← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

السّادس: أنّ المسألة مبنية على أصل من أصول الفقه، وهي أنّ النَّبىّ ﷺ إنّما بيَّنَ فعله، وأفْعَالُهُ هل تُحمل على الوجوب أو الاستحباب (١)؟ واحتجّ الشَّافعىّ (٢) بأنّ النّبىَّ ﷺ أمر بالتَّرتيب فقال: "نَبْدَأُ بما بدأَ اللهُ بِهِ"، والرِّواية فيها ضَعْفٌ. باب جامع السَّعْي الأحاديث (٣): لا خلافَ (٤) بين العلماء أنّ الطّواف بالبيت في الحجِّ والعمرة قبل السَّعي بين الصَّفا والمروة، وبذلك جاءتِ الآثارُ عن النّبىّ ﷺ أنّه كذلك فعل في عُمْرته وحَجَّتِه وقال: "خُذُوا عَنّي مَنَاسِكَكُمْ" (٥).

стр. 1997

المسألة الثَّانية: لا خلاف بين العلماء أنّ السّعي ركنٌ (١)، والدّليل عليه قوله ﷺ : "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عليكم السَّعْيَ فَاسْعَوا" (٢) ومعنى كتب: أوجب، وحتم، وفرض، ووجب، ومنه قوله : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٣) أي: حتمها على نفسه بفضله وامتنانه (٤). المسألة الثّالثة: ورُوِيَ عن مالك في "العُتْبِيَّة" أنّ الإنسان إذا نسي السّعي بين الصّفا والمروة أنّه يجزئه الدّم، وهذه الرّواية بناء على أنَّ السّعي واجبٌ، وأنّه كالمبيت بالمزدلفة، والمذهب (٥) كلّه على أنّه رُكْنٌ خلافًا (٦) للرِّواية الّتي وقعت في "العُتْبِيّة". وأمّا حديث عروة بن الزبير (٧) حيث سأل عائشة فقال: إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٨). قلنا: الانفصال عن قراءة ابن مسعود (٩) أنّها قراءةٌ شاذَّةٌ، وليست كخبر الواحد يخجب العمل بها، ولا من القراءة الّتي ثبتت بالتّواتر، والقياس أَوْلَى منها (١٠)، فقالت عائشة: "إنّما كان ذلك لو كان ألَّا يَطَّوَفَ بهما" (١١)؛ لأنّ معنى "ألَّا يَطَّوَّفَ بهما" كما

стр. 1998

تقول: لا جناح عليك ألَّا تقوم (١)، معناه: أنّ تفعل، ولا جناح عليك ألَّا تأكل، معناه: أنّ تأكل (٢). صيامُ يوم عَرَفَة الأحاديث (٣) في هذا الباب متعارضة. الأصول (٤): رُوِيَ عن النّبي ﷺ أنّه قال: "صيامُ يومِ عَرَفَةَ يكفّرُ ذَنوبَ سَنَةٍ قبلَه وسَنَةٍ بعده" (٥). قال علماؤنا: إذا لم يجد قبله ذنوب عامين، فإن وجد قبله ذنوبَ عامين، كانا هما العامين اللّذين (٦) يكفّران، وذلك حثَّ النَّبيُّ ﷺ على صومه وإخباره عن فضله، فإنّه أفطر في حَجَّة الوداع وذلك لوجهين: أحدهما: ألَّا يشقّ على أُمَّتِهِ. الثّاني: أنّ فطره مستحبّ لمن كان حاجًّا، فإنّه أقوى له على الدُّعَاء والعبادة، فيكون ذلك تخصيصًا للحاجِّ من عموم الحديث، ويبقى الفضل لغير الحاجّ، والتّأويل الأوّل أشبه بمذهب مالك؛ لأنّه أدخل في الباب؛ أنَّ عائشة كانت تحجّ وتصوم يوم عَرَفَة حاجّة (٧)، كأنّها فهمت أنّ النَّبيَّ ﷺ إنّما أفطر خوفَ المشَقَّةِ. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٨): قال علماؤنا (٩): الفِطرُ يوم عَرَفة أفضلُ تأسِّيًا برسول الله ﷺ وقوَّةً على الدّعاء،

стр. 1999

وقد قال النّبىّ ﷺ : "أفضلُ الدّعاءِ يومَ عَرَفَة" (١)، ونهى عن صيام يوم عَرَفَة بعَرَفَة (٢)، وتخصيصُه بعَرَفَة دليل (٣) على أنّ صومه بغير يوم عرفة (٤) ليس كذلك، لهمَا تقدَّم من الحديث في فضله، ولما رَوَى الوليد بن مسلم، عن جابر، عن أبيه، عن عطاء، قال: "صيامُ يوم عَرَفَة كصيامِ (٥) ألف يوم" (٦). المسألة الثَّانية (٧): قد بيّنا أنّ صومه (٨) مرغّبٌ فيه لغير الحاجّ، والحاجُّ ممنوع من كلّ ما يمنع عنه الحجِّ (٩)، وقال ابنُ وَهْب: فِطْرُ يوم عَرَفَةَ للحاجِّ أحَبُّ إلينا؛ لأنّه أقوي له (١٠). وقال أشهب: فِطرُهُ أفضل (١١). المسألة الثَّالثة (١٢): قوله (١٣): "فأَرْسَلتُ إليه بِقَدَح لَبَن" خبر صحيحٌ، وقول المختلفين في حاله ليس (١٤)

стр. 2000

بدليل في معرفة أحد القسمين، فلما شربه عُلِمَ فطرُه ﷺ (١)، وأمّا لو امتنع من شُربِه فليس في ذلك دليل على صومه، لجواز أنّ يمتنع منه لِشبعٍ وَرِيٍّ وغير ذلك. المسألة الرَّابعة (٢): قوله (٣): "وهو واقفٌ على بعيره بعَرَفَةَ" فالأظهر أنّه كان في وقت صومٍ؛ لأنّه لا يقفُ بعَرَفَةَ بعد الغروب (٤)، وذلك (٥) عونٌ على مواصلة الدُّعاء، وإنّ الواقف على قَدَمَيْه يضعُفُ عن ذلك من زوال الشّمس إلى غروبها، ولذلك اسْتُحِبَّ فطرُ ذلك اليوم، والله أعلم. صيام أيّام مِنى مالك (٦)، عن أبي النَّضْر، عن سليمان بن يَسَارٍ، الحديث (٧). الإسناد (٨): قال القاضي: لم يختلف عن مالك في إرساله، وقد رُوِيَ من وجوه صِحَاحٍ متّصلةِ الأسانيد (٩)، فقد رُوِيَ أنّ رسول الله ﷺ أمر أنّ ينادي في أيّام التّشريق أنّها أيام أكل وشرب (١٠)، وهو أيضًا حديثٌ مُرْسَلٌ. قال القاضي: وإنّما صار مُرْسَلًا؛ لأنّ سليمان بن يَسَار لم يسمع من عبد الله بن حُذَافَة.

