الطّواف الأحاديث (٩): قال القاضي (١٠): لا اختلاف بين العلماء أنّ الرُّكنَيْن يُسْتَلَمَان جميعًا الأسود واليمانىّ، وإنَّما الفرق بينهما: أنّ الأسود يُقَبَّلُ واليمانىَّ لا يُقَبَّلُ.

стр. 1984

الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (١): قال علماؤنا (٢): ولا يستلم الرُّكُن إِلَّا طاهرًا (٣)، قاله مالك في "المختصر" ووجهه: أنّه جزء من الطّواف، والطّواف من شرطه الطّهارة. المسألة الثَّانية (٤): وقوله ﷺ (٥): "أصبت" (٦) وتصويبٌ لفعله، وقال جميع الفقهاء فيمن ترك استلام الحَجَرِ: لا شيءَ عليه واستلامُه أفضلُ. المسألة الثَّالثة (٧): وهل من شرطه طواف أو ركوع؟ قلنا: يصحّ أنّ يفعل بغير ذلك منفردًا. تقبيل الرّكن الأسود في الاستلام مَالِكٌ (٨)، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ؛ أنَّ عُمَرَ قَالَ وَهُوَ يَطُوفُ بالبَيْتِ لِلرُّكْنِ الأسْوَدِ: إنَّمَا أنْتَ حَجَرٌ لَا تضُرُّ وَلا تَنْفَعُ (٩) ... الحديث (١٠).

стр. 1985

الإسناد (١): قال القاضي ﵁: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ؛ لأنّ عُرْوَةَ لم يسمع من عمر، وقد رُوِيَ مُسْنَدًا متَّصِلًا (٢) من أحاديث كثيرة خَرّجها الأيِمَّة في المصنّفات صحاحًا (٣)، معقلة أيضًا من طُرُقٍ. وقد روي في الحجر الأسود (٤) الآثار المرفوعة، منها حديث ابن عبّاس أنّه قال: "الحَجَرُ الأسودُ من الجَنَّةِ، وأنّه كان أشدّ بَيَاضًا من الثَّلجِ حتَّى سوَّدَهُ أهل الشِّرك (٥) وعَبَدَة الأصنام" (٦). وفي "التّرمذي" (٧) عن سلمان (٨) وابن عبّاس أيضًا: "أنّ الحَجَرَ الأسود من حِجَارِ الجَنَّةِ وأَنَّه يُبْعَثُ يومَ القيامةِ وله عَيْنَانِ ولسان (٩) وشفتان، يَشْهَدُ لمن استلمه بالوفاء والحقّ" (١٠). وقد رُوِيَ حديثان: "الحَجَرُ الأسودُ يمينُ اللهِ في الأرضِ يصافِحُ به عبادَهُ" (١١).

стр. 1986

وعن السُّدِّيّ (١) أنّه قال: "أهبط اللَّهُ آدمَ بالهندِ، وأنزلَ معه الحَجَرَ الأسودَ، وأنزل معه قَبْضَةً من ورَقِ الجنَّة، فنثرها آدمُ بالهند، فأنبتتْ شجرةَ الطِّيبِ، فأصلُ ما ترون (٢) من الطيب بالهند من ذلك الوَرَق" (٣). وقال بعض علمائنا: إنّما قبض تلك القبضة آدم أسفًا حين أُخْرِجَ منها (٤)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة المساق، وأمثلُها ما سردناه عليهم. الأصول: قوله: "الحَجَرُ الأسودُ يَمينُ اللهِ في الأرضِ، يُصَافِحُ به عبادَهُ" الحديث. قال علماؤنا الأصوليّون: البارئ سبحانه يتقدّسُ عن الجارحة، واليمينُ ههنا بمعنى الحُجّة، معناه حجّة الله في الأرض، إذ رأى (٥) العلماء أنّ اليمين يُطلَق في اللّغة على ثمانية معانٍ: أحدها أنّ اليمين بمعنى الحُجَّة. وقوله: "يصافح" معناه يثيبُ من لَمَسَهُ من أهل الإيمان على معنى التّعظيم لشعائر الله (٦). وأمّا حديث علىّ أنّه قال: "فيه العمر مستودعًا" (٧) فلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