стр. 2001

الأصول (١): قال علماؤنا (٢): نهيُه ﷺ عن صيام أيّام مني يقتضي من جهة اللّفظِ النَّهيَ العامَّ، غير أنّ العلماء قد اختلفوا في ذلك على ما نذكره (٣)، هل النّهي العامّ مطلق أو يتخصّص بمعنى الضّرورة؟ الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٤): وأيّام مني ثلاثة أيّام بعد يوم النَّحر، ولها ثلاثة أسماء: - يقال أيّام مِنىً لإقامة الحُجًاج بها بعد يوم النّحر لرمي الجمار. - ويقال لها: أيّام التشريق، قال أهل اللّغة: سُمِّيت بذلك لتشريق لحوم الضّحايا والهدايا. - وهي الأيَّام المعدودات الّتي رُخّصَ للحاجّ أنّ يتعجّل منها في يومين. المسألة الثَّانية (٥): لا خلاف بين العلماء في أيّام التّشريق أنّها أيّام مني وأنّها الأيّام المعدودات، وإنّما اختلفوا في الأيّام المعلومات على قولين: أحدهما: أنّها أيام التّشريق (٦)، قاله ابن عبّاس (٧)، وبه قال الشّافعيّ (٨). القول الثَّاني: أنّها يوم النَّحْر ويومان بعده من أيّام التّشريق، وهو قول علىّ وابن

стр. 2002

عمر، ونبيِّن ذلك في "كتاب الضّحايا" إنَّ شاء الله. نكتةٌ لغوية (١): قال ابنُ الأنباري (٢): مني مشتقّ من منيت الدَّمَ إلى صببته. وقال غيره (٣): هو مِنىً وهي (٤) مِنىً، فمن ذَكَّرَهُ ذهب إلى المكان، ومن أنَّثَ (٥) ذهب إلى البُقْعَة، وقد يُكْتَب بالياء في الوجهين جميعًا (٦). المسألة الثَّالثة (٧): أجمع العلّماءُ أنّه لا يجوز صيام أيّام مِنىً تطوُّعًا، إِلَّا شيئًا رُوِيَ عن الزُّبَيْر وابن عمر وأبي طلحة أنّهم كانوا يصومون أيّام التّشريق تَطَوُّعًا، وهذا لا يصحّ عنهم؛ لأنّه ليس في المسانيد، ولا يصحّ ذلك عنهم (٨)؛ لأنّ جمهور العلماء على كراهية ذلك. وذكر ابن عبد الحَكم عن مالك؛ أنَّه قال: لا بأس بسرد الصّوم إذا أفطرَ يوم الفطر (٩) وأيّام التّشْريق، لنهي (١٠) النّبىّ ﷺ عن صيام أيّام مِنى. وقال ابنُ القاسم (١١): لا ينبغي لأحد أنّ يصوم أيّام الذّبح الثّلاثة إِلَّا المتمِّتع وَحْدَهُ الّذي لم يصم قبل عرفة ولم ينحر (١٢) الهدي، قال (١٣): وأمَّا آخر أيام التّشريق، يُصامُ إنَّ نَذَرَه رَجُلٌ أو نَذَر صيامَ ذي الحِجَّة. وأمَّا قضاء (١٤) رمضان أو

стр. 2003

غيره، فلا يصومه إِلَّا أنّ يكون قد صام قبل ذلك صيامًا متتابعًا قد لَزِمَه بمرَضٍ، ثمّ صحّ وقَوِيَ على الصّيام في ذلك اليوم، فيبني على الصّيام الّذي كان صامه في الظّهار أو قتل النّفس خطأً (١). المسألة الرّابعة (٢): وأمّا قضاء رمضان فلا يصومه فيه، ولا أعلم أحدًا من أهل العلّم فرّق بين اليومين الأوّلين من أيّام التّشريق في الصّيام خاصّة وبين الثّالث منها، إِلَّا ما حكاه ابنُ القاسم على ما ذكرنا. وجمهور العلماء لا يجيزون صوم اليوم الثّالث من أيام التّشريق في قضاء رمضان ولا في نَذْرٍ، ولا في غير ذلك من وجوه الصّيام، إلّا المتمتّع كما بيّناه. المسألة الخامسة (٣): أمّا قوله (٤) في أيّام مِنىً: "إنّها أيّام أكْلٍ وشربٍ وذكر الله" فإنّ الأكل والشّرب معناه أنّها الأيّام الّتي لا يجوز صيامها جملة لغير المتمتّع. وأمّا الذِّكْرُ فيها، فإنّ بمنى التّكبير عند رمي الجمرة (٥)، وفي سائر الأمصار التكبير في آخر الصّلوات، وفي ذلك حِكَمٌ جمَّةٌ نذكرها في موضعها إنَّ شاء الله. المسألة السَّادسة (٦): وأمّا نهيُه عن الصّيام يوم الفِطْر ويوم النَّحر، لا خلاف بين العلماء أنّه لا يجوز صيامهما للنّاذِر ولا للمتطوِّع، ولا يُقضى فيهما رمضان، والّذي يصومُهما بعد (٧) علمه بالنَّهْيِ، فهو عاصٍ عند جميع الأمَّة.

стр. 2004

باب ما يجوز من الهَدْي مالك (١) عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم (٢)؛ أنّ رسول الله ﷺ أهْدَى جَمَلًا كان لأبي جَهْلٍ بن هشام في حَجٍّ أو عمرةٍ. تنبيه على وَهمٍ: قال أبو عمر (٣): وقع في رواية عُبَيْد الله بن يحيى عن أبيه في هذا الحديث: عن مالك، عن نافع، عن عبد (٤) الله بن أبي بكر ب حزم، وهو خطأٌ لا إشكال فيه (٥)، ولم يروه ابن وضّاح عن يحيى إِلَّا كما رواه سائر رُواة "الموطّأ" عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر (٦). والحديثُ مُرْسَلٌ، وهو مُسْنَدٌ من طُرُقٍ صحاحٍ (٧). الفقه في ثلاث مسائل: المسألة (٨) الأولى (٩): قوله: "أهْدَى جَمَلَا" نصٌّ في أنَّ الهَدْيَ (١٠) قد يكون من ذكور الإبل، وهو مذهب مالك (١١)، وبه قال جماعة من الصّحابة.

стр. 2005

وقال الشّافعي: لا يُهْدَى إِلَّا الإناث (١). ودليل مالك هذا الحديث، وهو نصٌّ في موضع الخلاف. ومن جهة المعنى: أنّ هذا الهَدْيَ جهةٌ من جِهات القُرْب، فلم يختصّ بإناث الحيوان دون ذكورها، كالضّحايا والزّكاة والعِتْق في الكفّارات. المسألة الثَّانية (٢): قولُه (٣): "وَرَأَيْتُهُ" (٤) في الْعُمْرَةِ يَنْحَرُ بَدَنَةً وهِيَ قَائِمَةٌ" يقتضي مسألتين: إحداهما: مباشرة ذلك بنفسه (٥). والثَّانية: أنّ يَنْحَرَ البُدُنَ قيامًا. وأمّا الألى في مباشرة ذلك بنفسه، فالأصل فيه ما رَوَى أنس أنّه قال: وَنَحَرَ رسولُ الله ﷺ بيده سَبعين بَدَنة قيامًا (٦). وأمّا الفائدةُ في نحرها قيامًا، فهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء غير الحسن (٧) فإنّه قال: ينحرُها باركةً، والأصلُ في ذلك: حديث أنس المتقدِّم؛ أنَّه (٨) نَحَرَ بيده سبعين بَدَنَة. قال الأَبْهَرِيُّ: إنّما كان ذلك في الإبل؛ لأنّه أمْكَنُ لما يَنْحَرُها أنّ يطعن في لَيَّتِها، وأمّا البقرُ والغنمُ الّتي سُنَّتها الذّبح، فإنّ أضجاعها أمكنُ لتناول ذَبحها، فالسُّنَّةُ أنّ تُضْجَع. وروى محمّد (٩)، عن مالك: أنّ الشَّأن أنّ تُنْحَرَ البُدُنُ قائمةً (١٠) قد صُفَّتْ يداها

стр. 2006

بالقيْد (١). وقال ذلك (٢) ابنُ حبيب (٣) في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٤). المسألة الثَّالثة: في ذكر الفوائد المنثورة في هذا الباب: وهي أربع فوائد: الفائدةُ الأولى (٥): فيه من الفقه: دليل على استسمان الهدايا واختيارها. وفيه: أنّ الجَمَلَ يُسَمَّى بَدَنة، كما أنَّ النّاقة تسمَّىَ بَدَنَة، وهذا الاسم مشتقٌّ من عِظَمِ البَدَنِ عندهم. وفيه: ردُّ قولِ من زعم أنّ البَدَنهَ لا تكون إلّا أُنْثىَ، والآثار تردُّ عليه. وفيه: إجازةُ هَدْيِ ذكور الإِبِل، وهو أمر مُجْمَعٌ عليه عند الفقهاء. وفيه: ما يدلّ على أنّ الإِبلَ في الهدايا أفضلُ من الغَنَم والبقر (٦). ولم يختلفوا في تأويل قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٧) أنّه شاةٌ (٨)، إلّا ما رُوِيَ عن ابن عمر أنّه قال: بَدَنَةٌ دون بدنةٍ، وبقرةٌ (٩) دون بَقَرَةٍ (١٠). وأمّا استسمانُ الهدايا والضّحايا والغُلُوُّ في ثمنها واختيارها، فداخل تحت قولى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ...﴾ الآية (١١). وسئل رسول الله ﷺ عن أفضل الرِّقاب فقال: "أغْلَاها ثَمَنًا، وأنفَسُها عند أهلها" (١٢). وهذا كلُّه مدارُه على صحّة النّية، قال

стр. 2007

رسول الله ﷺ : "إنّما الأعمالُ بالنِّياتِ " (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٢). حديث مالك (٣)، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رَسُولَ الله ﷺ رأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فقالَ: "ارْكَبْهَا" فقالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ، فقَالَ: "وَيْلَكَ " في الثَّانية أو الثَّالثة. اختلف (٤) العلّماءُ في ركوب الهَدْيِ الواجبِ (٥). فذهب أهل الظّاهر إلى ركوبه، وأنّ ذلك جائز من (٦) ضرورة وغير ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك لقول رسول الله ﷺ : "اركَبها". وذهبت طائفة من أهل الحديث؛ أنّه لا بأس بركوب الهَدْي على ظاهر الحديث (٧). والَّذي ذهب إليه مالك (٨) والشّافعىّ (٩) وأبو حنيفة (١٠) وأصحابهم وأكثر عامة الفقهاء: كراهية ركوب الهَدْيِ من غير ضرورة. وكذلك كَرِهَ مالك (١١) شُربَ لَبَنِ البَدَنَة وإن كان بعد رِيِّ فَصِيلهَا، فإنْ فَعَلَ (١٢) فلا شىءَ عليه (١٣). إكمال هذا الباب (١٤): لم يختلف العلماء: أنّ النّاقة إذا قلّدت وهي حامل ثمّ ولدت، أنّ ولدها حُكْمُه

стр. 2008

في النّحر حكمها؛ لأنّ تقليدَها إخراجٌ لها من مِلْك مقلِّدِها لله، وكذلك إذا نذر نَحْرَها وهي حاملٌ وإن لم يقلّدها. العملُ في الهَدْيِ حين يُساقُ (١) الأحاديث: قال القاضي: التّقليدُ في الهدي إعلامٌ بأنّه هَدْيٌ (٢)، والنّيّة مع التّقليد تُغْنِي عن الكلام فيه. وكذلك إشعارُه والتجليلُ (٣) عند مالك (٤). وأمّا قوله (٥):"كان إذا أهْدَى هَدْيًا من المدينة قلَّدَهُ بِذِي الحُلَيْفَة" قَلَّدَ الهَدْيَ وأشعَرَهُ وأحرمَ. فإن كان الهَدْيُ من الإبل أو البقر، فلا خلاف أنَّه يُقلّدُها نَعْلًا أو نعلين، أو ما أشبه ذلك لمن لم يجد النّعال. قال مالك: يجزئ النّعل الواحد في التقليد (٦)، وكذلك هو عند غيره. وقال الثَّوريُّ: يُقَلِّد نَعْلَين (٧). واختلفوا في تقليد الغَنَم؟ فقال مالك (٨) وأبو حنيفة (٩): لا تقلّد (١٠).

стр. 2009

وقال الشّافعيّ (١): تُقَلِّدُ الإبلُ والبقرُ النّعال، وتقلَّدُ الغنمُ الرِّقاعَ، وهو قول أحمد (٢) وإسحاق. وقال مالك (٣): لا ينبغي أنّ يُقَلّد الهَدْي إِلَّا عند الإهلال، يقلّدُه، ثمّ يُشْعِرُه، ثمّ يصلّي، ثمّ يُحرِم. وأمّا توجُّهه إلى القِبْلَة في حين تقليده، فإن القِبْلَة على كلّ حالٍ يُستحبُّ استقبالُها بالأعمال الّتي يرادُ بها وجه الله تعالى في الصّلاة وغيرها، وتدخل فيه الذّكاة (٤)، وكان رسول الله ﷺ يستقبلُ بذَبحه (٥) القِبْلَة ويقول: "وجّهْتُ وجهي لِلَّذي فَطَرَ السَّمواتِ والأرضَ ... " (٦). وأمّا تقليدُه بنَعْلَين، فقد رُوِيَ عن النَّبىِّ ﷺ (٧)، وإنّما التّقليدُ علامةٌ للهَدْي، كأنّه إشهارٌ منه أنّه أخرجَ ما قَلَّدَهُ من مُلْكِه إليه (٨)، وجائز أنّ يُقَلِّدَ بنَعلٍ واحدةٍ، ونَعلان أفضل لمن وجدهُما. وكذلك الإشعارُ علامةٌ أيضًا للهَدْيِ (٩)، وجائزٌ الإشعار في الجانب الأيمن، وفي الجانب الأيسر (١٠)، وأهلُ العلّم يستحبّون الإشعارَ في الجانب الأيمن، لحديث ابن عبّاس ذَكَرَهُ أبو داود (١١) بإسناده؛ أنّ رسول الله ﷺ صَلَّى الظُّهرَ بذي الحُلَيْفَةِ، ثمّ دعا بَبَدَنَةٍ فأشعرها من صفحتها الأيمن (١٢).

стр. 2010

وكان مالك يقول: يُشْعَرُ من جانبه الأيسر، على ما رواه نافع عن ابن عمر؛ أنّه كان يُشْعر في الشّقِّ الأيسر (١). وقال مجاهد: أشْعِرْ من أيِّ جهةٍ شئتَ. وأمّا أبو حنيفة (٢) فكان يُنْكر ذلك ويقول: إنّما كان ذلك قبل النَّهْي عن المُثْلَة (٣). وهذا حُكْمٌ لا دليل عليه إِلَّا التَّوهّم والظَّنُّ، ولا تُتْرَك السُّنَنُ بالظَّنِّ. وأمّا نَحْرُهُ بمِنىً، فهو المنْحرُ عند جميع العلماء في الحجِّ. فأمَّا تقديمُه النَحْرَ قبل الحَلْق، فهو أوْلَى عند جميع النَّاس. وأمّا صَفُّ اليدين (٤)، فمأخوذٌ من قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٥). وأمّا أكله منها، فقائم من قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ...﴾ الآية (٦). وأمّا قوله عند نحره: "بسم الله واللَّهُ أكبر" فقائم من قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ (٧) فمن أهل العلّم من يستحبُّ التَّكبيرَ مع التسمية كما كان ابن عمر يفعل (٨)، وذلك قوله تعالى (٩): ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (١٠)، ومنه ممّن كان يقول: التَّسمية تُجزىء ولا يزيدُ على اسم الله.

стр. 2011

قال القاضي (١): وأحبُّ إلَيَّ أنّ أقول (٢): بسم الله والله أكبر، لما رُوِيَ ذلك (٣) عن النّبىّ ﷺ (٤) أنَّه كان يقول في ذبح أضحيّته، وهو قول أكثر أهل العلّم. وأمّا أصحاب الشّافعيّ (٥) ومن تابعه، فيقولون: اسمُ الهَدْيِ مشتقٌ من الهَدِيَّة، فإذا أُهْدِيَ إلى مساكين الحرم فقد أجزأ من أي موضع (٦). واختلف العلماء فيما لا (٧) يجوز من أسنان الضّحايا والهدايا، بعد إجماعهم أنّها تكون من الأزواج الثّمانية الّتي قال الله تعالى (٨). وأجمعوا أنّ الثَّنِىَّ فما فوقه يجزئ منها كلّها. وأجمعوا أنّه لا يجوز الجَذَعُ من المَعْزِ في الضَّحايا ولا في الهدايا، لقوله ﷺ لأبي بُرْدَةَ: "ولن تُجْزِي عن أحدٍ بَعْدَكَ" (٩). واختلفوا في الجَذَعِ الضَّأْنِ، فأكثر أهل العلّم يقولون: يجزئ (١٠) الجَذَعُ من الظَّأْنِ هَدْيًا وأُضْحِيةً، وهذا قول مالك (١١) وأبي حنيفة (١٢) والشّافعىّ (١٣) واللّيث وأحمد (١٤) وإسحاق، وكان ابنُ عمر يقول: لا يجزئ في الهدايا إِلَّا الثَّنِىّ من كلِّ شيء (١٥).