стр. 1987

الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (١): قال القاضي: لا أعلم خلافًا بين العلماء أنّ تقبيل الحَجَرِ الأسود في الطّواف من سُنَنِ الطّواف (٢) لمن قدر عليه، ومن لم يقدر على ذلك أيضًا وضع يده على فِيهِ ثمَّ وضعها عليه مُسْتَلِمًا، ويرفعها إلى فِيهِ، وإن لم يقدر على ذلك كَبَّر إذا قابله وحاذاه، فإن لم يفعل فلا نعلم أحدًا أوجب عليه دَمًا ولا فِدْيَةً (٣). باب ما جاء في ركعتي الطّواف الأحاديث (٤): الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى: أمّا (٥) فعل عُرْوَة هذا، فهي السُّنَّة المجتمع عليها في الاختيار، أنّ مع كلّ أسبوع ركعتين، وعلى هذا جمهور العلماء، وكذلك قال ابنُ وَهْب عن مالك: السُّنَّة الّتي لا اختلاف فيها ولا شكّ والّذي أجمع المسلمون عليه أنّ مع كلّ أسبوع ركعتين، يريد (٦) المشروعتين اللَّتين هما مِنْ تَمامه، ولا يجوز إعراؤه منهما، فإن كان الطّواف في حَجٍّ أو عمرة (٧) فهما واجبتان، خلافًا لأبي حنيفة (٨) والشّافعىّ (٩) في قولهما: إنّهما مستحبّتان.

стр. 1988

والأصل في ذلك: ما روى جابر عن النّبىّ ﷺ ؛ أنّه طاف سبعًا: رمل ثلاثًا، ومَشَى أربعًا، ثمّ قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) ثمّ صلّى سجدتين عند المقام بينه وبين الكعبة، ثمّ استلم الرُّكْنَ، ثمّ خرج فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) فبدأ بما بدأ اللَّهُ به (٣). فوجه الدّليل منه: أنّه ﷺ صلّى بعد طوافه ركعتين، وأفعالُه على الوجوب. المسألة الثَّانية (٤): قال (٥): فمن تركهما، أعاد الطّواف، ثمّ أتى بهما بعدُ عَقِب الطّواف وسعى (٦)؛ لأنّ ذلك من سُنَّتِها مع التّمكين (٧) منه. فإنْ لم يركعها حتّى رجع (٨) إلى بلده وهي: المسألة الثَّالثة (٩): قال مالك: عليه هَدْيٌ (١٠). وقال الثَّوريُّ: يركعهُما حيث شاء، ما لم (١١) يخرج من الحَرَمِ. وقال الشّافعيُّ (١٢): يركعهما حيث ما ذكرَ من حلٍّ أو حَرَمٍ، وبه قال أبو حنيفة (١٣). وحُجَّة مالك في إيجاب الدَّمِ: قول ابن عبَّاس: "مَنْ نَسِيَ شيئًا من نُسُكِهِ فَلْيُهْرِقْ

стр. 1989

دمَا" (١). وركعتا الطّواف عند مالك من النُّسُك. وحُجَّةُ من لم ير فيهما دمًا: أنّها صلاةٌ تُقْضَى مَتَى ما ذُكِرَت، لقوله: "من نام عن الصَّلاة ... " الحديث (٢). المسألة الرَّابعة (٣): قول مالك (٤) في الرَّجُل يدخلُ الطَّوافَ فيسهُو فيطوف ثمانية أو تسعة، فإنّه يقطعُ ويركعُ ركعتين، ولا يعتدّ بالّذي زاد، ولا شيءَ عليه. قال القاضي (٥): وهذه مسألة طويلة اختلف الفقهاء فيها، فقال أبو حنيفة ومحمد (٦) كقول مالك حَمْلًا وقياسًا على الصّلاة صلاة النَّافلة، مثنى مثنى، يسلِّم من كلّ ركعتين، فإذا قام إلى ثالثة ثمّ ذكر (٧)، رجع إلى الجلوس وتشهّد وسلّم وسجد (٨). وإذا أصاب (٩) في ثوبه أو على جَسَدِه نجاسة أو في (١٠) نعله، لم يعتدّ بما طاف في تلك الحال، كما لم يعتدّ بالصّلاة في ذلك، وكان في حُكْم من لم يَطُف؛ لأنّ الطَّائف في حُكْمِ المصلِّي خاصّة، ولا يكون ذلك إِلَّا على كمال طهارة. وأمّا قوله (١١): "مَنْ شَكَّ في طَوَافِهِ (١٢) " فهو كما قال (١٣).