стр. 2012

هدْيُ المُحْرِم إذا أصاب أهلَه (١) الأحاديث: اختلف العلماء فيمن وَطِىءَ أهلَه بعد عَرَفَة وقبلَ رَمْيِ جمرة العَقَبة، وفيمن وطئ قبل الإفاضة؟ فمذهب مالك (٢) أنّ عليه أنّ يعتمر ويُهدي، وليس عليه حجٌّ قابلٌ. قال مالك (٣): ليس على مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ مرارًا وهو مُحْرِمٌ إلّا هَدْيٌ واحد عليهما، كذلك إذا طاوعته (٤). قال أبو حنيفة (٥): إذا كَرَّرَ الوَطْأَ في محل (٦) واحدٍ أجزأ عنه واحد (٧). وقال مالك: من وطِىءَ ناسيًا أو عامدًا عليه حجٌ قابلٌ والهَدْيُ، وهو قول الشّافعيّ (٨)، ولا يختلف قوله أنّه لا قضاء عليه ولا كفّارة كالصّيام. قال القاضي (٩): أحكامُ الحجِّ في قتل الصّيد ولبس الثيّاب وغير ذلك يستوي فيه الخطأُ والعمدُ، وكذلك يجب أنّ يكون الوطء، والكلام عندي من الجائزات (١٠). ما استيسر من الهَدْي (١١) مالك (١٢)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه؛ أنّ عليًّا كان يقول: "ما اسْتَيْسَرَ

стр. 2013

من الهَدْيِ شاةٌ". البابُ كلّه. قال القاضي (١): قد أحسن مالك في احتجاجه في هذا الباب بما لا مَزِيدَ لأحدٍ فيه، وعليه جمهور العلماء، وعليه تدورُ فَتْوَى فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق فيما اسْتَيْسَرَ من الهَدْيِ، وكان ابن عمر يقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) بَدَنَةٌ (٣). الوقوف بعَرَفَة والمُزْدَلِفَة مالك (٤)؛ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ (٥)، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَالْمزدَلِفةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ". الإسناد (٦): هذا حديث متَّصِلٌ من وجوهٍ صِحَاحٍ من حديث جابر (٧) وابن عبَّاس (٨). اختلف العلماء فيمن وقف بعَرَفَة بِعُرَنَةَ (٩)؟ فقال مالك - فيما ذكر ابن المُنْذِر عنه -: إنّه يهرقُ دمًا وحَجُّه تامٌّ. وأمّا قوله: "والمزدلفةُ كلُّها موقفٌ وارتفعوا عن بَطْنِ مُحَسِّرٍ" فالمزدلفةُ عند العلماء ممّا يلي عَرَفة إلى وادي مُحَسِّر عن اليمين والشّمال من تلك (١٠) البطون والشّعاب (١١) والجبال كلّها. وأمّا وادي مُحَسِّر (١٢) فهو مِنْ دون المزدلفة، فكلّ من وقف بعرَفَة للدّعاء ارتفع

стр. 2014

عن عُرَنَة، وكذلك من وقف بالمشعر الحرام صَبِيحَةَ يوم النَّحر وهو المزدلفة، وهو جمعٌ (١)، وله ثلاثة أسماء لمكانٍ واحدٍ، وقد ثبت أنّ النّبيّ ﷺ أسرع في بطن مُحَسِّر. قال مالك (٢): قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٣) قال: فالرَّفَثُ إصابةُ النِّساءِ إلخ (٤) قوله. فأمَّا الرّفث (٥): فهو مجامعةُ النّساء عند أكثر أهل العلّم. وأمّا الفُسوق والجِدال: فقد اخْتُلِفَ فيه، رُوِيَ عن ابن عبّاس أنّه قال: "الرَّفث: الجماعُ، والفُسوقُ: المعاصي، والجدالُ: أنّ تمازح أخاك حتّى تغضبه" (٦). وروي أيضًا عنه أنَّه قال: الرَّفَثُ هو التّعريض للجماع (٧). وقال غيره (٨): الرَّفَث: جِماعُ النِّساء، والفُسوقُ: ما أصاب من محارم الله من صَيْدٍ أو غيره، والجدالُ: المشاتمةُ (٩). وقوف الرَّجل وهو غير طاهر ووقوفه على دابته (١٠) سُئِل (١١) مالك (١٢) عن الوقوف بعَرَفَةَ للرّاكب أينزل أم يقف راكبًا؟ فقال: بل يقف راكبًا، إِلَّا أنّ يكونَ به عِلَّةٌ (١٣)، فاللَّهُ أعْذَرُ بالعُذْرِ.

стр. 2015

وإنّما قال ذلك؛ لأنّ رسول الله ﷺ وقف بعَرَفَة راكبًا، ولم يزل كذلك إلى أنّ دفعَ منها بعد غروب الشّمس، وأردف أُسامة خَلْفَهُ (١). وقال ابنُ وَهْب في "موطّئه": قال لي مالك: الوقوفُ بعَرَفَة على الدّوابّ جائز، لكن أحبّ إليّ أنّ أقف قائمًا، قال: ومن وقف قائمًا لا بأس أنّ يستريح (٢). وقوف من فَاتَه الحجِّ بعَرَفَة الأحاديث (٣): قال القاضي (٤): الّذي ذكر مالك في هذا الباب عن ابن عمر (٥)، هو قولُ جماعة أهل (٦) العلّم قديمًا وحديثًا لا يختلفون فيه. لم يختلف العلماء والآثار (٧) في أنّ رسول الله ﷺ صلّى الظّهر والعصر جميعًا بعَرَفَةَ، ثمّ ارتفع فوقف بحبالها داعيًا إلى الله ، ووقف معه كلّ من حضر إلى غروب الشّمس، وأنّه لما استيقن (٨) غروبها وبان له ذلك دفع (٩) إلى المزدلفة. وأجمعوا أنّه كذلك سُنّة الوقوف بعَرَفَة والعمل فيها. وأجمعوا أنّ من وقف بعَرَفَة يوم عَرَفَة قبل الزّوال، ثمّ أفاض قبل الزّوال، أنّه لا يعتدُّ بوقوفه قبل الزّوال، وأنّه إنَّ لم يرجع فيقف بعد الزّوال، أو يقف من ليلته تلك قبل الفجر، فقد فاتَه الحجُّ. ثمّ اختلفوا فيمن وقف بعَرَفَة بعد الزّوال مع الإمام، ثمّ دفع منها قبل غروب الشّمس؟.

стр. 2016

فقال مالك (١): إنَّ دفع منها قبل أنّ تغيب الشّمسُ، فعليه الحجِّ قابلًا، وإن دفع منها (٢) قبل غروب الشّمس، ثمّ عاد إليها قبل الفجر أنّه لا دَمَ عليه. وقال سائر العلماء: من وقف بعَرَفَة بعد الزَّوال فحجُّه تامٌّ، وإن دفع قبل الغروب، إلّا أنّهم اختلفوا في وجوب الدّم عليه إنَّ رجع ليلًا فوقف: فقال الشّافعيُّ (٣): إنَّ عاد إلى عَرَفَة حتّى يدفع بعد مغيب الشّمس فلا شيءَ عليه، وإن لم يرجع (٤) حتّى يطلع الفجر أجزأت عنه حجّته وأهرق (٥) دمًا. الفصل الثّاني (٦) في المسائل قال مالك (٧) في العبد يُعْتَقُ في الموْقِفِ بِعَرَفَةَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لا يُجْزىء عَنْهُ من (٨) حَجَّةِ الإسْلَامِ، إِلَّا أنّ يَكُونَ لَمْ يُحْرِمْ، فيُحْرِمْ بَعْدَ أنّ يُعْتَقَ ثُمَّ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ (٩) تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أنّ يَطلُعَ الفَجْرُ. فإن فعل أجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، كان بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ. تنبيه: قال القاضي ﵁ (١٠): لم يذكر يحيى عن مالك في "الموطّأ" الصّبيّ يُحْرِمُ مراهقًا ثُمَّ يحتلمُ، وحُكْمُهُ عنده حُكْمُ العبد سواء.

стр. 2017

واختلف العلماء في المراهق والعبد يُحْرِمَانِ بالحجِّ، ثمّ يحتلم هذا، ويُعتَقُ هذا قبل الوقوف بِعَرَفَة؟ فقال مالك وأصحابُه (١): لا سبيل إلى رفض الإحرام لهذين، ولا لأحَدٍ (٢)، ويتماديان على إحرامهما، ولا يجزيهما (٣) حجّهما ذلك عن حَجَّةِ الإسلام. وقال أبو حنيفة وأصحابه (٤): إذا أحرم الصّبيُّ والعبدُ بالحجِّ، فبلغَ الصّبيُّ وعُتق العبدُ قبل الوقوف بعَرَفَة، أنّهما يستأنفان الإحرام ويجزيهما عن حَجَّة الإسلام، وعلى العبد دَمٌّ لتَرْكِه الميقاتَ، وليس على الصّبيُّ دَمٌ. وقال الشّافعىّ (٥): إذا أحرم الصّبيُّ، ثمّ بلغ قبل الوقوف بعَرَفَة، فوقف بها مُحْرِمًا، أجزأه عن حَجَّة الإسلام، وكذلك العبدُ إذا أحرم، ثمْ أُعتِقَ قبل الوقوف بعَرَفَة، فوقف بها مُحْرِمًا أجزأه عن حَجَّة الإسلام ولم يحتج إلى تجديد إحرام واحد منهما. وقد قال بهذه الأقوال الثّلاثة جماعة المسلمين وجملة فقهاء التّابعين (٦). وحُجّةُ مالك: أنّ الله كلَّف من دخل الحجَّ أو العمرة، فإتمامُه حَجُّهُ تطوُّعًا كان أو فرضًا، لقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٧) ومن رفض إحرامه لم يتمّ حجّه ولا عمرته. واختلفوا في جماعة أهل الموسم يخطئون العَدَدَ فيقفون بعَرَفَة في غير يوم عَرَفَة على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: إنَّ وقفوا قبلُ لم يجزهم، وإن وقفوا بعدُ أجزأهم. والثّاني: أنَّه يجزيهم بعدُ، ولا يجزيهم قبل، وهو قول مالك (٨).

стр. 2018

قال بعضهم (١): يجزيهم قبلُ وبعدُ قياسًا على القِبْلَةِ، وأبو ثور وداود (٢) لا يجيزان الوقوف لا بعدُ ولا قبلُ. وروى يحيى (٣)، عن ابن القاسم؛ قال: إذا أخطأ أهل الموسم، فكان وقوفُهم بعَرَفَةَ يوم النّحر، مَضَوْا على عملهم، وإنْ تَبَيَّنَ ذلك لهم وثبت ذلك عندهم في بقيَّة يومهم ذلك أو بعده، وينحرون من الغَد ويعملون باقي عمل الحجِّ، ولا يتركون الوقوف بعَرَفَة من أجل أنّه يوم النّحر، ولا ينقصون من رَمْي الجمار الثّلاثة الأيّام بعد (٤) يوم النّحر، ويجعلون يوم النّحر للغد بعد وقوفهِم، ويكون حالُهم في شأنّهم (٥) كلِّه كحال من لم يخطئ. قال (٦): فإذا أخطأوا فَقَدَّموا الوقوف بعَرَفَة يوم التّروية، أعادوا الوقوف من الغَدِ من يوم عرفة بعينه (٧)، ولم يجزهم الوقوف يوم التّروية، وبه قال سحنون. واختلف (٨) قولُ ابن القاسم فيمن وقف يوم التّروية، وكذلك قال يحيى بن عمر (٩): اختلف قول سحنون أيضًا فيها. قالِ القاضي ﵁ (١٠): إنّما هذا في جماعة أهل الموسم وأهل البلد يَغْلَطون في الهلال، وأمّا المنفردُ فلا مدخلَ له في هذا الباب، وإذا أخطأ المنفردُ في

стр. 2019

أيّام العيد (١) لزمه إذا لم يُدرِك الوقوف بعَرَفَة من ليلة النّحر ما يلزم من فاته الحجِّ، واجتهادُه في ذلك كلِّه اجتهادٌ. وأمّا الجماعة فاجتهادهم سائغٌ، والحرجُ عنهم ساقطٌ، لقوله ﷺ : "أضْحَاكُم حين تُضَحُّون، وفِطْرُكُم حين تُفْطِرُونَ" (٢) فأجاز للجميع اجتهادهم. واحتجّ الشّافعيّ (٣) في إسقاط تجديد النّية بأنّه جائزٌ لكلِّ من نَوَى بإهلاله الإحرام أنّ يضمّه (٤) إلى ما شاء من حجّ أو عمرة؛ لأنّ الرّسول ﷺ أمر أصحابه المهلِّين بالحجِّ أنّ يفسخوه في عمرة، وبقول عليّ وأبي موسى: "إهلالُنا كإهلال (٥) النّبيِّ ﷺ " (٦) يريد أنّ إهلالهما على إهلاله كائنًا ما كان، فدَلّ على أنّ النِّيَّة في الإحرام ليست كالنِّيَّة في الصّلاة. السَّيرُ في الدَّفعة (٧) الحديث (٨): قال (٩): "كان يسيرُ العَنَقَ، فإذا وَجَدَ فُرْجَةً ... ". قال القاضي: هكذا قال يحيى: "فُرْجَة" وتابعه جماعة منهم: أبو مصعب (١٠) وابنُ بُكَيْر. وقالت طائفة منهم: ابن وَهْب وابن القاسم (١١) والقَعْنَبِيّ (١٢): "فإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ".

стр. 2020

والفُرْجَة والفَجْوَة سواء في اللّغة. وليس في الحديث أكثر من معرفة كيفية السّير في الدّفع من عَرَفَة إلى المزدلفة، وهو شيءٌ يجب الوقوفُ عليه وامتثالُه على أيمّة الحاجّ فيمن (١) دونهم؛ لأنّ في استعجال السّير إلى المزدلفة استعجال الصّلاة، ومعلومٌ أنّ المغرب لا تصلّى تلك اللّية إِلَّا مع العشاء بالمزدلفة، وتلك سنّتُها، فيجب ذلك على حسب ما فعلَه رسول الله ﷺ ، فمن قَصَّرَ عن ذلك أو زاد (٢)، فقد أساء إنَّ كان عالمًا بذلك. نكتةٌ لغويّة: قال (٣): واصل النَّصِّ في اللّغة: الدّفع، يقال منه: نصّت الدّابّةُ في سيرها (٤). وقال أبو عُبَيْد (٥): النَّصُّ التَّحريكُ (٦) الّذي يُسْتَخْرَجُ به (٧) من الدَّابةِ أقصى سَيْرِها. وأمّا النّصّ في الشّريعة: فللفقهاء في العبارة عنه تنازع ليس هذا موضع ذِكْرِهِ. ما جاء في النّحر في الحجِّ الأحاديث (٨): قال القاضي (٩): هذا (١٠) حديثٌ مرسلٌ (١١) ويستند عن النّبيّ ﷺ من حديث عليّ (١٢)،