стр. 1990

باب الصّلاة بعد الصّبح (١) وبعد العصر في الطّواف (٢) الأحاديث في هذا الباب كثيرة المساق، ورُوِيَ (٣) عن النّبىّ ﷺ أنّه قال: "يا بني عبد مَنَافٍ لا تمنعوا أحدًا طافَ بهذا البيت أنّ يصلِّيَ أيَّةَ ساعةٍ شاءَ من ليلٍ أو نهارٍ" (٤) وروى أبو ذرّ - وأظنّه في كتاب الدّارقطني (٥) - عن النّبىّ ﷺ أنَّه قال: "لا صلاةَ بعد الصّبحِ حتّى تطلع الشّمسُ، ولا صلاةَ بعد العصرِ حتّى تغربَ الشّمسُ إلّا بمكّةَ" (٦) فلمّا كان هذا الحديث مرويًّا ولم تصح طرقه (٧)، أدخلَ مالك فعلَ عمر بن الخطّاب حين طافَ عمر بالبيت والشّمس لم تطلع ورحل حتّى (٨) صلاّهما بذي طُوَى (٩)، فكان فعلُ عمر بن الخطّاب في الصّحابة - وهو الخليفة المهدي - أوْلَى من ذلك الحديث المرويّ، ولو كانت تلك الوصيّة من النّبىّ ﷺ متقدِّمة، وذلك الحديث عن أبي ذرّ صحيحًا، لكان بمكّة مشهورًا، ولما خَفِيَ عن عمر حالُه. الفقه في أربع مسائل: اختلف العلماء في هذا الباب على ثلاثة أقوال (١٠): أحدها: إجازةُ الطّواف بعد الصُّبح وبعد العصر، وتأخيرُ الرّكعتين حتّى تطلعَ

стр. 1991

الشّمسُ أو تغربَ، وهو مذهب عمر (١) وأبي سعيد الخدري (٢) ومُعاذ وابن عمر (٣) وجماعة، وهو قول مالك وأصحابه (٤). القول الثّاني: في كراهية الطّواف وكراهية الرّكوع له (٥) بعد الصّبح وبعد العصر، قاله ابن جُبَيْر ومجاهد. القول الثّالث: إباحة ذلك كلّه بعد الصّبح وبعد العصر، رُوِيَ ذلك عن ابن عمر (٦) وابن عبّاس (٧) وابن الزّبير. وأمّا الآثار الواردة في النّهي بعد الصُّبح والعصرْ، فقد عارضها مِثْلُها، وقد بيّنّا تأويل العلماء في أوّل "الكتاب"، وأنّ النّهي إنّما ورد دليلًا يتطرّقُ بذلك إلى الصّلاة عند الطّلوع وعند الغروب. وَداعُ البَيْت الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٨): وداعُ البيتِ لكلِّ حاجٍّ أو معتمرٍ لا يكون مَكِّياَ من شعائر الحجِّ وسُنَنِه، إلّا أنَّه أرخصَ فيه للحائض إذا كانت قد أفاضت، والإفاضةُ والطّوافُ بالبيت بعد رَمْيِ جمرة العَقَبَة هو الّذي يسمِّيه أهل الحجاز طواف الإفاضة، وأهل العراق يسمُّونه طواف الزِّيارة، فمن طاف ذلك من النّساء ثمّ حاضت، فلا جُنَاح عليها في أنّ تنصرف عن البيت وتصدر عنه وتنهضَ راجعةً إلى مكانّها (٩) دون أنّ تودِّع البيت،

стр. 1992

وردت السُّنَّة بذلك (١). المسألة الثَّانية (٢): وجملةُ مذهب مالك (٣) فيمن لم يطف الوداع، إذا كان قريبًا رجع وطاف، وإن تعذَّر فلا شيءَ عليه. المسألة الثّالثة: إذا نَسِيَ طواف الإفاضة وطاف طواف (٤) القدوم أجزأهُ، وهذه سُنَّةٌ تُجزىء عن فَرْض، وانفرد بها مالك، لكن يلزمه الهدي مع هداه (٥). المسألة الرّابعة (٦): اختلف العلماء في المعتمر الخارج (٧) إلى التَّنْعِيمِ هل يودِّع أم لا؟ فقال مالك والشّافعيّ (٨): ليس عليه وداع. وقال، الثّوريُّ: إنَّ لم يودِّع فعليه دمٌ. وقولُ مالك أبين (٩)؛ لأنّه راجع في عمرته في البيت وليس بناهض إلى بلده. جامع الطّواف قولها (١٠):"فَأَمَرَهَا رَسُولُ الله ﷺ أنّ تَطُوفَ مِنْ وَرَاء النَّاس راكبة".

стр. 1993

وفي هذا الباب أربع مسائل: أحدها (١): وجوب المشي في الطّواف. الثّانية (٢): جواز الطّواف محْمولًا للعُذْرِ. الثّالثة (٣): المنع من ذلك لغير عُذْرٍ. الرَّابعة: طواف الطّائف به لا طواف له؛ لأنّ الطّواف صلاة، فلا يصلِّي عن نفسه ولا عن غيره. واختلفَ (٤) قولُ مالك في جواز الطّواف راكبًا لمن لم يكن له عُذْرٍ أو مرض؟ فقال مالك (٥): إنَّ كان من عُذْرِ أجزأه، وإن (٦) كان من غير عُذْرٍ أعاد، فإن رجع المحمولُ إلى بلده (٧) كان عليه دم (٨). قال: ولو طاف بصبيٍّ أو سَعَى بين الصفا والمروة أجزأه عن نفسه وعن الصَّبىِّ إذا نوى ذلك، وهو قول اللّيث، فالطّوافُ والسَّعيُ عَدَّهُ بمنزلةٍ واحدةٍ (٩).

стр. 1994

المسألة الثّانية (١): في المريض يكون محمولًا ثمّ يَفيقُ، قال مالك: أحَبُّ إلي أنّ يعيد ذلك الطّواف (٢). وأمّا طواف الدّخول للمعتمر (٣)، فهو فَرْضٌ في عمرته؛ لأنَّ العمرة: الطّواف بالبيت لمن جاء من الحلِّ، والسّعي بين الصّفا والمروة. وقال إسماعيل القاضي: طوافُ القدوم سُنَّةٌ. والله يوفّق للصّواب بمَنِّه. البدء في السّعي بالصّفا الأحاديث (٤): وفيه مسائل: المسألة الأولى (٥): فيه أنّ السُّنَة الواجبة أنّ يبدأ السّاعي بين الصّفا والمروة بالصّفا قبل المروة، على وجود الخطّاب بالتّرتيب لما سبق به من الفَتْوَى والسُّنَن (٦). المسألة الثَّانية (٧): أجمع العلماء على أنّ من سنَّة (٨) السّعي بين الصّفا والمروة، بأن ينحدر الرّاقي (٩) على الصّفا بعد الفراغ من الدّعاء، فيمشي حسب مشيه وعادته في المشي حتّى يبلغَ (١٠).