стр. 2021

وجابر (١)، ورواه الحميديّ (٢) الفصل الأوّل (٣) في ذكر الفوائد أمّا قولها (٤): "فَدَخَلَ علينا يَوْمَ الَّنحْرِ بِلَحْمه بَقَرٍ ... " الحديث. فيه من الفقه: أنّ رسول الله ﷺ نَحَر عن أزواجه الهَدْي الّذي نحره عن نفسه؛ لأنّه محفوظ عنه من وجوهٍ صِحَاح (٥). وفيه: عرضُ العالِم على من هو أعلم منه بما عنده (٦) ليعرف قوله فيه. وفيه (٧): أنّ أهل الدّين (٨) إذا سمعوا الصّادق (٩) صدّقوه وفرحوا به (١٠). وفيه: جوازُ نحر البقر، ومن أهل العِلْم من كره ذلك، لقول الله تعالى في البقرة: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا ...﴾ الآية (١١). قال القاضي (١٢): والّذي عليه الجمهور أنّ البقرة يجوز فيها الذّبح بدليل القرآن، والنّحر بالسُّنَّة. وأمّا الإبل فتُنحَر ولا تُذبَح، والغنم تذبح ولا تنحر، وسيأتي ذِكرُها في "كتاب الذّبائح" إن شاء الله.

стр. 2022

العمل في النّحر (١) مالك (٢)، عن جعفر بن محمّد، عن محمّد، عن (٣) علىّ؛ أنّ رسول الله ﷺ نحر بعضَ هَدْيِهِ ونحر بعضَه غيرُهُ. هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الباب، وتابعه القَعْنَبيّ (٤)، ورواه ابنُ القاسم (٥) وابن بُكَيْر (٦) قالوا فيه: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر (٧)، وأرسله ابنُ وَهَبْ أيضًا عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، ولم يقل عن جابر (٨). فيه من الفقه: أنّ يتولَّى الرَّجُل نحرَ هَدْيه بيده، وذلك مستحبٌّ عند أهل العلم لفعل رسول الله ﷺ ذلك (٩) بيده، ولأنّها قُربةٌ إلى الله، وجائز أنّ ينحر الهدي والضّحايا غير صاحبها. واختلف العلماء فيمن ذُبحت أُضحيّتُه بغير إذنه: فقال مالك: إنّها لا تجزئ عن الذّابح، وسواء نوى ذبحها (١٠) عن نفسه أو عن صاحبها، وعليه ضمانها. ورَوَى ابن عبد الحَكَم عنه؛ أنّ الذّابح إذا كان مثل الولد (١١) أو بعض العيال فأرجو أن يجزئ. وقال ابن القاسم عنه مثل ذلك، إِلَّا أنّ ابن القاسم قال عنه (١٢): تجزئ في الولد وبعض العيال (١٣).

стр. 2023

وقال الثّوري: يجزئ عن صاحبه (١). وكذلك قول مالك (٢) في المعتمرين (٣) إذا ذبح أحدُهما شاةَ صاحبه عن نفسه، ضمنَها ولم يجزه ذبح شاته. وأمّا النّحر قائما، فقد قيل في معنى قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ (٤) يعني: قيامًا، واختار العلماء نحرها رقودًا لقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٥) والوجوبُ: السّقوط إلى الأرض عند العرب. وقال الثَّوريّ: إنَّ شاء أضجعها وإن شاء نحرها قائمة. وقال مالك (٦): لا يجوز لأحد أنّ يحلِقَ رأسَه حتّى يَنْحرَ هَدْيَه، ولا ينبغي لأحد أنّ يَنْحَرَ قبل الفجر يومَ النَّحْر، وإنّما العمل كلُّه يومَ النَّحر: الذَّبْحُ، ولُبْسُ الثَّيابِ، وإلقاءُ التَّفَثِ، و الحِلَاقِ ، ولا يكون شيءٌ من ذلك قبلَ يومِ النَّحر. هذا لا خلاف فيه؛ لأنّ جمرة العَقَبَة إنّما تُرْمَى ضُحَى يوم النَّحر. الحِلَاق (٧) الأحاديث (٨): قال القاضي: ليس فيه (٩) ذِكْرُ الموضع الّذي قال فيه رسولُ الله ﷺ هذا القول، وهو محفوظ من حديث ابن عبّاس (١٠)، وأبي سعيد (١١)، وأبي

стр. 2024

هريرة (١)، والمِسْوَر (٢)؛ أنّ رسول الله ﷺ قال ذلك يوم الحُدَيْبيَة. وأجمع المسلمون على أنّ (٣) النّساء لا يحلقن، وأنّ سُنّتهنّ التّقصير، وقد ثبت أنّ ذلك كان يوم الحُدَيْبِيَة حين أُحصِر رسول الله ﷺ ومُنِع من النُّهوض إلى البيت. واختلف الفقهاء هل الحِلاق نُسُك يجب على الحاجّ والمعتمر أم لا؟ فقال مالك: الحِلاق نُسُكٌ (٤) يجب على الحاج والمعتمر، وهو أفضل من التّقصير، ويجب على كلّ من فاتَه الحجِّ أو أُحصِر بعدوٍّ أو مرض (٥)، وهو قول جماعة الفقهاء، إِلَّا في المُحْصَر بعدُوّ هل هو من النُّسُك (٦) أم لا؟ وقد اختلفوا في ذلك؟ فقال أبو حنيفة (٧): المُحْصَرُ ليس عليه حِلاقٌ ولا تقصير. وقال أبو يوسف: يُقصِّر، وإن لم يُقصِّر فلا شيء عليه (٨). واختلف قول الشّافعيّ، هل الحِلاقُ من النُّسُكِ أو ليس من النُّسُك على قولين: أحدهما: الحِلاقُ من النُّسُك (٩). والآخر: الحِلاقُ من الإحلال؛ لأنّه ممنوع منه بالإحرام (١٠). ومن جعل الحِلَاق نُسُكًا أوجبَ عليه دمًا.

стр. 2025

واختلف قول مالك فيمن أفاض قبل أنّ يَحْلِق؟ فذكر ابن عبد الحَكَم (١) قال: ومن أفاض قبل أنّ يَحْلِق، فليَحْلِق ثمّ ليُفِضْ ولا شيء عليه، وقد قال: يَحْلِق وينحر ولا شيء عليه، قال: والأوّل أحبّ إلينا. وقال ابنُ حبيب: يعيدُ الإفاضةَ. وليس في تأخير الحِلاق حرجٌ إذا شغَلَه عنه ما يمنعه منه. وأمّا قول مالك (٢): "التَّفَثُ: حِلَاقُ الشَّعْرِ ولُبْسُ الْخُفِّ (٣) وما يَتْبَعُ ذَلِكَ" فهو كما قال: لا خلاف في ذلك. وسُئِلَ مَالِكٌ (٤) عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ حَلْقَ رَأْسِهِ فِي الْحَجِّ، هَلْ لَهُ رُخْصَهٌ أَنْ يَحْلِقَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: ذَلِكَ وَاسِعٌ وَالحِلَاقُ بِمِنىً أَحَبُّ إلَىَّ" وإنَّما استحبَّ ذلك ليكون حَلْق رأسه في حَجِّه حيث ينحر هَدْيه، وذلك في مِنىً، وهو مَنْحَرُ الحاجِّ عند الجميع من الجماهير (٥)، وأجازه بمكّة. كما يجوز النّحْرُ بمكّة لمن لم ينحر بمِنىً؛ لأنّ الهَدْيَ إذا بلغ مكَّة فقد بلغ محلَّه. وقول مالك (٦): "الأمْرُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، أنَّ أحَدًا لا يَحْلِقُ رَأسَهُ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ، وَلَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ (٧) حتَّى يَحِلَّ بمِنىً يومَ النَّحْر، وذلك أنّ اللَّهَ تَعَالَى قالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٨). واختلف العلماء فيمن حلقَ قبل أنّ ينحر أو قبل أنّ يرمي؟ فقال مالك: إذا حَلَقَ قبل أنّ يرميَ فعليه دمٌ (٩)، وإن حَلَقَ قبل أنّ ينحرَ فلا شيء عليه (١٠).