стр. 1995

المسألة الثَّالثة (١): اختلف العلماء في السّعي بين الصّفا والمروة هل هو واجبٌ فرضٌ أو هو تطوُّعٌ وسُنَّة؟ فقال مالك (٢): يرجع (٣) إليه متى ما ذكر، وهو واجبٌ (٤). المسألة الرّابعة: أجمعتِ الأُمَّةُ على الابتداء بالصّفا في السَّعي، وليس الابتداء بالصفا ممّا يخرج من هذا الحديث (٥) الّذي قال النّبيُّ ﷺ فيه: "نَبْدَأُ بِمَا بدأَ اللَّهُ بِهِ"؛ لأنّ الحديث فيه ستّة أقوال: القول الأوّل: قال أبو حنيفة (٦) والشَّافعيّ (٧) بهذا الحديث. ووجه من قال لا دليل فيه؛ لأنّه خبرٌ والخبر لا دليلَ فيه، لأنّه لا يفهم منه الوجوب ولا غيره. الثّاني: أنّ الصَّحابة سَأَلت: بما نبدأ؟ ولو دلّ على التّرتيب لم تَجْهَلْه الصّحابة. الثَّالث: الابتداءُ بالصّفا لا بدَّ له من فائدة، وهو وجه تقديمه في اللفظ لا على طريق الوجوب، بل له مزيد فائدة، لئلا يخلو الابتداء من الفائدة. الرَّابع: أنّ الأُمَّة أجمعت على الابتداء بالصّفا، فأمَّا الوضوء فلم يعينه إلّا الفعل، روى (٨) عليّ بن زياد عن مالك وجوب التّرْتيب (٩)، وبه قال الشّافعي (١٠). الخاص: أنّ النَّبيَّ ﷺ ابتدأ بالصّفا إجماعًا.

стр. 1996

السّادس: أنّ المسألة مبنية على أصل من أصول الفقه، وهي أنّ النَّبىّ ﷺ إنّما بيَّنَ فعله، وأفْعَالُهُ هل تُحمل على الوجوب أو الاستحباب (١)؟ واحتجّ الشَّافعىّ (٢) بأنّ النّبىَّ ﷺ أمر بالتَّرتيب فقال: "نَبْدَأُ بما بدأَ اللهُ بِهِ"، والرِّواية فيها ضَعْفٌ. باب جامع السَّعْي الأحاديث (٣): لا خلافَ (٤) بين العلماء أنّ الطّواف بالبيت في الحجِّ والعمرة قبل السَّعي بين الصَّفا والمروة، وبذلك جاءتِ الآثارُ عن النّبىّ ﷺ أنّه كذلك فعل في عُمْرته وحَجَّتِه وقال: "خُذُوا عَنّي مَنَاسِكَكُمْ" (٥).

стр. 1997

المسألة الثَّانية: لا خلاف بين العلماء أنّ السّعي ركنٌ (١)، والدّليل عليه قوله ﷺ : "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عليكم السَّعْيَ فَاسْعَوا" (٢) ومعنى كتب: أوجب، وحتم، وفرض، ووجب، ومنه قوله : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٣) أي: حتمها على نفسه بفضله وامتنانه (٤). المسألة الثّالثة: ورُوِيَ عن مالك في "العُتْبِيَّة" أنّ الإنسان إذا نسي السّعي بين الصّفا والمروة أنّه يجزئه الدّم، وهذه الرّواية بناء على أنَّ السّعي واجبٌ، وأنّه كالمبيت بالمزدلفة، والمذهب (٥) كلّه على أنّه رُكْنٌ خلافًا (٦) للرِّواية الّتي وقعت في "العُتْبِيّة". وأمّا حديث عروة بن الزبير (٧) حيث سأل عائشة فقال: إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٨). قلنا: الانفصال عن قراءة ابن مسعود (٩) أنّها قراءةٌ شاذَّةٌ، وليست كخبر الواحد يخجب العمل بها، ولا من القراءة الّتي ثبتت بالتّواتر، والقياس أَوْلَى منها (١٠)، فقالت عائشة: "إنّما كان ذلك لو كان ألَّا يَطَّوَفَ بهما" (١١)؛ لأنّ معنى "ألَّا يَطَّوَّفَ بهما" كما