стр. 2026

قال الشّافعيُّ (١): إذا حلق قبل أنّ يرمي أو قبل أنّ ينحر، فلا شيء عليه (٢). وقال أبو حنيفة (٣) والثّوريّ (٤): إنَّ حلق قبل أنّ ينحر أو يرمي فعليه دمٌ، وإن كان قارنًا فعليه دمان (٥). التّقصير (٦) الأحاديث (٧): روى القاسم (٨) أنّ التّقصير بالأسنان ليس هو الشّأْنُ. وأجمعوا أنّ سُنَّةَ المرأةِ التّقصيرُ لا الحِلاق؛ لأنّه قد رُوِيَ (٩) عن النّبيّ ﷺ ؛ أنّه قال: "لا تحلقُ المرأةُ رأسها" (١٠). قال الحسن: حلق رأسها مُثْلَةٌ. ورأى القاسم الأخذ بالجَلَمَيْنِ (١١) للتقصير (١٢)؛ لأنّه المعروف في التّقصير، كما أنّ المعروف في الحِلَاقِ الحَلْقُ بالموسى في الحجِّ. وكان مالك يقول: الحَلْقُ في غير الحجِّ بالموسى مُثلَةٌ. وفي أخذ ابنِ عمر (١٣) من لحيته في الحجِّ دليلٌ على جواز الأخذ من اللِّحية في

стр. 2027

غير الحجِّ؛ لأنّه لو كان ذلك غير جائز في سائر الزّمان ما جاز في الحجِّ، وقد رُوي عن عليّ؛ أنّه كان يأخذ من لحيته ممّا يلي وجهه (١)، وعن أبي هريرة؛ أنَّه كان يأخذ من اللّحية ما فضلَ من القبضة (٢)، وقال قتادة (٣): ما (٤) كانوا يأخذون من طولها في الحجِّ والعمرة (٥)، وكانوا يأخذون من العارض (٦)، كلّ هذا في "كتاب ابن أبي شَيْبَة". التَّلبيد (٧) الأحاديث (٨): قد روى في هذا الحديث (٩): "لا تُشَبّهُوا" بضمِّ التّاء وفتحها، وهو الصّحيح، فمن روى: "لا تُشَبِّهُوا" أراد: لا تُشَبِّهوا علينا فتعملون أعمالًا تُشبه (١٠) التّلبيد (١١) الّذي من سُنَّةِ فاعله أنّ يحلِقَ. قال (١٢): والتَّلبيدُ سُنَّة الحَلْقِ، وذلك أنّه من لَبَّدَ رأسه بالخِطْمِيِّ (١٣) وما أشبه ذلك ممّا (١٤) يمنع وصول الدّوابّ (١٥) إلى أصول الشَّعر وقاية لنفسه (١٦).

стр. 2028

ومعنى قوله (١): "لا تشبّهوا بالتَّلبيد" أي لا تفعلوا أفعالًا حُكْمُها حُكْمُ التَّلبيد في العَقْصِ (٢) والضَّفْر ونحو ذلك، ثمّ (٣) تقصّرون ولا تحلِقون وتقولون: لم نُلَبِّد. الصّلاةُ في الكعبة (٤) الأحاديث (٥): الإسناد: هكذا رواه (٦) جماعة عن مالك (٧) انتهوا فيه إلى قوله: "ثمّ صلّى" وزاد ابن القاسم (٨): "وجعلَ بينه وبين الجِدار ثلاثةَ (٩) أذْرُعٍ". وفي الحديث: رواية الصّاحب عن الصّاحب. الفقه: واختلف العلماء في الصّلاة في الكعبة الفريضة والنافلة (١٠):

стр. 2029

فقال مالك (١): لا يصلّي فيها الفَرْض ولا الوتر ولا ركعتا الفجر ولا الطّواف. واختلف قوله وقول أصحابه فيمن صلّى فيها أو على ظهرها الفريضة، فالأشهر عندهم أنّه يعيد في الوقت (٢). وقال الشّافعيّ (٣) وأبو حنيفة والثّوريّ: يصلّي فيها الفريضة والنّافلة. قال الشّافعيّ (٤): إنَّ صلّى في جوفها مستقبِلًا حائطًا من حيطأنّها فصلاتُه جائزةٌ، وإن صلّى نحو (٥) الباب والباب مفتوح فصلاتُه باطلةٌ (٦)؛ لأنّه لم يستقبِل شيئًا منها، ومن صلّى على ظهرها فصلاتُه باطلة؛ لأنّه لم يستقبِل شيئًا منها. وقال أبو حنيفة: من صلّى على ظهرها لا شيء عليه (٧). واختلف أهل الظّاهر (٨) فيمن صلّى في الكعبة، فقال بعضهم: صلاته جائزة؛ لأنّه قد استقبل بعضها. وقال بعضهم: لا صلاة له؛ لأنّه قد استدبر بعضها، وقد نهى عن ذلك حين أمرنا أنّ نستقبلها، واحتجّ بقول ابن عبّاس حين أمر النَّاس أنّ يصلّوا إلى الكعبة ولم يُومروا أنّ يصلّوا فيها (٩).

стр. 2030

تعجيل الصّلاة بعَرَفَة وتعجيل الوقوف بها (١) الحديث (٢): الإسناد: قال القاضي: هذا الحديث يخرج من (٣) المُسْنَد (٤)، لقول ابنِ عمر للحجّاج: الرَّوَاحُ هذه السّاعة إنَّ كنت تريدُ السُّنَّةَ. الفصل الثّاني (٥) في الفوائد وفيه فقهٌ وأدبٌ كثير، وعلمٌ كبيرٌ من علوم الحَجِّ: فمن ذلك: إقامةُ الحجِّ إلى (٦) الخلفاء ومن جَعلوا ذلك إليه وأمّروه (٧) عليه. ومنه أيضًا: إقامةُ الحجِّ تجب على الأمير على الموسم، ويُعينُه أيضًا من هو أعلم منه بالكتاب والسُّنَّة وطريق (٨) الفقه. وفيه: الصّلاة خلف الفاجرُ من السّلاطين. ولا خلاف بين العلماء أنّ (٩) الحجَّ يقيمه السّلطان (١٠) للنَّاس، ويستخلفُ عليه من يُقيمُه لهم على شرائعه وسُنَنِه، فيصلّون خَلْف الإمام برًّا كان أو فاجرًا أو

стр. 2031

مبتدعًا، ما لم تخرجه بدعتُه عن الإسلام. وفيه: أنّ الرَّجُل الفاضل لا يؤخذ (١) عليه في مشيه إلى السّلطان الجائر فيها يحتاج إليه. وفيه: أنّ رواح الإمام من موضع نزوله بعَرَفَة إلى المسجد حين تزول (٢) الشّمس للمع بين الظّهر والعصر في المسجد في وقت الظهر سُنّة، وكذلك فعل رسولُ الله ﷺ ، ويلزم ذلك كلّ من بَعُدَ عن المسجد بعَرَفَة أو قُرْبَهُ، إلّا أنّ يكون موضع نزوله متّصلًا بالصّفوف، فإنْ لم يفعل وصلَّى بصلاة الإمام فلا حَرَجَ (٣). واختلف العلماء في وقت أذان المؤذِّن بعَرَفَة للظُّهر والعصر، وفي جلوس الإمام للخُطْبة قبلهما: فقال مالك: يخطُبُ الإمام طويلًا، ثمّ يُؤَذِّنُ (٤) وهو يخطبُ، ثمّ يصلِّي، وهذا معناه (٥) أنّ يخطُبَ الإمامُ صدرًا من خُطبته، ثمّ يؤذِّنُ المؤذِّن، فيكون فراغُه مع فراغ الإمام من الخُطبة، ثمّ ينزلُ فيقيمُ (٦). وحَكَى عنه (٧) ابنُ نافع أنّه قال: الأذانُ بعَرَفَةَ بعد جلوس الإمام للخُطبة (٨). وقال الشّافعيُّ (٩): يأخذُ المؤذِّنُ في الأذان إذا قام الإمام للخُطبة الثَّانية، فيكون فراغُه من الأذان بفراخ الإمام من الخُطبة.