стр. 1998

تقول: لا جناح عليك ألَّا تقوم (١)، معناه: أنّ تفعل، ولا جناح عليك ألَّا تأكل، معناه: أنّ تأكل (٢). صيامُ يوم عَرَفَة الأحاديث (٣) في هذا الباب متعارضة. الأصول (٤): رُوِيَ عن النّبي ﷺ أنّه قال: "صيامُ يومِ عَرَفَةَ يكفّرُ ذَنوبَ سَنَةٍ قبلَه وسَنَةٍ بعده" (٥). قال علماؤنا: إذا لم يجد قبله ذنوب عامين، فإن وجد قبله ذنوبَ عامين، كانا هما العامين اللّذين (٦) يكفّران، وذلك حثَّ النَّبيُّ ﷺ على صومه وإخباره عن فضله، فإنّه أفطر في حَجَّة الوداع وذلك لوجهين: أحدهما: ألَّا يشقّ على أُمَّتِهِ. الثّاني: أنّ فطره مستحبّ لمن كان حاجًّا، فإنّه أقوى له على الدُّعَاء والعبادة، فيكون ذلك تخصيصًا للحاجِّ من عموم الحديث، ويبقى الفضل لغير الحاجّ، والتّأويل الأوّل أشبه بمذهب مالك؛ لأنّه أدخل في الباب؛ أنَّ عائشة كانت تحجّ وتصوم يوم عَرَفَة حاجّة (٧)، كأنّها فهمت أنّ النَّبيَّ ﷺ إنّما أفطر خوفَ المشَقَّةِ. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٨): قال علماؤنا (٩): الفِطرُ يوم عَرَفة أفضلُ تأسِّيًا برسول الله ﷺ وقوَّةً على الدّعاء،

стр. 1999

وقد قال النّبىّ ﷺ : "أفضلُ الدّعاءِ يومَ عَرَفَة" (١)، ونهى عن صيام يوم عَرَفَة بعَرَفَة (٢)، وتخصيصُه بعَرَفَة دليل (٣) على أنّ صومه بغير يوم عرفة (٤) ليس كذلك، لهمَا تقدَّم من الحديث في فضله، ولما رَوَى الوليد بن مسلم، عن جابر، عن أبيه، عن عطاء، قال: "صيامُ يوم عَرَفَة كصيامِ (٥) ألف يوم" (٦). المسألة الثَّانية (٧): قد بيّنا أنّ صومه (٨) مرغّبٌ فيه لغير الحاجّ، والحاجُّ ممنوع من كلّ ما يمنع عنه الحجِّ (٩)، وقال ابنُ وَهْب: فِطْرُ يوم عَرَفَةَ للحاجِّ أحَبُّ إلينا؛ لأنّه أقوي له (١٠). وقال أشهب: فِطرُهُ أفضل (١١). المسألة الثَّالثة (١٢): قوله (١٣): "فأَرْسَلتُ إليه بِقَدَح لَبَن" خبر صحيحٌ، وقول المختلفين في حاله ليس (١٤)

стр. 2000

بدليل في معرفة أحد القسمين، فلما شربه عُلِمَ فطرُه ﷺ (١)، وأمّا لو امتنع من شُربِه فليس في ذلك دليل على صومه، لجواز أنّ يمتنع منه لِشبعٍ وَرِيٍّ وغير ذلك. المسألة الرَّابعة (٢): قوله (٣): "وهو واقفٌ على بعيره بعَرَفَةَ" فالأظهر أنّه كان في وقت صومٍ؛ لأنّه لا يقفُ بعَرَفَةَ بعد الغروب (٤)، وذلك (٥) عونٌ على مواصلة الدُّعاء، وإنّ الواقف على قَدَمَيْه يضعُفُ عن ذلك من زوال الشّمس إلى غروبها، ولذلك اسْتُحِبَّ فطرُ ذلك اليوم، والله أعلم. صيام أيّام مِنى مالك (٦)، عن أبي النَّضْر، عن سليمان بن يَسَارٍ، الحديث (٧). الإسناد (٨): قال القاضي: لم يختلف عن مالك في إرساله، وقد رُوِيَ من وجوه صِحَاحٍ متّصلةِ الأسانيد (٩)، فقد رُوِيَ أنّ رسول الله ﷺ أمر أنّ ينادي في أيّام التّشريق أنّها أيام أكل وشرب (١٠)، وهو أيضًا حديثٌ مُرْسَلٌ. قال القاضي: وإنّما صار مُرْسَلًا؛ لأنّ سليمان بن يَسَار لم يسمع من عبد الله بن حُذَافَة.
следующие страницы →