стр. 2032

وقال أبو حنيفة (١) وأبو يوسف (٢): إذا صعدَ الإمامُ المِنْبرَ أخذ المؤذِّنُ في الأذان، كما يفعل في الجمعة (٣). وسئل مالك: إذا صعد الإمام المِنْبَرَ يوم عَرَفَة أيجلس قبل أنّ يخطب؟ قال: نعم، ثمّ يقومُ فيخطُبُ طويلًا، ثمّ يؤذِّنُ المؤذِّنُ وهو يخطبُ، ثمّ يصلِّي، ذَكَرَهُ ابن وهب عن مالك (٤)، وقال (٥): يخطُبُ خُطبتين (٦). وأجمع العلّماءُ أنّ رسول الله ﷺ إنّما صلّى بعَرَفَةَ صلاةَ المسافر لا صلاةَ جمعةٍ، ولم يجهر بالقراءة. وكذلك أجمعوا أنّ الجمع بين الصّلاتين الظُّهر والعصر يوم عَرَفَة مع الإمام سُّنَّةٌ مجتمعٌ عليها. واختلفوا فيمن فاتته الصّلاةُ يومَ عَرَفَة مع الإمام، هل له أنّ يجمع بينهما أم لا؟ فقال مالك: له أنّ يجمع بين الظّهر والعصر إذا فاته ذلك مع الإمام، وكذلك المغرب والعشاء يَجمعَ بينهما بالمزدلفة إذا فاتته مع الإمام. وقال أبو حنيفة (٧): لا يَجمعُ بينهما إلّا من صلّاهما مع الإمام. واختلف العلماء في الأذان للجمع بين الصّلاتين بعَرَفَة: فقال مالك (٨): يصلِّيهما بأذانين وإقامتين. وقال الشّافعيّ (٩) وأبو حنيفة (١٠) وأصحابه والطّبريّ: يَجمعُ بينهما بأذان واحد

стр. 2033

وإقامتين إقامة لكلِّ صلاة، وقد رُوِيَ عن مالك مثله (١)، والأوّل أشهر عنه، وهو (٢) تحصيل مذهبه. وأجمع الفقهاء على أنّ الإمام لو صلّى بعَرَفَة بغير خُطبة أنّ صلاته جائزةٌ، وأنّه يقصرُ الصّلاة إذا كان مسافرًا وإن لم يخطُب، ويسرُّ بالقراءةَ فيهما؛ لأنّهما ظُهرٌ وعصرٌ قُصِرتا من أجل السَّفَر. وأجمعوا أنّ الخُطبة قبل الصّلاة يومَ عَرَفَة. الصَّلاة (٣) بمنىَ يوم التّروية، والجمعة بمنىَ وعرفة (٤) مالك (٥)، عن نافع؛ أنّ ابنَ عمر كان يصلِّي الظّهرَ والعصرَ والمغربَ والعِشاءَ بمنىً، ثمّ يغدو إذا طلعتِ الشّمسُ إلى عَرَفةَ. قال القاضي (٦): أمّا صلاتُه بِمِنىً، فكذلك فعل رسولُ الله ﷺ (٧)، وهي سُنَّةٌ معمولٌ بها عند الجميع مستحبَّةٌ، ولا شيء عندهم على تاركها إذا شهد عَرَفَة في وقتها. وأمّا غُدُوُّهُ منها إلى عَرَفةَ حين طلوع الشّمس فحسَنٌ، وليس في ذلك عند أهل الحلم حدٌّ. وأجمع العلماء على أنّه لا يجهرُ الإمام بالقراءة في الصّلاة بعَرَفَة يوم عرفة. وأجمعوا أنَّ الإمام لو صلّى يوم عَرَفَة بغير خُطبة أنّ صلاتَه جائزة. واختلفوا في وجوب الجمعة بعَرَفَة ومِنىً: فقال مالك (٨): لا تجب الجمعةُ بعَرَفَة ولا مِنىً أيّام الحجِّ، لا على أهل مكّة

стр. 2034

ولا على غيرهم، إلّا أنّ يكون إمام عَرَفَة (١) فيجمع بعَرَفَة. وقال الشّافعيّ: لا تجب الجمعة بعَرَفَة، إِلَّا أنّ يكون بها من أهلها أربعون رجلًا، فيجوز حينئذٍ (٢) أنّ يصلِّي بهم الإمامُ الجمعةَ، يعني إنَّ كان من أهلها أو كان مكّيًا. قال القاضي (٣): وحجّةُ من قال: لا جمعة بمنىً ولا بعَرَفَة، أنّهما ليستا بمِصْرٍ، وإنّما الجمعة في الأمصار (٤). وحُجَّة من قال بقول مالك: أنّ أهل مكّة لمّا (٥) كان عليهم أنّ يقصروا بمِنىً وعَرَفَة، كانوا بمنزلة المسافرين، ولا جمعةَ على مسافرٍ، لا في يوم النَّحر ولا في غيره، وهذا إنّما يخرجُ على إمام قادم مكّة من غيرها مسافر (٦)، فإن كان من أهلها فكما قال عطاء. الصَّلاة بالمزدلفة (٧) الأحاديث (٨): قال القاضي: وأجمعوا أنّ رسول الله ﷺ دفع من عَرَفَة في حَجَّته بعد ما غربتِ الشّمسُ من يوم عَرَفَة، وأخَّر صلاة المغرب لم يصلِّها في ذلك الوقت حتّى أتى المزدلفة، فصلَّى فيها المغرب والعشاء، جمع بنيهما بعد ما غاب الشَّفَقُ. وأجمعوا أنّ تلك سُّنَّة الحاجّ كلّهم في تلك المواضع. واختلفوا في كيفية الأذان والإقامة لتلك الصّلاتين: فقال مالك (٩): يَجمعُ بينهما ويُؤذِّن ويُقيم لكلِّ واحدة منهما.

стр. 2035

وقال الثَّوريُّ: يصلِّيها بإقامة واحدة لا يفصل بينهما. وقال أبو حنيفة (١) وأبو يوسف: يصلِّي المغرب بأذان وإقامة (٢). وقال ابنُ القاسم (٣): قال مالك: لكلِّ صلاة أذانٌ وإقامةٌ. قال القاضي (٤): والحُجَّة لمالك؛ أنّ رسول الله ﷺ جعل الصَّلاتين بالمزدلفة وقتًا (٥) واحدًا سنَّ (٦) ذلك لهما، وإذا كان وقتُهما وقتًا واحدًا، لم تكن إحداهما أوْلَى بالأذان والإقامة من صاحبتها؛ لأنّ كلّ واحدة منهما تصلّي في وقتها. وقد أجمعوا أنّ الصّلاة إذا صُلِّيت في جماعة لوقتها أنّ من سُنَّتها أنّ يؤذَّن لها ويقام. وقال بعض علمائنا (٧): العجبُ من مالك في هذا الباب إذْ أخذَ بحديث ابنِ مسعود (٨) ولم يروه، وترك ما رَوَى في ذلك. قال القاضي (٩): لا أعلم أنّ مالكًا رَوَى في ذلك حديثًا فيه ذِكْرُ أذان ولا إقامة، وأعْجَبُ منه ما (١٠) عجبَ منه أحمد بن حنبل أنّ أبا حنيفة وأصحابه لا يعدلون (١١) بحديث ابن مسعود أحدًا (١٢)، وخالفوه (١٣) في هذه المسألة (١٤) وأخذوا بحديث
следующие страницы →